Verse. 683 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَمِنَ الَّذِيْنَ قَالُوْۗا اِنَّا نَصٰرٰۗى اَخَذْنَا مِيْثَاقَہُمْ فَنَسُوْا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوْا بِہٖ۝۰۠ فَاَغْرَيْنَا بَيْنَہُمُ الْعَدَاوَۃَ وَالْبَغْضَاۗءَ اِلٰي يَوْمِ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ وَسَوْفَ يُنَبِّئُہُمُ اللہُ بِمَا كَانُوْا يَصْنَعُوْنَ۝۱۴
Wamina allatheena qaloo inna nasara akhathna meethaqahum fanasoo haththan mimma thukkiroo bihi faaghrayna baynahumu alAAadawata waalbaghdaa ila yawmi alqiyamati wasawfa yunabbiohumu Allahu bima kanoo yasnaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن الذين قالوا إنا نصارى» متعلق بقوله «أخذنا ميثاقهم» كما أخذنا على بني إسرائيل اليهود «فنسوا حظاً مما ذكِّروا به» في الإنجيل من الإيمان وغيره ونقضوا الميثاق «فأغرينا» أوقعنا «بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة» بتفرقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى «وسوف ينبئهم الله» في الآخرة «بما كانوا يصنعون» فيجازيهم عليه.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : والمراد أن سبيل الصنارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله، وإنما قال: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ } ولم يقل: ومن النصارى، وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله تعالى، وهم الذين قالوا لعيسى {أية : نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدح، فبيّـن الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى، وقوله {أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ } أي مكتوب في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتنكير {الحظ} في الآية يدل على أن المراد به حظ واحد، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا الكثير مما أمرهم الله تعالى به لأن هذا هو المعظم والمهم، وقوله { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء } أي ألصقنا العداوة والبغضاء بهم، يقال: أغرى/ فلان بفلان إذا ولع به كأنه ألصق به، ويقال لما التصق به الشيء: الغراء، وفي قوله {بَيْنَهُمْ } وجهان: أحدهما: بين اليهود والنصارى. والثاني: بين فرق النصارى، فإن بعضهم يكفر بعضاً إلى يوم القيامة، ونظيره قوله {أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ }تفسير : [الأنعام: 65] وقوله {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وعيد لهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو مكتوب في الإنجيل. {فَنَسُواْ حَظّاً} وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ أي لم يعملوا بما أُمِروا به، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سبباً للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} هو كقولك: أخذت من زيد ثوبه ودرهمه؛ قاله الأخفش. ورتبة {ٱلَّذِينَ} أن تكون بعد {أَخَذْنَا} وقبل الميثاق؛ فيكون التقدير: أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم؛ لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا. وتقديره عند الكوفيين: ومن الذين قالوا إنا نصارى مَن أخذنا ميثاقهم؛ فالهاء والميم تعودان على {ومَنَ} المحذوفة، وعلى القول الأوّل تعودان على {ٱلَّذِينَ}. ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى، ولا ألْيَنَهَا لبستُ من الثياب؛ لئلا يتقدّم مضمر على ظاهر. وفي قولهم: {إِنَّا نَصَارَىٰ} ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ٱبتدعوا النصرانية وتسمّوا بها؛ روي معناه عن الحسن. قوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} أي هيجنا. وقيل: ألصقنا بهم؛ مأخوذ من الغِراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصّمغ وشبهه. يقال: غَرِيَ بالشيء يَغْرَى غَراً «بفتح الغين» مقصوراً وغِرَاء «بكسر الغين» ممدوداً إذا أولع به كأنه التصق به. وحكى الرّماني: الإغراء تسليط بعضهم على بعض. وقيل: الإغراء التحريش، وأصله اللصوق؛ يقال: غَرِيتُ بالرَّجل غَراً ـ مقصور وممدود مفتوح الأول ـ إذا لصِقت به. وقال كُثَيّر: شعر : إذا قيل مهلاً قالت العين بالبكا غِرَاء ومدّتها حوافِلُ نُهّل تفسير : وَأَغْرَيْتُ زيداً بكذا حتى غِريَ به؛ ومنه الغِراء الذي يُغرى به للصوقه؛ فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التّسليط عليه. وأَغْرَيْتُ الكلب أي أولعتُه بالصيد. {بَيْنَهُمُ} ظرف للعداوة. {وَٱلْبَغْضَآءَ} البغض. أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما. عن السُّدي وقَتَادة: بعضهم لبعض عدوّ. وقيل: أشار إلى ٱفتراق النصارى خاصة؛ قاله الربيع بن أنس، لأنهم أقرب مذكور؛ وذلك أنهم ٱفترقوا إلى اليعاقِبةِ والنُّسطورية والمَلْكانية؛ أي كفّر بعضهم بعضاً. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معنى {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار. وقوله: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ} تهديد لهم؛ أي سيلقون جزاء نقض الميثاق. قوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الكتاب ٱسم جنس بمعنى الكتب؛ فجميعهم مخاطبون. {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي من كتبكم؛ من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مُسخوا قِردة؛ فإنهم كانوا يخفونها. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوتهِ، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين؛ وإنما أراد اليهوديّ أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبيِّن له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبيِّن له ما سأله عنه. {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} أي ضياء؛ قيل: الإسلام. وقيل: محمد عليه السلام؛ عن الزجاج. {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} أي القرآن؛ فإنه يبين الأحكام، وقد تقدّم. {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} أي ما رضيه الله. {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزَّهة عن كل آفة، والمؤمِّنة من كل مخافة؛ وهي الجنة وقال الحسن والسُّدي: {ٱلسَّلاَمِ} الله عزّ وجل؛ فالمعنى دين الله ـ وهو الإسلام ـ كما قال: { أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } تفسير : [آل عمران: 19]. {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات. {بِإِذْنِهِ} أي بتوفيقه وإرادته.

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ} أي وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم، وقيل تقديره ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا، وإنما قال قالوا إنا نصارى ليدل على أنهم سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله سبحانه وتعالى. {فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا } فألزمنا من غري بالشيء إذا لصق به. {بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بين فرق النصارى، وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية، أو بينهم وبين اليهود. {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } بالجزاء والعقاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَٰرَىٰ } متعلق بقوله {أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ } كما أخذنا على بني إسرائيل العهود {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ } في الإنجيل من الإيمان وغيره ونقضوا الميثاق {فَأَغْرَيْنَا } أوقعنا {بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ } بتفريقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تُكفرُ الأخرى {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ } في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } فيجازيهم عليه.

