Verse. 684 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

يٰۗاَہْلَ الْكِتٰبِ قَدْ جَاۗءَكُمْ رَسُوْلُنَا يُـبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيْرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُوْنَ مِنَ الْكِتٰبِ وَيَعْفُوْا عَنْ كَثِيْرٍ۝۰ۥۭ قَدْ جَاۗءَكُمْ مِّنَ اللہِ نُوْرٌ وَّكِتٰبٌ مُّبِيْنٌ۝۱۵ۙ
Ya ahla alkitabi qad jaakum rasooluna yubayyinu lakum katheeran mimma kuntum tukhfoona mina alkitabi wayaAAfoo AAan katheerin qad jaakum mina Allahi noorun wakitabun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أهل الكتاب» اليهود والنصارى «قد جاءكم رسولنا» محمد «يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون» تكتمون «من الكتاب» التوراة والإنجيل كآية الرجم وصفته «ويعفو عن كثير» من ذلك فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم «قد جاءكم من الله نورٌ» هو النبي صلى الله عليه وسلم «وكتابٌ» قرآن «مبين» بين ظاهر.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }. وأعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال {يا أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وإنما وحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس، ثم وصف الرسول بأمرين: الأول: أنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون. قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأخفوا أمر الرجم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّـن ذلك لهم، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. والوصف الثاني للرسول: قوله {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي لا يظهر كثيراً مما تكتمونه أنتم، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين، والفائدة في ذكر ذلك أنهم يعلمون كون الرسول عالماً بكل ما يخفونه، فيصير ذلك داعياً لهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا. ثم قال تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } وفيه أقوال: الأول: أن المراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن، والثاني: أن المراد بالنور الإسلام، وبالكتاب القرآن. الثالث: النور/ والكتاب هو القرآن، وهذا ضعيف لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وتسمية محمد والإسلام والقرآن بالنور ظاهرة، لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى به البصر على إدراك الأشياء الظاهرة، والنور الباطن أيضاً هو الذي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات.

البيضاوي

تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه للجنس. {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } كنَت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام بأحمد صلى الله عليه وسلم في الإِنجيل. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} مما تخفونه لا يخبر به إذا لم يضطر إليه أمر ديني، أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه. {قَدْ جَاءَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ} يعني القرآن فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال والكتاب الواضح الإِعجاز. وقيل يريد بالنور محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات، والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي: يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} فكان الرجم مما أخفوه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: {جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يـَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ } اليهود والنصارى {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } محمد {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ } تكتمون {مّنَ ٱلْكِتَٰبِ } التوراة والإنجيل كآية الرجم وصفته {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } من ذلك فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم و {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ } هو النبي صلى الله عليه وسلم {وَكِتَٰبٌ } قرآن {مُّبِينٌ } بَيِّنٌ ظاهر.

الشوكاني

. تفسير : الألف واللام في {الكتاب} للجنس، والخطاب لليهود والنصارى {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } أي: محمد صلى الله عليه وسلم حال كونه: {يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } المنزل عليكم، وهو التوراة والإنجيل: كآية الرجم وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردة {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } مما تخفونه، فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية، فإنّ ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرّد افتضاحكم؛ وقيل المعنى: إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به؛ وقيل: يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم، والجملة في محل نصب عطفاً على الجملة الحالية: أعني قوله: {يُبَيّنُ لَكُمْ }. قوله: {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ } جملة مستأنفة مشتملة على بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد تضمنت بعثته فوائد غير ما تقدم من مجرد البيان. قال الزجاج: النور: محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل الإسلام. والكتاب المبين: القرآن، فإنه المبين، والضمير في قوله: {يَهْدِى بِهِ } راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور لكونهما كالشيء الواحد {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } أي: ما رضيه الله، و {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ }: طرق السلامة من العذاب الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة؛ وقيل المراد بالسلام: الإسلام {وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ } الكفرية إِلَى ٱلنُّورِ الإسلامي، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } إلى طريق يتوصلون بها إلى الحق، لا عوج فيها ولا مخافة. وقد أخرج ابن جرير، عن قتادة، في قوله: {رَسُولِنَا } قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير أيضاً عن عكرمة قال: إن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور وبالمواثيق التي أخذت عليهم حتى أخذه أفكل، فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة جلدة وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } يقول: عن كثير من الذنوب. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ } هي: سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه وابتعث به رسله: وهو الإسلام.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} يعني: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ورجم الزانين. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} مما سواه. {قَدْ جَآءَكم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} فى النور تأويلان: أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول الزجاج. الثاني: القرآن وهو قول بعض المتأخرين. قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبِعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} فيه تأويلان: أحدهما: سبيل الله، لأن الله هو السلام، ومعناه دين الله، وهذا قول الحسن. والثاني: طريق السلامة من المخافة، وهو قول الزجاج. {وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} يعني: من الكفر إلى الإِيمان بلطفه. {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فيه تأويلان: أحدهما: طريق الحق وهو دين الله، وهذا قول الحسن. والثاني: طريق الجنة فى الآخرة، وهو قول بعض المتكلمين.

ابن عبد السلام

تفسير : {تُخْفُونَ} من نبوّة ـ محمد صلى الله عليه وسلم ورجم الزانيين. {نُورٌ} محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن العزيز.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يا أهل الكتاب} يعني اليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} يعني محمد صلى الله عليه وسلم {يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب} يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم يظهر كثيراً مما أخفوا وكتموا من أحكام التوراة والإنجيل وذلك أنهم أخفوا آية الرجم وصفة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك وأظهره وهذا معجزة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ كتابهم ولم يعلم ما فيه فكان إظهاره ذلك معجزة له {ويعفو عن كثير} يعني مما يكتمونه فلا يتعرض له ولا يؤاخذهم به لأنه لا حاجة إلى إظهاره والفائدة في ذلك أنهم يعلمون كون النبي صلى الله عليه وسلم عالماً بما يخفونه وهو معجزة له أيضاً فيكون ذلك داعياً لهم إلى الإيمان به {قد جاءكم من الله نور} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم إنما سماه الله نوراً لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور في الظلام وقيل: النور هو الإسلام {وكتاب مبين} يعني القرآن {يهدي الله به} يعني يهدي الله بالكتاب المبين {من اتبع رضوانه} أي اتبع ما رضيه الله وهو دين الإسلام لأنه مدحه وأثنى عليه {سبل السلام} قال ابن عباس: يريد دين الله وهو الإسلام فسبله دينه الذي شرع لعباده وبعث به رسله وأمر عباده باتباعه. وقيل: سبل السلامة طرق السلام. وقيل: سبل السلام دار السلام فيكون من باب حذف المضاف {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} يعني من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان {بإذنه} يعني بتوفيقه وهدايته {ويهديهم إلى صراط مستقيم} يعني دين الإسلام قوله عز وجل {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}. قال ابن عباس: هؤلاء نصارى نجران، فإنهم قالوا هذه المقالة وهو مذهب اليعقوبية والملكانية من النصارى لأنهم يقولون بالحلول وأن الله قد حل في بدن عيسى فلما كان اعتقادهم ذلك لا جرم حكم الله عليهم بالكفر ثم ذكر الله ما يدل على فساد مذهبهم فقال تعالى: {قل} يعني يا محمد لهؤلاء النصارى الذين يقولون هذه المقالة {فمن يملك} يعني يقدر أن يدفع {من الله شيئاً} يعني من أمر الله شيئاً {إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه} يعني يعدم المسيح وأمه {ومن في الأرض جميعاً} ووجه الاحتجاج على النصارى بهذا أن المسيح لو كان إنما كما يقولون لقدر على دفع أمر الله إذا أراد إهلاكه وإهلاك أمه وغيرها {ولله ملك السموات والأرض وما بينهما} إنما قال وما بينهما ولم يقل وما بينهن لأنه أراد ما بين هذين النوعين أو الصنفين من الأشياء فإنها ملكه وأهلها عبيده وعيسى وأمه من جملة عبيده {يخلق ما يشاء} يعني من غير اعتراض عليه فيما يخلق لأنه خلق آدم من غير أب وأم وخلق عيسى من أم بلا أب وخلق سائر الخلق من أب وأم {والله على كل شيء قدير} يعني أن الله تعالى لا يعجزه شيء أراده فلا اعتراض لأحد من خلقه عليه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية: أهْلُ الكتابِ: لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارَىٰ، ولكنْ نوازل الإخفاء؛ كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود؛ لأنهم كانوا مُجَاوِرِي رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في مُهَاجَرِهِ، وفي إعلامه صلى الله عليه وسلم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ ـــ دليلٌ على صحَّة نبوَّته؛ لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}: أي: لم يفْضَحْهم فيه؛ إبقاءً عليهم، والضميرُ في {يَعْفُوَاْ} للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ}: هو محمَّد صلى الله عليه وسلم، و {كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}: هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، والتوراةُ: أي: لو ٱتَّبَعْتُمُوها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، وَ {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ}: أي: طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا ٱسماً من أسماءِ اللَّه عزَّ وجلَّ، فالمعنَىٰ: طُرُق اللَّه، و {ٱلظُّلُمَـٰتِ}: الكُفْر، و {ٱلنُّورُ}: الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر. وقوله سبحانه: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ}: أيْ: لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالَىٰ في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ. وقوله سبحانه: {يَخْلُقُ مَا يَشَاء}: إشارةٌ إلَىٰ خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير والد، بل اختراعاً؛ كآدم ـــ عليه السلام ـــ. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ}: عموم معناه الخصوص فيما عدا الذَّات، والصفاتِ، والمحالاتِ.

