٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ } أي بالكتاب المبين {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى. ثم قال تعالى: {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ } أي طرق السلامة، ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي سبل دار السلام، ونظيره قوله {أية : وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ } تفسير : [محمد: 4، 5] ومعلوم أنه ليس المراد هداية الإسلام، بل الهداية إلى طريق الجنة. ثم قال: {وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ } أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك أن الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالإيمان إلى طرق الجنة كما يهتدي بالنور، وقوله {بِإِذْنِهِ } أي بتوفيقه، والباء تتعلق بالاتباع أي اتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية ولا بالإخراج لأنه لا معنى له، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلاّ من أراد الله منه ذلك. وقوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو الدين الحق، لأن الحق واحد لذاته، ومتفق من جميع جهاته، وأما الباطل ففيه كثرة، وكلها معوجة.
البيضاوي
تفسير : {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ} وحد الضمير لأن المراد بهما واحد، أو لأنهما كواحد في الحكم. {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} من اتبع رضاه بالإِيمان منهم. {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ} طرق السلامة من العذاب، أو سبل الله. {وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} من أنواع الكفر إلى الإِسلام. {بِإِذْنِهِ} بإرادته أو توفيقه. {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} طريق هو أقرب الطرق إلى الله سبحانه وتعالى ومؤد إليه لا محالة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَهْدِى بِهِ } أي الكتاب {ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } بأن آمن {سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ } طرق السلامة {وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ٱلظُّلُمَٰتِ } الكفر {إِلَى ٱلنُّورِ } الإيمان {بِإِذْنِهِ } بإرادته {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } دين الإسلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {السَّلامِ}: هو الله، أو السلامة من المخاوف {الظُّلُمَاتِ}: الكفر، و {النُّورِ}: الإيمان {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} طريق الحق ودين الحق، أو طريق الجنة في الآخرة.
ابو السعود
تفسير : {يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ} توحيد الضمير المجرور لاتحاد المرجِع بالذات أو لكونهما في حكم الواحد أو أريد يهدي بما ذُكر، وتقديم الجار والمجرور للاهتمام، وإظهارُ الجلالة لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب، أو النصبُ على الحالية منه لتخصصه بالصفة {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} أي رضاه بالإيمان به، و(مَنْ) موصولةٌ أو موصوفة {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ} أي طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب، أو سبل الله تعالى وهي شريعتُه التي شرعها للناس، قيل: هو مفعول ثان (ليهدي)، والحقُّ أن انتصابه بنزع الخافض على طريقة قوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف، الآية: 155] وإنما يُعدَّى إلى الثاني بإلى أو باللام كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء، الآية: 9] {وَيُخْرِجُهُمْ} الضمير لمن، والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في (اتبع) باعتبار اللفظ {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي ظلمات فنون الكفر والضلال {إِلَى ٱلنُّورِ} إلى الإيمان {بِإِذْنِهِ} بتيسيره أو بإرادته {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو أقرب الطرق إلى الله تعالى، ومؤدٍّ إليه لا محالة، وهذه الهداية عينُ الهداية إلى سبل السلام، وإنما عُطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوَصْفيِّ منزلة التغايُر الذاتي كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}تفسير : [هود، الآية: 58].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} [الآية: 16]. قيل: فبه يهدى الله لأسلم المسالك فى سبيل إرادته من خَصَّه برضوانه. قيل: إيجاده ليوصله الرضوان إلى محل الرضا.
