٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في نقضهم الميثاق وجوه: الأول: بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء. الثاني: بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم. الثالث: مجموع هذه الأمور. المسألة الثانية: في تفسير «اللعن» وجوه: الأول: قال عطاء: لعناهم أي أخر جناهم من رحمتنا. الثاني: قال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير. قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكساي (قسية) بتشديد الياء بغير ألف على وزن فعلية، والباقون بالألف والتخفيف، وفي قوله (قسية) وجهان: أحدهما: أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسي أبلغ من القاسي، كما يقال: قادر وقدير، وعالم وعليم، وشاهد وشهيد، فكما أن القدير أبلغ من القادر فكذلك القسي أبلغ من القاسي، الثاني: أنه مأخوذ من قولهم: درهم قسي على وزن شقي، أي فاسد رديء. قال صاحب «الكشاف» وهو أيضاً من القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين، والمغشوش فيه يبس وصلابة، وقرىء (قسية) بكسر القاف للاتباع. المسألة الثانية: قال أصحابنا {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي جعلناها نائبة عن قبول الحق منصرفة عن الانقياد للدلائل. وقالت المعتزلة {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال: فلان جعل فلاناً فاسقاً وعدلاً. ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل، ويحتمل تغيير اللفظ، وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ. ثم قال تعالى: {وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } قال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } وفي الخائنة وجهان: الأول: أن الخائنة بمعنى المصدر، ونظيره كثير، كالكافية والعافية، وقال تعالى: {أية : فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ } تفسير : [الحاقة: 5] أي بالطغيان. وقال {أية : لَّيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } تفسير : [الواقعة: 2] أي كذب. وقال: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } تفسير : [الغاشية: 11] أي لغواً. وتقول العرب: سمعت راغية الإبل. وثاغية الشاء يعنون رغاءها وثغاءها. وقال الزجاج: ويقال عافاه الله عافية، والثاني: أن يقال: الخائنة صفة، والمعنى: تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو على فعلة ذات خيانة. وقيل: أراد الخائن، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة. قال صاحب «الكشاف» وقرىء على خيانة منهم. ثم قال تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل: يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على العهد ولم يخونوا فيه. ثم قال: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } وفيه قولان: الأول: أنه منسوخ بآية السيف، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف. والقول الثاني: أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان: أحدهما: المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم، والثاني: أنا إذا حملنا القليل عن الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد، وهو قول أبي مسلم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } وفيه وجهان: الأول: قال ابن عباس: إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله. والثاني: أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين نقضوا عهد الله، والقول الأول أولى لأن صرف قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } على القول الأول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول، ولا شك أن الأول أولى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم، «ما» زائدة للتوكيد، عن قَتَادة وسائر أهل العلم؛ وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم، ومن جهة تكثيره للتوكيد؛ كما قال: شعر : لِشيء ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ تفسير : فالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير. {لَعنَّاهُمْ} قال ٱبن عباس: عذّبناهم بالجِزية. وقال الحسن ومقاتل: بالمسخ. عطاء: أبعدناهم؛ واللعن الإبعاد والطرد من الرحمة. {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي صُلبة لا تَعِي خيراً ولا تفعله؛ والقاسية والعاتية بمعنى واحد. وقرأ الكِسائي وحمزة: «قَسِيَّة» بتشديد الياء من غير ألف؛ وهي قراءة ٱبن مسعود والنَّخَعِيّ ويحيى بن وثّاب. والعام القَسِيّ الشديد الذي لا مطر فيه. وقيل: هو من الدّراهم القَسِيّات أي الفاسدة الرديئة؛ فمعنى «قَسِيَّة» على هذا ليست بخالصة الإيمان، أي فيها نِفاق. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ لأنه يقال: درهم قَسِيّ إذا كان مغشوشاً بنُحاس أو غيره. يقال: درهم قَسِيّ (مخفف السين مشدّد الياء) مثال شقِيّ أي زائف؛ ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد: شعر : لها صَوَاهِلُ في صُمِّ السِّلامِ كما صاح القَسِيَّاتُ في أيدِي الصيارِيفِ تفسير : يصف وقع المساحي في الحجارة. وقال الأصمعيّ وأبو عُبيد: درهم قَسِيّ كأنه معرّب قاشيّ. قال القُشَيْري: وهذا بعيد؛ لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، بل الدرهم القَسيّ من القسوة والشدّة أيضاً؛ لأن ما قلت نَقْرته يقسو ويصلب. وقرأ الأعمش: «قَسِيةَ» بتخفيف الياء على وزن فَعِلة نحو عَمِية وشَجِية؛ من قَسِيَ يَقْسَى لا من قسا يقسو. وقرأ الباقون على وزن فاعِلة؛ وهو ٱختيار أبي عبيد؛ وهما لغتان مثل العَلِيّة والعالية، والزّكِية والزاكية. قال أبو جعفر النّحاس: أولى ما فيه أن تكون قَسِيّة بمعنى قاسية، إلا أن فَعِيلة أبلغ من فاعلة. فالمعنى: جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي؛ لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر، كالدراهم القَسِيّة التي خالطها غِش. قال الراجز: شعر : قد قسوت وقست لِداتي تفسير : {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} أي يتأوّلونه على غير تأويله، ويلقون ذلك إلى العوامّ. وقيل: معناه يبدّلون حروفه. و «يُحَرِّفُونَ» في موضع نصب، أي جعلنا قلوبهم قاسية محرّفين. وقرأ السُّلَمِيّ والنَّخَعِيّ «الكلام» بالألف؛ وذلك أنهم غيّروا صِفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. {وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان نعته. {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ} أي وأنت يا محمد لا تزال الآن تقف {عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} والخائنة الخيانة؛ قال قتادة. وهذا جائز في اللغة، ويكون مثل قولهم: قائلة بمعنى قيلولة. وقيل: هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة. وقد تقع «خائنة» للواحد كما يقال: رجل نسّابة وعلاّمة؛ فخائنة على هذا للمبالغة؛ يقال: رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة. قال الشاعر: شعر : حدّثت نفسك بالوفاءِ ولم تكن لِلغَدْرِ خائِنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ تفسير : قال ٱبن عباس: «عَلَى خَائِنَةٍ» أي معصية. وقيل: كذب وفجور. وكانت خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كيوم الأحزاب وغير ذلك من همهِم بقتله وسبه. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} لم يخونوا؛ فهو ٱستثناء متصل من الهاء والميم اللتين في «خَائِنَةٍ مِنهم». {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} في معناه قولان: فٱعف عنهم وٱصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل ذمة. والقول الآخر ـ أنه منسوخ بآية السيف. وقيل: بقوله عز وجل: { أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } تفسير : [الأنفال: 58].
البيضاوي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ} طردناهم من رحمتنا، أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية. {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } لا تنفعل عن الآيات والنذر. وقرأ حمزة والكسائي «قسية» وهي إما مبالغة {قَاسِيَةً} أو بمعنى رديئة من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشاً، وهو أيضاً من القسوة فإن المغشوش فيه يبس وصلابة وقرىء «قسية» بإتباع القاف للسين. {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } استئناف لبيان قسوة قلوبهم، فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله سبحانه وتعالى والافتراء عليه، ويجوز أن يكون حالاً من مفعول {لَعنَّـٰهُمْ } لا من القلوب إذ لا ضمير له فيه. {وَنَسُواْ حَظَّا } وتركوا نصيباً وافياً. {مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة، أو من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما أنزل عليهم فلم ينالوه، وقيل معناه أنهم حرفوها فزلت بشؤمه أشياء منها عن حفظهم، لما روي أن ابن مسعود قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } خيانة منهم، أو فرقة خائنة أو خائن والتاء للمبالغة. والمعنى أن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم. {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم، وقيل استثناء من قوله: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } إن تابوا وآمنوا أو عاهدوا والتزموا الجزية. وقيل: مطلق نسخ بآية السيف. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلاً عن العفو عن غيره.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى {فَبِمَا نَقْضِهِم } «ما» زائدة {مِّيثَٰقَهُمْ لَعنَّٰهُمْ } أبعدناهم عن رحمتنا {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } لا تلين لقبول الإِيمان {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ } الذي في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وغيره {عَن مَّوٰضِعِهِ } التي وضعه الله عليها أي يبدّلونه {وَنَسُواْ } تركوا {حَظّاً } نصيباً {مِّمَّا ذُكِّرُواْ } أمروا {بِهِ } في التوراة من اتباع محمد {وَلاَ تَزَالُ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {تَطَّلِعُ } تظهر {عَلَىٰ خَائِنَةٍ } أي خيانة {مِنْهُمْ } بنقض العهد وغيره {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } ممن أسلم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } وهذا منسوخ بآية السيف[5:9].
ابن عطية
تفسير : يحتمل أن تكون "ما" زائدة والتقدير "فبنقضهم" ويحتمل أن تكون اسماً نكرة أبدل منه النقض على بدل المعرفة من النكرة التقدير فبفعل هو نقضهم للميثاق وهذا هو المعنى في هذا التأويل، وقد تقدم في النساء نظير هذا و {لعناهم} معناه بعدناهم من الخير أجمعه وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر "قاسية" بالألف وقرأ حمزة والكسائي "قسية" دون ألف وزنها فعيلة فحجة الأولى قوله تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم} وقوله: {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} تفسير : [البقرة: 74] والقسوة غلظ القلب ونبوه عن الرقة والموعظة وصلابته حتى لا ينفعل لخير ومن قرأ قسيه فهو من هذا المعنى فعيلة بمعنى فاعلة كشاهد وشهيد وغير ذلك من الأمثلة، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا "قسية" ليست من معنى القسوة وإنما هي كالقسي من الدراهم وهي التي خالطها غش وتدليس فكذا القلوب لم تصف للإيمان بل خالطها الكفر والفساد ومن ذلك قول أبي زبيد: شعر : لها صواهل في صم السلام كما صاح القسيات في أيدي الصياريف تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : فما زوداني غير سحق عمامة وخمس مئي منها قسي وزائف تفسير : قال أبو علي: هذه اللفظة معربة وليست بأصل في كلام العرب، واختلف العلماء في معنى قوله: {يحرفون الكلم} فقال قوم منهم ابن عباس، تحريفهم هو بالتأويل ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة ولا يتمكن لهم ذلك ويدل على ذلك بقاء آية الرجم واحتياجهم إلى أن يضع القارىء يده عليها، وقالت فرقة: بل حرفوا الكلام وبدلوه أيضاً وفعلوا الأمرين جميعاً بحسب ما أمكنهم. قال القاضي أبو محمد: وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين فقوله تعالى: {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} تفسير : [البقرة:79] يقتضي التبديل. ولا شك أنهم فعلوا الأمرين. وقرأ جمهور الناس "الكَلِم" بفتح الكاف وكسر اللام وقرأ أبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي "الكلام" بالألف, وقرأ أبو رجاء. "الكِلْم" بكسر الكاف وسكون اللام، وقوله تعالى: {ونسوا حظاً مما ذكروا به} نص على سوء فعلهم بأنفسهم أي قد كان لهم حظ عظيم فيما ذكروا به فنسوه وتركوه، ثم أخبر تعالى نبيه عليه السلام أنه لا يزال في مؤتنف الزمان يطلع {على خائنة منهم} وغائلة وأمور فاسدة، واختلف الناس في معنى {خائنة} في هذا الموضع فقالت فرقة {خائنة} مصدر كالعاقبة وكقوله تعالى: {أية : فأهلكوا بالطاغية} تفسير : [الحاقة: 5] فالمعنى على خيانة، وقال آخرون معناه على فرقة خائنة فهي اسم فاعل صفة المؤنث، وقال آخرون المعنى على خائن فزيدت الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة ومنه قول الشاعر: شعر : حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الاصبع تفسير : وقرأ الأعمش: "على خيانة منهم", ثم استثنى تبارك وتعالى منهم القليل فيحتمل أن يكون الاستثناء في الأشخاص، ويحتمل أن يكون في الأفعال، وقوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح} منسوخ بما في براءة من الأمر بقتالهم حتى يؤدوا الجزية وباقي الآية وعد على الإحسان.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَاسِيَةً} من القسوة وهي الصلابة و{قَسِيَّة} أبلغ من قاسية، أو بمعنى فاسدة {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} بالتغيير والتبديل وسوء التأويل {حَظّاً} نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم. {خَآئِنَةٍ} خيانة، أو فرقة خائنة {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} نسختها {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [التوبة: 29] أو {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً}تفسير : [الأنفال: 58] أو هي محكمة في العفو والصفح إذا رآه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} أي بسبب نقضهم الميثاق؛ وذلك أن بني إسرائيل نقضوا ميثاق الله وعهده بأن كذبوا الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيَّعوا فرائضه {لعناهم} يعني جازيناهم على ذلك بأن أبعدناهم وطردناهم عن رحمتنا وأصل اللعنة الإبعاد عن الرحمة {وجعلنا قلوبهم قاسية} يعني غليظة يابسة لا تلين لأن القسوة خلاف اللين والرقة وقيل معناه أن قلوبهم ليست خالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق {يحرفون الكلم عن مواضعه} يعني يغيرون حدود التوراة وأحكامها وقيل هو تبديلهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته من التوراة وقيل هو تحريفهم معاني الألفاظ بسوء التأويل {ونسوا حظاً مما ذكروا به} يعني وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الأيمان يعني على معصية منهم وكانت خيانتهم نقض العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب محمد صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه ونحوها من خيانتهم التي ظهرت {إلا قليلاً منهم} يعني أنهم لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من أهل الكتاب {فاعف عنهم واصفح} أي فاعف عن زلاتهم يا محمد واصفح عن جرمهم ومؤاخذتهم وهذا الأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب منسوخ بقوله تعالى: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 29] الآية التي نزلت في سورة براءة قاله قتادة وقيل إنها غير منسوخة بل نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فغدروا ونقضوا ذلك العهد فأظهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك وأنزل هذا الآية ولم تنسخ وذلك أن يجوز أن يعفوا عن غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حرباً ولم يمنعوا من أداء الجزية والصغار وعلى هذا القول بأنها غير منسوخة يكون معنى الاية فاعفُ عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم قبل ذلك. وقيل: معناه فاعف عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد {إن الله يحب المحسنين} يعني إذا عفوت عنهم فإنك تحسن والله يحب المحسنين قوله عز وجل: {ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم} لما ذكر نقض اليهود الميثاق اتبعه بذكر نقض النصارى الميثاق وأن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض العهد والميثاق وإنما قال تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى} ولم يقل من النصارى لأنهم الذين ابتدعوا هذا الاسم وسموا به أنفسهم لأن الله تعالى سماهم به أخذنا ميثاقهم يعني كتبنا عليهم في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {فنسوا حظاً مما ذكروا به} يعني فتركوا ما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {فأغرينا} يعني فألقينا وأوقعنا {بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}. قال قتادة: لما تركوا العمل بكتاب الله وعصوا رسله وضيعوا فرائضه وعطلوا حدوده، ألقى الله العداوة والبغضاء بينهم. وقيل: العداوة والبغضاء هي الأهواء المختلفة وفي الهاء والميم من قوله بينهم قولان: أحدهما أن المراد بهم اليهود والنصارى فإن العداوة والبغضاء حاصلة بينهم إلى يوم القيامة. والقول الثاني أن المراد بهم فرق النصارى، فإن كل فرقة منهم تكفر الأخرى {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} يعني أن الله تعالى يخبرهم في الآخرة بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ففيه وعيد وتهديد لهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} الآية. قد تقدَّم الكلامُ على نَظِيره. قال القُرْطُبِي: والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم، و"مَا" زائدة للتَّوْكيد. قال قتادةُ وغيرُه: وذلك أنَّها تؤكِّد الكلام بمعنى تمكنه في النَّفْس من جهة حسن النَّظْم، ومن جهة تَكْثِيرِه [للتَّوْكِيد]، كقوله [الوافر] شعر : 1945-................. لِشَيْءٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ تفسير : وقيل: نَقْضُ الميثاق تكْذيبُ الرُّسل، وقيل: الأنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: كِتْمَانهم صفة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المَجْمُوع. وقال عطاء: "لَعَنَّاهم" أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومُقاتل: مسَخْنَاهم قِرَدة وخنازير. وقال ابن عبَّاس: ضربنا الجِزْية عَلَيْهِم. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}. قرأ الجمهور "قَاسِيَة" اسم فاعل من قَسَا يَقْسُو. وقرأ الأخوان وهي قراءة عَبْد الله "قَسِيَّة" بفتح القاف وكَسْرِ السِّين وتشديد اليَاء، واختلف الناس في هذه القراءة. فقال الفَارِسي: لَيْسَت من ألْفَاظِ العرب [في الأصل]، وإنَّما هي كَلِمَةٌ أعْجَمِيَّةٌ معرَّبة، يعني أنها مأخوذَةٌ من قولهم: درهم قَسِيّ، أي: مَغْشُوش، شبَّه قلوبهم في كونها غير صَافِية من الكَدَرِ بالدَّراهم المَغْشوشة غير الخَالِصَة، وأنْشَدُوا قول أبي زُبَيْد: [البسيط] شعر : 1946- لها صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا صَاحَ القَسِيَّاتُ في أيْدِي الصَّيَارِيفِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1947- وَمَا زَوَّدُونِي غَيْرَ سَحْقِ عمَامَةٍ وَخَمْسِ مِىءٍ مِنْهَا قَسِيٌّ وَزَائِفُ تفسير : وقال الزَّمَخْشَرِي، وقرأ عبد الله "قسيَّة"، أي: رديئة مغشوشة من قولهم: "درهم قَسيّ"، وهو من القَسْوة؛ لأن الذَّهَبَ والفضَّةَ الخالِصَيْن فيهما لين، والمغشوش فيه صلابةٌ ويُبْسٌ والقَاسِي والقاسِح بالحاء المهملة أخوان في الدَّلالة على اليُبْس. وهذا القول سبقه إليه "المُبَرِّد"، فإنه قال: "يسمى الدِّرْهم المَغْشُوش قَسِيًّا لصلابته وشدَّتهِ للغِشِّ الذي فيه"، وهو يرجعُ للمعنى الأوَّل، والقاسِي والقَاسِح بمعنى واحد. وعلى هذين القَولَيْن تكون اللَّفظة عَرَبيَّةً. وقيل: بل هذه القِرَاءَةُ توافق قِراءَة الجَمَاعَة في المعنى والاشْتِقَاق؛ لأنَّه "فَعِيل" للمُبَالغة كـ "شاهد"، و"شهيد"، فكذلك قاسٍ وقَسِيّ، وإنما أنِّث على معنى الجماعةِ في المعنى والاشْتِقَاق. وقرأ الهَيْصَم بن شداخ: "قُسِيَّة" بضم القَافِ وتشديد اليَاء. وقرئ "قِسِيَّة" بكسر القاف إتْبَاعاً، وأصْلُ القراءَتَيْن: "قاسِوَة"، و"قَسِيوة" لأن الاشْتِقَاق من القَسْوة. فصل والمعنى أنَّ قلوبهم ليست بخالصة الإيمان، بل إيمانُهُم مشوبٌ بالكُفْرِ والنِّفَاق، وقيل: نائيةٌ عن قُبُول الحقِّ، مُنْصَرِفة عن الانقيادِ للدَّلائل. وقالت المُعْتَزِلَة: أخْبِرْنا عنها بأنَّها صارت قَاسِيَة، كما يُقَال: فلانٌ جعل فُلاناً قاسِياً وعدْلاً. ثم إنَّه تعالى ذكر بَعْضَ نتائج تلك القَسْوَة، فقال: {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ} وهذا التَّحْرِيفُ هو تَبْدِيلُهم نعت النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم -، وقيل: التَّأويل البَاطل. والجملة من قوله: "يُحَرِّفُونَ" فيها أرْبَعَةُ أوْجُه: أحدها: أنَّها مستأنَفَةٌ بيان لِقَسْوة قُلُوبهم؛ لأنَّه لا قَسْوَةَ أعظم من الافتراء على اللَّه تعالى. والثاني: أنَّها حَالٌ من مَفْعُول "لَعَنَّاهُمْ" أي: لَعَنَّاهم حال اتِّصافهم بالتَّحْريف. والثالث: قال أبو البقاء: أنَّها حال من الضَّمِير المسْتَتِر في "قَاسِيَة". وقال: ولا يجُوزُ أن يكون حَالاً من "القُلُوب"؛ لأنَّ الضَّمير في "يُحَرِّفُون" لا يرجع إلى "القُلُوب"، وفي هذا نَظَرٌ من حيث جواز أن يكون حَالاً من الضَّمِير في "قَاسِيَة"، يَلزَمُهُ أن يُجوِّزَ أن يكون حَالاً من "القُلُوبِ"، لأنَّ الضَّمير المستتر في "قَاسِيَة" يعود على "القُلُوبِ"، فكما يمتَنِعُ أن يكون حالاً من ظاهره [يمتنع أن يكون حالاً من ضميره]، وكأنَّ المانع الذي توهمه كون الضَّمير وهو الواو في "يُحَرِّفُون" إنَّما يعُود على اليَهُودِ بِجُمْلَتِهِم لا على قُلُوبهم خاصَّةً، فإن القُلُوب لا تحرَّف، إنما يُحرَّف أصْحَابُ القُلوب، وهذا لازِمٌ له في تجويزه الحالِيَّة من الضَّمِير في "قَاسِيَة". ولقائِل أن يَقُول: المراد بـ "القُلُوب" نفس الأشْخَاص، وإنما عبَّر عنهم بالقُلُوب؛ لأن هذه الأعضاء هي محلُّ التَّحْريف، أي: إنَّه صَادِرٌ عَنْها بتَفَكُّرِها فيه، فيجُوزُعلى هذا أن يكُون حَالاً من "القُلُوب". والرابع: أن يكون حالاً من "هم" في "قُلُوبِهم". قال أبو البَقَاء: وهو ضعيف يعني: لأنَّ الحال من المُضَاف إليه لا تَجُوزُ، وغيره يجوِّزُ ذلك في مثل هذا الموضع؛ لأن المُضافَ بَعْضُ المُضَافِ إليه. وقرأ الجمهور بفتح الكاف وكَسْرِ اللاَّم، وهو جمع "كَلِمَة". وقرأ أبو رجاء "الكِلْم" بكَسْرِ الكَافِ وسُكُون اللاَّم، وهو تَخْفيفُ قِرَاءة الجَمَاعَة، وأصْلُها أنَّه كَسَرَ الكاف إتْبَاعاً، ثم سكن العَيْنَ تَخْفِيفاً. وقرأ السُّلمي والنَّخْعي: "الكَلاَم" بالألِف، و"عَنْ مَوَاضِعهِ" وتقدَّم مثله في "النِّسَاء" [النساء: 46]. قوله تعالى: {وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ}. قال ابن عباسٍ: تركوا نَصِيباً ممَّا أمِرُوا بِهِ من الإيمَان بِمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام -. قوله - سبحانه -: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ}. في "خَائِنَةٍ" [ثَلاثةُ أوْجُه]: أحدها: أنَّها اسم فاعل، والهاء لِلْمُبَالغة كـ "راوية وعلاَّمة [ونسَّابة]"، أي: على شخص خائن. قال الشَّاعر: [الكامل] شعر : 1948- حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ تفسير : الثاني: أن التَّاء للتَّأنيث، وأنِّث على معنى: طائفة أو فرقة أو نفس أو فَعْلة خائنة. قال ابن عبَّاسٍ: "على خَائِنَةٍ"، أي: على مَعْصِية، وكانت خِيَانَتُهُم نقض العَهْدِ، ومظاهرتُهمْ المُشْرِكين على حَرْبِ رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وهَمّهم بِقَتْلِهِ وسمه ونحوها من الخِيَانَاتِ الَّتي ظَهَرَتْ منهم. الثالث: أنها بمعنى المَصْدَرِ كـ "العافِيَة والعَاقِبَة والكاذِبَة واللاغية والواقِيَة"، قال تعالى: {أية : فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 5] أي: بالطُّغيان، وقال: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} تفسير : [الواقعة: 2] أي كذب، وقال: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11] أي: لغواً. وتقول العرب: سمعت رَاغِيَة الإبل، وثاغية الشاء، يعنون رُغَاءَها وثُغَاءَها. قال الزَّجَّاج: [ويقال] عافاه اللَّهُ عافِيَةً، ويؤيِّد هذا الوجْهُ قراءة الأعمش "على خِيَانَة" وأصل "خَائِنة" خاوِنَة وخِيَانة وخوانة [لقولهم: تَخوَّنَ، وخَوَّان] وهو [أخْوَن، وإنما أُعِلاَّ إعلال "قائمة"، و"قيام"]. و"مِنْهُم" صفة لـ "خَائِنة" إن أُرِيد بها الصِّفَة، وإن أُرِيد بها المَصْدر قُدِّر مضَاف، أي: من بَعْض خيَانَاتِهِم. قوله تعالى: "إلاَّ قَلِيلاً" منصُوب على الاسْتِثْنَاء، وفي المُسْتَثْنَى منه أربَعَةُ أقْوال: أظهرُهَا، أنَّه لفظ "خَائِنة"، وهُمَ الأشخاص المَذْكورُون في الجُمْلَةِ قَبْلَه، أي: لا تَزالُ تطَّلِع على مَنْ يَخُون منهم إلاَّ القليل، فإنَّه لا يَخُون فلا تَطلعْ عليه، وهم الذين أسْلَمُوا من أهْلِ الكِتَاب كعَبْدِ الله بن سلام وأصْحَابه. قال أبُو البَقَاء: "ولو قُرئ بالجَرِّ على البَدَلِ لكان مُسْتَقِيماً"، يعني على البَدَل من "خَائِنَة"، فإنَّهُ في حيز كلامٍ غير مُوجب. والثاني ذكره ابْنُ عطيَّة: أنَّهُ الفعل أي: لا تَزَالُ تَطَّلِعُ على فِعْلِ الخيانة إلا فَعْلاً قَلِيلاً، وهذا واضِحٌ إن أُريد بالخِيَانَة أنَّها صِفَةٌ لِلْفَعْلَةِ المقدَّرَة كما تقدَّم، ولكن يبْعد ما قاله ابنُ عطيَّة قوله بعده: "مِنْهُم"، وقد تقدَّم لَنَا نَظِيرُ ذلك في قوله: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [النساء: 66] من حَيْث جَوَّز الزَّمَخْشَرِيّ فيه أنْ يكون صِفَةً لمَصْدرٍ مَحْذُوفٍ. الثالث: أنَّه "قُلُوبهُم" في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}، قال صاحب هذا القول: والمُرادُ بِهِمْ: "المُؤمِنُون؛ لأنَّ القَسْوَة زالت عن قُلُوبِهِم"، وهذا بَعِيدٌ جدًّا؛ لقوله: "لَعَنَّاهُمْ". الرابع: أنَّهُ الضَّمِير في "مِنْهُم" من قوله: {عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} قال مَكيّ. قوله [تعالى]: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ}. قيل: "العَفْوُ" نُسِخَ بآية السَّيْف، وقيل: لَمْ يُنْسَخُ، وعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: معناه: فاعْفُ عن مُؤمنيهم، ولا تُؤاخِذْهُم بما سلَفَ منهم. الثاني: أنَّا إن حملنا القَلِيل على الكُفَّار [منهم الذين بَقُوا على الكُفْر]، فالمعنى: أنَّ الله تعالى أمر رسوله بالعَفْوِ عنهم في صَغَائِر زَلاَّتِهِم ما داموا بَاقِين على العهد، وهو قَوْل أبِي مُسْلِم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. قال ابنُ عبَّاسٍ: إذا عَفَوْت فأنْتَ مُحْسِنٌ، وإذا كنْتَ مُحْسناً فقد أحبَّك اللَّه. وقيل: المراد بهؤلاء المُحْسنين: هم المَعْنيّون بقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} وهمُ الذين ما نَقَضُوا الْعَهْد.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر سبحانه ما أخذ على اليهود من الميثاق ووعيده لهم إن كفروا بعد ذلك، ذكر أنهم نقضوا مرة بعد مرة - كما تقدم في سورة البقرة وغيرها كثير منه عن نص ما عندهم من التوراة - فاستحقوا ما هم فيه من الخزي، فقال تعالى مسبباً عما مضى مؤكداً بما النافية لضد ما أثبته الكلام: {فبما نقضهم ميثاقهم} أي بتكذيب الرسل الآتين من بعد موسى عليه السلام، وقتلهم الأنبياء، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك لا بغير ذلك كما نقض بنو النضير فسلطكم الله عليهم بما أشار إليهم في سورة الحشر {لعناهم} أي أبعدناهم بعد أنا وعدناهم القرب بالكون معهم إن وفوا. ولما كان البعيد قد يكون رقيق القلب، متأسفاً على بعده. ساعياً في أسباب قربه، باقياً على عافية ربه، فيرجى بذلك له الغفران لذنبه. أخبر أنهم على غير ذلك بقوله: {وجعلنا} أي بعظمتنا {قلوبهم قاسية} أي صلبة عاسية بالغش فهي غير قابلة للنصحية، لأن الذهب الخالص يكون ليناً، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة، وكل لين قابل للصلاح بسهولة، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله: {يحرّفون الكلم} أي يجددون كل وقت تحريفه {عن مواضعه} فإنهم كلما وجدوا شيئاً من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم، فهم يحرفون الكلم ومعانيها. ولما كانوا قد تركوا أصلاً ورأساً ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه، قال معبراً بالماضي إعلاماً بحرمهم بالبراءة من ذلك: {ونسوا حظاً} أي نصيباً نافعاً معلياً لهم {مما ذكروا به} أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم السلام، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته، أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم، تسلية له صلى الله عليه وسلم فقال: {ولا تزال} أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق! {تطلع} أي تظهر ظهوراً بليغاً {على خائنة} أي خيانة عظيمة تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و {منهم} أي في حقك بقصد الأذى، وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم {إلا قليلاً منهم} فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر، ثم سبب عن هذا الذي في حقه صلى الله عليه وسلم قوله: {فاعف عنهم} أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه. ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال: {واصفح} أي وأعرض عن ذلك أصلاً ورأساً، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم، فإن ذلك إحسان منك، وإذا أحسنت أحبك الله {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {يحب المحسنين *} وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري: إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقاً - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وذلك أشد السحر، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أفلا أخرجته؟ فقال: لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمر بها فدفنت، وهو في معجم الطبراني الكبير - وهذا لفظه - ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن النسائي الكبرى ومسند عبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم. فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلاً لوجد الماء أصفر، فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلّها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئاً منه ولم يعاتبه" وللشيخين عن أنس رضي الله عنه "حديث : أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال: عليّ - قالوا: فلا تقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: إنها كانت سبب موت النبي صلى الله عليه وسلم بانقطاع أبهره الشريف منها بعد سنين" تفسير : وفي سنن أبي داود من وجه مرسل أنه قتل اليهودية. والأول هو الصحيح، وسيأتي لهذا الحديث ذكر في هذه السورة عند {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67]، فهذا غاية العفو والإحسان امتثالاً لأمر الله سبحانه. ولما دخل النصارى فيما مضى لأنهم من بني إسرائيل، خصهم بالذكر لأن كفرهم أشد وأسمج فقال: {ومن الذين قالوا} أي مسمين أنفسهم ملزمين لها النصرة لله، مؤكدين قولهم رداً على من يرتاب فيه: {إنا نصارى} أي مبالغون في نصرة الحق، فالتعبير بذلك دون ومن النصارى تنبيه على أنهم تسموا بما لم يفوا به {أخذنا} أي بما لنا من العظمة {ميثاقهم} أي كما أخذ على الذين من قبلهم. ولما كان كفرهم في غاية الظهور والجلاء، لم ينسبهم إلى غير الترك فقال: {فنسوا} أي تركوا ترك الناسي {حظاً} أي نصيباً عظيماً يتنافس في مثله {مما ذكروا به} أي في الإنجيل مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف نبيه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق. ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقاً، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم، سبب عنه قوله: {فأغرينا} أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء لا ينفك بل يصير كجزء الشيء {بينهم} أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً متباينين بتفريق الدين، وكذا بينهم وبين اليهود {العداوة} ولما كان العداوة قد تكون عن بغي ونحوه إذا زال زالت أو خفت، قال معلماً أنها لأمر باطني نشأ من تزيين الهوى، فهو ثابت غير منفك: {والبغضاء} بالأهواء المختلفة {إلى يوم القيامة}. ولما أخبر بنكدهم في الدنيا، أعقبه ما لهم في الأخرى فقال: {وسوف ينبئهم} أي يخبرهم {الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً إخباراً بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد لا خلف فيه؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها وتدربوا عليها، حتى صارت لهم أحوالاً لأنفسهم وأخلاقاً لقلوبهم، سماها صنائع فقال: {بما كانوا يصنعون *} أي دربوا أنفسهم عليه حتى صار كالصنعة، فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فبما نقضهم ميثاقهم} قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {فبما نقضهم} يقول: فبنقضهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} قال: اجتنبوا نقض الميثاق، فإن الله قدم فيه وأوعد فيه، وذكره في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وحجة، وإنما بعظم عظمها الله به عند أولي الفهم والعقل وأهل العلم بالله، وانا ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {يحرِّفون الكلم عن مواضعه} يعني حدود الله في التوراة يقول: ان أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ونسوا حظاً مما ذكروا به} قال: نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ونسوا حظاً مما ذكروا به} قال: نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ونسوا حظاً مما ذكروا به} قال: كتاب الله إذا نزل عليهم. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ونسوا حظاً} تركوا نصيباً. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {ونسوا حظاً مما ذكروا به} قال: عرى دينهم ولطائف الله التي لا يقبل الأعمال إلا بها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهده الذي عهده إليهم، وأمره الذي أمرهم به، وضيعوا فرائضه، وعطلوا حدوده، وقتلوا رسله، ونبذوا كتابه. وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} قال: هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ولا تزال تطَّلع على خائنة منهم} يقول: على خيانة وكذب وفجور. وفي قوله {فاعف عنهم واصفح} قال: لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمرهم الله أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...} تفسير : [التوبة: 29] الآية.