ابن عادل

تفسير : لما حكى عن اليهود والنَّصارى نَقْضَ العَهْد، دَعَاهُم بعد ذلك إلى الإيمان بِمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، فقال: {يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} وأراد اليَهُود والنَّصَارى، وَوَحَّد "الكِتَاب" إرادة للْجِنْس. ثم قال: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ}. قال ابن عباس: أخْفُوا آية الرَّجْمِ من التَّوْراة وبَيَّنَها الرَّسُول - عليه السلام - لهم، وهو لَمْ يَقْرأ [كتاباً] ولم يتعلَّم علماً من أحَد، وهذه مُعْجِزة، وأخفوا صِفَةَ مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - في الإنْجِيلِ، وغير ذَلِك. قوله: "يُبَيِّن" في محلِّ نَصْب على الحَال من "رَسُولُنَا"، أي: جَاءَكم رسولُنا في هذه الحالة، و"ممَّا" يتعلَّق بَمْحذُوف؛ لأنَّه صِفَة لـ "كَثيراً"، و"مَا" موصولةٌ اسميَّة، و"تُخْفُون" صلتُهَا، والعائد مَحْذُوفٌ، أي: من الذين كُنْتُم تُخْفُونَهُ، و"مِن الكِتَابِ" متعلِّق بِمَحْذُوف على أنَّه حالٌ من العَائِد المَحْذُوف. وقوله: {وَيعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}، أي: لا يُظْهِر كثيراً مما كُنْتُم تُخْفُون من الكِتَاب، فلا يتعرَّض لكم، ولا يُؤاخذكم به؛ لأنَّه لا حاجةَ له إلى إظْهَارِهِ، والفَائِدةُ في ذلك: أنهم علموا كَوْنَ الرَّسُول عالماً بكُلِّ ما يُخْفُونَه، فيصير ذلك داعياً لهم إلى تَرْكِ الإخْفَاء، لئلا يفتضح أمرهم. والضَّمِير في "يُبَيِّنُ" و"يَعْفُو" يعود على الرَّسُول. وقد جوَّز قومٌ أن يعود على الله تعالى، وعلى هذا فلا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ: "يُبَيِّنُ" من الإعراب، ويمتنعُ أن يكون حَالاً من "رَسُولُنَا" لعدم الرَّابِط، وصِفَةُ "كَثِير" محذوفة لِلْعِلْمِ بها، وتَقْدِيرُه: عن كثير من ذُنُوبِكُمْ، وحذف الصِّفَة قَلِيلٌ. قوله: {قَد جَاءَكُم من اللَّهِ نُورٌ} لا محلَّ له [من الإعراب] لاستئنَافِه، و"من اللَّه" يَجُوز أن يتعلق بـ "جاء"، وأن يتعلَّق بمحذُوف على أنَّه حَالٌ من "نُورٌ"، قدِّمت صفة النَّكرة عليها، فنُصِبَتْ حالاً. فصل في معنى الآية والمراد بالنُّور: محمد - عليه الصلاة والسلام -، وبالكتاب: القُرْآن، وقيل: المراد بالنُّور: الإسلام، وبالكِتَاب القُرْآن، وقيل: النُّور والكتاب والقُرْآن، وهذا ضعيفُ؛ لأنَّ العَطْفَ يوجبُ التَّغَاير. قوله تعالى: "يَهْدِي" فيه خَمْسَة أوجه: أظهرها: أنَّه في محلِّ رفْع؛ لأنَّهُ صفة ثَانِيَةٌ لـ "كِتَاب"، وصفَهُ بالمفرد ثم بالْجُمْلَة، وهو الأصْلُ. الثاني: أن يكون صِفَةً أيضاً لكن لـ "نُورٌ"، وصَفَهُ بالمُفْرَد ثم بالجُمْلَة، ذكره أبو البقاء وفيه نظر، إذ القَاعِدَةُ أنَّه إذا اجْتَمَعَتِ التَّوابع قُدِّم النَّعْت على عَطْف النَّسَق، تقول جاء زَيْدٌ العَاقِل وعَمْرو، ولا تقُولُ: جاء زيْدٌ وعمرو العَاقِل؛ لأنَّ فيه إلباساً أيضاً. الثالث: أن يكون حالاً من "كِتَاب"، لأن النَّكرة لما تخصَّصَت بالوَصْف قَرُبت من المَعْرِفة. وقياس قول أبي البقاء أنَّه يجوز أن يكون [حالاً من "نُورٌ"، كما جاز أن يكُون] صِفَة لَهُ. الرابع: أنَّهُ حال من "رسُولُنا" بدلاً من الجُمْلَة الواقِعَة حالاً له، وهي قوله: "يُبَيِّنُ". الخامس: أنَّهُ حالٌ من الضَّمير في "يُبَيِّن" ذكرهما أبُو البقاء، ولا يَخْفَى ما فيهما من الفَصْلِ؛ ولأن فيه ما يُشْبِهُ تَهْيِئَة العَامِل للعَمَلِ، وقَطْعه عنه، والضَّمِير في "بِهِ" يعُودُ على من جعل "يَهْدي" حالاً منه، أو صِفَة لَه. قال أبو البقاء: فَلِذَلِكَ أفْرِدَ، أي: إن الضمير في "بِهِ" أُتِي به مُفْرداً، وقد تقدَّمه شيئان وهُمَا: "نُورٌ" و"كِتَابٌ"، ولكن لما قصد بالجُمْلَة من قوله: "يَهْدي" الحال، أو الوصف من أحدهما، أُفْرِد الضَّمير. وقيل: الضمير في "بِهِ" يعود على الرَّسُول [وقيل: يَعُودَ على "السَّلام"]، وعلى هذين القَوْلَيْن لا تكون الجُمْلَةُ من قوله: "يَهْدِي" حالاً ولا صِفَةً لعدم الرَّابط. و"مَنْ" موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفةٌ، ورَاعَى لَفْظَها في قولِهِ: "اتَّبَع" فلذلك [أفرد الضَّمِير، ومَعْناها، فَلِذَلك] جمعه في قوله: "وَيُخْرِجُهُم". وقرأ عُبَيْد بن عُمَيْر، ومُسْلِم بن جُنْدُب، والزُّهَري "بهُ" بضم الهاء حيث وقع، وقد تقدَّم أنَّه الأصْل. وقرأ الحسن "سُبْلَ" بسكون الباء، وهو تخْفيفٌ قياسي به كقولهم في عُنُق: عُنْق، وهذا أوْلَى لِكَوْنه جمعاً، وهو مَفْعُول ثانٍ لـ "يَهْدِي" على إسقاط حَرْفِ الجرِّ، أي إلى "سُبْل"، وتقدَّمَ تحقيق نظيره، ويجُوزُ أن يَنْتَصِبَ على أنَّهُ بدَل من "رِضْوَانَهُ" إما بَدَل كُل من كلّ لأن سبل السلام [هي رضوان الباري تعالى، وإما بدل اشتمال؛ لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام؛ أو لأنها مشتملة على رضوان الله تعالى، وإما بدل] بعض من كل؛ لأن سبل السلام بعض الرضوان. فصل معنى {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ} أي: بالكِتَابِ المُبِين {من اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} أي: كان مطلوبُهُ من طلب الدِّين اتِّباع الدِّين [الذي] يَرْتَضِيه اللَّه، "سُبُلَ السلام" [أي: طُرُق السَّلامَة] وقيل: السلام هو الله عزَّ وجلَّ، و"سُبُلَهُ": دينَهُ الذي شرع لِعبَادِه، ويجُوزُ أن يكون على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: سُبُل دار السلام، ونظيره قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 4 - 5] ومعلومٌ أنَّه ليس المُرادُ هِدَايَة الاسْتِدْلاَل، بل الهدايَةُ إلى طَرِيق الجَنَّة. ثم قال: {ويخْرِجُهُم من الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ} أي: من ظُلمات الكُفْر إلى نورِ الإيمان "بإذْنِهِ" بتوفيقه و"بإذنِهِ" متعلِّق بـ "يُخْرِجُهُم" أي: بتَيْسِيره أو بأمْره، و"البَاءُ" للحال أي: مُصَاحِبِين لِتَيْسِيرِه أو للسَّبَبِيَّة، أي: بسبب أمْرِه المُنَزَّل على رسوله. وقيل: "الباء" تتعلق بالاتِّبَاع، أي: يتَّبع رِضْوَانه بإذْنِه. قال ابنُ الخَطِيب: ولا يجُوزُ أن تتعلَّق بالهِدَاية، [ولا بالإخْرَاج؛ لأنَّه لا مَعْنَى له، فَدَلَّ ذلك على أنَّه لا يتبع رضوان الله إلا من أرَادَ اللَّه منه ذَلِكَ]. ثم قال: {يَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيم} وهو الدِّين الحقُّ.