ابن عطية

تفسير : {من} متعلقة {بأخذنا} التقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنّا نصارى ميثاقهم، ويحتمل أن يكون قوله {ومن} معطوف على قوله {أية : خائنة منهم} تفسير : [المائدة: 13]، ويكون قوله {أخذنا ميثاقهم} ابتداء خبر عنهم، والأول أرجح. وعلق كونهم نصارى بقولهم ودعواهم، من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله، وسموا به أنفسهم دون استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة عن طريق نصر دين الله وأنبيائه، وقوله تعالى: {فأغرينا بينهم} معناه أثبتناها بينهم وألصقناها، والإغراء مأخوذ من الغراء الذي يلصق به، والضمير في {بينهم} يحتمل أن يعود على اليهود والنصارى لأن العداوة بينهم، موجودة مستمرة، ويحتمل أن يعود على النصارى فقط لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم القيامة، ثم توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار. وقوله تعالى: {يا أهل الكتاب} لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء كالرحم وغيره إنما حفظت لليهود، لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهاجره، وقال محمد بن كعب القرظي: أول ما نزل من هذه السورة هاتان الآيتان في شأن اليهود والنصارى، ثم نزل سائر السورة بعرفة في حجة الوداع وقوله: {رسولنا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الآية الدالة على صحة نبوته. لأن إعلامه بخفيّ ما في كتبهم وهو أمي لا يقرأ ولا يصحب القراءة دليل على أن ذلك إنما يأتيه من عند الله تبارك وتعالى، وأشهر النوازل التي أخفوها فأظهرها الله على لسان نبيه أمر الرجم، وحديثه مشهور. ومن ذلك صفات محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. و {من الكتاب} يعني من التوراة وقوله: {ويعفو عن كثير} معناه ويترك كثيراً لا يفضحكم فيه إبقاء عليكم. وهذا المتروك هو في معنى افتخارهم ووصفهم أيام الله قبلهم ونحو ذلك مما لا يتعين في ملة الإسلام فضحهم فيه وتكذيبهم، والفاعل في {يعفو} هو محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يستند الفعل إلى الله تعالى وإذا كان العفو من النبي عليه السلام فبأمر ربه، وإن كان من الله تعالى فعلى لسان نبيه عليه السلام، والاحتمالان قريب بعضهما من بعض. قوله عز وجل: {نور وكتاب مبين} يحتمل أن يريد محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل أن يريد موسى عليه السلام والتوراة، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به، وقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب "بهُ اللهُ" بضم الهاء حيث وقع مثله، و {اتبع رضوانه} معناه بالتكسب والنية والإقبال عليه، والسبل الطرق، والقراءة في "رُضوان" بضم الراء وبكسرها وهما لغتان، وقد تقدم ذكر ذلك وقرأ ابن شهاب والحسن بن أبي الحسن " سبْل" ساكنة الباء. و {السلام} في هذه الآية يحتمل أن يكون اسماً من أسماء الله تعالى، فالمعنى طرق الله تعالى التي أمر بها عباده وشرعها لهم، ويحتمل أن يكون مصدراً كالسلامة فالمعنى طرق النجاة والسلامة من النار، وقوله تعالى: {ويخرجهم} يعني المتبعين الرضوان، فالضمير على معنى من لا على لفظها، و {الظلمات} الكفر، و {النور} الإيمان، وقوله تعالى: {بإذنه} أي يمكنهم من أقوال الإيمان وأفعاله، ويعلم فعلهم لذلك والتزامهم إياه، فهذا هو حد الإذن، العلم بالشيء والتمكين منه، وقد تقدم شرحه في سورة البقرة والصراط المستقيم هو دين الله وتوحيده وما تركب عليه من شرعه. ثم أخبر تعالى بكفر النصارى القائلين بأن الله هو المسيح، وهذه فرقة من النصارى وكل فرقهم على اختلال أقوالهم يجعل للمسيح عليه السلام حظاً من الألوهية، وقد تقدم القول في لفظ {المسيح} في سورة آل عمران، ثم رد عليهم تعالى قوله لنبيه: {قل فمن يملك من الله شيئاً} أي لا مالك ولا رادَّ لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ الإرادة فيه ليس بإله، ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما فحصل المسيح عليه السلام أقل أجزاء ملك الله تعالى، وقوله تعالى: {يخلق ما يشاء} إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعاً كآدم عليه السلام، وقد تقدم في آل عمران الفرق بين قوله تعالى في قصة زكرياء {أية : يفعل ما يشاء} تفسير : [آل عمران:40] وفي قصة مريم {يخلق ما يشاء} وقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، والشيء في اللغة هو الموجود.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ}: «مِنْ»: متعلِّقة بـ {أَخَذْنَا}، التقديرُ: وأخذْنَا مِنَ الذين قالُوا: إنَّا نصارَىٰ ميثاقَهُمْ، ويحتملُ أنْ تكون معطوفةً على {خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ}، والأولُ أرجَحُ، وعلَّق قولهم: «نصارَىٰ» بقولهم ودعواهم؛ مِنْ حيث هو اسمٌ شرعيٌّ يقتضي نَصْرَ دينِ اللَّه، وسَمَّوْا به أنفُسَهُمْ دُون ٱستحقاقٍ. وقوله سبحانه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ}: أي: أثبتْنَاها بيْنَهم وألْصَقْنَاها، والإغْرَاءُ: مأخوذ من الغِرَاءِ الذي يُلْصَقُ به، وقال البُخَارِيُّ: الإغراءُ: التسليط. انتهى. والضمير في {بَيْنَهُمْ} يحتملُ أنْ يعود على اليَهُودِ، والنصارَىٰ؛ لأنَّ العداوةَ بَيْنهم موجودةٌ مستمرَّةٌ، ويحتملُ أن يعود على النَّصارَىٰ فقطْ؛ لأنها أُمَّة متقاتِلَةٌ بينها الفِتَنُ إلى يَوْم القيامة، ثم توعَّدهم بعذابِ الآخرة؛ إذْ صُنْعهم كُفْرٌ يوجب الخُلُود في النار. واعلَمْ (رحمك اللَّه)؛ أنه قَدْ جاءَتْ آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشحناءِ والتباغُضِ والهِجْرَانِ لغَيْر موجِبٍ شرعيٍّ، ففي «صحيح مُسْلِمٍ»، عن أبي هُرَيْرة؛ أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنَ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيه شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ٱنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّىٰ يَصْطَلِحَا، ٱنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّىٰ يَصْطَلِحَا» تفسير : ، وفي روايةٍ: «حديث : تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ وَٱثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ لاَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً» تفسير : الحديث. انتهى. وروى ابنُ المُبَارَكِ في «رقائقه» بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ مُسْلِماً فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَإنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَىٰ صِرَامِهِمَا، فَأَوَّلُهُمَا فَيْئاً يَكُونُ سَبْقُهُ بِالفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلاَمَهُ، رَدَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ، وَرَدَّتْ عَلَى الآخَرِ الشَّيَاطِينُ، وإذَا مَاتَا عَلَىٰ صِرَامِهِمَا، لَمْ يَدْخُلاَ الجَنَّةَ»تفسير : ، أُرَاهُ قَالَ: أَبَداً. انتهى، وسنده جيِّد، ونصَّه قال ابن المبارك: أخبرنا شعبةُ عَنْ يزيدَ الرِّشْكِ، عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عامرٍ يقول: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديثَ. وقوله: «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ»: ليس علَىٰ ظاهره، أيْ: لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً؛ حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة؛ حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار.

ابن عادل

تفسير : قوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} الآية. في قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ} خمسَة أوْجه: أظهرها: [أنَّ "مِنَ"] مُتعلِّق بقوله: "أخَذْنَا"، والتَّقدير الصَّحيح فيه أنْ يُقال: تقديره: وأخْذَنا مِن الذين قالُوا: إنَّا نَصَارى ميثاقَهُمْ، فَتُوقعُ "الَّذِين" بعد "أخَذْنَا" وتُؤخر عنهم "ميثاقَهُمْ"، ولا يجُوز أن تُقدِّر: "وأخَذْنَا مِيثاقَهُمْ" مِن "الَّذين" فيتقدَّم "ميثاقُهم" على "الذيِن قَالُوا". وإن كان ذَلِكَ جَائِزاً من حيث كَوْنِهمَا مَفْعُولَيْنِ، كلٌّ منهما جَائِز التَّقْديم والتَّأخير؛ لأنَّه يلزم عَوْدُ الضَّمير على مُتَأخِّر لَفْظاً ورتْبة وهو لا يجُوز إلا في مَوَاضِع مَحْصُورة، نصَّ على ذَلِك جماعة منهم مَكِّي وأبُو البَقَاء. والثاني: أنَّهُ متعلِّق بمَحْذُوف على أنَّهُ خبر لمُبْتَدأ مَحْذُوف، قامت صِفَتُهُ مقامَهُ، والتَّقْدِير: {وَمِنَ الَّذِين قالُوا إِنَّا نَصَارى قَوْمٌ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ}، فالضَّمير في "مِيثَاقَهُم" يعودُ على ذلك المَحْذُوف. والثالث: خَبرٌ مقدَّم - أيضاً - ولكن قَدَّرُوا المُبْتدأ مَوْصُولاً حُذِف، وبقيت [صِلَتُه] والتقدير: ومِن الَّذِين قالوا: إنَّا نَصَارَى مَنْ أخذْنَا ميثَاقَهُم فالضمير في "مِيَثاقَهُم" عائد على "مِنْ"، والكوفِيُّون يُجِيزُونَ حذفَ الموصول، وقد تقدم لنا معهم البَحْثُ في ذلك، ونقل مَكِّي مذهب الكُوفيِّين هذا، [وقدَّره عندهم: "ومن الذين قالوا إنَّا نصارى من أخذنا"]، وهذا التَّقدير لا يُؤخَذُ مِنْه أنَّ المحذوف مَوْصُولٌ فقط، بل يَجُوز أن تكون "مِنْ" المُقَدَّرة نكرةٌ موصُوفَةٌ حذفت وَبقِيَت صِفَتُها، فيكون كالمَذْهَبِ الأوَّل. الرابع: أن تتعلَّق "من" بـ "أخذنا" كالوجه الأوَّل، إلا أنَّه لا يلْزَمُ فيه ذلك التَّقْدير، وهو أن توقع "من الَّذين" بعد "أخذنا" وقبل: "مِيثَاقَهُم"، بل يجُوزُ أن يكون التَّقْدير على العَكْسِ، بمعنى: أنَّ الضَّمير في "مِيثاقَهُم" يعود على بَني إسْرائيل، ويكون المَصْدَرُ من قوله: "مِيثَاقَهُم" مصدراً تشبيهيًّا، والتَّقْدير: أخذنا من النَّصَارى مِيثَاقاً مثل مِيثاق بَنِي إسْرَائيل، كقَوْلك: أخَذْتُ من زيد ميثاقَ عَمْرو، أي [ميثاقاً مثل ميثاق عمرو]، وبهذا الوَجْه بدأ الزَّمَخْشَري، فإنَّه قال: أخَذْنَا من النَّصَارى مِيثَاق من ذكر قَبْلَهم من قَوْم مُوسَى، أي: مِثْل مِيثَاقِهم بالإيمَان باللَّه والرُّسُل. والخامس: أن "مِن الَّذين" معطوفٌ على "مِنْهُم" في قوله: {وَلاَ تَزَال تطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مِنْهُم} أي: من اليَهُود [والمعنى: ولا تزال تَطَّلِع على خَائِنَةٍ من اليَهُودِ]، ومن الذين قالوا إنَّا نَصَارَى، ويكون قوله: "أخَذْنَا مِيثَاقَهُم" على هذا مُسْتأنفاً، وهذا يَنْبَغِي ألاَّ يَجُوز لِوَجْهَيْن: أحدهما: الفَصْلُ غير المُغْتَفَر. والثاني: أنَّه تهيئَةٌ للعامِل في شيء، وقَطْعه عنه، وهو لا يَجُوز. فصل إنما قال: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} ولم يقل: "ومن النَّصارى"؛ لأنَّهم سمُّوا أنْفُسَهم بهذا الاسْمِ ادَّعاءً لِنُصْرة الله، بِقَوْلهم لعيسى: {أية : نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52]، وليسوا مَوْصُوفِين بِهِ. قال الحسن: فيه دَلِيلٌ على أنَّهُم نَصَارى بتَسْمِيَتِهِم لا بتَسْمِيَة اللَّه وقيل: أراد بِهِم اليَهُود والنَّصارى، فاكْتَفَى بذكر أحدهما، والصَّحيح الأوَّل، والمراد بـ "مِيثَاقَهُم" أنَّه مكتُوب في الإنْجِيل أن يُؤمِنُوا بِمُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - {فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وذلك الحَظُّ هو الإيمانُ بمحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وتنكير "الحَظّ" يدلُّ على أنَّ المراد به حَظٌّ واحد، وهو الإيمانِ بِمُحَمَّد، وإنما خَصَّ هذا الواحد بالذِّكْر مع أنَّهُم تَرَكُوا كثيراً ممَّا أمرهم به، لأنَّ هذا هو المُهِمُّ الأعْظَم. وقوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} بالأهواء المختلفة والجِدَال في الدِّين، فقيل: بَيْن اليَهُود والنَّصَارى، وقيل: بين فِرَقِ النَّصَارى، وأن بعضهم يُكَفِّر بَعْضاً إلى يوم القِيَامة. وقوله: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} وعيد لهم. قوله: "بَيْنَهُمْ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه ظَرْف لـ "أغْرَيْنَا". والثاني: أنَّهُ حال من "العَدَاوَةِ"، فيتعلَّق بِمَحْذُوف، ولا يَجُوز أن يَكُون ظَرْفاً لِلْعَدَاوةَ؛ لأنَّ المصدر لا يتقدَّم مَعْمُولُه عليه. و{إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} أجاز فيه أبُو البَقَاء أن يتعلَّق بـ "أغْرَيْنَا"، أو بـ "العَدَاوة" أو بـ "البَغْضَاء" أي: أغرينا إلى يَوْمِ القيامة [بينهم العداوة والبغضاء، أو أنهم يتعادون إلى يوم القيامة] أو يتباغضُون إلى يومِ القيامة. وعلى ما أجَازَهُ أبو البَقَاء أن تكون المَسألَةُ من باب الإعْمَال، ويكون قد وجد التَّنَازع بين ثلاثةِ عوامِلٍ، ويكون من إعْمَال الثَّالِث للحَذْفِ من الأوَّل والثَّاني، وتقدَّم تَحْرِير ذلك. و"أغْرَيْنَا" من أغْرَاه بكذا أي: ألزمه إياه، وأصْلُه من الغِرَاء الذي يُلْصَقُ به، ولامُهُ وَاوٌ [فالأصلُ] أغْرَوْنَا، وإنما قلبت الواوُ ياءً؛ لوقوعها رابعَةٌ [كـ "أغْوَيْنَا"،]، ومنه قولهم: سَهْمٌ مغروٌّ أي: معمول بالغِرَاء، يقال: غَرِيَ بكذا يغْرى غَرًى وغرَاء، فإذا أريد تَعْدِيته عُدِّي بالهمزة، فقيل: أغْرَيْتُه بكذا. والضمير في "بَيْنَهُم" يحتمل أن يعُود على {الَّذين قَالُوا: إِنَّا نصارى}، وأن يعود على اليَهُود المتقدمين الذِكْر، وبكلٍّ قال جماعَةٌ كَمَا [قَدَّمْنَا] وهذا الكلامُ مَعْطُوفٌ على الكلام قَبْلَه من قوله: {وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: ولقد أخَذَ الله ميثاقَ بني إسْرَائيل، وأخَذْنا من الَّذين قالوا.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏ومن الذين قالوا إنا نصارى‏} ‏ قال‏:‏ كانوا بقرية يقال لها ناصرة، كان عيسى بن مريم ينزلها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏ومن الذين قالوا إنا نصارى‏}‏ قال‏:‏ كانوا بقرية يقال لها ناصرة نزلها عيسى، وهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به‏.‏ وفي قوله ‏ {‏ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به‏} ‏ قال‏:‏ نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهد الله الذي عهد لهم، وأمر الله الذي أمر به وضيعوا فرائضه ‏ {‏فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة‏} ‏ قال‏:‏ بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم بكتاب الله وأمره ما تفرقوا وما تباغضوا‏. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم في قوله ‏ {‏فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة‏} ‏ قال‏:‏ أغرى بعضهم بعضاً بالخصومات والجدال في الدين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال‏:‏ ما أرى الإغراء في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ إن الله تقدم إلى بني إسرائيل أن لا يشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، ويعلموا الحكمة ولا يأخذوا عليها أجراً، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذوا الرشوة في الحكم وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله ‏{أية : ‏وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 64‏]‏ وقال في النصارى ‏{‏فنسوا حَظًّا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة‏} ‏‏.‏

