Verse. 686 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِيْنَ قَالُوْۗا اِنَّ اللہَ ہُوَالْمَسِيْحُ ابْنُ مَرْيَمَ۝۰ۭ قُلْ فَمَنْ يَّمْلِكُ مِنَ اللہِ شَـيْـــًٔـا اِنْ اَرَادَ اَنْ يُّہْلِكَ الْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَاُمَّہٗ وَمَنْ فِي الْاَرْضِ جَمِيْعًا۝۰ۭ وَلِلہِ مُلْكُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَمَا بَيْنَہُمَا۝۰ۭ يَخْلُقُ مَا يَشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۱۷
Laqad kafara allatheena qaloo inna Allaha huwa almaseehu ibnu maryama qul faman yamliku mina Allahi shayan in arada an yuhlika almaseeha ibna maryama waommahu waman fee alardi jameeAAan walillahi mulku alssamawati waalardi wama baynahuma yakhluqu ma yashao waAllahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسح ابن مريم» حيث جعلوه إلَها وهم اليعقوبية فرقة من النصارى «قل فمن يملك» أي يدفع «من» عذاب «الله شيئا إن أراد أن يُهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا» أي لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلَها لقدر عليه «ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء» شاءه «قدير».

17

Tafseer

الرازي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } في الآية سؤال، وهو أن أحداً من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به. وجوابه: أن كثيراً من الحلولية يقولون: إن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين، أو في روحه، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إن قوماً من النصارى ذهبوا إلى هذا القول، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى، وذلك لأنهم يقولون: أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتاً أو صفة، فإن كان ذاتاً فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإلۤه على هذا القول. وإن قلنا: إن الأقنوم عبارة عن الصفة، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول، ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم، ومن لم يكن عالماً لم يكن إلۤهاً، فحينئذ يكون الإلۤه هو عيسى على قولهم، فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلاّ أن حاصل مذهبهم ليس إلاّ ذلك: ثم أنه سبحانه احتج على فساد هذا المذهب بقوله {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط. والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره، وقوله {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي فمن يملك من أفعال الله شيئاً، والملك هو القدرة، يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده. وقوله {أية : وَمَن فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [المعارج: 14] يعني أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما سلمتم كونه تعالى خالقاً للكل مدبراً للكل وجب أن يكون أيضاً خالقاً لعيسى. ثم قال تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } إنما قال {وَمَا بَيْنَهُمَا } بعد ذكر السمٰوات والأرض، ولم يقل: بينهن لأنه ذهب بذلك مذهب الصنفين والنوعين. ثم قال: {يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وفيه وجهان: الأول: يعني يخلق ما يشاء، فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى كما هو معتاد، وتارة لا من الأب والأم كما في خلق آدم عليه السلام، وتارة من الأم لا من الأب كما في حق عيسى عليه السلام، والثاني: يخلق ما يشاء، يعني أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فالله تعالى يخلق فيه اللحمية والحياة والقدرة معجزة لعيسى، وتارة يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص معجزة له، ولا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} تقدّم في آخر «النساء» بيانه والقول فيه. وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم على جهة الدينونة به؛ لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي من أمر الله. و «يَمْلِكُ» بمعنى يقدِر؛ من قولهم ملكت على فلان أمره أي ٱقتدرت عليه. أي فمن يقدِر أن يمنع من ذلك شيئاً؟ فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلهاً لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أُمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها؛ فلو أهلكه هو أيضاً فمن يدفعه عن ذلك أو يرده. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} والمسيح وأُمه بينهما مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحدّ والنهاية لا يصلح للإلٰهيّة. وقال: {وَمَا بَيْنَهُمَا} ولم يقل وما بينهن؛ لأنه أراد النوعين والصنفين كما قال الراعي: شعر : طَرَقَا فتلك هَمَاهِمي أقْرِيهما قُلُصا لَواقِحَ كالقِسِيّ وحُولا تفسير : فقال: «طرقاً» ثم قال: «فتلك هماهِمِي». {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} عيسى من أُم بلا أب آية لعباده.

البيضاوي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} هم الذين قالوا بالاتحاد منهم، وقيل لم يصرح به أحد منهم ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتاً وقالوا لا إله إلا الله واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحاً لجهلهم وتفضيحاً لمعتقدهم. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} فمن يمنع من قدرته وإرادته شيئاً. {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ} عيسى. {ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} احتج بذلك على فساد عقولهم وتقريره: أن المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إزاحة لما عرض لهم من الشبهة في أمره، والمعنى أنه سبحانه وتعالى قادر على الإِطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض، ومن أصل كخلق ما بينهما فينشىء من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه إما من ذكر وحده كما خلق حواء أو من أنثى وحدها كعيسى، أو منهما كسائر الناس.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً وحاكماً بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه؛ أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، ثم قال مخبراً عن قدرته على الأشياء، وكونها تحت قهره وسلطانه: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي: لو أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه منه، أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟ ثم قال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى راداً على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى راداً عليهم: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم، خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، وسعت، فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار. قال: فَخَفَّضَهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لا والله ما يلقي حبيبه في النار» تفسير : تفرد به أحمد، {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم. وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي: هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: الجميع ملكه، وتحت قهره وسلطانه، {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور. وروى محمد ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وشاس بن عدي، فكلموه، وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه؛ كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} إلى آخر الآية، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ورويا أيضاً من طريق أسباط عن السدي في قول الله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أما قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ}، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل: أن ولدك بكرك من الولد، فيدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم، فذلك قولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } حيث جعلوه إلهاً وهم اليعقوبية فرقة من النصارى {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ } أي يدفع {مِنْ } عذاب {ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } أي لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلهاً لقدر عليه {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء } شاءه {قَدِيرٌ }.

الشوكاني

. تفسير : ضمير الفصل في قوله: {هُوَ ٱلْمَسِيحُ } يفيد الحصر؛ قيل: وقد قال بذلك بعض طوائف النصارى؛ وقيل: لم يقل به أحد منهم، ولكن استلزم قولهم: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ } لا غيره، وقد تقدّم في آخر سورة النساء ما يكفي ويغني عن التكرار. قوله: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والملك، والملك: الضبط والحفظ والقدرة، من قولهم ملكت على فلان أمره: أي قدرت عليه، أي فمن يقدر أن يمنع {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً } وإذا لم يقدر أحد أن يمنع من ذلك، فلا إله إلا الله، ولا ربّ غيره، ولا معبود بحق سواه، ولو كان المسيح إلهاً كما تزعم النصارى، لكان له من الأمر شيء، ولقدر على أن يدفع عن نفسه أقلّ حال، ولم يقدر على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها، وتخصيصها بالذكر مع دخولها في عموم من في الأرض، لكون الدفع منه عنها أولى وأحق من غيرها، فهو إذا لم يقدر على الدفع عنها، أعجز عن أن يدفع عن غيرها، وذكر {من في الأرض} للدلالة على شمول قدرته، وأنه إذا أراد شيئاً كان لا معارض له في أمره، ولا مشارك له في قضائه: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: ما بين النوعين من المخلوقات. قوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاء } جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق الخلق بحسب مشيئته، وأنه يقدر على كل شيء لا يستصعب عليه شيء. قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } أثبتت اليهود لأنفسها ما أثبتته لعزير، حيث قالوا {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته للمسيح حيث قالوا {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وقيل هو على حذف مضاف: أي نحن أتباع أبناء الله، وهكذا أثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء الله بمجرد الدعوى الباطلة والأماني العاطلة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم، فقال: {قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي: إن كنتم كما تزعمون، فما باله يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب بالقتل، والمسخ، وبالنار في يوم القيامة كما تعترفون بذلك، لقولكم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [التوبة: 8] فإن الابن من جنس أبيه لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب وأنتم تذنبون، والحبيب لا يعذب حبيبه وأنتم تعذبون، فهذا يدلّ على أنكم كاذبون في هذه الدعوى. وهذا البرهان هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف. قوله: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } عطف على مقدّر يدلّ عليه الكلام: أي فلستم حينئذ كذلك، {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } أي: من جنس من خلقه الله تعالى يحاسبهم على الخير والشرّ، ويجازي كل عامل بعمله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } من الموجودات {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } أي: تصيرون إليه عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشاس بن عدّي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوّفنا يا محمد نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ كقول النصارى؛ فأنزل الله فيهم: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ } إلى آخر الآية. وأخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبيّ في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول، ابني ابني، فسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا، والله لا يلقي حبيبه في النار»تفسير : . وإسناده في المسند هكذا: حدّثنا، ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس فذكره. ومعنى الآية يشير إلى معنى هذا الحديث، ولهذا قال بعض مشايخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يردّ عليه، فتلا الصوفيّ هذه الآية، وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا، والله لا يعذب الله حبيبه، ولكن قد يبتليه في الدنيا»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن السدّي في قوله: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللَّهِ وَأَحِبّآؤُهُ} في قولهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه قول جماعة من اليهود حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم عقاب الله، وخوفهم به، فقالوا لا تخوفنا: {نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ}، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن اليهود تزعم أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بِكْري من الولد، فقالوا، {نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} وهذا قول السدي. وقال الحسن: أنهم قالوا ذلك على معنى قرب الولد من والده، وهو القول الثالث. وأما النصارى، ففي قولهم لذلك قولان: أحدهما: لتأويلهم ما في الإِنجيل من قوله: اذهب إلى أبي وأبيكم، فقالوا لأجل ذلك {نَحنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} الثاني: لأجل قولهم في المسيح: ابن الله، وهم يرجعون إليه، فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأجباءه، فرد الله منطقهم ذلك بقوله: {... فَلِمَ يُعَذّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} لأن الأب لإِشفاقه لا يعذب ابنه، ولا المحب حبيبه.

