Verse. 681 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَلَقَدْ اَخَذَ اللہُ مِيْثَاقَ بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ۝۰ۚ وَبَعَثْنَا مِنْہُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيْبًا۝۰ۭ وَقَالَ اللہُ اِنِّىْ مَعَكُمْ۝۰ۭ لَىِٕنْ اَقَمْــتُمُ الصَّلٰوۃَ وَاٰتَيْتُمُ الزَّكٰوۃَ وَاٰمَنْتُمْ بِرُسُلِيْ وَعَزَّرْتُمُوْہُمْ وَاَقْرَضْتُمُ اللہَ قَرْضًا حَسَـنًا لَّاُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَـيِّاٰتِكُمْ وَلَاُدْخِلَـنَّكُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْھٰرُ۝۰ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاۗءَ السَّبِيْلِ۝۱۲
Walaqad akhatha Allahu meethaqa banee israeela wabaAAathna minhumu ithnay AAashara naqeeban waqala Allahu innee maAAakum lain aqamtumu alssalata waataytumu alzzakata waamantum birusulee waAAazzartumoohum waaqradtumu Allaha qardan hasanan laokaffiranna AAankum sayyiatikum walaodkhilannakum jannatin tajree min tahtiha alanharu faman kafara baAAda thalika minkum faqad dalla sawaa alssabeeli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل» بما يذكر بعد «وبعثنا» فيه التفات عن الغيبة أقمنا «منهم اثني عشر نقيبا» من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم «وقال» لهم «الله إنِّي معكم» بالعون والنصرة «لئن» لام قسم «أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزَّرتموهم» نصرتموهم «وأقرضتم الله قرضا حسنا» بالإنفاق في سبيله «لأكفرنَّ عنكم سيئآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك» الميثاق «منكم فقد ضل سواء السبيل» أخطأ طريق الحق. والسواء في الأصل الوسط فنقضوا الميثاق قال تعالى.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً: الأول: أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا } تفسير : [المائدة: 7] ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة، والثاني: أنه لما ذكر قوله {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } تفسير : [ المائدة: 11] وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبداً كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق، الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والالزام غير مخصوصة بهم، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده. المسألة الثانية: قال الزجاج: النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب إلى آخره، ومنه النقبة من الحرب لأنه داء شديد الدخول،وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيعجد طعم القطران في لحمه، والنقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقيب، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف. إذا عرفت هذا فنقول: النقيب فعيل، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول، فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها، وقال أبو مسلم: النقيب ههنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على علم بهم، ونظيره أنه يقال للمضروب: ضريب، وللمقتول قتيل. وقال الأصم: هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم. المسألة الثالثة: أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطاً، فاختار الله تعالى من كل سبط رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم. وقال مجاهد والكلبي والسدي: أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم ابن يوسف، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما {أية : قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ } تفسير : [المائدة: 23] الآية. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف، والتقدير: وقال الله لهم إني معكم، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم. المسألة الثانية: قوله {إِنّى مَعَكُمْ } خطاب لمن؟ فيه قولان: الأول: أنه خطاب للنقباء، أي وقال الله للنقباء إني معكم. والثاني: أنه خطاب لكل بني إسرائيل، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى. لأن الضمير يكون عائداً إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم. المسألة الثالثة: أن الكلام قد تم عند قوله {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ } والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم، فقوله {إِنّى مَعَكُمْ } مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية، والشرط فيها مركب من أمور خمسة، وهي قوله {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } والجزاء هو قوله {لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } وذلك إشارة إلى إزالة العقاب. وقوله {ولأُدخلنكم جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } وهو إشارة إلى إيصال الثواب، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؟ والجواب: أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل. والسؤال الثاني: ما معنى التعزيز؟ الجواب: قال الزجاج: العزر في اللغة الرد، وتأويل عزرت فلاناً، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي نصرتموهم، وذلك لأن من نصر إنساناً فقد رد عنه أعداءه. قال: ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله {أية : وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ } تفسير : [الفتح: 9] تكراراً. والسؤال الثالث: قوله {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟ والجواب: المراد بإيتاء الزكاة الواجبات. وبهذا الاقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها. قال الفرّاء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر، ومثله قوله {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } تفسير : [آل عمران: 37] ولم يقل يتقبل، وقوله {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ولم يقل إنباتاً. ثم قال تعالى: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم. فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل. قلنا: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}. فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قال ٱبن عطية: هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوّي أن الآية المتقدّمة في كفّ الأيدي إنما كانت في بني النَّضير؛ واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النَّقيب كبير القوم، القائم بأُمورهم الذي يُنَقِّب عنها وعن مصالحهم فيها. والنَّقَّاب: الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة؛ ومنه قيل في عمر رضي الله عنه: إنه كان لنقَّابا. فالنُّقباء الضُّمان، واحدهم نقيب، وهو شاهد القوم وضمينهم؛ يقال: نَقَب عليهم، وهو حسن النَّقِيبة أي حسن الخليقة. والنَّقْب والنُّقْب الطريق في الجبل. وإنما قيل: نقِيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرِف مناقِبهم وهو الطريق إلى معرفة أُمورهم. وقال قوم النُّقباء الأمناء على قومهم؛ وهذا كله قريب بعضه من بعض. والنَّقيب أكبر مكانة من العَريف. قال عطاء بن يَسار: حملة القرآن عرفاء أهل الجنة؛ ذكره الدَّارمِيّ في مسنده. قال قَتَادة ـ رحمه الله ـ وغيره: هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سِبْط، تكفّل كل واحد بسِبْطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله؛ ونحو هذا كان النّقباء ليلة العَقَبة؛ بايع فيها سبعون رجلاً وامرأتان، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلاً، وسماهم النُّقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم. وقال الرّبيع والسُّدي وغيرهما: إنما بعث النّقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبَّارين والسَّبْر لقوّتهم ومنعتهم؛ فساروا ليختبروا حال من بها، ويُعلِموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم؛ فٱطلعوا من الجبّارين على قوّة عظيمة ـ على ما يأتي ـ وظنوا أنهم لا قبل لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن يُخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يُعلموا به موسى عليه السلام، فلما ٱنصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرّفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم؛ ففشا الخبر حتى ٱعوج أمر بني إسرائيل فقالوا: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. الثانية ـ ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى ٱطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام؛ وقد جاء أيضاً مثله في الإسلام؛ قال صلى الله عليه وسلم لهَوَازِن: « حديث : ارجعوا حتى يَرفع إلينا عُرفاؤكم أمركم » تفسير : . أخرجه البخاري. الثالثة ـ وفيها أيضاً دليل على ٱتخاذ الجاسوس. والتَّجسُّسُ: التَّبحّث. وقد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسْبَسَة عينا؛ أخرجه مسلم. وسيأتي حكم الجاسوس في «الممتحنة» إن شاء الله تعالى. وأما أسماء نُقَباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في «المحبر» فقال: من سِبط روبيل شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون شوقوط بن حورى، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف، ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو، ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدى بن سوشا، ومن سبط دان عمائيل بن كسل، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا، ومن سبط كاذ كوال بن موخى؛ فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطاً عليهم؛ قاله المَاوَرْدِيّ. وأما نقباء ليلة العَقَبة فمذكورون في سيرة ٱبن إسحاق فلينظروا هناك. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} الآية. قال الرّبيع بن أنس: قال ذلك للنقباء. وقال غيره: قال ذلك لجميع بني إسرائيل. وكُسِرت «إنّ» لأنها مبتدأة. «مَعَكُمْ» منصوب لأنه ظرف، أي بالنصر والعون. ثم ابتدأ فقال: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} إلى أن قال: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي إن فعلتم ذلك {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ}. واللام في «لَئِنْ» لام توكيد ومعناها القسم؛ وكذا {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ}، {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ}. وقيل: المعنى لئِن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم، وتضمن شرطاً آخر لقوله: {لأُكَفِّرَنَّ} أي إن فعلتم ذلك لأكفرن. وقيل: قوله {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} جزاء لقوله: {إِنِّي مَعَكُمْ} وشرط لقوله: {لأُكَفِّرَنَّ}. والتَّعْزير: التَّعظيم والتوقير؛ وأنشد أبو عُبيدة: شعر : وكم من ماجِد لهم كريمٌ ومن ليثٍ يُعَزَّر في النَّديّ تفسير : أي يُعظَّم ويُوقَّر. والتّعزير: الضربُ دون الحدّ، والرّدُّ؛ تقول: عَزّرتُ فلاناً إذا أدَّبْتَه ورددته عن القبيح. فقوله: «عَزَّرْتُمُوهُمْ» أي رددتم عنهم أعداءهم. {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} يعني الصدقات؛ ولم يقل إقراضاً، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله: { أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17]، { أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } تفسير : [آل عمران: 37] وقد تقدّم. ثم قيل: «حَسَناً» أي طيّبة بها نفوسكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالاً. وقيل: «قرضاً» ٱسم لا مصدر. {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ} أي بعد الميثاق. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي أخطأ قصد الطريق. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِي إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً} شاهداً من كل سبط ينقب عن أحوال قومه ويفتش عنها، أو كفيلاً يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به. روي أن بني إسرائيل لما فرغوا من فرعون واستقروا بمصر، أمرهم الله سبحانه وتعالى بالمسير إلى أريحاء من أرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها فإني ناصركم، وأمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يأخذ من كل سبط كفيلاً عليهم بالوفاء بما أمروا به، فأخذ عليهم الميثاق واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار، ونهاهم أن يحدثوا قومهم، فرأوا أجراماً عظيمة وبأساً شديداً فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم ونكث الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف. {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّي مَعَكُمْ } بالنصرة {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي نصرتموهم وقويتموهم وأصله الذب ومنه التعزيز. {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} بالإِنفاق في سبيل الخير وقرضاً يحتمل المصدر والمفعول. {لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ} جواب للقسم المدلول عليه باللام في لئن ساد مسد جواب الشرط. {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم. {مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } ضلالاً لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك، إذ قد يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم له معذرة.

ابن كثير

تفسير : لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه، أعقبهم ذلك لعناً منه لهم، وطرداً عن بابه وجنابه، وحجاباً لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع، والعمل الصالح، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً} يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء، من كل سبط نقيب، قال محمد ابن إسحاق: فكان من سبط روبيل شامون بن زكّور، ومن سبط شمعون شافاط بن حري، ومن سبط يهوذا كالب بن يوفنا، ومن سبط أبين ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف، وهو سبط إفرايم يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين فلطمي بن رفون، ومن سبط زبولون جدي بن سودي، ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف جدي بن سوسى، ومن سبط دان حملائيل بن جمل، ومن سبط أسير ساطور بن ملكيل، ومن سبط نفثالي نحي بن وفسي، ومن سبط جادجو لايل بن ميكي. وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل الصوني بن سادون، وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا يحشون بن عمبيا ذاب، وعلى بني يساخر شال بن صاعون، وعلى بني زبولون الياب بن حالوب، وعلى بني إفرايم منشا بن عمنهود، وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين أبيدن بن جدعون، وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أسير نحايل بن عجران، وعلى بني حاز السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان. وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيباً: ثلاثة من الأوس: وهم أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ويقال بدله: أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زراة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمر بن خنيس، رضي الله عنهم، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق رحمه الله، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اثنا عشر؛ كعدة نقباء بني إسرائيل» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» تفسير : ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي، فسألت، أي: ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «حديث : كلهم من قريش» تفسير : وهذا لفظ مسلم. ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطىء اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض؛ لجهلهم وقلة عقلهم. وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام، وإن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيماً، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر، فيتشيع كثير منهم جهلاً وسفهاً؛ لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ} أي: بحفظي وكلاءتي ونصري {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى} أي: صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق، {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته، {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ} أي: ذنوبكم، أمحوها وأسترها، ولا أؤاخذكم بها، {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود. وقوله: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشده، وجحده، وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال. ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ} أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم، أي: أبعدناهم عن الحق، وطردناهم عن الهدى، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي: فلا يتعظون بموعظة؛ لغلظها وقساوتها، {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه مالم يقل، عياذاً بالله من ذلك، {وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال الحسن: تركوا عرا دينهم، ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها. وقال غيره: تركوا العمل، فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة، {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} يعني: مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك. وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} وهذا هو عين النصر والظفر؛ كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} يعني به: الصفح عمن أساء إليك. وقال قتادة: هذه الآية: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} منسوخة بقوله: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [التوبة: 29] الآية. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ} أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى متابعون المسيح بن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى: {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم قال تعالى: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب عز وجل وتعالى وتقدس عن قولهم علواً كبيراً؛ من جعلهم له صاحبة وولداً، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِى إِسْرٰءِيلَ } بما يذكر بعد {وَبَعَثْنَا } فيه التفات عن الغيبة أقمنا {مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } من كل سبط نقيب يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم {وَقَالَ } لهم {ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ } بالعون والنصرة {لَئِنْ } لام قسم {أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } نصرتموهم {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } بالإِنفاق في سبيله {لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } الميثاق {مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أخطأ طريق الحق، و(السواء) في الأصل (الوسط) فنقضوا الميثاق.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ } كلام مستأنف يتضمن ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل من الخيانة. وقد تقدّم بيان الميثاق الذي أخذه الله عليهم. واختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء، بعد الإجماع منهم على أن النقيب كبير القوم العالم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، والنَّقَّابُ: الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة، ويقال نقيب القوم لشاهدهم وضمينهم. والنقيب: الطريق في الجبل هذا أصله، وسمي به نقيب القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم. والنقيب: أعلى مكاناً من العريف، فقيل المراد ببعث هؤلاء النقباء، أنهم بعثوا أمناء على الإطلاع على الجبارين، والنظر في قوّتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك، فاطلعوا من الجبارين على قوّة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها، فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم، ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو، وقالوا {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا}تفسير : [المائدة: 24] وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله، وهذا معنى بعثهم، وسيأتي ذكر بعض ما قاله جماعة من السلف في ذلك. قوله: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ } أي: قال ذلك لبني إسرائيل، وقيل للنقباء؛ والمعنى: إني معكم بالنصر والعون، واللام في قوله: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ } هي: الموطئة للقسم المحذوف، وجوابه: {لأكَفّرَنَّ } وهو سادّ مسدّ جواب الشرط. والتعزير: التعظيم والتوقير، وأنشد أبو عبيدة:شعر : وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندّى تفسير : أي يعظم ويوقر. ويطلق التعزير على الضرب والردّ، يقال عزّرت فلاناً: إذا أدّبته ورددته عن القبيح، فقوله: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي: عظمتموهم على المعنى الأوّل، أو رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني. قوله {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } أي: أنفقتم في وجوه الخير، و {قَرْضًا } مصدر محذوف الزوائد، كقوله تعالى: {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } تفسير : [آل عمران: 37] أو مفعول ثان لأقرضتم. والحسن: قيل هو ما طابت به النفس؛ وقيل ما ابتغى به وجه الله؛ وقيل الحلال. قوله: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي: بعد الميثاق أو بعد الشرط المذكور، {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي: أخطأ وسط الطريق. قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} الباء سببية وما زائدة، أي: فبسبب نقضهم ميثاقهم: {لَعنَّـٰهُمْ } أي: طردناهم وأبعدناهم {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي: صلبة لا تعي خيراً ولا تعقله. وقرأ حمزة والكسائي «قسِّية» بتشديد الياء من غير ألف، وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيـى بن وثاب؛ يقال درهم قسىّ مخفف السين مشدّد الياء: أي زائف، ذكر ذلك أبو عبيد. وقال الأصمعي وأبو عبيدة: درهم قسىّ كأنه معرب قاس. وقرأ الأعمش «قسية» بتخفيف الياء وقرأ الباقون: {قَاسِيَةً } {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } الجملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية: أي: يبدّلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله. وقرأ السلمي والنخعي «الكلام». قوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } أي: لا تزال يا محمد تقف على خائنة منهم، والخائنة: الخيانة؛ وقيل هو نعت لمحذوف، والتقدير فرقة خائنة، وقد تقع للمبالغة نحو علاّمة ونسّابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة؛ وقيل خائنة معصية. قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } استثناء من الضمير في منهم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } قيل: هذا منسوخ بآية السيف؛ وقيل: خاص بالمعاهدين. قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ } الجار والمجرور متعلق بقوله: {أَخَذْنَا } والتقديم للاهتمام، والتقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، أي: في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. قال الأخفش: هو كقولك أخذت من زيد ثوبه ودرهمه، فرتبة "الذين" بعد أخذنا. وقال الكوفيون بخلافه؛ وقيل إن الضمير في قوله: {مِيثَـٰقَهُمْ } راجع إلى بني إسرائيل: أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم من بني إسرائيل، وقال: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ } ولم يقل، ومن النصارى، للإيذان بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار الله. قوله: {فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } أي: نسوا من الميثاق المأخوذ عليهم نصيباً وافراً عقب أخذه عليهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء } أي: ألصقنا ذلك بهم، مأخوذ من الغراء: وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه يقال: غرى بالشيء يغري غرياً بفتح الغين مقصوراً، وغراء بكسرها ممدوداً، أي أولع به حتى كأنه صار ملتصقاً به، ومثل الإغراء التحرش، وأغريت الكلب: أي أولعته بالصيد، والمراد بقوله: {بَيْنَهُمْ } اليهود والنصارى؛ لتقدم ذكرهم جميعاً؛ وقيل: بين النصارى خاصة، لأنهم أقرب مذكور، وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكفر بعضهم بعضاً، وتظاهروا بالعداوة في ذات بينهم. قال النحاس: وما أحسن ما قيل في معنى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء }: أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها قوله: {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } تهديد لهم: أي سيلقون جزاء نقض الميثاق. وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } أي: كفيلاً كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجال أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافنه، فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين، ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب موسى الحجر لكل سبط عيناً حجراً لهم يحملونه معهم، فقال لهم موسى: اشربوا يا حمير، فنهاه الله عن سبهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } قال: هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبة من فاكهتهم، وفر رجل، فقال: اقدروا قوّة قوم وبأسهم وهذه فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا}تفسير : [المائدة: 24] وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط، وأسماؤهم مذكورة في السفر الرابع من التوراة، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قال: أعنتموهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قال: نصرتموهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } يعني حدود الله، يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } قال: نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } قال: هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } قال: كذب وفجور، وفي قوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } قال: لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }تفسير : الآية [التوبة: 29]. وأخرج أبو عبيد وابن جرير، وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: أغرى بعضهم ببعض بالخصومات والجدال في الدين.

الماوردي

تفسير : وفي قوله تعالى: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} تأويلان: أحدهما: يعني نصرتموهم، وهذا قول الحسن، ومجاهد. الثاني: عظمتموهم، وهذا قول أبي عبيدة. وأصله المنع، قال الفراء: عزرته عزراً إذا رددته عن الظلم، ومنه التعزير لأنه يمنع من معاودة القبح. قوله تعالى: {فَبِمَا نَقَْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} وتقديره: فبنقضهم ميثاقهم لعنَّاهم، و "ما" صلة زايدة. {وَجَعَلْنَا قَلُوبَهُمْ قَاسيَةً} من القسوة وهي الصلابة. وقرأ حمزة والكسائي {قَسِيّةً} وفيه تأويلان: أحدهما: أنها أبلغ من قاسية. والثاني: أنها بمعنى قاسية. {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} يعني بالتغيير والتبديل، وسوء التأويل. {وَنَسُواْ حَظّاً مِّمََّا ذُكِّرُواْ بِهِ} يعني نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم. {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} فيه تأويلان. أحدهما: يعني خيانة منهم. والثاني: يعني فرقة خائنة. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحُ} فيها قولان: أحدهما: أن حكمها ثابت فى الصفح والعفو إذا رآه. والثاني: أنه منسوخ، وفى الذي نسخه قولان: أحدهما: قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَومِ الآخِرِ}تفسير : [التوبة: 29] وهذا قول قتادة. والثاني: قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافُنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيهِم عَلَى سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58].

ابن عطية

تفسير : هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في أمر بني النضير، واختلف المفسرون في كيفية بعثة هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، والنقاب الرجل العظيم الذي هو في الناس كلهم على هذه الطريقة ومنه قيل في عمر: إنه كان لنقاباً، فالنقباء قوم كبار من كل سبط تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله تعالى. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ونحو هذا كان النقباء ليلة بيعة العقبة مع محمد صلى الله عليه وسلم، وهي العقبة الثالثة بايع فيه سبعون رجلاَ وامرأتان فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم إسرائيل أمناء على الاطلاع الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم فساروا حتى لقيهم رجل من الجبارين فأخذهم جميعاً فجعلهم في حجزته. قال القاضي أبو محمد: في قصص طويل ضعيف مقتضاه أنهم اطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بهم فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى عليه السلام ليرى فيه أمر ربه فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ومن وثقوه على سرهم ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل وقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، وأسند الطبري عن ابن عباس قال: النقباء من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى مدينة الجبارين فذهبوا ونظروا فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل فقالوا: اقدروا قدر قوم هذه فاكهتهم فكان ذلك سبب فتنة بني إسرائل ونكولهم، وذكر النقاش أن معنى قوله تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} أي ملكاً وأن الآية تعديد نعمة الله عليهم في أن بعث لإصلاحهم هذا العدد من الملوك قال فما وفى منهم إلا خمسة داود عليه السلام وابنه سليمان وطالوت وحزقيا وابنه وكفر السبعة وبدلوا وقتلوا الأنبياء وخرج خلال الاثني عشر اثنان وثلاثون جباراً كلهم يأخذ الملك بالسيف ويعيث فيهم والضمير في {معكم} لبني إسرائيل جميعاً ولهم كانت هذه المقالة وقال الربيع: بل الضمير للاثني عشر ولهم كانت هذه المقالة. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أرجح و {معكم} معناه بنصري وحياطتي وتأييدي واللام في قوله {لئن} هي المؤذنة بمجيء لام القسم ولام القسم هي قوله {لأكفرن} والدليل على أن هذه اللام إنما هي مؤذنة أنها قد يستغنى عنها أحياناً ويتم الكلام دونها ولو كانت لام القسم لن يترتب ذلك، وإقامة الصلاة توفية شروطها و {الزكاة} هنا شيء من المال كان مفروضاً فيما قال بعض المفسرين ويحتمل أن يكون المعنى وأعطيتم من أنفسكم كل ما فيه زكاة لكم حسبما ندبتم إليه وقدم هذه على الإيمان تشريفاً للصلاة والزكاة وإذ قد علم وتقرر أنه لا ينفع عمل إلا بإيمان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "برسْلي" ساكنة السين في كل القرآن. {وعزرتموهم} معناه وقرتموهم وعظمتموهم ونصرتموهم ومنه قول الشاعر: شعر : وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندى تفسير : وقرأ عاصم الجحدري "وعَزرتموهم" خفيفة الزاي حيث وقع وقرأ في سورة الفتح "وتَعزوه" بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي، وقد تقدم في سورة البقرة تفسير الإقراض، وتكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة و {سواء السبيل} وسطه ومنه {أية : سواء الجحيم} تفسير : [ الصافات:55] ومنه قول الأعرابي قد انقطع سوائي، وأوساط الطرق هي المعظم اللاحب منها، وسائر ما في الآية بيّن والله المستعان.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِيثَاقَ بَنِىَ إِسْرَآءِيلَ}: بإخلاص العبادة ولزوم الطاعة. {نَقِيباً} أخذ من كل سبط منهم نقيب وهو الضمين، أو الأمين، أو الشهيد على قومه، والنقب في اللغة الواسع. فنقيب القوم هو الذي ينقب عن أحوالهم، بُعثوا ضمناء لقومهم بما أخذ به ميثاقهم، أو بُعثوا إلى الجبارين ليقفوا على أحوالهم، فرجعوا ينهون عن قتالهم لما رأوا من شدّة بأسهم وعظم خلقهم إلا اثنين منهم. {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} نصرتموهم، أو عظمتموهم، مأخوذ من المنع عزرته عزراً رددته عن الظلم.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِي إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً } هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها. ولما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحا أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقال لهم: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم، وأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا أجراماً عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوقنا ويوشع بن نون وكانا من النقباء {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ } أي ناصركم ومعينكم. وتقف هنا لابتدائك بالشرط الداخل عليه اللام الموطئة للقسم وهو {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ } وكانتا فريضتين عليهم {وَآمَنتُم بِرُسُلِي} من غير تفريق بين أحد منهم {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } وعظمتموهم أو نصرتموهم بأن تردّوا عنهم أعداءهم، والعزر في اللغة الردّ ويقال عزرت فلاناً أي أدّبته يعني فعلت به ما يردعه عن القبيح كذا قاله الزجاج {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } بلا مَنٍّ وقيل: هو كل خير. واللام في {لأُِّّكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } جواب للقسم وهذا الجواب سادّ مسد جواب القسم والشرط جميعاً {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ } أي بعد ذلك الشرط المؤكد المتعلق بالوعد العظيم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } أخطأ طريق الحق، نعم من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضاً ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم. {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } «ما» مزيد لإفادة تفخيم الأمر {لَعنَّـٰهُمْ } طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } يابسة لا رحمة فيها ولا لين. «قسيّة»: حمزة وعلي أي رديئة من قولهم: «درهم قسي» أي رديء {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } يفسرونه على غير ما أنزل وهو بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه {وَنَسُواْ حَظَّا } وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً {مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ } من التوراة يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرفوا التوراة وزلت أشياء منها عن حفظهم. عن ابن مسعود رضي الله عنه: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته {وَلاَ تَزَالُ } يا محمد {تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ } أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك، وقوله «على خائنة» أي على خيانة أو على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة، ويقال: «رجل خائنة» كقولهم «رجل راوية للشعر» للمبالغة. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ } وهم الذين آمنوا منهم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } بعث على مخالفتهم، أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم {وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} و« من» في قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ } وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأخذنا أي وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، فقدم على الفعل الجار والمجرور وفصل بين الفعل والواو بالجار والمجرور. وإنما لم يقل «من النصارى» لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله. ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصاراً للشيطان {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا } فألصقنا وألزمنا من غرى بالشيء إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به {بَيْنَهُمْ } بين فرق النصارى المختلفين {ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بالأهواء المختلفة {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } أي في القيامة بالجزاء والعقاب. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } خطاب لليهود والنصارى، والكتاب للجنس {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا } محمد عليه السلام {يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن نحو الرجم {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } مما تخفونه لا يبينه أو يعفو عن كثير منكم لان يؤاخذه {قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ولإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، أو النور محمد عليه السلام لأنه يهتدى به كما سمي سراجاً {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ } أي بالقرآن {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} من آمن منهم { سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ } طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله فالسلام السلامة أو الله {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام {بِإِذْنِهِ } بإرادته وتوفيقه {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ * لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } معناه بت القول على أن الله هو المسيح لا غير. قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك، أو لأن مذهبهم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيـي ويميت {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } أي إن أراد أن يهلك من دعوه إلهاً من المسيح وأمه يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد. وعطف «من في الأرض جميعاً» على «المسيح وأمه» إبانة أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم، والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه نقص البشرية، ومن لاحت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية، ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصمدية. {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى بلا ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من آدم، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم، أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } أي أعزة عليه كالابن على الأب، أو أشياع ابني الله عزير والمسيح كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون، وكما كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناء الملوك أو نحن أبناء رسل الله {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياماً معدودة على زعمكم، وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الولد ولده بالنار؟ ثم قال رداً عليهم {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } أي أنتم خلق من خلقه لا بنوه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } لمن تاب عن الكفر فضلاً {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ } من مات عليه عدلاً {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } فيه تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والبنوة متنافيان. { يَٰـأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا } محمد عليه السلام {يُبَيِّنُ لَكُمْ } أي الشرائع وحذف لظهوره، أو ما كنتم تخفون وحذف لتقدم ذكره أو لا يقدر المبين ويكون المعنى يبذل لكم البيان وهو حال أي مبيناً لكم {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ } متعلق بـ «جاءكم» أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، وكان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو خمسمائة سنة وستون سنة {أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا {مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } والفاء في {فَقَدْ جَاءَكُمْ } متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا فقد جاءكم {بَشِيرٌ } للمؤمنين {وَنَذِيرٌ } للكافرين، والمعنى الامتنان عليهم بأن الرسول بعث إليهم حتى انطمست آثار الوحي أحوج ما يكونون إليه ليهشوا إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فكان قادراً على إرسال محمد عليه السلام ضرورة .