القشيري

تفسير : الإشارة في هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال: {قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وسموا نصارى لتناصرهم، وبدعواهم حرَّفوا وبدَّلوا؛ وأما المسلمون فقال: {أية : هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الحج: 78]. كما قال: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3] فلا جَرَمَ ألا يسموا بالتناصر. ولمَّا سمَّاهم الحقُّ بالإسلام ورَضِيَ لَهم به صانهم عن التبديل فَعُصِمُوا. ولما استمكن منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم، وفساد ذات البين؛ فأرباب الغفلة لا ألفة بينهم. وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمنون كنفس واحدة"تفسير : ، وقال تعالى في صفة أهل الجنة: {أية : إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47].

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الذين قالوا انا نصارى اخذنا ميثاقهم} اى واخذنا من النصارى ميثاقهم كما اخذنا ممن قبلهم من اليهود ومن متعلقة باخذنا والتقديم للاهتمام وانما قال قالوا انا نصارى ولم يقل ومن النصارى تنبيها على انهم نصارى بتسميتهم انفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله بقولهم لعيسى عليه السلام نحن انصار الله وليسوا موصوفين بانهم نصارى بتوصيف الله اياهم بذلك ومعنى اخذ الميثاق هو ما اخذ الله عليهم فى الانجيل من العهد المؤكد باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبيان صفته ونعته {فنسوا حظا} اى تركوا نصيبا وافرا {مما ذكروا به} فى تضاعيف الميثاق من الايمان وما يتفرع عليه من افعال الخير {فاغرينا} اى الزمنا والصقنا من غرى بالشىء اذا لزمه ولصق به واغراه غيره {بينهم} ظرف لاغرينا {العداوة} وهى تباعد القلوب والنيات {والبغضاء} اى البغض {الى يوم القيامة} غاية للاغراء او للعداوة والبغضاء اى يتعادون ويتباغضون الى يوم القيامة {وسوف ينئبهم الله} اى يخبرهم فى الآخرة {بما كانوا يصنعون} وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده ساخبرك بما فعلت اى يجازيهم بما عملوا على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به وسوف لتأكيد الوعيد والتعبير عن العمل بالصنع للايذان برسوخهم فى ذلك. قيل الذى القى العداوة بين النصارى رجل يقال له بولس وكان بينه وبين النصارى قتال قتل منهم خلقا كثيرا فاراد ان يحتال بحيلة يلقى بينهم القتال فيقتل بعضهم بعضا فجاء الى النصارى وجعل نفسه اعور وقال لهم ألا تعرفوننى فقالوا انت الذى قتلت ما قتلت منا وفعلت ما فعلت فقال قد فعلت ذلك كله والآن تبت لانى رأيت عيسى عليه الصلاة والسلام فى المنام نزل من السماء فلطم وجهى لطمة فقأ عينى فقال أى شىء تريد من قومى فتبت على يده ثم جئتكم لاكون بين ظهرانيكم واعلمكم شرائع دينكم كما علمنى عيسى عليه السلام فى المنام فاتخذوا له غرفة فصعد تلك الغرفة وفتح كوة الى الناس فى الحائط وكان يتعبد فى الغرفة وربما كانوا يجتمعون اليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة وربما يأمرهم بان يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة ويقول لهم قول كان فى الظاهر منكرا وينكرون عليه فكان يفسر ذلك القول تفسيرا يعجبهم ذلك فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به فقال يوما من الايام اجتمعوا عندى فقد حضرنى علم فاجتمعوا فقال لهم أليس خلق الله تعالى هذه الاشياء فى الدنيا كلها لمنفعة بنى آدم قالوا نعم فقال لم تحرمون على انفسكم هذه الاشياء يعنى الخمر والخنزير وقد خلق لكم ما فى الارض جميعا فاخذوا قوله فاستحلوا الخمر والخنزير فلما مضى على ذلك ايام دعاهم وقال حضرنى علم فاجتمعوا فقال لهم من أى ناحية تطلع الشمس فقالوا من قبل المشرق فقال ومن أى ناحية يطلع القمر والنجوم فقالوا من قبل المشرق فقال ومن يرسلهم من قبل المشرق قالوا الله تعالى فقال فاعلموا انه تعالى فى قبل المشرق فان صليتم له فصلوا اليه فحول صلاتهم الى المشرق فلما مضى على ذلك ايام دعا بطائفة منهم وامرهم بان يدخلوا عليه فى الغرفة وقال لهم انى اريد ان اجعل نفسى الليلة قربانا لاجل عيسى وقد حضرنى علم فاريد ان اخبركم فى السر لتحفظوا عنى وتدعوا الناس الى ذلك بعدى ويقال ايضا انه اصبح يوما وفتح عينه الاخرى ثم دعاهم وقال لهم جاءنى عيسى الليلة وقال قد رضيت عنك فمسح يده على عينى فبرئت والآن اريد ان اجعل نفسى قربانا له ثم قال هل يستطيع احد ان يحيى الموتى ويبرىء الاكمه والابرص الا الله تعالى فقالوا لا فقال ان عيسى قد فعل هذه الاشياء فاعلموا انه هو الله تعالى فخرجوا من عنده ثم دعا بطائفة اخرى فاخبرهم بذلك ايضا وقال انه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة واخبرهم بذلك ايضا وقال انه ثالث ثلاثة واخبرهم انه يريد ان يجعل نفسه الليلة قربانا فلما كان بعض الليالى خرج من بين ظهرانيهم فاصبحوا وجعل كل فريق يقول قد علمنى كذا وكذا وقال الفريق الآخر انت كاذب بل علمنى كذا وكذا فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقا كثيرا وبقيت العداوة بينهم الى يوم القيامة وهم ثلاث فرق منهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله والثانية الملكانية قالوا ان الله تعالى ثالث ثلاثة المسيح وامه والله والفرقة الثالثة اليعقوبية قالوا ان الله هو المسيح: قال جلال الدين رومى قدس سره شعر : درتصور ذات اورا كنج كو تادر آيد درتصور مثل او كربغايت نيك وكربد كفته اند هرجه زوكفتند ازخود كفته اند مى مكن جندين قياس اى حق شناس زانكه نايد ذات بيجون درقياس تفسير : فعلى المؤمن ان يلاحظ قوله تعالى {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} وان يشتغل بنفسه عن غيره وفى الحديث "حديث : ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم وينظر اشأم منه فلا يرى الا ما قدم فينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " .تفسير : يعنى من لم يجد شيئاً يتقى به النار فليتق منها بقول حسن يطيب به قلب المسلم فان الكلمة الطيبة من الصدقات. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما اخذ من هذه الامة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين الى انفسهم نسوا ما ذكروا به فما بقى لهم حظ من ذلك الميثاق بابطال الاستعداد الفطرى لكمال الانسانية فصاروا كالانعام بل هم اضل اى بل كالسباع يتحارشون ويتناوشون بالعداوة والبغضاء الى يوم القيامة فان ارباب الغفلة لا الفة بينهم وان اصحاب الوفاق لا وحشة بينهم واما هذه الامة لما ايدت بتأييد الاله اذ كتب فى قلوبهم الايمان بقلم خطاب ألست بربكم يوم الميثاق وايدهم بروح منه ما نسوا حظا مما ذكروا به وقيل لنبيهم -عليه الصلاة والسلام- {أية : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} تفسير : [الذاريات: 55]. وقال تعالى خطابا لهم اذ لم ينسوا حظهم ولم ينقضوا ميثاقهم {أية : فاذكرونى أذكركم} تفسير : [البقرة: 152]. على ان ذكره اياهم كان قبل وجودهم وذكرهم اياه حين ذكرهم المحبة وقال {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54]. كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: وأخذنا أيضًا عهدًا وميثاقًا من النصارى، الذين سموا أنفسهم نصارى؛ ادعاء لنصرة عيسى عليه السلام ولم يقوموا بواجب ذلك عملاً واعتقادًا، أخذناه عليهم بالتزام أحكام الإنجيل، وأن يؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولد، وأن يؤمنوا بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ إن أدركوه ويتبعوه، {فنسوا حظًا مما ذُكروا به} أي: نسوا ما ذكرناهم به، وتركوا حظًا واجبًا مما كلفوا به، {فأغرينا} أي: سلطنا {بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}، فهم يقتتلون في البر والبحر، ويتحاربون إلى يوم القيامة، فكل فرقة تلعن أختها وتكفرها، أو بينهم وبين اليهود، فالعداوة بينهم دائمة، {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} بالجزاء والعقاب. الإشارة: يؤخذ من الآية أن من نقض العهد مع الله؛ بمخالفة ما أمره به أو نهاه عنه. أو مع أولياء الله، بالانتقاد عليهم وعدم موالاتهم، ألقى الله في قلب عباده العداوة والبغضاء له، فيبغضه الله، ويبغضه عبادُ الله، ومن أوفى بما أخذه الله عليه من العهد بوفاء ما كلفه به، واجتناب ما نهاه عنه، وتودد إلى أوليائه، ألقى الله في قلب عباده المحبة والوداد، فيحبه الله، ويحبه عباد الله، ويتعطف عليه أولياء الله، كما في الحديث: "حديث : إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل، إنَّ اللهَ يحبّ فلانًا فأحِبَّه، فيُحِبَّهُ جبرِيلُ. ثم يُنَادِي في الملائكة: إن اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فأحِبُّوه. فيُحِبُّه أهلُ السَّمَاءِ، ثم يُلقَى له القَبولُ في الأرض "تفسير : ... الحديث. ثم دعا أهل الكتابين إلى الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا}.