البقلي
تفسير : {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} ذكر واحدا منهما من النور والكتاب لانهما فى عين الجمع هداعنى معدن الصفات والاشارة بقول يهدى به الله اى يهدى بصفته الى طرق معرفة ذاته ويهدى بذاته سبل معرفة صفاته رضوانه ما ارضى للانبياء والاولياء فى الازل من اصابه ابصارهم الى محل الرضوان الا كبر وهو اية رعاية حسن تجلاه بنعت العيش فى مراده ولا يحصل المتابعة الا لمن سبق فى الازل رضاه له وايضا يهدى لقرأن من اتبع محمد صلى الله عليه وسلم وأله وسلم الى سبل السلامة التى تصوله المؤمن بالتوحيد الى كشف جماله حسن وصاله بالعوفى قيل فيه يهدى الله لا سلم المسالك فى سبيل ارادته من خصه برضوانه قيل ايجاده وصله الرضوان الى محل الرضا والتسليم قوله تعالى {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} اى من اوصله الى سبيل الهدى يظهر سراره عن خطرات الشك والريب والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية فاذا كان مقدسا من هذه الشوائب يشكف له انوار الازليات والابديات وليس كل من وصل الى هذه المراتب وصل الى محل الاستقامة فى المعرفة والتوحيد فيختص به من يشاء من سبق له عناية الازل بوصله الى محل التمكين الذى لا يجرى فيه عبد ذلك احكام التردد والامتحانات الظاهرة قال ابن عطا يهدى لنوره من رضى عنه فى الازل وخصة بكرامات الولاية وخرجه من الظلمات والاعتراض الى نور الرضا والتسليم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يهدى به الله} وحد الضمير لان المراد بهما واحد بالذات او لانهما فى حكم الواحد فان المقصود منهما دعوة الخلق الى الحق احدهما رسول إلهى والآخر معجزته وبيان ما يدعو اليه من الحق {من اتبع رضوانه} اى رضاه بالايمان به {سبل السلام} اى طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب على ان يكون السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذة والرضاع والرضاعة او سبيل الله تعالى وهو شريعته التى شرعها للناس على ان يكون السلام هو الله تعالى وانتصاب سبل بنزع الخافض فان يهدى انما يتعدى الى الثانى بالى او باللام كما فى قوله تعالى {أية : إن هذا القرآن يهدى للتى هى اقوم} تفسير : [الإسراء: 9]. {ويخرجهم} الضمير لمن والجمع باعتبار المعنى كما ان الافراد فى اتبع باعتبار اللفظ {من الظلمات} اى ظلمات فنون الكفر والضلال {الى النور} الى الايمان وسمى الايمان نورا لان الانسان اذا آمن ابصر به طريق نجاته فطلبه وطريق هلاكه فحذره {باذنه} اى بتيسيره وارادته {ويهديهم الى صراط مستقيم} اى طريق هو اقرب الطرق الى الله تعالى ومؤد اليه لا محالة وهذه الهداية عين الهداية الى سبل السلام وانما عطف عليها تنزيلا للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتى كما فى قوله تعالى {أية : ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءآمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا فى ديارهم جاثمين} تفسير : [هود: 94]. واعلم ان الله تعالى بعث النبى صلى الله عليه وسلم نورا يبين حقيقة حظ الانسان من الله تعالى وانه تعالى سمى نفسه نورا بقوله تعالى {أية : الله نور السموات والأرض} تفسير : [النور: 35]. لانهما كانتا مخفيتين فى ظلمة العدم فالله تعالى اظهرهما بالايجاد وسمى الرسول نورا لان اول شىء اظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قال "حديث : اول ما خلق الله نورى " .تفسير : ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان اقرب الى الاختراع كان اولى باسم النور كما ان عالم الارواح اقرب الى الاختراع من عالم الاجسام فلذلك سمى عالم الانوار والعلويات نورانيا بالنسبة الى السفليات فاقرب الموجودات الى الاختراع لما كان نور النبى عليه السلام كان اولى باسم النور ولهذا كان يقول "حديث : انا من الله والمؤمنون منى" تفسير : وقال تعالى {أية : قد جاءكم من الله نور} تفسير : [المائدة: 15]. ـ وروى ـ عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : كنت نورا بين يدى ربى قبل خلق آدم باربعة عشر ألف عام وكان يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم القى ذلك النور فى صلبه " .تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال"حديث : لما خلق الله آدم اهبطنى فى صلبه الى الارض وجعلنى فى صلب نوح فى السفينة وقذفنى فى صلب ابراهيم ثم لم يزل تعالى ينقلنى من الاصلاب الكريمة والارحام الطاهرة حتى اخرجنى بين ابوى لم يلتقيا على سفاح قط " .تفسير : قال العرفى فى قصيدته النعتية شعر : اين بس شرف كوهر تومنشى تقدير آن روزكه بكذاشتى اقليم قدم را تاحكم نزول تودرين دارنوشته است صدره بعبث باز تراشيد قلم را تفسير : وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما اعترف آدم بالخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد ان تغفر لى فقال الله يا آدم كيف عرفت محمدا ولم اخلقه قال لانك لما خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله فعرفت انك لم تضف الى اسمك الا اسم احب الخلق اليك فقال الله تعالى صدقت يا آدم انه لأحب الخلق الى فغفرت لك ولولا محمد لما خلقت " .تفسير : رواه البيهقى فى دلائله.