البقاعي

تفسير : ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين، أقبل عليهم واعظاً منادياً متلطفاً مستعطفاً مرغباً مرهباً فقال: {يا أهل الكتاب} أي عامة {قد جاءكم رسولنا} أي الذي أرسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ناواه {يبين لكم} أي يوضح إيضاحاً شافياً {كثيراً مما كنتم} أي بما لكم من جبلة الشر والخيانة {تخفون من الكتاب} أي العظيم المنزل عليكم، من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الزنا وغيرهما، لإحياء سنة وإماتة بدعة - كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة، وذلك دال بلا شبهة على صحة رسالته {ويعفوا عن كثيراً} أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالاً لأمرنا له بذلك - كما تقدم أنه إحسان منه صلى الله عليه وسلم إليكم، لأنه لا فائدة في إظهاره إلا فضيحتكم. ولما أخبر عن فصله للخفايا، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنور، اقتضى الحال توقع الإخبار بأنه نور، فقال مفتتحاً بحرف التوقيع والتحقيق: {قد جاءكم} وعظمه بقوله معبراً بالاسم الأعظم: {من الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {نور} أي واضح النورية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كشف ظلمات الشك والشرك، ودل على جمعه مع فرقه بقوله: {وكتاب} أي جامع {مبين} أي بين في نفسه، مبين لما كان خافياً على الناس من الحق. ولما كانت هدايته مشروطة بشرط صلاح الجبلة، بين ذلك بقوله واصفاً له: {يهدي به} أي الكتاب {الله} أي الملك الأعظم القادر على التصرف في البواطن والظواهر {من اتبع} أي كلف نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر الهوى بأن تبع {رضوانه} أي غاية ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه، ثم ذكر مفعول {يهدي} فقال: {سبل} أي طرق {السلام} أي الله، باتباع شرائع دينه والعافية والسلامة من كل مكروه {ويخرجهم من الظلمات} أي كدورات النفوس والأهواء والوساس الشيطانية {إلى النور} أي الذي دعا إليه العقل فيصيروا عاملين بأحسن الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في النور {بإذنه} أي بتمكينه. ولما كان من في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره لغيبته عنه ببعده منه، وتكثر عليه الأسباب فلا يدري أيها الوصف أو يقرب إيصاله ويسهل أمره، قال كافلاً لهم بالنور مريحاً من تعب السير: {ويهديهم} أي بما له من إحاطة العلم والقدرة {إلى صراط مستقيم *} أي طريق موصل إلى الغرض من غير عوج أصلاً، وهو الدين الحق، وذلك مقتض للتقرب المستلزم لسرعة الوصول.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم أنه في كتابهم، وقال‏:‏ لكنا نخفيه، فنزلت ‏ {‏يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب‏} ‏ وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا‏} ‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يبين لكم كثيرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ يبين لكم محمد رسولنا كثيراً مما كنتم تكتمونه الناس؛‏ ولا تبينونه لهم مما في كتابكم، وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس‏:‏ رجم الزانيين المحصنين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال‏:‏ أيكم أعلم‏؟‏ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم، هل تجدون الرجم في كتابكم‏؟‏ فقال‏:‏ إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله ‏ {‏يا أهل الكتاب‏} ‏ إلى قوله ‏{‏صراط مستقيم‏}‏‏. وأخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب‏.‏ قال تعالى ‏ {‏يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب‏} ‏ قال‏:‏ فكان الرجم مما أخفوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏{‏ويعفو عن كثير‏} ‏ من ذنوب القوم جاء محمد باقالة منها وتجاوز إن اتبعوه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏{‏يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام‏} ‏ قال‏:‏ سبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عمل إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَا أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} التفاتٌ إلى خطاب الفريقين على أن الكتاب جنسٌ شاملٌ للتوراة والإنجيل إثرَ بـيانِ أحوالهما من الخيانة وغيرها من فنون القبائح ودعوةٌ لهم إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، وإيرادُهم بعنوان أهلية الكتاب لانطواء الكلامِ المصدَّر به على ما يتعلق بالكتاب وللمبالغة في التشنيع، فإن أهلية الكتاب من موجباتِ مراعاته والعمل بمقتضاه وبـيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا من الكَتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا} الإضافة للتشريف، والإيذانِ بوجوب اتباعه وقوله تعالى: {يُبَيّنُ لَكُمْ} حال من رسولنا، وإيثارُ الجملة الفعلية على غيرها للدَلالة على تجدّد البـيان، أي قد جاءكم رسولُنا حال كونه مبـيناً لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة {كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي التوراةِ والإنجيل كبِعثةِ محمد عليه الصلاة والسلام، وآيةِ الرجم في التوراة وبشارةِ عيسى بأحمدَ عليهما السلام في الإنجيل، وتأخيرُ (كثيراً) عن الجار والمجرور لما مر مراراً من إظهار العناية بالمُقدَّم، لما فيه من تعجيل المَسَرَّة والتشويق إلى المؤخر لأن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر ـ لا سيما مع الإشعار بكونه من منافع المخاطَب ـ تبقَى النفسُ مترقبة إلى وروده، فيتمكن عندها إذا ورد فضلُ تمكنٍ، ولأن في المؤخَّر ضربَ تفصيل ربما يُخِلُّ تقديمُه بتجاذب أطرافِ النظم الكريم، فإن (مما) متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لكثيراً، و(ما) موصولة اسمية وما بعدها صلتُها، والعائدُ إليها محذوف، و(من الكتاب) متعلق بمحذوف هو حال من العائد المحذوف، والجمع بـين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والإخفاء، أي يبـين لكم كثيراً من الذي تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذي أنتم أهله والمتمسكون به {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي ولا يُظهر كثيراً مما تخفونه، إذا لم تدعُ إليه داعيةٌ دينية صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح كما يُفصحُ عنه التعبـير عن عدم الإظهار بالعفو، وفيه حثّ لهم على عدم الإخفاء ترغيباً وترهيباً، والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلةٌ في حكمها، وقيل: يعفو عن كثيرٍ منكم ولا يؤاخذه، وقوله تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} جملة مستأنفةٌ مسوقةٌ لبـيان أن فائدةَ مجيءِ الرسول ليست منحصرةً فيما ذُكر من بـيانِ ما كانوا يُخفونه، بل له منافعُ لا تحصى، و(من الله) متعلقٌ بجاء، و(من) لابتداء الغاية مجازاً، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من نور، وأياً ما كان فهو تصريحٌ بما يشعر به إضافةُ الرسول من مجيئه من جنابه عز وجل، وتقديمُ الجار والمجرور على الفاعل للمسارعة إلى بـيان كون المجيء من جهته العالية، والتشويق إلى الجائي، ولأن فيه نوعَ تطويلٍ يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم، كما في قوله تعالى: {أية : وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [هود، الآية:120] وتنوين (نور) للتفخيم، والمراد به وبقوله تعالى: {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ} القرآن، لما فيه من كشف ظلمات الشرْك والشك وإبانة ما خفِيَ على الناس من الحق والإعجاز البـيِّن، والعطف لتنزيل المغايَرَة بالعنوان منزلة المُغايرة بالذات، وقيل: المرادُ بالأول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وبالثاني القرآن.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [الآية: 15]. قال بعضهم: جاءكم نور قبلتم به ما آتاكم الرسول صلى الله عليه وسلم من بيان الكتاب. وقال بعضهم: بعناية الأزل وصلتم إلى نور الكتاب المبين ونور التوحيد والأنوار الظاهرة والباطنة. قال ابن عطاء: تنال بهذا النور ما هو أجل من النور كمن أخذ سراجاً إلى بيت مظلم فبذره فى البيت، فيجد به أخلَّ من السراج. وقيل: كشف عن أسرارهم غطاء الوحشة وألبسهم لباس الأنس. قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [الآية: 15]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ينال العبد بالنور ما هو أجلُّ من النور، كداخل البيت سراج يجد فيه جوهره. قال النصرآباذى: إنه إنما دعى إلى النور الأدنى من عمى عن النور الأعلى. وقال بعضهم: قد جاءكم من الله نور يفهمكم فوائد الكتاب المبين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على صدقه؛ إذ لولا صدقه لما عَرَفَ ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من أمارات خُلُقِه؛ إذ لولا خُلُقُهُ لَمَا فعل ذلك؛ فإظهار ما أبداه دليل عِلْمه، والعفو عما أخفى برهانِ حِلْمِه. قوله جلّ ذكره: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغني عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سِرِّه شواهد الأغيار، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى.

البقلي

تفسير : {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} نور المعرفة بلا واسطة ولا تصنع وايضا نور الذى يتجلى به من وجود الانبياء والاولياء لا بصار الناظرين اهد ذلك النور ما جاء فى كتابه من بيان مقامات الصديقين قد جاء النور منه جمعا وجاء الكتاب تفرقة ظاهرة فى شاهدته ---------- الكتاب صفتان من صفات الازل ولجذب السالكين الى الله قيل كشف عن اسراركم غطاء هشة والبسكم لبسا الانس قال بعضكم بعناية الازل وصلتم الى نور الكتاب المبين ونور التوحيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا اهل الكتاب} يعنى اليهود والنصارى والكتاب جنس شامل للتوراة والانجيل {قد جاءكم رسولنا} الاضافة للتشريف والايذان بوجوب اتباعه {يبين لكم} حال من رسولنا اى حال كونه مبينا لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة {كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} اى كثيرا كائنا من الذى كنتم تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب اى التوراة والانجيل الذى انتم اهله والمتمسكون به كنعت محمد عليه السلام وآية الرجم فى التوراة وبشارة عيسى باحمد عليهما السلام فى الانجيل {ويعفوا عن كثير} مما تخفونه اى لا يظهره ولا يخبره اذا لم يضطر اليه امر دينى صيانة لكم عن زيادة الافتضاح {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} المراد بالنور والكتاب هو القرآن لما فيه من كشف ظلمات الشرك والشك وابانة ما خفى على الناس من الحق او الاعجاز الواضح والعطف المنبىء على تغاير الطرفين لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات وقيل المراد بالاول هو الرسول صلى الله عليه وسلم وبالثانى القرآن.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في: {به}، يعود إلى النور والكتاب، ووحَّدَه؛ لأن المراد به شيء واحد، لأن النور هو الكتاب المبين، أو لأنهما جنس واحد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أهل الكتاب} اليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم {يُبين لكم كثيرًا مما كنتم تُخفون من الكتاب} كصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم التي في التوراة، وكبشارة عيسى بأحمد التي في الإنجيل، {ويعفو عن كثير} مما تخفونه وتحرفونه، فلم يخبر به، ولم يفضحكم، حيث لم يؤمر به، أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه وسوء أدبه معه. {قد جاءكم} يا أهل الكتاب {من الله نور وكتاب مبين}، عطف تفسير، فالنور هو الكتاب المبين، أو النور: محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ والكتاب المبين: القرآن؛ لأنه الكاشف لظلمات الشك والضلال، والواضح الإعجاز والبيان، {يهدي به الله من اتبع رضوانه} أي: من اتبع رضى الله بالإيمان به، والعمل بما فيه، {سُبل السلام} أي: طرق السلامة من العذاب، أو طرق الله الموصلة إليه، {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر، إلى نور الإسلام {بإذنه} أي: بإرادته وتوفيقه، {ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي: طريق توصلهم إليه لا عوج فيها. الإشارة: قد أطْلَع الله علماء الباطن على مقامات علماء الظاهر وأحوالهم وجل مساوئهم، ولا سيما من كان عالمًا بالظاهر ثم انتقل إلى علم الباطن، كالغزالي وابن عباد وغيرهما. فقد تكلم الغزالي في صدر الإحياء مع علماء الظاهر، ففضح كثيرًا من مساوئهم. وكذلك ابن عباد في شرح الحكم، وعفوًا عن كثير ـ فهم على قدم رسول الله صلى عليه وسلم وخواص ورثته، لأنهم حازوا الوراثة كلها، كما في المباحث: شعر : تَبِعَةُ العَالِم في الأقوَال والعَابِد الزَّاهِد في الأفعَال وفِيهما الصُّوفِيُّ في السباق لكنَّه قّد زَادَ بالأخلاَق تفسير : فالولي نور من نور الله، وسر من أسراره، يُخرج به من سبقت له العناية من ظلمات الحجاب إلى نور الشهود، ويهدي به من اصطفاه لحضرته تعالى طريق الوصول إليه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مساوئ أهل الكتاب وضلالتهم، تحريضاً على قتالهم إن لم يسلموا أو يعطوا الجزية، فقال: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ}.

الطوسي

تفسير : آيتان كوفي وثلاث بصري ومدني. هذا خطاب لأجل الكتاب من اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول فيما أمرهم به، ودعاهم اليه، فقال لهم. قد جاءكم رسولنا محمد (صلى الله عليه واله) يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب أي يبين للناس ما كنتم تخفونه. وقال ابن عباس وقتادة: إن مما بينه رجم الزانين، وأشياء كانوا يحرفونها بسوء التأويل. وانما لم يقل: يا أهل الكتابين، لأن الكتاب اسم جنس. وفيه معنى العهد، وهو أو جزوا حسن في اللفظ من حيث كانوا، كانهم أهل كتاب واحد. والوجه في تبيين بعضه، وترك بعضه أنه يبين ما فيه دلالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) من صفاته، ونعته، وبشارته به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كما اتفق في الرجم وما عدا هذين مما ليس في تفصيله فائدة يكفي ذكره في الجملة. وقوله: {ويعفو عن كثير} معناه يترك كثيراً لا يأخذكم به، ولا يذكره لانه لم يؤمر به على قول ابي علي وقال الحسن: ويصفح عن كثير بالتوبة منه. ومعنى النور في الآية يحتمل امرين: احدهما - أنه النبي (صلى الله عليه واله) في قول الزجاج والاخر - هو القرآن على قول ابي علي وانما سمي نوراً، لانه يهتدى به كما يهتدى بالنور، ويجب ان يتبع لانه نور مبين عن الحق من الباطل في الدين. والاولى ان يكون كناية عن النبي، لأن قوله: {وكتاب مبين} المراد به القرآن، وقوله: {يهدي به الله} يعني يفعل اللطف المؤدي الى سلوك طريق الحق يعني بالنبي (صلى الله عليه واله) او الكتاب {من اتبع رضوانه} يعني رضا الله والرضوان والرضا من الله ضد السخط. وهو ارادة الثواب لمستحقه وقال قوم: هو المدح على الطاعة والثناء. وقال الرماني: هو جنس من الفعل يقتضي وقوع الطاعة الخالصة مما يبطلها، ويضاد الغضب. قال لان الرضا بما كان يصح، وارادة ما كان لا يصح إذ قد يصح أن يرضى بما كان، ولا يصح أن يريد ما كان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الرضا عبارة عن ارادة حدوث الشيء من الغير، غير انها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتخللها كراهة، فتسميتها بالرضا، موقوفة على وقوع المراد إلا أن بعد وقوع المراد بفعل ارادة هي رضا لما كان فسقط ما قاله. وقوله: {سبل السلام} السبل جمع سبيل. وفي السلام قولان: احدهما - هو الله في قول الحسن والسدي - والمعنى دين الله. وقال: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن} الثاني - قال الزجاج: إنه السلامة من كل مخافة ومضرة إلا ما لا يعتد به، لانه يؤول إلى نفع في العاقبة. وقوله: {يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه} معناه من الكفر الى الايمان، لان الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالايمان إلى النجاة كما يهتدي. بالنور وقوله: {بإذنه} معناه بلطفه. وقوله: {يهديهم إلى صراط مستقيم} معناه يرشدهم إلى طريق الحق. وهو دين الحق. وقال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتي يؤديه إلى الجنة. وبه قال أبو علي. ومعنى {صراط مستقيم} طريق مستقيم وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه.