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} لما ذكر الله في الآية المتقدمة بعض غدرات اليهود وما أرادوه من كيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أتبعه بذكر أسلافهم وما نقضوه من المواثيق والعهود ومعنى الآية أن الله أخذ ميثاقهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وأن يعملوا بما في التوراة من الأحكام والتكاليف {وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} اختلف العلماء في معنى النقيب فقال ابن عباس: النقيب الضمين. وقال قتادة: هو الشهيد على قومه. وقيل: هو الأمين الكفيل. وقيل: هو الباحث عن القوم وعن أحوالهم. (ذكر القصة في ذلك) قال أصحاب الأخبار والسير: إن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون فأمر الله موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض وقال: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم وخذ من قومك اثني عشر نقيباً من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به فاختار موسى النقباء وسار ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء وهي مدينة الجبارين فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها فلقيهم رجل من الجبارين يقال له، عوج بن عنق، وعنق: أمه، وهي إحدى بنات آدم عليه السلام. وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع هكذا نقله البغوي وفيه نظر لأن آدم عليه السلام كان طوله على ما ورد في الأحاديث الصحيحة ستين ذراعاً. قال: وكان عوج يحتجر بالسحاب ويشرب من مائة ويتناول الحوت من قعر البحر ويشويه في عين الشمس، ويروى أن الماء لما طبق على الأرض من جبل وغيره ما بلغ ركبتي عوج وقال لنوح عليه السلام: احملني معك في السفينة فقال نوح عليه السلام: اخرج عني يا عدو الله فإني لم أؤمر بك وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام وذلك أنه اقتلع صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى، وكان فرسخاً في فرسخ وحملها على رأسه ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فنقب الصخرة وقورها بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته وأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله قال، فلما لقي عوج النقباء أخذهم وجعلهم في حجزته وكان على رأسه حزمة حطب وانطلق بهم إلى امرأته وقال لها: انظري إلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها وقال لا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: بل خلِّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا منك وقيل إنه جعلهم في كمه وأتى بهم إلى الملك فنثرهم بين يديه فقال لهم الملك ارجعوا إلى قومكم فأخبروهم بما رأيتم وكان مما رأوا أن العنقود العنب لا يحمله إلا خمسة أنفس منهم بينهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبسها خمسة أنفس فرجع النقباء وقال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إذا خبرتم بني إسرائيل خبر القوم رجعوا عن نبي الله موسى ولا يقاتلونهم معه اكتموا عن بني إسرائيل خبر القوم وأخبروا موسى وهارون بما رأيتم فيريان رأيهما وأخذ بعض النقباء على بعض الميثاق بذلك فلما رجعوا إلى بني إسرائيل نكثوا العهد والميثاق وأخبر كل رجل سبطه بما رأى إلا رجلان منهم وهم يوشع بن نون وكالب بن يوقنا فإنهم أوفيا بالعهود ولم ينكثا الميثاق فذلك قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} {وقال الله إني معكم} فيه حذف تقديره وقال للنقباء: إني معكم يعني بالنصر والمعونة. وقيل: هو خطاب لعامة بني إسرائيل: والقول الأول أولى لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور فكان عوده إلى النقباء أولى ثم ابتدأ الكلام فقال مخاطباً لبني إسرائيل: {لئن أقمتم الصلاة} هذه جملة شرطية والشرط مركب من خمسة أمور، وهي قوله: لئن أقمتم الصلاة {وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً} وجزاء الشرط قوله تعالى: {لأكفرنّ عنكم سيئاتكم} وذلك إشارة إلى إزالة العذاب. وقوله تعالى: {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} إشارة إلى إيصال الثواب ومعنى الآية لئن أقمتم الصلاة المكتوبة وآتيتم الزكاة المفروضة وآمنتم برسلي يعني جميع رسلي وإنما أخر ذكر الإيمان بالرسل لأن اليهود كانوا مقربين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان ببعض الرسل فقال الله لهم إنه لا يتم لكم ذلك ولا يحصل المقصود إلا بالإيمان بجميع الرسل. وقوله تعالى: وعزرتموهم، يعني ونصرتموهم. وأصل التعزير في اللغة: الردع. فمعنى وعزرتموهم: ونصرتموهم بأن تردوا أعداءهم عنهم. وقيل: معناه وقرتموهم وعظتموهم. والقول هو الأول. وأقرضتم الله قرضاً حسناً: يعني به الصدقات المندوبة لأن الزكاة تقدم ذكرها فلا فائدة في تفسير هذا الفرض بالزكاة. فإن قلت: كيف؟ قال: وأقرضتم الله قرضاً حسناً ولم يقل إقراضاً حسناً لأن مصدر أقرضتم الإقراض قلت: إن قوله قرضاً أخرج مصدراً من معناه لا من لفظه وذلك أن أقرض بمعنى قرض فكان معنى الكلام وأقرضتم الله فقرضتم قرضاً حسناً ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : [نوح: 17] إذ كان معناه فنبتم نباتاً وقوله {لأكفرن عنكم سيئاتكم} يعني إذا فعلتم سائر ما أمرتكم به لأمحونَّ عنكم سيئآتكم وأغفرها لكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار {فمن كفر بعد ذلك منكم} يعني بعد أخذ العهد والميثاق {فقد ضل سواء السبيل} يعني فقد أخطأ الطريق المستقيم وهو طريق الدين الذي شرعه والهدى الذي أمر باتباعه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {قسية} حمزة وعلي والمفضل. الباقون {قاسية}. الوقوف: {بني إسرائيل} ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة. {نقيباً} ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار. {معكم} ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه {لأكفرن}. {الأنهار} ج {السبيل} ه {قاسية} ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين {مواضعه} ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا {ذكروا به} ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو. {واصفح} ط {المحسنين} ه {ذكروا به} ص لعطف المتفقتين {يوم القيامة} ط {يصعنون} ه {عن كثير} ه {مبين} ه لا لأن قوله: {يهدي} وصف الكتاب إلى آخر الآية. {مستقيم} ه {المسيح ابن مريم} الأول ط {جميعاً} ط {وما بينهما} ط {ما يشاء} ط {قدير} ه {وأحباؤه} ط {بذنوبكم} ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار {ممن خلق} ط {من يشاء} ط {وما بينهما} ز للفصل بين ذكر الحال والمال. {المصير} ه {ولا نذير} ر للعطف مع وقوع العارض. {ونذير} ط {قدير} ه. التفسير: إنه سبحانه لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم. وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي صلى الله عليه وسلم لولا دفع الله تعالى، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم. والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم. وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم. وأصل النقب الطريق في الجبل. ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر. والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها. ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف. قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله تعالى اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم. ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم. ومعنى {إني معكم} إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم. فحذف الرابط للعلم به. والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل. والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم. فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: {لأكفرن} وهو إشارة إلى إزالة العقاب. وقوله: {ولأدخلنكم} وهو إشارة إلى إيصال الثواب. واللام في {لئن أقمتم} موطئة للقسم وفي {لأكفرن} جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً. والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى {عزرتموهم} نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه. ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: {أية : وتعزروه وتوقروه} تفسير : [الفتح:9] تكراراً. وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟ وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر. قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله {أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} تفسير : [طه:82] أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم. سؤال آخر ما الفائدة في قوله: {وأقرضتم} بعد قوله: {وآتيتم الزكاة}؟ وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة. قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل {أية : وأنبتها نباتاً حسناً} تفسير : [آل عمران: 37] آخر لم قال: {فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟ والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر. {فبما نقضهم ميثاقهم} بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم أو بإخلال جملة الشروط المذكورة {لعناهم} قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا. وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير. قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم {وجعلنا قلوبهم قاسية} من قرأ {قسية}/ فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً. قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً {يحرّفون الكلم} بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه {ونسوا حظاً} تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً {مما ذكروا به} من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: {ولا تزال تطلع على خائنة} أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" {إلا قليلاً منهم} وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم {فاعف عنهم واصفح} بعث على حسن العشرة معهم. فقيل منسوخ بآية الجهاد {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} تفسير : [التحريم:9] وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم {إن الله يحب المحسنين} قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله. وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم. ثم قال: {ومن الذين قالوا إنا نصارى} ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى عليه السلام نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق {أخذنا ميثاقهم} إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل {فأغرينا} ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به {بينهم} بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود. ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: {يا أهل الكتاب} ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس {مما كنتم تخفون من الكتاب} كصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم {ويعفو عن كثير} مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين. وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه {قد جاءكم من الله نور} محمد أو الإسلام {وكتاب مبين} هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين. ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات {يهدي به الله} أي بالكتاب {من اتبع رضوانه} من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه {سبل السلام} طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله {إن الله هو المسيح ابن مريم} بناء على جواز الحلول {فمن يملك من الله شيئاً} من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده. وقوله: {إن أراد} شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد {أن يهلك المسيح} المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟ والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض. فلما سلمتم كونه تعالى خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما. وإنما قال: {وما بينهما} بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين. وفي قوله: {يخلق ما يشاء} وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم عليه السلام. وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله تعالى يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص {نحن أبناء الله وأحباؤه} قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟ وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم. وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله تعالى بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله. وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟ ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم. ثم إنه سبحانه أبطل عليهم دعواهم بقوله: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة. فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً. وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء. أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة. ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار. {بل أنتم بشر من} جملة {من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى {يبيّن لكم} في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين. والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة. وقوله: {على فترة} متعلق بـ {جاءكم} أو حال آخر. قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي. وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع. وكان بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وستون أو ستمائة سنة. وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي. وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب. والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله تعالى عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: {أن تقولوا} أي كراهة أن تقولوا: {ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم} أي لا تعتذورا فقد جاءكم. والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات. التأويل: جعل في أمة موسى عليه السلام اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم" تفسير : وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله تعالى في قيام الساعة {لئن أقمتم الصلاة} بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد. فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعبد الله كأنك تراه " تفسير : {وآتيتم الزكاة} بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله {وآمنتم برسلي} استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة {وأقرضتم الله} بالوجود كله {قرضاً حسناً} وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول. {لأكفرن} لأسترن بالوجود الحقيقي {عنكم سيّآتكم} الوجود المجازي {ولأدخلنكم جنات} الوصلة {تجري من تحتها} أنهار العناية {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} لأنّ العصيان يجر إلى العصيان {فأغرينا بينهم العداوة} حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}: هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالَىٰ ــــ تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ علَىٰ أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره: هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوَىٰ. قال * ع *: ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والضميرُ في {مَعَكُمْ}، لبني إسرائيل، أيْ: معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله: {لَئِنْ}: هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله: {لأُكَفّرَنَّ}؛ والدليل علَىٰ أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ: أنَّهَا قد يستغنَىٰ عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ: توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا: شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، {وعَزَّرتموهم}: معناه: وقَّرْتُمُوهم، وعَظَّمْتموهم، ونَصَرْتُموهم، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: «وَعَزَرْتُمُوهُمْ» ـــ خفيفة الزاي ـــ؛ حيثُ وقع، وقرأ في «سورة الفتحِ»: «وتَعْزُرُوهُ» ـــ بفتح التاء، وسكونِ العينِ، وضمِّ الزاي ـــ، وسَواءُ السَّبِيلِ: وَسَطُه، وسائرُ ما في الآية بَيِّن، واللَّه المستعان. وقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً...} الآية: أيْ: فبنقضِهِمْ، والقَسْوَةُ: غَلِظ القَلْب، ونُبُوُّهُ عن الرِّقَّة والمَوْعِظَة، وصَلاَبَتُهُ حتَّىٰ لا ينفعلَ لخَيْرٍ. وقوله تعالى: {وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ}: نصٌّ علَىٰ سوءِ فِعْلِهِمْ بأنفسهم، أي: قد كان لهم حظٌّ عظيمٌ فيما ذُكِّروا به، فَنَسُوه، وتركُوه، ثم أخبر تعالَىٰ نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ؛ أنه لا يَزَالُ في مستأْنَفِ الزَّمان يطَّلع علَىٰ خائِنَةٍ منهم، وغائلةٍ، وأمورٍ فاسدةٍ. قالت فرقة: خَائِنَة: مصدرٌ، والمعنَىٰ: علَىٰ خِيَانَةٍ، وقال آخرون: معناه: علَىٰ فرْقَةٍ خائِنَةٍ، فهي اسمُ فاعلٍ صفةٌ لمؤنَّث. وقوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ}: منسوخٌ بما في «براءة»، وباقي الآية بيِّن.

ابن عادل

تفسير : قوله جلا وعلا: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} الآية في اتِّصال هذه الآية بما قَبْلَها وجُوه: أحدُهَا: أنه لما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [المائدة: 7]، ذكر بَعْدَهُ أخذ الميثاق من بَنِي إسرائيل لكنَّهُم نَقَضُوه، وتَركُوا الوَفَاء به، أي فلا تكُونُوا مثل أولَئِك من اليَهُود في هذا الخُلُق الذَّمِيم، فَتَصِيروا مِثْلَهُم فيما نزل بهم. وثانيها: لما قال تعالى: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} تفسير : [المائدة: 11]، وقد تقدَّم في بعض رواياتِ أسْبَاب النُّزُول أنَّها نزلت في اليَهُود، وأنَّهم أرادوا إيقاع الشَّرِّ برسُول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فلما ذكر اللَّه تعالى [ذلك] أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَضَائِحِهمْ، وبيان أنَّهُم [أبداً] كانوا مُواظبِين على نَقْضِ الموَاثيق. ثالثها: أنَّ الغَرض من الآيات المُتقدِّمة ترغِيبُ المكلَّفِين في قُبُول التكاليف وترك العصيان، فذكر تعالى أنَّه كلَّفَ من كان قَبْلَكُم كما كلَّفكم؛ لِتَعْلَموا أنَّ عادة الله في عِبَادِه أن يُكَلِّفَهُم، فليس التَّكْليف مَخْصوصاً بكم أيُّهَا المُؤمِنُون، بل هي عَادَةٌ جَارِيَةٌ له مع جَمِيع عِبَادِه. قوله سبحانه: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}. ["منهم"] يجُوزُ أن يتعلَّق بـ "بَعَثْنَا"، ويجُوزُ أن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّهُ حال من "ٱثْنَيْ عَشر"، لأنه في الأصْلِ صفةٌ لَهُ فلما [قُدِّم نصب] حالاً، وقد تقدَّم الكلامُ في تركيبِ "ٱثْنَيْ عشر" وبنائه، وحَذْفِ نُونهِ في "البَقَرة" [البقرة 60]. ["وميثاقٌ" يجُوز أن يكُونَ مُضافاً إلى المَفْعُول - وهو ظاهر - أي: إنَّ الله - تعالى - واثَقَهُم، وأن يكونَ مُضَافاً إلى فاعله، أي: إنِّهم واثَقُوه تعالى. والمُفَاعَلَة: يجوز نِسْبَة الفَعْل فيها إلى كلٍّ من المَذْكَورين]. "والنَّقِيب" فعيلٌ، قيل: بمعْنَى فاعل مُشْتَقّاً من النَّقْب وهو التَّفْتِيش، ومنه: {أية : فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [ق: 36]، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّهُ يُفَتِّشُ عن أحْوَال القَوْمِ وأسْرارِهِم. قال الزَّجَّاج: أصْلُهُ النَّقبُ، وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، ومنه المَناقِبُ، وهي الفضَائِل؛ لأنَّها لا تظهر إلا بالتَّنْقِيب عنها، ونَقَبْتُ الحَائِطَ أي: بلغت في النَّقب إلى آخره، ومنه: النَّقْبَةُ من الجرب؛ لأنه داءٌ شديد الدُّخُول؛ لأن البَعِير يطلى بالهناء فهو حَدُّ طعم القطران في لَحْمِه، والنَّقبَة في السَّراويل بغير رِجْلَيْن؛ لأنَّه قد يُولَع في فتحها، ونقبها ويقال: كَلْبٌ نَقِيبٌ، وهو كَلْبٌ ينقب حنجرته لِئلاَّ يرتفع صوت نُبَاحه، يفعله البُخَلاءُ من العرب لِئلاَّ يظفر بهم ضيْفٌ. وقيل: هو بمعنى مَفْعُول، كأنَّ القَوْمَ اختاروه على عِلْمٍ منهم، وتَفْتِيشٍ على أحْواله. وقيل: هو للمبالغة كَعَليم وخبير. وقال الأصَمّ: هو المَنْظُور إليه المُسْنَدُ إليه أمُور القوم وتَدْبير مَصَالِحهم. فصل قال المُفَسِّرون: إن بَنِي إسرائيل كانوا اثْنَيْ عشر سِبْطاً، واختار الله من كل سِبْط رجلاً يكون نَقِيباً لهم وحَاكِماً فيهم. وقال مجاهد: إن النقبَاء بعثوا إلى مدينة الجَبَّارين الذين أمر مُوسى بالقتال مَعَهُمْ ليقفُوا على أحْوَالِهِمْ، ويرجعوا بذلك إلى نَبيّهم. قال القُرْطُبِي: ذكر مُحمَّدُ بن حَبيبٍ في "المحبر" أسماء نُقَبَاءِ بني إسرائيل، فقال: من سبط روبيل: شموع بن رَكُوب، ومن سِبْط شَمْعون: شوقوط بن حوري، ومن سِبْط يَهُوذا: كالب بن يوقنا، ومن سِبْط السَّاحر: يُوغول بن يُوسُف، ومن سِبْط أفرائيم ابن يوسف: يوشَع بن النون، ومن سِبْط بِنيَامِين: يلظى بن روقو، ومن سِبْطِ ربالون: كرابيل بن سودا، ومن سِبْط منشا بن يوسف كدى بن سوشا، ومن سِبْط دَان: عمائيل بن كسل، ومن سِبْط كاذ كوال بن موخى، ومن سِبْط نَفْتَال: يُوحنَّا بن قوشا، ومن سِبْط شير ستور بن ميخائيل، فلَّما ذهبُوا إليهم رأوا أجراماً عظيمة وقوَّة وشَوْكةً فَهَابُوهم ورجعوا، وحدَّثُوا قومهم وقد نَهَاهُم موسى - عليه السلام - أن يحدِّثُوهم، فنكثوا الميثاقِ إلا كَالب ابن يوقنا من سِبْطِ يَهُوذا، ويوشَع بن نون من سبط أفرائيم بن يوسف، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما: {أية : قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} تفسير : [المائدة: 23]. فصل قال القُرْطُبِي: دلَّت هذه الآيةُ على قُبُول خبَرِ الواحِدِ فيما يَفْتَقِرُ إليه المَرْءُ، ويحتاج إلى اطِّلاعه من حاجاته الدينِيَّة والدُّنْيَويَّة، فترتب عليه الأحْكَام، ويربط به الحلال والحرام، وفيها - أيضاً - دليلٌ على اتِّخاذ الجَاسُوس، وقد بَعَثَ رسُول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بَسْبَسَة عيناً، أخرجه مسلم. وسيأتي حُكْمُ معاني الجَاسُوس في المُمْتَحنة إن شاء الله تعالى. قوله سبحانه: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} في الكلام حذف، والتقدير: وقال الله لهم إنِّي مَعَكُم؛ إلاَّ أنَّه [حذف] ذلك لاتِّصال [الكلام] بِذكْرِهِم وقوله: "إنِّي مَعَكُمْ" قيل: هذا خِطَابٌ للنُّقَبَاء، وقيل: [خطاب] لكلِّ بَنِي إسْرائيل، والأوَّل أوْلَى؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى الضمير. قوله تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} هذه هي اللاَّم الموطِّئة للقَسَم، والقسم معها مَحْذُوف، وقد تقدَّم أنَّه إذا اجْتَمَع قَسمٌ وشرط أجيب سابقُهمَا، إلا أن يتقدَّم ذُو خبر، فيُجَابُ الشَّرْط مُطْلقاً. واعلم أنَّ الكلام قد تَمَّ عند قوله: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} أي: بالعلم والقُدْرة، فأسمع كلاَمَكم، وأرى أفْعَالَكم، وأعْلَمُ ضَمَائِرَكم، وهذه مقدِّمة مُعْتَبرة في التَّرْغيب والتَّرهيب، ثم ابْتَدأ بعدها جُمْلَة شَرْطية، والشَّرْط مركَّبٌ من خمسة أمور، وهي قوله: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. قوله عز وعلا: "لأكَفِّرَنَّ" هذه "اللاَّم" هي جوابُ القسم لسبقه، وجواب الشَّرْط محذوفٌ لدلالةِ جواب [القسم] عليه، وهذا معنى قول الزَّمَخْشَرِيِّ: أن [معنى] قوله: "لأكَفِّرَنَّ" سادٌّ مَسَدّ جوابَي القَسَم والشَّرط، لا كَما فَهِمَهُ بَعْضُهم وردّ عليه ذلك. ويجُوزُ أن يكون "لأكَفِّرَنَّ" جواباً لقوله تعالى قبل ذلك: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} لما تضمَّنه الميثاق [من] معنى القَسَمِ، وعلى هذا فتكُون الجُمْلتان، أعني قوله: "وَبعثْنَا" "وقال اللَّهُ" فيهما وجهان: أحدهما: أنَّها في محلِّ نَصْب على الحال. الثاني: أن تكونا جملتي اعتراضٍ، والظَّاهر أنَّ قوله: "لَئِن أقَمْتُم" جوابه "لأكَفِّرَنَّ" كما تقدَّم، وجملة هذا القسم المَشْروط وجوابه مُفسرة لذلِكَ المِيثَاق المتقدم. والتَّعْزِيرُ التَّعْظيم. قال: [الوافر] شعر : 1944- وَكَمْ مِنْ ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ وَمِنْ لَيْثٍ يُعزَّرُ في النَّدِيِّ تفسير : وقيل: هو الثَّناء بخير قاله يونس، وهو قريب من الأوَّل. وقال الفرَّاء: هو الردَّ عن الظُّلْم. وقال الزَّجَّاج: هو الرَّدْعُ والمَنْعُ، فعلى القَوْلَين الأوَّليْن يكون المعنى: وعظَّمْتُموهم [وأثنيتم] عليهم خيراً، وعلى الثَّالث والرابع يكون المعنى: وَرَدَدْتُمْ وَرَدعْتُمْ عنهم سُفَاءَهُم. قال الزَّجَّاج: عَزَّرْت فُلاناً فعلتُ به ما يردعه عن القَبِيح [مثل نكلت]، فعلى هذا يكون "عزَّرْتُمُوهُمْ" رددتم عنهم أعْدَاءَهُم. وقرأ الحَسَنُ البَصْرِي "بِرُسْلِي" بسُكُونِ السِّين حيث وَقَع. وقرأ الجَحْدَرِيُّ: "وَعَزَرْتُمُوهم" خفيفَةَ الزَّاي، وهي لغة. وقرأ في [الفتح: 9] ["وَتَعْزُرُوه"] بفتح عين المضارعةِ، وسكون العين، وضم الزَّاي، وهي موافقة لقراءته هنا، وتقدَّم الكلام في نَصْب "قَرْضاً" في [البقرة: 245]. فإن قيل: لم أخَّر الإيمان بالرُّسُل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة، مع أنه مُقدَّم عليهما؟. فالجواب: أنَّ اليهود كانوا مُقرِّين بأنَّه لا بد في حُصُول النَّجاة من إقَامَةِ الصلاةِ، وإيتاء الزَّكاة، إلاَّ أنَّهم كانوا مُصرِّين على تكذيب بعض الرُّسلِ، فذكر بعد إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة أنَّه لا بد من الإيمان بجميع الرُّسل حتى يحصُلَ المَقْصُود، وإلاَّ لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة تأثير في حُصول النَّجاة بدون الإيمان بجميع الرُّسُل. فإن قيل: قوله: {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} دخل تحت إيتاء الزَّكاة، فما فائدة الإعَادة؟. فالجواب: أنَّ المراد بالزَّكاة الواجبة، وبالقرض الصَّدقة المندوبة، وخصَّها بالذِّكر تنبيهاً على شَرَفها. قال الفرَّاء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضاً حسناً، لكان صَوَاباً، إلا أنَّه قد يقام الاسْمُ مقام المَصْدَر، ومثله {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} تفسير : [آل عمران: 37]، ولم يقل: يتَقَبَّل، وقوله: {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} تفسير : [آل عمران: 37] ولم يقل إنباتاً. قوله سبحانه: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. أي: أخطأ الطَّرِيق المسْتَقِيم الذي هو الدِّين المَشْرُوع لهم، وقد تقدَّم الكلامُ على سَوَاءِ السَّبِيل. فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضَلَّ سواء السَّبيل؟ فالجوابُ: نعم، ولكن الضَّلال بعده أظْهر وأعْظَم؛ لأنَّ الكُفْرَ إنما عَظُم قُبْحُه لعظم النِّعْمَة المَكْفُورة، فإذا زادت النِّعْمة زاد قُبْحُ الكُفْرِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏{‏ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل‏}‏ قال‏:‏ أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره ‏ {‏وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا‏ً} ‏ يعني بذلك وبعثنا منهم اثني عشر كفيلاً، فكفلوا عليهم بالوفاء لله بما وثقوا عليه من العهود فيما أمرهم عنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{‏اثني عشر نقيبا‏ً} ‏ قال‏:‏ من كل سبط من بني إسرائيل رجال، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس وأربعة، فرجع النقباء كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكالب بن باقية‏.‏ أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب موسى الحجر لكل سبط عيناً حجر لهم يحملونه معهم، فقال لهم موسى‏:‏ اشربوا يا حمير‏.‏ فنهاه الله عن سبهم، وقال‏:‏ هم خلقي فلا تجعلهم حميرا‏ً.‏ والسبط كل بطن بني فلان‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أريحاء - وهي أرض بيت المقدس - فساروا حتى إذا كانوا قريباً منه، أرسل موسى اثني عشر نقيباً من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج، فأخذ اثني عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حزمة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته فقال‏:‏ انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها فقال‏:‏ ألا أطحنهم برجلي‏؟‏ فقالت امرأته‏:‏ بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا‏.‏ ففعل ذلك، فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض‏:‏ يا قوم، إنكم ان أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله، لكن اكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد، فجعل كل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون فأخبروهما، فذلك حين يقول الله ‏{‏ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} ‏ قال‏:‏ شهيداً من كل سبط رجل شاهد على قومه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ النقباء، الأمناء‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏اثني عشر نقيبا‏ً}.‏ قال‏:‏ اثني عشر وزيراً وصاروا أنبياء بعد ذلك‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر يقول‏: شعر : وإني بحق قائل لسراتها مقالة نصح لا يضيع نقيبها تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله عز وجل ‏ {‏اثني عشر نقيباً} ‏ قال‏:‏ هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة، فجاؤوا بحبة من فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا، فقالوا‏:‏ لا نستطيع القتال فاذهب أنت وربك فقاتلا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لو صدقني وآمن بي واتبعني عشرة من اليهود لأسلم كل يهودي" تفسير : . كان قال كعب اثني عشر، وتصديق ذلك في المائدة ‏{‏وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً}. ‏ وأخرج أحمد والحاكم ‏‏‏حديث : عن ابن مسعود‏.‏ أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة‏؟‏ فقال‏:‏ سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: "اثنا عشر كعدة بني إسرائيل‏"‏‏. ‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس‏.‏ أن موسى عليه السلام قال للنقباء الاثني عشر‏:‏ سيروا اليوم فحدثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا إن الله ‏ {‏معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسنا‏ً}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وعزرتموهم‏} ‏ قال‏:‏ أعنتموهم‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏وعزرتموهم‏} ‏ قال‏:‏ نصرتموهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ التعزيز والتوقير‏.‏ النصرة والطاعة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} كلامٌ مستأنفٌ مشتمِلٌ على ذكر بعضِ ما صدَر عن بني إسرائيلَ من الخِيانة ونقضِ الميثاق وما أدّى إليه ذلك من التّبِعاتِ، مَسوقٌ لتقرير المؤمنين على ذكر نعمةِ الله تعالى ومراعاةِ حقِّ الميثاقِ الذي واثقهم به، وتحذيرِهم من نقضِه، أو لتقرير ما ذُكر من الهم بالبطش وتحقيقِه، على تقدير كون ذلك من بني قريظة حسْبما مرّ من الرواية ببـيان أن الغدرَ والخيانة عادةٌ لهم قديمةٌ توارثوها من أسلافهم، وإظهار الاسمِ الجليل لتربـية المهابةِ وتفخيمِ الميثاق وتهويلِ الخطبِ في نقضه، مع ما فيه من رعاية حقِّ الاستئنافِ المستدعي للإنقطاع عما قبله، والالتفاتُ في قوله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً} للجري على سَننِ الكِبْرِياء، أو لأن البعثَ كان بواسطةِ موسى عليه السلام كما سيأتي، وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مرّ مراراً من الاهتمامِ بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، والنقيبُ فعيل بمعنى فاعل مشتقٌ من النَّقْب، وهو التفتيش، ومنه قوله تعالى: {أية : فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } تفسير : [ سورة ق، الآية 36] سُمِّيَ بذلك لتفتيشِه عن أحوال القومِ وأسرارِهم. قال الزجاجُ: وأصله من النقْب وهو الثقب الواسع. رُوي (أن بني إسرائيلَ لما استقروا بمصْرَ بعد مَهْلِكِ فرعونَ أمرهم الله عز وجل بالمسير إلى أَرِيحاءِ أرضِ الشام، وكان يسكُنها الجبابرةُ الكَنعانيون، وقال لهم: إني كتبتُها لكم داراً وقراراً فاخرُجوا إليها وجاهِدوا من فيها وإني ناصِرُكم، وأمر موسى عليه السلام أن يأخُذَ من كلِّ سِبطٍ نقيباً أميناً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أُمروا به توثِقَةً عليهم، فاختارَ النقباءَ وأُخذ الميثاقُ على بني إسرائيلَ وتكفَّلَ إليهم النُقباء، وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعانَ بعث النقباءُ يتجسّسون فرأَوْا أجراماً عظيمةً وقوةً وشَوْكة، فهابوا ورَجَعوا وحدَّثوا قومَهم بما رأوا، وقد نهاهم موسى عن ذلك، فنكثوا الميثاقَ إلا كالبَ بنَ يوقنا نقيبَ سبطِ يَهوذا، ويُوشَعَ بنَ نونٍ نقيبَ سِبطِ أفرايـيمَ بن يوسُفَ الصّديقِ عليه الصلاة والسلام)، قيل: لما توجه النقباءُ إلى أرضهم للتجسس لقِيَهم عوجُ بنُ عنق، وكان طولُه ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وقد عاش ثلاثة آلاف سنة، وكان على رأسه حُزمةُ حطب، فأخذهم وجعلهم في الحُزمة وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظُري إلى هؤلاء الذين يزعُمون أنهم يريدون قتالنا، فطرَحهم بـين يدَيْها وقال: ألا أطحَنُهم برِجْلي، فقالت: لا بل خلِّ عنهم حتى يُخبِروا قومَهم بما رأوا، ففعل فجعلوا يتعرّفون أحوالَهم، وكان لا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ رجال، أو أربعة، فلما خرج النقباءُ قال بعضُهم لبعض: إن أخبرتم بني إسرائيلَ بخبر القومِ ارتدوا عن نبـي الله، ولكنِ اكتُموه إلا عن موسى وهارونَ عليهما السلام، فيكونان هما يَريانِ رأيَهما، فأخذ بعضُهم على بعضٍ الميثاقَ ثم انصرفوا إلى موسى عليه السلام وكان معهم حبةٌ من عنبِهم وِقْرَ رجل، فنكثوا عهدَهم وجعل كلٌّ منهم ينهىٰ سِبْطه عن قتالِهم، ويُخبرهم بما رأى إلا كالبَ ويوشعَ، وكان معسكرُ موسى فرسخاً في فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم رجع إلى الجبل، فقور منه صخرة عظيمة على قدْرِ المعسكر ثم حملها على رأسه ليُطبِقَها عليهم فبعث الله تعالى الهُدُهُد فقوَّر من الصخرة وسَطَها المحاذِيَ لرأسه، فانتقبت فوقعت في عُنُق عوج، وطوقته فصرَعَتْه، وأقبل موسى عليه السلام وطولُه عشرةُ أذرُعٍ، وكذا طولُ العصا، فترامىٰ في السماء عشرةَ أذرع، فما أصاب العصا إلا كعبَه وهو مصروعٌ فقتله، قالوا: فأقبلت جماعةٌ ومعهم الخناجرُ حتى حزّوا رأسَه. {وَقَالَ ٱللَّهُ} أي لبني إسرائيل فقط إذ هم المحتاجون إلى ما ذُكر من الترغيب والترهيب كما يُنْبىءُ عنه الالتفاتُ مع ما فيه من تربـية المهابة وتأكيدِ ما يتضمنه الكلام من الوعد {إِنّى مَعَكُمْ} أي بالعلم والقدرة والنُّصرة، لا بالنصرة فقط، فإن تنبـيهَهم على علمِه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قُدرته وملكوتِه مما يحمِلُهم على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نُهوا عنه، كأنه قيل: إني معكم أسمع كلامَكم وأرى أعمالَكم وأعلم ضمائِرَكم، فأجازيكم بذلك، هذا وقد قيل: المرادُ بالميثاق هو الميثاقُ بالإيمان والتوحيد، وبالنقباءِ ملوكُ بني إسرائيلَ الذين ينقُبون أحوالَهم، ويَلُون أمورَهم بالأمر والنهي، وإقامةِ العدل، وهو الأنسب بقوله تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي} أي بجميعِهم واللامُ موطِّئةٌ للقسم المحذوفِ وتأخيرُ الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاءِ الزكاة مع كونهم من الفروع المترتبةِ عليه لِما أنهم كانوا معترفين بوجوبِهما مع ارتكابِهم لتكذيبِ بعضِ الرسل عليهم السلام، ولمراعاة المقارَنةِ بـينه وبـين قوله تعالى: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي نصرتموهم وقوَّيتموهم، وأصله الذّبُّ وقيل: التعظيمُ والتوقيرُ والثناءُ بخير. وقرىء (وعزَزْتُموهم) بالتخفيف {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ} بالإنفاق في سبـيل الخير، أو بالتصدق بالصدقات المندوبة، وقوله تعالى: {قَرْضًا حَسَنًا} إما مصدرٌ مؤكّدٌ وارد على غير صيغة المصدر، كما في قوله تعالى: {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} تفسير : [آل عمران، الآية 37] أو مفعولٌ ثانٍ لأقرضتم على أنه اسم للمال المُقْرَض، وقوله تعالى: {لأَكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ} جوابٌ للقسم المدلولِ عليه باللام سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط {سَيّئَـٰتِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} عطفٌ على ما قبله داخل معه في حُكم الجواب، متأخرٌ عنه في الحصول أيضاً، ضرورةَ تقدُّمِ التخلية على التحلية. {فَمَن كَفَرَ} أي برسلي أو بشيءٍ مما عُدِّد في حيِّز الشرط، والفاءُ لترتيب بـيانِ حُكمِ من كفَر على بـيان حُكمِ من آمن، تقويةً للترغيب بالترهيب {بَعْدَ ذَلِكَ} الشرطِ المؤكّدِ المُعلَّقِ به الوعدُ العظيمُ الموجِبُ للإيمان قطعاً {مّنكُمْ} متعلِّقٌ بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً من فاعل كفَرَ، ولعل تغيـيرَ السبْكِ ـ حيث لم يقل وإن كفرتم عطفاً على الشرطية السابقة ـ لإخراج كفرِ الكلِّ عن حيِّز الاحتمال، وإسقاطِ من كفَرَ عن رُتبة الخطاب، وليس المرادُ إحداثَ الكفر بعد الإيمان، بل ما يعمُّ الاستمرارَ عليه أيضاً، كأنه قيل: فمن اتّصفَ بالكفر بعد ذلك، خلا أنه قصَدَ ـ بإيراد ما يدلّ على الحدوث ـ بـيانَ ترقِّيهم في مراتب الكفر، فإن الاتصافَ بشيءٍ بعد ورودِ ما يوجبُ الإقلاعَ عنه، وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادث {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} أي وسَطَ الطريق الواضحَ ضلالاً بـيناً، وأخطأه خطأً فاحشاً، لا عذرَ معه أصلاً، بخلافِ من كفر قبل ذلك، إذْ ربما يمكنُ أن يكون له شُبْهةٌ، ويُتَوهَّمُ له معذرةً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} [الآية: 12]. قال: أبو بكر الوراق: لم يزل فى الأمم أخيار وبدلاء وأوتاد على المراتب، كما قال الله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} وهم الذين كانوا يرجعون إليهم عند الضرورات والفاقات والمصايب كما ذُكر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إنه يكون فى هذه الأمة أربعون على خُلق إبراهيم، وسبعة على خلق موسى، وثلاثة على خلق عيسى، وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم " تفسير : فهم على مراتبهم للخلق والذين ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أن بهم يمطرون، وبهم يدفع الله البلاء، وبهم يرزقون. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأئمة ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعًا ومشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة، والسبعة الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد فإذا نقص الله من الأربعين واحدًا أبدل مكانه واحدًا من أولياء الأمة، وإذا نقص من السبعة واحدًا جعل مكانه واحدًا من الأربعين وإذا نقص من الثلاثة واحدًا جعل مكانه من السبعة فإذا مضى القطب الذى هو واحد فى العدد، وبه قوام إعداد الخلق جعل بدله واحدًا من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله فى قيام الساعة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ}. يذكرهم حُسْنَ أفضاله معهم، وقبح (فعلهم) في مقابلة إحسانه بنقضهم عهدهم. وعرف المؤمنين - تحذيراً لهم - ألا ينزلوا منزلتَهم فيستوجبوا مثل ما استوجبوه من عقوبتهم. قوله جلّ ذكره: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}. أي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم، ولئن أجللتم أمري في العاجل لأجِلَّن قَدْرَكم في الآجل. وإقامة الصلاة أن تشهد مَنْ تعبده، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعْبد اللهَ كأنَّكَ تراه ". تفسير : ويقال إقامة الصلاة شرطها أَنْ تُقْبِلَ على ما مَنْ تناجيه بأن تستقبل القُطْرَ الذي الكعبة فيه. وأمَّا إيتاء الزكاة فحقُّه أن تكسب المال من وجه، وتصرفه في حقه، ولا تمنع الحق الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تُحْوِج الفقير إلى طلبه فإنَّ الواجبَ عليكَ أن توصل ذلك إلى مستحقه. وتعزير الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد والاستقلال، وإيثارهم عليك في جميع الأحوال. قوله جلّ ذكره: {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. الأغنياء ينفقون أموالهم في سبيل الله، والفقراء يبذلون مهجَتهم وأرواحَهم في طلب الله، (فأولئك) عن مائتي درهم يُخْرِجُونَ خَمْسَة، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره نَفَساً ولا ذرَّة. قوله جلّ ذكره: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. التكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن العاصي فيمحو من ديوانه، وينسِي الحَفظَة سوالف عصيانه. وينفي عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا يوقفه في العرصة على ما قَدَّم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال: {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}، كما قيل: شعر : ولما رضوا بالعفو عن ذي زلة حتى أنالوا كفَّه وازدادوا تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. فَمَنْ جَحَدَ هذه الأيادي بعد اتضاحها فقد عَدَلَ عن نَهْجِ أهل الوفاء، وحاد عن سَنَنِ أصحاب الولاء.