ابن عادل

تفسير : وهمُ اليَعْقُوبيَّة من النَّصارى، يقولون: المَسِيحُ هو الله، وهذا مذهب الحُلوليَّة، فإنَّهُم يَقُولُون: إنَّ الله تعالى قد يَحِلُّ في بدن إنْسَان معيَّن أو في رُوحِهِ، ثم إنَّه تعالى احَتَّج على فَسَادِ هذا المذْهَب بقوله تعالى: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. قوله تعالى: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ} [الفاء عاطِفةٌ هذه الجملة على جُمْلة مقدَّرة قبلها، والتقدير: قل كَذَبُوا، أو ليس الأمْر كذلك فَمَن يَمْلِك؟] وقوله: "مِنَ الله" فيه احتمالان: أظهرهما: أنَّه متعلِّقٌ بالفِعْلَ قَبْلَه. والثاني: ذكره أبُو البقاء: أنَّه حالٌ من "شَيئاً"، يعني: من حَيْثُ إنَّه كان صِفَةً في الأصْلِ للنَّكرة، فقدَّم عليها [فانْتَصَب حالاً]، وفيه بُعْدٌ أو مَنْعٌ. وقوله "فَمَنْ" استفهامُ تَوْبِيخٍ وتقرير وهو دالٌّ على جواب الشَّرْط بعدَهُ عند الجُمْهُور. قوله: {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} وهذه جُمْلَةٌ شرطيَّةٌ قُدِّم فيها الجزاءُ على الشَّرْط، والتَّقْدير: إن أرَاد أن يَهْلِكَ المسيحَ ابن مَرْيَم وأمَّهُ ومن في الأرض جميعاً فمن الذي يقدر أن يَدْفَعَهُ عن مُرَادِهِ ومَقْدُوره. وقوله: {فَمن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} أي: فَمَنْ يَمْلِكُ من أفْعَال الله شَيْئاً، والمُلْكُ هو القُدْرة، أي: فمن الذي يَقْدِر على دَفْعِ شَيْءٍ من أفْعال الله. وقوله {ومَنْ في الأَرْضِ جَمِيعاً}، يعني: أنَّ عيسى مُشَاكِلٌ من في الأرْض في القُدْرة والخِلْقَة والتَّركيب وتغْيِير الأحوال والصِّفات، فلما سلّمتم كَوْنَهُ تعالى خَالِقاً للكُلِّ، وَجَبَ أن يكون خَالِقاً لِعيسى. قوله: {ومَنْ فِي الأَرْضِ} من باب عَطْفِ التَّامِّ على الخاصِّ، حتى يبالغ في نفي الإلهيَّة عنهما، فكأنَّه نَصَّ عليهما مَرَّتَيْن؛ مرَّة بذِكْرِهما مُفْرَدَيْن، ومرَّة بانْدِرَاجِهما في العُمُوم. و"جمِيعاً": حالٌ من المسيحِ وأمّه ومَنْ في الأرض، أو مِنْ "مَنْ" وحدَهَا لعُمُومها. ويجُوز أن تكون مَنْصُوبَةً على التَّوْكِيد مثل "كل"، وذكرهَا بعض النُّحاة من ألْفَاظ التوكيد. ثم قال: {وللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرْض} ثم قال: "ومَا بَيْنَهُمَا"، ولم يقل: بَيْنَهُنَّ؛ لأنَّه ذهب بذلك مذهب الصِّنْفَيْن والنَّوْعَيْن. وقوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} جُمْلَة لا مَحَلَّ لها من الإعْراب لاستِئْنَافِها، وفي مَعْنَاها وجْهان: الأول: يَخْلُقُ ما يشاء، فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنْثَى كما هو مُعْتَاد، وتارة لا من الأب والأم كما في [حقِّ آدم]، وتارة من الأمِّ لا من الأب كما في حقِّ عيسى - عليه السلام -. والثاني: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} يعني: أنَّ عيسى إذا قدر صور الطير من الطِّين، فالله يَخْلُقُ فيه الحَيَاة والقُدْرَة مُعْجِزةً لِعيسَى، وتارَةً يُحْيِي المَوْتَى، وتارة يُبْرِىء الأكْمَهَ والأبْرَص مُعْجِزةٌ لَهُ، [ولا اعتراض على الله] في شيء من أفَعْالِهِ، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

البقاعي

تفسير : ولما تم ذلك موضحاً لأن من لم يتبع الكتاب الموصوف كان كافراً وعن الطريق الأمم جائراً حائراً، وكان محصل حال اليهود كما رأيت فيما تقدم ويأتي من نصوص التوراة - أنهم لا يعتقدون على كثرة ما يرون من الآيات أن الله مع نبيهم دائماً، وكان أنسب الأشياء بعد الوعظ أن يذكر حال النصارى في نبيهم، فإنه مباين لحال اليهود من كل وجه، فأولئك على شك في أنه معه، وهؤلاء اعتقدوا أنه هو، فقال تعالى مبيناً أنهم في أظلم الظلام وأعمى العمى: {لقد} أو يقال: إن اليهود لما فرطوا فكفروا، أفهم ذلك أن النصارى لما أفرطوا كفروا، فصار حالهم كالنتيجة لما مضى فقال: لقد {كفر الذين قالوا} مؤكدين لبعد ما قالوه من العقل فهو في غاية الإنكار {إن الله} أي على ما له من جميع صفات الكمال التي لا يجهلها من له أدنى تأمل إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى {هو المسيح} أي عينه، وهو أقطع الكفر وأبينه بطلاناً، ووصفه بما هو في غاية الوضوح في بطلان قولهم لبعده عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة فقال: {ابن مريم} فهو محتاج إلى كفالتها بما لها من الأمومة. ولما بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره، وكان بما دق على بعض الأفهام، أوضحه بقوله: {قل} دالاً على أن المسيح عليه السلام عبد مملوك لله، مسبباً عن كفرهم {فمن يملك من الله} أي الملك الذي له الأمر كله {شيئاً} أي من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد، بحيث يصير ذلك المملوك أحق به منه ولا ينفذ له فيه تصرف {إن أراد} أي الله سبحانه {أن يهلك المسيح} وكرر وصفه بالنوبة إيضاحاً للمراد فقال: {ابن مريم} وأزال الشبهة جداً بقوله: {وأمه} ولما خصهما دليلاً على ضعفهما المستلزم للمراد، عم دلالة على عموم القدرة المستلزم لتمام القهر لكل من يماثلهما المستلزم لعجز الكل المبعد من رتبة الإلهية، فقال موضحاً للدليل بتسويتهما ببقية المخلوقات: {ومن في الأرض جميعاً} أي فمن يملك منعه من ذلك. ولما كان التقدير: فإن ذلك كله لله، يهلكه كيف شاء متى شاء، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال معلماً بأنه - مع كونه مالكاً مَلِكاً - له تمام التصرف: {ولله} أي الملك الأعلى الذي لا شريك له {ملك السماوات} أي التي بها قيام الأرض {والأرض وما بينهما} أي ما بين النوعين وبين أفرادهما، بما به تمام أمرهما؛ ثم استأنف قوله دليلاً على ما قبله ونتيجة له: {يخلق ما يشاء} على أي كيفية أراد - كما تقدم أن له أن يعدم ما يشاء كذلك، فلا عجب في خلقه بشراً من أنثى فقط، لا بواسطة ذكر، حتى يكون سبباً في ضلال من ضل به، ولما دل ذلك على تمام القدرة على المذكور عم فقال: {والله} أي ذو الجلال والإكرام {على كل شيء} أي من ذلك وغيره {قدير *}. ولما عم سبحانه في ذكر فضائح بني إسرائيل تارة، وخص أخرى، عم بذكر طامة من طوامهم، حملهم عليها العجب والبطر بما أنعم الله به عليهم، فقال: {وقالت اليهود والنصارى} أي كل طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفسها دون الخلق أجمعين {نحن أبناءُ الله} أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات الكمال {وأحباؤه} أي غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف بالواو، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضاً بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها، والذي أورثهم هذه الشبهة - إن لم يكونوا قالوا ذلك عناداً - أن في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: شعبي بكري، وقال في أول نبوة موسى عليه السلام - كما ذكرته في الأعراف: وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك - ونحو هذا؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام: افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء - ونحو ذلك، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف: إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر، وقال في البقرة في تفسير {أية : بديع السماوات}تفسير : [البقرة: 117]: أنهم كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب الأصلي، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فلذاك كفر قائله ومنع منه منعاً مطلقاً انتهى. فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان أنه يعذبهم فقال: {قل فلم يعذبكم} أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة {بذنوبكم} وعذابهم مذكور في نص توراتهم في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلاً عن أن يعذب به، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب - تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة والولد علواً كبيراً! وإن كان المراد المجاز، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب، كان ذلك مانعاً من التعذيب. ولما كان معنى ذلك أن يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أحباء، عطف عليه نقضاً آخر أوضح من الأول فقال: {بل أنتم بشر ممن خلق} وذلك أمر مشاهد، والمشاهدات من أوضح الدلائل، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية، وهما يمنعان البنوة، فإن القديم لا يلد بشراً، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوصفين البنوة، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما. ولما كان التقدير: يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه، وصل به قوله جواباً لمن يقول: وما هو فاعل بمن خلق؟: {يغفر لمن يشاء} أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلاً منه تعالى {ويعذب من يشاء} عدلاً كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين. ولما كان التقدير: لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره، عطف عليه قوله نقضاً ثالثاً بما هو أعم مما قبله فقال: {ولله} أي الذي له الأمر كله، فلا كفوء له {ملك السماوات} وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى، وصرح بقوله: {والأرض وما بينهما} أي وأنتم مما بينهما، وقد اجتمع بذلك مع المُلكِ والإبداعِ المِلكُ والتصريف والتصرف التام، وذلك هو الغنى المطلق، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء من ولد ولا غيره، ولا يكون لأحد عليه حق، ولا يسوغ عليه اعتراض. ولما كان التقدير: فمنه وحده الابتداء، عطف عليه قوله: {وإليه} أي وحده {المصير *} أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده، وحساً في الآخرة، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض عبيده من بعض، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين! فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل.