الطوسي

تفسير : قوله: {ومن الذين قالوا إنا نصارى} انما لم يقل: من النصارى لما قاله الحسن: من أنه اراد تعالى بذلك أن يدل على أنهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم، وتسموابها. وقوله: {أخذنا ميثاقهم} يعني بتوحيد الله عز وجل، والاقرار بنبوة المسيح، وجميع انبياء الله وانهم كلهم عبيد الله لا يذكر. وقال ابو علي: معناه تركوا العمل به، فكان كالذي لا يذكر. وقوله: {مما ذكروا به} يعني فيما أنزله الله على موسى وعيسي في التوراة والانجبيل، والكتب المتقدمة. وقوله: {فأغرينا بينهم} قال مجاهد وقتادة وابن زيد والسدي والجبائي: معناه بين اليهود والنصارى. وقال الربيع والزجاج والطبري: معناه بين النصارى. وهو ما وقع بينهم من الخلاف نحو الملكية، وهم الروم والنسطورية، واليعقوبية من العداوة. وأصل الاغراء تسليط بعضهم على بعض. وقيل: معناه التحريش. وأصله اللصوق. يقال: غريت بالرجل غرى - مقصور وممدود - ومعناه لصقت به. قال كثير: شعر : إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا غراء ومدتها حوافل تهمل تفسير : واغريت زيداً بكذا حتى غرى به. ومنه الغراء الذى يغرى به للصوق والاغراء بالشيء معناه الالصاق من جهة التسليط. وانما أغرى بينهم بالاهواء المختلفة في الدين في قول إبراهيم. وقيل. بالقاء البغضاء بينهم - عن الحسن وقتادة - وقيل: يامر بعضهم أن يعادي بعضاً في قول ابي علي فكأنه يذهب إلى ما تقدم من الامر لهم بمعاداة الكفار. والذي يقوله أن الوجه في اغراء الله فيما بينهم أنه امر النصارى بمعاداة اليهود فيما يفعله اليهود من القبيح في التكذيب بالمسيح، وشتم امه، والقذف لها والغرية عليها، واضافتها اليه تعالى، ووصفها بما لا يليق، وامر اليهود بمعاداة النصارى في اعتقادهم التثليث، وان المسيح ابن الله وغير ذلك من اعتقاداتهم الفاسدة، نقضوا هذا الميثاق واعرضوا عنه حتى صار بمنزلة المنسي فكان في ذلك أمر كل واحد منهما بالطاعة، فان قيل يمنع من ذلك قوله: {فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} فجعل اغراءه لهم بالعداوة جواباً لقوله: {فنسوا حظاً مما ذكروا به} لان الفاء تدل على الجواب. واذا كانت جواباً، وجب أن يكون (تعالى) إنما أغرى بينهم، لاجل نسيانهم للحظ الذي ذكروا به، وانه عاقبهم بهذا الاغراء، وليس في الامر والنهي والعبادات عقوبات - بلا خلاف - فدل جوابه بالفاء في قوله: {فأغرينا} عقيب قوله: {فنسوا حظاً} على أنه عاقب بالاغراء لا على ما قلتموه؟ قيل: قوله {فنسوا حظاً مما ذكروا به} جوابه وانه فعل هذا الاغراء، لاجل نسيانهم. غير أنه ليس بعقوبة، وان كان جواباً. فكا لاجل نسيانهم. غير أنه ليس بعقوبة، وان كان جواباً. فكان الاغراء إنما وقع بينهم من أجل نسيانهم لحظهم من قبل أنهم نسوا ما ذكروا به من معرفة التوحيد، والتدين به، فصاروا إلى القول بالاتحاد والشرك والفرية عليه (تعالى) فلاجل ذلك أمر الله أضدادهم بمعاداتهم، واغرائهم بهم. فان قيل: فان الله (تعالى) ذكر النصارى في هذه الآية بنسيان حظهم ثم أجاب بالفاء في قوله: {فأغرينا بينهم} وليس يصح على هذا أن يكون أغرى بينهم من اجل ما فعله النصارى من الكفر، لانه إذا أمر اليهود بمعاداة النصارى، لاجل نسيان النصارى وكفرهم فانما هذا عن امر الله اليهود بهم، وليس باغراء بعضهم ببعض، وقوله: {فأغرينا بينهم} يدل على ان الله بعث كل واحد من الفريقين على صاحبه، وهذا يوجب خلاف قولكم؟! قيل: الامر على ما قلتم من أن امر اليهود بمعاداة النصارى هو إغراء لهم بهم، وليس باغراء بين النصارى، لكنه تعالى قد ذكر اليهود فيما تقدم من هذه السورة، وتكذيبهم، وفريتهم على الله، ثم ذكر النصارى، فلما جمع بين الفريقين في الذكر في هذه السورة، وان لم يجمعهم في هذه الآية، جاز ان يذكر انه اغرى بينهم العداوة بان امر كل واحد منهما بمعاداة عدوه فيما عصى فيه. وصح الاغراء بينهم والقاء العداوة والتباعد والمنافرة، وصح أن يجعل ذلك جواباً. وقد قال البلخي جواباً آخر: وهو ان يكون الاغراء بين النصارى خاصة بعضهم لبعض على ظاهر الآية، وهو أن الله تعالى نصب الادلة على ابطال قول كل فرقة من فرق النصارى، فاذا عرفت طائفة منها فساد مذهب الأخرى فيما نصب الله لها من الادلة، وان جهلت فساد مقالة نفسها لتفريطها في ذلك، وسوء اختيارها، فجاز على هذا أن يضاف الاغراء في ذلك إلى الله من حيث انه امر كل فرقة منها بمعاداة الاخرى على ما تعتقده، وان أمرها ايضاً بأن تترك ما هي متمسكة به لفساده وهذا واضح بحمد الله، فان قيل: أيجوز على هذا ان يقال ان الله اغرى بين المؤمنين والكفار العداوة؟ قلنا: اما اغراء المؤمن بالكفر فصحيح، واما اغراء الكافر بالمؤمن، فليس بصحيح، لان ما عليه المؤمنون حق، وما عليه الكفار، باطل. وإنما يقال: إن الله اغرى بين قوم وقوم إذا كان على بطلان قول كل طائفة منهما دليل يدل على فساد قول من يخالفها فعلى هذا لا يصح إطلاق القول بما قالوه، ومتى قيد القول على ما بيناه، جاز، وأن لم يخبر مع الاطلاق. وقوله: {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} لما قال (تعالى) لنبيه: {فاعف عنهم واصفح} بين انه من وراء الانتقام منهم، وانه سيجازيهم عند ورودهم عليه، بما كانوا يصنعون في الدنيا من نقض الميثاق، ونكث العهد ويعاقبهم على ذلك بحسب استحقاقهم.