البقلي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} ان الله سبحانه لما اراد امرا عظيما من امور الربويبة بين عباده وبلاده وضعه على اولياء ليقوموا به على وفق مراده معذرة الضعف الخلق ونيابة من تقصيرهم فاذا خرجوا من ذلك بنعت الرضا فى العبودية سهل الله ذلك بعدة على العامة لان العامة خلقوا بنعوت الضعف وخلق اوليائه بنعوت القوة فى كل امة خلق الله اقواما من ائمة المعارف والكواشف لواقع نظره وتحمل بلائه وهم النقباء والبدلاء والنجباء والاولياء والاصفياء والاتقياء المقربون والعارفون والموحدون والصديقون والشهداء والصالحون والاخيار الا بارر رئيسهم الغوث وائمتنهم المختارون وعرفاؤهم السياحون السبعة ونقباؤهم العشرة ونجباؤهم الاربعون وخلفاءهم السبعون وامناؤهم الثلثمائة كل واحد منهم خلق على صورة نبى وسيرة رسول وقلب ملك لا يعرفهم الا مثلهم وهم لا يعرفون الا الله حقيقة قال تعالى اوليائى تحت قابئى لا يعرفهم سوائى روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى فى الارض ثلثمائة قلوبهم على قلب أدم وله اربعون قلوبهم على قلب موسى وله سبعة قلوبهم على قلب ابراهيم وله خمسة قلوبهم على قلب جبرئيل وله ثلثة قلوبهم على قلب ميكائيل وله واحد قلبه على قلب اسرائيل فاذا مات من الخمسة ابدل الله مكانه من السبعة واذا مات من السبعة ابدال الله مكانه من الاربعين واذا مات من الاربعين ابدال الله مكانه من الثلثمائة واذا مات من الثلثمائة وذا مات من الثلثمائة ابدل الله مكانه من العامة بهم يحيى ويميت قال لانهم يسالون اكثار الامة فيكثرون ويدعون على الجبابرة فيقصمون ويستسقون فيسقون ويسالون فينبت لهم الارض ويسالون فيدفع عنهم انواع البلاء قال بكر الوارق لم يزل فى الامم عند الضرورات والفاقات والمصائب كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم وأله وسلم انه قال يكون فى هذه الأمة اربعون على خلق ابراهيم وسبعة على خلق موسى وثلثة على خلق عيسى واحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم وسلم فهم على مراتبهم سادات الخلق قال ابو عثمان المغربى بالبدلاء اربعون والامناء سبعة والخلفاء من الايمة ثلثة والواحد هو القطب والقطب عارف بهم جميعا ومشرف عليهم ولا يعرفه احد ولا يشرف عليه وهو امام الاولياء والثلثة هم الخلفاء من الايمة يعرفون السبعة ويعرفون الاربعين ولا يعرفهم اوليئك السبعة والسبعة الذين هم الامناء يعرفون الاربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم البدلاء والاربعون يعرفون سائر الاولياء من الايمة ولا يعرفهم من الاولياء احد فاذا نقص من الاربعين واحد ابدل الله مكانه واحد من اولياء الامة واذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه احد من الارعبين واذا نقص من الثلثة واحد جعل مكانه احدا من السبعة فاذا مضى القطب الذى هو احد فى العدودية قوام اعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلثة هكذا الى ان بإذن الله لقيام الساعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل} اى بالله قد اخذ الله عهد طائفة اليهود والالتفات فى قوله تعالى {وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا} للجرى على سنن الكبرياء او لان البعث كان بواسطة موسى عليه السلام كما سيأتى اى شاهدا من كل سبط ينقب عن احوال قومه ويفتش عنها او كفيلا يكفل عليهم بالوفاء بما امروا به. وقد روى ان النبى عليه السلام جعل للانصار ليلة العقبة اثنى عشر نقيبا وفائدة النقيب ان القوم اذا علموا ان عليهم نقيبا كانوا اقرب الى الاستقامة. والنقيب والعريف نظيران وقيل النقيب فوق العريف. قال فى شرح الشرعة العريف فعيل بمعنى مفعول وهو سيد القوم والقيم بامور الجماعة من القبيلة والمحلة يلى امورهم ويتعرف الامير منه احوالهم وهو دون الرئيس والعرافة كالسيادة لفظا ومعنى وفى الحديث "حديث : العرافة حق ولا بد للناس من عرفاء ولكن العرفاء فى النار " .تفسير : يعنى ان سيادة القوم جائزة فى الشرع لان بها ينتظم مصالح الناس وقضاء اشغالهم فهى مصلحة ورفق للناس تدعوا اليها الضرورة. وقوله ولكن العرفاء فى النار اى اكثرهم فيها اذ المجتنب عن الظلم منهم يستحق الثواب لكن لما كان الغالب منهم خلاف ذلك اجراه مجرى الكل كذا فى شرح المصابيح: قال السعدى شعر : رياست بدست كسانى خطاست كه از دستشان دستهابر خداست مكن تاتوانى دل خلق ريش وكرميكنى ميكنى بيخ خويش نماند ستمكار بد روزكار بماند برو لعنت بايدار مها زرومندى مكن بركهان كه بريك نمط مى نماند جهان دل دوستان جمع بهتركه كنج خزينه تهى به كه مردم برنج بقومى كه نيكى بسندد خداى دهد خسرو عادل نيك راى جوخواهدكه ويران كند عالمى كند ملك دربنجه ظالمى تفسير : {وقال الله} اى لبنى اسرائيل فقط اذ هم المحتاجون الى الترغيب والترهيب {انى معكم} اى بالعلم والقدرة والنصرة اسمع كلامكم وارى اعمالكم واعلم ضمائركم فاجازيكم بذلك وتم الكلام هنا ثم ابتدأ بالجملة الشرطية فقال مخاطبا لبنى اسرائيل ايضا {لئن اقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلى} اى بجميعهم واللام موطئة للقسم المحذوف {وعزرتموهم} اى نصرتموهم وقويتموهم واصله الذب وهو المنع والدفع ومنه التعزير ومن نصر انسانا فقد ذب عند عدوه يقال عزرت فلانا اى فعلت به ما يرده عن القبيح ويمنعه عنه {واقرضتم الله} بالانفاق فى سبيل الخير او بالتصدق بالصدقات المندوبة فظهر الفرق بين هذا الاقراض وبين اخراج الزكاة فانها واجبة {قرضا حسنا} وهو ان يكون من حلال المال وخياره برغبة واخلاص لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا يكدرها من ولا اذى وانتصابه يحتمل ان يكون على المصدرية لانه اسم مصدر بمعنى اقراضا كما فى انبتها نباتا حسنا بمعنى انباتا ويحتمل ان يكون على المفعولية على انه اسم للمال المقرض. {لاكفرن عنكم سيآتكم} جواب للقسم المدلول عليه باللام ساد مسد جواب الشرط {ولادخلنكم جنات} اى بساتين {تجرى من تحتها} اى من تحت اشجارها ومساكنها {الانهار} الاربعة واخره لضرورة تقدم التخلية على التحلية {فمن كفر} اى برسلى وبشىء مما عدد فى حيز الشرط والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب والترهيب {بعد ذلك} الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم الموجب للايمان قطعا {منكم} متعلق بمضمر وقع حالا من فاعل كفر {فقد ضل سواء السبيل} اى وسط الطريق الواضح ضلالا بينا واخطأ خطأ فاحشا لا عذر معه اصلا بخلاف من كفر قبل ذلك اذ ربما يمكن ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة ـ روى ـ ان بنى اسرائيل لما استقروا بمصر بعد مهلك فرعون امرهم الله تعالى بالمسير الى اريحا من ارض الشام وهى الارض المقدسة وكانت لها الف قرية فى كل قرية الف بستان وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال لهم انى كتبتها لكم دارا قرارا فاخرجوا اليها وجاهدوا من فيها وانى ناصركم وامر موسى عليه السلام ان يأخذ من كل سبط نقيبا امينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما امروا به توثقة عليهم فاختار النقباء واخذ الميثاق على بنى اسرائيل وتكفل لهم النقباء وسار بهم فلما دنا من ارض كنعان بعث النقباء يتجسسون له الاخبار ويعلمون علمها فرأوا اجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا فرجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا وقد نهاهم موسى عن ذلك فنكثوا الميثاق الا كالب بن يوقنا نقيب سبط يهودا ويوشع بن نون نقيب سبط افرائيم بن يوسف الصديق عليه السلام. قيل لما توجه النقباء الى ارضهم للتجسس لقيهم عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه اليها ثم يأكله ويروى ان الماء طبق ما على الارض من جبل فى طوفان نوح وما جاوز ركبتى عوج وكانت امه عنق احدى بنات آدم وكان مجلسها جريبا من الارض فلما لقى عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب اخذ الاثنى عشر نقيبا وجعلهم فى الحزمة فانطلق بهم الى امرأته وقال انظرى الى هؤلاء الذين يزعمون قتالنا فطرحهم بين يديها وقال ألا اطحنهم برجلى فقالت لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك ـ وروى ـ انه جعلهم فى كمه واتى بهم الملك فنشرهم بين يديه فقال ارجعوا الى قومكم فاخبروهم بما رأيتم وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم الا خمسة انفس او اربعة بينهم فى خشبة ويدخل فى شطر رمانة اذا نزع حبها خمسة انفس فجعلوا يتعرفون باحوالهم فلما رجعوا قال بعضهم لبعض انكم ان اخبرتم بنى اسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبى الله ولكن اكتموه الا عن موسى وهارون فيكونان هما يريان رأيهما فاخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم انصرفوا الى موسى عليه السلام وكان معهم حبة من عنبهم وقر جمل فنكثوا عهدهم وجعل كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى الا كالب ويوشع وكان معسكر موسى فرسخا فى فرسخ فجاء عوج حتى نظر اليهم ثم رجع الى جبل فقوّر منه صخرة عظيمة على قدر المعسكر ثم حملها على رأسه ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقوّر من الصخرة وسطها المحاذى لرأسه فانتقبت فوقعت فى عنق عوج فطوقته فصرعته واقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة اذرع وكذا طول العصا فترامى فى السماء عشرة اذرع فما اصاب العصا الا كعبه وهو مصروع فقتله قالوا فاقبلت جماعة ومعهم الخناجر حتى جذروا رأسه وهكذا سنة الله فيما اراد حيث ينصر اولياءه بما لا يخطر ببالهم ولله فى كل فعله حكمة تامة ومصلحة شاملة. واعلم ان الله تعالى كما جعل فى امة موسى من النقباء المختارين المرجوع اليهم عند الضرورة اثنى عشر كذلك جعل من كمال عنايته فى هذه الامة من النجباء البدلاء واعزة الاولياء اربعين رجلا فى كل حال وزمان كما قال النبى عليه السلام "حديث : يكون فى الامة اربعون على خلق ابراهيم وسبعة على خلق عيسى وواحدة على خلقى " .تفسير : فهم على مراتب درجاتهم ومناصب مقاماتهم امنة هذه الامة كما قال عليه السلام "حديث : بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم يدفع الله البلاء " .تفسير : قال ابو عثمان المغربى البدلاء اربعون والامناء سبعة والخلفاء من الائمة ثلاثة والواحد هو القطب عارف بهم جميعا ومشرف عليهم ولا يعرفه احد ولا يشرف عليه وهو امام الاولياء الثلاثة الذين هم الخلفاء من الائمة وهو يعرفهم وهم لا يعرفونه والخلفاء الثلاثة يعرفون السبعة الذين هم الامناء ولا يعرفهم اولئك السبعة والسبعة يعرفون الاربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم البدلاء الاربعون وهم يعرفون سائر الاولياء من الامة ولا يعرفهم من الاولياء احد فاذا نقص من الاربعين واحد جعل مكانه واحد من الاولياء واذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الاربعين واذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة واذا مضى القطب الذى هو الواحد فى العدد وبه قوام اعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا الى ان يأذن الله تعالى فى قيام الساعة كما فى التأويلات النجمية. وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر القطب يحفظ المركز والامام الايمن يحفظ عالم الارواح والامام الايسر يحفظ عالم الاجساد والاوتاد الاربعة يحفظون الشرق والغرب والجنوب والشمال والابدال السبعة يحفظون اقاليم الكرة علوا وسفلا انتهى كلامه فى كتاب العظيمة. ويقول الفقير جامع هذه المجالس اللطائف سمعت من حضرة شيخى وسندى الذى بمنزلة روحى فى جسدى ان قطب الوجود اذا انتقل الى الدار الآخرة يكون خليفته فى الجانب الايسر من الافراد دون الجانب الايمن وذلك لان يسار الامام يمين ويمينه يسار حين الاستقبال الى القوم واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} تفسير : [الواقعة: 8-9]. فان لفظة ما عند اهل التحقيق نافية واهل اليسار اهل الجلال والفناء واهل اليمين اهل الجمال والبقاء فافهم هذا السر البديع وكن ممن القى سمعه وهو شهيد فان المنكر الغافل طريد عن الحق بعيد شعر : بسر وقت شان خلق كى ره برند كه جون آب حيوان بظلمت درند تفسير : : قال الصائب شعر : سخن عشق باخرد كفتن بر رك مرده نيشتر زدنست تفسير : ثم تحقيق قوله تعالى {لئن اقمتم الصلوة} ان اقامة الصلاة فى ادامتها بان تجعل الصلاة معراجك الى الحق وتديم العروج بدرجاتها الى ان تشاهد الحق كما شاهدت يوم الميثاق ودرجاتها اربع القيام والركوح والسجود والتشهد على حسب دركات نزلت بها من اعلى عليين وجوار رب العالمين الى اسفل السافلين القلب وهى العناصر الاربعة التى خلق منها قالب الانسان فالمتولدات منها على اربعة اقسام ولكل قسم منها ظلمة وخاصية تحجبك عن مشاهدة الحق وهى الجمادية وخاصيتها التشهد ثم النباتية وخاصيتها السجود ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع ثم الانسانية وخاصيتها القيام يشير اليك بالتخلص من حجب اوصاف الانسانية واعظمها الكبر وهو من خاصية النار والركوع يشير اليك بالتخلص من حجب صفات الحيوانية واعظمها الشهوة وهى من خاصية الهواء والسجود يشير اليك بالتخلص من حجب طبع النباتية واعظمها الحرص على الجذب للشىء والنمو وهو من خاصية الماء والتشهد يشير اليك بالتخلص من حجب طبع الجمادية واعظمها الجمودية وهى من خاصية التراب ومن هذه الصفات الاربع تنشأ بقية صفات البشرية فاذا تخلصت من هذه الدركات والحجب ورجعت بهذه المدارج الاربعة الى جوار رب العالمين وقربه فقد اقمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اعبد الله كأنك تراه " .تفسير : كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: النقيب: هو كبير القوم والمقدَّم عليهم، ينقب عن أحوالهم ويفتش عليها. والخائنة: إما مصدر؛ كالعاقبة واللاغية، أو اسم فاعل، والتاء للمبالغة، مثل: رواية ونسَّابة وعلاَّمة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} على أن يجاهدوا مع موسى ـ عليه السلام ـ وينصروه، ويلتزموا أحكام التوراة، {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا} اخترناهم وقدمناهم، على كل سبط نقيبًا ينقب عن أحوال قومه، ويقوم بأمرهم، ويتكفل بهم فيما أمروا به. رُوِي أن بني إسرائيل لمَّا خرجوا عن فرعون، واستقروا بأوائل الشام، أمرهم الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس، وهي في الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال: إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فأخرجوا إليها، وجاهدوا مَن فيها من العدو، فإني ناصركم. وقال لموسى عليه السلام: خذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل سبط نقيبًا، يكون أمينًا وكفيلاً على قومه بالوفاء على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء، فسار بهم حتى إذا دنوا من أرض كنعان، وهي أريحا، بعث هؤلاء النقباء يتجسسون الأخبار، ونهاهم أن يحدثوا قومهم بما يرون، فلما قربوا من الأرض المقدسة رأوا أجرامًا عظامًا وبأسًا شديدًا، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم، إلا كالب بن يوقنا ـ من سبط يهوذا ـ ويوشع بن نون ـ من سبط إفراثيم بن يوسف ـ ثم {قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين} إلى آخر ما يأتي من قصتهم. وأما ما ذكره الثعلبي هنا، وغيره، من قصة عوج بن عناق، فقال القسطلاني: هي باطلة من وضع الزنادقة، فلا يجوز ذكرها في تفسير كتاب الله الصادق المصدوق. {وقال الله} لبني إسرائيل: {إني معكم} بالنصر والمعونة؛ {لئن أقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وآمنتم برُسلي} التي أرسلتُ بعد موسى {وعزرتموهم} أي: نصرتموهم وقويتموهم، {وأقرضتم الله قرضًا حسنًا} بالإنفاق في سُبُل الخير، {لأكفّرنّ عنكم سيئاتكم} أي: أستر عنكم ذنوبكم فلا نفضحكم بها، {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك} العهد المؤكد، المعلَق عليه هذا الوعد العظيم، {فقد ضلّ سواء السبيل} أي: تلف عن وسط الطريق، تلفًا لا شبهة فيه ولا عذر معه، بخلاف من كفر قبل أخذ العهد؛ فيمكن أن تكون له شبهة، ويتوهم له معذرة. ثم إن بني إسرائيل نقضوا المواثيق التي أُخذت عليهم، فكفروا وقتلوا الأنبياء، قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم} أي: طردناهم وأبعدناهم، أو مسخناهم، {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي: يابسة صلبة لا ينفع فيها الوعظ والتذكير، أو رديَّة مغشوشة بمرض الذنوب والكفر. ثم بيَّن نتيجة قسوة قلوبهم فقال: {يُحرفون الكلم عن مواضعه} لفظًا أو تأويلاً. ولا قسوة أعظم من الجرأة على تغيير كتاب الله وتحريفه، {ونسوا حظًا مما ذُكروا به} أي: تركوا نصيبًا واجبًا مما ذُكروا به من التوراة، فلو عملوا بما ذكَّرهم الله في التوراة ما نقضوا العهود وحرّفوا كلام الله من بعد ما علموه، لكن رَين الذنوب والأنهماك في المعاصي، غطت قلوبهم فقست ويبست، {ولا تزال} يا محمد {تطلع على خائنة} أي: خيانة {منهم} أو على طائفة خائنة منهم، لأن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم، فلا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلاً منهم} لم يخونوا، وهم الذين أسلموا منهم، {فاعف عنهم واصفح} حتى يأتيك أمر الله فيهم، أو إن تابوا وآمنوا، أو إن عاهدوا والتزموا الجزية، {إنَّ الله يحبّ المحسنين} إلى عباده كيفما كانوا. ومن الإحسان إليهم: جبرهم على الإيمان بالسيف وسوقهم إلى الجنة بسلاسل الامتحان. الإشارة: قد أخذ الله على هذه الأمة أن يلتزموا أحكام القرآن، ويحافظوا على مراسم الإسلام والإيمان ويجاهدوا نفوسهم في تحصيل مقام الإحسان، وبَعث من يقوم ببيان شرائع الإسلام والإيمان، ومن يعرف الطريق إلى مقام الإحسان، وقال الله لهم: {إني معكم} بالنصر والتأييد، لئن أقمتم شرائع الإسلام، وحققتم قواعد الإيمان وعظمتم من يعرفكم بطريق الإحسان، لأغطين مساوئكم، ولأمحقن دعاويكم، فأوصلكم بما منى إليكم من الكرم والجود، ولأدخلنكم جنة المعارف تجري من تحتها أنهار العلوم وأنواع الحِكَم، فمن لم يقم بهذا، أو جحده فقد ضل عن طريق الرشاد، ومن نقض عهد الشيوخ المعرفين بمقام الإحسان، فقد طرد وأبعد غاية الإبعاد، وقسا قلبه، بعد اللين. وقد ذكرنا في تفسير الفاتحه الكبير معنى النقباء والنجباء وسائر مراتب الأولياء، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما ذكر نقض اليهود ذكر نقض النصارى، فقال: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ}.