ابو السعود

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي لا غيرُ، كما يقال: الكرمُ هو التقوى، وهم اليعقوبـيةُ القائلون بأنه تعالى قد يحِلُّ في بدن إنسان معين، أو في روحه، وقيل: لم يصرِّح به أحدٌ منهم، لكن حيث اعتقدوا اتصافَه بصفاتِ الله الخاصة وقد اعترفوا بأن الله تعالى موجود، فلزِمهم القولُ بأنه المسيح لا غير، وقيل: لما زعموا أن فيه لاهوتاً وقالوا: لا إلٰه إلا واحدٌ، لزمهم أن يكونَ هو المسيح، فنُسب إليهم لازمُ قولِهم توضيحاً لجهلهم، وتفضيحاً لمعتَقَدِهم {قُلْ} أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولِهمِ الفاسد وإلقاماً لهم الحجَرَ، والفاء في قوله تعالى: {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} فصيحة، و(مَنْ) استفهامية للإنكار والتوبـيخ، والمُلكُ الضبطُ والحِفظُ التامُّ عن حزم، و(من) متعلقةٌ به على حذف المضاف، أي إن كان الأمرُ كما تزعُمون فمن يمنَعُ من قدرته تعالى وإرادته شيئاً؟ وحقيقتُه فمن يستطيعُ أن يُمسك شيئاً منهما {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}. ومن حق مَنْ يكون إلٰهاً ألا يتعلقَ به ولا بشأنٍ من شؤونه، بل بشيءٍ من الموجودات قدرةُ غيرِه بوجهٍ من الوجوه، فضلاً عن أن يعجِزَ عن دفع شيءٍ منها عند تعلقِها بهلاكه، فلما كان عجزُه بـيناً لا ريب فيه ظهرَ كونُه بمعزل مما تقوَّلوا في حقه. والمرادُ بالإهلاك الإماتةُ والإعدامُ مطلقاً، لا بطريق السُخْط والغضب، وإظهارُ المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية في مقام الإضمار لزيادة التقرير، والتنصيصِ على أنه من تلك الحيثية بعينها داخلٌ تحت قهره ومَلَكوته تعالى ونفْيِ المالكيةِ المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن كل أحدٍ مع تحقق الإلزامِ والتبكيتِ بنفيها عن المسيح فقط، بأن يقال: فهل يملِك شيئاً من الله إن أراد الخ لتحقيق الحقِّ بنفيِ الألوهية عن كل ما عداه سبحانه. وإثباتُ المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني، فإن انتفاءَ المالكيةِ المستلزِمَ لاستحالة الألوهية متى ظهر بالنسبة إلى الكلِّ ظهر بالنسبة إلى المسيح على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فيظهر استحالةُ ألوهيتِه قطعاً. وتعميمُ إرادةِ الإهلاك للكل، مع حصول ما ذُكر من التحقّق بقَصْرها عليه، بأن يقال: فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلِك المسيح، لتهويل الخطب وإظهارِ كمالِ العجز ببـيانِ أن الكلَّ تحت قهره تعالى وملَكوته، لا يقدِرُ أحدٌ على دفع ما أريد به فضلاً عن دفع ما أريد بغيره، وللإيذان بأن المسيحَ أُسوةٌ لسائر المخلوقات في كونه عُرْضةً للهلاك كما أنه أُسوة لها فيما ذُكر من العجز وعدم استحقاقِ الألوهية، وتخصيصُ أمِّه بالذكر مع اندراجها في ضمن مَنْ في الأرض لزيادة تأكيدِ عجْز المسيح، ولعل نَظْمَها في سِلْك من فَرضَ إرادةَ إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادةِ تقريرِ مضمونِ الكلام، بجعل حالها أُنموذجاً لحال بقيةِ مَنْ فرَضَ إهلاكَه، كأنه قيل: قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلكَ المسيح وأمَّه ومن في الأرض، وقد أهلك أمَّه فهل مانَعَه أحد، فكذا حال مَنْ عداها من الموجودين وقوله تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي ما بـين قُطْرَي العالم الجسماني لا بـين وجهِ الأرض ومُقعَّرِ فَلك القمر فقط، فيتناول ما في السموات من الملائكة عليهم السلام وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات، تنصيصٌ على كون الكلِّ تحت قهره تعالى وملكوته إثرَ الإشارة إلى كون البعض أي من في الأرض كذلك، أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرُّفُ المطلقُ فيها إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة لا لأحد سواه استقلالاً، ولا اشتراكاً فهو تحقيقٌ لاختصاص الألوهية به تعالى إثرَ بـيان انتفائها عن كل ما سواه. وقوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} جملةٌ مستأنفة مَسوقةٌ لبـيان بعض أحكام المُلك والألوهية على وجه يُزيحُ ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح لولادته من غير أب، وخَلْقِ الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، أي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن (ما) نكرة موصوفة محلها النصبُ على المصدرية، لا على المفعولية، كأنه قيل: يخلق أيَّ خلق يشاؤه فتارةً يخلق من غير أصل كخلق السموات والأرض، وأخرى من أصلٍ كخلق ما بـينهما، فيُنشىء من أصلٍ ليس من جنسه كخلق آدمَ وكثيرٍ من الحيوانات، ومن أصلٍ يجانسه إما مِنْ ذكرٍ وحده كخلق حواءَ أو أنثى وحدها، كخلق عيسى عليه السلام، أو منهما كخلق سائر الناس، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات، وقد يخلُق بتوسط مخلوق آخرَ كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزةً له وإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص وغير ذلك فيجب أن يُنسَبَ كلُّه إليه تعالى لا إلى من أَجْرىٰ ذلك على يده {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} اعتراض تذيـيلي مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وإظهار الاسم الجليل للتعليل وتقويةِ استقلال الجملة.

القشيري

تفسير : مَنْ اشتملت عليه أرحامُ الطوامثُ متى يفارقه نَقْصُ الخِلْقة؟ ومَنْ لاحت عليه شواهدُ التغيُّر أَنَّى يليق به نعت الربوبية؟ ولو قَطَعَ البقاءَ عن جميع ما أوجد فأي نقصٍ يعود إلى الصمد؟

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم} لا غير كما يقال الكرم هو التقوى نزلت فى نصارى نجران وهم اليعقوبية القائلون بانه تعالى قد يحل فى بدن انسان معين او فى روحه {قل} يا محمد تبكيتا لهم ان كان الامر كما تزعمون {فمن} استفهامية انكارية {يملك} الملك الضبط والحفظ التام عن حزم اى يمنع {من الله} اى من قدرته وارادته {شيئاً} وحقيقته فمن يستطيع ان يمسك شيئاً منها {ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن فى الارض جميعا} احتج بذلك على فساد قولهم وتقريره ان المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الالوهية وكيف يكون إلٰه من لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه ولا عن غيره والمراد بالاهلاك الاماتة والاعدام مطلقا لا بطريق السخط والغضب ولعل انظم امه فى سلك من فرض ارادة اهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها انموذجا لحال بقية من فرض اهلاكه كأنه قيل قل فمن يملك من الله شيئاً ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن فى الارض وقد اهلك امه فهل مانعه احد فكذا حال من عداها من الموجودين {ولله ملك السموات والارض وما بينهما} اى ما بين قطرى العالم الجسمانى لا بين وجه الارض ومقعر فلك القمر فقط فيناول ما فى السموات من الملائكة وما فى اعماق الارض والبحار من المخلوقات وهو تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته اثر الاشارة الى كون البعض اى من فى الارض كذلك اى له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها ايجادا واعداما واحياء واماتة لا لاحد سواه استقلالا ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الالوهية به تعالى اثر بيان انتفائها عن كل ما سواه {يخلق ما يشاء} اى يخلق ما يشاء من انواع الخلق والايجاد على ان ما نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية لا على المفعولية كأنه قيل يخلق أى خلق يشاؤه فتارة يخلق من غير اصل كخلق السموات والارض واخرى من اصل كخلق ما بينهما فينشىء من اصل ليس من جنس كخلق آدم وكثير من الحيوانات ومن اصل يجانسه اما من ذكر وحده كخلق حواء او انثى وحدها كخلق عيسى او منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شىء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى معجزة له واحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص وغير ذلك فينسب كل اليه تعالى لا الى من اجرى ذلك على يده {والله على كل شىء قدير} اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله: وفى المثنوى شعر : دامن او كير اى يار دلير كومنزه باشد از بالا وزير نى جو عيسى سوى كردون برشود نى جو قارون درزمين اندر رود ربى الاعلاست ورد آن مهان رب ادنى خوراين ابلهان تفسير : وعن عبادة من الصامت رضى الله عنه عن النبى عليه السلام قال "حديث : من شهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق ادخله الله الجنة على ما كان من عمل " .تفسير : وعن الحارث الاشعرى رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ان الله تعالى اوحى الى يحيى بن زكريا عليهما السلام بخمس كلمات ان يعمل بهن ويأمر بنى اسرائيل ان يعملوا بهن فكأنه ابطأ بهن فاتاه عيسى فقال ان الله امرك بخمس كلمات ان تعمل بهن وتأمر بنى اسرائيل ان يعملوا بهن فاما ان تخبرهم واما ان اخبرهم فقال يا اخى لا تفعل فانى اخاف ان سبقتنى بهن ان يخسف بى او اعذب قال فجمع بنى اسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات ثم خطبهم فقال ان الله اوحى الى بخمس كلمات ان اعمل بهن وآمر بنى اسرائيل ان يعلموا بهن. اولاهن ان لا تشركوا بالله شيئاً فان مثل من اشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب او ورق ثم اسكنه دارا فقال اعمل وارفع الى فجعل يعمل ويرفع الى غير سيده فأيكم يرضى ان يكون عبده كذلك فان الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً واذا قمتم الى الصلاة فلا تلتفتوا فان الله يقبل بوجهه الى وجه عبده ما لم يلتف. وآمركم بالصيام ومثل ذلك كمثل رجل فى عصابة معه صرة من مسك كلهم يحب ان يجد ريحها وان الصيام عند الله اطيب من ريح المسك. وآمركم بالصدقة ومثل ذلك كمثل رجل اسره العدو فاوثقوا يده الى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فجعل يقول هل لكم ان اقدى نفسى منكم فجعل يعطى القليل والكثير حتى فدى نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا فى اسره حتى اتى حصنا حصينا فاحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان الذى هو اكبر الاعداء الا بذكر الله ".تفسير : قال فى المثنوى شعر : ذكر حق كن بانكه غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز ذكر حق باكست جون باكى رسيد رخت بر بندد برون آيد بليد مى كريزد ضدها از ضدها شب كريزد جون برافروزد ضيا جون در آيد نام باك اندر دهان نى بليدى ماند ونى آندهان تفسير : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : وانا آمركم بخمس الله امرنى بهن بالسمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فانه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه الا ان يراجع ". تفسير : والربقة بكسر الراء وفتحها وسكون الباء الموحدة واحدة الربق وهى عرى فى حبل يشد به اليهم وتستعار لغيره.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}، والقائل بهذه المقالة هي الطائفة اليعقوبية من النصارى، كما تقدم. وقيل: لم يصرح بهذه المقالة أحدٌ منهم. ولكن لزمهم حيث قالوا بأن اللاهوت حل في ناسوت عيسى ـ مع أنهم يقولون الإله واحد، فلزمَهم أن يكون هو المسيح، ولزمهم الاتحاد والحلول؛ فنسب إليهم لازم قولهم، توضيحًا لجهلهم، وتقبيحًا لمعتقدهم. ثم رد عليهم بقوله: {قل فمن يملك من الله شيئًا} أي: من يمنع من قدرته وإرادته شيئًا، {إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا}، وبيان الرد عليهم: أن المسيح مقدورٌ ومقهور، قابل للفناء كسائر الممكنات، ومن كان كذلك فهو معزول عن الألوهية. ثم أزال شبهتهم بحجة أخرى فقال: {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما}، يتصرف فيهما كيف شاء، {يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير}؛ فقدرته عامة؛ فيخلق من غير أصل؛ كالسماوات والأرض، ومن أصل؛ كخلق ما بينهما، وينشىء من أصل ليس هو جنسه؛ كآدام وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه، إما من ذكر وحده؛ كحواء، أو من أنثى وحدها: كعيسى، أو منهما؛ كسائر الناس. قاله البيضاوي: الإشارة: قد رُمي كثير من الأولياء المحققين بالاتحاد والحلول؛ كابن العربي الحاتمي، وابن الفارض، وابن سبعين، والششتري والحلاج، وغيرهم ـ رضي الله عنهم عنهم ـ وهم بُرءاء منه. وسبب ذلك أنهم لما خاضوا بحار التوحيد، وكُوشفوا بأسرار التفريد، أو أسرار المعاني قائمة بالأواني، سارية في كل شيء، ماحية لكل شيء، كما قال في الحِكَم: "الأكوان ثابتة بإثباته ممحوه بأحدية ذاته" فأرادوا أن يعبروا عن تلك المعاني فضاقت عبارتهم عنها؛ لأنه خارجة عن مدارك العقول، لا تدرك بالسطور ولا بالنقول. وإنما هي أذواق ووجدان؛ فمن عبَّر عنها بعبارة اللسان كُفِّر وزندق، وهذه المعاني هي الخمرة الأزلية التي كانت خفية لطيفة، ثم ظهرت محاسنها، وأبدت أنوارها وأسرارها، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات، فمن عرفها وكوشف بها. اتحد عنده الوجود، وأفضى إلى مقام الشهود. وهي منزهة عن الحلول والاتحاد، إذ لا ثاني لها حتى تحل فيه أو تتحد معه، وقد أشرت إلى هذا المعنى في تائيتي الخمرية، حيث قلت: شعر : تَنَزَّهت عن حُكمِ الحلول في وَصفِها فليسَ لها سِوَى في شَكلِه حَلَّتِ تَجَلَّت عَرُوسًا في مَرَائي جَمَالِها وأرخَت سُتَور الكبرِياءِ لعِزَّتِي فَمَا ظَاهِرٌ في الكَونِ غيرُ بهائها وما احتَجَبَت إلا لَحجِب سَرِيرتِي تفسير : فمن كوشف بأسرار هذه الخمرة، لم ير مع الحق سواه. كما قال بعضُ العارفين: ( لو كُلفتُ أن أرى غيره لم أستطع؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده ). ولو أظهرها الله تعالى للكفار لوجدوا أنفسهم عابدة لله دون شيء سواه، وفي هذا المعنى يقول ابن الفارض على لسان الحقيقة: شعر : فما قَصَدُوا غيرَه وإن كان قَصدهُم سِوَاي وإن لم يُظهِروا عَقدَ نِيّهة@_ تفسير : والنصارى ـ دمرهم الله في مقام الفرق والضلال ـ حملهم الجهل والتقليد الرديّ على مقالاتهم التي قالوا في عيسى عليه السلام. ثم ذكر مقالة أخرى لليهود و النصارى، فقال: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ}.