الأعقم

تفسير : {ومن الذين قالوا إنَّا نصارى أخذنا ميثاقهم} قيل: بالاقرار بتوحيد الله، وأن عيسى عبده ورسوله، وبجميع الأنبياء، وقيل: بجميع ما أمرهم به من الميثاق وغيرهم فنقضوا ذلك {فنسوا} أي تركوا {حظاً} نصيباً {ممَّا ذكروا به} من الميثاق، وقيل: من الكتاب {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} وقيل: بين اليهود والنصارى {إلى يوم القيامة} يعني عداوة تبقى بينهم إلى يوم القيامة {وسوف ينبئهم الله} أي يخبرهم {بما كانوا يصنعون} يجازيهم {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى ولما أخبرهم تعالى عن الفريقين مما تقدم جمعهم في المخاطبة وذكرهم ما أتاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أسرار كتبهم احتجاجاً عليهم فقال سبحانه: {يا أهل الكتاب} يا معشر اليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} يعني محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب} يعني يظهر لكم كثيراً مما أخفيتم من التوراة والإِنجيل، وقيل: صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجوب الإِيمان به، وقيل: رجم الزانيين وقد كانوا أخفوا أشياء قد كانوا حرفوها، وقيل: أسرار كتبهم لبلاء يكون حجة عليهم كالبشارة بمحمد، وحديث عيسى، وحديث المسيح الذي كان فيهم، ولم تكن العرب تعرفه {ويعفواْ عن كثير} يصفح عن كثير منهم بالتوبة أو يعفو عن كثير مما تخفونه لا يبينه {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} النور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتاب القرآن، وقوله: {يهدي به الله} قيل: بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: بالقرآن {من اتبع رضوانه} يعني الإِيمان وتصديق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، {سبل السلام} هو دين الله الذي شرعه للعباد وهو الإِسلام، وقيل: يهديه إلى طريق الجنة وهو دار الإِسلام {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} يعني يخرج بالقرآن وبالرسول عباده من ظلمة الكفر إلى نور الإِسلام {بإذنه} بأمره {ويهديهم إلى صراط مستقيم} قيل: طريق وهو دين الإِسلام، وقيل: إلى طريق الجنة {لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم} قال جار الله: معناه بت القول على أن الله هو المسيح ابن مريم لا غير قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم {قل فمن يملك من الله شيئاً} فمن يمنع قدرته، ومشيئته شيئاً {إن أراد أن يهلك} من دعوه إلهاً {المسيح ابن مريم وأمه} دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد {و} أراد بعطف {من في الأرض} على {المسيح ابن مريم وأُمَّهُ} انهما من جنسهم لا تفاوت بينهما في البشرية {يخلق ما يشاء} أي يخلق ما يشاء من ذكر وأنثى ويخلق من انثى من غيره، كما خلق عيسى ويخلق من غير ذكر ولا أنثى كما خلق آدم ويخلق ما يشاء كما خلق الطير على يد عيسى معجزة له وكان يحي الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَا نَصَارَى أَخَذنَا مِيثَاقَهُم}: من الذين متعلق باخذنا، قدم على طريق الاهتمام بتقبيح المأخوذ منهم، أخزاهم الله، وهاء ميثاقهم عائدة الى الذين، أى وأخذنا من الذين قالوا انا نصارى ميثاقهم، وقيل: من الذين خبر لمحذوف موصوف جملة أخذنا، أى ومن الذين قالوا انا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم، كقولهم: منا قام ومنا ظعن، أى فريق قام وفريق ظعن، وانما لم يقل ومن النصارى لأنهم، قبحهم الله وأخزاهم، ابتدعوا هذا الاسم وافتعلوه، ولم يكن فيهم معناه اذ لم ينصروا الله قليل منهم، ثم زالوا كأنه قيل: ومن الذين زعموا أنهم نصارى، واذا ذكرهم فى غير هذه الآية باسم النصارى فعلى مطلق الشهرة بالاسم، ذكر الله أنه أخذ ميثاقهم على لسان رسوله عيسى عليه السلام، وعهد اليهم فى الانجيل أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ولا يخرج عن حكم الانجيل فلم يفعلوا كما قال عز وجل: {فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}: تزكوا نصيبهم من الثواب من الايمان برسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، والعمل بالانجيل، أو زال عن حفظهم بنقض الميثاق حظ من الانجيل والعلم. {فَأَغْرَينَا بَينَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغضَآءَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ}: مقدرين متعلق بأغرينا لا حال مما بعده كما قيل، الا أن يقال: مقدرة أى العدواة والبغضاء مقدرى الدوام بينهم بتفرقهم، واختلاف أهوائهم كل فرقة تكره الأخرى، وصاروا كلهم أنصاراً للشيطان الا من شاء الله، والاغراء الالصاق، وقيل: الهاء لليهود والنصارى، أغرى الله بين اليهود والنصارى العداوة والبغضاء، والأول أوضح. وكنت على عهد من قصة طويلة فى بواص بالصاد، ويقال أيضاً بالسين والآن تحصلت عليها مختصرة، وهى ما يحكى عن الكلبى أن بولس كان سبب ضلالة النصارى، وكان النصارى على دين الاسلام احدى وثمانين سنة بعد ما رفع عيسى عليه السلام، يصلون الى الكعبة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيهم بينهم وبين اليهود حرب، وكان بولس رجلا شجاعا يهوديا قد قتل جملة من أصحاب عيسى عليه السلام، فقال يوماً لليهود: ان كان الحق مع عيسى فكفرنا به، فالنار مصيرنا، فنحن مغبونون ان دخلوا الجنة ودخلنا النار، ولكن سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار، وكان له فرس يقال له: العقاب يقاتل عليه، فعرقب فرسه وأظهر الندامة، وضع على رأسه التراب. فقالت له النصارى: من أنت؟ فقال: بولس عدوكم، وقد نوديت من السماء أن ليس لك توبة الا أن تنتصر، وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة فدخل بيتاً فيها فأقام سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهاراً حتى تعلم الانجيل، ثم خرج فقال: نوديت أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه، ثم مضى الى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والاله كانوا ثلاثة، ثم توجه الى الروم وعلمهم اللاهوت الناسوت، وقال لهم: لم يكن عيسى بانسى ولا بجنى، ولكنه ابن الله، وعلم ذلك رجلا يقال له: يعقوب، ثم دعى رجلا يقال له: ملكان وقال: ان الاله لم يزل ولا يزال عيسى. فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتى، وقد رأيت عيسى فى المنام فرضى عنى، وقال لكل واحد منهم: انى غداً ذابح نفسى فادع الناس الى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه وقال: انما أفعل لمرضاة عيسى. فلما كان يوم ثالثة، دعا كل واحد منهم الناس الى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة من الناس، فافترقت النصارى ثلاث فرق: نصطورية، ويعقوبية، وملكانية، ويقال: ملكية، فاختلفوا واقتتلوا، فقال الله تعالى: {أية : وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم}تفسير : ولم يذكر الله تعالى قولا مقروناً بالأفواه والألسن الا كان ذلك زوراً. ويروى أن بولس يهودى الخ ألقى العداوة بين اليهود والنصارى، كان بينهم وبين النصارى قتال كثير، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأراد أن يحتال بحيلة تقع بها العداوة والبغضاء بينهم، فيتقاتلوا بها الى يوم القيامة، فغاب عنهم زماناً طويلا، ثم جاءهم وجعل نفسه أعور وقال لهم: أتعرفوننى؟ قالوا: أنت الذى فعلت ما فعلت فينا من القتل، قال: قد فعلت ذلك كله الا أن الله سبحانه وتعالى قد وفقنى للتوبة والرجوع الى الحق، بسبب أنى رأيت عيسى عليه السلام فى النوم، نزل من السماء فلطم وجهى لطمة فقأ بها احدى عينى وقال: أى شىء تريد من قومى؟ أما تستحيى من الله! أما تخاف عقابه! فخررت ساجداً لله تعالى بين يديه، وتبت على يديه، وعلمنى شرائع دينه، وأمرنى أن ألحق بكم، وأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم كما علمنى عيسى فى المنام. فقبلوه، واتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة، وفتح كوة الى الناس فى الحائط، وكان يتعبد فى الغرفة، وربما اجتمعوا اليه وسألوه فيجيبهم من تلك الكوة، وربما يقول قولا كان فى الظاهر منكراً فيذكرون عليه القول فيفسره تفسيراً يعجبهم، فانقادوا له كلهم، وكانوا يقبلون قوله فى جميع ما يأمرهم به. فقال يوماً من الأيام: اجتمعوا عندى، وقد حضرنى علم أبثه لكم، فاجتمعوا فقال لهم: أليس الله تعالى خلق هذه الأشياء فى الدنيا لمنفعة ابن آدم؟ كقالوا: نعم، فقال: فلم تحرمون على أنفسكم من بينها الخمر والخنزير، وقد خلق لكم ما فى الأرض جميعا، فأخذوا قوله، فاستحلوا الخمر والخنزير. ولما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال: حضرنى علم اسمعوا ذلك منى وانتفعوا به، فقالوا: ما هو؟ فقال لهم: من أين تطلع الشمس من نواحى الأفق؟ فقالوا: تطلع من قبل المشرق. قال: ومن أى ناحية يطلع القمر والنجوم؟ فقالوا: من قبل المشرق. فقال: ومن يرسلهم من ميل المشرق؟ قالوا: الله تعالى. فقال: فاعلموا أن الله تعالى من قبل المشرق، فاذا صليتم فصلوا اليه، فحولوا صلاتهم الى المشرق. ولما مضى على ذلك أيام دعا بطائفة منهم، وأمرهم أن يدخلوا عليه فى الغرفة فقال لهم: جاءنى عيسى عليه السلام الليلة فقال لى: رضيت عنك لأجل علمك، وتعلمك قومى، فمسح يده على عينى فبرئت، فاعلموا أنى أريد أن أجعل نفسى الليلة قرباناً لأجل عيسى، وقد حضرنى علم أريد أن أخبركم به فى السر لتحفظوه عنى، وتدعوا الناس اليه، فقال: هل يستطيع أحد أن يحيى الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص الا الله تعالى؟ فقالوا: نعم. قال: ان عيسى فعل هذه الأشياء، فاعلموا أنه هو الله، فخرجوا من عنده، ثم دعا بطائفة ثانية فأخبرهم أن عيسى ابن الله، ثم دعا بالثالثة فأخبرهم أن الله ثالث ثلاثة، وقال لكل واحدة من هؤلاء الطوائف: انى أريد أن أجعل نفسى قرباناً لعيسى عليه السلام الليلة. ثم خرج فى بعض الليلة، وغاب عنهم فأصبحوا ولم يجدوه فى موضعه، فقالوا: انه قد التحق بعيسى، فجعل كل واحد يدعو الناس الى ما سمع منه لعنه الله، وكفرت كل طائفة بالأخرى، ووقع بينهم القتال فاقتتلوا، وبقيت بينهم العداوة الى يوم القيامة وهم: النسطورية قالوا: المسيح ابن الله، والملكانية قالوا: ان الله ثالث ثلاثة: المسيح وأمه والله، واليعقوبية قالوا: ان الله هو المسيح. والعداوة ما يحصل بالجارحة من مجاوزة الحد، كشتم باللسان، وضرب باليد، والبغضاء فى القلب تلد العداوة، واطلاق البغضاء على ما باللسان فى قوله تعالى: {أية : قد بدت البغضاء من أفواههم }تفسير : مجاز. {وَسَوفَ يُنَبِّئُهُم اللهُ بِمَا كَانُوا يَصنَعُونَ}: يجازيهم فى الآخرة بما عملوا فى الدنيا.