ابو السعود
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} الباء سببـية، و(ما) مزيدةٌ لتأكيد الكلام وتمكينِه في النفس، أي بسبب نقضِهم ميثاقَهم المؤكَّدَ لا بشيءٍ آخرَ استقلالاً أو انضماماً {لَعنَّـٰهُمْ} طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، أو مسخناهم قِرَدَةً وخنازيرَ، أو أذللناهم بضرب الجزيةِ عليهم. وتخصيصُ البـيان بما ذُكر مع أن حقَّه أن يبـيَّنَ بعد بـيانِ تحققِ نفسِ اللعنِ والنقضِ، بأن يقال مثلاً: فنقَضوا ميثاقَهم فلعنّاهم ضرورةَ تقدّمِ هيئةِ الشيءِ البسيطةِ على هيئتِه المُركّبة للإيذانِ بأن تحققَهما أمرٌ جليٌّ غنيٌّ عن البـيان، وإنما المحتاجُ إلى ذلك ما بـينهما من السببـية والمُسبَّبـية {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} بحيث لا تتأثرُ من الآيات والنذُر، وقيل: أملينا لهم ولم نعاجِلْهم بالعقوبة حتى قَسَتْ، أو خذلناهم ومنعناهم الألطافَ حتى صارت كذلك وقرىء (قَسِيّة)، وهي إما مبالغةُ قاسية، وإما بمعنى رديئة، من قولهم: دِرْهمٌ قِسيٌّ، أي رديء، إذا كان مغشوشاً له يَبْسٌ وخشونة، وقرىء بكسر القاف إتباعاً لها بالسين {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ} استئنافٌ لبـيان مرتبةِ قساوةِ قلوبهم فإنه لا مرتبةَ أعظمُ مما يصحح الاجتراءَ على تغيـير كلامِ الله عز وجل والافتراءَ عليه، وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدُّد والاستمرار، وقيل: حالٌ من مفعول لعناهم {وَنَسُواْ حَظَّا} أي تركوا نصيباً وافراً {مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} من التوراة ومن اتّباع محمدٍ عليه الصلاة والسلام، وقيل: حرفوا التوراةَ وزلَّتْ أشياءُ منها عن حفظهم، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (قد ينسىٰ المرءُ بعضَ العلم بالمعصية) وتلا هذه الآية {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ} أي خيانةٍ على أنها مصدرٌ كلاغيةٍ وكاذبةٍ أو فَعْلةٍ خائنة، أي ذاتِ خيانة، أو طائفةٍ خائنة، أو شخصٍ خائنةٍ، على أن التاء للمبالغة، أو نفسٍ خائنةٍ، و(منهم) متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لها، خلا أن (مِنْ) على الوجهين الأولين ابتدائيةٌ، أي على خيانةٍ أو على فعلةٍ خائنةٍ كائنةٍ منهم صادرةٍ عنهم، وعلى الوجوه الباقيةِ تبعيضية، والمعنى أن الغدرَ والخيانة عادةٌ مستمرة لهم ولأسلافهم بحيث لا يكادون يترُكونها ويكتُمونها فلا تزال ترى ذلك منهم. {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} استثناء من الضمير المجرور في (منهم) على الوجوه كلِّها، وقيل: مِنْ خائنة على الوجوه الثلاثةِ الأخيرة، والمرادُ بهم الذين آمنوا منهم كعبد اللَّه بنِ سَلام وأضرابِه، وقيل: من خائنة على الوجه الثاني، فالمرادُ بالقليل الفعلُ القليل، ومِنْ ابتدائيةٌ كما مر، أي إلا فعلاً قليلاً كائناً منهم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} أي إن تابوا وآمنوا أو عاهدُوا والتزموا الجزية، وقيل: مطلقٌ نُسخ بآيةِ السيف {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تعليلٌ للأمر وحثٌّ على الامتثال به، وتنبـيهٌ على أن العفوَ على الإطلاقِ من باب الإحسان. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ} بـيانٌ لقبائح النصارى وجناياتهم إثرَ بـيان قبائحِ اليهود وخياناتِهم، و(مِن) متعلقة (بأخذنا)، إذِ التقديرُ وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، وتقديمُ الجار والمجرور للاهتمام به، ولأن ذكرَ حال إحدى الطائفتين مما يوقعُ في ذهن السامع أن حالَ الأخرى ماذا؟ فكأنه قيل: ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم، وقيل: هي متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ محذوفٍ قامت صفتُه أو صلتُه مَقامه، أي ومنهم قومٌ أخذنا ميثاقهم، أو مَنْ أخذنا ميثاقهم، وضميرُ (ميثاقَهم) راجعٌ إلى الموصوف المقدر، وأما في الوجه الأولِ فراجعٌ إلى الموصول، وقيل: راجع إلى بني إسرائيل، أي أخذنا من هؤلاء ميثاق أولئك، أي مثل ميثاقهم من الإيمان بالله والرسل، وبما يتفرع على ذلك من أفعال الخير، وإنما نَسَب تسميتَهم نصارى إلى أنفسهم دون أن يُقال ومن النصارى إيذاناً بأنهم في قولهم نحن أنصارُ الله بمعزلٍ من الصدق، وإنما هو تقوّلٌ محْضٌ منهم، وليسوا من نُصْرة الله تعالى في شيء، أو إظهاراً لكمال سوء صنيعهم ببـيان التناقض بـين أقوالهم وأفعالهم، فإن ادعاءهم لنُصْرته تعالى يستدعي ثباتَهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه {فَنَسُواْ} عَقيبَ أخذِ الميثاق من غير تلعثم {حَظّاً} وافراً {مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك حسبما مرَّ آنفاً، وقيل: هو ما كُتب عليهم في الإنجيل من أن يُؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فتركوه ونبذوه وراء ظهورهم، واتبعوا أهواءهم فاختلفوا وتفرقوا نِسطوريةً ويعقوبـيةً وملكانية أنصاراً للشيطان، {فَأَغْرَيْنَا} أي ألزمنا وألصَقنا، من غرِيَ بالشيء إذا لزمه ولصِق به، وأغراه غيرُه، ومنه الغِراء، وقوله تعالى: {بَيْنَهُمْ} إما ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله، أي أغرينا {ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء} كائنة بـينهم، ولا سبـيل إلى جعله ظرفاً لهما، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، وقوله تعالى: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إما غاية للإغراء أو للعداوة والبغضاء، أي يتعادَوْن ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤُهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الثلاثة، فضمير (بـينهم) لهم خاصة، وقيل: لهم ولليهود، أي أغرينا العداوة والبغضاء بـين اليهود والنصارى {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعّده: سأخبرك بما فَعَلت، أي يجازيهم بما عملوه على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذُكِّروا به، و(سوف) لتأكيد الوعيد، والالتفاتُ إلى ذكر الاسم الجليل لتربـية المهابة وإدخال الروعة لتشديد الوعيد، والتعبـيرُ عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم في ذلك، وعن المجازاة بالتنبئة للتنبـيه على أنهم لا يعلمون حقيقةَ ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعِها للعذاب، فيكونُ ترتيبُ العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} [الآية: 13]. قال أبو عثمان: نقض الميثاق: الرجوع إلى الخلق بعد الإقرار الأول بالوحدانية. وقال بعضهم: نقض العهد مع الحق السكون إلى سواه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ}. جعل جزاءَ العصيان الخذلانَ للزيادة في العصيان. قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}. وتحريفُهم الكلم عن مواضعه نوعُ عصيان منهم، وإنما حرَّفوا لقساوة قلوبهم. وقسوة القلب عقوبة لهم مِنْ قِبَل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ونقض العهد أعظمُ وِزْرٍ يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يُعَاقَبُ بها العبد، وقسوة القلب عدم التوجع مما يُمتَحَنَ به من الصدِّ، وعن قريبٍ يُمتَحَن بمحنة الرد بعد الصدِّ، وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد. ويقال قسوة القلب أولها فَقْدُ الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع من هذه الجملة فهو تمام الشقوة. ومن تحريف الكلم - على بيان الإشارة - حَمْلُ الكلم على وجوه من التأويل مما تسوِّل لصاحبِه نَفْسُه، ولا تشهد له دلائلُ العلم ولا أصلُه. قوله جلّ ذكره: {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ}. أوَّلُ آفاتِهِم نسيانُهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول العصيان، والنسيانُ حاصلٌ من الخذلان. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ}. الخيانة أمرها شديد وهي من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعوَّد اتباع الشهوات، وأُشْرِبَ في قلبه حُبَّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخُلُق إلى آخر عمره، اللهم إلا أن يجودَ الحقُّ - سبحانه - عليه بجميل اللطف. قوله جلّ ذكره: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. قد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحدٍ أهلاً للعقاب. وللصفح على العفو مزية وهي أن في العفو رفع الجناح، وفي الصفح إخراج ذكر الإثارة من القلب، فمن تجاوز عن الجاني، ولم يلاحظه - بعد التجاوز - بعين الاستحقار والازدراء فهو صاحب الصفح. والإحسان تعميمٌ - للجمهور - بإسداء الفضل.
البقلي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} اذا اراد الله طرد الغافلين عنه يهج نفوسهم الى مباشرة احكام القهر الذى يوجب لهم البعد فبعد ذلك يقع مخالفة الامر ونقض العهد الذى هو اصل الايمان قال يوسف بن الحسين ترك حفظ العهود الصحيحة ونقض المواثيق بوجب اللعن قال الله تعالى فما نقضهم ميثاقيهم لعناهم قيل نقض العهد مع الحق السكون الى سواه وقال الاستاد جعل جزاء العصيان الخذلان للزيادة فى العصيان.
اسماعيل حقي
تفسير : {فبما نقضهم ميثاقهم} اى فبسب نقض اليهود عهدهم وهو انهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الانبياء ونبذوا الكتاب وضيعوا فرائضه وما مزيدة لتأكيد الكلام وتمكينه فى النفس {لعناهم} اى طردناهم وابعدناهم من رحمتنا او مسخناهم قردة وخنازير او اذللناهم بضرب الجزية عليهم {وجعلنا قلوبهم قاسية} اى غليظة شديدة بحيث لا تتأثر من الآيات والنذر وحجر قاس اى صلب غير لين {يحرفون الكلم عن مواضعه} استئناف لبيان قسوة قلوبهم فانه لا قسوة اشد من تغيير كلام الله والافتراء عليه والمراد بالتحريف اما تبديلهم نعت النبى صلى الله عليه وسلم واما تبديلهم بسوء التأويل وقد سبق فى سورة البقرة {ونسوا حظا} اى وتركوا نصيبا وافرا {مما ذكروا به} من التوراة او من اتباع محمد عليه السلام والمعنى انهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما انزل عليهم فلم ينالوه. وقيل معناه انهم حرفوها فتركت بشؤمه اشياء منها عن حفظهم لما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية ـ روى ـ ان الله تعالى غير العلم على امية بن ابى الصلت وكان من بلغاء الشعراء كان نائما فاتاه طائر وادخل منقاره فى فيه فلما استيقظ نسى جميع علومه: قال الحافظ شعر : نه من زبى عملى درجهان ملولم وبس ملالت علما هم زعلم بى عملست تفسير : واعلم ان العلماء العاملين والمشايخ الواصلين لا يزالون يذكرون الناس كل عصر يوم الميثاق ومخاطبة الحق اياهم تشويقا لهم الى تلك الاحوال فمن سامع ومن معرض فالسامع لكونه معرضا عن الدنيا والعقبى وصل الى جوار المولى فكان مقبولا مرحوما والمعرض لكونه مقبلا على ما سوى المولى لم ينل شيأ فكان مردودا ملعونا لانه نقض عهده مع الله سبحانه وتعالى: وفى المثنوى شعر : بى وفايى جون سكانرا عاربود بى وفايى جون رو ادارى نمود حق تعالى فخر آورد ازوفا كفت من اوفى بعهد غيرنا تفسير : {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} اى خيانة على انها مصدر كاللاغية والكاذبة قال الله تعالى {أية : لا تسمع فيها لاغية} تفسير : [الغاشية: 11]. اى لغوا والمعنى ان الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولاسلافهم بحيث لا يكادون يتركونها او يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم {الا قليلا منهم} لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام واضرابه وهو استثناء من الضمير المجرور فى منهم {فاعف عنهم واصفح} اى اعرض عنهم ولا تتعرض لهم بالمعاقبة والمؤاخذة ان تابوا وآمنوا او عاهدوا والتزموا الجزية وقيل مطلق نسخ بآية السيف وهو قوله تعالى {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 29]. {ان الله يحب المحسنين} تعليل للامر بالصفح وحث على الامتثال وتنبيه على ان العفو عن الكافر الخائن احسان فضلا عن العفو عن غيره: قال السعدى شعر : عدورا بالطاف كردن به بند كه نتوان بريدن بتيغ و كمند جودشمن درم بيند ولطف وجود نيايد دكر خبث ازو دروجود وكرخواجه بادشمنان نيك خوست بسى بر نيايد كه كردند دوست تفسير : وكان عليه السلام محسنا له مكارم اخلاق يضيق نطاق بيان الواصفين عنها: ومن حكايات المولوى قدس الله سره فى المثنوى شعر : كافران مهمان بيغمبر شدند وقت شام ايشان بمسجد آمدند كفت اى ياران من قسمت كنيد كه شما بر از من وخوى منيد هريكى يارى يكى مهمان كزيد درميان يك زفت بود وبى نديد جسم ضخمى داشت كس اورانبرد مانددر مسجد جواندر جامه درد مصطفى بردش جو واماند ازهمه هفت بز شيرده بر در رمه كه مقيم خانه بودندى بزان بهر دوشيدن براى وقت خوان نان وآش وشيرآن هر هفت بز خورد آن بوقحط عوج ابن غز جمله اهل بيت خشم آلوشدند كه همه درشير بز طامع شدند معده طبلى خوار همجون طبل كرد قسم هجده آدمى تنها بخورد وقت خفتن رفت ودرحجره نشست بس كنيزك از غضب دررا ببست از برون زنجيردررا درفكند كه ازوبد خشمكين ودردمند كبررا ازنيم شب تاصبحدم جون تقاضا آمد ودرد شكم ازفراش خويش سويى درشتافت دست بردر جونهاد اوبسته يافت دركشادن حيله كردآن حيله ساز نوع نوع وخود نشد آن بند باز شد تقاضا بر تقاضا خانه تنك مانداوحيران وبى درمان ودنك حيله كرد و اوبخواب اندر خزيد خويشتن درخواب ودرويرانه ديد زانكه ويرانه بد اندر خاطرش شد بخواب اندر همانجا منظرش خويش در ويرانه خالى جوديد او جنان محتاج واندر دم بريد كشت بيداروبديد آن جامه خواب بر حدث ديوانه شد از اضطراب كفت خوابم بدتر از بيداريم كه خروم آن سو واين سو مى ريم بانك مى زد واثبورا واثبور همجنانكه كافر اندر قعر كور منتظركه كى شود اين شب بسر يا برآيد در كشادن بانك در تاكريزد اوجوتيرى از كمان تانبيند هيجكس اورا جنان مصطفى صبح آمد ودررا كشاد صبح آن كمراه را اوراه داد جامه خواب برحدث رايك فضول قاصدان آورد در بيش رسول كه جنين كردست مهمانت ببين خنده زد رحمة للعالمين كه بيار آن مطهره انيجا به بيش تابشويم جمله را بادست خويش اوبجد مىشست آن احداث را خاص زامر حق نه تقليد وريا كه دلش مى كفت كين را توبشو كه درانيجا هست حكمت توبتو كافرك را هيكلى بد يادكار ياوه ديد آنرا وكشت اوبى قرار كفت آن حجره كه شب جاداشتم هيكل آنجا بىخبر بكذاشتم كه جه شرمين بودشر مش حرص برد حرص ازدرهاست بى جيزست خرد ازبى هيكل شتاب اندر دويد در وثاق مصطفى وانرا بديد كان يدالله ان احدث راهم بخود خوش همى شويدكه دورش جشم بد هيكلش ازياد رفت وشد بديد اندر وشورى كريبانرا دريد مى زد اودو دست را بررو وسر كله را ميكوفت بر ديوار ودر انجنانكه خون زبينى وسرش شد روان ورحم كردان مهترش جون زحد بيرون بلرزيد وطبيد مصطفى اش دركنار خود كشيد ساكنش كرد وبسى بنواختش ديده اش بكشاده داد اشناختش آب بر روزد در آمد درسخن كى شهيد حق شهادت عرضه كن كشت مؤمن كفت اورا مصطفى كامشب هم باش وتو مهمان ما كفت والله تا ابد ضيف توام هر كجا باشم بهر جاكه روم يارسول الله رسالت راتمام تونمودى همجو شمع بى غمام
الطوسي