الجنابذي

تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} كتاب النّبوّة بصورة التّوارة والانجيل تعريض بامّة محمّد (ص) واخفائهم بعده كثيراً من الكتاب وبتبيين علىّ (ع) لهم ما يخفون، وقد ذكر فى نزول الآية "حديث : انّه كان فى زان وزانيةٍ محصنين من اشراف اليهود وكرهوا رجمهما فسألوا محمّداً (ص) عن ذلك فقال (ص): "حكمهما الرّجمّ"، فأبوا ورضوا بابن صوريا وكان أعلم اليهود فسأله محمّد (ص) عن ذلك فقال: "نعم هو الرّجم" فأمر بهما النّبىّ فرجما عند باب مسجده"تفسير : {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} يعرض عنه ولا يظهره {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تأكيدٌ للجملة الاولى ولذا لم يأت بالعطف، وكونه تأكيداً اذا كان المراد بالنّور الولاية وبالكتاب النّبوّة ظاهر، فانّ الرّسول صاحب الولاية والنّبوّة، واذا كان المراد بالنّور امير المؤمنين (ع) وبالكتاب القرآن ايضاً ظاهر، لانّ الرّسالة تستلزم ما به الرّسالة وما لأجله الرّسالة والاوّل الكتاب والثّانى الولاية، وعلمت سابقاً انّها من شؤن الولىّ ومتّحدة مع علىّ (ع).

اطفيش

تفسير : {يَا أَهلَ الكِتَابِ}: اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب الجنس الصادق باثنين: التوراة والانجيل. {قَد جَآءَكُم رَسُولُنَا}: محمد صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخفُونَ مِنَ الكِتابِ}: من أحكام التوراة والانجيل موافقة لسلاطينكم، وجلباً للدنيا، واستبقاء للرياسة، وكصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم فى التوراة، وبشارة عيسى بأحمد فى الانجيل وغير ذلك من كل ما يخفون لفظه أو حروفه بالمحو أو بالتبديل أو بالتفسير على غير المراد، وتبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخفوه معجزة، وجملة يبين حال من رسولنا، والكتاب التوراة والانجيل. {وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ}: علمه مما تخفونه بالوحى، ولم يظهر لكم من حيث أنه لا حاجة الى اظهاره، ولم تكن المصلحة فى افتضاحكم به، وقيل: يعفو بمعنى لا يؤاخذكم به، وهو أعم من القول قبله، لأن الافتضاح يكون مؤاخذة، ولو كان لا يقصدها صلى الله عليه وسلم انتقاما لنفسه، بل لله، ولأظهار الرسالة، وكونه رسولا، وقيل: يعفو عن كثير منكم لا يؤاخذوه به. قال الحسن: وقيل: {وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ} بمعنى أحل لكم كثيراً مما حرم عليكم، وما فسرت به أولى ان شاء الله بمعنى أنه يظهر كثيراً مما أخفوه أو هو ما أظهره حياء للدين، وبياناً لشرائعه كصفته وشرائع الدين، ويخفى ما لا تعلق له بذلك. {قَد جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}: النور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور فى الظلام، وقيل: النور الاسلام، وهو معانى القرآن وسائر ما يوحى اليه صلى الله عليه وسلم، والكتاب المبين القرآن، سماه مبيناً لوضوح معانيه واعجازه من أبان اللازم، أو لأنه يبين الحق من الباطل، من أبان المتعدى، ويجوز أن يكون النور هو القرآن أيضاً، وصفه الله بأنه نور، وأنه كتاب مبين أى قرآن جامع بين كونه نوراً من الضلال، وكتاباً مبيناً للحق، أو واضح المعنى والاعجاز، وقيل: المراد بالنور موسى، وبالكتاب المبين التوراة، والصحيح غير هذا.

اطفيش

تفسير : {يا أَهل الْكِتَابِ} اليهود والنصارى وأل للجنس فشمل التوراة والإِنجيل وأَضافهم إِلى الكتاب تشنيعا عليهم بأَن أَنزل عليهم وانتسبوا إِليه ولم يعملوا به. {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنا} محمد صلى الله عليه وسلم وأَضافه إِلى نفسه إِغراءً إِلى الإِيمان به. {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} التوراة والانجيل، كما كتموا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم إِظهارها وبمحوها وبتبديلها بضدها وبتفسيرها بغيرها، وكل ذلك إِخفاء، وكما أَخفت اليهود آية الرجم وبدلوها بتشويه الوجه والإِركاب إِلى خلف الدابة، وكما كتمت النصارى تبشير عيسى به صلى الله عليه وسلم عليهما فى الإِنجيل، بين الله ذلك لرسوله وبينه لهم ليعلموا أَنه رسول الله. سأَلوه صلى الله عليه وسلم عن الرجم فقال: أَيكم أَعلم؟ قالوا: عبد الله بن صوريا فأَنشده بالذى أَنزل التوراة على موسى ورفع الطور وسائر المواثيق حتى أَخذته الرعدة فأَثبت الرجم وقال: بدله اليهود بالحلق للرءوس جلد مائة لما كثر، فحكم على اليهودى الزانى بالرجم وروى أَنه جيىءَ بالتوراة فأَمر بالقراءَة فقرأَ القارىء وأَخفى آية الرجم فقال له عبد الله بن: سلام ارفع يدك عنها فقرأَها {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} مما أَخفيتموه سترا عليكم ورحمة مما ليس فيه إِلا افتضاحكم أَو يعفو عن كثير منكم مع إِخفائه فلم يعاقبه فى الدنيا أَو لا يعاقبه فى الآخرة لتوبته، فاحذروا الإِخفاءَ لتنجوا من الفضيحة والعذاب. {قَدْ جَاءَكُمُ مِنَ اللهِ نُورٌ} نبى كأَنه نفس النور وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منافعه لكم لا تحصى فلا تكفروا به فتبطلوا هؤلاءِ المنافع ولم يجىء لفضيحتكم فقط بالإِخفاءِ ونكر نورا وكتابا وصراطا للتعظيم. {وَكِتَابٌ} قرآن {مُبِينٌ} لما خفى من الحق ولما يحتاج إِليه، أَو بين فى نفسه واضح الصحة والحقية، أَو النور أَيضا القرآن سماه نورا لأَنه يبين ما خفى وما يحتاج إِلى تركه أَو فعله من ضلال وهدى كالنور فى ظلمة ينجى من المهالك، وسماه كتابا لأَنه مجموع موضح أَو واضح فى نفسه كما مر ويناسب كون النور والكتاب شيئاً واحدا هو القرآن الإِفراد فى قوله: {يَهْدِىِ بِهِ اللهُ} إِذ لم يقل بهما إِلا أَنه لا مانع من عودهاءبه إِلى لكتاب فإِن الهداية به هداية بالنور الذى هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالعكس، أَو عادت الهاء إِلى النور الذى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والكتاب المبين وأَفرد الضمير لاتحادهما حكما؛ لأَن المقصود بهما إِظهار الحق والدعاء إِليه، أَو أَفرد للتأْويل بما ذكر {مَنِ اتَّبَعَ} قضى الله باتباعه وإِرادته للحق {رِضْوَانَهُ} رضاه بالإِيمان منهم {سُبُلَ} طرق، هو معمول آخر بلا تقدير جار أَو بتقديره وهو إِلى أَو اللام أَو بدل من رضوان بدل كل أَو بعض أَو اشتمال. {السَّلاَمِ} الله كما قال جل وعلا {أية : هو الله الذى لا إِله إِلا هو الملك القدوس السلام} تفسير : [الحشر: 23]، فالمراد شرائع الله تعالى وذكر نفسه باسم السلام لسلامته من النقائص التى اثبتتها اليهود والنصارى فذلك رد عليهم أَو السلامة من العذاب، أَو السلام الدين بمعنى الإِسلام كما هو ظاهر قول ابن عباس: يريد دين الإِسلام أَو المراد سبل دار السلام {وَيُخْرِجُهُمْ} به {مِنَ الظُّلُمَاتِ} الكفر الشبيه بالظلمات المتراكمة أَو المتحادية أَو الجهالات أَو الاعتقادات الشبيهة بها والجامع الهلاك والمضرات {إِلَى النُورِ} الإِيمان الشبيه بالنور أَو العلوم أَو الاعتقادات الشبيهة به، {بِإِذْنِه} بارادته لا قهر على الله ولا اضطرار ولا طبع، أَو بتيسيره وجعله حالهم موافقا لما يأْذن فيه ويطلق إِليه ولا يحرمه {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} لا عوج فيه مؤديا إِلى هلاك أَو ضر هو دين الإِسلام، والصراط المستقيم هو سبل السلام وكرره لاختلافهما مفهوما ولو اتحدا ماصدقا، وقيل الصراط المستقيم الطريق فى الأَرض إِلى الجنة يوم القيامة.