الجنابذي
تفسير : {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ} توحيد الضّمير ان كان راجعاً الى الكتاب او النّور ظاهر، وان كان راجعاً اليهما كان باعتبار انّ الكتاب ليس الا ظهور النّور {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} هو ولاية علىّ (ع) والبيعة له كما اشير اليه فى قوله: ورضيت لكم الاسلام ديناً يعنى يهدى بالكتاب من بايع عليّاً (ع) بالبيعة الولويّة {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} طرق الله او طرق السّلامة {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ} المتراكمة الّتى فى مرتبة النّفس {إِلَى} عالم {ٱلنُّورِ} وهو فسحة عالم الرّوح {بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو المراتب النّوارنيّة لعلىّ (ع) الّتى معرفتها معرفة الله تعالى.
اطفيش
تفسير : {يَهدِى بِهِ اللهُ}: أى بالكتاب المبين، والهداية بالكتاب هداية بالرسول أيضاً، فلا حاجة الى أن يقال: أفرد الضمير لأنهما كواحد، الا أن يراد بهذا ما ذكرته من أن الهداية بالكتاب هداية بالرسول، وأما اذا أريد بالنور والكتاب معنى القرآن أو التوراة فأفرد، لأنهما واحد لان المراد بهما اما بالقرآن وحده، واما التوراة وحدها. {مَنِ اتَّبَعَ رِضوَانَهُ}: هو حب رضوانه، أو ما يرضاه الله وهو دين الاسلام، واتباع رضوانه هو الايمان بدين الاسلام. {سُبُلَ السَّلامِ}: طرق السلامة من هلاك الدنيا والآخرة، والسلام الله من أسمائه كقوله تعالى: { أية : السلام المؤمن المهيمن }تفسير : أى طرق دين الله، وهو مروى عن ابن عباس، واذا فسرنا رضوانه بدين الاسلام لم نفسر سبل السلام به، بل بطرق السلام وهى الجنة. {وَنُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ}: الكفر والشرك. {إِلَى النُّورِ}: أى الشكر والتوحيد والطاعة. {بِإِذنِهِ}: توفيقه أو بارادته. {وَيَهدِيهِم إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ}: دين الاسلام الذى هو طريق الى الجنة ورضا الله، ونكرا نوراً وكتاباً وصراطاً للتعظيم.
الالوسي
تفسير : {يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ} توحيد الضمير لاتحاد المرجع بالذات، أو لكونهما في حكم الواحد، أو لكون المراد يهدي بما ذكر، وتقديم المجرور للاهتمام نظراً إلى المقام وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب، أو النصب على الحالية منه لتخصيصه بالصفة. وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً من {رَسُولِنَا} بدلاً من {أية : يُبَيِّنُ} تفسير : [المائدة: 15] وأن تكون حالاً من الضمير في {يُبَيِّنُ}، وأن تكون حالاً من الضمير في {مُّبِينٌ}، وأن تكون صفة لنور {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} أي من علم الله تعالى أنه يريد اتباع رضا الله تعالى بالإيمان به، و {مَنْ} موصولة أو موصوفة {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ} أي طرق السلامة من كل مخافة ـ قاله الزجاج ـ فالسلام مصدر بمعنى السلامة. وعن الحسن والسدي أنه اسمه تعالى، ووضع المظهر موضع المضمر رداً على اليهود والنصارى الواصفين له سبحانه بالنقائص تعالى عما يقولون علواً كبيراً، والمراد حينئذٍ بسبله تعالى شرائعه سبحانه التي شرعها لعباده عز وجل، ونصبها قيل: على أنها مفعول ثان ليهدي على إسقاط حرف الجر نحو {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} تفسير : [الأعراف: 155]. وقيل: إنها بدل من ـ رضوان ـ بدل كل من كل، أو بعض من كل أو اشتمال، والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان، وقد قرىء بهما، و ـ السبل ـ بضم الباء والتسكين لغة، وقد قرىء به. {وَيُخْرِجُهُمْ} الضمير المنصوب عائد إلى {مَنِ} والجمع باعتبار المعنى كما أن إفراد الضمير المرفوع في {ٱتَّبَعُ} باعتبار اللفظ. {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من فنون الكفر والضلال إلى الإيمان {بِإِذْنِهِ} أي بإرادته أو بتوفيقه. {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو دين الإسلام الموصل إلى الله تعالى ـ كما قال الحسن ـ وفي «إرشاد العقل السليم»، «وهذه الهداية عين الهداية إلى {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ} وإنما عطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ }تفسير : » [هود: 58]. وقال الجبائي: المراد بالصراط المستقيم طريق الجنة.