تفسير : [القراءة]: قرأ حمزه والكسائي قسية بلا الف - وقرأ الباقون قاسية - بالف. [المعنى]: المعني بالآية تسلية النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال الله له: لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا ان يبسطوا ايديهم اليك وإلى اصحابك ونكثوا العهد الذي بينك وبينهم، وغدروا بك، فان ذلك من عادتهم، وعادات اسلافهم، لاني اخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيباً، فنقضوا ميثاقي، ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم. وفي الكلام محذوف اكتفى بدلالة الظاهر عليه. والمعنى فمن كفر بعد ذلك منكم، فقد ضل سواء السبيل، فنقضوه، فلعنتهم فبما نقضهم ذلك لعناهم فاكتفى بقوله: فبما نقضهم من ذكر فنقضوا. (وما) زائدة والتقدير فبنقضهم (وما) مؤكدة. وهو قول قتادة وجميع المفسرين ومثله قول الشاعر: شعر : لشيء ما يسود من يسود تفسير : والهاء والميم كنايتان عن بني اسرائيل واللعن هو الطرد للسخط على العبد، وهو الابعاد من رحمة الله على جهة العقوبة. وقال الحسن: هو المسخ الذي كان فيهم حين صاروا قردة، وخنازير. ومعنى جعلنا - ها هنا - قال البلخي: سميناها بذلك عقوبة على كفرهم، ونقض ميثاقهم. قال: ويجوز أن يكون المراد ان الله بكفرهم لم يفعل بهم اللطف الذي تنشرح به صدورهم كما يفعل بالمؤمن. وذلك مثل قولهم: افسدت سيفك: إذا تركت تعاهده حتى صدئ. ويقولون: جعلت اظافيرك سلاحك: إذا لم تقصها. ويشهد للاول قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} وأراد بذلك انهم سموا لله شركاء. وقال ابو علي: هو البيان عن حالهم، وجفا قلوبهم عن الايمان بالله ورسوله، كما يقال: جعلته فاسقاً مهتوكا: إذا أبان عن حاله للناس. ومعنى قاسية. أي يابسة يقال للرحيم: لين القب، ولغير الرحيم: قاسي القلب. والقاسي والقاسح - بالحاء - الشديد الصلابة. ويقال: قسا يقسو قسوة ومنه {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} وقسية أشد مبالغة. وقاسية أعرف وأكثر في الاستعمال. وقال ابو عبيدة: قاسية معناه فاسدة من قولهم: درهم قسي أي زائف قال أبو زبيد: شعر : لها صواهل في صم السلام كما صاح القسيات في ايدي الصياريف تفسير : يصف وقع المساحي في الحجارة. وقال ابو عباس: الدرهم انما سمي قسياً اذا كان فاسداً لشدة صوته بالقس الذى فيه، فهو راجع الى الاول. وقال الراجر: شعر : وقد قسوت وقسا لداتي تفسير : وقوله: {يحرفون الكلم} فالتحريف يكون بأمرين: بسوء التاويل، وبالتغيير والتبديل، كما قال تعالى: {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} بعد قوله: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب} والكلم جمع كلمة. وقوله: {ونسوا حظاً مما ذكروا به} معناه تركوا نصيباً مما ذكروا به يعني مما أنزل على موسى. وهو قول الحسين والسدي وابن عباس. وقوله: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} معناه على خيانة منهم وفاعله في اسماء المصادر كثير، نحو عافاه لله عافية. {والمؤتفكات بالخاطئة} و {أهلكوا بالطاغية} ويقال: قائلة بمعنى القيلولة. كل ذلك بمعنى المصدر وراغية الابل وثاغية الشاة. ويقال: رجل خائنة قال الشاعر: شعر : حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الاصبع تفسير : فخائنة على وجه المبالغة، كما قالوا: رجل نسابة، لانه يخاطب رجلا. ومعناه لا تخن، فتغلل اصبعك في المتاع أي تدخلها الخيانة، ومغل بدل من خائنة. ويجوز أن يكون على خائنة معناه على فرقة خائنة. وقوله: {إلا قليلاً منهم} نصب على الاستثناء من الهاء والميم في قوله: {على خائنة منهم}. وقوله: {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} قال قتادة: هو منسوخ بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} وقال ابو علي بقوله: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} وقال البلخي: يجوز أن يكون أمر بالعفو والصفح بشرط التوبة أو بذل الجزية، لانهم إذا بذلوا الجزية لا يؤاخذون بشيء من كفرهم. وهو قول الحسن، وجعفر بن مبشر. واختار الطبري هذا. فعلى هذا لا يكون منسوخا وقوله: {يحرفون الكلم} لا يدل على أنه جعل قلوبهم قاسية، ليحرفوا بل يحتمل امرين: احدهما - ان يكون كلاماً مستأنفاً ويكون التمام عند قوله: {قاسية} ثم أخبر عنهم بانهم يحرفون الكلام عن مواضعه. الثاني - أن يكون ذلك حالا، لقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم يحرفون} اي يحرفون الكلم ناسين لحظوظهم {لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية}.
الجنابذي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} فتذكّروا ميثاقكم ولا تنقضوه {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} لا تتأثّر بالمواعظ {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} حال او جواب سؤالٍ مقدّرٍ كما ستحرّفونه يا امّة محمّد (ص) بعد بتأويلات فضيحة للتّمويه على من لا عقل له {وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} من الميثاق والوعد عليه عطف على يحرّفون، والاختلاف بالمضىّ والمضارعة للاشارة الى انّ الثانى وقع منهم فصار سبباً لاستمرارهم على الاوّل {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} بواسطة نقض الميثاق الّذى هو اصل الخيانات كما انّ الوفاء به هو اصل الوفاء بالامانات، والخائنة مصدر او وصفٌ بمعنى فرقة خائنة، او نفس خائنة، او شخص خائن على ان يكون التّاء للمبالغة {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} استثناء من مفهومه كأنّه قال كلّهم خائنون الاّ قليلاً منهم، ويحتمل الاستثناء من قلوبهم او من المضاف اليه فى قلوبهم او من فاعل يحرّفون او من فاعل نسوا، ويمكن جعل الاّ بمعنى غير صفة لخائنة منهم، ويحتمل كون الكلام منصرفاً عن بيان حال بني اسائيل إلى بيان حال منافقى الامّة ولذا خاطب محمّداً (ص)، ويحمتل ان يكون المرادبيان حال بنى اسرائيل ويكون التّعريض بالامّة كما هو طريقة جملة القصص والحكايات وقوله تعالى {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} يؤيّد المعنى الاوّل، والعفو ترك الانتقام، والصّفح ترك تذكّر المساوى والاخراج من القلب، وقد يستعمل كلّ فى كلّ وكلٌّ فى كلا المعنيين، ولا تقف على العفو والصّفح واحسن اليهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} لم يقل ومن النّصارى لانّ التّنصرّ انّما يحصل بالبيعة مع اوصياء عيسى (ع) وهؤلاء انتحلوا التّنصّر لا انّهم بايعوا على النّصرانيّة {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} بعد بيان حال اليهود بيّن حال النّصارى للتّعريض بامّة محمّد (ص) يعنى اخذنا ميثاق اسلافهم لاوصياء عيسى (ع) {فَنَسُواْ} كاليهود {حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} فصار النّسيان سبباً لاختلافهم {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ} بالافعال {وَٱلْبَغْضَآءَ} بالقلوب وكان ذلك خزيهم فى الدّنيا {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} يعنى ينبئّهم فى الآخرة فيعذّبهم عليه فاحذروا ان تكونوا مثلهم فى نسيان الميثاق لعلىّ (ع) يا امّة محمّد (ص) فيقع بينكم العداوة والبغضاء فى الدّنيا ويؤاخذكم الله عليه فى الآخرة.
الهواري
تفسير : قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. يعني باللعن المسخ، فجعل منهم قردة وخنازير؛ مسخوا في زمان داود قردة، وفي زمان عيسى خنازير. قال: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي غليظة {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} وهو ما حرّفوا من كتاب الله. قال: {وَنَسُوا} أي تركوا {حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} في الكتاب. وقال الحسن: تركوا عرى دينهم. وقال بعضهم: نسوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعهده الذي عهده إليهم، وضَيَّعوا فرائضه وعطّلوا حدوده. قوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ} يعني حيث دخل النبي حائطاً لليهود فهمّوا به. وتفسيره في غير هذا الموضع. قال: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} أي من آمن منهم. قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. قال بعضهم: نسختها هذه الآية: (أية : قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) تفسير : [التوبة:29]. قوله: {وَمِنَ الذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} كما أخذنا ميثاق اليهود. قال بعضهم: إنما سمّوا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة نزلها عيسى. وهو اسم تَسَمَّوا به ولم يؤمروا به. قال: {فَنَسُوا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وهي مثل الأولى. قوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} بكفرهم، يعني به أهل الكتاب، بما فعلوا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء. {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} هو محمد صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ} أي ما حرّفوا من الكتاب وأخفوا من الحق فيه {وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} مما كان حرّم عليهم فأحلّه لهم. قوله: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ} يعني به القرآن. {يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} والسلام هو الله، كقوله: (أية : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)تفسير : [العنكبوت:69]. وكقوله: (أية : وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ) تفسير : [يونس:25]. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : السلام اسم من أسماء الله . تفسير : قوله: {وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي من الكفر إلى الإِيمان {بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إلى الجنة.
اطفيش
تفسير : {فَبِمَا نَقضِهم مِيثَاقَهُم لَعَنَاهُم}: عطف لعناهم على أخذ الله بالفاء والباء متعلق بلعناهم، ويقدر مثله لجعلنا، وما مؤكدة مفخمة بين الجار والمجرور، وميثاق مفعول لنقض، وقدم بما نقضهم للحصر ولطريق العرب فى الاهتمام، ولم أقل بتنازع جعلنا ولعنا فى بما نقضهم، لأن الصحيح أنه لا تنازع فى مقدم، ولا سيما أن معمول المعطوف لا يتقدم على العاطف، واللعن الطرد عن الرحمة، أى بعدناهم عن جنتنا ورضانا. وقيل: مسخناهم فان المسخ طرد عن رحمة الدنيا والآخرة، وقيل: ضربنا عليهم الجزية بذلك، وذلك كله نقضهم الميثاق اذ عصو موسى وكذبوا الرسل بعد موسى، وقتلوهم ونبذوا كتاب الله، وضيعوا الفرائض، فالطرد عن رحمة الله ورضاه مطلق، والمسخ فى زمان داود بالاعتداء فى السبت، فمسخوا قردة، وفى زمان عيسى مسخوا خنازير لشأن المائدة، والجزية فى زمان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل رضى بما فعل من قبله، وذلك قول قتادة بسطته، وقيل: كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك نقضهم أو مجموع ذلك. {وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً}: صلبة غليظة لا تلين بالوعظ، وليس ذلك جبراً والا لم يذمهم، بل ترك توفيقهم باختيارهم، فقست فذلك جعله قلوبهم قاسية، ويجوز أن يكون معنى ذلك الجعل امهالهم عن العقاب فقسوا، وقرأ عبد الله بن مسعود وحمزة والكسائى: قسية بتشديد الياء واسقاط الألف قيل السين بوزن فعيل للمبالغة، كقادر وقدير أو وصف بمعنى ردية من قولهم درهم قسى أى فيه صلابة النحاس اذا كان مغشوشا، لأن فى الذهب والفضة الخالصين ليناً. وقرىء قسية بكسر القاف اتباعاً لكسر السين بعدها، والثلاثة من معنى الصلابة، ومثلها قسح يقسح فهو قاسح بالحاء، وذلك أولى مما ذكر الأصمعى والفارسى، أن قسية باسقاط الألف فارسى معرب بمعنى الدرهم الردىء وأفرد قاسية لأن القلوب جملة. {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}: ليس هذا معنى نفس القسوة، لكنه ثمرة القسوة، كأنه لما قست قلوبهم تولد من قسوتها تحريف كلام الله، فالجملة مستأنفة أو حال من هاء لعنهم، لبيان ما أدت اليه قسوة قلوبهم، وأنه لا أقبح من قسوة أدت الى تحريف كلام الله والكذب عليه، وذلك أنهم حرفوا نعت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره مما أرادوا تغييره من التوراة كآية الرجم، وذلك أنهم بدلوا اللفظ بلفظ آخر يخالف معناه فى بعض، وحرفوه التفسير فى بعض، وخطوا بالقلم فى بعض. {وَنَسُوا حَظًّا} نصيباً عظيماً، فالتنكير للتعظيم. {مِّمَّا ذُكِرُوا بِهِ}: من التوراة وهو ما تركوا العمل به من التوراة ولم يحرفوه، وما تركوا العمل به وحرفوه أيضاً، وذلك أنه لو عملوا به لكان لهم حظ عظيم من الثواب، ومن ذلك تركهم الايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن. النسيان: الترك، ويجوز أن يكون ذهاب المحفوظ من القلب، فيكون المعنى أنهم حفظوا من معانى التوراة كثيراً، ونسوا من ذلك الذى حفظوه نصيباً عظيماً لذنوبهم، كما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية، وتلا هذه الآية. {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنهُم}: خائنة مصدر بوزن اسم الفاعل، أى خائنة، كما قال ابن عباس على معصية منهم، وذلك كمظاهرة المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقض عهده وهمهم بقتله بالصخرة والسم ونحو ذلك، ومنه همهم به اذ دخل حائطا لهم أعنى جناباً، وكما قرأ الأعمش على خيانة منهم، وذلك كالعاقبة العافية واللاغية، لا تسمع فيها لاغية. ويحتمل هذه الألفاظ الوصف، أى الفعل أو الخصلة العاقبة، أو العافية أو النفس اللاغية، أو للسان اللاغية، كما يحتمله لفظ خائنة، أى لا تزال تطلع على فرقة أو طائفة خائنة، أو نفس خائنة، ويجوز أن يكون خائنة للمفرد المذكر على أن التاء للمبالغة، أى انسان خائنة، أى عظيم الخيانة، أو كثيرها كما يقولون لكثير الرواية: فلان رواية للشعر قال الشاعر: شعر : حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مقل الأصبع تفسير : {إِلا قَلِيلاً مِّنهُم}: وهم من أسلم منهم كعبد الله بن سلام، فانه لا خيانة فيهم، وقيل: هذا استثناء من هاء لعنهم أو من هاء قلوبهم على القول بجواز الاستثناء من المضاف اليه، أو استثناء من قلوب، وعلى هذا يقدر مضاف أى الا قالوا قليلا. {فَأعفُ عَنهُم}: عن زلاتهم لا تنتقم منهم بها. {وَاصفَح}: أعرض عنهم، كأنهم لم يقصدوك بسوء، وهذا قبل الأمر بالقتال وبعده، أما قبله فظاهر، وأما بعده فلأن ظاهرهم أنهم على عهد جزية، وهذه مصلحة أمر الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم ليجلب بها الناس للاسلام، ولو كان من ظهر منه عذر يحل دمه، فيكون ذلك نقضاً لعهد الامام. وأيضا يجوز أن يكون المعنى لا تقتلهم انتقاماً لنفسك، بل لله، وليس هو ينتقم لنفسه أبداً، وقيل: ذلك الأمر بالقتال فنسخت بآية القتال، وبه قال قتادة. وقيل: نزلت فى قوم كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا فغدروا ونقضوا، فأمره الله أن يتركهم اذ لم ينصبوا حرباً ولم يمنعوا الجزية، وأباح الله للامام العدل أن يعفو فى مثل هذا بنظر الصلاح، فأمر نبيه به ارشاداً للمصلحة فى ذلك الوقت، وقيل: الهاء فى عنهم عائدة الى قوله: {قَلِيلاً} وقيل: الى اليهود مطلقاً على شرط أن تابوا وآمنوا أو عاهدوا والتزموا الجزية. {إِنَّ اللهَ يُحِبُ المُحسِنِينَ}: ولو الى المشركين بما يضر الدين، فكيف الى المؤمنين، وذلك تعليل لقوله: اعف عنهم واصفح.