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} متعلق بقوله {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} واجب التقديم لئلا يعود الضمير إِلى متأَخر لفظاً ورتبة فى غير أَبوابه لو قال وأَخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى؛ لأَن الهاء عائدة إِلى الذين قالوا إِنا نصارى، وجىء بتلك العبارة لصورة الاهتمام بالمقدم والتشويق إِلى المؤخر وهو المتعلق لا ليفيد السؤال عن الطائفة الأُخرى وما فعل بها وهى اليهود وأَنه أَخذ الميثاق منهم أَيضاً إِذ لا دلالة على ذلك قط، والمعنى أَخذنا من النصارى ميثاقاً على العمل بالإِنجيل، وفيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب الإِيمان به كما أَخذنا من اليهود الميثاق على العمل بالتوراة والإِيمان به صلى الله عليه وسلم. أَو الهاء لليهود أَى أَخذنا من النصارى ميثاق اليهود أَى مثل ميثاقهم كضربته ضرب الأَمير فيجوز التأخير، قيل أَو يقدر: ومن الذين قالوا إِنا نصارى قوم أَخذنا ميثاقهم، أَو من الذين قالوا إِنا نصارى من أَخذنا ميثاقهم، ومن نكرة موصوفة أَو موصولة، والكوفيون أَجازوا حذف الموصول إِذا علم مطلقاً، أَو لا تزال تطلع على خائنة منهم ومن الذين قالوا إِنا نصارى، فأَخذنا مستأْنف وأَدخل النصرانية إِلى قولهم ردا عليهم فى دعواهم لأَنفسهم كأَنه قيل ومن الذين زعموا أَنهم أَنصار الله وكذبوا فإِنهم خالفوا الله فى اعتقادهم وقولهم وفعلهم فهى نصرانية ادعائية لا واقعة كنصرانية الحواريين، وإِنما هى نصرة الشيطان، والمفرد نصران إِلا أَنه لم يستعمل إِلا بياءِ النسب، وذلك كندمان وندامى وقيل النصرانى نسب إِلى نصورية أَو ناصرة قرية بالشام على غير قياس أَقام بها مع أَمه حين بلغ سنة اثنتى عشرة، وذلك أَنه ولد بالشام في بيت لحم من المقدسة، سنة أَربع وثلاثمائة من غلبة الإسكندر وسارت به أمه إِلى مصر ثم رجعت إِلى الشام به، ونصارى جمع كمهرى ومهارى ثم أطلق على كل من تعبد بدينهم. {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} من الأَوامر والنواهى والإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فى الإِنجيل ونقضوا الميثاق وتفرقوا إِلى اثنتين وسبعين فرقة {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ} أَلصقنا وأَلزمنا بين اليهود والنصارى عند الحسن وبين فرق النصارى عند الزجاج والطبرى، فإِن كل فرقة تكفر الأُخرى الملكانية والبسطورية واليعقوبية تمت من هؤلاء الثلاث الإِحدى والسبعون {الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} لاختلاف أَهواءِ ثلاث الفرق النصرانية أَو أَهواء اليهود والنصارى، زعمت النسطورية أَن عيسى ابن الله وزعمت اليعقوبية أَن الله هو المسيح ابن مريم، وزعمت الملكانية أَن الله ثالث ثلاثة: الله وعيسى وأمه، فهم أَنصار الشيطان وأَنكروا كلهم التوراة وموسى وأَنكر اليهود الإِنجيل وعيسى وأَنكروا القرآن وسيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُم اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} بالجزاءِ إِذا عاقبهم، فالعقاب كتنبئة سوءِ صنعهم فعبر بالمشبه به وهو الإِخبار بصنعهم عن المشبه وهو العقاب، أَو يخبرهم به ثم يعاقبهم: حسد بولس من اليهود النصارى المسلمين على دينهم وأَراد إفساده وتفرقهم وبينه وبينهم قتال قتل منهم كثيرا وغاب كثيرًا وأَعور عينه وجاءَ وقال أَتعرفوننى قالوا أَنت بولس الذي فعل كذا وكذا وقتل كذا قال: نعم، لكن تبت، إِني رأَيت عيسى فى المنام نزل من السماء ولطمنى وفقأَ عينى وقال ما تريد من قومى أَما تخاف عقاب الله، فسجد تائباً، وعلمنى شرائع دينى وأَمرنى أَن أَكون معكم وأَعلمكموها فاتخذوا له غرفة وفتح فيها كوة وتعبد فيها وربما وعظهم من الكوة فيقول لهم ما ينكرون فيفسر لهم بما يفهم فيقبلوه: وقال يوماً، اجتمعوا إِلى أَبث لكم علماً حضرنى، فقال: أَليس الله خلق ما فى الدنيا لنفعكم فلم تحرمون الخمر والخنزير؟ فأَحلوهما، ومضت أَيام فقال اجتمعوا أَبث إِليكم علماً، فقال من يطلع الشمس والقمر والنجوم من المشرق قالو: الله. قال: فالله فيها فصلوا إِليه ففعلوا، ومضت أَيام فدعا طائفة ليلا وأَدخلها غرفته وقال، جاءَنى عيسى ورضى عنى لتعليمى إِياكم ومسح عينى فبرئت من عورها وأُريد أَن أَجعل نفسى الليلة قرباناً لذلك وأَعلمكم علماً تدعون الناس إِليه، هل يحي الموتى ويبرئ الأَكمه والأَبرص إِلا الله؟ قالوا: نعم، قال فاعلموا أَنه الله، فخرجوا بذلك ودعا فى ليلته هذه طائفة فقال إِن عيسى ابن الله وأَنى أَجعل نفسى الليلة قرباناً فخرجوا بذلك وأَمرهم أَن يدعوا لذلك الناس، ودعا طائفة فيها وقال لهم إِن عيسى ثالث ثلاثة وادعوا إِلى ذلك وأَنى أَجعل نفسى قرباناً، وخرجوا بذلك وغاب من ليلته فأصبحوا فلم يجدوه فقالوا التحق بعيسى عليه السلام، وقيل ذبح نفسه، وبعد ذلك دعت كل طائفة إِلى ما أخذت عنه فكان الخلاف والعداوة بينهم.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ} شروع في بيان قبائح النصارى وجناياتهم إثر بيان قبائح وجنايات إخوانهم اليهود، و {مِنْ} متعلقة ـ بأخذنا ـ، وتقديم الجار للاهتمام، ولأن ذكر [حال] إحدى الطائفتين مما يوقع في ذهن السامع أن حال الأخرى ماذا؟ كأنه قيل: ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم والضمير المجرور راجع إلى الموصول، أو عائد على بني إسرائيل الذين عادت إليهم الضمائر السابقة، وهو نظير قولك: أخذت من زيد ميثاق عمرو أي مثل ميثاقه. وجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع خبراً لمبتدأ محذوف أيضاً، وجملة {أَخَذْنَا} صفة أي ـ ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا منهم ميثاقهم ـ وقيل: المبتدأ المحذوف {مِنْ} الموصولة، أو الموصوفة، ولا يخفى أن جواز حذف الموصول وإبقاء صلته لم يذهب إليه سوى الكوفيين. وإنما قال سبحانه: {قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ} ولم يقل جل وعلا ـ ومن النصارى ـ كما هو الظاهر بدون إطناب للإيماء كما قال بعضهم: إلى أنهم على دين النصرانية بزعمهم / وليسوا عليها في الحقيقة لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: للإشارة إلى أنهم لقبوا بذلك أنفسهم على معنى أنهم أنصار الله تعالى، وأفعالهم تقتضي نصرة الشيطان، فيكون العدول عن الظاهر ليتصور تلك الحال في ذهن السامع ويتقرر أنهم ادعوا نصرة الله تعالى وهم منها بمعزل، ونكتة تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم أنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله تعالى ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بالدعوى وقولها دون فعلها، ولا يخفى أن هذا مبني على أن وجه تسميتهم نصارى كونهم أنصار الله تعالى وهو وجه مشهور، ولهذا يقال لهم أيضاً: أنصار، وفي غير ما موضع أن عيسى عليه السلام ولد في سنة أربع وثلثمائة لغلبة الإسكندر في بيت لحم من المقدس، ثم سارت به أمه عليها السلام إلى مصر، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة عادت به إلى الشام فأقام ببلدة تسمى الناصرة، أو «نصورية وبها سميت النصارى ونسبوا إليها، وقيل: إنهم جمع نصران كندامى. وندمان ـ أو جمع نصري ـ كمهري. ومهاري ـ والنصرانية والنصرانة واحدة النصارى، والنصرانية أيضاً دينهم، ويقال لهم: نصارى وأنصار، وتنصر دخل في دينهم». {فَنَسُواْ} على إثر أخذ الميثاق {حَظّاً} نصيباً وافراً {مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ} في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك من الفرائض، وقيل: هو ما كتب عليهم في الإنجيل من الإيمان بالنبـي صلى الله عليه وسلم فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم وتفرقوا إلى اثنتين وسبعين فرقة {فَأَغْرَيْنَا} أي ألزمنا وألصقنا، وأصله اللصوق يقال: غريت بالرجل غرى إذا لصقت به قاله الأصمعي، وقال غيره: غريت به غراءاً بالمد، وأغريت زيداً بكذا حتى غرى به، ومنه الغراء الذي يلصق به الأشياء، وقوله تعالى: {بَيْنَهُمْ} ظرف ـ لأغرينا ـ أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله أي أغرينا {ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاءَ} كائنة بينهم. قال أبو البقاء: ولا سبيل إلى جعله ظرفاً لهما لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، وأنت تعلم أن منهم من أجاز ذلك إذا كان المعمول ظرفاً، وقوله تعالى: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إما غاية للإغراء، أو للعداوة والبغضاء أي يتعادون ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الكثيرة، ومنها النسطورية واليعقوبية والملكانية، وقد تقدم الكلام فيهم، فضمير {بَيْنَهُمْ} إلى النصارى كما روي عن الربيع، واختاره الزجاج. والطبري، وعن الحسن. وجماعة من المفسرين أنه عائد على اليهود والنصارى. {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} في الدنيا من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به، والكلام مساق للوعيد الشديد بالجزاء والعقاب؛ فالإنباء مجاز عن وقوع ذلك وانكشافه لهم، لا أن ثمت أخباراً حقيقة، والنكتة في التعبير بالإنباء الإنباء بأنهم لا يعلمون حقيقة ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعها للعذاب، فيكون ترتيب العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها، والالتفات إلى ذكر الاسم الجليل لما مرّ مراراً، والتعبير عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم فيه و {سَوْفَ} لتأكيد الوعيد.