الالوسي

تفسير : { يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} التفات إلى خطاب الفريقين من اليهود والنصارى على أن الكتاب جنس صادق بالواحد / والاثنين وما فوقهما، والتعبير عنهم بعنوان أهلية الكتاب للتشنيع، فإن أهلية الكتاب من موجبات مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا} محمد صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بذلك مع الإضافة إلى ضمير العظمة للتشريف والإيذان بوجوب اتباعه عليه الصلاة والسلام {يُبَيّنُ لَكُمْ} حال من {رَسُولِنَا} وإيثار الفعلية للدلالة على تجدد البيان أي حال كونه مبيناً لكم على سبيل التدريج حسبما تقتضيه المصلحة {كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي التوراة والإنجيل، وذلك كنعت النبـي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وبشارة عيسى بأحمد عليهما الصلاة والسلام، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه قال: حديث : إن نبـي الله تعالى صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم فقال عليه الصلاة والسلام: «أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والذي رفع الطور وبالمواثيق التي أخذت عليهم حتى أخذه أفكل فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم فأنزل الله تعالى هذه الآية»تفسير : وتأخير {كَثِيراً} عن الجار والمجرور لما مرّ غير مرة، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والإخفاء، و {مّمَّا} متعلق بمحذوف وقع صفة ـ لكثيراً ـ وما موصولة اسمية وما بعدها صلتها، والعائد محذوف، و {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} حال من ذلك المحذوف أي يبين لكم كثيراً من الذي تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذي أنتم أهله والعاكفون عليه {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي ولا يظهر كثيراً مما تخفونه إذا لم تدع إليه داعية دينية صيانة لكم عن زيادة الافتضاح، وقال الحسن: أي يصفح عن كثير منكم ولا يؤاخذه إذا تاب واتبعه، وأخرج ابن حميد عن قتادة مثله، واعترض أنه مخالف للظاهر لأن الظاهر أن يكون هذا الكثير كالكثير السابق، وفيه نظر ـ كما قال الشهاب ـ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة فهي متغايرة، نعم اختار الأول الجبائي وجماعة من المفسرين، والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلة في حكمها. {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} عظيم وهو نور الأنوار والنبـي المختار صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب قتادة واختاره الزجاج، وقال أبو علي الجبائي: عنى بالنور القرآن لكشفه وإظهاره طرق الهدى واليقين واقتصر على ذلك الزمخشري، وعليه فالعطف في قوله تعالى: {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ} لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات، وأما على الأول: فهو ظاهر، وقال الطيبـي: إنه أوفق لتكرير قوله سبحانه: {قَدْ جَاءكُمُ} بغير عاطف فعلق به أولاً وصف الرسول والثاني: وصف الكتاب، وأحسن منه ما سلكه الراغب حيث قال: بين في الآية الأولى والثانية النعم الثلاث التي خص بها العباد النبوة والعقل والكتاب، وذكر في الآية الثالثة ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدم فـ {أية : يَهْدِى بِهِ} تفسير : [المائدة: 16] إلى آخره يرجع إلى قوله سبحانه: {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } و {أية : يُخْرِجُهُم} تفسير : [المائدة:16] الخ يرجع إلى قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} و {أية : وَيَهْدِيهِمْ} تفسير : [المائدة:16] يرجع إلى قوله عز شأنه: {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } كقوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] انتهى. وأنت تعلم أنه لا دليل لهذا الإرجاع سوى اعتبار الترتيب اللفظي، ولو أرجعت الأحكام الثلاثة إلى الأول لم يمتنع، ولا يبعد عندي أن يراد بالنور والكتاب المبين النبـي صلى الله عليه وسلم، والعطف عليه كالعطف على ما قاله الجبائي، ولا شك في صحة إطلاق كل عليه عليه الصلاة والسلام، ولعلك تتوقف في قبوله من باب / العبارة فليكن ذلك من باب الإشارة، والجار والمجرور متعلق بجاء، و {مِنْ} لابتداء الغاية مجازاً، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من نور، وتقديم ذلك على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجىء من جهته تعالى العالية والتشويق إلى الجائي، ولأن فيه نوع طول يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم، والمبين من بان اللازم بمعنى ظهر فمعناه الظاهر الإعجاز، ويجوز أن يكون من المتعدي فمعناه المظهر للناس ما كان خافياً عليهم.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن ذكر من أحوال فريقي أهل الكتاب وأنبَائهم ما لا يعرفه غير علمائهم وما لا يستطيعون إنكاره أقبل عليهم بالخطاب بالموعظة؛ إذ قد تهيَّأ من ظهور صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ما يسهّل إقامة الحجّة عليهم، ولذلك ابتدىء وصفُ الرسول بأنّه يبيَّن لهم كثيراً ممّا كانوا يخفون من الكتاب، ثم أعقبه بأنَّه يعفو عن كثير. ومعنى {يعفو} يُعرض ولا يُظهر، وهو أصل مادّة العفو. يقال: عفا الرسم، بمعنى لم يظهر، وعفاه: أزال ظهوره. ثم قالوا: عفا عن الذنب، بمعنى أعرض، ثم قالوا: عفا عن المذنب، بمعنى ستر عنه ذنبه،ويجوز أن يراد هنا معنى الصفح والمغفرة، أي ويصفح عن ذنوب كثيرة، أي يبيّن لكم دينكم ويعفو عن جلهكم. وجملة {قد جاءكم من الله نور} بدل من جملة {قد جاءكم رسولنا} بدل اشتمال، لأنّ مجيء الرسول اشتمَل على مجيء الهُدى والقرآن، فوزانها وزان (عِلمُه) من قولهم: نفعني زيد علمه، ولذلك فصلت عنها، وأعيد حرف (قَد) الداخل على الجملة المبدل منها زيادة في تحقيق مضمون جملة البدل، لأنّ تعلّق بدل الاشتمال بالمبدل منه أضعف من تعلّق البدل المطابق. وضمير {به} راجع إلى الرسول أو إلى الكتاب المبين. وسُبلُ السلام: طرق السلامة الّتي لا خوف على السائر فيها. وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سُحيم بن وثيل الرياحي:شعر : ومررتُ على وادي السباع ولا أرى كوادِي السباع حين يُظلِم وادِيا أقَلّ به ركبٌ أتـــوهَ تَئِيَّــةً وأخوفَ إلاّ ما وقى اللّهُ ساريا تفسير : فسبيل السلام استعارة لطرق الحقّ. والظلماتُ والنّور استعارة للضلال والهدى. والصراط المستقيم مستعار للإيمان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} الآية. لم يبين هنا شيئاً من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كانوا يخفون من الكتاب، يعني التوراة والإنجيل، وبين كثيراً منه في مواضع أخر. فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني المحصن، وبينه القرآن في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [آل عمران: 23]. يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن بالرجم، وهم معرضون عن ذلك منكرون له، ومن ذلك، ما أخفوه من صفات الرسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول، كما بينه تعالى بقوله: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. ومن ذلك إنكارهم أن الله حرم عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم، كما قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160]، وقوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146]. فإنهم أنكروا هذا، وقالوا لم يحرم علينا إلا ما كان محرماً على إسرائيل، فكذبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [آل عمران: 93]. ومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد بينها تعالى بقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} تفسير : [الصف: 6] إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم.

الواحدي

تفسير : {يا أهل الكتاب} يعني: اليهود والنَّصارى {قد جاءكم رسولنا} محمَّد {يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب} تكتمون ممَّا في التَّوراة والإِنجيل، كآية الرَّجم، وصفة محمَّد عليه السَّلام {ويعفو عن كثير} يتجاوز عن كثير فلا يخبركم بكتمانه {قد جاءكم من الله نور} يعني: النبيَّ {وكتاب مبين} القرآن فيه بيانٌ لكلِّ ما تختلفون فيه. {يهدي به الله} يعني: بالكتاب المبين {مَنِ اتبع رضوانه} اتَّبع ما رضيه الله من تصديق محمَّد عليه السَّلام {سُبُل السلام} طرق السَّلامة التي مَنْ سلكها سلم في دينه {ويخرجهم من الظُّلمات} الكفر {إلى النور} الإِيمان {بإذنه} بتوفيقه وإرادته {ويهديهم إلى صراط مستقيم} وهو الإِسلام. {لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم} يعني: الذين اتَّخذوه إِلهاً {قل فمن يملك من الله شيئاً} فمَنْ يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئاً {إن أراد أن يهلك المسيح} أَيْ: يُعذِّبه، ولو كان إلهاً لقدر على دفع ذلك. {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} أَمَّا اليهود فإنّهم قالوا: إنَّ الله من حِنَّتِهِ وعطفه علينا كالأب الشفيق، وأمَّا النَّصارى فإنَّهم تأوَّلوا قول عيسى: إذا صلَّيتم فقولوا: يا أبانا الذي في السَّماء تقدَّس اسمه، وأراد أنَّه في برِّه ورحمته بعباده الصالحين كالأب الرحيم. وقيل: أرادوا نحن أبناء رسل الله، وإنما قالوا هذا حين حذَّرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عقوبة الله، فقال الله: {قل فلمَ يعذِّبكم بذنوبكم} أَيْ: فلمَ عذَّب مَنْ قبلكم بذنوبهم، كأصحاب السَّبت وغيرهم {بل أنتم بشرٌ ممَّن خلق} كسائر بني آدم {يغفر لمن يشاء} لَمنْ تاب من اليهودية {ويعذب من يشاء} مَنْ مات عليها، وقوله: {على فترة من الرسل} على انقطاع من الأنبياء {أن تقولوا} لئلا تقولوا {ما جاءنا من بشير ولا نذير} وقوله: {وجعلكم ملوكاً} أَيْ: جعل لكم الخدم والحشم، وهم أوَّل مَن ملك الخدم والحشم من بني آدم {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} من فلق البحر لكم، وإغراق عدوِّكم، والمنِّ والسَّلوى، وغير ذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 15- يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - محمد - داعياً إلى الحق، يظهر لكم كثيراً مما كنتم تكتمونه من التوراة والإنجيل، ويدع كثيراً مما أخفيتموه مِمَّا لم تدع الحاجة إلى إظهاره، قد جاءكم من عند الله شريعة كاملة هى نور فى ذاتها، ويبيِّنها كتاب واضح. 16- يهدى الله بهذا الكتاب إلى سبيل النجاة من اتجه إلى مرضاته، ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بتوفيقه، ويرشدهم إلى طريق الحق. 17- لقد كفر الذين زعموا - باطلا - أن الله هو المسيح ابن مريم، فقل -أيها الرسول - لهؤلاء المجترئين على مقام الألوهية: لا يستطيع أحد أن يمنع مشيئة الله إن أراد أن يهلك عيسى وأمه، ويهلك جميع مَن فى الأرض فإن لله - وحده - ملك السموات والأرض وما بينهما، يخلق ما يشاء على أى مثال أراد، والله عظيم القدرة لا يعجزه شئ. 18- وقالت اليهود والنصارى: إننا المفضلون، لأننا أبناء الله والمحببون لديه فقل لهم - أيها الرسول -: فلماذا يعذبكم بذنوبكم، ويصليكم نار جهنم؟ لقد كذبتم لأنكم كسائر البشر مخلوقون ومحاسبون على أعمالكم، وبيد الله - وحده - المغفرة لمن يشاء أن يغفر له، والعذاب لمن يشاء أن يعذبه، لأن لله ملك السموات والأرض وما بينهما، وإليه المنتهى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أهل الكتاب: هنا هم اليهود والنصارى معاً. قد جاءكم رسولنا: محمد صلى الله عليه وسلم. تخفون من الكتاب: الكتاب التوراة والإِنجيل، وما يخفونه صفات النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الأحكام، المخالفين لها يجحدونها خوف المعرة كالرجم مثلاً. ويعفو عن كثير: لا يذكرها لكم لعدم الفائدة من ذكرها. نور وكتاب مبين: النور محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب القرآن الكريم. إلى صراط مستقيم: الإِسلام وهو الدين الحق الذي لا نجاة إلا به. والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه. معنى الآيتين: ما زال السياق في أهل الكتاب فبعد أن بين تعالى باطلهم وما هم عليه من شر وسوء دعاهم وهو ربهم وأرحم بهم من أنفسهم إلى سبيل نجاتهم وكمالهم دعاهم إلى الإِيمان برسوله وكتابه ذلك الرسول الذي ما اتبعه أحد وندم وخزي والكتاب الذي ما ائتم به أحد وضل أو شقي، فقال: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} أي محمد صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ} بوحينا {كَثِيراً} من مسائل الشرع والدين التي تخفونها خشية الفضيحة لأنها حق جحدتموه وذلك كنعوت النبي الأمي وصفاته حتى لا يؤمن به الناس، وكحكم الرجم في التوراة وما إلى ذلك. {وَيَعْفُواْ} يترك كثيراً لم يذكر لعدم الداعي إلى ذكره يا أهل الكتاب {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} ربكم {نُورٌ} هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} وهو القرآن إذ بين كل شيء من أمور الدين والدنيا وكل ما تتوقف سعادة الإِنسان وكماله عليه دنيا وأخرى {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ} تعالى {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} وذلك بالرغبة الصادقة في الحصول على رضا الله عز وجل بواسطة فعل محابه وترك مساخطه عن كل معتقد وقول وعمل يهديه به {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} أي طرق السعادة والكمال، {وَيُخْرِجُهُمْ} أي المتبعين رضوان الله {مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ} وهي ظلمات الكفر والشرك والشك، إلى نور الإِيمان الصحيح والعبادة الصحيحة المزكية للنفس المهذبة للشعور بتوفيقه وعونه تعالى ويهديهم أي أولئك الراغبين حقاً في رضا الله {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا يضلون معه ولا يشقون أبداً وهو دينه الحق الإِسلام الذي لا يقبل ديناً غيره، والذي ما اهتدى من جانبه ولا سعد ولا كمل من تركه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- نصح الله تعالى لأهل الكتاب بدعوتهم إلى سبل السلام بالدخول في الإِسلام. 2- بيان جحود اليهود والنصارى لكثير من الأحكام الشرعية ودلائل النبوة المحمدية مكراً وحسداً حتى لا يؤمن الناس بالإِسلام ويدخلوا فيه. 3- اتباع السنة المحمدية يهدي صاحبه إلى سعادته وكماله. 4- القرآن حجة على الناس كافة لبيانه الحق في كل شيء. 5- طالب رضا الله بصدق يفوز بكل خير وينجوا من كل ضير.