اطفيش
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} ما صلة للتأْكيد أو نكرة تامة للتعظيم فبنقضهم بدلها والباءِ متعلق بلعن {ميِثَاقَهُمْ} عهدهم لله أَن لا يخالفوه وذلك أَنهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الأَنبياءَ وغيروا التوراة وضيعوا الفرائض وكتموا صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {لَعَنَّاهُمْ} أَبعدناهم عنا عقاباً بإِدخال النار والمسخ قردة وخنازير وضرب الجزية، فاللعن بمعنى التحقير المطلق فشمل ذلك، أَو من عموم المجاز فإِنه حقيقة فى الإِبعاد والإِبعاد ظاهر فى المسخ وقد فسره الحسن ومقاتل به، وابن عباس بالجزية وعطاء بمطلق الإِبعاد عن الرحمة {وَجعَلْنَا} به أَى بالنقض وحذف للعلم به لا على التنازع لتقدم المعمول {قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ممتنعة عن الإِيمان كما لا يتأَثر نحو الحجر بالغمز، وفى ذلك تلويح إلى تشبيهها بما ليس فيه لين الذهب والفضة كالنحاس يقال درهم قسى أَى زيف فضته صلبة رديئة ليست لينة والمغشوش فيه يبس وصلابة، وفسر الجعل بترك التوفيق وليست موفقه ثم سلب توفيقها، بل كقولك أَفسدت سيفك إِذا لم يحدث له فساد ولكن ترك معاهدته بالصقل، وكقولك جعلت أَظفارك سلاحك إِذا لم يقصها {يُحَرِّفُون الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} هذا بعض ما تضمنه قسوة القلب بل هو أَشده فإِن محرف كلام الله مشرك كاثم ماح لدين الله ألبته كاذب عن الله عز وجل، والكلام بعض التوراة غيروا ما فيها من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها بالمحو تارة وبتبديلها بضدها أخرى، وبتفسير بغير معناها، والمواضع معانيها ومحالها من التوراة التى وضعها الله عليها، والمضارع لحكاية الحال أَو للتجدد فإِنهم يحرفون أَيضاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل {ولا تزال تطلع} الخ {وَنَسَوُا} تركوا وحقيقته فى الزوال عن الحافظة، وذلك مبالغة لأَن الذهاب عن الحافظة أَشد إِهمالا مما حضر فيها وأعرض عنه. {حَظًّا} نصيبا عظيماً مما أمروا به فيها وهو صفاته على الله عليه وسلم والإِيمان به وغير ذلك {مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} أمروا به أَمراً يزيل الإِعراض والكسل لمن وفق، ويجوز إِبقاءِ النسيان على حقيقته فإِنهم لما حرفوا التوراة زال منها عن حفظهم أَشياء منها لا يعرفونها مع أَنها فيها، ولزوال أَسفار منها وفنائها بشؤم التحريف. قال ابن مسعود رضى الله عنه: قد ينسى المرءُ بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. وقال الشافعى: شعر : شكوت إِلى وكيع ســـوء حفظــــى فأَرشدنى إِلى تـــرك المعـــاصى وقال اعـــلــــم بـأَن الـــعلم نــــور ونـــور الله لا يعطـى لعــاصى تفسير : {وَلاَ تَزَالُ} يا محمد {تطَّلِعُ} تظهر {عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} على خيانة، من المصادر التى على وزن فاعلة كما هو وجه فى لاغية وعاقبة وعافية، أَو على طائفة خائنة اسم فاعل والتاء للتأْنيث، أَو على إِنسان خائنة أَى كثير الخيانة أَو عظيمها فهو اسم فاعل والتاء للمبالغة كما يقال فلان راوية أَى كثير الرواية، أَو فعله خائنة أَى ذات خيانة أَو نفس خائنة، ومن خيانتهم نقض الميثاق ومظاهرتهم قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب جهراً ويوم أُحد سرًا {إِلاَّ قلِيلاً} كعبد الله بن سلام {مِنْهُمْ} استثناء من الهاء فى منهم أَى إِلا قليلا لا نجد منهم خيانة وهذا واضح، أَو إِلا قليلا لا نجد منهم طائفة خائنة، فإِن صح هذا فقبيلة عبد الله بن سلام لا طائفة فيهم خائنة ولو بقوا على الكفر، وأما على تفسير خائنة بإِنسان كثير الخيانة أَو ما بعده فالاستثناء منقطع، أَو من هاء قلوبهم أَو واو يحرفون. {فَاعْفُ عَنْهُمْ} لا تعاقبهم {واصْفَحْ} لا تعاتبهم فقد بلغت إِليهم وأَمرتهم ونهيتهم، وذلك إِن تابوا وعاهدوا بالجزية وإِلا فلا تعف ولا تصفح بل اقتلهم واذممهم، أَو اعف واصفح فى حق نفسك واقتلهم وذمهم لحق الله فهو صلى الله عليه وسلم لا يأْخذ حقه لنفسه أَلا ترى أَنه عفا عمن سفه عليه، وفيها أَبحاث ضمنتها شرح نونية المديح، ويقال: لهذا نهى عن قتالهم ونسخ بآية السيف{أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 29] وقيل الهاء للقليل وقيل الآية على ظاهرها إِلا أَنه نسخت بقوله تعالى: {أية : وإِما تخافن من قوم خيانة فانبذ إِليهم على سواء} تفسير : [الأنفال: 58] {إِنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} فى حق الكفرة فكيف فى حق المؤمنين.
الالوسي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} أي بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا بشيء آخر استقلالاً وانضماماً، فالباء سببية، و (ما) مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس، أو بمعنى شيء كما قال أبو البقاء، والجار متعلق بقوله تعالى: {لَّعَنَّٰهُم} أي طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا عقوبة لهم ـ قاله عطاء وجماعة ـ وعن الحسن ومقاتل أن المعنى مسخناهم قردة وخنازير، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عذبناهم بضرب الجزية عليهم، ولا يخفى أن ما قاله عطاء أقرب إلى المعنى الحقيقي لأن حقيقة اللعن في اللغة الطرد والابعاد فاستعماله في المعنيين الأخيرين مجاز باستعماله في لازم معناه، وهو الحقارة بما ذكر لكنه لا قرينة في الكلام عليه، وتخصيص البيان بما ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق [نفس] اللعن والنقض بأن يقال مثلاً: فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة ـ كما قال شيخ الإسلام ـ للإيذان بأن تحققهما أمر جلي غني عن البيان، وإنما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من السببية والمسببية. {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةً} يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تلين ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ. وقيل: المراد سلبناهم التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى ـ ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ـ وهذا كما تقول لغيرك: أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدىء، وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها، وقال الجبائي المعنى: بينا عن حال قلوبهم وما هي عليه من القساوة وحكمنا بأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم موعظة، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وما دعا إليه إلا الاعتزال، وقرأ حمزة والكسائي (قسية)، وهي إما مبالغة قاسية لكونه على وزن فعيل، أو بمعنى ردية من قولهم: درهم قسى إذا كان مغشوشاً، وهو أيضاً من القسوة، فإن المغشوش فيه يبس وصلابة، وقيل: إن قسى غير عربي بل معرب، وقرىء، ـ قسية ـ بكسر القاف للاتباع. {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم فإنه لا مرتبة أعظم مما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام رب العالمين والافتراء عليه عز وجل، والتعبير بالمضارع للحكاية واستحضار الصورة، وللدلالة على التجدد والاستمرار، وجوز أن يكون حالا من مفعول {لَعنَّـٰهُمْ}، أو من المضاف إليه في قلوبهم وضعف بما ضعف، وجعله حالا من القلوب، أو من ضميره في {قَاسِيَةً} كما قيل، لا يصح لعدم العائد منه إلى ذي الحال، وجعل القلوب بمعنى أصحابها مما لا يلتفت إليه أصحابها {وَنَسُواْ حَظَّا} أي وتركوا نصيباً وافياً، واستعمال النسيان بهذا المعنى كثير {مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ} من التوراة أو مما أمروا به فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، / وقيل: حرفوا التوراة فسقطت بشؤم ذلك أشياء منها عن حفظهم، وأخرج ابن المبارك وأحمد في «الزهد» عن ابن مسعود قال: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها، وفي معنى ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه:شعر : شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي تفسير : {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ} أي خيانة كما قرىء به على أنها مصدر على وزن فاعلة ـ كالكاذبة، واللاغية ـ أو فعلة خائنة أي ذات خيانة، وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو فرقة خائنة، أو نفس خائنة، أو شخص خائنة على أنه وصف، والتاء للمبالغة لكنها في فاعل قليلة، و {مِنْهُمْ} متعلق بمحذوف وقع صفة لها، خلا أن ـ من ـ على الوجهين الأولين ابتدائية أي على خيانة، أو فعلة ذات خيانة كائنة منهم صادرة عنهم، وعلى الأوجه الأخر تبعيضية، والمعنى إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم كما يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} استثناء من الضمير المجرور في {مِنْهُمْ}؛ والمراد بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه الذين نصحوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجعله بعضهم استثناء من {خَائِنَةَ} على الوجه الثاني، فالمراد بالقليل الفعل القليل و {مِنْ} ابتدائية كما مر أي إلا فعلا قليلاً كائناً منهم، وقيل: الاستثناء من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} أي إذا تابوا أو بذلوا الجزية ـ كما روي عن الحسن وجعفر بن مبشر ـ واختاره الطبري، فضمير {عَنْهُمْ} راجع إلى ما رجع إليه نظائره، وعن أبي مسلم أنه عائد على القليل المستثنى أي فاعف عنهم ما داموا على عهدك ولم يخونوك، وعلى القولين فالآية محكمة، وقيل: الضمير عائد على ما اختاره الطبري، وهي مطلقة إلا أنها نسخت بقوله تعالى: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 29] الآية. وروي ذلك عن قتادة، وعن الجبائي أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاء} تفسير : [الأنفال: 58] {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تعليل للأمر وحث على الامتثال وتنبيه على أن العفو على الإطلاق من باب الإحسان. هذا ومن باب الإشارة في الآيات {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} أمر بالتطهير لمن أراد الوقوف بين يدي الملك الكبير جل شأنه وعظم سلطانه، وبدأ بالوجه ـ لأنه سبحانه وتعالى نقشه بنقش خاتم صفاته، وفي «الفتوحات» ((لا خلاف في أن غسل الوجه فرض وحكمه في الباطن المراقبة والحياء من الله تعالى مطلقاً، ثم اختلف الحكم في الظاهر في أن تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع: منها البياض الذي بين العذار والأذن، والثاني: ما سدل من اللحية، والثالث: تخليل اللحية، فأما البياض المذكور فمن قائل: إنه من الوجه، ومن قائل: إنه ليس من الوجه، وأما ما انسدل من اللحية فمن قائل: بوجوب إمرار الماء عليه، ومن قائل: بأنه لا يجب، وكذلك تخليل اللحية، فمن قائل: بوجوبه، ومن قائل: بأنه لا يجب، وحكم ذلك في الباطن أما غسل الوجه مطلقاً من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن فيه ما هو فرض، وفيه ما هو ليس بفرض، فأما الفرض فالحياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وأما السنة / منه فالحياء من الله تعالى أن تنظر إلى عورتك أو عورة امرأتك، وإن كان ذلك قد أبيح لك، ولكن استعمال الحياء فيها أفضل وأولى فما يتعين منه فهو فرض عليك، وما لا يتعين ففعلته فهو سنة واستحباب، فيراقب الإنسان أفعاله ظاهراً وباطناً، ويراقب ربه في باطنه، فإن وجه قلبه هو المعتبر، ووجه الإنسان على الحقيقة ذاته يقال: وجه الشيء أي حقيقته وعينه وذاته، فالحياء خير كله، و ـ الحياء من الإيمان ـ ولا يأتي إلا بخير، وأما البياض الذي بين العذار والأذن، وهو الحد الفاصل بين الوجه والأذن فهو الحد بين ما كلف الإنسان من العمل في وجهه والعمل في سماعه، فالعمل في ذلك إدخال الحدّ في المحدود، فالأولى بالإنسان أن يصرف حياءه في سمعه كما صرفه في بصره، فكما أن الحياء غض البصر كما قال تعالى: {أية : قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ} تفسير : [النور: 30] كذلك يلزم الحياء من الله تعالى أن لا يسمع ما لا يحل له من غيبة؛ وسوء قول من متكلم بما لا ينبغي فإن ذلك البياض هو بين العذار والأذن ـ وهو محل الشبهة ـ وهو أن يقول: أصغيت إليه لأرد عليه، وهذا معنى العذار فإنه من العذر أي الإنسان يعتذر إذا قيل له: لم أصغيت إلى هذا القول بأذنك؟ فيقول: إني أردت أن أحقق سماع ما قال حتى أنهاه عنه، فكنى عنه بالعذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غسله، ومن لم ير وجوب ذلك إن شاء غسل وإن شاء ترك، وأما غسل ما استرسل من اللحية وتخليلها فهي الأمور العوارض، فإن اللحية شيء يعرض في الوجه وليست من أصله، فكل ما يعرض لك في وجه ذلك من المسائل فأنت فيها بحكم ذلك العارض، فإن تعين عليك طهارة ذلك العارض فهو قول من يقول بوجوب غسله، وإن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحباباً أو تركته لكونه ما تعين عليك فهو قول من لم يقل بوجوب الطهارة فيه، وقد بين أن حكم الباطن يخالف الظاهر بأن فيه وجهاً إلى الفريضة، ووجها إلى السنة والاستحباب، فالفرض من ذلك لا بد من إتيانه، وغير الفرض عمله أولى من تركه، وذلك سار في جميع العبادات)) انتهى. وقال بعض العارفين: هذا خطاب للمؤمنين بالإيمان العلمي إذا قاموا عن نوم الغفلة وقصدوا صلاة الحضور والمناجاة الحقيقية والتوجه إلى الحق أن يطهروا وجوه قواهم بماء العلم النافع الطاهر المطهر من علم الشرائع والأخلاق والمعاملات الذي يتعلق بإزالة الموانع عن لوث صفات النفس، وأول هذا الأيدي في قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ} بالقوى والقدر أي طهروا أيضاً قواكم وقدركم عن دنس تناول الشهوات والتصرفات في مواد الرجس {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} أي قدر الحقوق والمنافع، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: ((أجمع الناس على غسل اليدين والذراعين، واختلفوا في إدخال المرافق في هذا الغسل، فمن قائل: بوجوب إدخالهما، ومن قائل: بعدم الوجوب، لكن لم ينازع بالاستحباب، وحكم الباطن في ذلك أن غسل اليدين والذراعين إشارة إلى غسلهما بالكرم والجود والسخاء والهبات والاعتصام والتوكل، فإن هذا وشبهه من نعوت اليدين والمعاصم للمناسبة، بقي غسل المرافق وهي رؤية الأسباب التي يرتفق العبد ويأنس بها لنفسه، فمن رأى إدخال المرافق في نفسه رأى أن الأسباب إنما وضعها الله تعالى حكمة منه في خلقه فلا يرد أن تعطل حكمة الله تعالى لا على طريق الاعتماد عليها فإن ذلك يقدح في اعتماده على الله تعالى، ومن رأى عدم إيجابها في الغسل رأى سكون النفس إلى الأسباب، وأنه لا يخلص له مقام الاعتماد على الله تعالى مع وجود رؤية الأسباب، وكل