Verse. 687 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَقَالَتِ الْيَھُوْدُ وَالنَّصٰرٰى نَحْنُ اَبْنٰۗؤُا اللہِ وَاَحِبَّاۗؤُہٗ۝۰ۭ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوْبِكُمْ۝۰ۭ بَلْ اَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ۝۰ۭ يَغْفِرُ لِمَنْ يَّشَاۗءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَلِلہِ مُلْكُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَمَا بَيْنَہُمَا۝۰ۡوَاِلَيْہِ الْمَصِيْرُ۝۱۸
Waqalati alyahoodu waalnnasara nahnu abnao Allahi waahibbaohu qul falima yuAAaththibukum bithunoobikum bal antum basharun mimman khalaqa yaghfiru liman yashao wayuAAaththibu man yashao walillahi mulku alssamawati waalardi wama baynahuma wailayhi almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالت اليهود والنصارى» أي كل منهما «نحن أبناء الله» أي كأبنائه في القرب والمنزلة وهو كأبينا في الرحمة والشفقة «وأحباؤه قل» لهم يا محمد «فلم يعذبكم بذنوبكم» إن صدقتم في ذلك ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم فأنتم كاذبون «بل أنتم بشر ممن» من جملة من «خلق» من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم «يغفر لمن يشاء» المغفرة له «ويعذب من يشاء» تعذيبه لا اعتراض عليه «ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير» المرجع.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } وفيه سؤال: وهو أن اليهود لا يقولون ذلك البتة، فكيف نقل هذا القول عنهم؟ وأما النصارى فإنهم يقولون ذلك في حق عيسى لا في حق أنفسهم، فكيف يجوز هذا النقل عنهم؟ أجاب المفسرون عنه من وجوه: الأول: أن هذا من باب حذف المضاف، والتقدير نحن أبناء رسل الله، فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى رسل الله، ونظيره قوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] والثاني: أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب فقد يطلق أيضاً على من يتخذ ابناً، واتخاذه ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا أن عناية الله بهم أشد وأكمل من عنايته بكل ما سواهم، لا جرم عبر الله تعالى عن دعواهم كمال عناية الله بهم بأنهم ادعوا أنهم أبناء الله. الثالث: أن اليهود لما زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، ثم زعموا أن عزيراً والمسيح كانا منهم، صار ذلك كأنهم قالوا نحن أبناء الله، ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنساناً آخر فقد يقولون: نحن ملوك الدنيا، ونحن سلاطين العالم، وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا هٰهنا، والرابع: قال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه، فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة، وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: اذهب إلى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. ثم انه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال: {قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } وفيه سؤال، وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم، فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه، والاشكال عليه أن يقال: إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة، فإن كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء الله لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله، ثم أنهم ما خلوا عن محن الدنيا. انظروا إلى وقعة أحد، وإلى قتل الحسن والحسين، وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك. ومجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم ليس بكاف في هذا الباب، إذ لو كان كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله كافياً، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعاً. والجواب من وجوه: الأول: أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول: لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال. الثاني: أن موضع الالزام هو عذاب الآخرة، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80] والثالث: المراد بقوله {قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } فلم مسخكم، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، إلاّ أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون: لا نسلم أنه تعالى يعذبنا، بل الأولى أن يحتج عليهم عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قوياً متيناً. ثم قال تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم {نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } كمال رحمته عليهم وكمال عنايته بهم. وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة أن كل من أطاع الله واحترز عن الكبائر فإنه يجب على الله عقلاً إيصال الرحمة والنعمة إليه أبد الآباد، ولو قطع عنه بعد ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلۤهيته ولخرج عن صفة الحكمة، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه، وكما أن قوله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إبطال لقول اليهود. فبأن يكون إبطالاً لقول المعتزلة أولى وأكمل. ثم قال تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } بمعنى من كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقاً واجباً؟ وكيف يملك الإنسان الجاهل بعبادته الناقصة ومعرفته القليلة عليه ديناً. إنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذباً. ثم قال تعالى: {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } أي وإليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال {أية : وَٱلاْمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تفسير : [الانفطار: 19].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قال ٱبن عباس: خوّف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحِبّاؤه؛ فنزلت الآية. قال ٱبن إسحاق: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبَحْرِيّ بن عَمرو وشَأسُ بن عَدِيّ فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذّرهم نقمته فقالوا: ما تُخوفنا يا محمد؟؛ نحن أبناء الله وأحِباؤه، كقول النصارى؛ فأنزل الله عز وجل فيهم {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} إلى آخر الآية قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عُبَادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود ٱتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته؛ فقال رافع بن حُرَيْملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً من بعده؛ فأنزل الله عز وجل: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ» إلى قوله «وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». السُّدي: زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بِكري من الولد. قال غيره: والنصارى قالت نحن أبناء الله؛ لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى «أذهبُ إلى أبي وأبيكم». وقيل المعنى: نحن أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف. وبالجملة فإنهم رأُوا لأنفسهم فضلاً؛ فردّ عليهم قولهم فقال: {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين؛ إما أن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذاً أبناءه وأحباءه؛ فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرّون بعذابه؛ فذلك دليل على كذبكم ـ وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف ـ أو يقولوا: لا يعذّبنا فيكذّبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم؛ ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم. وقيل: معنى {يُعَذِّبُكُم} عَذَّبكم؛ فهو بمعنى المُضِيّ؛ أي فلم مسخكم قردة وخنازير؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، لأنهم ربما يقولون لا نُعذَّب غداً، بل يحتج عليهم بما عرفوه. ثم قال: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية، ويجازي كلا بما عمل. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} أي لمن تاب من اليهود. {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} من مات عليها. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فلا شريك له يعارضه. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي يئول أمر العباد إليه في الآخرة.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أشياع ابنيه عزيراً والمسيح كما قيل لأشياع ابن الزبير الحبيبون أو المقربون عنده قرب الأولاد من والدهم وقد سبق لنحو ذلك مزيد بيان في سورة «آل عمران». {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} أي فإن صح ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم فإن من كان بهذا المنصب لا يفعل ما يوجب تعذيبه، وقد عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياماً معدودات. {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} ممن خلقه الله تعالى. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} وهم من آمن به وبرسله. {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} وهم من كفر، والمعنى أنه يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عنده. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} كلها سواء في كونها خلقاً وملكاً له. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ } أي كل منهما {نَحْنُ أَبْنـَٰؤُاْ ٱللَّهِ } أي كأَبنائه في القرب والمنزلة وهو كأَبينا في الرحمة والشفقة {وَأَحِبَّٰؤُهُ قُلْ } لهم يا محمد {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } إن صدقتم في ذلك ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم فأنتم كاذبون {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ } من جملة مَنْ {خَلَقَ } من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } المغفرة له {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ } تعذيبه لا اعتراض عليه {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع.