الطوسي

تفسير : اللام في قوله: {لقد كفر} جواب للقسم وتقديره أقسم لقد كفر الذين قالوا. وانما كفروا بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم على وجه التدين به، لانهم لو قالوه على وجه الحكاية منكرين لذلك لم يكفروا به. وانما كانوا بذلك كافرين من وجهين: احدهما - انهم كفروا بالنعمة من حيث أضافوها إلى غير الله ممن ادعوا الهيته. والثاني - كفر صفة لانهم وصفوا المسيح وهو محدث بصفات الله تعالى، فقالوا: هو إله واحد فكل جاهل بالله كافر، لانه لما ضيع حق نعمة الله، كان بمنزلة من أضافها إلى غيره ومعنى من يملك من الله شيئاً من يقدر ان يدفع من أمر الله شيئاً، من قولهم: ملكت على فلان أمره: إذا اقتدرت عليه حتى لا يمكنه انفاذ شيء من امره الا بك. وتقديره من يملك من امره شيئاً. ووجه الاحتجاج بذلك انه لو كان المسيح إلهاً، لقدر على دفع أمر الله اذا اتى باهلاكه واهلاك غيره، وليس بقادر عليه لاستحالة القدرة على مغالبة القديم (تعالى) إذا ذلك من صفات المحتاج الذليل. وقوله: {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} انها لم يقل وما بينهن مع ذكر السموات على الجمع، لانه أراد به النوعين أو الصنفين كما قال الشاعر: شعر : طرقاً فتلك هما همى اقريهما قلصاً لواقح كالقسي وحولا تفسير : فقال: طرفاً، ثم قال: فتلك هما همى. فان قيل: كيف حكى عنهم ان الله هو المسيح بن مريم. وعندهم هو ابن الله؟ قلنا: لانهم زعموا انه اله. وهذا الاسم انما هو للاله بمنزلة ذلك، كما لو قال الدهري: إن الجسم قديم لم يزل، وان لم يذكره بهذا الذكر.

الجنابذي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} قيل انّهم فرقة منهم وهم اليعقوبيّة يقولون باتّحاده تعالى مع عيسى (ع) لكن نقول: اعتقاد النّصارى انّ عيسى (ع) فيه جوهرٌ آلهىٌّ وجوهر آدمىٌّ وباعتباره الآلهىّ يقولون هو الله ومرادهم تأكيد اتّحاده مع عيسى (ع) باعتبار جوهره الآلهىّ ويقولون: هو باعتبار جوهره الآدمىّ ابن ومولود وجسم ومقتول ومصلوب، هذا اعتقاد محقّقيهم، وأمّا اتباعهم فلا يعرفون منه الاّ مقام بشريّته ويقولون: هو الله ومقصودهم مقام بشريّته {قُلْ} يا محمّد (ص) للردّ عليهم ان كان الامر كما تقولون {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} مفعول يملك ومن الله حالٌ منه مقدّم عليه، والمعنى لا يقدر احدٌ على شيء ممّا يملكه الله بتغييره او دفعه فانّ الملك عبارة عن قدرة التّصرّف فى المملوك، وان كان فى عيسى (ع) جوهر آلهىٌّ كان قادراً على التّغيير والدّفع {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} بيان لحال النّصارى وقالهم وتوهينٌ لهم وتعريض بالغالى من امّة محمّد (ص) وبالقائلين منهم بالاتّحاد والحلول وحقّ العبارة ان يقال: لو اراد ان يهلك المسيح وامّه لأن المسيح وأمه كانا قد مضيا لكنّه تعالى ادّاه بصورة الشّرط المستقبل لفرض الحال الماضية حاضرة، او لاعتقادهم انّ عيسى (ع) حىّ فى السّماء قاعد على يمين ابيه وكذلك امّه، او للاشارة الى انّه حىٌّ بحيوته الطّبيعيّة فى السّماء الرّابعة {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} استيناف او حال لبيان عدم المانع له من ارادته ونفاذ أمره وللدّلالة على انّ المسيح مملوك له والمملوك لا يكون آلهاً ولا ولداً للمالك {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} فلا غروان يخلق عيسى (ع) من انثى بلا ذكرٍ ولا دلالة فيه على كونه آلهاً او ابناً كما تمسّكوا به، بل فيه دلالة على آلهة الخالق الّذى خلقه بلا ذكرٍ نقضاً لما قاله الطّبيعىّ {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على خلق الانسان بلا ابٍ وعلى اهلاك من فى الارض جميعاً، وخلق عيسى (ع) بلا ابٍ يدلّ على عموم قدرته لا على آلهة عيسى (ع).

الهواري

تفسير : قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} يحتج عليهم بما يعرفون. قال: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قالت اليهود لأنفسها، وقالت النصارى لأنفسها، وقال الحسن: يقولون: قربنا من الله وحبُّه إيانا كقرب الولد من والده وكحب الوالد ولدَه، ليس على حدّ ما قالت النصارى لعيسى. قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فيجعل منكم القردة والخنازير؛ لو كان لكم هذا القرب وهذه المحبة ما عذّبكم أبداً. وقال الكلبي: إنهم يقرون أن الله معذبهم عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، وليس يقرون بما وراء ذلك، فاحتج عليهم بما يقرّون به. قوله {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} أي: المؤمنين {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي: الكافرين {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ} أي المرجع.

اطفيش

تفسير : {لَّقَد كَفَرَ}: أشرك. {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ}: نفوا الألوهية عن الله العزيز المنتقم، وأثبتوها لعبده عيسى وقالوا: لا إله إلا عيسى، وهم قوم من النصارى وهم اليعقوبية، وقيل والملكانية. قال ابن عباس: ونصارى نجران على دين اليعقوبية، وسبق الكلام فى ذلك، وقيل: لم يصرحوا بذلك تصريحاً لكن لزم من كلامهم، وذلك أنهم قالوا: ان فى عيسى لاهوتاً، وقالوا: لا إله إلا واحد، فلزم على زعمهم أن يكون هو المسيح، كما نسبوا اليه أنه خالق محيى مميت، مدبر أمر العالم، فضحهم الله بلازم اعتقادهم، وزعم قوم منهم أن الله حل فى عيسى. {قُل}: يا محمد لهؤلاء النصارى ان كان ما تقولون حقاً. {فَمَن يَملِكُ مِنَ اللهِ شَيئًا}: أى فمن يطيق ويقدر أن يدفع عن عذاب الله شيئاً، فمفعول يملك محذوف تقديره: أن يدفع، ومن الله على حذف مضاف، أى من عذاب الله وشيئاً مفعول به ليدفع المقدر، ويجوز أن لا يقدر مفعول ليملك، بل مفعوله شيئاً ويقدر من أمر الله أى لا يملك أحد شيئاً من أمر الله، حتى انه لو جاء به الله لدفعه هو، ومن الله نعت شيئاً، ومن لازم الملك التصرف فى المملوك فلو ملك أحد شيئاً من أمر الله لتصرف فيه بالمنع اذا جاء، أو ضمن يملك معنى يمنع والاستفهام للنفى. {إِنْ أَرَادَ أَن يُهلِكَ المَسِيحَ ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الأَرضِ جَمِيعًا}: فلو كان عيسى الهاً لرد عن نفسه ما يكره اذا جاءه، كما يرد أحدنا باذن الله الشر اذا جاءه من عدوه، وانما ذكر أمه ومن فى الأرض جميعاً تنبيها على أن عيسى وأمه من جنس الناس لا تفاوت بينهما فى الانسانية، وكذلك لا مانع له اذا أراد سائر خلقه، ولكن ذكر ما فى الأرض لأنه المعروف عندهم عيانا. {وَللهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا}: بين النوعين، ومن جملة ذلك عيسى فهو ملك لله تعالى. {يَخلُقُ مَا يَشَآءَ}: على الكيفية التى يشاء، مثل أن يخلق ما يخلق بلا أصل كالسماوات والأرض، وكالأرواح والظلمة، أو من أصل لا يجانس ما خلق منه كالسماوات والأرض على القول بأنهما من الماء، وكآدم والحيوان المتولد من التراب، أو من الثمار، أو من اللحوم، والطير من التراب على يد عيسى، أو من أصل يجانسه كحواء أنثى من ذكر، وكعيسى ذكراً من أنثى وحدها، وكسائر الناس من ذكر وأنثى، فهو الخالق لعيسى فى رحم أمه عليهما السلام بلا ذكر. {واللهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ}: لا يعجزه ما أراد.