من يقول: بأنه لا يجب غسلها يقول: يستحب كذلك رؤية الأسباب مستحبة عند الجميع وإن اختلفت أحكامهم فيها، فإن الله تعالى ربط الحكمة في وجودها)). {وَٱمْسَحُواْ بِرُءُوْسِكُمْ} قال بعض العارفين: أي بجهات أرواحكم عن قتام كدورة القلب وغبار تغيره بالتوجه / إلى العالم السفلي ومحبة الدنيا بنور الهدى، فإن الروح لا يتكدر بالتعلق بل يحتجب نوره عن القلب فيسود القلب ويظلم ويكفي في انتشار نوره صقل الوجه العالي الذي يتوجه إليه، فإن القلب ذو وجهين: أحدهما: إلى الروح ـ والرأس ـ هنا إشارة إليه، والثاني: إلى النفس وقواها، وأحرى ـ بالرجل ـ أن تكون إشارة إليه. وقال الشيخ الأكبر قدس الله سره بعد أن بين اختلاف العلماء في القدر الذي يجب مسحه: ((وأما حكم مسح الرأس في الباطن فأصله من الرياسة وهي العلو والارتفاع، ولما كان أعلا ما في البدن في ظاهر العين وجميع البدن تحته سمي رأساً، فإن الرئيس فوق المرؤوس وله جهة فوق، وقد وصف الله تعالى نفسه بالفوقية على عباده بصفة القهر، فقال سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 18] فكان الرأس أقرب عضو في الجسد إلى الحق تعالى لمناسبة الفوقية، ثم له الشرف الآخر في المعنى الذي به رأس على البدن كله، وهو أنه محل جميع القوى كلها الحسية والمعنوية، فلما كانت له هذه الرياسة من هذه الجهة سمي رأساً، ثم إن العقل الذي جعله الله تعالى أشرف ما في الإنسان جعل محله اليافوخ وهو أعلى موضع في الرأس فجعله سبحانه مما يلي جانب الفوقية، ولما كان محلا لجميع القوى الظاهرة والباطنة ولكل قوة حكم وسلطان وفخر يورثها ذلك عزة على غيرها، وكان محل هذه القوى من الرأس مختلفة فعمت الرأس كله وجب مسح كله في هذه العبارة لهذه الرياسة السارية فيه كله من جهة هذه القوى بالتواضع والاقناع، فيكون لكل قوة مسح مخصوص من مناسبة دعواها، وهذا ملحظ من يرى وجوب مسح جميع الرأس؛ ومن رأى تفاوت القوى بالرياسة فإن القوة المصورة مثلاً لها سلطان على القوة الخيالية فهي الرئيسة عليها، وإن كانت للقوة الخيالية رياسة قال: الواجب عليه مسح بعض الرأس وهو المقسم بالأعلى، ثم اختلفوا في هذا البعض، فكل عارف قال بحسب ما أعطاه الله تعالى من الإدراك في مراتب هذه القوة فيمسح بحسب ما يرى، ومعنى المسح هو التذلل وإزالة الكبرياء والشموخ بالتواضع والعبودية لأن المتوضىء بصدد مناجاة ربه وطلب وصلته، والعزيز الرئيس إذا دخل على من ولاه تلك العزة ينعزل عن عزته ورياسته بعز من دخل عليه فيقف بين يديه وقوف العبيد في محل الإذلال لا بصفة الإدلال فمن غلب على خاطره رياسة بعض القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي تطلب بهذه العبادة ولهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من علامات الفراق، فترى الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه، وتفصيل رياسات القوى معلوم عند أهل هذا الشأن، وأما التبعيض في اليد الممسوح بها، واختلافهم في ذلك فاعمل فيه كما تعمل في الممسوح سواء، فإن المزيل لهذه الرياسة أسباب مختلفة في القدرة على ذلك، ومحل ذلك اليد، فمن مزيل بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب إلى آخر ما قال)): {وَأَرْجُلَكُمْ} أشير بها إلى القوى الطبيعية البدنية المنهمكة في الشهوات والإفراط باللذات، وغسلها بماء علم الأخلاق وعلم الرياضيات حتى ترجع إلى الصفاء الذي يستعد به القلب للحضور والمناجاة. وفي «الفتوحات» ((اختلفوا في صفة طهارتها بعد الاتفاق على أنها من أعضاء الوضوء هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما؟ ومذهبنا التخيير، والجمع أولى، وما من قول إلا وبه قائل، والمسح بظاهر الكتاب، والغسل بالسنة، ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها، وأما حكم ذلك في الباطن فاعلم أن السعي إلى الجماعات وكثرة الخطا إلى المساجد والثبات يوم الزحف مما تطهر به الأقدام فلتكن طهارة / رجليك بما ذكرناه وأمثاله، ولا تتمثل بالنميمة بين الناس ولا تمش مرحاً واقصد في مشيك واغضض من صوتك، ومن هذا ما هو فرض بمنزلة المرة الواحدة في غسل عضو الوضوء الرجل وغيره، ومنه ما هو سنة وهو ما زاد على الفرض، وهو مشيك فيما ندبك الشرع إليه وما أوجبه عليك، فالواجب عليك نقل الأقدام إلى مصلاك، والمندوب والمستحب والسنة وما شئت فقل من ذلك نقل الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد، فإن ذلك ليس بواجب فإن كان الواجب من ذلك عند بعض الناس مسجداً لا بعينه وجماعة لا بعينها فعلى هذا يكون غسل رجليك في الباطن من طريق المعنى، واعلم أن الغسل يتضمن المسح فمن غسل فقد أدرج المسح فيه كاندراج نور الكواكب في نور الشمس، ومن مسح لم يغسل إلا في مذهب من يرى، وينقل عن العرب أن المسح لغة في الغسل فيكون من الألفاظ المترادفة، والصحيح في المعنى في حكم الباطن أن يستعمل المسح فيما يقتضي الخصوص من الأعمال، والغسل فيما يقتضي العموم، ولهذا كان مذهبنا التخيير بحسب الوقت، فإن الشخص قد يسعى لفضيلة خاصة في حاجة شخص بعينه فذلك بمنزلة المسح، وقد يسعى للملك في حاجة تعم الرعية فيدخل ذلك الشخص في هذا العموم فذلك بمنزلة الغسل الذي اندرج فيه المسح)) انتهى. {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} الجنابة غربة العبد عن موطنه الذي يستحقه، وليس إلا العبودية وتغريب صفة ربانية عن موطنها وكل ذلك يوجب التطهير، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} الخ قد تقدم نظيره. وفي «الفتوحات» ((اختلف في حد الأيدي المذكورة في هذه الطهارة، فمن قائل: حدها مثل حدها في الوضوء ومن قائل: هو الكف فقط ـ وبه أقول ـ ومن قائل: إن الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان، ومن قائل: إن الفرض إلى المناكب، والاعتبار في ذلك أنه لما كان التراب في الأرض أصل نشأة الإنسان وهو تحقيق عبوديته وذلته أمر بطهارة نفسه من التكبر بالتراب، وهو حقيقة عبوديته ويكون ذلك بنظره في أصل خلقه، ولما كان من جملة ما يدعيه الاقتدار والعطاء مع أنه مجبول على العجز والبخل، وهذه الصفات من صفات الأيدي قيل له عند هذه الدعوة ورؤية نفسه في الاقتدار الظاهر منه، والكرم والعطاء: طهر نفسك من هذه الصفة بنظرك فيما جبلت عليه من ضعفك ومن بخلك فقد قال تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ} تفسير : [الروم: 54] {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} تفسير : [الحشر: 9] {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً} تفسير : [المعارج: 21] فإذا نظر إلى هذا الأصل زكت نفسه وتطهرت من الدعوى، واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد للتيمم، فمن قائل: واحدة، ومن قائل: اثنتان، والقائلون بذلك، منهم من قال: ضربة للوجه وضربة لليدين، ومنهم من قال: ضربتان لليد وضربتان للوجه، ومذهبنا أنه من ضرب واحدة أجزأه، ومن ضرب اثنتين اجزأه وحديث الضربة الواحدة أثبت، والاعتبار في ذلك التوجه إلى ما يكون به هذه الطهارة، فمن غلب التوحيد في الأفعال قال: بالضربة الواحدة، ومن غلب حكم السبب الذي وضعه الله تعالى ونسب الفعل إلى الله تعالى مع تعريته عنه مثل قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات: 96] فأثبت ونفى قال: بالضربتين ومن قال: إن ذلك في كل فعل قال: بالضربتين لكل عضو)) انتهى. وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في أنواع الطهارة وأتى فيه بالعجب العجاب. {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ} أي من ضيق ومشقة بكثرة المجاهدات {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ} من الصفات الخبيثة، وعن سهل: الطهارة على سبعة أوجه: طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة اليقين من الشك وطهارة العقل من الحمق وطهارة الظن من التهمة وطهارة الإيمان مما دونه وطهارة القلب من / الإرادات، وقال: إسباغ طهارة الظاهر تورث طهارة الباطن، وإتمام الصلاة يورث الفهم عن الله تعالى، والطهارة تكون في أشياء: في صفاء المطعم ومباينة الأنام وصدق اللسان وخشوع السر، وكل واحد من هذه الأربع مقابل لما أمر الله تعالى بتطهيره وغسله من الأعضاء الظاهرة. وقال ابن عطاء: البواطن مواضع نظر الحق سبحانه فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم»تفسير : ، فموضع نظر الحق جل وعلا أحق بالطهارة، وذلك إنما يكون بإزالة أنواع الخيانات والمخالفات وفنون الوساوس والغش والحقد والرياء والسمعة وغير ذلك من المناهي، وليس شيء على العارفين أشد من جمع الهم وطهارة السر، وفي إضافة التطهير إليه تعالى ما لا يخفى من اللطف {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} بالتكميل، وقال بعض العارفين: إتمام النعمة لقوم نجاتهم بتقواهم، وعلى آخرين نجاتهم عن تقواهم فشتان بين قوم وقوم و {أية : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [المائدة: 6] نعمة الكمال بالاستقامة والقيام بحق العدالة عند البقاء بعد الفناء {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالهداية إلى طريق الوصول إليه، {وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ} وهو عقود عزائمه المذكورة {أية : إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [المائدة: 7] أي إذا قبلتموها من معدن النبوة بصفاء الفطرة، وقال بعضهم: المراد بنعمة الله تعالى هدايته سبحانه السابقة في الأزل لأهل السعادة، وبالميثاق الميثاق الذي واثق الله تعالى به عباده أن لا يشتغلوا بغيره عنه سبحانه، وقال أبو عثمان: النعم كثيرة وأجلها المعرفة به سبحانه، والمواثيق كثيرة وأجلها الإيمان {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} أي من قوى نفوسكم المحجوبة وصفاتها {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بالاستيلاء والقهر لتحصيل مآربها وملاذها {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي فمنعها عنكم بما أراكم من طريق التطهير والتنزيه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} واجعلوه سبحانه وقاية في قهرها ومنعها {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المائدة: 11] برؤية الأفعال كلها منه عز وجل. {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} وهم في الأنفس الحواس الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة والقوة العاقلة النظرية والقوة العملية، وذكر غير واحد من ساداتنا الصوفية أن النقباء أحد أنواع: الأولياء: نفعنا الله تعالى ببركاتهم، ففي «الفتوحات»: ومنهم النقباء وهم إثنا عشر نقيباً في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون على عدد بروج الفلك الإثنى عشر برجاً، كل نقيب عالم بخاصية كل برج، وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات، وما يعطى للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت، فإن للثوابت حركات وقطعاً في البروج لا يشعر به في الحس لأنه لا يظهر ذلك إلا في آلاف من السنين، وأعمار الرصد تقصر عن مشاهدة ذلك؛ واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها ومعرفة مكرها وخداعها، وإبليس مكشوف عندهم يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقي مثل العلماء بالآثار والقيافة، وبالديار المصرية منهم كثير يخرجون الأثر في الصخور، وإذا رأوا شخصاً يقولون: هذا الشخص هو صاحب ذلك الأثر وليسوا بأولياء، فما ظنك بما يعطيه الله تعالى لهؤلاء النقباء من علوم الآثار؟ انتهى. وقد عد الشيخ قدس سره فيها أنواعاً كثيرة، والسلفيون ينكرون أكثر تلك الأسماء، ففي بعض «فتاوي ابن تيمية»، وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة والأوتاد الأربعة / والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين والنجباء الثلثمائة، فهي ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبـي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن فيهم ـ يعني أهل الشام ـ الأبدال أربعين رجلاً كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلاً» ولا توجد أيضاً في كلام السلف انتهى، وأنا أقول:شعر : وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ} تعالى {إِنّى مَعَكُمْ} بالتوفيق والإعانة {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ} وتحليتم بالعبادات البدنية {وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَٰوةَ} وتخليتم عن الصفات الذميمة من البخل والشح فزهدتم وآثرتم {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي} جميعهم من العقل والإلهامات والأفكار الصائبة والخواطر الصادقة من الروح والقلب وإمداد الملكوت {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي وعظمتموهم بأن سلطتموهم على شياطين الوهم وقويتموهم ومنعتموهم من الوساوس وإلقاء الوهميات والخيالات والخواطر النفسانية {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} بأن تبرأتم من الحول والقوة والعلم والقدرة، وأسندتم كل ذلك إليه عز شأنه، بل ومن الأفعال والصفات جميعها، بل ومن الذات بالمحو والفناء وإسلامها إلى باريها جل وعلا {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} التي هي الحجب والموانع لكم {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ} مما عندي {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وهي أنهار علوم التوكل والرضاء والتسليم والتوحيد، وتجليات الأفعال والصفات والذات {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ} العهد وبعث النقباء منكم {أية : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 12] وهلك مع الهالكين {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} الذي وثقوه {لَعنَّـٰهُمْ} وطردناهم عن الحضرة {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} باستيلاء صفات النفس عليها وميلها إلى الأمور الأرضية {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} حيث حجبوا عن أنوار الملكوت والجبروت التي هي كلمات الله تعالى واستبدلوا قوى أنفسهم بها واستعملوا وهمياتهم وخيالاتهم بدل حقائقها {وَنَسُواْ حَظَّا} نصيباً وافراً {مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ} في العهد اللاحق وهو ما أوتوه في العهد السابق من الكمالات الكامنة في استعداداتهم الموجودة فيها بالقوة {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ} من نقض عهد ومنع أمانة لاستيلاء شيطان النفس عليهم وقساوة قلوبهم {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} وهو من جره استعداده إلى ما فيه صلاحه {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] إلى عباده باللطف والمعاملة الحسنة جعلنا الله تعالى وإياكم من المحسنين.