ابن عطية

تفسير : في الكلام لف وإيجاز يحال المستمع على تفريقه بذهنه وذلك أن ظاهر اللفظ يقتضي أن جميع {اليهود والنصارى} يقولون عن جميعهم: {نحن أبناء والله وأحباؤه} وليس الأمر كذلك بل كل فرقة تقول خاصة {نحن أبناء الله وأحباؤه} والبنوة في قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة، وذكروا أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلوا بذلك وقالوا {نحن أبناء الله وأحباؤه} ولو صح ما رووا لكان معناه بكراً في التشريف أو النبوة ونحوه، وأحباء جمع حبيب، وكانت هذه المقالة منهم عندما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وخوفهم العذاب، فقالوا نحن لا نخاف ما تقول لأننا {أبناء الله وأحباؤه} وذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن نحن ندخل النار فنقيم بها أربعين يوماً ثم تخلفوننا فيها، فرد الله عليهم بقولهم فقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} أي لو كانت منزلتكم فوق منازل البشر لما عذبكم وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على أن التعذيب هو بنار الآخرة، وقد تحتمل الآية أن يكون المراد ما كان الله تعالى "يعذبهم" به في الدنيا. وذلك أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب الرجل منهم خطيئة أصبح مكتوباً على بابه ذكر ذنبه وذكر عقوبته فينفذ ذلك عليه فهذا تعذيب في الدنيا على الذنوب ينافي أنهم أبناء وأحباء. ثم ترك الكلام الأول وأضرب عنه غيره مفسد له ودخل في غيره من تقرير كونهم بشراً كسائر الناس، والخلق أكرمهم أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان فيغفر له ويورط من يشاء في الكفر فيعذبه، وله ملك السماوات الأرض وما بينهما، فله بحق الملك أن يفعل ما شاء لا معقب لحكمه وإليه مصير العالم بالحشر والمعاد. وقوله تعالى: {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى، والرسول في قوله: {رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {على فترة من الرسل} ، أي على انقطاع من مجيئهم مدى ما، والفترة سكون بعد حركة في جرم، ويستعار ذلك في المعاني، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لكل عمل شدة، ولكل شدة فترة" تفسير : ، وقال الشاعر: شعر : وإني لتعروني لذكراك فترة تفسير : معناه سكون بعد اضطراب، واختلف الناس في قدرة الفترة التي كات بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما فقال قتادة خمسمائة عام وستون عاماً. وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة وفي الصحيح أن الفترة بينهما ستمائة سنة. وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود. ما أنزل الله على بشر بعد موسى من شيء، قاله ابن عباس، وقوله تعالى: {أن تقولوا} مفعول من أجله، المعنى حذار أن تقولوا محتجين يوم القيامة: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} فقد جاءكم وقامت الحجة عليكم، {والله على كل شيء قدير} فهو الهادي والمضل والمنعم والمعذب لا رب غيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَبْنَآؤُاْ اللَّهِ} "خَوَّف الرسول صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقالوا: لا تخوفنا نحن أبناء الله وأحباؤه" أو قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد، أو زعمت اليهود أنّ الله ـ تعالى ـ أوحى إلى إسرائيل [ أنّ ولدك بِكْري من الولد] فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. وقالته النصارى لما رأوا الإنجيل من قوله: "أذهب إلى أبي وأبيكم" أو لأجل قولهم: "المسيح ابن الله" وهم يرجعون إليه فجعلوا أنفسهم أبناء الله وأحباؤه، فردّ عليهم بقوله {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} لأن الأب المشفق لا يعذب ولده ولا المحب حبيبه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} قال ابن عباس: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وابن أصار وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم {وقالت اليهود والنصارى، نحن أبناء الله وأحباؤه} الآية. وسبب هذه المقالة ما حكاه السدي قال: أما اليهود فإنهم قالوا إن الله أوحى إلى إسرائيل إني أدخل من ولدك النار فيكونون فيها أربعين يوماً حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي منادٍ أن اخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فيخرجون فذلك قوله تعالى: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات. وأما النصارى، فإن فرقاً منهم يقولون المسيح ابن الله وكذبوا فيما قالوا على الله تعالى فأما وجه قول اليهود فإنهم يعنون أنه من عطفه عليهم كالأب الشفيق على الولد وأما وجه قول النصارى، فإنهم لما قالوا في المسيح أنه ابن الله وادعوا أنه منهم فكأنهم قالوا: نحن أبناء الله لهذا السبب. وقيل: إن اليهود إنما قالوا هذه المقالة من باب حذف المضاف والمعنى نحن أبناء رسول الله وأما النصارى فإنهم تأولوا قول المسيح أذهب إلى أبي وأبيكم. وقوله: إذا صليتم فقولوا يا أبانا الذي في السماء لنقدسن اسمك فذهبوا إلى ظاهر هذه المقالة ولم يعلموا ما أراد المسيح عليه السلام إن صحت هذه المقالة عنه فإن تأويلها أنه في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده وجملة الكلام في ذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على من سواهم بسبب أسلافهم الأفاضل حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فأبطل الله عز وجل دعواهم وكذبهم فيما قالوا بقوله تعالى: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم}. معناه: إذا كان الأمر كما تزعمون فلمَ يعذبكم الله وأنتم قد أقررتم على أنفسكم أنه يعذبكم أربعين يوماً وهل رأيتم والداً يعذب ولده بالنار وهل تطيب نفس محب أن يعذب حبيبه في النار {بل أنتم بشر ممن خلق} يعني بل أنتم يا معشر اليهود والنصارى كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان. قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء} يعني لمن تاب من اليهود والنصرانية {ويعذب من يشاء} يعني من مات على اليهودية والنصرانية. وقيل: معناه يهدي من يشاء فيغفر له ويميت من يشاء على كفره فيعذبه {ولله ملك السموات والأرض وما بينهما}. يعني: أنه تعالى يملك ذلك لا شريك له في ذلك فيعارضه وهو الذي يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء وفيه دليل على أنه تعالى لا ولد له لأن من يملك السموات والأرض يستحيل أن يكون له شبيه من خلقه أو شريك في ملكه {وإليه المصير} يعني وإلى الله مرجع العباد في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم. قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود اتقوا الله فولله إنكم لتعلمون أنه رسول الله لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهودا: ما قلنا ذلك لكم وما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده فأنزل الله هذه الآية يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يبين لكم يعني أحكام الدين والشرائع على فترة من الرسل قال ابن عباس: يعني على انقطاع من الرسل. واختلف العلماء في قدر مدة الفترة فروي عن سلمان قال: فترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة أخرجه البخاري. وقال قتادة: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وما شاء الله من ذلك وعنه أنها خمسمائة سنة وستون سنة. وقال ابن السائب: خمسمائة وأربعون سنة. وقال الضحاك: إنها أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس: على فترة من الرسل قال: على انقطاع منهم. قال: وكان بين ميلاد عيسى وميلاد محمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسعة وستون سنة وهي الفترة وكان بين عيسى ومحمد أربعة من الرسل فذلك قوله {أية : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث}تفسير : [يس: 14] قال: والرابع لا أدري من هو فكانت تلك السنون مائة وأربعاً وثلاثين سنة نبوة وسائرها فترة. قال أبو سليمان الدمشقي: والرابع والله أعلم خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نبيٌّ ضيعَه قومه . تفسير : قال الإمام فخر الدين الرازي: والفائدة في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم عند فترة الرسل، هي أن التحريف والتغيير كان قد تطرف إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها وسبب ذلك اختلاط الحق بالباطل والكذب بالصدق فصار ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك فبعث الله في هذا الوقت محمداً صلى الله عليه وسلم لإزالة هذا العذر فذلك قوله عز وجل: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ونذير} يعني لئلا تقولوا وقيل معناه كراهية أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير في هذا الوقت {فقد جاءكم بشير ونذير} يعني فقد أرسلت إليكم محمداً صلى الله عليه وسلم لإزالة هذا العذر {والله على كل شيء قدير} يعني أنه قادر على بعثة الرسل في وقت الحاجة إليهم. قوله عز وجل: {وإذا قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم} قال ابن عباس: اذكروا عافية الله. وقيل: معناه اذكروا أيادي الله عندكم وأيامه التي أنعم فيها عليكم قال الطبري: هذا تعريف من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بتمادي هؤلاء في الغي وبعدهم عن الحق وسوء اختيارهم لأنفسهم وشدة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم وتتابع أياديه وآلائه لديهم سلَّى بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم عما نزل به من مقاساتهم ومعالجتهم في ذات الله عز وجل {إذ جعل فيكم أنبياء} يعني أن موسى عليه السلام ذكر قومه بني إسرائيل بأيام الله عندهم وبما أنعم به عليهم فقال اذكروا نعمة الله عليكم إذ فضلكم بان جعل فيكم أنبياء. قال الكلبي: هم السبعون الذي اختارهم موسى من قومه وانطلق بهم إلى الجبل وأيضاً كان أنبياء بني إسرائيل من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وهؤلاء لا شك أنهم من أكابر الأنبياء وأولاد يعقوب وهم الأسباط أنبياء على قول الأكثرين وموسى وهارون عليهما السلام وأيضاً فإن الله تعالى أعلم موسى أنه يبعث من بعده في بني إسرائيل أنبياء فإنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء فكان هذا شرفاً عظيماً لهم ونعمة ظاهرة عليهم {وجعلكم ملوكاً} يعني: وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد أن كنتم عبيداً في أيدي القبط. قال ابن عباس: يعني جعلكم أصحاب خدم وحشم. قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً تفسير : ذكره البغوي بغير سند وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال ألسنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها؟ قال نعم، قال: لك مسكن تسكنه؟ قال نعم، قال: أنت من الأغنياء، قال فإن لي خادماً قال فأنت من الملوك. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جار فهو ملك {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} يعني من عالمي زمانكم يذكرهم ما أنعم الله به عليهم من فلق البحر لهم وإهلاك عدوهم وإنزال المن والسلوى عليهم وإخراج الماء من الحجر لهم وتظليل الغمام فوقهم إلى غير ذلك من النعم التي أنعم الله بها عليهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰؤُهُ...} الآية: البُنُوَّة؛ في قولهم هذا: بنوةُ الحَنَانِ والرأفة، لأنهم ذكروا أن اللَّه سبحانه أوحَىٰ إلى إسرائيل؛ أن أول أولادك بِكْرِي؛ فضلُّوا بذلك، وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَـٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰؤُهُ}، ولو صح ما رَوَوْا، لكان معناه: بِكْراً في التشريف أو النبوَّة، ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم عندما دعاهم النبيُّ ـــ عليه السلام ـــ إلى الإيمان به، وخوفهم العذابَ، فقالوا: نحن لا نخافُ ما تقول؛ لأنا أبناء اللَّه وأحبَّاؤه؛ ذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في غير ما موطنٍ: نحن نَدْخل النار، فنقيم فيها أربعين يوماً، فردَّ اللَّه عليهم قولهم، فقال لنبيه ـــ عليه السلام ـــ: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}: أي: لو كانتْ منزلتكم منه فوق منازِلِ البَشَر، لَمَا عذَّبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذِّبكم، ثم ترك الكلامَ الأوَّل، وأضرب عنه غَيْرَ مفسدٍ له، ودخل في غيره، فقال: بَلْ أنتم بشَرٌ كسائر الناسِ، والخلقُ أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفرُ له ويُورِّطُ من يشاء في الكُفْر، فيعذِّبه، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، فله بحق المُلْك أنْ يفعل ما يشاء، ولا معقِّب لحُكْمه، وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد.