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} هم اليعقوبية على المشهور ومنهم في الدين نصارى نجران زعموا أَن فيه لاهوتا أَى أُلوهية بدليل أَنه يحيى الميت ويميت الحى ويخلق وينبئ بالغيوب ويبرئ الأَكمه والأبرص ويدبر العالم، لما ادعوا ذلك مع قولهم لا إله إلا واحد نسب الله إِليهم بتعريف الطرفين مع ضمير الفصل أَنهم قالوا لا إله إلا عيسى، وأَكد بأَن وذلك إيضاح لجهلهم وفضيحة لهم لأَن الألوهية لا تتجزأ ولا تتعدد ولا تنتقل ولا تحل في الحادث، والإِله لا يعجز ولا يحتاج ولا يلحقه ضر ولا نفع ولا أَول له، وعيسى بخلاف ذلك، وهو حادث ومالا أَول له لا آخر له فلو انتقلت هى أَو بعضها عدم الأَول أَو بعضه تعالى الله عن ذلك، وكل ما كان بيد عيسى من إحياء وما بعده فالله هو الفاعل له، واختار البيضاوى أَنهم لعنهم الله لأنهم قالوا بالاتحاد كما هو ظاهر الآية والكلام في أُمه مثله، قيل قالوا المسيح هو الله وأَنه من لاهوت وناسوت واللاهوت هو ما فيه من الأُلوهية النازلة فيه من الله سبحانه سبحانه سبحانه والناسوت ما فيه من بشرية أَمه، وإِنما قال الله عز وجل عنهم إن الله هو المسيح لأَنه لما رفع اجتمعت طائفة وقالت: ما تقولون فى عيسى؟ فقال أَحدهم أَتعلمون أَن أَحداً يحيى الموتى غير الله تعالى؟ قالوا: لا. وقال: أَتعلمون أَن أَحدا يبرئ الأَكمه والأَبرص إِلا الله؟ قالوا: لا. فقالوا: ما الله تعالى إِلا من هذا وصفه أَى حقيقة الأُلوهية فيه، كما تقول: الكريم زيد ولا تريد الحصر بل حقيقة الكرم فيه. وصرح في بعض الكتب بأَن الآية على ظاهرها أَن الله هو نفس المسيح نزل من السماءِ {قُلْ} يا محمد أَو من يصلح للقول مطلقا والأَول أَولى على عطف التلقين أَو على تقدير إِن كان ذلك {فَمَنْ} إِنكار أَى لا أَحد {يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً} من الإِهلاك يريده الله فيدفعه ذلك مالكاً له في قبضته، والفاء فى جواب شرط محذوف كما رأيت أَو عاطفة على محذوف، أَى ليس الأَمر كذلك فمن يملك، وأَغنى عن جوابه قوله {إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ} يميت أَو يفنى {الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ} ذكرها لانحطاطها أيضا عن الأُلوهية المدعاة لها {وَمَنْ فِى الأَرْضِ جَميعَا} تعميم بعد تخصيص فيكون قد نفى الأُلوهية عن عيسى وأُمه عليهما السلام مرتين، مرة بذكرها ومرة بدخولها في العموم، ولو كان عيسى إلهاً لدفع عن نفسه وعمن شاءَ ما يكره، فهو عاجز مقهور فليس إِلها، أَلا يرون أَنه من جنسهم مصنوع، ولم يضمر للمسيح تأْكيدا بالتصريح بعجزه ونفى الأُلوهية عنه وأَكد أَيضا بذكر أَن له أُمّاً حدث منها فذكرها لذلك، ولأَنه قد ادعيت الأُلوهية لها أَيضا. {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} فعيسى وأُمه مملوكان لله عز وجل والمملوك لا يكون ربا ولا يكون ابنا لمالكه، ولو كانا إِلهين لكان لهما ملك العالم والتصرف فيه إِيجاداً وإِعداماً {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ} يخلق ما شاءَ من غير شيءٍ ويخلق ما شاءَ من شيءٍ سابق مخلوق الله، ويخلق الشئَ من جنسه ومن غير جنسه كآدم ومن ذكر بلا أُنثى كحواءَ، قيل من هذا زوج إِبليس، غضب فخرجت منه شطبة نار خلقها الله زوجا له، ومن أُنثى بلا ذكر كعيسى ومن هذا نساء يلدن إِناثاً بلا ذكر ولا يلدن ذكرا بل يلقحن من الريح أَو من ثمار شجرة يأكلنها ومن عفونة ومن ماء ومن حجر كناقة صالح من صخرة ومن شجر كنساءِ الوقواق تثمر بهن شجر فى أَكمام فتنفتق الأَكمام عنهن متعلقات بشعورهن قائلات واق واق فيسرع إِليهن وينزعن ومن ذكر وأُنثى.

الالوسي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} لا غير المسيح كما يقال: الكرم هو التقوى، وأن الله تعالى هو الدهر أي الجالب للحوادث لا غير الجالب، فالقصر هنا للمسند إليه على المسند بخلاف قولك: زيد هو المنطلق فإن معناه لا غير زيد، والقائلون لذلك ـ على ما هو المشهور ـ هم اليعقوبية المدعون بأن الله سبحانه قد يحل في بدن إنسان معين أو في روحه. وقيل: لم يصرح بهذا القول أحد من النصارى، ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتاً مع تصريحهم بالوحدة، وقولهم: لا إله إلا واحد لزمهم أن الله سبحانه هو المسيح، فنسب إليهم لازم قولهم توضيحاً لجهلهم وتفضيحاً لمعتقدهم، وقال الراغب: فإن قيل: إن أحداً لم يقل الله تعالى هو المسيح وإن قالوا المسيح هو الله تعالى وذلك أن عندهم أن المسيح من لاهوت وناسوت فيصح أن يقال المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت كما صح أن يقال: الإنسان / هو حيوان مع تركبه من العناصر، ولا يصح أن يقال: اللاهوت هو المسيح كما لا يصح أن يقال: الحيوان هو الإنسان، قيل: إنهم قالوا: هو المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت، وهو ما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه لما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل فقالوا: ما تقولون في عيسى عليه الصلاة والسلام؟ فقال أحدهم: أو تعلمون أحداً يحيـي الموتى إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا، فقال: أو تعلمون أحداً يبرىء الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟ قالوا: لا، قالوا: فما الله تعالى إلا من هذا وصفه أي حقيقة الآلهية فيه، وهذا كقولك: الكريم زيد أي حقيقة الكرم في زيد، وعلى هذا قولهم: إن الله تعالى هو المسيح انتهى، وأنت تعلم أنه مع دعوى أن القائلين بالاتحاد يقولون بانحصار المعبود في المسيح كما هو ظاهر النظم لا يرد شيء. {قُلْ} يا محمد تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولهم الفاسد وإلقاماً لهم الحجر، وقد يقال: الخطاب لكل من له أهلية ذلك، والفاء في قوله تعالى: {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} عاطفة على مقدر، أو جواب شرط محذوف، و {مَنْ} استفهامية للإنكار والتوبيخ، والملك الضبط والحفظ التام عن حزم، والمراد هنا ـ فمن يمنع أو يستطيع ـ كما في قوله:شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا تفسير : و {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق به على حذف مضاف أي ليس الأمر كذلك، أو إن كان كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى وإرادته شيئاً {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} ومن حق من يكون إلهاً أن لا يتعلق به ولا بشأن من شؤونه، بل بشيء من الموجودات قدرة غيره فضلاً عن أن يعجز عن دفع شيء منها عند تعلقها بهلاكه، فلما كان عجزه بيناً لا ريب فيه ظهر كونه بمعزل عما تقولون فيه. والمراد بالإهلاك الإماتة والإعدام مطلقاً لا عن سخط وغضب، وإظهار المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية حيث ذكرت معه الصفة في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتنصيص على أنه من تلك الحيثية بعينها داخل تحت قهره تعالى وملكوته سبحانه، وقيل: وصفه بذلك للتنبيه على أنه حادث تعلقت به القدرة بلا شبهة لأنه تولد من أم، وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف لزيادة تأكيد عجز المسيح، ولعل نظمها في سلك من فرض [إرادة] إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها أنموذجاً لحال بقية من فرض إهلاكه، وتعميم إرادة الإهلاك مع حصول الغرض بقصرها على عيسى عليه الصلاة والسلام لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره وملكوته تعالى لا يقدر [أحد] على دفع ما أريد به فضلاً عما أريد بغيره، وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما أنه أسوة لهم في العجز وعدم استحقاق الألوهية. قاله المولى أبو السعود، و {جَمِيعاً} حال من المتعاطفات، وجوز أن يكون حالاً من {مَنْ} فقط لعمومها. وقوله تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي ما بين طرفي العالم الجسماني فيتناول ما في السماوات من الملائكة وغيرها، وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات، قيل: تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته إثر الإشارة إلى كون البعض كذلك أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها إيجاداً وإعداماً، وإحياءاً وإماتة لا لأحد سواه استقلالاً ولا اشتراكاً، فهو تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عما سواه، وقيل: دليل آخر على نفي ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام لأنه لو كان إلهاً كان / له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وقيل: دليل على نفي كونه عليه الصلاة والسلام ابناً ببيان أنه مملوك لدخوله تحت العموم، ومن المعلوم أن المملوكية تنافي البنوة. وقوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبه في أمر المسيح عليه السلام لولادته من غير أب وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، و {مَا} نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية أي يخلق أي خلق يشاؤه، فتارة يخلق من غير أصل ـ كخلق السماوات والأرض ـ مثلاً، وأخرى من أصل ـ كخلق بعض ما بينهما ـ وذلك متنوع أيضاً، فطوراً ينشىء من أصل ليس من جنسه كخلق آدم، وكثير من الحيوانات ـ وتارة من أصل يجانسه إما من ذكر وحده ـ كخلق حواء ـ أو من أنثى وحدها ـ كخلق عيسى عليه الصلاة والسلام ـ أو منهما ـ كخلق سائر الناس، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات ـ ككثير من المخلوقات ـ وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر ـ كخلق الطير ـ على يد عيسى عليه السلام معجزة له. وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فينبغي أن ينسب كل ذلك إليه تعالى لا من أجرى على يده قاله غير واحد. وقيل: إن الجملة جيء بها هٰهنا مبينة لما هو المراد من قوله تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الخ بحسب اقتضاء المقام، و {مَا} نصب على المصدرية أيضاً، وقيل: يجوز أن تكون موصولة ومحلها النصب على المفعولية أي يخلق الذي يشاء أن يخلقه، والجملة مسوقة لبيان أن قدرته تعالى أوسع من عالم الوجود، وعلى كل تقدير فقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله وإظهار الاسم الجليل لما مر من التعليل وتقوية استقلال الجملة.