د. أسعد حومد
تفسير : {رِضْوَانَهُ} {ٱلسَّلاَمِ} {ٱلظُّلُمَاتِ} {ٰ صِرَاطٍ} (16) - يَهْدِي اللهُ بِالقُرْآنِ، مَنْ أرَادَ اتِّبَاعَ رِضْوَانَ رَبِّهِ، إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ وَالسَّلاَمَةِ، وَمَناهِجِ الاسْتِقَامَةِ، وَيُخْرَجُهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ وَالجَهْلِ وَالظُّلْمِ إلى نُورِ الإِيمَانِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ، بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَيَهْدِيهِمْ إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ. صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - طَرِيقٍ قَويمٍ، لاَ عِوَجَ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومادام الله هو الذي يهدي فسبحانه منزه عن الأهواء المتعلقة بهم، وهكذا نضمن أن الإسلام ليس له هوى. لأن آفة من يشرع أن يذكر نفسه أو ما يحب في ما يشرع، فالمشرع يُشترط فيه ألا ينتفع بما يشرع، ولا يوجد هذا الوصف إلا في الله لأنه يشرع للجميع وهو فوق الجميع. {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} إنَّ من اتبع رضوانه يهديه الله لسبل السلام، إذن ففيه رضوان متبع، وفيه سبل سلام كمكافأة. وهل السلام طرق وسبل؟. نعم؛ لأن هناك سلام نفس مع نفسها، وهناك سلام نفس مع أسرتها، هناك سلام نفس مع جماعتها، هناك سلا نفس مع أمتها وهناك سلام نفس مع العالم، وسلام نفس مع الكون كله، وهناك سلام نفس مع الله، كل هذا يجمع السلام. إذن فسُبل السلام متعددة، والسلام مع الله بأن تنزه ربك أيها العبد فلا تعبد معه إلهاً آخر، ولا تلصق به أحدا آخر.. أي لا تشرك به شيئا، أو لا تقل: لايوجد إله. ولذلك نجد الإسلام جاء بالوسط حتى في العقيدة؛ جاء بين ناس تقول: لا يوجد إله، وهذا نفي؛ وناس تقول: آلهة متعدة؛ الشَّر له إله، والخير له إله، والظلمة لها إله، والنور له إله، والهواء له إله، والأرض لها إله!! إن الذين قالوا بالآلهة المتعددة: استندوا على الحس المادي ونسي كل منهم أن الإنسان مكون من مادة وروح، وحين تخرج الروح يصبح الجثمان رمّة؛ ولم يسأل أحدهم: نفسه ويقول: أين روحك التي تدير نفسك وجسمك كله هل تراها؟، وأين هي؟. أهي في أنفك أم في أذنك أو في بطنك أين هي؟، وما شكلها؟. وما لونها؟. وما طعمها؟. أنت لم تدركها وهي موجودة. إذن فمخلوق لله فيك لا تدركه فهل في إمكانك أن تدرك خالقه؟. إن هذا هو الضلال. فلو أُدْرِك إِلهٌ لما صار إلهاً؛ لأنك إن أدركت شيئاً قدرت على تحديده ببصرك، ومادام قد قدرت على تحديده يكون بصرك قد قدر عليه، ولا ينقلب القادر الأعلى مقدوراً للأدنى أبداً. وحينما أراد الله أن يذلل على هذه الحكاية قال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] انظر في نفسك تجد روحك التي تدير جسدك لا تراها ولا تسمعها ومع ذلك فهي موجودة فيك، فإن تخلت عنك صرت رمة وجيفة، فمخلوق لله فيك لا تقدر أن تدركه، أبعد ذلك تريد أن تدرك مَنْ خَلَقَ؟ إن هذا كلام ليس له طعم! والاتجاه الآخر يقول بآلهة متعددة؛ لأن هذاالكون واسع، وكل شيء فيه يحتاج إلى إله بمفرده، فيأتي الإسلام بالأمر الحق ويقول: هناك إله واحد؛ لأنه إن كان هناك آلهة متعددة كما تقولون، فيكون هناك مثلا. إله للشمس وإله للسماء وإله للأرض وإله للماء وإله للهواء، حينئذ يكون كل إله من هذه الآلهة عاجزا عن أن يدير ويقوم على أمر آخر غير ما هو إله وقائم عليه ولنشأ بينهم خلاف وشقاق يوضح ذلك قوله تعالى: {أية : لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [المؤمنون: 