ابن عادل

تفسير : واعلم: أنَّ اليَهُود والنَّصَارى لا يقُولُون ذلك؛ فَلِهَذا ذكر المُفَسِّرُون وُجُوهاً: أحدها: أنَّ هذا من باب حَذْفِ المُضَاف، أي: نحن أبناءُ رُسُلِ الله، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]. الثاني: أن لَفْظَ الابْنِ كما يُطلَقُ على ابن الصَّلْب، قد يُطْلَق - أيضاً - على من يتَّخِذُ أبْنَاء، بمعنى تَخْصِيصه بِمَزيدِ الشَّفقة والمحبَّة، فالْقَوْم لما ادَّعَوْا عِنَاية الله بِهِم، ادَّعَوْا [أنَّهُمْ أبْنَاءُ لِلَّه]. الثالث: أنَّ اليهود زَعَمُوا أنَّ العُزَيْرَ [ابْن اللَّه]، والنَّصَارى زَعَمُوا أنَّ المسيح ابن الله، ثم زَعَمُوا أنَّ العُزَيْرَ والمسيحَ كانَا مِنهُم كأنَّهمُ قالوا: نَحْنُ أبْنَاء الله، ألا تَرَى أنَّ أقارِبَ المَلكِ إذا فاخَرُوا أحَداً يقولون: نَحْنُ مُلُوك الدُّنْيَا، والمُرادُ: كَوْنهُم مُخْتَصِّينَ بالشَّخْصِ الذي هو الملك، فكذا هَا هُنَا. الرابع: قال ابن عبَّاسٍ: إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا جماعَةً من اليَهُودِ إلى دين الإسْلام، وخوَّفهم بِعِقَاب اللَّه تعالى، فقَالُوا كيف تُخَوِّفُنَا بِعِقَاب الله ونَحْنُ أبْنَاء الله وأحِبَّاؤُه، فهذه الرِّواية [إنما] وقعت عن تلك الطَّائِفَة. وأما النَّصارى فإنَّهُم يتلون في الإنجيل أنَّ المسيح قال لَهُم: أذهب إلى أبِي وأبيكُمْ، وقيل: أرَادُوا أن اللَّه تعالى كالأبِ لنا في الحُنُوِّ والعَطْفِ، ونحن كالأبْنَاء [له] في القُرْبِ والمَنْزِلَة. وقال إبْراهيم النَّخْعِي: إنَّ اليَهُود وجدوا في التَّوْرَاة، يا أبناء [أحْبَاري، فَبَدَّلوا يا أبناء] أبْكَارِي فمن ذلك قالوا: {نَحْنُ أبْنَاءُ ٱللَّهِ وأحِبَّاؤُهُ}، وجملة الكلام أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يَرَوْنَ لأنْفُسِهِم فَضْلاً على سَائِر الخَلْقِ، بسبب أسْلافِهِم الأنْبِيَاء إلى أن ادَّعَوْا ذلك. قوله تعالى: "فَلِمَ يُعَذِّبكُمْ" هذه الفاء جوابُ شرط مقدَّر، وهو ظاهرُ كلام الزَّمَخْشَرِي، فإنَّهُ قال: فإن صَحْ أنكم أبْنَاء اللَّه وأحِبَّاؤُه فلم تُذْنِبُون وتُعذَّبُون؟ ويجُوزُ أن يكُون الكلامُ كالفَاءِ قَبْلَها في كَوْنِها عَاطِفَة على جُمْلةٍ مُقَدَّرة، أي: كَذَبْتُم فلم يُعَذِّبكُم، و"الباءُ" في "بِذُنُوبِكُم" سببية، و"مِمَّنْ خَلَقَ" صِفَة لـ "بَشَر" فهو في مَحَلِّ رفع مُتعلِّق بِمَحْذُوف. فإن قيل: القَوْمَ إما أن يدعُوا أنَّ الله عَذَّبَهُم في الدُّنْيَا أو يدَّعُوا أنَّه سيُعَذِّبُهُم في الآخِرَة، فإن كان مَوْضِع الإلْزَامِ عَذَاب الدُّنْيَا، فهذا لا يقْدَحُ في ادِّعَائِهِم كونهم أحِبَّاءُ الله؛ لأنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم كان يدعى هو وأمَّتهُ أحِبَّاء الله، ثم إنَّهُم ما خَلَوْا عن مَحِنِ الدُّنْيَا كما في وَقْعَةِ أحُد وغَيْرها، وإن كان مَوْضِعُ الإلْزَام هو أنَّهُ تعالى سيُعَذِّبُهُم في الآخِرة، فالقَوْمُ يُنْكِرُون ذلك، ومجرد إخْبَارِ مُحَمَّد - عليه السلام - ليس بكافٍ في هذا البَابِ، فكان هذا اسْتِدْلالاً ضَائِعاً. الجواب: من وُجُوه: أحدُها: أنَّ موضع الإلْزَام هو عَذَابُ الدُّنْيَا، والمعارَضَةُ بِيَوم أُحُدٍ غير لازِمَة؛ لأنَّا نَقُول: لو كانوا أبْنَاء الله وأحِباءهُ، لِمَ عذَّبَهُم في الدُّنيا؟ ومَحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - إنَّما ادَّعى أنَّه من أحِبَّاء الله ولم يَدَّع أنَّهُ من أبْنَاء اللَّه. الثاني: أنَّ موضع الإلْزَام عذاب الآخِرَة، واليَهُود والنَّصَارى كانوا مُعْتَرِفِين بِعَذَاب الآخِرَة، كما أخْبَر اللَّه عَنْهُم أنَّهُم قالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80]. الثالث: أن قوله: "فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ" أي: لِمَ عَذَّبَ من قَبْلَكُمْ بذنوبهم فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وخَنَازِير، إلاَّ أنَّهُم لما كانوا من جِنْسِ أولَئِكَ المُتَقَدِّمِين، حسنت هذه الإضَافَةُ وهذا أوْلَى؛ لأنَّهُ تعالى لم يَكُنْ لِيَأمُر رسُوله - عليه الصلاة والسلام - أن يحتَجَّ عليهم بِشَيءٍ لم يَدْخُل بَعْدُ في الوُجُود. قال تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ} كسائر بَنِي آدَم يُجْزَوْنَ بالإحْسَان والإسَاءَة، {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}: فضلاً، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}: عدلاً، ليس لأحَد عليه [حقٌّ يوجبُ عليه] أن يغفر له، يَفْعَلُ ما يَشَاءُ، ويَحْكُم ما يُرِيدُ. ومذهب المُعْتَزِلَة: أنَّ كُلَّ من أطَاعَ الله واحْتَرَز عن الكَبَائِرِ، فإنَّه يجب على الله عقلاً إيصال الرَّحْمة والنِّعْمة إليه أبدَ الآبَاد، ولو قطع عَنْه تلك النِّعْمة لحظةً واحِدَة لبَطَلَتِ الإلهيَّة، وهذا أعْظَمُ من قول اليَهُود والنَّصَارى نَحْنُ أبْنَاءُ الله وأحِبَّاؤُه. كما أنَّ قوله: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} إبطالاً لِقَوْلِ اليَهُود، فبأن يكون إبْطَالاً لِقَوْل المُعْتَزِلَة أوْلَى. ثم قال تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} يعني: من كان هكذا أو قُدْرَته هكذا، كيف يستحق البَشَرُ الضَّعِيفُ عليه حقاً واجباً؟ وكيف يَمْلِكُ عليه الجَاهِلُ بعبادته النَّاقِصَة دَيْناً لازِماً؟ {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 5]. ثم قال: "وَإلَيْه المَصِيرُ" أي: وإليه يَؤُول أمْر الخَلْقِ؛ لأنَّه لا يملك الضَّرَّ والنَّفْع هُنَاك إلاَّ هو.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال ‏"‏أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي، وبحري بن عمرو وشاس بن عدي، فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا‏:‏ ما تخوّفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، فأنزل الله فيهم ‏ {‏وقالت اليهود والنصارى‏.‏‏.‏‏..‏‏}‏ إلى آخر الآية‏"‏ والله تعالى أعلم‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏قل فلم يعذبكم‏} ‏ الآية. أخرج أحمد عن أنس قال ‏‏ "حديث : ‏مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول‏:‏ ابني ابني‏.‏‏.‏‏.‏فأخذته فقال القوم‏:‏ يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار‏!‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: لا والله ولا يلقى حبيبه في النار‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏والله لا يعذب الله حبيبه، ولكن يبتليه في الدنيا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء‏} ‏ يقول‏:‏ يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} حكايةٌ لِما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة وبـيانٌ لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبـيانِ بطلانه أي قالت اليهود: نحن أشياعُ ابنِه عُزَيْرٍ، وقالت النصارى: نحن أشياعُ ابنِه المسيحِ، كما قيل لأشياع أبـي خُبـيب وهو عبد اللَّه بن الزبـير: الخُبـيبـيّون، وكما يقول أقاربُ الملوك عند المفاخرة: نحن الملوك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن النبـي عليه الصلاة والسلام دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوَّفهم بعقاب الله تعالى فقالوا: كيف تخوِّفُنا به ونحن أبناءُ الله وأحباؤُه؟ وقيل: إن النصارى يتلون في الإنجيل أَنَّ المسيح قال لهم: إني ذاهبٌ إلى أبـي وأبـيكم، وقيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحُنُوِّ والعطف، ونحن كالأبناء له في القُرب والمنزلة، وبالجملة أنهم كانوا يدّعون أن لهم فضلاً ومَزيديةً عند الله تعالى على سائر الخلق، فردّ عليهم ذلك، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} إلزاماً لهم وتبكيتاً {فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم} أي إن صح ما زعمتم فلأيِّ شيءٍ يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، وقد اعترفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياماً بعدد أيامِ عبادتِكم العجلَ، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر، ولما وقع عليكم ما وقع، وقوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ} عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي لستم كذلك بل أنتم بشر {مّمَّنْ خَلَق} أي من جنس مَنْ خَلقه الله تعالى من غير مزيةٍ لكم عليهم {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} أن يغفر له من أولئك المخلوقين، وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} أن يعذبه منهم، وهم الذين كفروا به وبرسله مثلَكم {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} من الموجودات لا ينتمي إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته، يتصرّف فيهم كيف يشاء إيجاداً وإعداماً، إحياء وإماتة، وإثابة وتعذيباً، فأنىٰ لهم ادعاءُ ما زعموا {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً فيجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بما يستدعيه عملُه من غير صارف يَثْنيه ولا عاطفٍ يَلْويه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [الآية: 18]. قال: يغفر لمن يشاء فضلاً، ويعذب من يشاء عدلاً. وقيل: يغفر لمن يشاء بتقصيره فى شكر النعمة، ويعذب من يشاء بتقصيره فى شكر المنعم، نسى قارون النعمة فخسف به ونسى المنعم فما يرجو.

القشيري

تفسير : البنوة تقتضي المجانسة، والحقُّ عنها مُنَزَّهٌ، والمحبةُ بين المتجانسين تقتضي الاحتظاظ والمؤانسة، والحق سبحانه عن ذلك مُقدَّس. فردَّ الله - سبحانه - عليهم فقال تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}. والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضاً للقديم؛ فالقديم لا بعضَ له لأن الأحدية حقه، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد. وإذا لم يجز له ولد لم تجز - على الوجه الذي اعتقدوه - بينهم وبينه محبة. ويقال في الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه قال: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}. ويقال بيَّن في هذه الآية أن قصارى الخلْق إمَّا عذاب وإمّا غفران ولا سبيل إلى شيء وراء ذلك.