ابن عاشور

تفسير : هذا من ضروب عدم الوفاء بميثاق الله تعالى. كان أعظمَ ضلال النّصارى ادّعاؤُهم إلهيّة عيسى ـــ عليه السلام ـــ، فإبطال زعمهم ذلك هو أهمّ أحوال إخراجهم من الظلمات إلى النّور وهديهم إلى الصراط المستقيم، فاستأنف هذه الجملة {لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم} استئنافَ البيان. وتعيَّن ذكر الموصول هنا لأنّ المقصود بيان ما في هذه المقالة من الكفر لا بيان ما عليه النصارى من الضلال، لأنّ ظلالهم حاصل لا محالة إذا كانت هذه المقالة كفراً. وحُكي قولهم بما تؤدّيه في اللغة العربيّة جملة {إنّ الله هو المسيحُ ابن مريم}، وهو تركيب دقيق المعنى لم يعطه المفسّرون حَقّه من بيان انتزاع المعنى المراد به، من تركيبه، من الدلالة على اتّحاد مسمّى هذين الاسمين بطريق تعريف كلّ من المسند إليه والمسند بالعلَمية بقرينة السياق الدالّة على أنّ الكلام ليس مقصوداً للإخبار بأَحداث لِذواتتٍ، المسمّى في الاصطلاح: حملَ اشتقاق بل هو حمل مواطأة، وهو ما يسمّى في المنطق: حمل (هُوَ هُوَ)، وذلك حين يكون كلّ من المسند إليه والمسند معلوماً للمخاطب ويراد بيان أنّها شيء واحد، كقولك حين تقول: قال زياد، فيقول سامعك: من هو زياد، فتقول: زياد هو النّابغة، ومثله قولك: ميمون هو الأعشى، وابن أبي السّمْط هو مروان بن أبي حَفْصة، والمُرعَّث هو بشّار، وأمثال ذلك. فمجرّد تعريف جزأي الإسناد كاف في إفادة الاتّحاد، وإقحام ضمير الفصل بين المسند إليه والمسند في مثل هذه الأمثلة استعمال معروف لا يكاد يتخلّف قصداً لتأكيد الاتّحاد، فليس في مثل هذا التّركيب إفادةُ قصر أحد الجزأين على الآخر، وليس ضمير الفصل فيه بمفيد شيئاً سوى التّأكيد. وكذلك وجود حرف (إنّ) لزيادة التّأكيد، ونظيره قول رُوَيشد بن كثير الطائي من شعراء الحماسة:شعر : وَقُلْ لَهم بَادِروا بالعُذر والتمسوا قولاً يبرئكم إنّي أنَا الموت تفسير : فلا يأتي في هذا ما لعلماء المعاني من الخلاف في أنّ ضمير الفصل هل يفيد قصر المسند إليه، وهو الأصحّ؛ أو العكس، وهو قليل، لأنّ مقام اتّحاد المسمَّيين يسوّي الاحتمالين ويصرف عن إرادة القصر. وقد أشار إلى هذا المعنى إشارة خفية قول صاحب «الكشّاف» عقب قوله: {الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم} «معناه بتُّ القول على أنّ حقيقة الله هو المسيح لا غير». ومحلّ الشاهد من كلام «الكشّاف» ما عدا قوله (لا غير)، لأنّ الظاهر أن (لا غير) يشير إلى استفادة معنى القصر من مثل هذا التّركيب، وهو بعيد. وقد يقال: إنّه أراد أنّ معنى الانحصار لازم بمعنى الاتّحاد وليس ناشئاً عن صيغة قصر. ويفيد قولهم هذا أنّهم جعلوا حقيقة الإله الحقّ المعلوم متّحدة بحقيقة عيسى ـــ عليه السلام ـــ بمنزلة اتّحاد الاسمين للمسمّى الواحد، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهيّة في ذات عيسى. ولمّا كانت الحقيقة الإلهيّة معنونة عند جميع المتديّنين باسم الجلالة جَعَل القائلون اسم الجلالة المسندَ إليه، واسمَ عيسى المسند ليدلّوا على أنّ الله اتّحدَ بذات المسيح. وحكاية القول عنهم ظاهرة في أنّ هذا قالوه صراحة عن اعتقاد، إذ سرى لهم القول باتّحاد اللاهوت بناسوتتِ عيسى إلى حدّ أن اعتقدوا أنّ الله سبحانه قد اتّحد بعيسى وامتزج وجود الله بوجود عيسى. وهذا مبالغة في اعتقاد الحلول. وللنّصارى في تصوير هذا الحلول أو الاتّحاد أصل، وهو أنّ الله تعالى جوهر واحد، هو مجموع ثلاثة أقانيم (جمع أقنوم ـــ بضمّ الهمزة وسكون القاف ـــ وهو كلمة رومية معناها: الأصل، كما في القاموس؛ وهذه الثلاثة هي أقنوم الذات، وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، وانقسموا في بيان اتّحاد هذه الأقانيم بذات عيسى إلى ثلاثة مذاهب: مذهب المَلْكانِيَّة وهم الجاثلقية (الكاثوليك)، ومذهب النَّسْطُورية، ومذهب اليَعقوبية. وتفصيله في كتاب «المقاصد». وتقدّم مفصّلاً عند تفسير قوله تعالى: {أية : فآمِنوا بالله ورسُله ولا تقولوا ثلاثة} تفسير : في سورة [النّساء: 171]. وهذا قول اليعاقبة من النصارى، وهم أتباع يعقوب البرذعاني، وكان راهباً بالقسطنطينية، وقد حدثت مقالته هذه بعد مقالة المَلْكَانية، ويقال لِليعاقبة: أصحاب الطبيعة الواحدة، وعليها درج نصارى الحبشة كلّهم. ولا شكّ أنّ نصارى نجران كانوا على هذه الطريقة. ولقرب أصحابها الحبشة من بلاد العرب تصدّى القرآن لبيان ردّها هنا وفي الآية الآتية في هذه السورة. وقد بيّنا حقيقة معتقد النصارى في اتّحاد اللاهوت بالناسوت وفي اجتماع الأقانيم عند قوله تعالى: {أية : وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} تفسير : في سورة [النساء: 171]. وبيّن الله لرسوله الحجّة عليهم بقوله: {قل فمن يملك من الله شيئاً} الآية، فالفاء عاطفة للاستفهام الإنكاري على قولهم: إنّ الله هو المسيح، للدلالة على أنّ الإنكار ترتّب على هذا القول الشنيع، فهي للتعقيب الذِكري، وهذا استعمال كثير في كلامهم، فلا حاجة إلى ما قيل: إنّ الفاء عاطفة على محذوف دلّ عليه السياق، أي ليس الأمر كما زعمتم، ولاَ أنّها جواب شرط مقدّر، أي إن كان ما تقولون فمن يملك من الله شيئاً، إلخ. ومعنى يملك شيئاً هنا يَقْدِر على شيء، فالمركّب مستعمل في لازم معناه على طريقة الكناية، وهذا اللازم متعدّد وهو المِلْك، فاستطاعةُ التحويل، وهو استعمال كثير ومنه قوله تعالى: {أية : قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أرادَ بكم ضَرّا} تفسير : الآية في سورة [الفتح: 11]. وفي الحديث قال رسول الله لعُيينة بن حِصْن "حديث : أفأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة" تفسير : لأنّ الذي يملك يتصرّف في مملوكه كيف شاء. فالتنكير في قوله {شيئاً} للتقليل والتحقير. ولمّا كان الاستفهام هنا بمعنى النفي كان نفي الشيء القليل مقتضياً نفي الكثير بطريق الأولى، فالمعنى: فمن يقدر على شيء من الله، أي مِنْ فِعْله وتصرفِّه أنْ يحوّله عنه، ونظيره {أية : وما أغني عنكم من الله من شيء}تفسير : [يوسف: 67]. وسيأتي لمعنى «يملك» استعمال آخر عند قوله تعالى: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يَملك لكم ضرّاً ولا نفعاً}تفسير : [المائدة: 76] في هذه السورة، وسيأتي قريب من هذا الاستعمال عند قوله تعالى: {أية : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً}تفسير : في هذه السورة [المائدة: 41]. وحرف الشرْط من قوله: {إن أراد} مستعمل في مجرّد التّعليق من غير دلالة على الاستقبال، لأنّ إهلاك أمّ المسيح قد وقع بلا خلاف، ولأنّ إهلاك المسيح، أي موته واقع عند المجادَلين بهذا الكلام، فينبغي إرخاءُ العنان لهم في ذلك لإقامة الحجّة، وهو أيضاً واقع في قول عند جمع من علماء الإسلام الّذين قالوا: إنّ الله أماته ورفعه دون أن يُمكَّن اليهودُ منه، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وما قتلوه وما صلبوه}تفسير : [النساء: 157]، وقوله: {أية : إنّي متوفّيك ورافعك إليّ}تفسير : [آل عمران: 55]. وعليه فليس في تعليق هذا الشرط إشعار بالاستقبال. والمضارع المقترن بأن وهو {أن يهلك} مستعمل في مجرّد المصدرية. والمرادُ بــ {مَن في الأرض} حينئذٍ من كان في زمن المسيح وأمِّه من أهل الأرض فقد هلكوا كلّهم بالضرورة. والتّقدير: مَن يملَك أن يصدّ الله إذْ أراد إهلاك المسيح وأمّه ومن في الأرض يومئذٍ. ولك أن تلتزم كون الشرط للاستقبال باعتبار جَعْل {من في الأرض جميعاً} بمعنى نوع الإنسان، فتعليق الشرط باعتبار مجموع مفاعيل {يُهلك} على طريقة التغليب؛ فإنّ بعضها وقع هلكه وهو أمّ المسيح، وبعضها لم يقع وسيقع وهو إهلاك من في الأرض جميعاً، أي إهلاك جميع النّوع، لأنّ ذلك أمر غير واقع ولكنّه مُمكن الوقوع. والحاصل أنّ استعمال هذا الشرط من غرائب استعمال الشروط في العربية، ومرجعه إلى استعمال صيغة الشرط في معنى حقيقي ومعنى مجازي تغليباً للمعنى الحقيقي، لأنّ {مَنْ في الأرض} يعمّ الجميع وهو الأكثر. ولم يعطه المفسّرون حقّه من البيان. وقد هلكت مريم أمّ المسيح ـــ عليهما السلام ـــ في زمن غير مضبوط بعد رفع المسيح. والتذييل بقوله: {ولله ملك السمٰوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} فيه تعظيم شأن الله تعالى. وردّ آخر عليهم بأنّ الله هو الّذي خلق السماوات والأرض وملك ما فيها من قبل أن يَظهر المسيح، فالله هو الإله حقّاً، وأنّه يخلق ما يشاء، فهو الّذي خلق المسيح خلقاً غير معتاد، فكان موجِب ضلال من نسب له الألوهية. وكذلك قوله: {والله على كلّ شيء قدير}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لقد كفر الذين: لأنهم جحدوا الحق وقالوا كذباً الله هو المسيح بن مريم. المسيح: لقب لعيسى بن مريم عبد الله ورسوله عليه السلام. مريم: بنت عمران من صلحاء بني إسرائيل والدة عيسى عليه السلام. يهلك: يميت ويبيد. قدير: قادر على إيجاد وإعدام كل شيء أراد إيجاده أو إعدامه. الأحباء: واحده حبيب كما أن الأبناء واحده ابن. على فترة: الفترة زمن انقطاع الوحي لعدم إرسال الله تعالى رسولا. بشير ونذير: البشير: المبشر بالخير، والنذير: المنذر من الشر وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر المؤمنين وينذر الكافرين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب ففي الآية الأولى [17] أخبر تعالى مؤكداً الخبر بالقسم المحذوف الدالة عليه اللام الواقعة في جواب القسم فقال: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} ووجه كفرهم أنهم جعلوا المخلوق المربوب هو الله الخالق الرب لكل شيء وهو كفر من أقبح أنواع الكفر، وهذا وإن لم يكن قول أكثر النصارى فإنهم بانتمائهم إلى النصرانية وقولهم بها وانخراطهم في سلك مبادئها وتعاليمها يؤاخذون به، لأن الرضا بالكفر كفر. وقوله تعالى: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} يعلم رسوله كيف يحتج على أهل هذا الباطل فيقول له: قل لهم فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه عليهما السلام {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} والجواب قطعاً لا أحد، إذاً فكيف يكون عبد الله هو الله أو إلهاً مع الله؟ أليس هذا هو الضلال بعينه وذهاب العقول لكماله؟ ثم أخبر تعالى أنه له {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} خلقاً وتصرفاً، وأنه {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} خلقه بلا حجر عليه ولا حظر وهو على كل شيء قدير خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى من مريم بلا أب، ويخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير فكون المسيح عليه السلام خلقه بكلمة كن بلا أب لا تستلزم عقلاً ولا شرعاً أن يكون هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة مع الله كما هي عقيدة أكثر النصارى، والعجب من إصرارهم على هذا الباطل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية [18] فقد تضمنت بيان ضلال اليهود والنصارى معاً وهو دعواهم أنهم {أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} إذ قال تعالى عنهم {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} وهو تبجح وسفه وضلال فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قل لهم يا رسولنا {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فهل الأب يعذب أبناءه والحبيب يعذب محبيه، وأنتم تقولون نعذب في النار أربعين يوماً بسبب خطيئة عبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً كما جاء ذلك في قوله تعالى حكاية عنهم: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80] والحقيقة أن هذا القول منكم من حملة الترهات والأباطيل التي تعيشون عليها، وأما أنتم فإنكم بشر ممن خلق الله فنسبتكم إليه تعالى نسبة مخلوق إلى خالق وعبد إلى مالك من آمن منكم وعمل صالحاً غفر له وأكرمه، ومن كفر منكم وعمل سوءً عذبه كما هو سنته في سائر عباده، ولا اعتراض عليه فإن له ملك السماوات والأرض وما بينهما وأنتم من جملة مملوكيه، وإليه المصير فسوف ترجعون إليه ويجزيكم بوصفكم إنه حكيم عليم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة [19] فقد تضمنت إقامة الحجة على أهل الكتاب فقد ناداهم الرب تبارك وتعالى بقوله يا أهل الكتاب وأعلمهم أنه قد جاءهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم يبين لهم الطريق المنجي والمسعد في وقت واحد على حين فترة من الرسل إذ انقطع الوحي منذ رفع عيسى إلى السماء وقد مضى على ذلك قرابة خمسمائة وسبعين سنة أرسلنا رسولنا إليكم حتى لا تقولوا معتذرين عن شرككم وكفركم وشركم وفسادكم: {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} فها هو ذا البشير محمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا به واتبعوه تنجوا وتسعدوا، وإلا فالعذاب لازم لكم والله على تعذيبكم قدير كما هو على كل شيء قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كفر من ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه من سائر النقائص. 2- بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي. 3- نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد. 4- قطع عذر أهل الكتاب بإرسال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل.