ابن عاشور

تفسير : ذكر بعد ميثاق اليهود ميثاق النصارى. وجاءت الجملة على شبه اشتغال العامل عن المعمول بضميره حيث قُدّم متعلِّق {أخَذْنا ميثاقهم} وفيه اسْم ظاهر، وجيء بضميره مع العامل للنكتة الداعية للاشتغال من تقرير المتعلِّق وتثبيته في الذهن إذ يتعلّق الحكم باسمه الظاهر وبضميره، فالتقدير: وأخذنا، من الذين قالوا: إنّا نصارى، ميثاقهم، وليس تقديم المجرور بالحرف لقصد الحصر. وقيل: ضمير {ميثاقهم} عائد إلى اليهود، والإضافة على معنى التشبيه، أي من النصارى أخذنا ميثاقَ اليهود، أي مثلَه، فهو تشبيه بليغ حذفت الأداة فانتصب المشبّه به. وهذا بعيد، لأنّ ميثاق اليهود لم يفصّل في الآية السابقة حتّى يشبّه به ميثاق النّصارى. وعبّر عن النصارى بــ{الذين قالوا إنّا نصارى} هُنا وفي قوله الآتي: {أية : ولتجدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى}تفسير : [المائدة: 82] تسجيلاً عليهم بأنّ اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله، وهو أن يكون أتباعه أنصاراً لِما يأمر به الله، {أية : كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاريَ إلى الله قال الحواريّون نحن أنصار الله}تفسير : [الصف: 14]. ومن جملة ذلك أن ينصروا القائم بالدّين بعْد عيسى من أتباعه، مثل بُولس وبَطرس وغيرهما من دعاة الهدى؛ وأعظم من ذلك كلّه أن ينصروا النبيءَ المبشَّر به في التَّوراة والإنجيل الّذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلِّص النّاس من الضلال {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثُمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمِنُنّ به ولتَنْصُرُنَّه}تفسير : [آل عمران: 81] الآية. فجميع أتباع الرسل قد لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصّة النّصارى، فهذا اللقب، وهو النصارى، حجّة عليهم قائمة بهم متلبّسة بجماعتهم كلّها. ويفيد لفظ {قالوا} بطريق التعريض الكنائي أنّ هذا القول غير موفًّى به وأنّه يجب أن يوفّى به. هذا إذا كان النصارى جمعاً لنَاصرِيّ أو نصْرانِي على معنى النسبة إلى النّصر مبالغة، كقولهم: شَعْرَاني، ولِحيَاني، أي النّاصر الشديد النصر؛ فإن كان النّصارى اسم جمع ناصريّ، بمعنى المنسوب إلى الناصري، والناصري عيسى، لأنّه ظهر من مدينة الناصرة. فالناصري صفة عرف بها المسيح ـــ عليه السّلام ـــ في كتب اليهود لأنّه ظهر بدعوة الرسالة من بلد النّاصرة في فلسطين؛ فلذلك كان معنى النسبة إليه النسبة إلى طريقته وشرعه؛ فكلّ من حاد عن شرعه لم يكن حقيقاً بالنسبة إليه إلاّ بدعوى كاذبة، فلذلك قال: {قالوا إنَّا نصارى}. وقيل: إنّ النصارى جمع نصراني، منسوب إلى النصْر: كما قالوا: شعراني، ولِحياني، لأنّهم قالوا: نحن أنصار الله. وعليه فمعنى {قالوا: إنّا نصارى} أنّهم زعموا ذلك بقولهم ولم يؤيّدوه بفعلهم. وقد أخذ الله على النصارى ميثاقاً على لسان المسيح ـــ عليه السّلام ـــ. وبعضه مذكور في مواضع من الأناجيل. وقوله: {فأغرينا بينهم العداوة} حقيقة الإغراء حَثّ أحدٍ على فعل وتحسينُه إليه حتّى لا يتوانى في تحصيله؛ فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة والبغضاء في نفوسهم، أي لزومهما لهم فيما بينهم، شُبّه تكوين العداوة والبغضاء مع استمرارهما فيهم بإغراء أحد أحداً بعمل يعمل تشبيه معقول بمحسوس. ولمّا دلّ الظرف، وهو {بينَهم}، على أنّهما أغْرِيَتَا بهم استُغني عن ذكر متعلّق {أغرينا}. وتقدير الكلام: فأغرينا العداوة والبغضاء بِهم كائنتين بينهم. ويُشبه أن يكون العدول على تعدية «أغرينا» بحرف الجرّ إلى تعليقه بالظرف قرينة أو تجريداً لبيان أنّ المراد بــ {أغرينا} ألْقينا. وما وقع في «الكشاف» من تفسير {أغرينا} بمعنى ألصقنا تطوّح عن المقصود إلى رائحة الاشتقاق من الغِرَاءِ، وهو الدهن الذي يُلْصق الخشب به، وقد تنوسي هذا المعنى في الاستعمال. والعداوة والضمير المجرور بإضافة بينَ إليه يعود إلى النصارى لتنتسق الضّمائر. والعداوَة والبغضاءُ اسمان لمعنيين من جنس الكراهية الشديدة، فهما ضدّان للمحبّة. وظاهر عطف أحدِ الاسمين على الآخر في مواضع من القرآن، في هذه الآية وفي الآيتين بعدها في هذه السورة وفي آية سورة الممتحنة، أنّهما ليسا من الأسماء المترادفة؛ لأنّ التزام العطف بهذا الترتيب بُبعِّد أن يكون لمجرّد التّأكيد، فليس عطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف المرادف لمجرّد التّأكيد، كقوله عَدِي:شعر : وألْفَى قَولهَا كَذِبا وَمَيْنا تفسير : وقد ترك علماء اللّغة بيان التفرقة بين العداوة والبغضاء، وتابعهم المفسّرون على ذلك؛ فلا تجد من تصدّى للفرق بينهما سوى الشيخ ابن عرفة التّونسي، فقال في «تفسيره» «العداوة أعمّ من البغضاء لأنّ العداوة سبب في البغضاء؛ فقد يتعادى الأخ مع أخيه ولا يتمادى على ذلك حتّى تنشأ عنه المباغضة، وقد يتمادى على ذلك» اهـــ. ووقع لأبي البقاء الكفوي في كتاب «الكليّات» أنّه قال: «العداوة أخصّ من البغضاء لأنّ كلّ عدوّ مبغض، وقد يُبغِض من ليس بعدوّ». وهو يخالف كلام ابن عرفة. وفي تعليليْهما مصادرة واضحة، فإن كانت العداوة أعمّ من البغضاء زادتْ فائدةُ العطف لأنّه يصير في معنى الاحتراس، وإن كانت العداوة أخصّ من البغضاء لم يكن العطف إلاّ للتّأكيد، لأنّ التأكيد يحصل بذكر لفظ يدلّ على بعْضٍ مُطلقٍ من معنى الموكَّذ، فيتقرّر المعنى ولو بوجه أعمّ أو أخصّ، وذلك يحصل به معنى التّأكيد. وعندي: أنّ كلا الوجهين غير ظاهر، والذي أرى أنّ بين معنيي العداوة والبغضاء التضادّ والتباين؛ فالعداوة كراهية تصدر عن صاحبها: معاملةٌ بجفاء، أو قطيعة، أو إضرار، لأنّ العداوة مشتقّة من العدو وهو التجاوز والتباعد، فإنّ مشتقّات مادة (ع د و) كلّها تحوم حول التفرّق وعدم الوئام. وأمّا البغضاء فهي شدّة البغض، وليس في مادة (ب غ ض) إلاّ معنَى جنس الكراهية فلا سبيل إلى معرفة اشتقاق لفظها من مادتها. نعم يمكن أن يرجع فيه إلى طريقة القلب، وهو من علامات الاشتقاق، فإنّ مقلوب بَغِض يكون غَضِب لا غير، فالبغضاء شدّة الكراهية غير مصحوبة بَعَدوْ، فهي مضمرة في النفس. فإذا كان كذلك لم يصحّ اجتماع معنيي العداوة والبغضاء في موصوف واحد في وقتتٍ واحد فيتعيّن أن يكون إلقاؤهما بينهما على معنى التّوزيع، أي أغرينا العداوة بين بعض منهم والبغضاءَ بين بعضضٍ آخر. فوقع في هذا النظم إيجاز بديع، لأنّه يرجع إلى الاعتماد على علم المخاطبين بعدم استقامة اجتماع المعنيين في موصوف واحد. ومن اللّطائف ما ذكره ابن هشام، في شرح قصيدة كعب بن زهير عند قول كعب:شعر : لكنَّها خُلّة قد سِيط من دَمها فَجْع وولْع وإخلاف وتبديل تفسير : أنّ الزمخشري قال: إنّه رأى نفسه في النّوم يقول: العداوة مشتقّة من عُدوة الوادي، أي جانبه، لأنّ المتعاديين يكون أحدهما مفارقاً للآخر فكأنّ كلّ واحد منهما على عدوة اهـــ. فيكون مشتقّاً من الاسم الجامد وهو بعيد. وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم كان عقاباً في الدنيا لقوله: {إلى يوم القيامة وسوف ينبّئهم الله بما كانوا يصنعون} جزاء على نكثهم العهد. وأسباب العداوة والبغضاء شدّة الاختلاف: فتكون من اختلافهم في نحَل الدّين بين يعاقبة، وملكانية، ونسطورية، وهراتقة (بروتستانت)؛ وتكون من التحاسد على السلطان ومتاع الدّنيا، كما كان بين ملوك النّصرانية، وبينهم وبين رؤساء ديانتهم. فإن قيل: كيف أغريت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلْبا على المسلمين؟ فجوابه: أنّ العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فِرقاً، كما قدّمناه في سورة النساء (171) عند قوله تعالى: {أية : وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه}تفسير : ، وذلك الانقسام يجرّ إليهم العداوة وخذْل بعضهم بعضاً. ثمّ إنّ دولهم كانت منقسمة ومتحاربة، ولم تزل كذلك، وإنّما تألّبوا في الحروب الصّليبية على المسلمين ثمّ لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن. وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة وتأليف اتّحاد بينهم، وكان اختلافهم لطفاً بالمسلمين في مختلف عصور التّاريخ الإسلامي، على أنّ اتّفاقهم على أمّة أخرى لا ينافي تمكُّن العداوة فيما بينهم، وكفى بذلك عقاباً لهم على نسيانهم ما ذكّروا به. وقيل: الضمير عائد على الفريقين، أي بين اليهود والنصارى، ولا إشكال في تجسّم العداوة بين الملّتين. وقوله: {وسوف ينبّئُهم الله} تهديد لأنّ المراد بالإنباء إنباء المؤاخذة بصنيعهم، كقوله: {أية : فسوف تعلمون}تفسير : [الأنعام: 135]. وهذا يحتمل أن يحصل في الآخرة فالإنباء على حقيقته، ويحتمل أن يحصل في الدنيا، فالأنباء مجاز في تقدير الله لهم حوادث يعرفون بها سوء صنيعتهم.