البقلي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} وسمع كفرة اليهود والنصارى ذكر سباق الحقيقة انهم وصولا الى ساحات الكبرياء بكشف مشاهدة القاء وسكروا بوجه القدم وصار بنعت الانبساط فى مجالس الانس فمن سكر المحبة ادعوا القربة ومن سكر الانس وحلاوة الانبساط ادعوا نبوة الاسرار من الانوار حيث ظهرت انوار صفات الازل وسقطت من زنودها انوار اسرار الارواح كما قال الواسطى انا من الازل والابد وغلطوا فى الطريق ولم يعرفوا حقائق تحول المتقدمين من جهالتهم بمقامات الاولياء والصديقين فرد الله دعواهم الى اعناقهم المنكسرة حين الزم الحجة عليهم بلسان نبيه عليه السلام بقوله {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} انبأنا الله سبحان ان من ابلغ سبل الازل بنعت المعرفة والمحبة خرج من محل الامتحان حيث الاشباح قوله تعالى {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ} اى انتم ايها المدعون الكاذبون لسي كما تزعمون ما بلغتم تلك المنازل بل بقيتم فى مقام البشرية والنفوسية وهذا مقام من تقدس تقدس الله مما سوى الله قوله تعالى {مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} اى يوصل الى تلك المواقف المقدسة من اهل الولاية من امة محمد صلى الله عليه وأله وسلم من يشاء ولا يبالى بتقصيره ولا يشم رائحتها من يشاء من الاعداء لا يبالى بطاعته فان طاعته على غير موافقة السنة قيل يغفر لمن يشاء فضى ويعذب من يشاء عدلا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه} اى قالت اليهود نحن اشياع ابنه عزير وقالت النصارى نحن اشياع ابنه المسيح كما يقول اقارب الملوك عند المفاخرة نحن الملوك او المعنى نحن من الله بمنزلة الابناء للآباء وقربنا من الله كقرب الوالد لولده وحبنا اياه كحب الوالد لولده وغضب الله علينا كغضب الرجل على ولده والوالد اذا سخط على ولده فى وقت يرضى عنه فى وقت آخر وبالجملة انهم كانوا يدعون ان لهم فضلا ومزية عند الله على سائر الخلق فرد عليهم ذلك وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم {قل} الزاما لهم وتبكيتا {فلم يعذبكم بذنوبكم} اى ان صح ما زعمتم فلأى شىء يعذبكم فى الدنيا بالقتل والاسر والمسخ وقد اعترفتم بانه سيعذبكم فى الآخرة اياما معدودة بعدد ايام عبادتكم العجل ولو كان الامر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع {بل} اى لستم كذلك {انتم بشر ممن خلق} اى من جنس ما خلق الله تعالى من غير مزية لكم عليهم {يغفر لمن يشاء} ان يغفر له من اولئكم المخلوقين وهم الذين آمنوا بالله تعالى وبرسله {ويعذب من يشاء} ان يعذبه منهم وهم الذين كفروا به تعالى وبرسله {ولله ملك السموات والارض وما بينهما} من الموجودات لا ينتمى اليه تعالى شىء منها الا بالمملوكية والعبودية والكل تحت مملوكيته يتصرف فيه كيف يشاء ايجادا واعداما واماتة واثابة وتعذيبا فانى لهم ادعاء ما زعموا {واليه المصير} فى الآخرة خاصة لا الى غيره استقلالا ولا اشتراكا فيجازى كلا من المحسن والمسيىء بما يستدعيه عمله من غير مانع يمنعه وليست المحبة بالدعوى بل لها علامات ولله در من قال شعر : تعصى الاله وانت تظهر حبه هذا لعمرى فى الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ان المحب لمن يحب مطيع تفسير : والله تعالى لا يحب من خالف شيئاً من شريعة النبى عليه السلام من سننها وفروضها وحلالها وحرامها وانما يحب من اطاع امره ولا فوق بين الناس من حيث الصورة البشرية وانما تفاوتهم من حيث العلم والعمل والتقرب الى الله تعالى: قال السعدى قدس سره شعر : ره راست بايد نه بالاى راست كه كافرهم از روى صورت جو ماست تفسير : وانما يظهر التفاوت فى الآخرة لانها دار الجزاء فطوبى لعبد تفكر فى حاله ومصيره فرغب فى الزهد والطاعة قبل مضى الوقت: قال فى المثنوى شعر : كربينى ميل خود سوى سما بردولت بركشا همجون هما ور بينى ميل خود سوى زمين نوحه ميكن هيج منشين ازحنين عاقلان خود نوحها بيشين كنند جاهلان آخر بسر بر مى زنند رابتداء كار آخررا ببين تانباشى تو بشيمان روز دين تفسير : ـ وحكى ـ ان رجلا جاء الى صائغ يسأل منه الميزان ليزن رضاض ذهب له فقال الصائغ اذهب فانه ليس لى غربال فقال الرجل لا تسخر بى آت الميزان فقال الصائغ ليس لى مكنسة ثم قال اطلب منك الميزان ايها الصائغ وانت تجيبنى بما يضحك منه فقال انما قلت ما قلت لانك شيخ مرتعش فعند الوزن يتفرق رضاضك من يدك بسبب ارتعاشك ويسقط الى التراب فتحتاج الى المكنسة والغربال للتخليص فبسبب فكرى لعاقبة امرك قلت ما قلت شعر : من زاول ديدم آخررا تمام جاى ديكر رو ازينجا والسلام تفسير : واعلم ان احباء الله هم اولياء الله على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم. فمنهم عوام. ومنهم خواص. ومنهم اخص ولكل منهم مقام معلوم من المحبة. ورأى بعضهم معروفا الكرخى تحت العرش وقد قال الله تعالى لملائكته من هذا فقالوا انت اعلم يا رب فقال هذا معروف الكرخى سكر من حبى فلا يليق الا للقائى وكمال الحب انما يحصل بعد تزكية النفس فان النفس اذا كانت مغضوبة لا تتم الرحمة فى حقها وصاحبها انما يحب الله تعالى من وراء حجاب اللهم اجعلنا ممن يحبك حبا شديدا ويسلك فى محبتك طريقا سديدا.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله} أي: أولاد بنيه؛ فاليهود يقولون: نحن أولاد عزير، والنصارى يقولون: نحن أشياع عيسى. أو: فينا أبناء الله ونحن أحباؤه، أو: نحن مقربون عند الله كقرب الولد من والده. وهذه دعوى ردَّها عليهم بقوله: {قل} لهم: {فلِمَ يعذبكم بذنوبكم}، وهل رأيتم والدًا يُعذب ابنه، وقد عذبكم في الدنيا بالمسخ والقتل والذل، وقد اعترفتم أنه يعذبكم بالنار أيامًا معدودة، {بل أنتم بشر ممن خلق} أي: ممن خلقه الله، {يغفر لمن يشاء} بفضله؛ وهو من آمن منهم بالله ورسوله، {ويعذب من يشاء} بعدله؛ وهو من مات منهم على كفره، فأنتم كسائر البشر يعاملكم معاملتهم، لا مزية لكم عليهم، {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} كلها سواء في كونها ملكًا وعبيدًا لله ـ سبحانه ـ {وإليه المصير}، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقى. الإشارة: قوله تعالى: {فلِمَ يعذبكم بذنوبكم} أي: فلو كنتم أحباءه لما عذبكم؛ لأن الحبيب لا يعذب حبيه، حُكي عن الشبلي رضي الله عنه أنه كان إذا لبس ثوبًا جديدًا مزقه، فأراد ابن مجاهد أن يعجزه بمحضر الوزير فقال له: أين تجد في العلم فساد ما ينتفع به؟ فقال له الشبلي: أين في العلم: {أية : فَطَفِقَ مَسْحَا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} تفسير : [صَ:33]؟ فسكت، فقال له الشبلي: أنت مقرىء عند الناس، فأين في القرآن: إن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ابن مجاهد، ثم قال: قل يا أبا بكر، فقرأ له الشبلي قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالْنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآؤُاْ اللهِ وَأَحِبَّآؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } تفسير : [المَائدة:18]، فقال ابن مجاهد: كأني والله ما سمعتها قط. هـ. وفي الحديث: "حديث : إذا أحَبَّ اللهُ عبدًا لاَ يضُرُّه ذَنبٌ "تفسير : ، ذكره في القوت. وفي المثل الشائع: ( من سبقت له العناية لا تضره الجناية ). وفي الصحيح "حديث : لعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أهلِ بَدرِ فَقَالَ: افعَلُوا مَا شِئتم فَقَد غَفَرتُ لَكم "تفسير : ، وسببه معلوم، وفي القوت عن زيد بن أسلم: ( إن الله ـ عز وجل ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له: اصنع ما شئت فقد غفرت لك). وفي القصد للشيخ أبي الحسن الشاذلي ـ رضي الله عنه ـ قال: يبلغ الولي مبلغًا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. هـ. وليس معناه إباحة الذنوب، ولكنه لمّا أحبه عصمه أو حفظه، وإذا قضى عليه بشيء ألهمه التوبة، وهي ماحية للذنوب، وصاحبها محبوب، قال تعالى: {إن الله يحب التوابين}. والله تعالى أعلم. ثم دعاهم إلى اتباع رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، فقال: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ}.

الطوسي

تفسير : روي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود قالوا للنبي حين حذرهم بنقمات الله وعقوباته، فقالوا: لا تخوفنا فاننا ابناء الله واحباؤه وقال السدي: إن اليهود تزعم ان الله عز وجل أوحى الى بني اسرائيل إن ولدك بكر من الولد. وقال الحسن: انما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد. واما قول النصارى، فقيل فيه: إنهم تأولوا ما في الأنجيل من قول عيسى اذهب الى ابي وأبيكم. وقال قوم: لما قالوا: المسيح ابن الله أجرى ذلك على جميعهم، كما يقولون: هذيل شعراء أي منهم شعراء وكما قالوا في رهط مسيلمة قالوا: نحن انبياء أي قال قائلهم. وكما قال جرير: شعر : ندسنا ابا مندوسة القين بالقنى تفسير : فقال: ندسنا. وانما النادس رجل من قوم جرير. وقوله: {وأحباؤه} جمع حبيب، فقال الله لنبيه محمد (صلى الله عليه واله) قل لهؤلاء المفترين على ربهم: {فلم يعذبكم بذنوبكم} فلاي شيء يعذبكم بذنوبكم إن كان الأمر على ما زعمتم، فان الأب يشفق على ولده. والحبيب على حبيبه، لا يعذبه وهم يقرون بأنهم معذبون، لانهم لو لم يقولوا به، كذبوا بكتبهم وأباحوا الناس ارتكاب فواحشهم. واليهود تقر انهم يعذبون أربعين يوماً. وهي عدد الايام التي عبدوا فيها العجل. وقوله: {بل أنتم بشر} معناه قل لهم: ليس الامر على ما زعمتم انكم ابناء الله واحباؤه، بل انتم بشر ممن خلق من بني آدم ان أحسنتم جوزيتم على إحسانكم مثلهم، وإن اسأتم، جوزيتم علي إساءتكم، كما يجازى غيركم. وليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه. وقوله: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} فانه وان علق العذاب بالمشيئة، فالمراد به المعصية، لانه تعالى لا يشاء العقوبة إلا لمن كان عاصياً، فكان ذكرها أوجزوأ بلغ، لما في ذلك من رد الامر الى الله الذي يجازي به على وجه الحكمه. وانما هذا وعيد من الله لهؤلاء اليهود والنصارى المتكلين على منازل أسلافهم في الجنان عندهم. فقال الله تعالى: لا تغتروا بذلك فانهم نالوا ما نالوا بطاعتي وايثار رضاي، لا بالاماني. وقال السدي: معنى {يغفر لمن يشاء} يعني يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء على كفره، فيعذبه. وقوله تعالى: {ولله ملك السماوات والأرض} معناه انه يملك ذلك وحده لا شريك له يعارضه، فقد وجب اليأس مما قدروا من كل جهة، وأنه لا منجي لهم الا بالعمل بطاعة الله واجتناب معاصيه. وقال أبو علي: ذلك بأنه يملك السموات، والارض وما بينهما على أنه لا ولد له، لان المالك لذلك لا شبه له، ولان المالك لا يملك ولده لخلقه له. وقوله: {وإليه المصير} معناه انه يوؤل اليه امر العباد في أنه لا يملك ضرهم، ولا نفعهم غيره - عز وجل -، لانه يبطل تمليكه لغيره ذلك اليوم كما ملكهم في دار الدنيا كما يقال: صار أمرنا الى القاضي لا على معنى قرب المكان، وإنما يراد بذلك أنه المتصرف فينا والآمر لنا دون غيره.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} بيان لحال الفريقين ومقالتهم الفضيحة، ووجه هذا الادّعاء انّهم قالوا من اقرّ به تعالى وتقرّب لديه فهو ابنه الرّوحانّى وقيل: مقصودهم من هذا انّهم اشياع ابنيه المسيح (ع) وعزير (ع) وهو بعيد {قُلْ} ردّاً لهم {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فى الدّنيا بالمغلوبيّة وفى الآخرة بالنّار دائماً او ايّاماً قلائل على زعمكم {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} منكم {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} منكم على حسب اختلاف استعدادكم {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} بيان لتسويتهم مع غيرهم فى النّسبة اليه، وتكراره ههنا وفى غير هذا الموضع لتمكينه فى قلب السّامع ولأنّ كلاً يقتضيه المقام المخصوص {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} بيان لمساواتهم مع غيرهم فى الانتهاء اليه.