القطان

تفسير : يا أهل الكتاب: لقد جاءكم محمد داعياً الى الحق، يظهر لكم كثيراً مما كنتم تكتمونه من التوراة والانجيل، مثل: صفة النبي، وقضيته الرجم، وبشارة عيسى فيه، وغير ذلك.. ومع هذا فإن رسولنا لا يتعرض لكثير مما تخفونه وتكتمونه لأنه لا حاجة الى إظهاره. فلماذا تحيدون عن صواب اتّباعه!! لقد جاءكم من عند الله بشريعة كاملة هي نور بذاتها، أضاءت العالم، ونشرت فيه العدالة والمساواة.. فلماذا تتعامون عن الحقيقة!! إن الله يهدي بهذا الكتاب كلَّ من أطاعه واتّبع رضاه, وبه يُخرج هذا العالم من ظلمات الكفر الى نور الإيمان، كما يهديهم الى الطريق القويم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} {ٱلْكِتَابِ} {وَيَعْفُواْ} {كِتَابٌ} (15) - يَا أهْلَ الكِتَابِ إنَّا أرْسَلْنَا مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ، وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ كَثِيراً مِنَ الأحْكَامِ التي أنْزَلَهَا اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَكُنْتُمْ تُخْفُونَهَا (كَالرَّجْمِ للزّانِي المُحْصِنِ، وَكَصِفَاتِ مُحَمَّدِ، وَالبشَارَةِ بِهِ التِي حَرَّفْتُمُوهَا وَحَمَلْتُمُوهَا عَلَى مَعَانٍ أخْرَى، وَمِثْلِ الأحْكَامِ التِي أخْفَيْتُمُوهَا وَنَسِيتُمُوهَا كَنِسْيَانِ اليَهُودِ مَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ مِنْ أخْبَارِ الحِسَابِ وَالجَزَاءِ فِي الآخِرَةِ، وَقَدْ أظْهَرَ الرَّسُولُ لَهُمْ كَلَّ ذَلِكَ) وَمَعَ هَذا فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا يُحْفُونَهُ، وَلا يُظْهِرُ الكَثِيرَ مِمَّا كَانُوا يِكْتُمُونَهُ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِباً أهْلَ الكِتَابِ: إِنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ نُورٌ مِنَ اللهِ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، فَالنُّورُ هُوَ النَّبِيُّ الذِي لَوْلاَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالقُرْآنِ، لَمَا عَرَفُوا الدِّينَ الحَقَّ، وَلاَ مَا طَرَأَ عَلَى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ مِنْ تَبْدِيلٍ وَتَحْرِيفٍ، وَالكِتَابُ هُوَ القُرآنُ. نُورٌ - هُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن الحق سبحانه وتعالى يعطيهم الفرصة والعذر حتى لا يقولن واحد منهم: لم يبلغني عن رسولي شيء. وهناك فترة لم يأت فيها رسول. وها هوذا رسول من الله يأتي حاملاً لمنهج متكامل. ومجيء الرسول يمنحهم ويعطيهم فرصة لتجديد ميثاق الإيمان. وهم قد أخفوا من كتبهم بعض الأحكام. مثل الرجم والربا، وقال بعض من بني إسرائيل في الربا ما ذكره القرآن عنهم: {أية : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} تفسير : [آل عمران: 75] أي أنهم أقروا الإقراض بالربا لمن هم على غير دينهم، ولكن لا ربا في تعاملهم مع أبناء دينهم. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلم الشمل وأن يجمع أيديهم مع يده؛ لأنه نبي انتظروه ولهم في كتبهم البشارة به. وأن يقف الجمع المؤمن أمام موجة الإلحاد في الأرض حتى يسيطر نظام السماء على حركة الأرض؛ لذلك قال الحق: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌْ}. ومعنى ذلك ان كتمانهم لبعض منهج الله قد صنع ظلمة في الكون. ومادامت قد حدثت ظلمانية في الكون، وخاصة ظلمانية القيم، إذن فالكون صار في حاجة إلى من ينير له الطريق. ونعرف أن النور هو ما نتبين به الأشياء. وحين يعرض الحق لنا قضية النور الحسي يريد أن يأخذ بيدنا من النور الحسي إلى النور المعنوي؛ فالنور الحسي يبدد ظلام الطريق حتى لا نصطدم بالأشياء أو نقع في هوة أو نكسر شيئاً، لكن عندما يحمل الإنسان نوراً فهو يمشي على بينة من أمره. والنور الحسي يمنع من تصادم الحركات في المخلوقات، حتى لا تبدد الطاقة، فتبديد الطاقة يرهق الكون ولا يتم إنجاز ما. إن الشمس في أثناء النهار تضيء الكون، ثم يأتي القمر من بعد الشمس ليلقي بعضاً من الضوء، وكذلك النجوم بمواقعها تهدي الناس في ظلمات البر والبحر. وجعل الله هذه الكائنات من أجل ألا تتصادم الحركة المادية للموجودات، فإذا كان الله قد صنع نوراً مادياً حتى لا يصطدم مخلوق بمخلوق، فهو القادر على ألا يترك القيم والمعاني والموازين بدون نور، لذلك خلق الحق نور القيم ليهدي الإنسان سواء السبيل، فإذا كان الكافر أو الملحد يتساوى مع المؤمن في الاستفادة بالنور المادي لحماية الحركة المادية في الأرض، ولم نجد أحداً يقول: أنا في غير حاجة للانتفاع بالنور المادي، ونقول للكافرين والملاحدة: مادمتم قد انتفعتم بهذا النور فكان يجب أن تقولوا: إن لله نوراً في القيم يجب أن نتبعه. ويلخص المنهج هذا النور بـ "افعل ولا تفعل". فالمنهج - إذن - نور من الله. ولنقرأ: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35] إنه يأخذ بيدنا في الطريق بالنور المادي الذي يستفيد منه الكل، سواء من كان مؤمنا أو غير ذلك، ويضرب سبحانه لنا مثل النور. {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} تفسير : [النور: 35] والمشكاة هي الطاقة التي توجد في الجدار وهي غير النافذة، إنّها كوة في الجدار يوضع فيها المصباح الزيتي أو "الكيروسيني" وتوجد في المباني البدائية قبل أن يخترع الإنسان المصابيح الكهربية والثريات. ولا تتجاوز مساحة الكوة ثلاثين سنتيمترا، وطولها أربعون سنتيمتراً ولا يزيد عمقها على خمسة عشر سنتيمتراً؛ أما الحجرة فمساحتها تزيد أحياناً على ثلاثة أمتار في الطول والعرض والارتفاع. ويتحدث الحق عن الكوة فقط ولا يتحدث عن الحجرة. وأي مصباح في الكوة قادر على إنارة الحجرة. ولننتبه إلى أن هذا المصباح غير عادي، فهو مصباح في زجاجة. ونعرف أن المصباح الذي في زجاجة هو من الارتقاءات الفكرية للبشر. فالمصابيح قديماً كانت بدون زجاجة وكان يخرج منها ألسنة من السَّناج "الهباب" الذي يُسوّد ما حولها، فالسَّناج أثر دخان السراج في الحائط وغيره. وقد ينطفئ المصباح لأن الهواء يهب من كل ناحية، ثم وضع الإنسان حول شعلة المصباح زجاجة تحمي النار وتركز النور وتعكس الأشعة ويأخذ المصباح من الهواء من خلال الزجاجة على قدر احتياج الاشتعال. {أية : كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} تفسير : [النور: 35] أي أن النور من هذا المصباح أشد قوة؛ لأن الزجاجة تعكس أشعة المصباح وتنشر الضوء في كل المكان. والزجاجة التي يوجد فيها هذا المصباح ليست عادية: {أية : ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} تفسير : [النور: 35] والكوكب نفسه مضيء، وتكون الزجاجة كأنها هذا الكوكب الدري في ضيائه ولمعانه. والمصباح يوقد من ماذا؟. {أية : يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} تفسير : [النور: 35] وهذا ارتقاء في إضاءة المصباح من زيت شجرة زيتون، والشجرة غير عادية: {أية : لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} تفسير : [النور: 35] فهي شجرة يتوافر لها أدق أنواع الاعتدال: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35] ذلك هو من قدرة الله في نور الكونيات المادية، ولذلك فليس من المعقول أن يترك القيم والمعنويات بدون نور. فكما اهتدى الإنسان في الماديات فينبغي أن يفطن إلى قدرة الحق في هداية المعنويات، بدليل أن الله قال: {أية : يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور: 35] يهدي الله بنور القيم والمنهج والمعاني من يريد. وقد يهتدي الملحد بنور الشمس المادي إلى الماديات ولكن بصره أعمى عن رؤية نور المنهج والقيم؛ لذلك يوضح سبحانه أن هناك نوراً إلهياً هو المنهج. وضرب هذا المثل ليوضح المعاني الغيبية المعنوية بالمعاني الحسية. ونحن على مقاديرنا نستضيء، فالفقير أو البدائي يستضيء بمصباح غازي صغير، والذي في سعة من العيش قد يشتري مولداً كهربياً. وكل إنسان يستضيء بحسب قدرته. ولكن عندما تشرق الشمس في الصباح ما الذي يحدث؟. يطفئ الإنسان تلك المصابيح، فالشمس هي نور أهداه الله لكل بني الإنسان، ولكل الكون. كذلك إذا فكرنا بعقولنا فيما ينير حياتنا فكل منا يفكر بقدرة عقله. ولكن إذا ما نزل من عند الله نور فهو يغني عن كل نور أخر. وكما نفعل في الماديات نفعل في المعنويات: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} تفسير : [النور: 35] والذي يدلنا على أن النور الثاني هو نور القيم الذي يكشف لنا بضوء "افعل ولا تفعل" أن الله قال بعد ذلك: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} تفسير : [النور: 36] ولوبحثت عن متعلق الجار والمجرور لم تجده إلا في قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع) كأن النور على النور يأتي من مطالع الهدى في مساجده. فهي بيوت الله نقبل عليها ليفيض منها نور الحق على الخلق. {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 36-37] وكلمة {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} لا تعني تحريم التجارة، فالإنسان الصادق لا تلهيه التجارة عن ذكر الله. وليكن الله على بال المؤمن دائما، فعندما يكون الإنسان على ذكر لله فالله يعطيه من مدده. إذن يا أهل الكتاب قد جاءكم النور، وبين لكم الرسول كثيراً مما تختلفون فيه. وتسامح عن كثير من خطاياكم، ويريد أن يجري معكم تصفية شاملة. فعليكم أن تلتفتوا وتنتبهوا وتُعَدِّلوا من موقفكم من هذا الدين الجديد. ولتبحثوا ماذا يريد الله بهذا المنهج. والله قد ضرب المثل بالنور، وهذا النور يهدي إلى "افعل ولا تفعل". ومن الذي يقول لنا إن هذا النور قادم من الله؟ إنه الرسول، ومن الذي يدلنا على أن الرسول صادق في البلاغ عن الله؟ الذي يدل على صدقه هو قول الله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] فالذي جاء أولا من ربكم هو البرهان على أن رسول الله صادق في البلاغ عن الله، وليبلغنا أن الكتاب قد جاء بالمنهج. والقرآن يتميز بأنه البرهان على صدق النبي وهو المنهج النوراني؛ لأن البرهان هو الحجة على صدق الرسول في البلاغ عن الله. ونعرف البرهان في حياتنا التعليمية أثناء دراسة مادة الهندسة عندما نقابل تمرينا هندسيا فنأخذ المعطيات وبعد ذلك ننظر إلى المطلوب إثباته. ونعيد النظر في المعطيات لنأخذ منها قوة للبرهنة على إثبات المطلوب. وإن كانت المعطيات لا تعطي ذلك فإننا نتجه إلى خطوة أخرى هي العمل على إثبات المطلوب. وهذا الكون فيه معطيات، وهو كون محكم، ونلمس إحكامه فيما لا دخل لحركتنا فيه: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [يس: 40] كون موزون بالسماء والأرض وحركة الرياح وغير ذلك، وتلك الأمور التي لا دخل للإنسان فيها نجد القوانين فيها مستقيمة تمام الاستقامة وكمالها. فإن أراد الإنسان أن يأخذ المعطيات من الكون، فليأخذ في اعتباره النظر إلى الأمور التي للإنسان دخل فيها ولسوف يجدها تتعرض للفساد؛ لأن الهوى في البشر له مدخل على هذه الأشياء. لكن الخالق الأعلى لا تطوله ولا تتناوله أمور الهوى. ولذلك يقول سبحانه: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7] فلا السماء تنطبق على الأرض، ولا كوكب يزاحم كوكبا آخر. ويبين لنا الحق كيفية السير بنظام الكون: {أية : أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} تفسير : [الرحمن: 8] فإن أردتم أن تكون حركتكم منتظمة فانظروا إلى ما لأيديكم دخل فيه واصنعوه كصنع الله فيما ليس لأيديكم مدخل فيه. {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 9] فإن كنتم معجبين باتزان الكون الأعلى فذلك لأنه مصنوع بنظام دقيق. وإذا كان الحق قد وضع لنا نظاما دقيقا هو المنهج بـ "افعل كذا ولا تفعل كذا" فذلك حتى لا تفسد حركتك الاختيارية إن اتبعت المنهج، وتصرفت في حياتك بمنهج الله ويكون الميزان معتدلاً. إذن فقد أعطانا الحق معطيات عندما ينظر الإنسان فيها نظرا فطريا بدون هوى فإنها تأخذ بيده إلى الإيمان. وهذه الكائنات الموزونة لا بد لها من خالق؛ لأن الإنسان طرأ عليها ولم تأت هي من بعد خلق الإنسان. ولا أحد من البشر يدعي أنه صنع هذا الكون. إذن لا بد من البحث عمن صنع هذا الكون الدقيق، والدعوى حين تسلم من الضعف، أتكون صادقة أم غير صادقة؟ تكون صادقة تماما. والله هو الذي قال إنه خلق السماء والأرض والكون. ولم يأت مدعٍ آخر يقول لنا: إنه الذي خلق. إذن يثبت الأمر لله إلى أن يوجد مدعٍ. ومع توالي الأزمنة وتطاولها لم يدع ذلك أحد. وكان لا بد أن تكون مهمة العقل البشري أن يفكر ويقدح الذهن ليتعرف على صانع هذا الكون، وكان لا بد أن يتوجه بالشكر لمن جاء ليحل له هذا اللغز. وقد جاءت الرسل لتحل هذا اللغز ولتدلنا على مطلوب عقلي فطري، ولو أننا سلسلنا الوجود لوجدنا أن الإنسان هو سيد هذا الوجود؛ لأن كل الكائنات تعمل وتجهد في خدمته. وأجناس الوجود كما نعرفها التي تخدم الإنسان هي الحيوان ويتميز عنه الإنسان بالعقل، وهناك جنس تحت الحيوان هو النبات فيه النمو، وهناك جنس أدنى وهو الجماد. وكل هذه الأجناس مهمتها خدمة الإنسان. والجماد ليس هو الشيء الجامد، بل الهواء جماد والشمس جماد والتربة جماد، وكل ذلك يمارس مهمته في الوجود لخدمة الأجناس الأعلى منها ويستفيد الإنسان منها جميعا والحيوان يستفيد من الجماد وكذلك النبات يستفيد من الجماد، والحيوان يستفيد من النبات والجماد، والمحصلة النهائية لخدمة الإنسان. أليس من اللائق والواجب - إذن - أن يسأل الإنسان نفسه من الذي وهبه هذه المكانة؟ فإذا جاء الرسول ليحل هذا اللغز ويبلغنا أن الذي خلق الكون هو الله وهذه صفاته، ويبلغنا أن هذا المنهج جاء من الله ويحمل معه معجزةً هي دليل صدقِ البلاغِ عن الله، وهي معجزة لا يقدر عليها البشر، ويتحدى الرسول البشر أن يأتوا بمثل معجزته. إذن فلا بد أن يؤمن كل البشر لو صَدَقُوا الفهم وأخلصوا النية. ما هو البرهان إذن؟ البرهان هو المعجزة الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن الله. هذا البلاغ عن الله الذي بحث عنه العقل الفطري وآمن أنه لا بد أن يكون موجودا، لكنه لم يتعرف على أنه "الله". إن الرسول هو الذي يبلغنا عن اسم الخالق، وهو الذي يقدم لنا المنهج. إذن فمجيء الرسل أمر منطقي تحتمه الفطرة ويحتمه العقل. ولذلك أنزل الحق النور العقدي، أنزل - سبحانه - المنهج ليحمي المجتمع من الاضطراب، ولذلك يقول الحق: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [المؤمنون: 71] إذن فالدين جاء من الله ليتدخل في الأمور التي تختلف فيها الأهواء، فحسم الله النزاع بين الأهواء بأن انفرد سبحانه أن يشرع لنا تشريعا تلتقي فيه أهواؤنا، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". تفسير : أي أن تتحد الأهواء تحت مظلة تشريع واحد؛ لأن كل إنسان إن انفرد بهواه، لا بد أن نصطدم، ولا نزال نكرر ونقول: إن خلافات البشر سواء أكانت على مستوى الأسرة أم الجماعة أم الأمة أم العالم، جاءت من اختلاف الأهواء، ولكن الأشياء التي لا دخل للأهواء فيها فالعالم متفق فيها تماما، بدليل أننا قلنا: إن المعسكر الشرقي السابق والمعسكر الغربي الحالي اختلفا بسياستين نظريتين، هذا يقول: "شيوعية"؛ وهذا يقول: "رأس مالية". إنه لا يوجد معمل مادي كي ندخل فيه الشيوعية أو الرأسمالية ونرى ما ينفعنا. أنَّها أهواء، لذلك تصادما في أكثر من موقع، وانهزمت الشيوعية وبقيت آثارها تدل عليها. لكن الأمور المادية المعملية. لم يختلفوا فيها. ونقول الكلمة المشهورة: "لا توجد كهرباء روسي ولا كهرباء أمريكاني". "ولا توجد كيمياء روسي ولا كيمياء أمريكاني"؛ فكل الأمور الخاضعة للتجربة والمعمل فيها اتفاق، والخلاف فقط فيما تختلف وتصطدم فيه الأهواء. فكأن الله ترك لنا ما في الأرض لنتفاعل معه بعقولنا المخلوقة له، وطاقاتنا وجوارحنا المخلوقة له، ويوضح: إن التجرية المعملية المادية لن تفرقكم بل ستجتمعون عليها. وسيحاول كل فريق منكم أن يأخذ ما انتهى إليه الفريق الآخر من التجارب المادية ولو تلصصها، ولو سرقها، أما الذي يضركم ويضر مجتمعكم فهو الاختلاف في الأهواء. وليت الأمر اقتصر على الاتفاق في الماديات والاختلاف في الأهواء، لا، بل جعلوا مما اتفقوا عليه من التجارب المادية والاختراعات والابتكارات وسيلة قهرية لفرض النظرية التي خضعت لأهوائهم. فكأننا أفسدنا المسألة.. أخذنا ما اتفقنا فيه لنفرض ما اختلفنا عليه. إن الحق سبحانه وتعالى أعطانا كل هذه المسائل كي تستقيم الحياة، ولا تستقيم الحياة إلا إن كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي يحسم في مسائل الهوى، ولذلك حتى في الريف يقولون: "من يقطع إصبعه الشرع لن يسيل منه دم"؛ لأن الذي يقول ذلك مؤمن، أي أن الحكم حين يأتي من أعلى فلا غضاضة في أن نكون محكومين بمن خلقنا وخلق لنا الكون، وتدخلت السماء في مسألة الأهواء بالمنهج: افعل هذا ولا تفعل هذا، لكن ما ليس فيه أهواء أوضح سبحانه: أنتم ستتفقون فيها غصباً عنكم، بل ستسرقونها من بعضكم، إذن فلا خطر منها. إن الخطر في أهوائكم. ولذلك اذكروا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمهات المسائل التي يترتب عليها حسن نظام المجتمع كما يريده الله كان - عليه الصلاة والسلام - يتحمل هو التجربة في نفسه، ولا يجعل واحداً من المؤمنين به يتحمل التجربة، فمسألة التبني حين أراد ربنا أن ينهيها حتى لا يدعي واحد آخر أنه ابنه وهو ليس أباه، أنهاها الله في رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 37] وفي مسألة الماديات والأهواء يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: "حديث : لو لم تفعلوا لصلح" قال: فخرج شيصا، فمر عليهم فقال: "ما لنخلكم" قالوا: قلت كذا وكذا قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"تفسير : . إنه - صلى الله عليه وسلم - تركهم لتجربتهم. السماء - إذن - لا تتدخل في المسائل التجريبية؛ لأنه سبحانه وهب العقل ووهب المادة ووهب التجربة، ورأينا رسول الله يتراجع عما اجتهد فيه بعد أن رأى غيره خيرا منه كي يثبت قضية هامة هي أن المسائل المادية المعملية الخاضعة للتجربة ليس للدين شأن بها فلا ندخلها في شئوننا، فلا نقول مثلاً: الأرض ليست كروية، أو أن الأرض لا تدور. فما لهذا بهذا؛ لأن الدين ليس له شأن بها أبداً، وهذه مسائل خاضعة للتجربة وللمعمل وللبرهان وللنظرية، بل دخل الدين ليحمينا من اختلاف أهوائنا؛ فالأمر الذي نختلف فيه يقول فيه: افعل كذا ولا تفعل كذا بحسم، والأمر الذي لم يتدخل فيه بـ "افعل ولا تفعل" أوضح لك: سواء فعلته أم لم تفعله لا يترتب عليه فساد في الكون، وخذوا راحتكم فيما لم يرد فيه "افعل ولا تفعل"، وأريحوا أنفسكم واختلفوا فيه؛ لأن الخلاف البشري مسألة في الفطرة والجبلّة والخلقة. وهنا يقول: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" و"النور" أهو الكتاب أم غيره؟. وفي آية أخرى يقول: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] وهذا القول يدل على أن النور هنا هو "القرآن" وجمع بين أمرين؛ برهان.. أي معجزة، ونور ينير لنا سبيلنا. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} والإيمان بالله مسألة تطبيقية مرحلية. "الله" هو قمة الإيمان و"رسوله" هو المبلغ عن الله؛ لأنه جاء لنا بالنور. إلا أن أهل الشطح يقولون: النور مقصود به النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونقول: نحن لا نمانع أنه نور، وإن كان النص يحتمل أن يكون عطف تفسير، وحتى لا ندخل في متاهة مع بعض من يقولون: لا ليس الرسول نوراً؛ لأنه مأخوذ من المادة وسنجد من يرد عليهم بحديث جابر: ما أول ما خلق الله يا رسول الله؟ قال له: نور نبيك يا جابر. فعن جابر بن عبدالله قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال: "حديث : يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنّة ولا نار ولا مَلَك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي ". تفسير : وحتى لا ندخل في مسألة غيبية لا تستوي الأذهان في استقبالها ونفتن بعضنا. ويقول فلان كذا ويقول علان كذا. هنا نقول: من تجلى له أن يقنع بها أحداً كي لا ندخل في متاهة، وعندما يتعرض أحد لحديث جابر - رضي الله عنه - نسأل: أهو قال: أول خلق الله نبيك يا جابر أم نور نبيك يا جابر؟. قال الحديث: نور نبيك ولم يقل النبي نفسه الذي هو من لحم ودم، فمحمد صلى الله عليه وسلم من آدم وآدم من تراب؛ لذلك ليس علينا أن نتناول المسائل التي لا يصل إليها إلا أهل الرياضيات المتفوقة، حتى لا تكون فتنة؛ لأن من يقول لك: أنت تقول: النور هو رسول الله، ونقول: على العين والرأس،فرسول الله نور ولاشك؛ لأن النور يعني ألا نصطدم، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج كي ينير لنا الطريق، والقرآن منهج نظامي، والرسول منهج تطبيقي، فإن أخذت النور كي لا نصطدم، فالحق يقول: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] إذن فسنأخذ بالمنهج النظري الذي هو القرآن، ونأخذ بالمنهج التطبيقي. {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} و"مبين" أي محيط بكل أمر وكل شيء مصداقاً لقوله الحق: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38] أي مما تختلف فيه أهواؤكم. وسُئل الإمام محمد عبده، وهو في باريس: أنتم تقولون {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} فكم رغيفاً في أردب الدقيق؟. فقال: انتظروا: واستدعى خبازاً وسأله: كم رغيفا في أردب القمح؟. فقال له: كذا رغيف. فقالوا له: أنت تقول إنه في الكتاب. فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] إن قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} أي مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض. فربنا هو - سبحانه - جعل أناساً تتخصص في الموضوعات المختلفة. {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} يعني: يا أهل الكتاب انتبهوا إلى أن هذه فرصتكم لنصفي مسألة العقيدة في الأرض وننهي الخلاف الذي بين الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعاً، ولا تبقى في الأرض هذه العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين: فلم يجيء الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديداً؛ لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة، ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة، فلم يطبع الإنسان في قالب، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث. ويقول الحق: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54] أي لا تقل إنّه طبع المؤمن على أن يكون ذليلاً ولا طبعه ليكون عزيزاً، بل طبعه ليكيّف نفسه التكييف الذي يتطلبه المقام، فيكون مرة ذليلاً للمؤمن وعزيزاً على الكافر. وقال الإسلام لنا: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143] أي لا بد أن تعرف الطرفين أولاً، ثم تحدد، لأن الوسط لا يعرف إلا بتحديد الطرفين؛ فاليهودية بالغت في المادية، والنصرانية بالغت في الروحانية والبرهانية: {أية : وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} تفسير : [الحديد: 27] وعندما سئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث قال: "أنا لم أبعث مورثاً"؛ لأنه جاء ليجدد الشحنة للطاقة الدينية، وبرغم الخلاف العميق بين اليهودية والنصرانية جاء أهل الفكر عندهم ليضعوا العهد القديم والعهد الجديد في كتاب واحد، ومع ذلك فقد جاء من اعتبر الإسلام خصماً عنيفاً عليهم على رغم أن الإسلام ليس خصماً إنما جاء ليمنح الناس حرية الاختيار، وعندما ننظر إلى المنهج المادي والمنهج الروحاني تجد أن اليهود أسرفوا في المادية وقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] لقد أسرفوا في المادية لدرجة أن المسألة المتعلقة بقُوتِهم حينما كانوا في التيه وأنزل ربنا عليهم المن والسلوى، و"المن" كما نعرف طعام مثل كرات بيضاء ينزل من السماء على شجر أو حجر ينعقد ويجف جفاف الصمغ وهو حلو يؤكل وطعمه يقرب من عسل النحل، وجاء لهم بالسلوى وهو طائر يشبه الدجاج وهو السُّماني فقالوا: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} تفسير : [البقرة: 61] إننا نريد مما تخرجه الأرض من بقلها، والذي دعاهم إلى غلوهم في الأمر المادي أنهم قالوا: قد لا يأتي المن، وقد لانستطيع صيد الطير، نحن نريد أن نضمن الطعام. إذن فالغيبيات بعيدة عنهم فهم قد أسرفوا في هذه المادية وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعدل هذا النظام المادي المتطرف فأنزل منهجية روحانية متمثلة في منهج عيسى عليه السلام، وشحنهم بمواجيد دينية ليس فيها حكم مادي، كي تلتحم هذه بتلك ويصير المنهج مستقيماً، لكن الخلاف دب بينهم، فكان ولا بد أن يأتي دين جديد يجمع المادية المتعلقة الرزينة المتأنية، والروحانية المقسطة التي لا تفريط فيها ولا إفراط، إنها الروحانية المتلقاة من السماء دون ابتداع دين يأتي بالاثنتين في صلب دين واحد. فقال لنا: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الفتح: 29] وهذه كلها قيم تعبدية. فيكون هؤلاء ماديين وروحانيين في آن واحد. ويتابع الحق: {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} تفسير : [الفتح: 29] كأن الله ضرب في التوراة مثلاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: يا من أسرفتم في المادية سيأتي رسول ليعدل ميزان العقائد والتشريع، فتكون أمته مخالفة لكم تماماً. فأنتم ماديون وقوم محمد ركع سجد، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. أي: ما فقدتموه أنتم في منهجكم سيوجد في أمة محمد. ويقول الحق: {أية : وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} تفسير : [الفتح: 29] فمثلهم في التوراة ما فُقد عند اليهود؛ ومثلهم في الإنجيل ما فُقد عند النصارى. إذن فدين محمد صلى الله عليه وسلم جمع بين القيم المادية والقيم الروحية فكان ديناً وسطاً بين الاثنين. فقال: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} أي انتهزوا الفرصة لتصححوا أخطاءكم ولتستأنفوا حياة صافية تربطكم بالسماء رباطاً يجمع بين دين قيمي يتطلب حركة الدنيا ويتطلب حركة الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ...}