الطوسي

تفسير : الميثاق: اليمين المؤكدة، لانه يستوثق بها من الأمر، فاخذ الله ميثاقهم باخلاص العبادة له، والايمان برسله. وما يأتون به من شرايع دينه. وقوله: {بعثنا منهم اثني عشر نقيباً} فالنقيب فيه أربعة أقوال: قال الحسن: هو الضمين وقال الربيع: هو الامين. وقال قتادة: هو الشهيد على قومه. وقال قوم: هو الرئيس من العرفاء. [اللغة]: واصل النقيب في اللغة النقب وهو الثقب الواسع. وقال ابو مسلم: هو فعيل بمعنى مفعول كانه اختير ونقر عليه، فقيل نقيب، لانه ينقب عن احوال القوم، كما ينقب عن الاسرار. ومنه نقاب المرأة. ومنه المناقب وهي الفضائل. والنقب: الطريق في الجبل. ويقال نقب الرجل على القوم ينقب نقبا: إذا صار نقيباً. ونكب عليهم ينكب نكابة: إذا صار منكباً. وهو عون العريف. وقد نقب نقابة. والنقبة سراويل بغير رجلين لاتساع نقبه تلبسة المرأة. وأول الجرب النقبة وجمعها النقب. والنقب قال الشاعر: شعر : متبذلا تبدو محاسنه يضع الهاء مواضع النقب تفسير : ويقال: كلب نقيب إذا نقب حنجرته، لئلا يرتفع صوته في نباحه يفعل ذلك البخلاء، لئلا يطرقهم ضيف بسماع نباح الكلاب. ومنه نقبت الحائط: إذا بلغت في النقب آخره. وفي معنى قوله: {اثني عشر نقيباً} قولان: احدهما - قال الحسن والجبائي: أنه اخذ من كل سبط منهم ضميناً بما عقد عليهم بالميثاق من امر دينهم. الثاني قال مجاهد والسدي: إنهم بعثوا إلى الجبارين، ليقفوا على آثارهم ويرجعوا بذلك إلى موسى، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم لما رأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم إلى اثنين منهم. وقال البلخي: يجوز أن يكون النقباء رسلا ويجوز ان يكونوا قادة. وقوله: {بعثنا} لا يدل على أنهم رسل، كما اذا قال القائل: الخليفة بعث الامير أو القضاة لا يفيد أنهم رسل، بل يفيد أنه ولاهم وقلدهم. والغرض بذلك إعلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هؤلاء الذين هموا بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) صفاتهم وأخلاقهم أخلاق أسلافهم الغدر، ونقض العهد. وقوله: {وقال الله إني معكم} معناه ناصركم على عدوكم وعدوي الذي أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم، ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. وفي الكلام حذف، وتقديره وقال الله: إني معكم. وإنما حذف استغناء بقوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} ثم ابتدأ تعالى قسما، لئن أقمتم الصلاة معشر بني إسرائيل {وآتيتم الزكاة} أي اعطيتموها {وآمنتم برسلي} معناه وصدقتم بما اتاكم به رسلي من شرائع ديني وقال الربيع بن أنس: هذا الخطاب من الله للنقباء وقال غيره: هو خطاب لنبي اسرائيل. والتقديران موسى (ع) قال لهم عن الله تعالى: إن الله ناصركم على عدوكم ما اقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي {وعززتموهم} قيل معناه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي: معناه نصرتموهم وهو اختيار الزجاج. الثاني - قال عبد الرحمن بن زيد: معناه ونصرتموهم وأطعتموهم. وبه قال أبو عبيدة. والعزز - في اللغة -: الرد والمنع في قول الفراء تقول: عزرت فلاناً: إذا أدبته، وفعلت به ما يردعه عن القبيح. وقال تعالى: {وتعزروه وتوقروه} ومعناه تنصروه. وإلا كان تكراراً. وهو اختيار الطبري وأنشد أبو عبيدة في التعزير بمعنى التوقير قول الشاعر: شعر : وكم من ما جد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندي تفسير : أي يعظم. وهو قول أبي علي. وقوله: {وأقرضتم الله قرضاً حسناً} معناه وانفقتم في سبيل الله، وجهاد عدوه وعدوكم قرضاً حسناً. وقيل: معناه بطيبة نفس. وقيل معناه الا يتبعه من ولا اذى. وقيل من الحلال دون الحرام. وانما قال: قرضاً، ولم يقل إقراضاً، لانه رده إلي قرض قرضاً، كما قال: {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : ولم يقل إنباتاً ويقال: اعطيته عطاء. وقال امرؤ القيس: شعر : ورضت فذلت صعبة اي إذلال تفسير : لان فيه معنى اذللت. وقوله: {لأكفرن عنكم سيئاتكم} اللام جواب القسم. وهو قوله: {لئن أقمتم الصلاة} فالأولى لام القسم والثانية جوابه، وقال قوم: كل واحد منهما قسم. وصحيح الأول، لان الكلام لم يتم في قوله: {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكوة} ومعنى {لأكفرن} لاعطين بعفوي وصفحي عن عقوبتكم على ما مضى اجرامكم، ولادخلنكم مع ذلك جنات تجري من تحتها الانهار والجنات البساتين والكفر معناه الجحود، والتغطية والستر. قال لبيد: شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : وقوله تجري من تحتها يعني من تحت اشجار هذه الجنات الانهار. وقوله: فمن كفر بعد ذلك منكم يعني من جحد منكم يا معشر بني اسرائيل ما أمرته به، فتركه أو ركب ما نهيته عنه بعد اخذي الميثاق عليه، فقد ضل يعني أخطأ قصد الطريق الواضح، وزال عن منهاج السبيل القاصد. والضلال هو الركوب على غير هدى. وسواء السبيل يعني وسطه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} تعريض بامّة محمّد (ص) لاخذ ميثاقهم لنقيبهم الّذى هو علىّ (ع) {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} يأمرونهم وينهونهم {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} فأشاهد منكم ما تفعلون {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} بوصلها الى النّقباء (ع) {وَآتَيْتُمْ ٱلزَّكَاةَ} من كلّ شيءٍ حتّى من ميل قواكم الى مخالفة النّقباء (ع) {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي} الّذين منهم النّقباء (ع) {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} نصرتموهم وقوّيتموهم {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} من اصل المال بانفاقه فى سبيل الله، واصل القوى باضعافها بالعبادات والرّياضات، فانّ الزّكوة هى فضول المال الّتى هى حقّ الغير والقرض من اصل المال {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} بزكوتكم وقرضكم {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} بصلوتكم وايمانكم وتعزيركم {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ} الميثاق للنّقباء (ع) والوعد عليه {مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل} فتذكّروا يا امّة محمّد (ص) واوفوا بميثاقكم لعلىّ (ع) ولا تكفروا بعد الميثاق.

الأعقم

تفسير : {ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً}، قيل: لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحا أرض الشام وكان سكانها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم، وأمر موسى أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إِسرائيل، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون عن أحوال القوم فرأوا أجراماً عظيمة وقوة وشوكةً فهابوا ورجعوا وحدَّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى أن يحدثوا أحداً من العسكر، فنكثوا الميثاق إلاَّ كابون بن يوقنا من سبط يهود، أو يوشع بن نون من سبط افرايم بن يوسف وكانا من النقباء والنقيب الذي ينقب عن أحوال القوم، وقيل: أن موسى لما خرج من مصر إلى أريحا جعل على كل سبط نقيباً {وقال الله إني معكم} أي ناصركم ومعينكم {لئن أقمتم الصلاة} قيل: خطاب للنقباء، وقيل: لبني اسرائيل الذين أخذ منهم الميثاق، ويجوز أن يدخل فيه النقباء وغيرهم {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة} اعطيتموها مستحقيها {آمنتم برسلي} أي صدقتم جميع رسلي {وعزرتموهم} قيل: نصرتموهم، وقيل: عظمتموهم، والعزر أصله المنع يعني منعتموهم من أيدي العدو قال الفراء: أعزرته عزراً إذا أرددته عن الظلم ومنه التعزير لأنه يمنع صاحبه عن معاودة القبيح {فمن كفر بعد ذلك} يعني بعد ذلك الشرط {فقد ضلَّ سواء السبيل} قال جار الله: فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل؟ قلتُ: أجل ولكن الضلال بعده أظهر، ولأن الكفر إنما عظم لأجل النعمة المكفرة فإذا زادت النعمة زاد قبيح الكفر {فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية} يعني منعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم وأملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة {يحرفون الكلم عن مواضعه} بيان لقسوة قلوبهم {ونسوا حظاً} وتركوا نصيباً جزيلاً {مما ذكروا به} من التوراة لأنهم حرفوها، وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإِيمان بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان بعثه {ولا تزال تَطَّلِعُ} أي هذه عادتهم ومحيراهم وكان عليها أسلافهم فكانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونوك ينكثون عهدك ويظاهرون المشركين على حربك ويهمّون الفتك بك {على خائنة منهم} على نفس خائنة أو على فرقة خافية منهم {إلا قليلاً منهم} وهم الذين آمنوا منهم لم ينقضوا العهد ولم يخونوا {فاعف عنهم} يا محمد، وقيل: الذين هموا ببسط أيديهم إليك وهو منسوخ {إنَّ الله يحب المحسنين} قيل: من أحسن بالعفو والصفح، وقيل: أنه يرجع إلى القليل إذا حمل على أنهم مؤمنون إن الله يحبهم لأنهم محسنون، وقيل: المحسنين يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