الأعقم

تفسير : {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله} أشياع أبناء الله عزير والمسيح {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} فإن صحّ أنكم أبناؤه فلِمَ يعذبكم بذنوبكم وتعذبون وتمسخون وتمسكم النار على زعمكم، ولو كنتم أبناء الله لكنتم من جنس الأب غير فاعلين القبائح ولا مستوجبين العقاب، ولو كنتم أحباؤه لما أغضبتموه ولما عاقبكم {بل أنتم بشر ممن خلق} من جملة من خلق من البشر {يغفر لمن يشاء} من أهل الطاعة {ويعذب من يشاء} وهم العصاة {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} الدين والشرائع {على فترة} أي جاءكم على حين فترة {من} ارسال {الرسل} وانقطاع من الوحي {أن تقولوا} كراهة {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} قيل: كان بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسمائة وستون سنة، وقيل: ستمائة، وكان بين موسى وعيسى ألف وسبع مائة سنة وألف نبي، وبين عيسى ومحمد أربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي قال ذلك جار الله، والمعنى الامتنان عليهم وإن الرسل تبعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه {إذ جعل فيكم أنبياءَ} لأنه لا يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء {وجعلكم ملوكاً} لأنهم ملكهم بعد فرعون وبعد الجبابرة، وقيل: لأن الملوك تكاثرت فيهم، وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذ الله قسماً إنقاذهم ملكاً، وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه نهر جاري، وقيل: من له بيت وخدام، وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وعمل المشاق {وآتاكم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين} من فلق البحر وإغراق العدوّ وإنزال المن والسلوى، وقيل: أراد عالمين زمانهم {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} أرض بيت المقدس، وقيل: الطور وما حوله، وقيل: الشام، وقيل: فلسطين ودمشق وكانت بيت المقدس قرار الأنبياء ومساكن المؤمنين {التي كتب الله} فيها {لكم} وسماها أو خط في اللوح أنها لكم {ولا ترتدوا على أدباركم} ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من جور الجبابرة لما حدثهم النقباء بجور الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا ليتنا بمصر {ولا ترتدوا على أدباركم} في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم {فتنقلبوا خاسرين} ثواب الدنيا والآخرة {قالوا يا موسى أن فيها قوماً جبَّارين} أي ممتنعين من أن يقهروا ويغلبوا، قيل: طوال الأجسام عظامها وذلك أن موسى (عليه السلام) بعث اثني عشر نقيباً يتجسسون أخبارهم فلما رأوهم عادوا وأخبروا قومهم وقد عاهدهم موسى ألا يخبروا أحداً منهم كيلا يجبنوا عن لقائهم فخالفوا وأخبروا إلاّ رجلين منهم يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، قوله تعالى: {إنا لن ندخلها} نفي لدخولهم في المستقبل على جهة التوكيد {حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون} فلما قالوا ذلك وهمّوا بالانصراف إلى مصر خر موسى وهارون لله ساجدين، وحزن يوشع بن نون، وكالب، وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما بقوله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب} بالايمان قالا لهم أن العمالقة أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم وارجعوا إليهم فإنكم غالبون، وأراد بالباب قرية الجبارين، وروي عن الفقيه شهاب الدين أحمد بن مفضل نور الله ضريحه أنه لقي مرَّة رجل من الجبارين يقال له عوج بن عنق، كان يتحجر بالسحاب أن يبلغ السحاب منه حجره السراويل ويشرب من السحاب، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس ثم يأكله، ولم يبلغ الماء من طوفان نوح ركبتي عوج، روى الثعلبي أن طوله ثلاثة آلاف وعشرون ألفاً وثلاثمائة وثلاث وثلاثون ذراعاً، وعاش ثلاثة آلاف سنة وأهلكه الله على يدي نبيه موسى (عليه السلام) وكان عسكر موسى فرسخ في فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم جاء الجبل وقدر منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها عليهم، فأقبل موسى (عليه السلام) وكان طوله عشرة أذرع وطول عصاه عشرة وصد في السماء عشرة، فما أصاب إلا كعب فقتله قال: فلما قتل وقع على نيل مصر فحصرهم سنة وكانت أمه عنق، وقيل: عناق إحدى بنات آدم (عليه السلام) ويقال أنها كانت أول بغيَّة على وجه الأرض، قال: وكان كل اصبع من أصابعها ثلاثة أذرع في ذراعين وكان موضع مجلسها حربياً وروي أن عوج لقي النقباء وعلى رأسهم حزمة حطب فأخذ الاثني عشرة وحملهم في حجرته وانطلق بهم إلى امرأته، قال: انظري إلى هؤلاء القوم يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها، وقال لأطحنهم برجلي، فقالت امرأته له: لا بل خلهم حتى يخبروا قومهم، ففعل ذلك، فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم أنكم إن أخبرتم بني اسرائيل خبر القوم ارتدّوا عن نبي الله ولكن اكتموا وأخبروا موسى وهارون، فلما بلغوا إلى موسى وهارون أخبروا قومهم إلا رجلان، قوله تعالى: {إنا لن ندخلها أبداً} نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد وهذا دليل على كفرهم ومخالفتهم له ولم يبق معه مطيع إلا هارون (عليه السلام) {فاذهب أنت وربك} قالوا ذلك استهانة بالرسول واستهزاء وقصدوا ذهابهما حقيقة لجهلهم وخطابهم وجفائهم وقسوة قلوبهم، ولما عصوه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر {قال رب إني لا أملك} لنصر دينك {إلا نفسي وأخي} وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى والحسرة ورقة القلب، وعن علي (عليه السلام): "أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة على قتال البغاة فما أجابه إلا رجلان" {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} اي فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون وهو في معنى الدعاء {قال فإنها محرَّمة} يعني الأرض المقدسة {عليهم} لا يدخلونها ولا يملكونها، قال جار الله: فإن قلتَ كيف يوافق بين هذا وبين قوله تعالى: {التي كتب الله لكم}؟ قلتُ: فيه وجهان أحدهما أنه كتبها لهم بشرط أن يجاهدوا اهلها فلما أبُوْا الجهاد قيل: {أنها محرمة عليهم أربعين سنة} فإذا مضت الأربعون كان ما كتب، فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني اسرائيل وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتح أريحا وأقام بها ما شاء الله ثم قبض، وقيل: لما مات موسى (عليه السلام) بعث يوشع نبياً فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحا وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني إسرائيل، وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال أنا لن ندخلها أبداً، وأهلكوا في التيه ونشأت نواشئ من ذراريهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها، قوله تعالى: {يتيهون في الأرض} يعني يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً، روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم حادين حتى إذا سئِموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا منه، وكان الغمام يظلهم من حرّ الشمس، ويطلع عليهم عمود من نور بالليل يضيء لهم وينزل عليهم المن والسلوى، ولا يطول شعرهم، فإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول طوله، قال جار الله: فإن قلت: كيف كان ذلك نعمة عليهم وهم يعاقبون؟ قلت: كما يقول بعض النوازل على بعض العصاة عركا لهم وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة وروي أن هارون مات في التيه، ومات موسى بعده، ودخل يوشع أريحا، ومات النقباء في التيه إلا الرجلان، وروي أن موسى وهارون لم يكونا في التيه.