الجيلاني

تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} أي: اليهود والنصارى المجبولين على الكفر والنفاق {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} أضافه إلى نفسه؛ تعظيماً وتوقيراً {يُبَيِّنُ} ويظهر {لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} من أوامره ونواهيه، وأخباره المتعلقة بالزمان الماضي والآتي، سيما نعت خاتم الأنبياء والرسل - صلوات الله عليه وسلامه - وإنمَّا يبيِّن لكم المذكورات؛ لئلا يفوت منكم شيء من أمور الدين، ولا يؤخذون بها. {وَ} مع ذلك {يَعْفُواْ} ويصفح {عَن} تبيين {كَثِيرٍ} من مخفياتكم من الكتب ممَّا لا يترتب عليه العذاب والنكال، فعليكم أن تؤمنوا به، وبما جاء به من عند ربه لإهدائكم إلى طريق توحيده؛ إذ {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} معه {نُورٌ} واضح {وَ} هو {كِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] ظاهر لائح هدايته وإرشاده. {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ} الهادي لعباده {مَنِ ٱتَّبَعَ} منهم {رِضْوَانَهُ} أي: يرضى به {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} أي: طريق التوحيد الموصلة إلى سلامة الوحدة، المسماة عند بدار السلام {وَيُخْرِجُهُمْ} أيك المتبعين رضوان {مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمة العدم، وظلمة الإمكان وظلمة التعينات {إِلَى ٱلنُّورِ} أي: الوجود البحث، الخالص عن شوب الظلمة؛ إذ هو نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء من أهل العناية، وإنما يخرجهم {بِإِذْنِهِ} وتوفيقه، وجذب {وَ} بالجملمة: {يَهْدِيهِمْ} أن سيق لهم العناية منه {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16] موصل إلى توحيده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى ما أخذه الله على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأنهم نقضوا ذلك إلا قليلا منهم، أمرهم جميعا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، واحتج عليهم بآية قاطعة دالة على صحة نبوته، وهي: أنه بين لهم كثيرا مما يُخْفُون عن الناس، حتى عن العوام من أهل ملتهم، فإذا كانوا هم المشار إليهم في العلم ولا علم عند أحد في ذلك الوقت إلا ما عندهم، فالحريص على العلم لا سبيل له إلى إدراكه إلا منهم، فإتيان الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن العظيم الذي بيَّن به ما كانوا يتكاتمونه بينهم، وهو أُمِّيّ لا يقرأ ولا يكتب - من أدل الدلائل على القطع برسالته، وذلك مثل صفة محمد في كتبهم، ووجود البشائر به في كتبهم، وبيان آية الرجم ونحو ذلك. { وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } أي: يترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة. { قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ } وهو القرآن، يستضاء به في ظلمات الجهالة وعماية الضلالة. { وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } لكل ما يحتاج الخلق إليه من أمور دينهم ودنياهم. من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية. ثم ذكر مَنْ الذي يهتدي بهذا القرآن، وما هو السبب الذي من العبد لحصول ذلك، فقال: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ } أي: يهدي به من اجتهد وحرص على بلوغ مرضاة الله، وصار قصده حسنا -سبل السلام التي تسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، إجمالا وتفصيلا. { وَيُخْرِجُهُم مِّن } ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور الإيمان والسنة والطاعة والعلم، والذكر. وكل هذه الهداية بإذن الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. { وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [15] 159- أنا محمد بن علي بن الحسن، قال: أبي أنا عن الحسين، عن يزيد، وأنا محمج بن عقيل، أنا علي بن الحسين، حدثني أبي، حدثني يزيد النَّحوي، حدثني عكرمة، عن ابن عباس قال: من كفر بالرَّجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، وذلك قول الله تعالى {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} فكان مما أخفوا الرَّجم.