القطان

تفسير : لقد دخل على عقيدة النصارى كثير من التغيير والتبديل، ولم تتسرّب هذه الانحرافات والتبديلات كلها دفعة واحدة، بل على فترات. لقد أضافتها المجامع واحدةً بعد الأخرى، الى ان انتهت بهذا الخلط العجيب الذي تحار فيه العقول، حتى عقول الشارحين للعقيدة من اهلها. وقد كُتب الكثير في هذا الموضوع في الغرب والشرق. والأقوال في المسيح كثيرة، عُقدت لتصفية الخلافات فيها عدة مجامع. منها: "مجمع نيقية" عام 325 ميلادية، و"مجمع القسطنطينية" عام381م. و"مجمع إفسس" عام 430م. و"مجمعُ خلقيدونية" عام 451م، وغير ذلك. ومن أحبَّ التفصيل فليراجع كتاب "محاضرات في النصرانية" للاستاذ الشيخ محمد ابو زهرة. والله تعالى هنا يكذّب الجميع ويقول: لقد كفر الذين زعموا باطلاً أن الله هو المسيح ابنُ مريم. اسألهم يا محمد: هل يقدر أحد على دفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه، بل عن سائر الخلق جميعاً ـ ان اراد الله ان يهلكهم؟ ان هناك فرقاً مطلقاً بين ذات الله سبحانَه وطبيعتِه ومشيئته وسلطانه، وبين ذات عيسى وذاتِ أمه وكلّ ذاتٍ أخرى. فذاتُ الله واحدة، ومشيئته طليقة، وسلطانه منفرد. فإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه او أمه الهلاك، كما لا يستطيع ان يدفعه عن غيره ـ فكيف يكون هو الله؟! ان لله وحدَه، لا لعيسى، مُلك السماوات والأرض وما بينهما، يخلق ما يشاء على اي مثال أراد، والله على كل شيء قدير.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (17) - يَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ قَالُوا: إنَّ المَسِيحَ عِيسَى بِنْ مَرْيَمَ هُوَ اللهُ، قَدْ كَفَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ، لأنَّ المَسْيحَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: مَنْ ذَا الذِي يَقْدِرُ أَنْ يَمْنَعَ المَسْيِحَ وَأُمَّهُ مِنَ اللهِ، وَأنْ يَحْمِيَهُمَا مِنْهُ إنْ أرَادَ اللهُ أنْ يُهْلِكَهُمَا؟ بَلْ مَنْ يَسْتَطِيعُ أنْ يَعْتَرِضَ سَبيلَ إرَادَةِ اللهِ إنْ أرَادَ أنْ يُهْلِكَ جَميعَ مَنْ فِي الأرْضِ مِنَ الخَلاَئِقِ؟ فَاللهُ هُوَ مَالِكُ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَلا مُعَقِّبَ عَلَى تَصَرُّفِهِ، فَإذا كَانَ الأمْرُ قَدِ التَبَسَ عَلَى هَؤُلاءِ بِسَبَبِ خَلْقِ عِيسَى مِنْ دُونِ أبٍ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ دُونِ أبٍ وَلا أمٍّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقال سبحانه من قبل: {أية : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ} تفسير : [المائدة: 14] فمن اتبعوا اليعقوبية قالوا شيئاً، والنصرانية قالت شيئاً، والملكانية قالت شيئاً ثالثاً؛ فجاء بالقمة: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}. ويأتي قوله سبحانه: "قل"، رداً عليهم: {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي من يمنع قدر الله أن ينزل بمن جعلتموه إلهاً {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}. لقد زعموا أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم وفي هذا اجتراء على مقام الألوهية المنزهة عن التشبيه وعن الحلول في أي شيء. وفي هذا القول الكريم بلاغ لهؤلاء أن أحداً لا يستطيع أن يمنع إهلاك الله لعيسى وأمه وجميع من في الأرض. فهو الحق الملك الخالق للسموات والأرض. وما بينهما يخلق ما يشاء كما يريد. فإن كان قد خلق المسيح دون أب؛ فقد جاءنا البلاغ من قبل بأنه سبحانه خلق آدم بدون أب ولا أم، وخلق حواء دون أم، جلت عظمته وقدرته لا يعجزه شيء. إن عيسى عليه السلام من البشر قابل للفناء ككل البشر. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} جاء الحق هنا بالسماء كنوع علوي والأرض كنوع سفلي، وقوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} يرد على الشبهة بإيجاز دقيق: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}؛ لأن الفتنة جاءت من ناحية أن عيسى عليه السلام مُيّز في طريقة خلقه بشيء لم يكن في عامة الناس؛ فأوضح الحق: لا تظنوا أن الخلق الذي أخلقه يشترط عليّ أن تكون هناك ذكورة وأنوثة ولقاح، هذا في العرف العام الذي يفترض وجود ذكورة وأنوثة، وإلا لكان يجب أن تكون الفتنة قبل عيسى في آدم؛ لأنه خلق من غير أب ولا أم. إذن فالذي يريد أن يفتتن بأنه من أم دون أب، كان يجب أن يفتتن في آدم لأنه لا أب ولا أم. ويوضح لهم: الله يخلق ما يشاء فلا يتحتم أو يلزم أن يكون من زوجين أو من ذكر فقط أو من أنثى فقط. إن ربنا سبحانه وتعالى له طلاقة القدرة في أن يخلق ما يشاء، وقد أراد خلقه على القسمة العقلية المنطقية الأربعة: إما أن يكون من أب وأم مثلنا جميعاً، وإما أن يكون بعدمهما مثل آدم، وإما أن يكون بالذكر دون الأنثى كحواء، وإما أن يكون بالأنثى دون الذكر كعيسى عليه السلام، فأدار الله الخلق على القواعد المنطقية الأربعة كي لا تفهم أن ربنا يريد مواصفات خاصة كي يخلق بل هو يخلق ما يشاء. والدليل على ذلك أن الزوجين يكونان موجودين مع بعضهما ومع ذلك لا يُنْجَبُ منهما، فهل هناك اكتمال أكثر من هذا؟! {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 49-50] إذن فالمسألة ألا يُفرض على ربنا عناصر تكوين، لا، بل هي إرادة مُكَوِّن لا عنصرية مَكَوَّن. إنه {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}، ومشيئته مطلقة وقدرته عامة. ولذلك لا بد أن يأتي القول: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ...}