اطفيش

تفسير : {وَقَالتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحنُ أَبنَاءُ اللهِ وأَحِبَّاؤُهُ}: أى نحن أبناء ابنى الله، فاليهود قالوا: نحن أبناء ابن الله عزيز، والنصارى قالوا: نحن أبناء ابن الله المسيح، واليهود ولو لم يكونوا ولد عزير، والنصرى ولو لم يكونوا ولد عيسى، لكن اليهود أشياع عزير، والنصارى أشياع عيسى، فنسبوا النبوة من الله لأشياع من هو ابن عندهم، لعنهم الله عز وجل. والمنتسب الى انسان فى أمر ينسب اليه ما ينسب لذلك الشىء لما انتسبوا اليهما بالمشايعة نسبت اليهم نبوتهما المكذوبة، وكما نسب مؤمن آل فرعون الملك لقوم فرعون {أية : يا قوم لكم الملك اليوم } تفسير : وانما هو لفرعون، وكما كنى عبد الله بن الزبير أبا خبيب بصيغة التصغير فنسب اليه أشياعه فقيل الخبيبيون، وقيل: له وأخيه مصعب وابنه، وقيل أيضاً الخببيان له ولابنه، أو له ولأخيه مصعب، وقد روى قدنى من بصر الخبيبين قدى بالتثنية والجمع ورويته أنا بالتثنية. وقال الفخر فى المطول على الشواهد بعدما ذكر ذلك كله: ويحتمل على الجمع أن لا يكون ذلك تغليب، بل الأصل الخبيبين فحذفت ياء النسب كقولهم الأشعرين وكالأعجمين عجمين، لأنه يقال أعجمين، وقيل: مراد اليهود نحن أبناء رسل الله، فحذفوا المضاف، ومراد النصارى أنهم تأولوا يحكون عن المسيح أنه يقول فى الله أنه أبى الذى فى السماء، وانى لا أشرب الخمر حتى أشربها فى جوار أبى فى الجنة، وأذهب الى أبى وأبيكم، واذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذى فى السماء، تقدس اسمك. وفى الباب الثامن من الانجيل لمتى يكتبون كتباً بأيديهم، ويزيدون فيها وينقصون، ويسمونها أناجيل، وينسبون لمتى وغيره، قال عيسى للحواريين، فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذى فى السماوات. وقال فى الفصل التاسع: أحسنوا الى من أبغضكم، وصلوا من يطردكم ويغتصبكم لكيما تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السماوات. وقال أيضاً: كونوا مثل أبيكم السمائى، فهو كامل، وقال فى دعاء عندهم، هو كالفاتحه الكريمة عندنا، وهو فى الانجيل الذى زعموه انجيلا أن يقولوا: وأبوينا الذى فى السماء. وذكروا عن متى فى الباب التاسع والثمانين قال عيسى: أقول لكم انى لا أشرب عصير هذه الكرمة الى اليوم الذى أشربه معكم جديداً فى ملكوت أبى، ولا يصح عند المسلمين أن عيسى قال ذلك، فلو صح لم يرد بالأب الا التعظيم والعطف كفر الوالدانية، وتعظيم الابن أباه كما قال أحمد بن قاسم الأندلسى الحجرى: لا يفهم من تسمية عيسى ابن الله الا أنه نبى مقبول عند الله، قال: وقد قرأت فى الانجيل أن واحداً من الحواريين قال لسيدنا عيسى عليه السلام: أنت ابن الله حقيقة؟ قال له سيدنا عيسى عليه السلام: أنت قلت، ولم يقبل منه ذلك، وعندهم أناجيل وقال: ان دينهم مفتوح للزيادة والنقصان. قال: وأما الانجيل الذى كتبت منه هذه النصوص، فحذفوا منه ذلك، وبرهان ما قلنا أن المراد بالنبوة الصلاح ما مر من قوله: لكى ما تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السماوات. وعن السدى: أوحى الله تعالى الى اسرائيل أول ولدك بكرى، فظلت اليهود بذلك، وانما المعنى أنه بكر فى التشريف أو النبوة. وعن ابن عباس: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن أصار، ويحرز بن عمرو، وشاس بن عدى فكلموه، وكلمهم صلى الله عليه وسلم ودعاهم الى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، فنزلت الآية تكذيباً لهم قبحهم الله. وزعم اليهود أنهم يقيمون فى النار أربعين يوماً ثم ينادى مناد أن أخرجوا من النار كل مختون من بنى اسرائيل، فاما أن يقول أوائل اليهود والنصارى بالبنوة على حقيقة، واما أن يقولوه على معنى الرحمة والتعظيم كما قال الحسن: انهم قالوا: قربنا من الله وحبه ايانا كقرب الولد من والده، وحب الوالد لولده، وعلى كل حال يحرم ذلك، فان كل ما يوهم الشرك والنقص فى الله حرام ولو لم يرد المتكلم به ما لا يجوز، وقد يقول بعض أهل المغرب الأقصى، وبعض أهل مغربنا هذا بأنه ربى وهو حرام لا يجوز، ولو لم يرد الشرك لأنه لفظ شرك. {قُل}: يا محمد ان كان ذاكم. {فَلِمَ يُعَذِبُكُم بِذُنُوبِكُم}: كما أقرت اليهود بتعذيب أيام معدودة يا اخوان القردة والخنازير، فبعضكم صيره قردة، وبعضكم خنازير مسخاً بذنوبهم، ومن ورائهم النار الدائمة وهى أيضا لكلكم، كأنى أراكم مواقعيها الا من اتبع ما أمر الله به، واجتنب ما نهى الله كما قال الله. {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّن خَلَقَ يَغفِرُ لِمَن يَشَآءَ}: الغفران له بأن يوفقه للتوبة. {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءَ}: تعذيبه بأن يخذله لا مزية لكم على سائر البشر، فهل رأيتم أبا يعذب ابنه أو يمسخه؟! وهل رأيتم حبيباً يعصى حبيبه؟! {وَللهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}: كل ذلك ملك له لا شىء منه ابناً له ولا صاحبة له، ومن يملك ذلك لا شبه له، والولد والصاحبة لا بد من شبههما الزوج والأب. {وَإِلَيهِ المَصِيرُ}: بالبعث للأجسام والأرواح للجزاء بما فعلوا من خير وشر، فلا يقل أحد انى حبيب الله، ولا شريف لا يعذبنى، اذ لا يؤمن مكر الله، ولا يعبر الحب والشرف، أو يتصور أن يغير التقوى عند الله.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قالت اليهود نحن أَبناء الله وأَحباؤه وقالت النصارى نحن أَبناء الله وأَحباؤُه، أَى نحن إِليه فى القبول وعظم المنزلة كالابن إِلى الأَب وهو محب لنا فإِنه قد تكون منزلة للابن عند الأَب ولا حب له فى قلبه، وهم لجهلهم يفسرون حب الله بالميل، وربما َثبتوا له القلب لأَنهم مجسمون وذلك شرك والميل صفة العاجز المستكمل، بل حب الله لازم لمحبة، وهو إِبعاد الضر وإِيلاءِ النفع، أَو قالوا نحن أَبناء ابنى الله عزير والمسيح، فاليهود قالوا نحن أَبناء ابن الله عزير وأَحباء الله، والنصارى قالوا نحن أَبناء ابن الله المسيح وأَحباء الله، وليس اليهود كلهم أَولاد عزير بل بعضهم ولا النصارى أَولاد عيسى لأَنه لم يتزوج ولم يلد لكن أَرادوا بكونهم أَبناءَ عزير والمسيح أَنهم أَشياعهما ومقربون إِليهما، أَو نحن أَبناء رسول الله، أَو لما أَثبتوا البنوة للمسيح وعزير أَثبتوها لأَنفسهم لأَن المختص بشخص ينسب إِليه ما للشخص كما تقول أَقارب الملك: نحن ملوك الأَرض، وكما قال مؤمن آل فرعون: {أية : يا قوم لكم الملك اليوم} تفسير : [غافر: 29]، وإنما الملك لفرعون الذى اختصوا به، ويروى أَنه صلى الله عليه وسلم خوف بالله جماعة من اليهود فقالوا، كيف تخوفنا به ونحن أَبناءُه وأَحباؤُه، وكثيرا ما يذكر عن المسيح أَنه يقول أَبى الذى فى السماءِ ملكه، وإِنى لا أَشرب الخمر حتى أَشربها عند أَبى، وإِنى ذاهب إِلى أبى وأَبيكم، وفى المزامير لداود: أَنت ابنى سلني أُعطك وفيها أنت ابني وحبيبي، وقال: تواصوا فى أَبنائى وبناتى يريد عباد الله الصالحين، وقال يوحنا الانجيلى انظروا إِلى محبة الآب لنا أَن أَعطانا أَن ندعى أَبناء، وقال أَيها الأَحباء الآن صرنا أَبناءَ الله فينبغى أَن ننزله فى الإِجلال على ما هو عليه فمن صح له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإِثم ومن لابس الخطيئة فإِنه لم يعرفه. وقال يوحنا التلميذ: يا أَحبائى إنا أَبناء الله تعالى سمانا بذلك، وقال بولس الرسول لملك الروم أَن الروح تشهد لأَرواحنا أَننا أَبناء الله تعالى وأَحباؤُه، وقال متى: قال المسيح أَحسنوا إِلى من أَساءَ إِليكم تكونوا بنى أَبيكم المشرق شمسه على الأَخيار والأَشرار والممطر على الصديقين والظالمين، يعنى أَحسنوا إِلى من أَساءَ كما أَن الله تعالى يحسن إِلى المطيع والعاصى، ونحو ذلك، ويراد بالأُبوة الحكمة. {قُلْ} على سبيل عطف التلقين أَو على تقدير إِن صح ذلك {فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} مع أَن مقتضى البنوة والمحبة أَن لا يعذبكم بها وقد عذبكم بالمسخ والأَسر والقتل والجزية والجلاءِ، وقد قلتم أَنه يعذبكم فى النار مقدار عبادتكم العجل، فأَنتم كاذبون، ولو صحت دعواكم لما فعلتم ذنوبا يعذبكم فإِن مدعى منصب لم يتأهل له أَو حب مع مخالفة المحبوب لكاذب إِذ لم تتبعوا الأَب فيما يأْمركم به سبحانه ولا من تشايعونه وتسمون أَبناءَ له ولا انتفاع لكم بإِرسال عيسى الذى تقولون أَنه ابنه وإِرسال عبيده إِلى غيركم، ولو كان فى إِرسال الابن تشريفا وزيادة أَمن {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} لكم ما لسائر البشر وعليكم ما عليهم {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} وهو من آمن واتقى {وَيُعَذِّبُ مَنء يَشَاءُ} وهو من لم يؤمن أَو لم يتق {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} والمملوك لا يكون ولدا لمالكه ولا يكون إِلها، والمملوكية تنافى البنوة ولا ينفعكم ادعاؤكم أَنكم أَشياع ابنه تعالى الله عن الأُبوة الحقيقية، وضمير التثنية مع أَن السماوات جمع باعتبار النوعين {وَإِليْهِ المَصِيرُ} لا إله غيره فهو المعاقب والمثيب.