اطفيش

تفسير : {وَلَقَد أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنى إِسرَائِيلَ}: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، ولا يخرجوا عن حكم التوراة. {وَبَعَثنَا مِنهُمُ}: هذا الكلم، انتقل الكلام اليه عن لفظ الغيبة فى {ولقد أخذ الله} منهم متعلق ببعثنا، والمحذوف حال من اثنى عشر بعده على الأول للإبتداء، وعلى الثانى للتبعيض. {أثنَى عَشَرَ نَقِيبًا}: مع موسى عليه السلام، النقيب من يبحث عن حال قوم، أو يقوم عليهم ولا يهملهم يقال: نقب عن الشىء بحث عنه، وعن ابن عباس النقيب: الضمين. وقال قتادة: الشهيد على قومه، وقيل: الأمين الكفيل وهو قريب من قول ابن عباس، لأن من شأن الضمين أن يكون أميناً. قال قتادة: هؤلاء النقباء كبار كل سبط تكفل كل واحد بسبطه أن يؤمنوا، ويلتزم التقوى من سبط روبيل، سائل بن بكر، ومن سبط شمعون: ساباط بن حراماً، ومن سبط يهوذا: كالب بن يوقنا ختن موسى على أخته مريم، ومن سبط جاد، حايل بن يوسف، ومن سبط زيالون: حدى بن سور، ومن سبط أشر: سافوز بن ملكيك، ومن سبط تقيالى: حى بن وغشر، ومن سبط دارين: حملا يل بن حمل، ومن سبط: لاوى حولا بن مليكا، ومن سبط بن يامين: فلطم بن دقفون، ومن سبط يوسف من ولده ابراهيم: يوشع بن نون، ومن سبط ابنه الآخر المسمى منشا رجل أبوه موسى غير موسى بن عمران. أخذ الله عز وجل الميثاق على بنى اسرائيل أن يطيعوا النقباء، وعد الله تعالى موسى وقومه أن يورثه وقومه الأرض المقدسة، وهى الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الحبارون العمالقة، ولد عمليق بن لاوى بن سام ابن نوح عليه السلام، وقال: يا موسى انى كتبتها لكم داراً وقراراً، فأخرج اليهم وجاهدهم، وانى ناصركم اليهم، فخذ من قومك اثنى عشر نقيبا، فأخذ، وأمرهم أن لا يذكروا لقومهم ما يرون، وخرجوا فالتقوا بعوج بن عناق على رأسه حزمة حطب، فأخذ الاثنى عشر فجعلهم فى حزمته، وقيل: فى كمه قد انطلق بهم الى امرأته وقال: انظرى الى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلى؟ فقالت له امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، وقيل جعلهم فى كمه ومضى بهم الى الملك، وقال له: دعهم يخبروا قومهم بما رأوا فتركهم، فجعلوا يتعرفون أحوالهم وكان لا يحمل عنقود عنبهم الا خمسة أنفس فى عمود، ويدخل فى قشر الرمانة خمسة أنفس أو أربعة. روى عن ابن عمر: كان طول عوج بن عناق ثلاثة وعشرين ألف ذراع، وثلاثمائة وثلاثين ذراعاً وثلاث ذراع بالمالكى، وكان رأسه تحت السحاب، قلت: ولعل هذا فى السحاب العالى جداً، وقد روى أنه يكون السحاب له حيث يتحزم الانسان ويشرب من السحاب، ويتناول الحوت من قعر البحر ويشويه لعين الشمس ويأكله. قلت: مثل هذا الارتفاع لا يظهر فيه من حرارة الشمس ما يشوى الحوت ألا ترى أنك لو كنت فى أخفض موضع، ثم كنت فى أرفعه لم يظهر لك زيادة الحرارة، ولو حصل مطلق الزيادة فى نفس الأمر زيادة لا يتفطن الا بتدقيق، ألا أن يقال: إن تلك الطبقة التى يصلها عوج تظهر فيها حرارة عظيمة منعها الله من وصولها الينا بما شاء من برد وريح. وقال عوج لنوح عليه السلام: احملنى اليك فى السفينة، فقال له: اذهب يا عدو الله فانى لم أومر بذلك، وعلا الماء على الجبال، وما جاوز ركبتى عوج، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله فى زمان موسى عليه السلام، وكان لموسى عليه السلام فى فرسخ، فجاء عوج حتى نظر اليه، ثم جاء الى الجبل وقور منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها عليهم، فبعث الله الهدهد فنقبها فوقعت فى عنق عوج كالطوق، فصرعته فوثب موسى عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، فضربه بها، فما أصابت الا كعبه، وقيل: طوله سبع، وطول عصاه سبع، ووثب سبعاً، فأقبلت جماعة كثيرة فحزوا رأسه بالخناجر. قيل كان طول سريره ثمانمائة ذراع، وليست قصة عوج تعجبنى اذ رأيتها، ومما خلطوا به أنه لما قتل وقع على نيل مصر فحبسه سنة، وأين نيل مصر من أرض الكنعانيين، قالوا: وكانت أمه عناق بن آدم عليه السلام من صلبه، وأن أول من بغى على وجه الأرض وهو ولد زنى، قيل: وأصغر أصابعها ثلاثة أذرع، وفى كل أصبع ظفران، وموضع مجلسها جريباً من الأرض بعث الله اليها أسوداً كالفيلة، وذباباً كالابل، ونموراً كالحمير، فقتلتها وأكلتها. ولما رجع النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم انكم ان أخبرتم بنى اسرائيل خبر القوم فشلوا وارتدوا عن نبى الله، ولكن اكتموا شأنهم وأخبروا موسى وهارون فيروا فيهم رأيهم، فأخذ بعضهم من بعض الميثاق على ذلك، وجاءوا بحبة عنب الى موسى عليه السلام من عنبهم وقرر رجل، وأخبروه بما رأوا فأخبر كل واحد قومه عن قتالهم، وأخبرهم بحال ما رأوا الا يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، ولما سمعوا ذلك رفعوا أصواتهما بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا بمصر، وياليتنا متنا فى هذه البرية، ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون أولادنا ونساؤنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف الى مصر، كما قال الله جل وعلا: {أية : قالوا يا موسى ان فيها قوماً جبارين } تفسير : الآيات. وانما أمر الله موسى عليه السلام بقتال الكنعانيين بعد اغراق فرعون، وقيل: بعد ما أغرق رجع موسى وبنوا اسرائيل الى مصر، واستقروا فيها، فأمر بالخروج منه اليهم لعامرة الشام، وقيل: لم يرجعوا اليها بعد اغراقه، ولما اضطربوا قال لهم موسى: ان الله سيفتح لكم كما أغرق فرعون، وخرق لكم البحر، ولم يقبلوا عنه وهموا بالانصراف الى مصر. وقال كالب بن يوقنا ويوشع: يا قوم قد اختبرناهم فوجدناهم أجساماً عظاماً بقلوب ضعاف، وهم بنو اسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وعصوهما. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صد عن البيت: " حديث : انى ذاهب بالهدى فناحره عند البيت " تفسير : فاستشار أصحابه فى ذلك، قال المقداد بن الأسود رضى الله عنه: أما والله لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون، ولكنا نقول: انا معك مقاتلون، والله لنقاتلن معك عن يمينك وشمالك، وبين يديك ومن خلفك، ولو خضت بحراً لخضناه معك، ولو شمت بنا جبلا لعلوناه، ولو ذهبت بنا الى برك الغماد لتبعناك، فلما سمعهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعوه على ذلك، وأشرق بذلك وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن مسعود: لأن أكون صاحب الهدى أحب الى من الدنيا وما فيها، وكذلك قال له المقداد: لما استشار تبعك حيث ذهبت، ولا نقول كما قال بنو اسرائيل، ولما عصت بنو اسرائيل أمر ربهم وهموا برجم يوشع وكالب، غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم فقال: {أية : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين }تفسير : فأوحى الله اليهم الى متى يعصوننى ويكذبون بآياتى؟ فخاف أن يهلكهم الله فقال: انه ان قتلتهم قال الناس قتلهم موسى، لأنهم لن يستطيعوا أن يدخلوا الأرض المقدسة، وانه كثير حلمك كثير نعمتك، وانك تغفر الذنوب، وتحفظ الأذى على الآباء الأبناء، فلا تؤاخذهم فقال الله عز وجل لموسى: قد عفوت لكلمتك، فبما حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدى يوشع وكالب، ولأتيهنهم فى هذه البرية أربعين سنة، ومات النقباء الذين أفشوا الخبر، وكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات فى التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قال: {أية : انا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها }. تفسير : {وَقَالَ اللهُ إنِّى مَعَكُم}: بالنصر والتوفيق، والخطاب قيل: للنقباء، وقيل: لبنى اسرائيل صحح بعضهم الأول وجعل الخطاب بعد لبنى اسرائيل والذى عندى أن الخطاب هنا وفى ما بعد لبنى أسرائيل. {لَئِن أَقَمتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ}: ربع المال. {وَآمَنتُم بِرُسُلِى}: كلهم، ولم تفرقوا بين أحد منهم. {وَعَزَّرتُمُوهُم}: عظمتموهم وجريتم على مقتضى التعظيم من التوقية والنصر باللسان والسيف والاعانة، وقيل بمعنى نصرتموهم بالسيف، ونسب للسدمى، واختاره بعض، وقال مقاتل: أعنتموهم، ثم رأيت عن عطاء أن المعنى وقرتموهم كما فسرته لا بعظمتموهم والحمد لله، ولكن زدت بياناً ومن ذلك التعزير بمعنى التنكيل، لأنه منع من معاودة الفساد، يقال: منعتموهم من أيدى العدو، وقرأ عاصم الحجدرى بتخفيف الراء حيث وقع، وفى سورة الفتح: {أية : وتعزروه }تفسير : بفتح التاء واسكان العين وضم الراء. {وَأَقرَضتُمُ اللهَ قَرضًا حَسَناً}: اسم مصدر مفعول مطلق نوعى بمعنى اقراضاً حسناً، أو هو اسم للمال العطى، فيكون مفعولا به، وعلى كل حال المراد الانفاق فى سبيل الخير تطوعا. {لأُكَفِّرَنَّ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم}: جواب القسم المقدر قبل قوله، لأن المغنى عن جواب الشرط الممهد له بلام لئن. {وَلأُدخِلَنَّكُم جَنَّاتٍ تَجرِى مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ}: هذا ذكر لايصال ثواب اقامة الصلاة، وما ذكر بعدها من الأعمال بعد ذكر ازالة العذاب بتكفير السيئات، والآية شبيهة بقوله تعالى: {أية : أوفوا بعهدى أوف بعهدكم }تفسير : لأن اقامة الصلاة وما بعدها ايفاء بعهد الله، وكونه معهم، والتكفير والادخال ايفاء الله بعهدهم. {فَمَن كَفَرَ}: فسق ونافق بمخالفة أمر الله، كترك السير الى الجبارين، وقيل: المعنى من ارتد الى الشرك. {بَعدَ ذَلِكَ مِنكُم}: أى بعد أخذ العهد والميثاق، أو وعدى بالتكفير للسيئات، وادخال الجنة على شرط اقامة الصلاة وما بعدها، وقيد بالبعدية مع أن الكفر فعل ذلك أيضاً ضلال مبين لعظم الكفر بعد حتى كأنه كان الكفر قبله لبسه ضلال بالنسبة اليه، اذ لا شبهة بعد، ولا توهم معذرة عن كفره بعد، وكل ما زادت النعمة ازداد الكفر قبحاً. {فَقَد ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلَ}: أى عن سواء السبيل، أى وسطه، أى السبيل المستقيم، والنصب على حذف الخافض كما رأيت، أو المفعولية لتضمن ضل معاً فقد، أو أخطأ.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ} أَن يقتلوا الجبارين بالشام ويقيموا التوراة بعد غرق فرعون وملكهم مصر، وأَن أريحاءَ مقر لهم وهذا تحذير للمؤمنين عن النقض وعقابه كما نقض بنو إِسرائيل وعوقبوا وأَخذ الميثاق موسى عليه السلام وأَسند الأَخذ إِلى الله عز وجل لأَنه أَمره به {وَبَعثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا} كفيلا من كل سبط وهم خيار لا أنبياء وقيل أَنبياء بعثوا ليعلموا التوراة الأَسباط ويأمروهم بإِقامة ما فيها، وعن ابن عباس كانو وزراءَ ثم كانوا أَنبياءَ ينقب عن أَحوالهم وأَسرارهم ويتعرفها ويأْمر بالوفاءِ، وقيل نقيباً فى أَمر الجهاد وشاهداً ينقب عن أَحوالهم وأَسرارهم وهو بمعنى فاعل، ويجوز أَن يكون بمعنى مختاراً مفتشاً عنه فهو بمعنى مفعول والنقب التفتيش قال الله تعالى: {أية : فنقبوا فى البلاد هل من محيص}تفسير : [ق: 36] واختار موسى من كل سبط نقيباً ولما دنا من أَرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأَخبار ونهاهم أَن يتحدثوا بما رأَوا فرأَوا أَجساماً عظاماً وبأساً شديداً وتواثقوا أَن لا يخبروا إلا موسى ليستعد فنقضوا، ولما رجعوا نقضوا وحدثوا قومهم ففسل القوم إِلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط يوسف فلم يخبرا إِلا موسى عليه السلام وهما الرجلان من الذين يخافون أَنعم الله عليهما، ولا يصح ما قيل من أَنهم لقوا رجلا اسمه عوج بن عنق من الجبارين، وأَن طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعاً وأَنه يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قعر البحر فيرفعه إِلى عين الشمس فيشويه فيأَكله وأَن ماءَ الطوفان ما جاوز ركبتيه وقيل كعبيه، وأَنه عاش ثلاثة آلاف سنة وأَنه قور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام فرسخاً فى فرسخ فحملها ليطبقها عليهم فأَمر الله الهدهد فقور الصخرة فى عنقه بمنقاره فصرعته فقتله موسى مصروعا،وأَن أم عتق من بنات آدم عليه السلام وقيل أَنه من عاد وأَن مجلسها جريب من الأَرض وأَنه لقى النقباءَ وعلى رأسه حزمة حطب فجعلهم فيها فنثرهم عند زوجه فقال انظرى إِلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا أَلا أَطحنهم برجلى فقالت لا بل دعهم يخبروا قومهم كيف يؤثر حر الشمس فى الحوت حتى يطبخه بمجرد تلك الأَذرع مع أَن أَحط موضع فى الأَرض وأَعلاه فيها سواء فى حرها وكيف يقوى هو على حرها مع أَنها تنضج الحوت فى يده مع أَن حرها منتشر فى الجوانب لا كحر النار بين يدى أَحد، ونار نمرود مع أَنها محدودة لم يقدروا على القرب منها، وكيف يخرق طبقات حرارة الجو وطبقات برده وكيف يحتجز بها كما قيل مع أَن غاية ارتفاعها اثنا عشر فرسخاً وستمائة ذراع، وقال المتقدمون ثمانية عشر فرسخاً وغاية انحطاطها هو أَقل من أَن يحتجز بها اللهم إِلا سحاباً منحطاً جداً لكن يكون أَبعد من أَن ينضج الحوت، وقد قيل لا حر للشمس وإِنما الحر من انعكاس ضوئها من الأَرض، وكيف يبقى وينجو من الغرق وهو كافر، وقد قال الله جل وعلا {أية : وجعلنا ذريته هم الباقين}تفسير : [الصافات: 77] وأَيضاً قالوا عنق أَمة وليس كذلك على ثبوته، بلى عوج بن عوق وعوق أَبوه كما فى القاموس وأَى جبل هو فرسخ فى فرسخ {وَقَالَ اللهُ إِنِّى مَعَكُمْ} بالنصر وبعلم أَحوالكم وجزائكم بأَعمالكم {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ} خمسين صلاة فيما قيل. {وآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} ربع المال {وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِى} إِيماناً يستلحق العمل والتقوى، وكانوا يكفرون ببعض الرسل مع أَنهم منهم {وَعَزَرْتُمُوهُمْ} نصرتموهم بالسيف واللسان؛ أَو عظمتموهم، والتعزيز المنع والتقوية وهى منع لمن قويته عن غير، وهو فى الفقه ما دون الحد لأَنه مانع عن ارتكاب القبيح، وقيل التعزير النصر مع التعظيم وقيل التعظيم، وأَخر الإِيمان لتكذيبهم بعض الرسل مع اعترافهم بالصلاة والزكاة ولمراعاة المقارنة لقوله وعزرتموهم، وقيل قدمهما لأَنهما الظاهر من أَحوالهم مع تقدم مطلق إِيمانهم فذكرها كالزجر عن النفاق، وقيل آمنتم برسلى كناية عن نصرة دين الله تعالى ورسله والإِنفاق عليه {وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا} إِقراضاً مفعول مطلق أَو مالا مفعول به على تضمين أَقرض معنى أَنفق، وذلك نفل {حَسَنًا} بأن يكون بلا من ولا أَذى من حلال غير ودى ويكون مخلصاً لله تنفقونه فى الجهاد وفى وجوه الخير، وذلك استعارة لأنه تعالى وعد بالجزاء عليه كما يرد مثل ما أقرض. {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ذنوبكم صغائر وكبائر {وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الانْهَار} فضلا منه وثوابا {فَمَنْ كَفَرَ} أَى اتصف بكفر حادث أَو سابق مصر عليه فإِن البقاء عليه بعد ورود منه كالحادث بعد الورود فى القبح وملتحق به {بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ} من كفر بترك الصلاة والزكاة والإيمان والتعزير والإقراض بعد ذلك المذكور من الأمر بها أَو من كفر بعد ما شرطت هذا الشرط، ووعدت هذا الوعد وأَنعمت هذا الإِنعام كفر ردة أَو كفر بقاءِ ولا خفاء أَن الضلال بعد هذا أَقبح ولم يقل وإِن كفرتم كما قال لئن أَقمتم لإِخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإِسقاط من كفر عن رتبة الخطاب الموجود فى قولنا إِن كفرتم {فَقَدْ ضَلَّ} ضلالا لا شبهة فيه {سَوَاءَ السَّبِيلِ} السبيل السواءِ أَى الأَوسط أَى الأَعدل، وكذلك ضل سواءَ السبيل من كفر بعد ذلك إلا أَنه قد تكون له شبهة فإِن الكفر يزداد عظم قبحه إِذا كان بعد ذلك.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِي إِسْرٰءيلَ} كلام مستأنف مشتمل على بيان بعض ما صدر من بني إسرائيل مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة الله تعالى ومراعاة حق الميثاق، وتحذيرهم من نقضه، أو لتقرير ما ذكر من الهم بالبطش، وتحقيقه بناءاً على أنه كان صادراً من أسلافهم ببيان أن الغدر والخيانة فيهم شنشنة أخزمية، وإظهار الاسم الجليل هنا لتربية المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب في نقضه مع ما فيه من رعاية حق الاستئناف المستدعي للانقطاع عما قبله، والالتفات في قوله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً} للجري على سنن الكبرياء، وتقديم المفعول الغير الصريح على الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام والتشويق، و ـ النقيب ـ قيل: فعيل بمعنى فاعل مشتقاً من النقب بمعنى التفتيش، ومنه {أية : فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ} تفسير : [قٰ: 36] وسمي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم، وقيل: بمعنى مفعول كأن القوم اختاروه على علم منهم، وتفتيش على أحوالهم. قال الزجاج: وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل، ويقال: فلان حسن النقيبة أي جميل الخليقة، ونقاب: للعالم بالأشياء الذكي القلب الكثير البحث عن الأمور، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عمق، ومن ذلك نقبت الحائط أي بلغت في النقب آخره. روي أن بني إسرائيل لما فرغوا من أمر فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال سبحانه لهم: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها فإني ناصركم، وأمر جل شأنه موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط كفيلاً عليهم بالوفاء فيما أمروا به فأخذ عليهم الميثاق، / واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار ونهاهم أن يحدثوا قومهم فرأوا أجراماً عظاماً وبأساً شديداً فهابوا، فرجعوا وحدثوا قومهم إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف عليه السلام، وعند ذلك قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن النقباء لما دخلوا على الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمس أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمس أنفس أو أربع، وذكر البغوي أنه لقيهم رجل من أولئك يقال له عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله، ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام، وذلك أنه جاء وقور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام وكان فرسخاً في فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله. وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم عليه السلام، وكان مجلسها جريباً من الأرض، فلما لقوا عوجاً وعلى رأسه حزمة حطب أخذهم جميعاً وجعلهم في حزمته، وانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل انتهى. وأقول: قد شاع أمر عوج عند العامة ونقلوا فيه حكايات شنيعة، وفي «فتاوى العلامة ابن حجر» قال الحافظ العماد بن كثير: قصة عوج وجميع ما يحكون عنه هذيان لا أصل له، وهو من مختلقات أهل الكتاب، ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام ولم يسلم من الكفار أحد، وقال ابن القيم: من الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه ـ كحديث عوج الطويل ـ وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبين أمره، ثم قال: ولا ريب في أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم انتهى. وأورد ابن المنذر عن ابن عمر من قصته شيئاً عجيباً، وتعقبه بعض المصنفين بأن هذا مما يستحي الشخص من نسبته إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ومشى صاحب «القاموس» على أن أخباره موضوعة، وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في كتاب «العظمة» فيه آثاراً قال الحفاظ في أطولها المشتمل على غرائب من أحواله: إنه باطل كذب، وقال الحافظ السيوطي: والأقرب في خبر عوج أنه من بقية عاد، وأنه كان له طول في الجملة مائة ذراع أو شبه ذلك، وأن موسى عليه الصلاة والسلام قتله بعصاه، وهذا هو القدر الذي يحتمل قبوله انتهى، ونعم ما قال، فإن بقاءه في الطوفان مع كفره الظاهر إذ لم ينقل إيمانه، ودعوة نوح عليه السلام التي عمت الأرض مما لا يكاد يقبله المنصف، وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ} تفسير : [الصافات: 77] مما لا يسوغه العارف، وشيه الحوت بعين الشمس، مما لا يكاد يعقل ـ على ما ذكره الحكماء ـ فقد ذكر الخلخالي أنهم ذهبوا إلى أن الشمس ليست حارة وإلا لكان قلل الجبال أحر من الوهاد لقرب القلل / إلى الشمس ـ وبعد الوهاد عنها ـ بل الحرارة تحدث من وصول شعاع الشمس إلى وجه الأرض وانعكاسه عنه ولذلك يرى الوهاد أحر لتراكم الأشعة المنعكسة فيها فما وصل إليه الشعاع من وجه الأرض يصير حاراً وإلا فلا، وذكر نحو ذلك شارح «حكمة العين»، ولا يرد على هذا أن بعض الناس روى أن كذا ملائكة ترمي الشمس بالثلج إذا طلعت، ولولا ذلك لأحرقت أهل الأرض لأن ذلك مما لم يثبت عند الحفاظ، وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الصحة، ثم كان القائل بوجود عوج هذا من الناس لا يقول بالطبقة الزمهرية التي هي الطبقة الثالثة من طبقات العناصر السبع، ولا بما فوقها وإلا فكيف يكون الاحتجاز بالسحاب وهو كالرعد والبرق، والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبقة الباردة التي لا يصل إليها أثر شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض، وقد ذكروا أيضاً أن فوقها طبقتين: الأولى: ما يمتزج مع النار وهي التي يتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة عن السفل، ويتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والنيازك، والثانية: ما يقرب من الخلوص إذ لا يصل إليه حرارة ما فوقه ولا برودة ما تحته من الأرض والماء، وهي التي يحدث فيها الشهب، فإذا احتجز هذا الرجل بالسحاب وصل رأسه على زعمهم إلى إحدى تينك الطبقتين، فكيف يكون حاله مع ذلك البرد والحر؟! ولا أظن بشراً ـ كيف كان ـ يقوى على ذلك، على أن أصل الاحتجاز مما لا يمكن بناءاً على كلام الحكماء إذ قد علمت أن منشأ السحب الطبقة الزمهريرية. وفي كتاب «نزهة القلوب» ـ نقلاً عن الحكيم أبـي نصر ـ أن غاية ارتفاعها اثني عشر فرسخاً وستمائة ذراع، وعن المتقدمين أنها ثمانية عشر فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع انتهى. واختلفوا أيضاً في غاية انحطاطها، ولم يذكر أحد منهم أنها تنحط إلى ما يتصور معه احتجاز الرجل الذي ذكروا من طوله ما ذكروا بالسحاب، اللهم إلا أن يراد به سحاب لم يبلغ هذا الارتفاع ومع هذا كله قد أخطأوا في قولهم: ابن عنق، وإنما هو ابن عوق ـ كنوح ـ كما نص على ذلك في «القاموس»، وهو أيضاً اسم والده لا والدته كما ذكر هناك أيضاً فليحفظ. وأخرج ابن حميد وابن جرير عن أبـي العالية أنه قال في الآية: أخذ الله تعالى ميثاق بني إسرائيل أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره؛ وبعث منهم اثني عشر كفيلاً كفلوا عليهم بالوفاء لله تعالى بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ونهاهم عنه، واختاره الجبائي، ـ والنقباء ـ حينئذٍ يجوز أن يكونوا رسلاً، وأن يكونوا قادة ـ كما قال البلخي ـ واختار أبو مسلم أنهم بعثوا أنبياء ليقيموا الدين ويعلموا الأسباط التوراة ويأمروهم بما فرضه الله تعالى عليهم، وأخرج الطيبـي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا وزراء وصاروا أنبياء بعد ذلك. {وَقَالَ ٱللَّهُ} أي ـ للنقباء ـ عند الربيع، ورجحه السمين للقرب، وعند أكثر المفسرين ـ لبني إسرائيل ـ ورجحه أبو حيان إذ هم المحتاجون إلى ما ذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الإلتفات مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد {إِنّي مَعَكُمْ} أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك، وقيل: معكم بالنصرة، وقيل: بالعلم، والتعميم أولى. {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلٰوةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَٰوةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى} أي بجميعهم، واللام موطئة للقسم المحذوف، وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما أنهم ـ كما قال غير واحد ـ كانوا معترفين / بوجوبهما حسبما يراد منهم مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}، وقال بعضهم: إن جملة {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي} إلى آخره كناية إيمائية عن المجاهدة، ونصرة دين الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام والإنفاق في سبيله كأنه قيل: لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 21] فإن المعنى لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم عليه الصلاة والسلام، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأولين، وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون انتهى، ولا يخلو عن نظر. وقيل: إنما قدم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنها الظاهر من أحوالهم الدالة على إيمانهم، و ـ التعزير ـ أصل معناه المنع والذب، وقيل: التقوية من العزر، وهو والأزر من واد واحد، ولا يخفى أن في التقوية منعاً لمن قويته عن غيره فهما متقاربان، ثم تجوز فيه عن النصرة لما فيها من ذلك وعن التأديب، وهو في الشرع ما كان دون الحدّ لأنه رادع ومانع عن ارتكاب القبيح، ولذا سمي في الحديث نصرة، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحجزه ـ أو تمنعه ـ عن الظلم فإن ذلك نصره»تفسير : ، وقال الراغب: «التعزير النصرة مع التعظيم»، وبالنصرة فقط ـ فسره الحسن. ومجاهد، وبالتعظيم فقط فسره ابن زيد. وأبو عبيدة، وقرىء ـ عزرتموهم ـ بالتخفيف. {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ} أي بالإنفاق في سبيل الخير، وقيل: بالتصدق بالصدقات المندوبة وأياً مّا كان فهو استعارة لأنه سبحانه لما وعد بجزائه والثواب عليه شبه بالقرض الذي يقضى بمثله، وفي كلام العرب قديماً الصالحات قروض {قَرْضًا حَسَنًا} وهو ما كان عن طيب نفس على ما قال الأخفش، وقيل: ما لا يتبعه منّ ولا أذى، وقيل: ما كان من حلال. وذكر غير واحد أن قرضاً يحتمل المصدر والمفعول به. {لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـاتِكُمْ} دال على جواب الشرط المحذوف وسادّ مسدّه معنى، وليس هو الجواب له خلافاً لأبـي البقاء بل هو جواب للقسم، فقد تقرر أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب السابق منهما إلا أن يتقدمه ذو خبر، وجوز أن يكون هذا جواباً لما تضمنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} من القسم، وقيل: إن جوابه {لَئِنْ أَقَمْتُمُ} فلا تكون اللام موطئة، أو تكون ذات وجهين ـ وهو غريب ـ وجملة القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم. {وَلأََدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنهَـٰرُ} عطف على ما قبله داخل معه في حكمه متأخر عنه في الحصول ضرورة تقدم التخلية على التحلية. {فَمَن كَفَرَ} أي برسلي أو بشيء مما عدد في حيز الشرط، والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب بالترهيب {بَعْدَ ذَلِكَ} الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم أعني {لأُكَفّرَنَّ}، وقيل: بعد الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم أعني {أَنِّي مَعَكُمْ} بناءاً على حمل المعية على المعية بالنصرة والإعانة، أو التوفيق للخير فإن الشرط معلق به من حيث المعنى نحو أنا معتن بشأنك إن خدمتني رفعت محلك، وقيل: المراد بعد ما شرطت هذا الشرط ووعدت هذا الوعد وأنعمت هذا الإنعام، / وقوله تعالى: {مّنكُمْ} متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل {كَفَرَ}، ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وإن كفرتم عطفاً على الشرطية السابقة ـ كما قال شيخ الإسلام ـ لإخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإسقاط من كفر عن رتبة الخطاب، ثم ليس المراد بالكفر إحداثه بعد الإيمان، بل ما يعم الاستمرار عليه أيضاً كأنه قيل: فمن اتصف بالكفر بعد ذلك إلا أنه قصد بإيراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب الكفر فإن الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه، وإن كان استمراراً عليه لكن بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي وسط الطريق وحاقه ضلالاً لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم عذر.