الأندلسي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ} الآية، ذكر سبحانه وتعالى أن من النصارى من قال أن المسيح هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله، ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة. وتقدم أنهم ثلاث طوائف ملكانية ويعقوبية ونسطورية، وكل منهم يكفر بعضهم بعضاً ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تستر بالإِسلام ظاهراً. وانتمي إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصور الجميلة ومن ذهب في ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة كالحلاج والشوذي وابن أحلى وابن عربي المقيم بدمشق وابن الفارض، واتباع هؤلاء كابن سبعين وتلميذ التستري وابن مطرف المقيم بمرسية والصفار المقتول بغرناطة وابن لبّاج وابن الحسن المقيم كان بلَوْزَقة وممن رأيناه يرمي بهذا المذهب الملعون العفيف التلمساني وله في ذلك أشعار كبيرة وابن عباس المالقي الأسود الأقطع المقيم كان بدمشق وعبد الواحد بن المؤخر المقيم كان بصعيد مصر والأيكي العجمي الذي كان تولى المشيخة بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة وأبو يعقوب بن مبشر تلميذ التستري المقيم كان بجارة زويلة بالقاهرة والشريف عبد العزيز المتوفي وتلميذه عبد الغفار القوصي، وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله يعلم الله ذلك، وشفقة على ضعفاء المسلمين وليحذروا منهم أشد من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسوله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث وقد أولع جهلة من ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياؤه والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} الآية، هذا رد عليهم. والفاء في {فَمَن يَمْلِكُ} للعطف على جملة محذوفة تضمنت كذبهم في مقالتهم، التقدير قل: كذبوا أو قل ليس كما قالوا فمن يملك والمعنى من يمنع من قدرة الله وإرادته شيئاً أي لا أحد يمنع مما أراد الله شيئاً وهذا الاستفهام معناه النفي. و{إِنْ أَرَادَ} شرط جوابه محذوف تقديره فعل ذلك. {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} عام معطوف على ما قبله. وما قبله نص على المسيح وأمه وقد اندرجا في العموم فصارا مذكورين مرة في نص ومرة في العموم. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} والمسيح وأمه. من جملة ما في الأرض فهما مقهوران لله مملوكان له وهذه الجملة مؤكدة لقوله: {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ}، ودلالة على أنه إذا أراد فعل لأن من له ذلك الملك يفعل في ملكه ما يشاء. {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي أن خلقه ليس مقصوراً على نوع واحد بل ما تعلقت مشيئته بإِيجاده أوجده واخترعه، فقد يوجد شيئاً لا من ذكر ولا أنثى كآدم عليه السلام وأوائل الأجناس المتولد بعضها من بعض، وقد يخلق من ذكر وأنثى، وقد يخلق من أنثى لا من ذكر معها كالمسيح ففي قوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}، إشارة إلى أن المسيح وأمه مخلوقان. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} كثيراً ما تذكر القدرة عقب الاختراع وذكر الأشياء الغريبة. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ} الآية، ظاهر اللفظ أن جميع اليهود والنصارى قالوا عن جميعهم ذلك وليس كذلك بل في الكلام لف وإيجاز، والمعنى وقالت كل فرقة من اليهود والنصارى عن نفسها خاصة: نحن أبناء الله وأحباؤه يدل على ذلك. {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [البقرة: 213]. والبنوة هنا بنوة الحنان والرأفة، وأحباؤه جمع حبيب فعيل نحو بمعنى مفعول أي محبوبوه وأجرى مجرى فعيل من المضاعف الذي هو اسم الفاعل نحو لبيب والباء. وقال ابن عباس: هم طائفة من اليهود خوفهم الرسول صلى الله عليه وسلم عقاب الله فقالوا: أتخوفنا بالله ونحن أبناء الله وأحباؤه. بعد قل محذوف تقديره كذبتم في دعواكم. {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} ومن كان محبوباً لله وابناً له بمعنى الرأفة لا يعذبه. {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} اضرب عن الاستدلال الأول من غير إبطال وانتقل الى استدلال ثان من ثبوت كونهم بشراً من بعض من خلق فهم مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث، وهما يمنعان البنوة فإِن القديم لا يلد بشراً، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوصفين البنوة وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله فبطل الوصفان اللذان ادعوها. {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} شامل لليهود والنصارى. {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ} مفعوله محذوف تقديره بين لكم شريعة الإِسلام والدين. {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي على انقطاع من الرسل، إذ لم يكن بين محمد وعيسى عليهما السلام رسول على فترة. قال ابن عباس: أنه كان بين ميلاد عيسى والنبي عليهما السلام خمسمائة سنة وتسع وستون سنة بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله تعالى: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}تفسير : [يس: 14]. وهو شمعون وكان من الحواريين، وقال ابن الكلبي مثل قول ابن عباس إلا أنه قال بينهما أربعة أنبياء واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ضيّعه قومه. و{أَن تَقُولُواْ} مفعول من أجله تقدره البصريون كراهة أن تقولوا، أو حذار أن تقولوا، وقدره الفراء لئلا تقولوا وهو متعلق بقوله: قد جاءكم رسولنا. و{مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} من زائدة وهو فاعل بقوله ما جاءنا {فَقَدْ جَاءَكُمْ} تكذيباً لهم وخصوصاً اليهود.

الجيلاني

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ} وأعرض عن الحق، ولم يعرف حق قدره {ٱلَّذِينَ} بالغوا في وصف عيسى عليه السلام، وغالوا فيه إلى أن {قَآلُوۤاْ} على سبيل الحصر، {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي في الآفاق {هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تبكتاً لهم وإلزاماً: {فَمَن يَمْلِكُ} يدفع ويمنع {مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} من مراداته ومقدوراته {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ} أي: يبقي على الهلاك الأصلي، والفناء الجبلي بلا مدّ من ظله، ورش من نوره {ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} لا يبالي الله به وبهم؛ إذ {وَللَّهِ} المنزه عن الأكوان مطلقاً {مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} متصرف فيها حسب إرادته واختياره إيجاداً وإعداماً {يَخْلُقُ} ويظهر {مَا يَشَآءُ} بلطفه، ويعدم ويخفي ما يشاء بقهره {وَٱللَّهُ} المتصف بجميع أوصاف الكمال {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} مقدر إرادته {قَدِيرٌ} [المائدة: 17] لا تفتر قدرته، ولا تنتهي إرادته ومشيئته. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ} من غاية مبالغتهم، وغلوهم في حق عيسى وعزير - عليهما السلام -: {نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ} إذ نعبد نبيه {وَأَحِبَّٰؤُهُ} إذ نحبهما، وهما محبوباه {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم} الله {بِذُنُوبِكُم} إن كنتم صادقين في هذه الدعوة، يعذبكم في الدنيا بالقتل والسبي والإجلاء، وضرب الذلة والمسكنة، وفي الآخرة بأضعاف ما في الدنيا وآلافها، فعليكم ألاَّ تغلوا في دينكم ونبيكم، ولا تفتروا على الله الكذب. {بَلْ أَنتُمْ} ونبيكم أيضاً {بَشَرٌ مِمَّنْ} أي: من جنس ما {خَلَقَ} الله بقدرته وأظهره حسب إرادته، فله التصرف فيكم وفيهم {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} تفضلاً وامتناناً {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} عدلاً وانتقاماً {وَ} اعلموا أن {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} يتصرف فيها كيف يشاء إرادة واختياراً {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره {ٱلْمَصِيرُ} [المائدة: 18] والرجع؛ إذ الكل منه بدأ، وإليه يعود.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، إلى قوله: {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [المائدة: 18]، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} ولم يتفكر أن من اشتمل عليه أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: {قُلْ} [المائدة: 17]، في جواب هؤلاء المغرورين الممكورين {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [المائدة: 17]، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئاً بالدفع والمنع {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} [المائدة: 17]، قهراً منه بشؤم قولكم: إن الله هو المسيح ابن مريم: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 17]، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [المائدة: 17]، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17]، يعني: الإله من يكون بهذه الصفة. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ} [المائدة: 18]، من غاية خذلانهم وجهلهم وطغيانهم {نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ} [المائدة: 18]، أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه وقله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 30]. {وَأَحِبَّٰؤُهُ} [المائدة: 18]، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ}تفسير : [الجمعة: 6]، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} [المائدة: 18]، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: {نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ} [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلاً لاستكمال تعذيبهم آجلاً بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18]؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121]، وكان من الله ما قال: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}تفسير : [طه: 122]، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [المائدة: 18]، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [المائدة: 18]، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 18]، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواماً مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواماً مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [المائدة: 18]، للفريقين {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الشورى: 7]، وهي دار لطفه وجماله {أية : وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7]، هي دار قهره وجلاله. ثم أخبر عن تأكيد الحجة وإظهار الحجة بقوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} [المائدة: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى خاطب اليهود والنصارى وقال: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [المائدة: 19] يشير إلى أنكم لستم أهل الله الذين يتدارسون الكتاب لله؛ بل أنتم من أهل الكتاب الذين يطلبون من دراسة الكتاب والعلوم الشهرة طلباً للرئاسة والوجاهة وقبول الخلق والمنافع الدنيوية. {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} [المائدة: 19] فيه نكتة وهي أنه تعالى أضاف الرسول إلى نفسه وقال: {رَسُولُنَا} [المائدة: 19] وما أضاف إليهم؛ لأن فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم، ولما خاطب هذه الأمة أخبرهم عن مجيء الرسول إضافة إلى نفسه وإنما جعله من أنفسهم فقال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128]؛ لأن فائدة رسالته راجعة إلى أنفسهم. ثم قال تعالى: {يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ} [المائدة: 19]؛ يعني: يبين لكم أن تكونوا أهل الله لأنكم حصلتم على فترة من الرسل وما بين لكم من بيان رسول ألا تقنعوا من الدين باسم، ولا من الكتاب برسم، ومن الدراسة بذكر فينبئكم رسولنا برسالتنا ويبشركم بالوصول إلينا، وينذركم من القطيعة عنا {أَن تَقُولُواْ} [المائدة: 19] يوم القيامة في مقام الحسرة والندامة، {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} [المائدة: 19]، بشركم بنا ونذير ينذركم عنا ويدعوكم إلينا ويكون لكم سراجاً منيراً تهتدون به إلينا كقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}تفسير : [الأحزاب: 45]، وليكون حجة الله عليكم ولا يكون لكم حجة على الله، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19]، مما يدعوكم إليه الرسول ويبشركم به وينذركم عنه، {قَدِيرٌ} [المائدة: 19]، قادر على أن يعطيكم ما وعدكم رسوله؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. ثم أخبر عن فضله وكرمه وما أتاكم من نعمه بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 20]، إلى قوله: {أية : قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]، والإشارة فيها أن الله تعالى أظهر الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل على لسان نبيهم؛ إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم وتولى أمر هذه الأمة بنفسه تعالى وقال: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]، فشتان بين من أمره سبحانه بذكره وبين من يذكر نعمه، ثم عدد ما أنعم به عليهم، فقال تعالى: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} [المائدة: 20]، من الآيات والمعجزات والنعم الظاهرة والبراهين الباهرة، فلما لم يكونوا أهلاً لهذه الكرامات ومستحقاً لهذه السعادات ابتلاهم بدخول الأرض المقدسة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين، وأنهم لم يقوموا به بل نقضوه، ذكر أقوالهم الشنيعة. فذكر قول النصارى، القول الذي ما قاله أحد غيرهم، بأن الله هو المسيح ابن مريم، ووجه شبهتهم أنه ولد من غير أب، فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل مع أن حواء نظيره، خُلِقَت بلا أم، وآدم أولى منه، خلق بلا أب ولا أم، فهلا ادعوا فيهما الإلهية كما ادعوها في المسيح؟ فدل على أن قولهم اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة. فرد الله عليهم بأدلة عقلية واضحة فقال: { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرْضِ جَمِيعًا }. فإذا كان المذكورون لا امتناع عندهم يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم، ولا قدرة لهم على ذلك - دل على بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك، ولا في قوته شيء من الفكاك. ومن الأدلة أن { لِلَّهِ } وحده { مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يتصرف فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي، وهم مملوكون مدبرون، فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير، إلها معبودا غنيا من كل وجه؟ هذا من أعظم المحال. ولا وجه لاستغرابهم لخلق المسيح عيسى ابن مريم من غير أب، فإن الله { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } إن شاء من أب وأم، كسائر بني آدم، وإن شاء من أب بلا أم، كحواء. وإن شاء من أم بلا أب، كعيسى. وإن شاء من غير أب ولا أم [كآدم]. فنوع خليقته تعالى بمشيئته النافذة، التي لا يستعصي عليها شيء، ولهذا قال: { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }. ومن مقالات اليهود والنصارى أن كلا منهما ادعى دعوى باطلة، يزكون بها أنفسهم، بأن قال كل منهما: { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } . والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح. قال الله ردا عليهم حيث ادعوا بلا برهان: { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ } ؟ فلو كنتم أحبابه ما عذبكم [لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه]. { بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ } تجري عليكم أحكام العدل والفضل { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب، { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } أي: فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة المماليك ومن جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.