91] فإله الشمس قد يفصلها عن الكون، وإله الماء قد يمنعه عن بقية الكائنات، ويحسم الحق الأمر فيقول: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] ويقول سبحانه: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). إذن فالنواميس التي تراها أيضاً محكومة بالإله الواحد، ويأتي الرسول ليقول لك: هناك إله واحد، ويبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، و"لا إله" نفت أنه لا آلهة أبداً. وبعدها قال: إلا الله، وهذه من مصلحة الإنسان حتى لا يكون ذليلاً وخاضعاً وعبداً لإله الشمس أو لإله الهواء أو لإله الماء. وقال الحق: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} تفسير : [الزمر: 29] فربنا يريد أن يريحنا من "الخيْلة"، والوهم والاضطراب والتردد.. إنه إله واحد، وعندما يحكم الله حكماً فلا أحد يناقضه، وسبحانه يهدينا بما يشرعه لنا؛ لأنه سبحانه ليس له هوى فيما يشرع؛ لأن معنى الهوى أن تجعل الحركة التي تريدها خادمة لك في شيء، والله لا يحتاج إلى أحد لأنه خلق الوجود مله قبل أن يخلق الخلق، وليس لأحد ممن خلق - مهما أوتي من العلم ورجاجة العقل أن تكون له قدرة أو أي دخل في عملية الخلق أو تنظيمه. {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ}، مادام قد اتبع رضوانه فيهديه إلى سبل السلام، إذن فإن هناك هدايتين اثنتين: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، وقال في آية أخرى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] فإياك أن تظن أن التقوى لن تنال ثوابها وجزاءها إلا في الآخرة؛ لأنه كلما فعلت أمراً وتلتفت وجدت آثاره في نفسك، تصلي تجد أمورك خَفَّت عن نفسك، فلا ترتكب السيئة في غفلة من الناس، قلبك لا يكون مشغولاً بأي شيء، ويحيا المؤمن في سلام مع نفسه أبداً. إذن فسبل السلام متعددة: سبل السلام مع الله، سبل السلام مع الكون كله، سبل السلام مع مجتمعه، سبل السلام مع أسرته، سبل السلام مع نفسه. ويقول الحق: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153] إذن فهناك سبل سلام وسبل ضلال. وفي هذه الآية يقول الحق: {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، والظلمات هي محل الاصطدام، وعندما يخرجهم من الظلمات إلى النور يرون الطريق الصحيح الموصل إلى الخير، والطريق الموصل إلى غير الخير. وبعدما يخرجون من الظلمات إلى النور تكون حركاتهم متساندة وليست متعاندة، ولا يوجد صدام ولا شيء يورثهم بغضاء وشحناء، أو المراد أنّه يهديهم إلى الصراط المستقيم وهو الجنة. ويقول الحق من بعد ذلك: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ} [المائدة: 16]، أي: بنور النبي صلى الله عليه وسلم وهو نور حكمته وإرشاده {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} [المائدة: 16]، أي: من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رضوان الحق تعالى كما أن الملائكة رضوان الجنة {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} [المائدة: 16]، طرق السلام وهو الله {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ} [المائدة: 16]، أي: من ظلمات وجودهم المجازي، {إِلَى ٱلنُّورِ} [المائدة: 16]، أي: إلى نور الله تعالى وهو الوجود الحقيقي الأزلي الأبدي {بِإِذْنِهِ}، أي: بجذبات عنايته {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16]، إلى الله تعالى وهذا حقيقة حظ العباد من الله ورسوله فافهم جيداً وإن لم تُفهم حقيقته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):