ابن عاشور
تفسير : قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم} قد تقدّم الكلام على نظيره في قوله تعالى: {أية : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرِهم}تفسير : [النساء: 155]، وقوله: {أية : فبظلم من الّذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات} تفسير : في سورة النّساء (160). واللعن هو الإبعاد، والمراد هنا الإبعادُ من رحمة الله تعالى ومن هديه إذ استوجبوا غضب الله لأجل نقض الميثاق. {وجَعلنا قلوبهم قاسية} قساوة القلب مجاز، إذْ أصلها الصلابة والشدّة، فاستعيرت لعدم تأثّر القلوب بالمواعظ والنذر. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك}تفسير : [البقرة: 74]. وقرأ الجمهور: {قاسية} ـــ بصيغة اسم الفاعل ـــ. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: {قَسِيَّة} فيكون بوزن فَعِيلة من قَسَا يَقْسو. وجملة {يُحرّفون الكَلِم عن مواضعه} استئناف أو حال من ضمير {لَعنّاهم}. والتحريف: الميل بالشيء إلى الحرف، والحرف هو الجانب. وقد كثر في كلام العرب استعارة معاني السير وما يتعلّق به إلى معاني العمل والهُدى وضدّه؛ فمن ذلك قولهم: السلوك، والسيرة؛ والسعي؛ ومن ذلك قولهم: الصراط المستقيم، وصراطاً سوياً، وسواء السبيل، وجادّة الطريق، والطريقة الواضحة، وسواء الطريق؛ وفي عكس ذلك قالوا: المراوغة، والانحراف، وقالوا: بنيَّات الطريق، ويعْبُد الله على حرف، ويشعِّبُ الأمور. وكذلك ما هنا، أي يعدلون بالكلم النبويّة عن مواضعها فيسيرون بها في غير مسالكها، وهو تبديل معاني كتبهم السماوية. وهذا التحريف يكون غالباً بسوء التأويل اتّباعاً للهوى، ويكون بكتمان أحكام كثيرة مجاراة لأهواة العامّة، قيل: ويكون بتبديل ألفاظ كتبهم. وعن ابن عبّاس: ما يدلّ على أنّ التحريف فساد التأويل. وقد تقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى: {أية : من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه}تفسير : في سورة النساء (46). وجيء بالمضارع للدلالة على استمرارهم. وجملة {ونسوا حظّاً} معطوفة على جملة {يحرّفون}. والنسيان مراد به الإهمال المفضي إلى النسيان غالباً. وعبّر عنه بالفعل الماضي لأنّ النسيان لا يتجدّد، فإذا حصل مضى، حتّى يُذكّره مُذكِّر. وهو وإن كان مراداً به الإهمال فإنّ في صوغه بصيغة الماضي ترشيحاً للاستعارة أو الكناية لتهاونهم بالذكرى. والحظّ النصيب، وتنكيره هنا للتعظيم أو التكثير بقرينة الذمّ. وما ذكّروا به هو التّوراة. وقد جمعت الآية من الدلائل على قلّة اكتراثهم بالدّين ورقّة اتِّباعهم ثلاثة أصول من ذلك: وهي التعمّد إلى نقض ما عاهدوا عليه من الامتثال، والغرور بسوء التأويل، والنسيان الناشىءُ عن قلّة تعهّد الدّين وقلّة الاهتمام به. والمقصود من هذا أن نعتبر بحالهم ونتّعظ من الوقوع في مثلها. وقد حاط علماء الإسلام ـــ رضي الله عنهم ـــ هذا الدّين من كلّ مسارب التحريف، فميّزوا الأحكام المنصوصة والمقيسة ووضعوا ألقاباً للتمييز بينها، ولذلك قالوا في الحكم الثابت بالقياس: يجوز أن يقال: هو دين الله، ولا يجوز أن يُقال: قاله الله. وقوله: {ولا تزال تطّلع على خائنة منهم} انتقال من ذكر نقضهم لعهد الله إلى خيسهم بعهدهم مع النّبيء صلى الله عليه وسلم وفِعل {لا تزال} يدلّ على استمرار، لأنّ المضارع للدلالة على استمرار الفعل لأنّه في قوة أن يقال: يدوم اطّلاعك. فالاطّلاع مجاز مشهور في العلم بالأمر، والاطّلاع هنا كناية عن المطّلع عليه، أي لا يزالون يخونون فتطّلع على خيانتهم. والاطّلاع افتعال من طَلع. والطلوع: الصعود. وصيغة الافتعال فيه لمجرّد المبالغة، إذ ليس فعله متعدّياً حتّى يصاغ له مطاوع، فاطّلع بمنزلة تطّلع، أي تكلّف الطلوع لقصد الإشراف. والمعنى: ولا تزال تكشف وتشاهد خائنة منهم. والخائنة: الخيانة فهو مصدر على وزن الفاعلة، كالعاقبة، والطاغية. ومنه {أية : يعلم خائنة الأعين}تفسير : [غافر: 19]. وأصْل الخيانة: عدم الوفاء بالعهد، ولعلّ أصلها إظهار خلاف الباطن. وقيل: {خائنة} صفة لمحذوف، أي فرقة خائنة. واستثنى قليلاً منهم جُبلوا على الوفاء، وقد نقض يهود المدينة عهدهم مع رسول الله والمسلمين فظاهروا المشركين في وقعة الأحزاب، قال تعالى: {أية : وأنزَل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم}تفسير : [الأحزاب: 26]. وأمْره بالعفو عنهم والصفح حمل على مكارم الأخلاق، وذلك فيما يرجع إلى سوء معاملتهم للنّبيء صلى الله عليه وسلم وليس المقام مقام ذكر المناواة القومية أو الدّينية، فلا يعارض هذا قوله في براءة {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}تفسير : [التوبة: 29] لأنّ تلك أحكام التصرّفات العامّة، فلا حاجة إلى القول بأنّ هذه الآية نسخت بآية براءة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نقض الميثاق: حله بعدم الالتزام بما تضمنه من أمر ونهي. لعنّاهم: طردناهم من موجبات الرحمة ومقتضيات العز والكمال. يحرفون الكلم: يبدلون الكلام ويؤولون معانيه لأغراض فاسدة، والكلم من الكلام. ونسوا حظاً مما ذكروا: تركوا قسطاً كبيراً مما ذكرهم الله تعالى به أي أمرهم به في كتابهم. خائنة: خيانة أو طائفة خائنة منهم. فاعف عنهم واصفح: أي لا تؤاخذهم واصرف وجهك عنهم محسناً إليهم بذلك. إنا نصارى: أي ابتدعوا بدعة النصرانية فقالوا إنا نصارى. أغرينا بينهم العداوة: الإِغراء: التحريش والمراد أوجدنا لهم أسباب الفرقة والخلاف إلى يوم القيامة بتدبيرنا الخاص فهم أعداء لبعضهم البعض أبداً. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان خبث اليهود وغدرهم فقد أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة [13] أن اليهود الذين أخذ الله ميثاقهم على عهد موسى عليه السلام بأن يعملوا بما في التوراة وأن يقابلوا الكنعانيين ويخرجوهم من أرض القدس وبعث منهم أثني عشر نقيباً قد نكثوا عهدهم ونقضوا ميثاقهم، وإنه لذلك لعنهم وجعل قلوبهم قاسية فهم يحرفون الكلم عن مواضعه فقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم} أي فبنقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة ويطيعوا رسولهم {لَعنَّاهُمْ} أي أبعدناهم من دائرة الرحمة وأفناء الخير والسلام {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} شديدة غليظة لا ترق لموعظة، ولا تلين لقبول هدى {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} فيقدمون ويأخرون ويحذفون بعض الكلام ويؤولون معانيه لتوافق أهواءهم، ومن ذلك تأويلهم الآيات الدالة على نبوة كل من عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في التوراة {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} وتركوا كثيراً مما أمروا به من الشرائع والأحكام معرضين عنها متناسين لها كأنهم لم يؤمرو بها، فهل يستغرب ممن كان هذا حالهم الغدر والنقض والخيانة، ولا تزال يا رسولنا {تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} أي على طائفة خائنة منهم كخيانة بني النضير {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} فإنهم لا يخونون كعبد الله بن سلام وغيره، وبناء على هذا {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} فلا تؤاخذهم بالقتل، {وَٱصْفَحْ} عنهم فلا تتعرض لمكروههم فأحسن إليهم بذلك {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [13] أما الآية الثانية [14] في هذا السياق فقد أخبر تعالى عن النصارى وأن حالهم كحال اليهود لا تختلف كثيراً عنهم فقد أخذنا ميثاقهم على الإيمان بي وبرسلي وبالعمل بشرعي فتركوا متناسين كثيراً مما أخذ عليهم العهد والميثاق فيه، فكان أن أغرينا بينهم العداوة والبغضاء كثمرة لنقضهم الميثاق فتعصبت كل طائفة لرأيها فثارت بينهم الخصومات وكثر الجدل فنشأ عن ذلك العداوات والبغضاء وستستمر إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله تعالى بما كانوا يصنعون من الباطل والشر والفساد ويجازيهم به الجزاء الموافق لخبث أرواحهم وسوء أعمالهم فإن ربك عزيز حكيم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة نقض المواثيق ونكث العهود ولا سيما كان بين العبد وربه. 2- الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود فقل من سلم منهم من هذا الوصف. 3- استحباب العفو عند القدرة، وهو من خلال الصالحين. 4- حال النصارى لا تختلف كثيراً عن حال اليهود كأنهم شربوا من ماء واحد. وعليه فلا يستغرب منهم الشر ولا يؤمنون على سر فهم في عداوة الإِسلام والحرب عليه متعاونون متواصون.
د. أسعد حومد
تفسير : {مِّيثَاقَهُمْ} {لَعنَّاهُمْ} {قَاسِيَةً} {خَائِنَةٍ} (13) - فَبِسَبَبَ نَقْضِهِم المِيثَاقَ الذِي أخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ (وَمِنْهُ الإِيمَانُ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللهُ، وَنَصْرُهُ وَتَبْجيلُهُ) اسْتَحَقُّوا مَقْتَ اللهِ وَغَضَبَهُ، حَتَّى قَتَلُوا الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَافْتَرَوا عَلَى مَرْيَمَ، وَأَسَاؤُوا إلى عِيسَى، الذِي جَاءَ لإِصْلاَحِ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَمَعَاصٍ جَعَلَ اللهُ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً، فَلاَ يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ لِغِلْظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَسْوَتِها، وَجَعَلَ أَفْهَامَهُمْ فَاسِدَةً فَسَاءَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ فِي آيَاتِ اللهِ، فَأخَذُوا فِي تَحْرِيفِها وَتَأوِيلِها عَلَى غَيْرِ مَا أنْزِلَتْ لَهُ، وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ المُرَادِ مِنْهَا (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وَتَرَكُوا العَمَلَ بِهَا رَغْبَةً عَنْهَا (نَسُوْا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)، وَلاَ تَزَالُ تَكْتَشِفُ مِنْ أكْثَرِهِمْ غَدْراً وَمَكْراً بِكَ وَبِأصْحَابِكَ (تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ)، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، وَهذا هُوَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَفِيهِ تَألُّفٌ لِقُلُوبِهِمْ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهُمْ إلَى الحَقِّ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى - وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ - هُوَ أنَّهُمْ نَسُوا الكِتَابَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ). يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ - يُؤَوِّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أنْزِلَ بِهِ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى غَيْرِ المَعْنَى المَقْصُودِ بِهِ. تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ - تَكْشِفُ مِنْهُمْ عَيْنَ غَدْرٍ وَخِيَانَةٍ. نَسُوا حَظّاً - تَرَكُوا نَصِيباً وَافِراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة يقول الحق: "ميثاقاً" فالميثاق يتطلب الوفاء. فهل وفوا بهذا الميثاق؟. لا، لقد نقضوا المواثيق فلعنهم الله. واللعن هو الطرد والإبعاد، والحق في ذلك يقول: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} أي بسبب نقضهم الميثاق لعنهم الله. لقد أثار وجود "ما" هنا بعض التفسيرات، فهناك من العلماء من قال: إنها زائدة، وهناك آخرون قالوا: إنها "صلة". ولكن الزيادة تكون عند البشر لا عند الله. ولا يمكن أن يكون بالقرآن شيء زائد؛ لأن كل كلمة في القرآن جاءت لمقتضى حال يحتم أن تكون في هذا الموضع. فها هوذا الحق يخبرنا بما وصى به لقمان ابنه: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17] وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] في الآية الأولى لم يورد "اللام" لتسبق "مِن"، وفي الآية الثانية أورد "اللام" لتسبق "مِن"، وليس ذلك من قبيل التفنن في العبارات، فقوله: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} دعوة للصبر على مصيبة ليس للإنسان غريم فيها، كالمرض، أو موت أحد الأقارب، وهذه الدعوة للصبر تأتي هنا كعزاء وتسلية، أما قوله الحق: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} فالدعوة للصبر هنا مع الغفران تقتضي وجود غريم يسبب للإنسان كارثة. هنا يطلب الله من المؤمن أن يغفر لمن أصابه وأن يصبر. ومادام هناك غريم؛ فالنفس تكون متعلقة بالانتقام، وهذا موقف يحتاج إلى جرعة تأكيدية أكثر من الولى؛ فليس في الموقف الأول غريم واضح يُطلب منه الانتقام، أما وجود غريم فهو يحرك في النفس شهوة الانتقام، ولذلك يؤكدها الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}. ويقول سبحانه في موقع آخر: {أية : مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ} تفسير : [المائدة: 19] وعندما يقوم النحاة بإعراب "بشير" فهم يقولون: "إنها فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. إنه التفاف طويل، ولا يوجد حرف زائد، فالإنسان يقول: ما عندي مال. وهذا القائل قد يقصد أنه لا يملك إلا القليل من المال لا يعتد به. وعندما يقول الإنسان "ما عندي من مال" فـ "من" هنا تعني أنه لا يملك أي مالٍ من بداية ما يقال له مال. ولذلك فـ "مِن" هنا ليست زائدة، ولكنها جاءت تعني لمعنى. إذن "ما جاءنا من بشير" أي لم يأت لنا بداية من يقال له بشير. وها هوذا قول الحق: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 159] وقد يحسب البعض أن "ما" هنا حرف زائد، ولكنا نقول: ما الأصل في الاشتقاق؟. إن الأصل الذي نشتق منه هو المصدر. ومرة يأتي المصدر ويراد به الفعل، كقول القائل: "ضرباً زيداً" أي "اضرب زيدا". ومجيء المصدر هنا قول مقصود به الفعل، وكذلك قوله الحق: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ}. مادام النقض مصدراً فمن الممكن أن يقوم مقام الفعل. ومادام المصدر قد قام مقام الفعل فمن الجائز أن يأتي فعل آخر، فيصبح معنى القول: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ}. إذن "ما" تدل هنا على أن المصدر قد جاء نيابة عن فعل. وبقيت "ما" لتدل على أن المصدر من الفعل المحذوف، أو أن "ما" جاءت استفهامية للتعجيب.. أي فبأي نقض من ألوان وصور نقضهم للعهد لعناهم؟ وذلك لكثرة ما نقضوا من العهود على صور وألوان شتى من النقض للعهد. وقوله الحق: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ}. والنقض هو ضد الإبرام؛ لأن الإبرام هو إحكام الحكم بالأدلة. والنقض هو حل عناصر القضية، كأن العهد الموثق الذي أخذه الله عليهم قد نقضوه. ونحن نسمي العقيدة الإيمانية عقيدة، لماذا؟؛ لأنها مأخوذة من عقد الشيء بحيث لا يطفو ليناقش من جديد في الذهن. كذلك الميثاق إنه عهد مثبت ومؤكد. وعندما ينقضونه فهم يقومون بحله، أي أنهم أخرجوا أنفسهم عن متطلبات ذلك العقد. وجاء اللعن لأنهم نقضوا الميثاق. {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} وهم عندما نقضوا المواثيق، طبع الله على قلوبهم؛ لأنه لم يطبع على قلوبهم بداية؛ فقد كفروا أولاً، وبعدذ لك تركهم الله في غيهم وضلالهم وطبع على القلوب فَمَا فيها من كفر لايخرج، والخارج عنها لا يدخل إليها. و"قاسية" تعني صُلبة. وفيها شدة. والصلابة مذمومة في القلوب وليست مذمومة في الدفاع عن الحق؛ لأننا نقيس كل موجود على مهمته. فعندما يكون كل موجود على مهمته يكون كل الكون جميلاً. مثال ذلك؛ نحن لا نقول عن الخُطاف ذمَّاً فيه إنه أعوج. فالخُطَّاف لا بد له من العوج؛ لأن ذلك العوج مناسب لمهمته، إذن فعوج الخطاف استقامة له. وكذلك القسوة غير مذمومة شريطة أن تكون في محلها، أما إن جاءت في غير محلها فهي مذمومة. إن القلوب القاسية مذمومة؛ لأن الحق يريد للقلوب أن تكون لينة: {أية : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 23] والقسوة مأخوذة من القَسيِّ وهو الصلب الشديد، ونعرف أن الدنانير كانت تضرب من الذهب والدراهم تضرب من الفضة. وعندما يفحصها الصيرفي قد يُخرج واحداً منها ويقول: هذا زيف أو زائف لأنه قد سمع رنينها، أهي صلبة في الواقع أم لا؟. وعندما تكون صلبة يقال لها: دراهم قاسية. إنّ الذهب لين. والفضة لينة. فعندما نقول: إن هذا ذهب عيار أربعة وعشرين أي ذَهَبٌ ليس به نسبة من المواد الأخرى التي تجعله قابلاً للتشكيل؛ لأنه عندما يكون ذهباً صافياً على إطلاقه فلن يستطيع الصائغ أن يصوغ منه الحلي؛ لذلك يخلطه الصائغ بمعدن صُلب، حتى يعطيه المعدن درجة الصلابة التي تتيح له تشكيل الحلي منه. وتختلف نسبة الصلابة من عيار إلى عيار في الذهب وكذلك الفضة. والمصوغات المصنوعة من عيار مرتفع من الذهب ليست عرضة للتداول، كالسبائك الذهبية. وإذا ما دخل المعدن الصلب إلى الذهب أو الفضة جعلها قاسية؛ أي صلبة. الصلابة - إذن - فيما يناسبها محمودة. وفيما لا يناسبها مذمومة كصلابة القلوب وقسوتها. ويقول الحق: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} مثل ذلك نقلهم أمر الله الذي طلب منهم أن يقولوا: "حطة" فقالوا: "حنطة" {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} وكانت وسائل النسخ في الكتب التي سبقت القرآن هي نسيان حظٍّ مما ذكروا به، والنسيان قد يكون عدم قدرة على الاستيعاب، لكنه أيضاً دليل على أن المنهج لم يكن على بالهم. فلو كانت كتب المنهج على بالهم لظلوا على ذكر منه، كما أنهم كتموا ما لم ينسوه، والذي لم ينسوه ولم يكتموه حرّفوه ولووا ألسنتهم به. وياليت الأمر اقتصر على ذلك، ولكنهم جاءوا بأشياء وأقاويل وقالوا إنها من عند الله وهي ليست من عند الله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} تفسير : [البقرة: 79] هي أربعة ألوان من التغيير، النسيان، والكتم، والتحريف، ودسّ أشياء على أنها من عند الله وهي ليست من عند الله. ولنا أن نتأمل جمال القول الحكيم: {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} فهم على قدر كبير من السوء بدرجة أنستهم الشيء الذي يأتي لهم بالحظ الكبير، مثل نسيانهم البشارات بمحمد عليه الصلاة والسلام وكتمانها، ولو كانوا قد آمنوا بها، لكان حظهم كبيراً؛ ذلك أنهم نسوا أمراً كان يعطيهم جزاء حسناً، إذن فقد جنوا على أنفسهم؛ لأن الإسلام لن يستفيد لو كانوا مهتدين أو مؤمنين والخسار عليهم هم، ولم يدعهم الله ويتركهم على نسيانهم ليكون لهم بذلك حجة، بل أراد أن يذكرهم بما نسوه. وكان مقتضى ذلك أن ينصفوا أنفسهم بأن يعودوا إلى الإيمان؛ لأن الحق ذكرهم بما نسوا ليحققوا لأنفسهم الحظ الجميل. وقد يراد أنّهم تركوا ذلك عامدين معرضين عنه مُغْفِلين له عن قصد. ويقول الحق من بعد ذلك: {أية : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [المائدة: 13] أي أن خيانتهم لك يا رسول الله ولأتباعك ولمنهج الله الحق في الأرض ستتوالى، ولاأدل على ذلك مما حدث منهم ضد رسلهم أنفسهم مع أنهم من بني جلدتهم ومن عشيرتهم، إنهم من بني إسرائيل مثلهم، فما بالك بنبي جاء من جنس آخر ليقتحم عليهم سلطتهم الزمنية؟ إذن فخيانتهم لله متصورة. و"خائنة" بمعنى "خيانة" مثلها مثل "قائلة" وهي القيلولة أي المسافة الزمنية بعد الظهر، وفعلها: قال يقيل أي نام وسط النهار أو "خائنة" أي "نفس خائنة". أو "خائنة" مثل امرأة خائنة" أو "خائنة" مبالغة كما نقول" راوٍ" و"راوية" ونحن نعني رجلاً، أو نقول "جماعة خائنة". إذن فالكلمة الواحدة هنا مستوعبة لكل مصادر الخيانة منهم، رجل أو امرأة أو جماعة أو كل هؤلاء. والذي يتكلم هنا هو رب العالمين، ويتكلم للعرب وهم أهل فصاحة، إنه أداء لغوي عال. ومن فرط دقة القرآن وصدقه يأتي الحق بقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} طبقا لقانون صيانة الاحتمال. فحين يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين له موقف اليهود منه، ألا يُحتمل أن يُوجد قوم من اليهود يغلبهم الفهم العميق فيفكروا في أن يؤمنوا بهذا الرسول، ويهدئوا من شراسة ظنهم به؟ وقد فكر بعضهم وأعلن الإسلام. وهؤلاء القوم عندما يسمعون أحكام الله على اليهود أجمعين، ألا يقولون: وما لنا ندخل في هذه الزمرة؛ ونفكر في أن ننطق بالإيمان؟ فكأن قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} صان قانون الاحتمال أن يكون إنسان منهم فكر في الإيمان. ومن فكر في الإيمان فسوف يجد قوله الحق: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} وسيرى هذا الإنسان في نفسه أن القرآن دليل نزل على نور. وقد كان وأعلن قليل منهم إسلامه، وماذا يكون موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن يخبره الحق: بأنك ستتعرض مستقبلا لخيانتهم؟ ألا يحرك ذلك نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليهم، فإذا فعل اليهود خائنة فلا بد أن ينتقموا منهم، وتطبيقا للقاعدة الأساسية في رد العدوان بأن من يعتدي عليك فاعتد عليه. لم يشأ - سبحانه - أن يترك الموقف لعواطف البشر مع البشر بل قال: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} والعفو هو كما نقول: فلان عفَّى على آثاري، أي أن آثارك تكون واضحة على الأرض وتأتي الريح لتمسحها فتعفي على الأثر. والأمر بالعفو أي امسح الأثر لذنب فعلوه. والخطيئة التي ارتكبوها عليك أن تعتبرها كأنها لم تحدث، ولكن أيظل أثرها باقيا عند رسول الله؟ لا، فالأمر بالصفح يأتي وهناك فرق بين أن تمحو الخطيئة وتبقى أثرها في نفسك وتظل في حالة من الغيظ والحقد. والحق هنا يأمر بالعفو أي إزالة أثرها ويأمر بالصفح أي أن تُخْرِجَ أثر الخطيئة من بالك؛ لأن الإنسان منا له مراحل؛ المرحلة الأولى بعد أن يرتكب أحدهم ذنبا في حقه، فلا يقابل العدوان بمثله، وهذا هو العفو، والمرحلة الثانية: ألا يترك أثر هذا الذنب يعمل في قلبه بل يأتي الصفح حتى لا ينشغل قلب المؤمن بشيء قد عفا عنه، والمرحلة الثالثة: فرصة مفتوحة لمن يريد أن يتمادى في مرتبة الإحسان وترقي اليقين والإيمان بأن يحسن الإنسانُ إلى من أساء إليه. وهذه المراحل الثلاث يوضحها قوله الحق: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] وعملية الإحسان مع المسيء أو المعتدي: أهي عملية منطقية مع النفس الإنسانية؟ قد تكون غير منطقية مع النفس الإنسانية، ولكنك أيها الإنسان لا تشرع لنفسك، إنما الذي يشرع لك هو الأعلى من النفس الإنسانية. والخالق يقول لك: لو علمت ما قدَّمه لك من أساء إليك لأحسنت إليه. لأنك إن أسأت إلى خلق من خلق الله فالذي يثأر ويأخذ الحق لمن أسيء إليه هو رب هذا المخلوق. ويأتي الله في صف الذي تحمل الإساءة. إذن فإساءة العدو لك جعلت الله في صفك وفي جانبك، ألا يستحق ذلك المسيء أن نشكره؟ ألا تقول لنفسك القول المأثور: ألا تحسن إلى من جعل الله في جانبك. إذن هذا هو التشريع: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} والإحسان هنا خرج بالترقي الإيماني عن مرحلة: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] والإحسان أن تفعل شيئا فوق ما افترضه الله، ولكن من جنس ما افترضه الله؛ والمحسن الذي يدخل في مقام الإحسان هو من يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو سبحانه وتعالى يرى كل خلقه. ونعرف قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16] ما الذي جاء بالإحسان هنا؟ وتكون الإجابة: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} تفسير : [الذاريات: 17] وهل يكلف الله خلقه ألا يهجعوا إلا قليلا من الليل؟ لا. فقد كلف الله المسلم بالصلاةن وأعلمه بأنه حر بعد صلاة العشاء، وله الحق أن ينام إلى الفجر، فإن سمع أذان الفجر فليقم إلى صلاة الفجر. لكن المحسن يريد الارتقاء بإيمانه فيزيد من صلواته في الليل. ويضيف الحق مذكرا لنا بصفات المحسنين: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 18] أكلف الله الخلق بأن يستغفروا بالأسحار؟ لا. بل إن الرسول يجيب على رجل سأله عن الفروض الأساسية المطلوبة منه، فذكر له أركان الإسلام ومن بينها الصلوات الخمس المكتوبة، فقال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفلح إن صدق ". تفسير : ويضيف الحق في استكمال صفات المحسنين: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19] ونلحظ أن الحق هنا لم يقل: "حق معلوم" إنما قال: {حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} فالحق المعلوم هو الزكاة، أما المحسن فللسائل والمحروم في ماله حق غير معلوم، وذلك ليفسح سبحانه المجال للطموحات الإيمانية، فمن يزد في العطاء فله رصيد عند الله. والحق يقول: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}؛ لأن الإحسان إليهم يهيج فيهم غريزة العرفان بالجميل، فيستل ذلك الإحسان الحقد من قلوبهم، ويفتحون آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق: {أية : فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34] لأن العداوة لا تشتد إلا إذا وُجد مُؤجج لها من عداوة في المقابل. فعندما تعامل عدوك بالحسنى ولا ترد على عدائه بالعدوان فكم من الزمن يصير عدواً لك؟ إنه اعتدى مرة وسَكّتَّ أنت عليه، واعتدى ثانية وسكت أنت عليه. لا بد أنه يهدِّئ من نفسه. إذن فالعداوة لا تتأجج إلا إذا قابلتها عداوة أخرى. ولذلك نرى ما حدث في المعركة التي قامت بين فرعون وسيدنا موسى عليه السلام حين أراد الله أن يجعل العداوة لا من جهة واحدة ولكن من جهتين اثنتين لتكون معركة حامية؛ لأن العداوة لو كانت من جهة واحدة لهذا الطرف المعتدي: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] فهل هم التقطوه ليكون عدواً؟ لا. لقد التقطوه ليكون قرة عين. ولكن قدر الله سبق. كان الأمل في أن يصير موسى قرة عين آل فرعون، ولكن الله أراد أن يقوموا بتربيته، ثم يصير من بعد ذلك عدواً لهم. وهكذا يتضح لنا أن تدبير السماء فوق تدبير الأرض. وموسى السامري مثلاً ربته السماء بواسطة جبريل، وولدته أمه منقطعا في الصحراء، فكان جبريل ينزل عليه بما يطعمه إلى أن كبر، وموسى ابن عمران ذهب إلى فرعون ليربيه، لكن موسى السامري - الذي رباه جبريل - صار كافراً، وموسى بن عمران الذي رباه فرعون أصبح رسولاً إلى بني إسرائيل. وكلا القدرين أرادهما الله، ولذلك يقول الشاعر: شعر : إذا لم تصادف في بريق عناية فقد كذب الراجي وخاب المؤمل فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل تفسير : كأن آل فرعون قد قاموا بتربية موسى بن عمران ليكون عدواً لهم لا قرة عين. والعداوة تكون من جهة موسى لفرعون، وتجيء العداوة من فرعون لموسى، فيقول الحق: {أية : فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} تفسير : [طه: 39] هكذا صارت العداوة من طرفين. والحق سبحانه وتعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصفح عن الخيانات التي تحدث منهم، لعل الوعي الإيماني يستيقظ فيهم، ويقولون: لم يعاملنا بمثل ما عاملناه به، ويعترفون به نبياً رحيماً رءوفاً كريماً، ولا يقفون في وجه دعوته. لكن أيظل العفو والصفح هما كل التعليمات الصادرة من الحق إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا. فقد مر الأمر الإلهي بمرحليات متعددة؛ فالرسول يستقطب النفس الإنسانية بأن يستعبدها بالإحسان، فإن لم يستعبدها الإحسان فلا بد أن يشمر النبي عن الساعد ويفعل ما يأمره به الله، ولنقرأ قوله الحق: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} تفسير : [لبقرة: 109] إذن فهناك أمر خفي هو: {أية : حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} تفسير : [البقرة: 109] وسبحانه قد أمر بأن يتركهم الرسول مع الصفح والعفو لمرحلة قادمة يأتي فيها الأمر بتأديبهم. وهذه عملية إنسانية فطرية عرفها العربي الجاهلي وخَبَرها قبل أن يأتي الإسلام؛ فقد كان العربي يحسن إلى عدوه مرة وثانية وثالثة، وعندما يجد أن الإحسان لم يثمر ثمرته؛ يقاتل العدو، وكما قال الشاعر: شعر : أناة فإن لم تغن قدم بعدها وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه من الحلم أن تستعمل الحزم دونه إذا لم يسع بالحلم ما أنت عازمه تفسير : وقال الشاعر: شعر : صفحنا عن بني ذهل وقلنا القوم إخوان عسى الأيام أن يرجع ن قوماً كالذي كانوا فلما صَرَّحَ الشر وأضحى وهو عريان مشينا مشية الليث غَدَا والليث غضبان بضرب فيه تأييم وتفجيع وإرنان وطعن كفم الزق غَدَا والزق ملآن وفي الشر نجاة حي ن لا ينجيك إحسان وبعض الحلم عند الجهـ ل للذلة إذعان تفسير : ومثل ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود، حدث مع النصارى واورد الحق سبحانه وتعالى هذا فقال: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} معناهُ يُزِيلُونَهُ.
الجيلاني
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} وبعدم وفائهم للعهود الوثيقة {لَعنَّاهُمْ} طردناهم عن فضاء التوحيد {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} مظلمة بظلمة الإمكان إلى حيث {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} المثبتة في كتاب الله؛ لإعلاء كلمة التوحيد {عَن مَّوَاضِعِهِ} التي وضعها الحق {وَنَسُواْ حَظًّا} نصيباً {مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي: بالتوراة، ووعظوا عنه، وأفادوا منه {وَ} صاروا من غاية القساوة والنيسان بحيث {لاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ} دائماً مستمراً {عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} تبالغ في الخيانة {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} وهم الذين آمنوا بكم، وأنصفوا على ما في التوراة وأظهروها {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} ولم يحرفوها زماناً {وَٱصْفَحْ } وانصرف عن انتقامهم إلى الإحسان معهم {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر على الانتقام {يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] المجاوزين عن الانتقام بعد الاقتدار عليهز {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} مدعين نصرة الدين، وإعلاء كلمة الحق {أَخَذْنَا} كما أخذنا من اليهود {مِيثَاقَهُمْ} فنقضوا كما نقضوا {فَنَسُواْ} كما نسوا {حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي: بالإنجيل المنزل على عيسى - صلوات الرحمن عليه - {فَأَغْرَيْنَا} ألقينا، وألزمنا {بَيْنَهُمُ} بين اليهود والنصارى، وهم اليعقوبية والنسطورية والملكائية {ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} المستمرة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} بحيث لا يصفو نفاقهم وشقاقهم أصلاً {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ} كلا الفريقين، أو الفرق {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14] في الدنيا من البغض والنفاق، وبما يكسبون به في الآخرة من العذاب والعقاب.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قال تعالى شكاية لأفعالهم من سوء خصالهم: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} [المائدة: 13]، يعني: بعد هذه المواعيد نقضوا ميثاقهم الذي أخذناه على التوحيد أبعدناهم وطردناهم عن جوارنا {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 13]، بالنسيان والغفلة وحب الدنيا ومتابعة الهوى {قَاسِيَةً} [المائدة: 13]، لا تؤثر العظة والنصح، ومن قوتها {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [المائدة: 13]، يتصرفون في كلام الحق ويغيرون أحكام التوراة {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 13]، أي: نسوا نصيبهم من تذكر ما ذكروا به أي: ذكرهم الأنبياء - عليهم السلام - من يوم الميثاق ومخاطبة الحق إياهم تشويقاً لهم إلى تلك الأحوال {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} [المائدة: 13]؛ لأن جعلنا جزاء عصيانهم الخذلان للزيادة في العصيان {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} [المائدة: 13]، وهم الذين أصابهم رشاش النور في بدء الخلقة {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} [المائدة: 13]؛ يعني: عن هذا القليل أن صدر منهم بعض معاملات أهل الكفر والطغيان موافقة لآبائهم بالسوء والنسيان لا مخالفة لربهم بالعمد والعدوان {وَٱصْفَحْ} [المائدة: 13]، بالحلم والكرم عما جرى عليهم قبل التوبة والندم؛ إذ حسن إسلامهم وحصل بالإيمان مراحهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]، الذين يحسنون طلب الحق ويتجاوزون عن جرائم الخلق. ثم أخبر عن ميثاق النصارى بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} [المائدة: 14]، والإشارة أن الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ هذه الأمة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين إلى أنفسهم نسوا ما ذكروا به ابتلوا بالنسيان والخذلان؛ فأخبر عن نسيان اليهود بقوله تعالى: {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 14]، وعن نسيان النصارى بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 14]، فما بقي للفريقين حظ من ذلك الميثاق. {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]، تحقيقه إذ لم يبق لهم حظ من ذلك الميثاق بإبطال الاستعداد الفطري بالكمال الإنساني صاروا أولئك كالأنعام بل هم أضل أي: كالسباع يتحاربون ويتحارشون ويتهارشون بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فإن أرباب الغفلة لا ألفة بينهم، وإن أصحاب الوفاق لا وحشة بينهم، وأما هذه الأمة لما أبدت بالتأييد الإلهي إذ ذكروا به وقيل لنبيهم: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]، وقال تعالى خطابهم إذ ينسوا ولم ينقضوا ميثاقهم: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152]، على أن ذكره آبائهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ذكرهم بالمحبة وقال: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]. ثم أخبر عن حقيقة الحظ الذي نسوه أهل الكتاب، وما نسته هذه الأمة بقوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً} [المائدة: 15]، والإشارة أن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم نوراً يبين حقيقة حظ الإنسان من الله تعالى مما خفي عليهم وهم مستعدون فحاصل الخلقة الاحتظاظ به دون سائر المخلوقات. وقد حظي هنا أهل الكتاب بالخطاب بقوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [المائدة: 15]؛ لأنهم أخفوا ما بين الله لهم في الكتاب المنزل على أنبيائهم ثم عمم الخطاب وقال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} [المائدة: 15]، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم مبين معه كتاب مبين حظ العباد من الله ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سمى نفسه نوراً بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35]؛ لأنهما كانتا مخفيتين في ظلمة العدم فالله تعالى أظهرهما بالإيجاد وسمى الرسول نوراً؛ لأن أول شيء أظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قاله عليه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله نوري ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نوراً وكل ما كان أقرب إلى الاختراع كان أولى باسم النور كما أن عالم الأرواح أقرب إلى الاختراع من عالم الأجساد"تفسير : فلذلك يسمى عالم الأرواح والعلويات نورانيات بالنسبة إلى السفليات فأقرب الموجودات إلى الاختراع لما كان نور النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى باسم النور ولهذا كان يقول "حديث : أنا من الله والمؤمنون مني"تفسير : ، قال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15].
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 239 : 8 : 27 - قال سفين، في قراءة عبد الله {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}. [الآية 13].
همام الصنعاني
تفسير : 687- عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن قَتَادة، في قوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ}: [الآية: 13]، قال: نَسَخها قول الله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ}تفسير : : [التوبة: 29]. 690- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قَتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ}: [الآية: 13]، يقولُ عَلى خيانةٍ وكذبٍ وفجورٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):