سيد قطب

تفسير : في نهاية الدرس الماضي، ذكر الله المسلمين بميثاقهم الذي واثقهم به؛ وذكرهم نعمته التي أنعم بها عليهم في هذا الميثاق. ذلك كي يؤدوا من جانبهم ما استحفظوا عليه؛ ويتقوا أن ينقضوا ميثاقهم معه. فالآن يستغرق هذا الدرس كله في استعراض مواقف أهل الكتاب من مواثيقهم؛ واستعراض ما حل بهم من العقاب نتيجة نقضهم لهذه المواثيق؛ لتكون هذه - من جانب - تذكرة للجماعة المسلمة ماثلة من بطون التاريخ، ومن واقع أهل الكتاب قبلهم، وليكشف الله - من جانب - عن سنته التي لا تتخلف ولا تحابي أحداً. ومن الجانب الثالث ليكشف عن حقيقة أهل الكتاب وحقيقة موقفهم؛ وذلك لإبطال كيدهم في الصف المسلم؛ وإحباط مناوراتهم ومؤامراتهم؛ التي يلبسونها ثوب التمسك بدينهم؛ وهم في الحقيقة قد نقضوا هذا الدين من قبل؛ ونقضوا ما عاهدوا الله عليه.. ويحتوى هذا الدرس على استعراض ميثاق الله مع قوم موسى، عند إنقاذهم من الذل في مصر؛ ثم نقضهم لهذا الميثاق؛ وما حاق بهم نتيجة نقضهم له؛ وما أصابهم من اللعنة والطرد من مجال الهدى والنعمة.. وعلى استعراض ميثاق الله مع الذين قالوا: إنا نصارى. ونتيجة نقضهم له من إغراء العداوة بين فرقهم المختلفة إلى يوم القيامة. ثم على استعراض موقف اليهود أمام الأرض المقدسة التي أعطاهم الله ميثاقه أن يدخلوها، فنكصوا على أعقابهم وجبنوا عن تكاليف ميثاق الله معهم. وقالوا لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون}.. ويتخلل هذا الاستعراض للمواثيق ومواقف أهل الكتاب منها، كشف لما وقع في عقائد اليهود والنصارى من انحراف نتيجة نقضهم لهذه المواثيق؛ التي عاهدهم الله فيها على توحيده والإسلام له؛ في مقابل ما أعطاهم من النعم، وما ضمن لهم من التمكين؛ فأبوا ذلك كله على أنفسهم؛ فباءوا باللعنة والفرقة والتشريد.. كذلك يتضمن دعوتهم من جديد إلى الهدى.. الهدى الذي جاءتهم به الرسالة الأخيرة؛ وجاءهم به الرسول الأخير. ودحض ما قد يدعونه من حجة في أنه طال عليهم الأمد، ومرت بهم فترة طويلة منذ آخر أنبيائهم، فنسوا ولبس عليهم الأمر.. فها هو ذا قد جاءهم بشير ونذير. فسقطت الحجة، وقام الدليل. ومن خلال هذه الدعوة، تتبين وحدة دين الله - في أساسه - ووحده ميثاق الله مع جميع عباده: أن يؤمنوا به، ويوحدوه، ويؤمنوا برسله دون تفريق بينهم، وينصروهم، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وينفقوا في سبيل الله من رزق الله.. فهو الميثاق الذي يقرر العقيدة الصحيحة، ويقرر العبادة الصحيحة، ويقرر أسس النظام الاجتماعي الصحيح.. فالآن نأخذ في استعراض هذه الحقائق كما وردت في السياق القرآني الكريم: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً. وقال الله: إني معكم. لئن أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي، وعزرتموهم؛ وأقرضتم الله قرضاً حسناً.. لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار. فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل.. فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم؛ وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذكروا به، ولا تزال تطلع على خائنة منهم - إلا قليلاً منهم - فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين}.. {ومن الذين قالوا: إنا نصارى أخذنا ميثاقهم؛ فنسوا حظاً مما ذكروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون}.. لقد كان ميثاق الله مع بني إسرائيل ميثاقاً بين طرفين؛ متضمناً شرطاً وجزاء. والنص القرآني يثبت نص الميثاق وشرطه وجزاءه، بعد ذكر عقد الميثاق وملابسات عقده.. لقد كان عقداً مع نقباء بني إسرائيل الاثني عشر، الذين يمثلون فروع بيت يعقوب - وهو إسرائيل - وهم ذرية الأسباط - أحفاد يعقوب - وعدتهم اثنا عشر سبطاً.. وكان هذا نصه: {وقال الله: إني معكم. لئن أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي، وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً.. لأكفرن عنكم سيئاتكم، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار. فمن كفر بعد ذلك منكم. فقد ضل سواء السبيل}.. ..{إني معكم}.. وهو وعد عظيم. فمن كان الله معه، فلا شيء إذن ضده. ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود - في الحقيقة - له ولا أثر. ومن كان الله معه فلن يضل طريقه، فإن معية الله - سبحانه - تهديه كما أنها تكفيه. ومن كان الله معه فلن يقلق ولن يشقى، فإن قربه من الله يطمئنه ويسعده.. وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن، وقد وصل، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم. ولكن الله - سبحانه - لم يجعل معيته لهم جزافاً ولا محاباة؛ ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده.. إنما هو عقد.. فيه شرط وجزاء. شرطه: إقامة الصلاة.. لا مجرد أداء الصلاة.. إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب؛ وعنصراً تهذيبياً وتربوياً وفق المنهج الرباني القويم؛ وناهياً عن الفحشاء والمنكر حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر! وإيتاء الزكاة.. اعترافاً بنعمة الله في الرزق؛ وملكيته ابتداء للمال؛ وطاعة له في التصرف في هذا المال وفق شرطه - وهو المالك والناس في المال وكلاء - وتحقيقاً للتكافل الاجتماعي الذي على أساسه تقوم حياة المجتمع المؤمن؛ وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سبباً في الكساد العام بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته؛ كما يفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع بشتى ألوانه.. كل هذا الشر الذي تحول دونه الزكاة؛ ويحول دونه منهج الله في توزيع المال؛ وفي دورة الاقتصاد.. والإيمان برسل الله.. كلهم دون تفرقة بينهم. فكلهم جاء من عند الله؛ وكلهم جاء بدين الله. وعدم الإيمان بواحد منهم كفر بهم جميعاً، وكفر بالله الذي بعث بهم جميعاً.. وليس هو مجرد الإيمان السلبي، إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه.. فالإيمان بدين الله من مقتضاه أن ينهض لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس. فدين الله ليس مجرد تصور اعتقادي، ولا مجرد شعائر تعبدية. إنما هو منهج واقعي للحياة. ونظام محدد يصرف شئون هذه الحياة. والمنهج والنظام في حاجة إلى نصرة، وتعزير، وإلى جهد وجهاد لتحقيقه ولحمايته بعد تحقيقه.. وإلا فما وفى المؤمن بالميثاق. وبعد الزكاة إنفاق عام.. يقول عنه الله - سبحانه - إنه قرض لله.. والله هو المالك، وهو الواهب.. ولكنه - فضلاً منه ومنة - يسمي ما ينفقه الموهوب له - متى أنفقه لله - قرضاً لله.. ذلك كان الشرط. فأما الجزاء فكان: تكفير السيئات.. والإنسان الذي لا يني يخطىء، ولا يني يندفع إلى السيئة مهما جاء بالحسنة.. تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم ورحمة من الله واسعة، وتدارك لضعفه وعجزه وتقصيره.. وجنة تجري من تحتها الأنهار.. وهي فضل خالص من الله، لا يبلغه الإنسان بعمله، إنما يبلغه بفضل من الله، حين يبذل الجهد، فيما يملك وفيما يطيق.. وكان هنالك شرط جزائي في الميثاق: {فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل}.. فلا هدى له بعد ذلك، ولا أوبة له من الضلال. بعد إذ تبين له الهدى، وتحدد معه العقد، ووضح له الطريق، وتأكد له الجزاء.. ذلك كان ميثاق الله مع نقباء بني إسرائيل.. عمن وراءهم. وقد ارتضوه جميعاً؛ فصار ميثاقاً مع كل فرد فيهم، وميثاقاً مع الأمة المؤلفة منهم.. فماذا كان من بني إسرائيل! لقد نقضوا ميثاقهم مع الله.. قتلوا أنبياءهم بغير حق، وبيتوا القتل والصلب لعيسى عليه السلام - وهو آخر أنبيائهم - وحرفوا كتابهم - التوراة - ونسوا شرائعها فلم ينفذوها، ووقفوا من خاتم الأنبياء - عليه الصلاة والسلام - موقفاً لئيماً ماكراً عنيداً، وخانوه وخانوا مواثيقهم معه. فباءوا بالطرد من هدى الله، وقست قلوبهم فلم تعد صالحة لاستقبال هذا الهدى.. {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذكروا به...} وصدق الله. فهذه سمات يهود التي لا تفارقهم.. لعنة تبدو على سيماهم، إذ تنضح بها جبلتهم الملعونة المطرودة من الهداية. وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة، وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية، ومهما حاولوا - مكراً - إبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة، والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة، فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة.. وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن مواضعه. تحريف كتابهم أولاً عن صورته التي أنزلها الله على موسى - عليه السلام - إما بإضافة الكثير إليه مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة على الله! وإما بتفسير النصوص الأصلية الباقية وفق الهوى والمصلحة والهدف الخبيث! ونسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم، وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على منهج الله الطاهر النظيف القويم. {ولا تزال تطلع على خائنة منهم، إلا قليلاً منهم...}.. وهو خطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - يصور حال يهود في المجتمع المسلم في المدينة. فهم لا يكفون عن محاولة خيانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كانت لهم مواقف خيانة متواترة. بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة - ثم في الجزيرة كلها - وما تزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي على مدار التاريخ. على الرغم من أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي آواهم، ورفع عنهم الاضطهاد، وعاملهم بالحسنى، ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه. ولكنهم كانوا دائماً - كما كانوا على عهد الرسول - عقارب وحيات وثعالب وذئاباً تضمر المكر والخيانة، ولا تني تمكر وتغدر. إن أعوزتهم القدرة على التنكيل الظاهر بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد، وتآمروا مع كل عدو لهم، حتى تحين الفرصة، فينقضوا عليهم، قساة جفاة لا يرحمونهم، ولا يرعون فيهم إلا ولا ذمة. أكثرهم كذلك.. كما وصفهم الله سبحانه في كتابه، وكما أنبأنا عن جبلتهم التي أورثها إياهم نقضهم لميثاق الله من قديم. والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، تعبير طريف: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم}.. الفعلة الخائنة، والنية الخائنة، والكلمة الخائنة، والنظرة الخائنة.. يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة.. "خائنة".. لتبقى الخيانة وحدها مجردة، تملأ الجو، وتلقي ظلالها وحدها على القوم.. فهذا هو جوهر جبلتهم، وهذا هو جوهر موقفهم، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع الجماعة المسلمة.. إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق. وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله، ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها؛ وتسمع توجيهاته؛ وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام.. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها؛ وحين اتخذت القرآن مهجوراً - وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة، وتعاويذ ورقى وأدعية! - أصابها ما أصابها. ولقد كان الله - سبحانه - يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه، حين نقضوا ميثاقهم مع الله، لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع الله، فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد، ناقض للعقد.. فلما غفلت عن هذا التحذير، وسارت في طريق غير الطريق، نزع الله منها قيادة البشرية؛ وتركها هكذا ذيلاً في القافلة! حتى تثوب إلى ربها؛ وحتى تستمسك بعهدها، وحتى توفي بعقدها. فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس.. وإلا بقيت هكذا ذيلاً للقافلة.. وعد الله لا يخلف الله وعده.. ولقد كان توجيه الله لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية: {فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين}.. والعفو عن قبائحهم إحسان، والصفح عن خيانتهم إحسان.. ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان. فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عن المدينة. ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها. وقد كان.. كذلك يقص الله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة، أنه أخذ ميثاق الذين قالوا: إنا نصارى، من أهل الكتاب. ولكنهم نقضوا ميثاقهم كذلك. فنالهم جزاء هذا النقض للميثاق: {ومن الذين قالوا: إنا نصارى أخذنا ميثاقهم؛ فنسوا حظاً مما ذكروا به؛ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون}. ونجد هنا تعبيراً خاصاً ذا دلالة خاصة: {ومن الذين قالوا: إنا نصارى}.. ودلالة هذا التعبير: أنهم قالوها دعوى، ولم يحققوها في حياتهم واقعاً.. ولقد كان أساس هذا الميثاق هو توحيد الله. وهنا كانت نقطة الانحراف الأصيلة في خط النصرانية التاريخي. وهذا هو الحظ الذي نسوه مما ذكروا به؛ ونسيانه هو الذي قاد بعد ذلك إلى كل انحراف. كما أن نسيانه هو الذي نشأ من عنده الخلاف بين الطوائف والمذاهب والفرق، التي لا تكاد تعد. في القديم وفي الحديث (كما سنبين إجمالاً بعد قليل). وبينها ما بينها من العداوة والبغضاء ما يخبرنا الله سبحانه أنه باق فيهم إلى يوم القيامة.. جزاء وفاقاً على نقض ميثاقهم معه، ونسيانهم حظاً مما ذكروا به.. ويبقى جزاء الآخرة عندما ينبئهم الله بما كانوا يصنعون؛ وعندما يجزيهم وفق ما ينبئهم به مما كانوا يصنعون! ولقد وقع بين الذين قالوا: إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه الله - سبحانه - في كتابه الصادق الكريم؛ وسال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله. سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة؛ أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية؛ أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات.. وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال أصدق القائلين، جزاء على نقضهم ميثاقهم، ونسيانهم حظا مما ذكروا به من عهد الله، وأول بند فيه هو بند التوحيد، الذي انحرفوا عنه بعد فترة من وفاة المسيح عليه السلام. لأسباب لا مجال هنا لعرضها بالتفصيل. وحين يبلغ السياق هذا الموضع من استعراض موقف اليهود والنصارى من ميثاقهم مع الله.. وجهوا الخطاب لأهل الكتاب جميعاً.. هؤلاء وهؤلاء.. لإعلانهم برسالة خاتم النبيين؛ وإنها جاءت إليهم - كما جاءت للعرب الأميين، وللناس أجمعين. فهم مخاطبون بها، مأمورون باتباع الرسول الأخير - وهذا طرف من ميثاق الله معهم كما سلف - وأن هذا الرسول الأخير قد جاء يكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه من الكتاب الذي بين أيديهم؛ والذي استحفظوا عليه فنقضوا عهدهم مع الله فيه؛ ويعفو كذلك عن كثير مما أخفوه، ولم تعد هناك ضرورة له في الشريعة الجديدة.. ثم يتعرض لبعض الانحرافات التي جاء الرسول الأخير ليقومها في معتقداتهم: كقول النصارى: إن المسيح عيسى بن مريم هو الله. وكقولهم هم واليهود نحن أبناء الله وأحباؤه.. ويختم هذا النداء بأنه لن تكون لهم حجة عندالله بعد الرسالة الكاشفة المبينة المنيرة؛ ولن يكون لهم أن يقولوا: إنه مرت عليهم فترة طويلة بعد الرسالات فنسوا ولبس الأمر عليهم: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام؛ ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.. لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم. قل: فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً؟ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما، يخلق ما يشاء، والله على كل شيء قدير.. وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه. قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء؛ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما، وإليه المصير.. يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم - على فترة من الرسل - أن تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. فقد جاءكم بشير ونذير. والله على كل شيء قدير}.. لقد كان أهل الكتاب يستكثرون أن يدعوهم إلى الإسلام نبي ليس منهم.. نبي من الأميين الذين كانوا يتعالون عليهم من قبل ويتعالمون؛ لأنهم هم أهل الكتاب وهؤلاء أميون! فلما أراد الله الكرامة لهؤلاء الأميين بعث منهم خاتم النبيين، وجعل فيهم الرسالة الأخيرة، الشاملة للبشر أجمعين. وعلم هؤلاء الأميين، فإذا هم أعلم أهل الأرض؛ وأرقاهم تصوراً واعتقاداً؛ وأقومهم منهجاً وطريقاً، وأفضلهم شريعة ونظاماً، وأصلحهم مجتمعاً وأخلاقاً.. وكان هذا كله من فضل الله عليهم؛ ومن إنعامه بهذا الدين وارتضائه لهم.. وما كان للأميين أن يكونوا أوصياء على هذه البشرية لولا هذه النعمة؛ وما كان لهم - وليس لهم بعد - من زاد يقدمونه للبشرية إلا ما يزودهم به هذا الدين.. وفي هذا النداء الإلهي لأهل الكتاب، يسجل عليهم أنهم مدعوون إلى الإسلام. مدعوون للإيمان بهذا الرسول ونصره وتأييده، كما أخذ عليهم ميثاقه. ويسجل عليهم شهادته - سبحانه - بأن هذا النبي الأمي هو رسوله إليهم - كما أنه رسول إلى العرب، وإلى الناس كافة - فلا مجال لإنكار رسالته من عند الله أولاً؛ ولا مجال للادعاء بأن رسالته مقتصرة على العرب، أو ليست موجهة إلى أهل الكتاب ثانياً: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا، يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير}.. فهو رسول الله إليكم. ودوره معكم أن يبين لكم ويوضح ويكشف، ما تواطأتم على إخفائه من حقائق كتاب الله الذي معكم.. سواء في ذلك اليهود والنصارى.. وقد أخفى النصارى الأساس الأول للدين.. التوحيد.. وأخفى اليهود كثيراً من أحكام الشريعة؛ كرجم الزاني، وتحريم الربا كافة. كما أخفوا جميعاً خبر بعثة النبي الأمي {أية : الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل}..تفسير : كما أنه - صلى الله عليه وسلم - يعفو عن كثير مما أخفوه أو حرفوه؛ مما لم يرد به شرعه. فقد نسخ الله من أحكام الكتب والشرائع السابقة ما لم يعد له عمل في المجتمع الإنساني، مما كانت له وظيفة وقتية في المجتمعات الصغيرة الخاصة، التي بعث إليها الرسل من قبل ولفترة محدودة - في علم الله - من الزمان، قبل أن تجيء الرسالة الشاملة الدائمة، وتستقر - وقد أكملها الله وأتم بها نعمته ورضيها للناس ديناً - فلم يعد فيها نسخ ولا تبديل ولا تعديل. ويبين لهم طبيعة ما جاء به هذا الرسول، ووظيفته في الحياة البشرية، وما قدر الله من أثره في حياة الناس. {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام. ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم}.. وليس أدق ولا أصدق ولا أدل على طبيعة هذا الكتاب.. القرآن.. وعلى طبيعة هذا المنهج.. الإسلام.. من أنه {نور}.. إنها حقيقة يجدها المؤمن في قلبه وفي كيانه وفي حياته وفي رؤيته وتقديره للأشياء والأحداث والأشخاص.. يجدها بمجرد أن يجد حقيقة الإيمان في قلبه.. {نور} نور تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف. ويشرق به كل شيء أمامه فيتضح ويتكشف ويستقيم. ثقلة الطين في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة.. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى.. تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة.. واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه.. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى.. يتضح الهدف ويستقيم الطريق إليه وتستقيم النفس على الطريق.. {نور. وكتاب مبين}.. وصفان للشيء الواحد.. لهذا الذي جاء به الرسول الكريم.. {يهدي به الله - من اتبع رضوانه - سبل السلام. ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم}. لقد رضي الله الإسلام ديناً.. وهو يهدي من يتبع رضوانه هذا ويرتضيه لنفسه كما رضيه الله له.. يهديه.. {سبل السلام}.. وما أدق هذا التعبير وأصدقه؛ إنه {السلام} هو ما يسكبه هذا الدين في الحياة كلها.. سلام الفرد. وسلام الجماعة. وسلام العالم.. سلام الضمير، وسلام العقل، وسلام الجوارح.. سلام البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية.. السلام مع الحياة. والسلام مع الكون. والسلام مع الله رب الكون والحياة.. السلام الذي لا تجده البشرية - ولم تجده يوماً - إلا في هذا الدين؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته. حقاً إن الله يهدي بهذا الدين الذي رضيه، من يتبع رضوان الله، {سبل السلام}.. سبل السلام كلها في هذه الجوانب جميعها.. ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق سبل الحرب في الجاهليات القديمة أو الحديثة.. ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير. وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهلية وأنظمتها وتخبطها في أوضاع الحياة. وقد كان المخاطبون بهذه الكلمات أول مرة يعرفون من تجربتهم في الجاهلية معنى هذا السلام. إذ كانوا يذوقونه مذاقاً شخصياً؛ ويلتذون هذا المذاق المريح.. وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة؛ والجاهلية من حولنا ومن بيننا تذيق البشرية الويلات.. من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قروناً بعد قرون! ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا؛ ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا.. بينما نملك الدخول في السلم التي منحها الله لنا؛ حين نتبع رضوانه؛ ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا! إننا نعاني من ويلات الجاهلية؛ والإسلام منا قريب. ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإسلام في متناول أيدينا لو نشاء.. فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟ ونؤثر فيها الحرب على السلام؟ إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان. ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية، قبل أن ننقذ نحن أنفسنا، وقبل أن نفيء إلى ظلال السلام، حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه. فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم إنه يهديهم سبل السلام. {ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه}.. والجاهلية كلها ظلمات.. ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات. وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه. وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين. والنور هو النور.. هو ذلك النور الذي تحدثنا عنه آنفاً في الضمير وفي العقل وفي الكيان وفي الحياة وفي الأمور.. {ويهديهم إلى صراط مستقيم}.. مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه. مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات.. إن الله الذي خلق الإنسان وفطرته؛ وخلق الكون ونواميسه؛ هو الذي وضع للإنسان هذا المنهج؛ وهو الذي رضي للمؤمنين هذا الدين. فطبيعي وبديهي أن يهديهم هذا المنهج إلى الصراط المستقيم. حيث لا يهديهم منهج غيره من صنع البشر العاجزين الجهال الفانين! وصدق الله العظيم. الغني عن العالمين. الذي لا يناله من هداهم أو ضلالهم شيء ولكنه بهم رحيم! ذلك هو الصراط المستقيم. فأما القول بأن الله هو المسيح بن مريم فهو الكفر؛ وأما القول بأن اليهود والنصارى هم أبناء الله وأحباؤه، فهو الافتراء الذي لا يستند إلى دليل.. وهذا وذلك من مقولات أهل الكتاب، التي تخفي نصاعة التوحيد؛ والتي جاءهم الرسول الأخير ليكشف عن الحقيقة فيها، ويرد الشاردين المنحرفين عن هذه الحقيقة إليها: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم. قل: فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً؟ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما، يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير}.. إن الذي جاء به عيسى - عليه السلام - من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول. والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول.. ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت عليها التحريفات؛ بسبب دخول الوثنيين في النصرانية؛ وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد، حتى لم يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها. ولم تجئ هذه الانحرافات كلها دفعة واحدة؛ ولكنها دخلت على فترات؛ وأضافتها المجامع واحدة بعد الأخرى؛ حتى انتهت إلى هذا الخليط العجيب من التصورات والأساطير، الذي تحار فيه العقول. حتى عقول الشارحين للعقيدة المحرفة من أهلها المؤمنين بها! وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد المسيح - عليه السلام - في تلامذته وفي أتباعهم. وأحد الأناجيل الكثيرة التي كتبت - وهو إنجيل برنابا - يتحدث عن عيسى - عليه السلام - بوصفه رسولاً من عند الله. ثم وقعت بينهم الاختلافات. فمن قائل: إن المسيح رسول من عند الله كسائر الرسل. ومن قائل: إنه رسول نعم ولكن له بالله صلة خاصة. ومن قائل: إنه ابن الله لأنه خلق من غير أب، ولكنه على هذا مخلوق لله. ومن قائل: إنه ابن الله وليس مخلوقاً بل له صفة القدم كالأب.. ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام 325 ميلادية "مجمع نيقية" الذي اجتمع فيه ثمانية وأربعون ألفاً من البطارقة والأساقفة. قال عنهم ابن البطريق أحد مؤرخي النصرانية: "وكانوا مختلفين في الآراء والأديان. فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله. وهم "البربرانية".. ويسمون: "الريمتيين". ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها. وهي مقالة "سابليوس" وشيعته. ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب، لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها. وهي مقالة "إليان" وأشياعه. ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطفي ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي "ابن الله" ويقولون: إن الله جوهر قديم واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس. وهي مقالة "بولس الشمشاطي" بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم "البوليقانيون". ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة "مرقيون" اللعين وأصحابه! وزعموا أن "مرقيون" هو رئيس الحواريين وأنكروا "بطرس". ومنهم من كانوا يقولون بألوهية المسيح. وهي مقالة "بولس الرسول" ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً.. وقد اختار الإمبراطور الروماني "قسطنطين" الذي كان قد دخل في النصرانية من الوثنية ولم يكن يدري شيئاً من النصرانية! هذا الرأي الأخير وسلط أصحابه على مخالفيهم، وشرد أصحاب سائر المذاهب؛ وبخاصة القائلين بألوهية الأب وحده، وناسوتية المسيح. وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية عن هذا القرار ما نصه: "إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجوداً فيه. وأنه لم يوجد قبل أن يولد. وأنه وجد من لا شيء. أو من يقول: إن الابن وجد من مادة أو جوهر غير جوهر الله الآب. وكل من يؤمن أنه خلق، أو من يقول: إنه قابل للتغيير، ويعتريه ظل دوران". ولكن هذا المجمع بقراراته لم يقض على نحلة الموحدين أتباع "آريوس" وقد غلبت على القسطنطينية، وأنطاكية، وبابل، والإسكندرية، ومصر. ثم سار خلاف جديد حول "روح القدس" فقال بعضهم: هو إله، وقال آخرون: ليس بإله! فاجتمع "مجمع القسطنطينية الأول" سنة 381 ليحسم الخلاف في هذا الأمر. وقد نقل ابن البطريق ما تقرر في هذا المجمع، بناء على مقالة أسقف الإسكندرية: "قال ثيموثاوس بطريك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله. وليس روح الله شيئاً غير حياته. فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق، فقد قلنا: إن روح الله مخلوق. وإذا قلنا: إن روح الله مخلوق، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة. وإذا قلنا: إن حياته مخلوقة، فقد زعمنا أنه غير حي. وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به. ومن كفر به وجب عليه اللعن"!!! وكذلك تقررت ألوهية روح القدس في هذا المجمع، كما تقررت ألوهية المسيح في مجمع نيقية. وتم "الثالوث" من الآب. والابن. وروح القدس.. ثم ثار خلاف آخر حول اجتماع طبيعة المسيح الإلهية وطبيعته الإنسانية.. أو اللاهوت والناسوت كما يقولون.. فقد رأى "نسطور" بطريرك القسطنطينية أن هناك أقنوماً وطبيعة. فأقنوم الألوهية من الآب وتنسب إليه؛ وطبيعة الإنسان وقد ولدت من مريم، فمريم أم الإنسان - في المسيح - وليست أم الإله! ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم - كما نقله عنه ابن البطريق: "إن هذا الإنسان الذي يقول: إنه المسيح.. بالمحبة متحد مع الابن.. ويقال: إنه الله وابن الله، ليس بالحقيقة ولكن بالموهبة".. ثم يقول: "إن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلهاً في حد ذاته بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة، أو هو ملهم من الله، فلم يرتكب خطيئة، وما أتى أمراً إداً". وخالفه في هذا الرأي أسقف رومه، وبطريرك الإسكندرية، وأساقفة أنطاكية، فاتفقوا على عقد مجمع رابع. وانعقد "مجمع أفسس" سنة 431 ميلادية. وقرر هذا المجمع - كما يقول ابن البطريق -: "أن مريم العذراء والدة الله. وأن المسيح إله حق وإنسان، معروف بطبيعتين، متوحد في الأقنوم".. ولعنوا نسطور! ثم خرجت كنيسة الإسكندرية برأي جديد، انعقد له "مجمع أفسس الثاني" وقرر: "أن المسيح طبيعة واحدة، اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت". ولكن هذا الرأي لم يسلم؛ واستمرت الخلافات الحادة؛ فاجتمع مجمع "خلقيدونية" سنة 451 وقرر: "أن المسيح له طبيعتان لا طبيعة واحدة. وأن اللاهوت طبيعة وحدها، والناسوت طبيعه وحدها، التقتا في المسيح".. ولعنوا مجمع أفسس الثاني! ولم يعترف المصريون بقرار هذا المجمع. ووقعت بين المذهب المصري "المنوفيسية" والمذهب "الملوكاني" الذي تبنته الدولة الإمبراطورية ما وقع من الخلافات الدامية، التي سبق أن أثبتنا فيها مقالة: "سير. ت. و. أرنولد" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" في مطالع تفسير سورة آل عمران.. ونكتفي بهذا القدر في تصوير مجمل التصورات المنحرفة حول ألوهية المسيح؛ والخلافات الدامية والعداوة والبغضاء التي ثارت بسببها بين الطوائف، وما تزال إلى اليوم ثائرة.. وتجيء الرسالة الأخيرة لتقرر وجه الحق في هذا القضية؛ ولتقول كلمة الفصل؛ ويجيء الرسول الأخير ليبين لأهل الكتاب حقيقة العقيدة الصحيحة: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم}..{أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة}تفسير : (كما سيجيء في السورة). ويثير فيهم منطق العقل والفطرة والواقع: {قل: فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم، وأمه، ومن في الأرض جميعاً؟}. فيفرق تفرقة مطلقة بين ذات الله سبحانه وطبيعته ومشيئته وسلطانه، وبين ذات عيسى - عليه السلام - وذات أمه، وكل ذات أخرى، في نصاعة قاطعة حاسمة. فذات الله - سبحانه - واحدة. ومشيئته طليقة، وسلطانه متفرد، ولا يملك أحد شيئاً في رد مشيئته أو دفع سلطانه إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً.. وهو - سبحانه - مالك كل شيء، وخالق كل شيء، والخالق غير المخلوق. وكل شيء مخلوق: {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما، يخلق ما يشاء، والله على كل شيء قدير}.. وكذلك تتجلى نصاعة العقيدة الإسلامية، ووضوحها وبساطتها.. وتزيد جلاء أمام ذلك الركام من الانحرافات والتصورات والأساطير والوثنيات المتلبسة بعقائد فريق من أهل الكتاب وتبرز الخاصية الأولى للعقيدة الإسلامية. في تقرير حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، والفصل التام الحاسم بين الحقيقتين. بلا غبش ولا شبهة ولا غموض.. واليهود والنصارى يقولون: إنهم أبناء الله وأحباؤه: {وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه}.. فزعموا لله - سبحانه - أبوة، على تصور من التصورات، إلا تكن أبوة الجسد فهي أبوة الروح. وهي أياً كانت تلقي ظلاً على عقيدة التوحيد؛ وعلى الفصل الحاسم بين الألوهية والعبودية. هذا الفصل الذي لا يستقيم التصور، ولا تستقيم الحياة، إلا بتقريره. كي تتوحد الجهة التي يتوجه إليها العباد كلهم بالعبودية؛ وتتوحد الجهة التي تشرع للناس؛ وتضع لهم القيم والموازين والشرائع والقوانين، والنظم والأوضاع، دون أن تتداخل الاختصاصات، بتداخل الصفات والخصائص، وتداخل الألوهية والعبودية.. فالمسألة ليست مسألة انحراف عقيدي فحسب، إنما هي كذلك فساد الحياة كلها بناء على هذا الانحراف! واليهود والنصارى بادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، كانوا يقولون - تبعاً لهذا - إن الله لن يعذبهم بذنوبهم! وإنهم لن يدخلوا النار - إذا دخلوا - إلا أياماً معدودات. ومعنى هذا أن عدل الله لا يجري مجراه! وأنه سبحانه - يحابي فريقاً من عباده، فيدعهم يفسدون في الأرض ثم لا يعذبهم عذاب المفسدين الاخرين! فأي فساد في الحياة يمكن أن ينشأ عن مثل هذا التصور؟ وأي اضطراب في الحياة يمكن أن ينشئه مثل هذا الانحراف؟ وهنا يضرب الإسلام ضربته الحاسمة على هذا الفساد في التصور، وكل ما يمكن أن ينشئه من الفساد في الحياة، ويقرر عدل الله الذي لا يحابي؛ كما يقرر بطلان ذلك الادعاء: {قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}.. بذلك يقرر الحقيقة الحاسمة في عقيدة الإيمان. يقرر بطلان ادعاء البنوة؛ فهم بشر ممن خلق. ويقرر عدل الله وقيام المغفرة والعذاب عنده على أصلها الواحد. على مشيئته التي تقرر الغفران بأسبابه وتقرر العذاب بأسبابه. لا بسبب بنوة أو صلة شخصية! ثم يكرر أن الله هو المالك لكل شيء، وأن مصير كل شيء إليه: {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير}.. والمالك غير المملوك. تتفرد ذاته - سبحانه - وتتفرد مشيئته، ويصير إليه الجميع.. وينهي هذا البيان، بتكرار النداء الموجه إلى أهل الكتاب، يقطع به حجتهم ومعذرتهم ويقفهم أمام "المصير" وجهاً لوجه، بلا غبش ولا عذر، ولا غموض: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل.. أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير.. فقد جاءكم بشير ونذير. والله على كل شيء قدير}.. وبهذه المواجهة الحاسمة، لا تعود لأهل الكتاب جميعاً حجة من الحجج.. لا تعود لهم حجة في أن هذا الرسول الأمي لم يرسل إليهم. فالله - سبحانه - يقول: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا}.. ولا تعود لهم حجة في أنهم لم ينبهوا ولم يبشروا ولم ينذروا في مدى طويل؛ يقع فيه النسيان ويقع فيه الانحراف.. فقد جاءهم - الآن - بشير ونذير.. ثم يذكرهم أن الله لا يعجزه شيء.. لا يعجزه أن يرسل رسولاً من الأميين. ولا يعجزه كذلك أن يأخذ أهل الكتاب بما يكسبون: {والله على كل شيء قدير}.. وتنتهي هذه الجولة مع أهل الكتاب؛ فتكشف انحرافاتهم عن دين الله الصحيح الذي جاءتهم به رسلهم من قبل. وتقرر حقيقة الاعتقاد الذي يرضاه الله من المؤمنين. وتبطل حجتهم في موقفهم من النبي الأمي؛ وتأخذ عليهم الطريق في الاعتذار يوم الدين.. وبهذا كله تدعوهم إلى الهدى من ناحية؛ وتضعف تأثير كيدهم في الصف المسلم من ناحية أخرى. وتنير الطريق للجماعة المسلمة ولطلاب الهدى جميعاً.. إلى الصراط المستقيم.. وفي نهاية الدرس يصل السياق إلى الموقف الأخير لبني إسرائيل مع رسولهم ومنقذهم - موسى عليه السلام - على أبواب الأرض المقدسة التي وعدهم الله؛ وموقفهم كذلك من ميثاق ربهم معهم؛ وكيف نقضوه؛ وكيف كان جزاؤهم على نقض الميثاق الوثيق. {وإذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً؛ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. قالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون؛ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون. قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين}. إنها حلقة من قصة بني إسرائيل التي فصلها القرآن أوسع تفصيل.. ذلك لحكمة متشعبة الجوانب.. من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها. فقد كانوا حرباً على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول. هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة؛ وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معاً. وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة. وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم؛ كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة. وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة. فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة، لتعرف من هم أعداؤها. ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟ ولقد علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله؛ كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله. فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفاً؛ ووسائلهم كلها مكشوفة. ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير. وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة من التاريخ طويلة؛ ووقعت الانحرافات في عقيدتهم؛ ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم؛ ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم.. فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم، وتقلبات هذا التاريخ؛ وتعرف مزالق الطريق، وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم، لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها؛ وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق، ومداخل الشيطان، وبوادر الانحراف، على هدى التجارب الأولى. ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل. وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها؛ وتنحرف أجيال منها؛ وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة، ستصادفها فترات تمثل فيها فترات من حياة بني إسرائيل؛ فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة، نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم؛ يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته. ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها، وينفض عنها الركام، لجدته عليها، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة. فأما القلوب التي نوديت من قبل، فالنداء الثاني لا تكون له جدته، ولا تكون له هزته؛ ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف، وإلى الصبر الطويل! وجوانب شتى لحكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل، وعرضها مفصلة على الأمة المسلمة وارثة العقيدة والدين؛ القوامة على البشر أجمعين.. جوانب شتى لا نملك هنا المضي معها أكثر من هذه الإشارات السريعة.. لنعود إلى هذه الحلقة، في هذا الدرس، في هذه السورة: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}.. وإننا لنلمح في كلمات موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب. فلقد جربهم من قبل في "مواطن كثيرة" في خط سير الرحلة الطويل.. جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر؛ وحررهم من الذل والهوان، باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر، وأغرق لهم فرعون وجنده. فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم. فيقولون {يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}.. وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربه حتى يتخذ السامري من الحلي التي سرقوها معهم من نساء المصريين عجلاً ذهبا له خوار؛ ثم إذا هم عاكفون عليه يقولون: إنه إله موسى الذي ذهب لميقاته!.. وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء، وأنزل عليهم المن والسلوى طعاماً سائغاً، فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر - أرض الذل بالنسبة لهم - فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها، ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص، والهدف الأسمى، الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون!.. وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكأوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ.. {أية : فذبحوها وما كادوا يفعلون}تفسير : ! وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده. فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم - بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا - ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقاً فوق رؤوسهم، {أية : وظنوا أنه واقع بهم } تفسير : لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل.. ثم ها هو ذا معهم على أبواب الأرض المقدسة. أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا. الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكاً، وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته.. لقد جربهم فحق له أن يشفق، وهو يدعوهم دعوته الأخيرة، فيحشد فيها ألمع الذكريات؛ وأكبر البشريات، وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات: {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً، وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}.. نعمة الله. ووعده الواقع من أن يجعل فيهم أنبياء ويجعلهم ملوكاً. وإيتاءه لهم بهذا وذلك ما لم يؤت أحداً من العالمين حتى ذلك التاريخ. والأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها مكتوبة لهم بوعد الله. فهي إذن يقين.. وقد رأوا من قبل كيف صدقهم الله وعده. وهذا وعده الذي هم عليه قادمون.. والارتداد على الأدبار هو الخسران المبين.. ولكن إسرائيل.، هي إسرائيل!!! الجبن. والتمحل. والنكوص على الأعقاب. ونقض الميثاق: {قالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون}. إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل. ذلك أنهم أمام الخطر؛ فلا بقية إذن من تجمل؛ ولا محاولة إذن للتشجع، ولا مجال كذلك للتمحل. إن الخطر ماثل قريب؛ ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض، وأن الله قد كتبها لهم - فهم يريدونه نصراً رخيصاً، لا ثمن له، ولا جهد فيه. نصراً مريحاً يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى! {إن فيها قوماً جبارين.. وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.. فإن يخرجوا منها فإنا داخلون}.. ولكن تكاليف النصر ليست هكذا كما تريدها يهود! وهي فارغة القلوب من الإيمان! {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}. هنا تبرز قيمة الإيمان بالله، والخوف منه.. فهذان رجلان من الذين يخافون الله، ينشىء لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة؛ وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس. فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين: مخافته - جل جلاله - ومخافة الناس.. والذي يخاف الله لا يخاف أحداً بعده؛ ولا يخاف شيئاً سواه.. {ادخلوا عليهم الباب. فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}.. قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب.. أقدموا واقتحموا. فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم؛ وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم.. {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}.. فعلى الله - وحده - يتوكل المؤمن. وهذه هي خاصية الإيمان وعلامته؛ وهذا هو منطق الإيمان ومقتضاه.. ولكن لمن يقولان هذا الكلام؟ لبني إسرائيل؟! {قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا. إنا ها هنا قاعدون}.. وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون؛ ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون! والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين؛ بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان. يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن. فيحرج بأنه ناكل عن الواجب، فيسب هذا الواجب؛ ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد! {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون}.. هكذا في وقاحة العاجز، الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان! أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان! {فاذهب أنت وربك}!.. فليس بربهم إذا كانت ربوبيته ستكلفهم القتال! {إنا ها هنا قاعدون}.. لا نريد ملكاً، ولا نريد عزاً، ولا نريد أرض الميعاد.. ودونها لقاء الجبارين! هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام. نهاية الجهد الجهيد. والسفر الطويل. واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل! نعم ها هي ذي نهاية المطاف.. نكوصاً عن الأرض المقدسة، وهو معهم على أبوابها. ونكولاً عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق.. فماذا يصنع؟ وبمن يستجير؟ {قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي. فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}.. دعوة فيها الألم. وفيها الالتجاء. وفيها الاستسلام. وفيها - بعد ذلك - المفاصلة والحسم والتصميم! وإنه ليعلم أن ربه يعلم أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه.. ولكن موسى في ضعف الإنسان المخذول. وفي إيمان النبي الكليم. وفي عزم المؤمن المستقيم، لا يجد متوجهاً إلا لله. يشكو له بثه ونجواه، ويطلب إليه الفرقة الفاصلة بينه وبين القوم الفاسقين. فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق الله الوثيق.. ما يربطه بهم نسب. وما يربطه بهم تاريخ. وما يربطه بهم جهد سابق. إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى الله، وهذا الميثاق مع الله. وقد فصلوه. فانبت ما بينه وبينهم إلى الأعماق. وما عاد يربطه بهم رباط.. إنه مستقيم على عهد الله وهم فاسقون.. إنه مستمسك بميثاق الله وهم ناكصون.. هذا هو أدب النبي. وهذه هي خطة المؤمن. وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون.. لا جنس. لا نسب. لا قوم. لا لغة. لا تاريخ. لا وشيجة من كل وشائج الأرض؛ إذا انقطعت وشيجة العقيدة؛ وإذا اختلف المنهج والطريق.. واستجاب الله لنبيه. وقضى بالجزاء العدل على الفاسقين. {قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض. فلا تأس على القوم الفاسقين}. وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه؛ وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم.. والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة؛ وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل. جيل يعتبر بالدرس، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود.. جيل غير هذا الجيل الذي أفسده الذل والاستعباد والطغيان في مصر، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل! والذل والاستعباد والطغيان يفسد فطرة الأفراد كما يفسد فطرة الشعوب. ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك.. وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني، على طريقة القرآن في التعبير. ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه الله عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر، قالوا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - إذن لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم. {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} لكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون.. وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة؛ وبعض جوانب حكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل..