القطان

تفسير : وكما أخذنا ميثاقاً على اليهود أخذنا مثله من النصارى: أن يؤمنوا بالإنجيل وبالوحدانية، والثبات على طاعتنا وأداء فرائضنا، واتباع رسلنا والتصديق بهم. لكن هؤلاء أيضاً تخلّوا عن كثير مما أُمروا به في الانجيل الحقيقي. فعاقبهم الله على ذلك بإثارة العداوة والخصومة بينهم، وهذه المشاهد والحوادث تثبت هذه العداوة. وأكبر دليل على ذلك ما يجرى اليوم من قتال مرير في ايرلندا الشمالية بسبب التعصب الديني والطائفي. وفي كل الدول التي تدّعي المدنيّة ممن يدين بالنصرانية، لا تدخل طائفةٌ كنيسة الطائفة الأخرى حتى هذا اليوم. ولا يصلّون الا في كنائسهم، ولا يتزاوجون الا نادراً، ويكون الزواج مدنياً في أغلبِ الأحيان. وسوف يخبركم الله يوم القيامة بما كانوا يعملون.

د. أسعد حومد

تفسير : {نَصَارَىٰ} {مِيثَاقَهُمْ} {ٱلْقِيَامَةِ} (14) - وَكَذَلِكَ أخَذَ اللهُ تَعَالَى المِيثَاقَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالقِيَامِ بِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِمْ، فَسَلَكُوا فِي مِيثَاقِ اللهِ طَرِيقَ اليَهُودِ، فَبَدَّلُوا دِينَهُمْ، وَنَقَضُوا المِيثَاقَ الذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَنَسُوا حَظّاً كَبيراً مِنْ كِتابِهِمْ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلاَمُ لَمْ يَكْتُبْ مَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنَ المَواعِظِ، وَتَوحِيدِ اللهِ وَتَنْزِيهِهِ، وَلاَ طُرُقَ الإِرْشَادِ إلى عِبَادَةِ اللهِ، وَكَانَ الذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَامَّةِ (الحَوَارِيُّونَ كَانُوا مِنَ الصَّيَّادِينَ)، وَاشْتَدَّ اليَهُودُ فِي مُطَارَدَتِهِمْ فَتَفَرَّقُوا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَاتٌ ذَاتُ قُوَّةٍ وَنُفُوذٍ وَعِلْمٍ تُدَوِّنُ مَا حَفِظُوهُ مِنَ الإِنْجِيلِ. وَالإِنْجِيلُ لَمْ يُكْتَبْ إلاَّ بَعْدَ ثَلاَثَةِ قُرُونٍ عِنْدَمَا دَخَلَ قِسْطَنْطِينُ في النَّصْرَانِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَاً فِي تَفَرُّقِهِمْ وَتَعَادِيهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ شِيَعاً وَطَوَائِفَ، كُلُّ فِئَةٍ تُكَفِّرُ الأخْرَى وَتُعَادِيها. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ ألْقَى بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ حَتَّى قِيامِ السَّاعَةِ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُنْبِئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا، وَبِمَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَبِمَا نَسَبُوا إلَيهِ مِنْ أنَّ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَداً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَأغْرَيْنَا - هَيَّجْنَا وَحَرَّشْنَا.

الثعلبي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} في التوحيد والنبوة {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا} بالعهد {بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ألا وهو الخصومات والجدال في الدين. قال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تحبط الأعمال واختلفوا في المعنى بالهاء والميم في قوله {بَيْنَهُمُ}. فقال مجاهد وقتادة والسدّي وابن زيد: يعني بين اليهود والنصارى. وقال ابن زيد: كما تغري بين البهائم. وقال الربيع: هم النصارى وحدها، وذلك راجع إلى فرق النصارى النسطورية واليعقوبية والملكية، {أية : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تفسير : [الزخرف: 67] {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} في الآخرة ويجازيهم به وهذا وعيد من اللّه تعالى {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} التوراة والإنجيل مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} ويترك أخذكم بكثير ممّا تخفون {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} يعني محمد صلى الله عليه وسلم {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} بيّن، وقيل: مبيّن وهو القرآن {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ} مجاهد وعبيد بن عمير ومسلم بن جندب: يهدي به اللّه بضم الهاء على الأصل لأن أصل الهاء الضمة، وقرأ الآخرون بكسر الهاء إتباعاً. {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} رضاه ومعنى رضاه بالشيء قبوله ومدحه له فأثابه عليه وهو خلاف السخط والغضب {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} لطرف السلم وهو الله تعالى وسبيله دينه الذي شرع لعباده وبعث به رسله {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من ظلام الكفر إلى نور الإيمان {بِإِذْنِهِ} بتوفيقه وهدايته وإرادته ومشيئته {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }، {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي من يطيق أن يدفع من أمر الله شيئاً فيرده إذا قضاء، وهو من قول القائل: ملكت على فلان أمره إذا ضلّ لا يقدر أن ينفّذ أمراً. الآية {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} ولم يقل: وما بينهنّ لأنّ المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد قالوا إنهم نصارى. وأخذ الحق الميثاق منهم، إما ميثاق الذر وإما ميثاقهم لنبيهم عيسى ابن مريم، فنسوا حظاً مما ذكروا به وتركوا ما أمرهم به الإنجيل ونقضوا الميثاق، فتفرقوا في عداء ملحوظ فِرَقاً شتى، وجاء أمر الله كما وعد: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: هُمْ قَومٌ سُموا بِقَريةٍ يُقالَ لَها نَاصِرة، وَكَانَ عِيسى بن مَريمَ عَلَيهما السَّلامُ يَنزِلُهَا. تفسير : وقوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} معناه هَيَّجْنَا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وكما أخذنا على اليهود العهد والميثاق، فكذلك أخذنا على { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } لعيسى ابن مريم، وزكوا أنفسهم بالإيمان بالله ورسله وما جاءوا به، فنقضوا العهد، { فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } نسيانا علميا، ونسيانا عمليا. { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أي: سلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق. { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } فيعاقبهم عليه.

همام الصنعاني

تفسير : 685- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي في قوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ}: [الآية: 14]، قال: هم اليهود والنصارى أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يومِ القيامة. 696- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ}: [الآية: 14]، قال: تَسمُّوا بقَرْيَةٍ يقال لَها ناصِرَة وكان عيسى ابن مريم ينزلها.