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} حكاية لما صدر من الفريقين من الدعوى الباطلة لأنفسهم، وبيان لبطلانها إثر ذكر ما صدر عن أحدهما من الدعوى الباطلة لغيره وبيان بطلانها أي قال كل من الطائفتين هذا القول الباطل، ومرادهم ـ بالأبناء المقربون ـ أي نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم، و ـ بالأحباء ـ جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب، ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة كما يقال: أبناء الدنيا، وأبناء الآخرة، وأن يكون أرادوا أشياع من وصف بالبنوة أي قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه المسيح عليهما السلام، وأطلق الأبناء على الأشياع مجازاً إما تغليباً أو تشبيهاً لهم بالأبناء في قرب المنزلة، وهذا كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك، وكما أطلق على أشياع أبـي خبيب عبد الله بن الزبير الخبيبون في قوله: شعر : قدنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبِيْنَ قَدِيتفسير : على رواية من رواه بالجمع، فقد قال ابن السكيت: يريد أبا خبيب ومن كان معه، فحيث جاز جمع خبيب وأشياع أبيه فأولى أن يجوز جمع ابن الله ـ عز اسمه ـ وأشياع الابن بزعم الفريقين، فاندفع ما قيل: إنهم لا يقولون ببنوة أنفسهم ولم يحمل على التوزيع بمعنى أنفسنا الأحباء وأبناؤنا الأبناء بجمع الإبنين لمشاكلة الأحباء لأن خطاب {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ} يأباه ظاهراً ويدل على ادعائهم البنوة بأي معنى كان. وقيل: الكلام على حذف المضاف أي نحن أبناء أنبياء الله تعالى وهو خلاف الظاهر، وقائل ذلك من اليهود بعضهم، ونسب إلى الجميع لما مر غير مرة، فقد أخرج ابن جرير. والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آصى وبحرى بن عمرو وشاش / بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه، وقالت النصارى ذلك قبلهم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» وعن الحسن أن النصارى تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح: إني ذاهب إلى أبـي وأبيكم فقالوا ما قالوا. وعندي أن إطلاق ابن الله تعالى على المطيع قد كان في الزمن القديم، ففي التوراة قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى فرعون وقل له يقول لك الرب إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك، وفيها أيضاً في قصة الطوفان أنه لما نظر بنو الله تعالى إلى بنات الناس وهم حسان جداً شغفوا بهن فنكحوا منهن ما أحبوا واختاروا فولدوا جبابرة فأفسدوا فقال الله تعالى: لا تحل عنايتي على هؤلاء القوم، وأريد بأبناء الله تعالى أولاد هابيل، وبأبناء الناس أبناء قابيل، وكنّ حساناً جداً فصرفن قلوبهن عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الأوثان، وفي «المزامير» أنت ابني سلني أعطك، وفيها أيضاً أنت ابني وحبيبـي، وقال شعيا في نبوته عن الله تعالى: تواصوا بـي في أبنائي وبناتي يريد ذكور عباد الله تعالى الصالحين وإناثهم، وقال يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني من «الرسالة الأولى» ـ انظروا إلى محبة الأب لنا أن أعطانا أن ندعى أبناء ـ وفي الفصل الثالث ـ أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله تعالى فينبغي لنا أن ننزله في الإجلال على ما هو عليه فمن صح له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإثم، واعلموا أن من لابس الخطيئة فإنه لم يعرفه ـ وقال متى: قال المسيح: أحبوا أعداءكم، وباركوا على لاعنيكم، وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا على من طردكم، كيما تكونوا بني أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، وقال يوحنا التلميذ في «قصص الحواريين»: يا أحبائي إنا أبناء الله تعالى سمانا بذلك، وقال بولس الرسول في «رسالته إلى ملك الروم»: إن الروح تشهد لأرواحنا أننا أبناء الله تعالى وأحباؤه، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، وقد جاء أيضاً إطلاق الابن على العاصي ولكن بمعنى الأثر ونحوه، ففي «الرسالة الخامسة لبولس» إياكم والسفه والسب واللعب فإن الزاني والنجس كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت الله تعالى واحذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتي رجز الله على الأبناء الذين لا يطيعونه، وإياكم أن تكونوا شركاء لهم فقد كنتم قبل في ظلمة فاسعوا الآن سعي أبناء النور. ومقصود الفريقين بـ {نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} هو المعنى المتضمن مدحاً، وحاصل دعواهم أن لهم فضلاً ومزية عند الله تعالى على سائر الخلق، فرد سبحانه عليهم ذلك، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} إلزاماً لهم وتبكيتاً {فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم} أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم يوم القيامة بالنار أياماً بعدد أيام عبادتكم العجل، وقد اعترفتم بذلك في غير ما موطن، وهذا ينافي دعواكم القرب ومحبة الله تعالى لكم أو محبتكم له المستلزمة لمحبته لكم كما قيل: ما جزاء من يحب إلا يحب، أو فلأيّ شيء أذنبتم بدليل أنكم ستعذبون، وأبناء الله تعالى إنما يطلق إن أطلق في مقام الافتخار على المطيعين كما نطقت به كتبكم، أو إن صح ما زعمتم فلم عذبكم بالمسخ الذي لا يسعكم إنكاره، وعدّ بعضهم من العذاب البلايا والمحن كالقتل والأسر، واعترض ذلك بأنه لا يصلح للإلزام فإن البلايا والمحن قد كثرت في الصلحاء، وقد ورد «حديث : أشد الناس بلاءاً الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ثم الأمثل فالأمثل»، تفسير : وقال الشاعر:شعر : ولكنهم أهل الحفائظ والعلا فهم لملمات الزمان خصوم تفسير : / وقوله تعالى: {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ} عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ليس الأمر كذلك بل أنتم بشر وإن شئت قدرت مثل هذا في أول الكلام وجعلت الفاء عاطفة، وقوله سبحانه: {مّمَّنْ خَلَق} متعلق بمحذوف وقع صفة {بَشَرٌ} أي بشر كائن من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم. {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَآء} أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم المؤمنون به تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} أن يعذبه وهم الذين كفروا به سبحانه وبرسله عليهم السلام مثلكم، والذي دل على التخصيص قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : [النساء: 48] إن قلنا بعمومه كما هو المعروف المشهور، ومن الغريب ما في «شرح مسلم» للنووي أنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه الأمة وفيه نظر. هذا وأورد بعض المحققين هنا إشكالاً ذكر أنه قوي وهو أنه إذا كان معنى {نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ} تعالى أشياع بنيه فغاية الأمر أن يكونوا على طريقة الابن تحقيقاً للتبعية لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب كما صرح به الزمخشري في انتفاء فعل القبائح، وانتفاء البشرية والمخلوقية ليحسن الرد عليهم بأنهم بشر ممن خلق، نعم ما ذكروه في هذا المقام من استلزام المحبة عدم العصيان والمعاقبة ربما يتمشى لأن من شأن المحب أن لا يعصي الحبيب ولا يستحق منه المعاقبة، ومن هنا قيل:شعر : تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع تفسير : وفيه مناقشة لأن هذا شأن المحبين والأحباء هم المحبون، وأجاب عن إشكال إثبات البشرية بأنه ليس إثباتاً لمطلق البشرية ليجب أن يكون رد الدعوى بانتفائه بل هو إثبات أنهم بشر مثل سائر البشر، ومن جنس سائر المخلوقين منهم العاصي والمطيع والمستحق للمغفرة والعذاب لا كما ادعوا من أنهم الأشياع المخصوصون بمزيد قرب واختصاص لا يوجد في سائر البشر ولذا وصف بشراً بقوله سبحانه: {مِمَّنْ خَلَقَ} حتى لا يبعد أن يكون {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَآءُ} أيضاً في موقع الصفة على حذف العائد أي لمن يشاء منهم، وأما إشكال الجنسية فقيل في جوابه: المراد أنكم لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم على صفتهم في ترك القبائح وعدم استحقاق العذاب لأن من شأن الأشياع والأتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين، والمتبوعون هنا هم الأبناء بالزعم، ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب فمن شأن الأتباع أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة، وقيل: كلام من قال: يلزم أن يكونوا من جنس الأب على حذف مضاف، أي لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم من جنس أشياع الأب يعني أهل الله تعالى الذين لا يفعلون القبائح ولا يستوجبون العقاب. وفي «الكشف» أن قولهم: {نحن أبناء الله} تعالى فيه إثبات الإبن، وأنهم من أشياعه مستوجبون محبة الأب لذلك فينبغي أن يكون الرد مشتملاً على هدم القولين فقيل: من أسندتم إليه البنوة لا يصلح لها لإمكان القبيح عليه وصدوره هفوة ومؤاخذته بالزلة ودعواكم المحبة كاذبة وإلا لما عذبتم، وأيضاً إذا بطل أن يكون له تعالى ابن بطل أن يكونوا أشياعه، وكذلك المحبة المبنية على ذلك، ثم قال: وجاز أن يقال: إنه لإبطال أن يكونوا أبناءاً حقيقة كما يفهم من ظاهر اللفظ أو مجازاً كما فسره الزمخشري اهـ. وأنت تعلم أن كل ما ذكره ليس بشيء كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما ذكرناه كاف في الغرض. / نعم ذكر الشهاب عليه الرحمة توجيهاً لا بأس به، وهو أن اللائق أن يكون مرادهم بكونهم أبناء الله تعالى أنه لما أرسل إليهم الابن على زعمهم وأرسل لغيرهم رسل عباده دل ذلك على امتيازهم عن سائر الخلق، وأن لهم مع الله تعالى مناسبة تامة وزلفى تقتضي كرامة لا كرامة فوقها، كما أن الملك إذا أرسل لدعوة قوم أحد جنده ولآخرين ابنه علموا أنه مريد لتقريبهم وأنهم آمنون من كل سوء يطرق غيرهم، ووجه الرد أنكم لا فرق بينكم وبين غيركم عند الله تعالى، فإنه لو كان كما زعمتم لما عذبكم وجعل المسخ فيكم، وكذا على كونه بمعنى المقربين المراد قرب خاص فيطابقه الرد ويتعانق الجوابان فافهمه انتهى، والجواب عن المناقشة التي فعلها البعض يعلم مما أشرنا إليه سابقاً فلا تغفل. {وَلله مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰت وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} من تتمة الرد أي كل ذلك له تعالى لا ينتمي إليه سبحانه شيء منه إلا بالمملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيه كيف يشاء إيجاداً وإعداماً، إحياءاً وإماتة، إثابة وتعذيباً فأنى لهؤلاء ادّعاء ما زعموا؟! وربما يقال: إن هذا مع ما تقدم ردّ لكونهم أبناء الله تعالى بمعنى أشياع بنيه، فنفى أولاً كونهم أشياعاً وثانياً وجود بنين له عز شأنه {وَإلَيْه ٱلْمَصيرُ} أي الرجوع في الآخرة لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً فيجازي كلاً من المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه.