ابن عاشور

تفسير : ناسب ذكرُ ميثاق بني إسرائيل عقب ذكر ميثاق المسلمين من قوله: {أية : وميثاقه الّذي واثقكم به}تفسير : [المائدة: 7] تحذيراً من أن يكون ميثاقنا كميثاقهم. ومحلّ الموعظة هو قوله: {فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل}. وهكذا شأن القرآن في التفنّن ومجيء الإرشاد في قالب القصص، والتنقّل من أسلوب إلى إسلوب. وتأكيد الخبر الفعلي بقَد وباللام للاهتمام به، كما يجيء التأكيد بإنّ للاهتمام وليس ثَمّ متردّد ولا مُنزّل منزلتَه. وذكر مواثيق بني إسرائيل تقدّم في سورة البقرة. والبعث أصله التوجيه والإرسال، ويطلق مجازاً على الإقامة والإنهاض كقوله: {أية : مَنْ بعثنا من مرقَدنا}تفسير : [يس: 52]، وقوله: {أية : فهذا يوم البعث}تفسير : [الروم: 56]. ثم شاع هذا المجاز حتّى بني عليه مجاز آخر بإطلاقه على الإقامة المجازية {أية : إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 164]، ثُمّ أطلق على إثارة الأشياء وإنشاء الخواطر في النفس. قال مُتمم بن نويرة:شعر : فقلت لهم إنّ الأسى يَبْعَثُ الأسى تفسير : أي أنّ الحزن يثير حزناً آخر. وهو هنا يحتمل المعنى الأول والمعنى الثّالث. والعدولُ عن طريق الغيبة من قوله: {ولقد أخذ الله} إلى طريق التكلّم في قوله: {وبعثَنا} التفات. والنقيب فَعيل بمعنى فاعل: إمّا من نَقَب إذا حفر مجازاً، أو من نقَّب إذا بعث {أية : فنقَّبُوا في البلاد}تفسير : [ق: 36]، وعلى الأخير يكون صوغ فعيل منه على خلاف القياس، وهو وارد كما صيغ سميع من أسمعَ في قول عمرو بن معد يكرب:شعر : أمِن ريحانةَ الداعي السمِيع تفسير : أي المُسْمع. ووصفه تعالى بالحكيم بمعنى المُحكم للأمور. فالنقيب الموكول إليه تدبير القوم، لأنّ ذلك يجعله باحثاً عن أحوالهم؛ فيطلق على الرّئيس وعلى قائد الجيش وعلى الرائد، ومنه ما في حديث بيعة العقبة أنّ نقباء الأنصار يومئذٍ كانوا اثني عشر رجلاً. والمراد بنقباء بني إسرائيل هنا يجوز أن يكونوا رؤساء جيوش، ويجوز أن يكونوا رُواداً وجواسيس، وكلاهما واقع في حوادث بني إسرائيل. فأمّا الأوّل فيناسب أن يكون البعث معه بمعنى الإقامة، وقد أقام موسى ـــ عليْه السّلام ـــ من بني إسرائيل اثني عشر رئيساً على جيش بني إسرائيل على عدد الأسباط المجنّدين، فجعل لكلّ سبط نقيباً، وجعل لسبط يوسف نقيبين، ولم يجعل لسبط لاوي نقيباً، لأنّ اللاويين كانوا غير معدودين في الجيش إذ هم حفظة الشريعة، فقد جاء في أوّل سفر العَدد: كلّم الله موسى: أحصوا كلّ جماعة إسرائيل بعشائرهم بعدد الأسماء من ابن عشرين فصاعداً كلّ خارج للحرب في إسرائيل حسب أجنادهم، تحسبهم أنت وهارون، ويكون معكما رجل لكلّ سبط رؤوس ألوف إسرائيل «وكلّم الربّ موسى قائلاً: أمّا سبط لاوي فلا تعدّه بل وكِّلْ اللاويين على مسكن الشهادة وعلى جميع أمتعته». وكان ذلك في الشهر الثّاني من السنة الثّانية من خروجهم من مصر في برية سينا. وأمّا الثّاني فيناسب أن يكون البعث فيه بمعناه الأصلي، فقد بعث موسى اثني عشر رجلاً من أسباط إسرائيل لاختبار أحوال الأمم الَّتي حولهم في أرض كنعان، وهم غير الاثني عشر نقيباً الذين جعلهم رؤساء على قبائلهم. ومن هؤلاء يوشع بن نون من سبط أفرايم، وكالب بن يفنة من سبط يهوذا، وهما الوارد ذكرهما في قوله تعالى: {أية : قال رجلان من الّذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب}تفسير : [المائدة: 23]، كما سيأتي في هذه السورة. وقد ذُكرت أسماؤهم في الفصل الثالث عشر من سفر العدد. والظاهر أنّ المراد هنا النقباء الّذين أقيموا لجند إسرائيل. والمعيّة في قوله: {إنّي معكم} معيّة مجازية، تمثيل للعناية والحفظ والنصر، قال تعالى: {أية : إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنِّي معكم}تفسير : [الأنفال: 12]، وقال: {أية : إنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى}تفسير : [طه: 46] وقال: {أية : وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}تفسير : [الحديد: 4]. والظاهر أنّ هذا القول وقع وعداً بالجزاء على الوفاء بالميثاق. وجملة {لئن أقمتم الصلاة} الآية. واستئناف محْض ليس منها شيء يتعلّق ببعض ألفاظ الجملة الّتي قبلها وإنَّما جمعهما العامل، وهو فعل القول، فكلتاهما مقول، ولذلك يحسن الوقف على قوله: {إنّي معكم}، ثم يُستأنف قوله: {لئن أقمتم الصّلاة} إلى آخره. ولام {لئن أقمتم} موطّئة للقسم، ولام {لأكَفِّرَنَّ} لام جواب القسم، ولعلّ هذا بعض ما تضمّنه الميثاق، كما أنّ قوله: {لأكفرنّ عنكم سيّئاتكم} بعض ما شمله قوله: {إنِّي معكم}. والمراد بالزكاة ما كان مفروضاً على بني إسرائيل: من إعطائهم عشر محصولات ثمارهم وزرعهم، ممّا جاء في الفصل الثامن عشر من سفر العدد، والفصل الرابع عشر والفصل التاسع عشر من سفر التثنية. وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى: {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} تفسير : في سورة البقرة (43). والتعزيرُ: النصر. يقال: عزَره مخفّفاً، وعزّره مشدّداً، وهو مبالغة في عزَرَهُ عزراً إذا نصره، وأصله المنع، لأنّ النّاصر يمنع المعتدي على منصوره. ومعنى وأقرضتم الله قرضاً حسناً} الصدقات غير الواجبة. وتكفير السيّئات: مغفرة ما فرط منهم من التعاصي للرسول فجعل الطاعة والتوبة مُكفّرتين عن المعاصي. وقوله: {فقد ضلّ سواء السبيل} أي فقد حاد عن الطريق المستقيم، وذلك لا عذر للسائر فيه حين يضلّه، لأنّ الطريق السوي لا يحوج السائر فيه إلى الروغان في ثنيّاتتٍ قد تختلط عليه وتفضي به إلى التيه في الضلال.

الواحدي

تفسير : {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} على أن يعملوا بما في التَّوراة {وبعثنا} وأقمنا بذلك {منهم اثني عشر نقيباً} كفيلاً وضميناً ضمنوا عن قومهم الوفاء بالعهد {وقال الله} لهم: {إني معكم} بالعون والنُّصرة {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم} أَيْ: وقَّرتموهم {وأقرضتم الله قرضاً حسناً} يريد: الصَّدقات للفقراء والمساكين {فمن كفر بعد ذلك} أَيْ: بعد هذا العهد والميثاق {فقد ضلَّ سواء السبيل} أخطأ قصد الطَّريق. {فبما نقضهم} فبنقضهم {ميثاقهم} وهو أنَّهم كذَّبوا الرُّسل بعد موسى فقتلوا الأنبياء، وضيَّعوا كتاب الله {لعنَّاهم} أخرجناهم من رحمتنا {وجعلنا قلوبهم قاسية} يابسة عن الإِيمان {يحرفون الكلم} يغيِّرون كلام الله {عن مواضعه} من صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في كتابهم وآية الرَّجم {ونسوا حظاً مما ذكروا به} وتركوا نصيباً ممَّا أمروا به في كتابهم من اتِّبَاع محمَّدٍ {ولا تزال} يا محمد {تطلع على خائنة} خيانة {منهم} مثل ما خانوك حين همُّوا بقتلك {إلاَّ قليلاً منهم} يعني: مَنْ أسلم {فاعفُ عنهم واصفح} منسوخٌ بآية السَّيف {إنَّ الله يحب المحسنين} المتجاوزين. {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} كما أخذنا ميثاق اليهود {فنسوا حظاً ممَّا ذكروا به} فتركوا ما أُمروا به من الإِيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم {فأغرينا بينهم} فألقينا بين اليهود والنصارى {العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} وعيدٌ لهم، ثمَّ دعاهم إلى الإِيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 12- إن الله أخذ العهد على بنى إسرائيل بالسمع والطاعة، فأقام عليهم اثنى عشر رئيساً منهم لتنفيذ العهد، ووعدهم الله وعداً مؤكداً بأن يكون معهم بالعون والنصر إن أدوا الصلاة على وجهها، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم، وصدَّقوا برسله جميعاً، ونصروهم، وأنفقوا فى سبيل الخير، وإذا ما فعلوا ذلك، تجاوز الله عن ذنوبهم، وأدخلهم جناته التى تجرى من تحتها الأنهار، فمن كفر ونقض العهد منهم بعد ذلك، فقد حاد عن الطريق السوى المستقيم. 13- فبسبب نقض بنى إسرائيل عهودهم، استحقوا الطرد من رحمة الله، وصارت قلوبهم صلبة لا تلين لقبول الحق، وأخذوا يصرفون كلام الله فى التوراة عن معناه، إلى ما يوافق أهواءهم، وتركوا نصيباً وافياً مما أمروا به فى التوراة، وستظل أيها الرسول ترى منهم ألواناً من الغدر ونقض العهد، إلا نفراً قليلا منهم آمنوا بك فلم يخونوا ولم يغدروا. فتجاوز أيها الرسول عما فرط من هؤلاء، واصفح وأحسن إليهم، إن الله يحب المحسنين. 14- وكذلك أخذ الله العهد على النصارى - الذين قالوا: إنا نصارى - بالإيمان بالإنجيل وبالوحدانية، فتركوا نصيباً وافراً مما أُمروا به فى الإنجيل، فعاقبهم الله على ذلك بإثارة العداوة والخصومة بينهم، فصاروا فرقاً متعادية إلى يوم القيامة، وسوف يخبرهم الله يومئذ بما كانوا يعملون ويجازيهم عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد بالأيمان. بنو إسرائيل: اليهود. نقيباً: نقيب القوم: من ينقب عنهم ويبحث عن شؤونهم ويتولى أمورهم. وعزرتموهم: أي نصرتموهم ودافعتم عنهم معظمين لهم. وأقرضتم الله: أي أنفقتم في سبيله ترجون الجزاء منه تعالى على نفقاتكم في سبيله. لأكفرن عنكم سيئآتكم: أسترها ولم أوآخذكم بها. لقد ضل سواء السبيل: أخطأ طريق الهدى الذي يفلح سالكه بالفوز بالمحبوب والنجاة من المرهوب. معنى الآية الكريمة: لما طالب تعالى المؤمنين بالوفاء بعهودهم والالتزام بمواثيقهم ذكرهم في هذه الآية بما أخذ على بني إسرائيل من ميثاق فنقضوه فاستوجبوا خزي الدنيا وعذاب الآخرة ليكون هذا عبرة للمؤمنين حتى لا ينكثوا عهدهم ولا ينقضوا ميثاقهم كما هو إبطال لاستعظام من استعظم غدر اليهود وهمهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} وهو قوله إني معكم الأتي، {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً..} أي من كل قبيلة من قبائلهم الاثني عشرة قبيلة نقيباً يرعاهم ويفتش على أحوالهم كرئيس فيهم، وهم الذين بعثهم موسى عليه السلام إلى فلسطين ليتعرفوا على أحوال الكنعانين قبل قتالهم. وقال الله تعالى {إِنِّي مَعَكُمْ} وهذا بند الميثاق {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} أي وعزتي وجلالي {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي} صدقتموهم فيما جاءوكم به {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} بنصرتهم وتعظيمهم، {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي زيادة على الزكاة الواجبة والعامة في الإِنفاق وفي تزكية النفس بالإِيمان وصالح الأعمال {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} بإذهاب آثارها من نفوسكم حتى تطيب وتطهر {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ} بعد ذلك التطهير {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا} أي من تحت أشجارها وقصورها {ٱلأَنْهَارُ} هذا جزاء الوفاء بالميثاق {فَمَن كَفَرَ} فنقض وأهمل ما فيه فكفر بعده {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي أخطأ طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، أي خرج عن الطريق المفضي بسالكه إلى النجاة والسعادة. هداية الآية من هداية الآية 1- الحث على الوفاء بالالتزامات الشرعية. 2- إبطال استغراب واستعظام من يستغرب من اليهود مكرهم ونقضهم وخبثهم ويستعظم ذلك منهم. 3- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإِنفاق في سبيل الله تعبد الله بها من قبل هذه الأمة. 4- وجوب تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته في أمته ودينه.