ابن عاشور

تفسير : مقال آخر مشترك بينهم وبين اليهود يدلّ على غباوتهم في الكفر إذ يقولون ما لا يليق بعظمة الله تعالى، ثمّ هو مناقض لمقالاتهم الأخرى. عُطف على المقال المختصّ بالنصارى، وهو جملة {أية : لقد كَفَر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح}تفسير : [المائدة: 17]. وقد وقع في التّوراة والإنجيل التعبير بأبناء الله؛ ففي سفر التثنية أوّل الفصل الرابع عشر قول موسى «أنتُم أولاد للربّ أبيكم». وأمّا الأناجيل فهي مملوءة بوصف الله تعالى بأبي المسيح، وبأبي المؤمنين به، وتسمية المؤمنين أبناءَ الله في متّى في الإصحاح الثّالث «وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» وفي الإصْحاح الخامس «طوبى لصانعي السلام لأنّهم أبناءَ الله يُدعون». وفي الإصحاح السادس «وأبوكم السماوي يقُوتها». وفي الإصحاح العاشر «لأِنْ لستم أنتم المتكلّمين بل روح أبيكم الّذي يتكلّم فيكم». وكلّها جائية على ضرب من التشبيه فتوهّمها دهماؤهم حقيقة فاعتقدوا ظاهرها. وعطف {وأحبّاؤه} على {أبناءُ الله} أنّهم قصدوا أنّهم أبناء محبوبون إذ قد يكون الابن مغضوباً عليه. وقد علَّم الله رسوله أن يبطل قولهم بنقْضَيْن: أولهما من الشريعة، وهو قوله {قل فلِمَ يعذّبكم بذنوبكم} يعنِي أنّهم قائلون بأنّ نصيباً من العذاب ينالهم بذنوبهم، فلو كانوا أبناء الله وأحبّاءه لما عذّبهم بذنوبهم، وشأن المحبُّ أن لا يعذّب حبيبه وشأن الأب أن لا يعذّب أبناءه. رُوي أنّ الشِّبْلي سأل أبا بكر بن مجاهد: أين تَجد في القرآن أنّ المُحبّ لا يعذِّب حبيبَه فلم يهتد ابن مجاهد، فقال له الشبلي في قوله: {قل فلِم يعذّبكم بذنوبكم}. وليس المقصود من هذا أنّ يَردّ عليهم بوقوع العذاب عليهم في نفس الأمر، مِن تقدير العذاب لهم في الآخرة على كفرهم، لأنّ ذلك لا يعترفون به فلا يصلح للردّ به، إذ يصير الردّ مُصَادَرَة، بل المقصود الردّ عليهم بحصول عذاب يعتقدون حصوله في عقائد دينهم، سواء كان عذاب الآخرة أم عذاب الدّنيا. فأمّا اليهود فكُتبهم طافحة بذكر العذاب في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى: {أية : وقالوا لَنْ تمسّنا النّار إلاّ أيّاماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80]. وأمّا النّصارى فلم أر في الأناجيل ذكراً لِعذاب الآخرة إلاّ أنّهم قائلون في عقائدهم بأنّ بني آدم كلّهم استحقّوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم، فجاء عيسى ابن مريم مخلّصاً وشافعاً وعرّض نفسه للصلب ليكفّر عن البشر خطيئتهم الموروثة، وهذا يُلزمهم الاعترافَ بأنّ العذاب كان مكتوباً على الجميع لولا كفّارة عيسى فحصل الرّدّ عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا. ثم أُخذت النتيجةُ من البرهان بقوله: {بل أنتم بشر ممّن خلق} أي يَنالكم ما ينال سائر البشر. وفي هذا تعريض أيضاً بأنّ المسيح بَشَر، لأنّه ناله ما ينال البشر من الأعراض والخوف، وزعموا أنّه ناله الصلب والقتل. وجملة قوله: {يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} كالاحتراس، لأنّه لمّا رتّب على نوال العذاب إيّاهم أنهم بشر دفع توهّم النصارى أنّ البشريّة مقتضية استحقاق العذاب بوراثة تَبِعة خطيئة آدم فقال: {يغفر لمن يشاء}، أي من البشر {ويعذّب من يشاء}.

القطان

تفسير : روى ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله جماعة من اليهود، فكلّمهم وكلّموه، ودعاهم الى الله وحذّرهم نقمته فقالوا: "ما تخوِّفُنا يا محمد؟ نحن والله أبناءُ الله وأحبّاؤه". وكذلك قالت النصارى. فأنزل الله تعالى هذه الآية يردُّ فيها عليهم. والتفسير: قالت اليهود والنصارى: نحن المفضَّلون، لأننا أبناء الله والمحَبَّبُون لديه. فقل لهم أيها الرسول: لماذا يعذّبكم بذنوبكم إذن؟ ولماذا يُدخلكم نار جهنم بأعمالكم؟ إنكم في قولكم هذا لكاذبون، فما أنتم الا بشر كسائر الناس. والله تعالى بيده كل شيء، يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء. هو ربّ السماوات والأرض وإليه مَردُّ كل مخلوقاته.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلنَّصَارَىٰ} {أَبْنَاءُ} {وَأَحِبَّاؤُهُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (18) - قَالَ كُلٌّ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ مُنْتَسِبُونَ إلى أنْبِيَاءِ اللهِ، وَهُمْ بَنُوهُ، وَلَهُ بِهِمْ عِنَايَةٌ، وَهُوَ يُحِبُّنَا. وَأوْرَدُوا فِي كِتَابِهِمْ أنَّ اللهَ قَالَ لِعَبْدِهِ إِسْرَائِيلَ (يَعْقُوبَ) أنْتَ ابْنِي البِكْرُ. فَحَمَلُوا هَذا القَوْلَ عَلَى غَيْرِ تَأوِيلِهِ وَحَرَّفُوهُ. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُقَلائِهِمْ: إنَّ هذا القَوْلَ يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى سَبيلِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ. وَوَرَدَ فِي الإِنجيلِ: إنَّ المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: إنِّي ذَاهِبٌ إلى أبي وَأبِيكُمْ، يَعْنِي رَبِّي وَرَبِّكُمْ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ رَدّاً عَلَى أقْوالِ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَوْ كَنْتُمْ كَمَا تَدَّعُونَ أبْنَاءَ اللهِ وَأحِبَّاءَهُ فَلِمَ أعَدَّ اللهُ لَكُمْ جَهَنَّمَ جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَكَذِبِكُمْ وَافِتِرائِكُمْ؟ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ اللهُ، وَلَكُمْ أسْوَةٌ بِأمْثَالِكُمْ، وَهُوَ سَبْحَانَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَالحَاكِمُ المَتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ عِبَادِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَلا مَعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَهُوَ سَريعُ الحِسَابِ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}. قال السدّي: قالت اليهود: إنّ اللّه أوحى إلى إسرائيل أن ولداً من ولدك أدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوماً حتى تطهركم وتأكل خطاياهم ثم ينادي أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجهم فذلك قولهم {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}تفسير : [البقرة: 80]، وأمّا النصارى، فإن فرقة منهم قالت: المسيح ابن اللّه. فأخرجهم الخبر عن الجماعة {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} كان لأمر ما زعمتم أنكم أحباؤه وأولياؤه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرّون إنّه معذبكم {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} كسائر بني آدم، ثم قال بالإحسان والإيتاء {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} فضلاً {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} عدلاً. وقال السدّي: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فعذّبه {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ * يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد {يُبَيِّنُ لَكُمْ} أعلام الهدى وشرائع الدين {عَلَىٰ فَتْرَةٍ} إنقطاع {مَّنَ ٱلرُّسُلِ} واختلفوا في قدر مدّة تلك الفترة. وروى عبيد بن سلمان عن الضحاك قال: الفترة فيما بين عيسى ومحمد (عليهما السلام) ستمائة سنة. معمّر عن قتادة قال: كان بين عيسى ومحمد (عليهما السلام) خمسمائة وستون سنة. قال معمّر وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة، الضحّاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. حمّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربعة (كلّهم) يدلي على اللّه يوم القيامة بحجة وعذر، رجل مات فى الفترة ورجل أدرك (الفترة الأخيرة)، ورجل أصم أبكم ورجل معتوه، فيبعث اللّه عزّ وجل إليهم ملكاً رسولاً فيقول أطيعوه فيأتهم الرسول فيؤجج لهم ناراً فيقول: إقتحموها فمن اقتحمها كانت عليهم برداً وسلاماً ومن قال لا حقت عليه كلمة العذاب ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهل كل اليهود قالوا: نحن أبناء الله؟ هل كل النصارى قالوا: نحن أبناء الله؟ لا. فبعض من اليهود قال: إن عزيراً ابن الله وبعض النصارى قالوا: إن عيسى ابن الله، وجاء مسيلمة الكذاب وادّعى النبوة، وكان كل أهل مسيلمة يقولون: نحن الأنبياء، أي منا الأنبياء حتى أنصار سيدنا عبد الله بن الزبير أبي خبيب، قال أنصاره: نحن الخبيبيون أي نحن أتباع ابن الزبير الذي هو أبو خبيب، فكانوا ينسبون لأنفسهم ما لغيرهم. فمعنى {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ} يعني: نحن أشياع العزير، الذي هو ابن الله؛ ونحن أشياع عيسى الذي هو ابن الله. هذه نأخذ لها دليلاً من القرآن، نعرف قصة مؤمن آل فرعون: {أية : وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [غافر: 28-29] والقوم جماعة. بالله أكان القوم كلهم ملوكا؟. لا، فالذي كان ملكاً هو فرعون فقط. لكن مادام فرعون هو الملك، فيكون كل الذين كانوا أتباعا وأنصارا له ومن شيعته ملوكا لأنهم يعيشون في كنف ورعاية الملك. وأيضاً قال اليهود: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}، ولذلك عندما أرادوا أن يحددوا معنى "ملك" قالوا: إن "الملك" هو الرجل الذي عنده دار واسعة وفيها ماء يجري، وواحد آخر قال: "الملك" هو الذي يكون عنده حياة رتيبة وعنده من يخدمه ولا ينشغل بخدمة نفسه في بيته، وفي الخارج يخدم نفسه. وقال آخر: من عنده مال لا يحوجه للعمل الشاق، فهو ملك، ولذلك قال سيدنا الشيخ عبد الجليل عيسى في هذه المسألة: لا تستعجبوا ذلك فالأميون ينطقون وبلسانهم يقولون: هذا ملك زمانه، أي رجل مرتاح لا يعمل أعمالا شاقة وعنده النقود يصرفها كما يريد. إذن فأبناء الله يعني ليس كلهم أبناءه، ولذلك قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: "قل" رداً عليهم: {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}، وستدخلون في مشيئة المغفرة. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}، ولن تخرجوا عن المشيئة الغافرة أو المشيئة المعذبة، {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}. ويقول الحق تصفية للمسألة العقدية في الأرض: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}