القطان

تفسير : النقيب: الرئيس. عزرتموهم: نصرتموهم.. التعزير يأتي بمعنى النصر والتعظيم. لقد اخذ الله عهداً على بني اسرائيل ان يعملوا بما في التوراة، شريعتهم التي اختارها لهم، ولا يزال هذا الميثاق في آخر الاسفار الخمسة المنسوبة الى موسى. يومذاك أقام عليهم اثني عشر رئيساً منهم لتنفيذ العهد، ووعَدَهم أن يكون معهم ويمُدّهم بالعون والنصر إن أقاموا الصلاة على حقيقتها، وأدوا الزكاة المفروضة عليهم، وصدّقوا بجميع رسله ونصروهم، ثم بذلوا المال نافلةً منهم في سبيل الخير. اذا فعلوا كل ذلك، تجاوَزَ عن ذنوبهم، وأدخلهم جناتٍ في الآخرة تجري من تحتِها الأنهار. أما من جحد ونقض العهد فقد حاد عن الطريق السويّ، فله جزاءٌ آخر. لكن بني اسرائيل نقضوا الميثاق. لذا استحقّوا اللعن و الطرد من رحمة الله وصارت قلوبهم قاسيةً لا تلين لقبول الحق. لقد أخذوا يحرّفون كلام الله عن معناه الأصلي الى ما يوافق هواهم، وتخلّوا عن كثير مما أُمروا به في التوراة. وها أنت يا محمد لا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة إثر خيانة، فلا تظنَّ أنك أمِنت كيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم.. لا، فهم قوم غدّارون لا أمان لهم، الا قليلا منهم أسلموا وصدّقوا فلم يخونوا. وعن هؤلاء تجاوزْ يا محمد واصفحْ، وأحسن اليهم، ان الله يحب المحسنين.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقَ} {ۤ إِسْرَآئِيلَ} {لَئِنْ} {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتَيْتُمُ} {ٱلزَّكَاةَ} {وَآمَنتُمْ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} (12) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أخَذَ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ لَيَعْمَلُنَّ بِأحْكَامِ التَّورَاةِ التِي تَحْوي شَرِيعَتَهُمْ. وَأمَرَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ، بِأنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ، مِنْ أسْبَاطِ بَنِي إسْرَائِيلَ الاثْنَيِ عَشَرَ، نَقِيباً يَكُونُ كَفِيلاً عَلَى جَمَاعَتِهِ، بِالوَفَاءِ بِتَنْفِيذِ مَا أُمرُوا بِهِ، فَاخْتَارَ مُوسَى النُّقَبَاءَ، وَأخَذَ المِيثَاقَ وَتَكَفَّلَ لَهُ النُّقَبَاءُ بِالوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمُوا بِهِ. فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التِي وَعَدَهُمُ اللهُ السُّكْنَى فِيهَا، وَكَانَ فِيها الكَنْعَانِيُّونَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَعَثَ مُوسَى النُّقَبَاءَ يَتَحَسَّسُونَ الأخْبَارَ، فَرَأوا أجْسَامَ الكَنْعَانِيِّينَ قَوَّيةً، فَهَابُوهُمْ، وَرَجَعُوا يُحَدِّثُونَ قَوْمَهُمْ بِمَا رَأوا، وَكَانَ مُوسَى قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَنَكَثُوا المِيثَاقَ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ إلاَّ نَقِيبَانِ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِبَني إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَان مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ: إنَّكُمْ بِحِفْظِي وَرِعَايَتِي، وَإنِّي نَاصِرُكُمْ وَمُعِينُكُمْ مَا دُمْتُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى المِيثَاقِ، وَإني مَشْرِفٌ عَلَيكُمْ، وَمُبْصِرٌ لأَفْعَالِكُمْ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ، فَإذا أقَمْتُمُ الصَّلاَةَ، وَأدَّيتُمُوهَا حَقَّ أدَائِها، وَدَفَعْتُمْ زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي جَمِيعاً، وَصَدَّقْتُمُوهُمْ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ مِنَ الوَحْي، وَنَصْرَتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الحَقِّ (عَزَّرْتُمُوهُمْ)، وَأنْفَقْتُم الأمْوَالَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ (أَقْرَضَتْمُ اللهَ) ... إذَا فَعَلْتُمْ كُلَّ ذَلِكَ لأكَفِّرنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَأمْحُونَّ ذُنُوبَكُمْ، وَأسْتُرُهَا عَلَيكُمْ، وَلا أَؤاخِذُكُمْ عَلَيها وَلأدْخِلَنَّكُمْ فِي رَحْمَتِي، وَأسْكِنُكُمْ جَنَّتِي التِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ. وَمَنْ خَالَفَ هَذا المِيثَاقَ بَعْدَ عَقْدِهِ وَتَوْكِيدِهِ، فَقَدْ أخْطأ الطَّرِيقَ الوَاضِحَ، وَعَدَلَ عَنِ الهُدَى إلى الضَّلالِ. التَّعْزِيرُ - النُّصْرَةُ مَع التَّعْظِيمِ. النَّقِيبُ - الشَّخْصُ يَخْتَارُهُ جَمَاعَتُهُ لِيَكُونَ كَفِيلاً عَلَيهِمْ. قَرْضاً حَسَناً - احْتِسَاباً بِطِيبِ خَاطِرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يُذَكِّر الحق هنا رسوله بالميثاق الذي أخذه من بني إسرائيل. وقد يكون المقصود هو ميثاق الذر أو يكون المراد بالميثاق ما جاء في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} تفسير : [آل عمران: 81] أو أن يكون المراد بالميثاق هو ما بينه بقوله سبحانه: {أية : خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} تفسير : [البقرة: 63] ويقول سبحانه: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} ولنر "التكتيك" الديني الذي أراده الحق، فهو لا يجمع أجناس الخلق المختلفة على واحد من نوع منها؛ لأن ذلك قد يعرض الدعوة لعصبية؛ فاختار سبحانه اثني عشر نقيباً على عدد الأسباط حتى لا يقولن سبط: كيف لا يكون لي نقيب؟. وحسم الله الأمر، ولم يجعله محلاً للنزاع؛ فجعل لكل سبط نقيباً منهم. والنقيب هو الذي يدير حركتهم العقدية والدينية. وساعة نسمع كلمة "نقيب" نعرف أنها من مادة "النون والقاف والباء"، "والنقب" هو إحداث فجوة لها عمق في أي جسم صلب. إن إختيار الحق لكلمة نقيب، يَدل على أن النقيب الصادق ينبغي أن يكون صاحب عينين في منتهى اليقظة حتى يختار لكل فرد المهمة التي تناسبه ويركز على كل فرد بما يجعله يؤدي عمله بما ينفع الحركة الكاملة. وبذلك يكون كل فرد في السبط له عمله ومكانه المناسب. ولا يتأتى ذلك إلا بالتنقيب، أي معرفة حالة كل واحد وميوله فيضعه في المكان المناسب. إذن فالنقيب هو المنقب الذي لا يكتفي بظواهر الأمور بل ينقبها ليعرف ظروف وأسباب كل واحد. واختار الحق من كل سبط نقيباً، ولم يجعل لسبط نقيباً من سبط آخر حتى يمنع السيطرة من سبط على سبط، ويمنع أن يكون النقيب على جهالة بمن يريد حركتهم من الأسباط الآخرين. ونحن نسمع في حياتنا اليومية وصفاً لإنسان: فلان له مناقب كثيرة، أي أن له فضائل يذكرها الناس، كأنّ على صاحب الفضائل ألا يتباهى بها بنفسه بل عليه أن يترك الناس لينقبوا عن فضائله، ولذلك كانت كنوز الأرض وكنوز الحضارات مدفونة ننقب عليها، أما ما يظهر على سطح الأرض فتذروه الرياح وعواملُ التعرية ولا يبقى منه شيء. إذن فكلمة "نقيب" في كل مادتها تدور حول الدخول إلى العمق، لذلك تصف الرجل الفاضل: فلان له مناقب أي أن نقبت وجدت له فضائل تذكر، وقد أعطاه الله موهبة الخير ولا يتعالم بها، بل يدع الناس هم الذين يحكمون ويذكرون هذه الصفات. ومن نفس المادة "النقاب" أي أن تغطي المرأة وجهها. وقوله الحق: {إِنِّي مَعَكُمْ} يعطيهم خصلة إيمانية، فلا يظنن أحد أنه يواجه أعداء منهج الله بذاته الخاصة بل بمعونة الله فلا يضعف أحد أو يهن مادام مؤمناً، وكما قال الحق: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} تفسير : [الأنفال: 60] وبعد أن يعد المؤمنون ما استطاعوا فليتركوا الباقي على الله. وجاء أيضاً قوله: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} أي أن كل نقيب على سبط ليس له مطلق التصرف، ولكن الله يوضح: "أنا معكم وسأنظر كيف يدير كل نقيب هذه المسائل" أي أنه سبحانه وتعالى مطلع على واقعكم، فليس معنى الولاية أن يكون للوالي مطلق التصرف في جماعته؛ لا؛ لأن الله رقيب. وقوله الحق: {إِنِّي مَعَكُمْ} تدل على أن من ولي أمراً فلا بد أن يتابعه ويراه. وبعد ذلك قال: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. و"لئن" تضم شرطاً وقسماً، كأن الحق يقول: وعزتي لئن أقمتم الصلاة وفعلتم كذا وكذا ليكونن الجزاء أن أكفر عنكم السيئات. ودلت "اللام" على القسم، ودلت "إن" على الشرط فيه "إن" الشرطية. والقسم - كما نعلم - يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب أيضاً، فالواحد منا يقول للطالب: إن تذاكر تنجح. والواحد منا يقول: "والله لأفعلن كذا"، و"الله" هي القسم. و"لأفعلن" جواب القسم المؤكد باللام. وحين يأتي القسم في جملة بمفرده فجوابه يأتي، وحين يأتي الشرط بمفرده في جملة فجوابه يأتي أيضاً. ولكن ماذا عندما يأتي القسم مع الشرط؟ هل يأتي جوابان: جواب للشرط وجواب للقسم؟. عندما تجد هذه الحالة فانظر إلى المقدم منهما، هل هو القسم أو الشرط؟؛ لأن المقدم منهما هو الأهم؛ فيأتي جوابه، ويغني عن جواب الثاني. والمتقدم هنا هو القسم، تماماً مثل قولنا: - لئن قام زيد لأقومن، وهنا يكون الجواب جواب القسم، أما إن قلنا: إن قام زيد والله أُكرمْه، فالجواب جواب الشرط؛ فقدم الشرط على القسم. هذا إن لم يكن قد تقدم ما يحتاج إلى خبر كالمبتدأ أو ما في حكمه، فإن جاء والخبر أي المحتاج إلى الخبر فالشرط هو الراجح، أي فالراجح أن نأتي بجواب الشرط ونحذف جواب القسم؛ لأن الشرط تأسيس والقسم توكيد. وابن مالك في الألفية يوضح هذه القاعدة: شعر : واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخّرت فهو مُلْتَزَمْ وإن تواليا وقَبْلُ ذو خبر فالشرط رَجَّحْ مطلقا بلا حَذَرْ تفسير : والقسم قد تقدم في هذا الآية، لذا نجد الجواب هنا جواب القسم، وهو {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. وقوله الحق: {أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} يوضح أن الإقامة تحتاج إلى أمرين؛ فروض تؤدى، وكل فرض فيها يأخذ حقه في القيام به. وبعد ذلك {وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ} وفي كتب الفقه نضع الصلاة، والزكاة في باب العبادات. وجاء التقسيم الفقهي لتسهيل إيضاح الواجبات، لكن كل مأمور به من الله عبادة؛ لأن العبادة هي أن تطيع مَن تعبد في كل أمر به، وأن تجتنب ما نهى عنه، فكل أمر إلهي هو عبادة. وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه قال: {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} تفسير : [الجمعة: 9] وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 10] هنا نجد أمراً تعبدياً أن نترك البيع إلى الصلاة، وأمراً تعبدياً ثانياً أن ننتشر في الأرض ابتغاء لفضل الله بعد انقضاء الصلاة، وأي إخلال بالأمرين، إخلال بأمر تعبدي؛ فأنت مأمور أن تتحرك في الأرض على قدر قوتك حركةً تكفيك وتفيض عن حاجتك ليعم هذا الفائض على غيرك. وقوله الحق: {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي أن ينعقد الإيمان في القلب فلا يطفو الأمر بعدذ لك لمناقشته، وأن تعزروا الرسل، أي وقرتموهم ونصرتموهم، والعَزْر في اللغة معناه المنع، ولكن المنع هنا مراد به أن يمنع الناس عن رسول الله من يريده بسوء؛ فإن أراد أحد من الأعداء السوء برسول من الله فليمنع المؤمنون هذا العدو عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأنت في حياتك إن كان لك حبيب أراده إنسان بسوء، وكنت لا تدركه لأنه بعيد عنك فأنت تتمنى أن تأخذ صاحبك وتحميه من أن يناله العدو. لكن إن كان العدو أمامك فأنت تصده عن حبيبك. فالعزر هو المنع، اي أن تمنعه من عدوه وتحول بينه وبينه، أو تمنع عدوه من أن يناله بشر. والرسول بالنسبة للمؤمنين به تكون حياته أغلى من حياتهم، ففي أثناء المنع قد يصاب أحد المؤمنين، وفي ذلك تعظيم للرسول ونصرة له وتوقير. نقول ذلك حتى نرد على الذين يتصيدون ويقولون: إن "عزرتموهم" معناها "نصرتموهم"، ومرة أخرى يقولون: إن "عزرتموهم" معناها "منعتموهم". ونقول: كل المعاني هنا ملتقية، فالعزر هو الرد والمنع، إما بمنع العدو عن الرسول، وإمّا أن يمنع الناس الرسول من أن يناله العدو، أو الاثنان معاً، ويجوز أيضا أن يكون معنى "عزرتموهم" هو نصرتموهم. وكذلك يجوز أن يكون معناها "وقرتموهم"؛ لأن التعظيم والتوقير هما السبب في نصرة الإنسان للرسول. وبعد ذلك يقول الحق: {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. ويدبر الحق لنا سياسة المال، سواء للواجد أو لغير القادر، فالواجد يوضح له الحق: لا تجعل حركة حياتك على قدر حاجتك، بل اجعل حركة حياتك على قدر طاقتك، وخذ منها ما يكفيك ويكفي مَن تعول، والباقي رُدّه على مَن لم يقدر. ولو جعل كل إنسان حركة حياته على قدر حاجته، فلن يجد من لا يقدر على الحركة ما يعيش به. ولنذكر جيداً أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-4] وحين قال سبحانه: والذين هم للزكاة فاعلون، ليس معناها مجرد أداء زكاة، بل تعني أن يتحركوا في الحياة بغرض أن يتحقق لهم فائض يخرجون منه الزكاة، وإلا فما الفارق بين المؤمن والكافر؟ الكافر يعمل ليقوت نفسه ويقوت من يعول وليس في باله الله، أما مزية المؤمن فهو يعمل ليقوت نفسه، ويقوت من يعول ويبقى لديه فائض يعطيه للضعيف؛ فكأن إعطاء الضعيف كان في باله ساعة الفعل. وهذا هو المقصود بقوله الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 4] أي أن كل فعل للمؤمن يُقصد منه أن يكفيه ويكفي أن يزكي منه. وهناك حق آخر في المال غير الزكاة؛ بأن يسد به ولي الأمر ما يحتاج إليه المجتمع الإيماني بشرط أن يقيم ولي الأمر كل شرع الله. والزكاة هي إخراج المال على نحو مخصوص، أما الصدقة فهي غير محسوبة من الزكاة لكنها فوق الزكاة. وهناك القرض، وهو المال الذي تتعلق به النفس، لأن الإنسان يقدمه لغيره شريطة أن يرده، ولذلك قيل إن القرض أحسن من الصدقة، ذلك أن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما الذي تتصدق عليه فقد يكون غير محتاج، ويسأل دون حاجة، وأيضاً لأن نفس المتصدق تخرج من الشيء المتصدق به ولا تتعلق به، أما الذي يقدم القرض فنفسه متعلقة بالقرض وكلما صبر عليه نال حسنة، وكلما قدم نَظِرَةً إلى ميسرة فهذا له أجر كبير، هكذا يكون القرض أحسن من الصدقة. فالحق يريد أن تفيض حركة الحياة بالكثير. وكيف يقول سبحانه: {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} وهو الواهب لكل النعم وهو الولي لكل النعم؟ وكيف يهب الحق للإنسان النعم، ثم يقول له: أقرضني؟ هو سبحانه وتعالى يحترم حركة الإنسان وعرقه مادام قد ضرب في الأرض وسعى فيها، فالمال مال الإنسان، ولكن أخا الإنسان قد يحتاج إليه، ولذلك فليقرضه ويعتبر سبحانه هذا قرضاً من الإنسان لله. ونحن نجد عائل الأسرة يقول لأحد أبنائه: بما أنك تدخر من مصروف يدك فأعط أخاك ما يحتاج إليه واعتبر ذلك قرضا عندي، صحيح أن العائل هو الذي أعطى المال لكل من يعول، فما بالنا بالذي أوجدنا جميعا، وهو الحق سبحانه وتعالى؟ لقد وهب كلاً منا ثمرة عمله واعتبر تلك الثمرة ملكاً لصاحبها. ويعتبر فوق ذلك إقراض المحتاج إقراضاً له. ويصف الحق القرض بأنه حسن حتى لا يكون فيه مَنُّ، أو منفعة تعود على المقرض وإلا صار في القرض ربا. ولنا الأسوة الحسنة في أبي حنيفة عندما يجلس في ظل بيتِ صاحبٍ له. واقترض صاحب هذا البيت من أبي حنيفة بعض المال. وجاء اليوم التالي للقرض وجلس ابو حنيفة بعيداً عن ظل البيت، فسأله صاحب البيت لماذا؟ أجاب أبو حنيفة: خفت أن يكون ذلك لونا من الربا. فقال صاحب البيت: لكنك كنت تقعد قبل أن تقرضني. فقال أبو حنيفة: كنت أقعد وأنت المتفضل علي بظل بيتك فأخاف أن أقعد وأنا المتفضل عليك بالمال. والقرض الحسن هو الذي لا يشوبه مَنٌّ أو اذًى أو منفعة؛ ولأن القرض دَيْنٌ، وضع الحق القواعد: {أية : إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} تفسير : [البقرة: 282] فالحق يحمي المقترض من نفسه؛ لأنه إذا علم أن الدين مكتوب، يحاول جاهداً أن يتحرك في الحياة ليسد هذا الدين، ويستفيد المجتمع من حركته أيضاً. وعندما يُكتب القرض فهذا أمرٌ دافع للسداد وَحّاثٌّ عليه. لكن إن لم يكتب القرض فقد يأتي ظرف من الظروف ويتناسى القرض؟ولو حدث ذلك من شخص فلن تمتد له يد من بعد ذلك بالمعاونة في أي أزمة، فيريد الحق أن يديم الأسباب التي تتداول فيها الحركة، ولذلك يقال في الأمثلة العامية: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. ويكون مال الدنيا كلها معه، ولذلك يقول الحق: {أية : وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ} تفسير : [البقرة: 282] وفي ذلك حماية للنفس من الأغيار، ولم يمنع الحق الأريحية الإيمانية فقال: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} تفسير : [البقرة: 283] وهكذا يحمي الله الحركة الاقتصادية. ونجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرحيم بالمؤمنين، وقد بلغه أن واحداً قد مات وعليه دين، فقال للصحابة: صلوا على أخيكم. لكنه لم يصل على الميت. وتساءل الناس لماذا لم يصل رسول الله على هذا الميت وما ذنبه؟ كأن رسول الله أراد أن يعلم المؤمنين عن دين المدين فلم يمنع الصلاة، ولكنه لم يصل عليه حفزا للناس ودَفْعاً لهم إلى أن يبرئوا ذمتهم بسداد وأداء ما عليهم من دين. وقال: "حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه. ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ". تفسير : فمادام قد مات وهو مدين وليس عنده ما يسد الدين؛ فربما كان لا ينوي رد الدين، وأن نفسه قد حدثته بألا يرد الدين. وفي فلسفة هذا الأمر نفسياً نجد أن المقترض عندما يقترض شيئا كبيرا لا يستطيع أن يتجاهله أو ينساه، ثم لا يمر بذهن الذي أقرض أن فلاناً مدين، بل وقد تبلغ الحساسية بالذي قدم القرض ألا يمر على المقترض يريد أن يسدد القرض. أما إن تحرك قلب الدائن على المدين، وجلس يفكر في قيمة الدين، فليُفهم أن عند الذي اقترض بعض ما يسدد به الدين، أي أن المدين عنده القدرة على الوفاء بالدَّيْن أو ببعضه، ذلك أن الله لا يُحرج من يَجِد ويجتهد في السعي لسداد دينه. {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. وقد يقول قائل: كان السياق اللفظي يقتضي أن يقول: "أقرضتم الله إقراضا"؛ لكن الحق جاء بالقرض الحسن؛ لأن الإقراض هو العملية الحادثة بين الطالب للقرض والذي يقرض. وسبحانه يضع القرض الحسن في يده، ولنا أن نتصور ما في يد الله من قدرة على العطاء. ومثل ذلك قوله الحق: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] و"أنبتكم" تعبر عن عملية الإنبات، والأرض تخرج نباتا لا إنباتا. فمرة يأتي الله بالفعل ويأتي من بعد ذلك بالمصدر من الفعل؛ لأنه يريد به الاسم. و"أنبت" يدل على معنى وينشئ الله لكم منها نباتا. وهكذا قال الله عن القرض: {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} وفي ذلك جواب للقسم، ومن بعد ذلك يقول سبحانه: {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وقد تكلمنا من قبل كثيرا عن الجنات. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} ألم يكن الذي كفر من قبل ذلك قد ضل سواء السبيل؟ بلى، إنه قد ضل فعلا، ولكن الذي ضل بعد أن جاء ذكر تلك النعم والثواب فيها فالضلال أكثر. وكلمة "سواء" نقرأها في القرآن ونراها في الاستعمالات اللغوية؛ كمثل قوله الحق: {أية : لَيْسُواْ سَوَآءً} تفسير : [آل عمران: 113] وسواء معناها وسط، ومتساوون. والمعاني ملتقية؛ لأنه عندما يكون هناك وسط فمعنى ذلك أن هناك طرفين. ومادام الشيء في الوسط فالطرفان متساويان، وعندما نقول: وسط، فهذا يقتضي أن نجعل المسافة بينه وبين كل طرف متساوية., ولذلك يجب أن ننتبه إلى أن كثيراً من الألفاظ تستعمل في شيء وفي شيء آخر، وهذا ما يسمى بالمشترك اللفظي.. أي اللفظ واحد والمعنى متعدد، مثال ذلك قوله الحق: {أية : فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} تفسير : [البقرة: 144] والشطر هو الجهة. والشطر هو النصف. النصف هو الجهة بمعنى أن توجه إنسان ما إلى الكعبة يقتضي أن يكون الإنسان واقفاً في نقطة هي مركز بالنسبة لدائرة الأفق. وهذه النقطة بالنسبة لمحيط الأفق تقطع كل قطر من أقطارها في المنتصف تماماً. إذن. فعندما يقول: الجهة، نقول: صدقت، وعندما يقول النصف. نقول: صدقت. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} والقرآن قد نزل على أمة تعيش في البادية وطرقها بين الجبال، وقد يكون الطريق معبّداً من ناحية، وقد يكون الطريق بين هاويتين. وقد يكون الطريق بين جبلين، ومن يأخذ بالأحوط فهو يمسي في الوسط. ولذلك قال الإمام علي - كرم الله وجهه -: اليمين والشمال مضلة وخير الأمور الوسط؛ لأن الإنسان قد يتجه يميناً فيقع. أو يتجه شمالاً فيقع؛ أو تقع عليه صخرة. ونجد الوالد ينصح ابنه فيقول له: امش ولا تلتفت يميناً أو يساراً واتجه إلى مقصدك. ونجد الحق يصف الطريق الذي يمشي عليه المؤمن يوم القيامة: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55] وسواء الجحيم هو نقطة المنتصف في النار؛ أي أنه لا يستطيع الذهاب يميناً أو شمالاً. ويقول الحق من بعد ذلك: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} [الآية: 12]. قال من كل سبط من بني إِسرائيل رجال أَرسلهم موسى إِلى الجبابرة، فوجدوهم يدخل في كم أَحدهم اثنان منهم يلقيهما إِلقاءَ. ولا يحمل عنقود عنبهم إِلا خمسة أَنفس من قوم موسى، بينهم في خشبة. ويدخل في شطر الرمانة إِذا نزع حبها خمسة أَنفس أَو أَربعة فرجع النفر كلهم ينهي سبطه عن قتالهم، إِلا يوشع بن نون وكالب بن يافنة امرا الأَسباط فإِنهما أَمرا بقتال الجبارين، وبمجاهدتهم. فعصوهما وأَطاعوا الآخرين. فهما الرجلان اللذان {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} [الآية: 23]. فتاهت بنو إِسرائيل أَربعين سنة، يصبحون حيث أَمسوا، ويمسون حيث أَصبحوا في تيههم ذلك. فضرب لهم موسى عليه السلام، الحجر. لكل سبط عني من حجر يحملونه معهم والسبط: البطن، بنو فلان وبنو فلان. فقال لهم موسى عليه السلام: اشربوا يا حمر. فنهاه ربه، عز وجل، عن سبهم وقال: هم خلق فلا تجعلهم حميراً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن / 18ظ / مجاهد: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} [الآية: 12]. قال: ونصرتموهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} [الآية: 13]. قال: يعني من اليهود، مثل الذي هموا به من النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم دخل عليهم حائطهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ} [الآية: 14]. يقول: أَلقينا بينهم العداوة والبغضاءَ، يعني بين اليهود والنصارى. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ضمرة عن سفيان في قوله، عز وجل: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [الآية: 18]. قال: يغفر لمن يشاءُ العظيم، ويعذب من يشاءُ على الصغير. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} [الآية: 20]. قال: جعل لهم أَزواجاً وخدماً وبيوتاً ومن كان كذلك فهو ملك. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} [الآية: 20]. قال: يعني المن والسلوى والحجر والغمام. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} [الآية: 21]. يعني الطور وما حوله. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} [الآية: 23] قال: يعني قرية الجبارين.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} معناهُ اثنَا عَشَر أمِيناً. تفسير : وقوله تعالى: {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} معناهُ أَثَنيتُم عَلَيهم والتَّعْزِيرُ: أَيضاً الأَدبُ. تفسير : وقوله تعالى: {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} معناهُ وسَطُ الطَّريقِ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ} الآية. مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه أمر بذكر الميثاق الذي أخذه تعالى على المؤمنين في قوله: {أية : وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}تفسير : [المائدة: 7]، ثم ذكر وعده إياهم ثم أمرهم بذكر نعمته عليهم إذ كف أيدي الكفار عنهم ذكرهم بقصة بني إسرائيل في أخذ الميثاق عليهم ووعده لهم بتكفير السيآت وإدخالهم الجنة فنقضوا الميثاق. و{ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} قيل: هم الملوك. وقيل: ما وفي منهم بالميثاق إلا خمسة داود وابنه سليمان وطالوت وحزقيل وابنه وكفر السبعة وبدلوا وقتلوا الأنبياء وخرج خلال الاثني عشر اثنان وثلاثون جباراً كلهم يأخذ الملك بالسيف ويبعث فيهم ورتب تعالى على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإِيمان بالرسل وتعظيمهم واقراض الله تعالى قرضاً حسناً تكفير سيآتهم وإدخالهم جنات وقدم قبل هذا أنه تعالى معهم بالكلاءة والحفظ. قال الزمخشري: وهذا الجواب يعني لأكفرنّ ساد مسد جواب القسم والشرط جميعاً. "انتهى". ليس كما ذكر لا يسد لأكفرنّ مسدهما بل هو جواب للقسم فقط وجواب الشرط محذوف ولما علم تعالى أنه لا يفي بالميثاق بعضهم قال: فمن كفر بعد ذلك منكم ورتب على نقضهم الميثاق لعنهم وجعل قلوبهم قاسية، ثم ذكر تحريفهم لكلام الله ونسيانهم حظاً مما ذكروا به. {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي هذه عادتهم وديدنهم معك وهم على ما كان أسلافهم من خيانة الرسل وقتلهم الأنبياء فهم لا يزالون يخونونك وينكثون عهودك ويظاهرون عليك أعداءك ويهمون بالقتل وأن يَسُموك. و{خَآئِنَةٍ} صفة لمحذوف قديره على نفوس خائنة وقد يراد بالخائنة المصدر جاء على فاعلة كأنه قال: تطلع على خيانة ثم استثنى بقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً}، كمن أسلم مثل عبد الله بن سلام وغيره ثم أمر نبيه عليه السلام بالعفو عنهم والصفح وإن ذلك من الإِحسان إليهم، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} ثم ذكر تعالى أخذ الميثاق على النصارى والميثاق المأخوذ عليهم هو الإِيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم إذا كان ذكره موجوداً في كتبهم كما قال: {أية : ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157]. قال الزمخشري: فإِن قلت: فهلا قيل ومن النصارى. قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية. "انتهى". قد تقدم في أوائل البقرة أنه قيل: سموا نصارى لأنهم من قرية بالشام تسمى ناصرة وقوله: وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله القائل لذلك هم الحواريون وهم عند الزمخشري كفار وقد أوضح ذلك على زعمه في آخر هذه السورة وهم عند غيره مؤمنون ولم يختلفوا هم إنما اختلف من جاء بعدهم ممن يدعي تبعيتهم. {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} ظاهره أنه يعود على النصارى. وقيل: النصارى هم النسطورية واليعقوبية والملكية كل فرقة منهم تعادي الأخرى. وقيل: الضمير عائد على اليهود والنصارى أي بين اليهود والنصارى فإِنهم أعداء يلعن بعضهم بعضاً ويكفر بعضهم ببعض. {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ} هذا تهديد ووعيد بعذاب الآخرة إذ موجب ما صنعوا إنما هو الخلود في النار. {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الخطاب لليهود والنصارى. ورسولنا هو محمد صلى الله عليه وسلم. {مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومن رجم الزناة وغير ذلك. {نُورٌ} هو القرآن إذ هو مزيل لظلمات الشرك والشك. {مُّبِينٌ} واضح الدلالة موضع طرق الإِسلام.

الجيلاني

تفسير : ثم لمَّا أراد سبحانه تقرير المؤمنين على الإيمان، وتثبيت قدمهم على جادة التوحيد والفرقان، استشهد عليهم تزلزل بني إسرائيل، وعدم رسوخ قدمهم في الإيمان والإطاعة مع أخذ المواثيق منهم على لسان نبيهم - صلوات الرحمن على نبينا وعليه - فقال: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ} بلسان موسى كليم الله {مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي: العهد الوثيق منهم بعدما خلصوا من فرعون، وورثوا منه ما ورثوا، واستقروا على ملك مصر {وَ} ذلكا أنَّا {بَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} من نجبائهم ونخبائهم، من كل فرقة نقيب مسلم، بينهم رئاسةً وجاهاً، وبالجملة: كل من النقباء يولي أمر فرقته عند نبينا موسى عليه السلام. فعهدوا أن يسيروا مع موسى إلى "أريحا" بالشام حين أوحى إليه، فساروا إلى أن وصلوا، وكان فيها الجبابرة الكنعانيون، فلمَّا رأوا العدو ذوي قوة ، وأولي بأس شديد هابوا منه، وترهبوا، فرجعوا إلى قومهم، فأبخروا لهم ما ظهر عليهم إلا قليلاً منهم فنقضوا العهد والميثاق. {وَ} مع ذلك {قَالَ ٱللَّهُ} لهم حين أمرهم: {إِنِّي مَعَكُمْ} لينصركم على عدوكم وأخرجهم منها: فوعزتي وجلالي {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} على الوجه الذي وصل إليكم من رسولكم {وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ} على الوجه المشروع {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي} بلا تفريق بينهم {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي: نصرتموهم في إعلاء كلمة الحق، وإشاعة دينه {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ} ما في أيديكم من زخرفة الدنيا {قَرْضاً} إنفاقاً للفقراء والمساكين {حَسَناً} بلا شوب المنة والأذى {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ} أي: لأمحوَّ عن ديوان عملكم {سَيِّئَاتِكُمْ} بأسرها {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ} جزاءً لإخلاصكم {جَنَّاتٍ} متنزهاتٍ ثلاث: هي العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} مملوء بمياه الحقائق والمعارف {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ} أي: بعدما سمع التذكير والعظة من الله {فَقَدْ ضَلَّ} وفقد {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 12] لا دواء لدائه، ولا رجاء لإنجائه. اهدنا بفظلك إلى سواء السبيل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه أخذ على بني إسرائيل الميثاق الثقيل المؤكد، وذكر صفة الميثاق وأجرهم إن قاموا به، وإثمهم إن لم يقوموا به، ثم ذكر أنهم ما قاموا به، وذكر ما عاقبهم به، فقال: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: عهدهم المؤكد الغليظ، { وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } أي: رئيسا وعريفا على من تحته، ليكون ناظرا عليهم، حاثا لهم على القيام بما أُمِرُوا به، مطالبا يدعوهم. { وَقَالَ اللَّهُ } للنقباء الذين تحملوا من الأعباء ما تحملوا: { إِنِّي مَعَكُمْ } أي: بالعون والنصر، فإن المعونة بقدر المؤنة. ثم ذكر ما واثقهم عليه فقال: { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ } ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك { وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ } لمستحقيها { وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي } جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم، { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي: عظمتموهم، وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة { وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب، فإذا قمتم بذلك { لأكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات. { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ } العهد والميثاق المؤكد بالأيمان والالتزامات، المقرون بالترغيب بذكر ثوابه. { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب. فكأنه قيل: ليت شعري ماذا فعلوا؟ وهل وفوا بما عاهدوا الله عليه أم نكثوا؟ فبين أنهم نقضوا ذلك فقال: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } . أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات: الأولى: أنا { لَعَنَّاهُمْ } أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم، الذي هو سببها الأعظم. الثانية: قوله: { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغبهم تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى، والخير إلا شرا. الثالثة: أنهم { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ } أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراده الله ولا رسوله. الرابعة: أنهم { نسوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } فإنهم ذكروا بالتوراة، وبما أنزل الله على موسى، فنسوا حظا منه، وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم. وشامل لنسيان العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم، أو وقع في زمانهم، أنه مما نسوه. الخامسة: الخيانة المستمرة التي { لا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ } أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين. ومن أعظم الخيانة منهم، كتمهم [عن] من يعظهم ويحسن فيهم الظن الحق، وإبقاؤهم على كفرهم، فهذه خيانة عظيمة. وهذه الخصال الذميمة، حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم. فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب، والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب، ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة، نسأل الله العافية. وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظا، لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية، كما قال تعالى: {أية : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } تفسير : وقال في الحظ النافع: {أية : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }. تفسير : وقوله: { إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ } أي: فإنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه فوفقهم وهداهم للصراط المستقيم. { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ } أي: لا تؤاخذهم بما يصدر منهم من الأذى، الذي يقتضي أن يعفى عنهم، واصفح، فإن ذلك من الإحسان { إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. وفي حق المخلوقين: بذل النفع الديني والدنيوي لهم.

همام الصنعاني

تفسير : 686- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلْبي في قوله تعالى: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}: [الآية: 12]، قال: نَصَّرْتُمُوهُم.