٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله {يُبَيّنُ لَكُمْ } وجهان: الأول: أن يقدر المبين، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك المبين هو الدين والشرائع، وإنما حسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، وثانيها: أن يكون التقدير يبين لكم ما كنتم تخفون، وإنما حسن حذفه لتقدم ذكره. الوجه الثاني: أن لا يقدر المبين ويكون المعنى يبين لكم البيان، وحذف المفعول أكمل لأن على هذا التقدير يصير أعم فائدة. المسألة الثانية: قوله {يُبَيّنُ لَكُمْ } في محل النصب على الحال، أي مبيناً لكم. المسألة الثالثة: قوله {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ } قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء، يقال: فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع. واعلم أن قوله {عَلَىٰ فَتْرَةٍ } متعلق بقوله {جَاءكُمْ } أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل. قيل: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو أقل أو أكثر. وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وسبعمائة سنة، وألفا نبي، وبين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة من الأنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي. المسألة الرابعة: الفائدة في بعثة محمد عليه الصلاة والسلام عند فترة من الرسل هي أن التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب، وصار ذلك عذراً ظاهر في اعراض الخلق عن العبادات. لأن لهم أن يقولوا: يا إلۤهنا عرفنا أنه لا بدّ من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمداً عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر، وهو {أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } يعني إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن تقولوا: ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير. ثم قال تعالى: {فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } فزالت هذه العلة وارتفع هذا العذر. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل، والله تعالى قادر على كل شيء، فكان قادراً على البعثة، ولما كان الخلق محتاجين إلى البعثة، والرحيم الكريم قادراً على البعثة وجب في كرمه ورحمته أن يبعث الرسل إليهم، فالمراد بقوله {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } الإشارة إلى الدلالة التي قررناها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا}. يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ} ٱنقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غداً ما جاءنا رسول. {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ} أي سكون؛ يُقال فَتَر الشيء سكن. وقيل: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ} على ٱنقطاع ما بين النبيّين؛ عن أبي عليّ وجماعة أهل العلم، حكاه الرمّاني؛ قال: والأصل فيها ٱنقطاع العمل عما كان عليه من الجِدّ فيه، من قولهم: فَتَر عن عمله وفَتَّرته عنه. ومنه فَتَر الماءُ إذا ٱنقطع عما كان من السُّخُونة إلى البرد. وٱمرأة فاتِرة الطرف أي منقطعة عن حِدة النظر. وفتور البدن كفتور الماء. وٱلفِتْر ما بين السّبابة والإبهام إذا فتحتهما. والمعنى؛ أي مضت للرسل مدّة قبله. وٱختلِف في قدر مدّة تلك الفترة؛ فذكر محمد بن سعد في كتاب «الطبقات» عن ٱبن عباس قال: كان بين موسى بن عمِران وعيسى ابن مريم عليهما السَّلام ألف سنة وسبعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم. وكان بين ميلاد عيسىٰ والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وسِتون سنة، بعث في أوّلها ثلاثة أنبياء؛ وهو قوله تعالىٰ: { أية : إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } تفسير : [يۤس: 14] والذي عزز به «شمعون» وكان من الحواريين. وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربعاً وثلاثين سنة. وذكر الكلبيّ أن بين عيسى ومحمد عليهما السَّلام خمسمائة سنة وتسعاً وستين، وبينهما أربعة أنبياء؛ واحد من العرب من بني عَبْس وهو خالد بن سِنان. قال القُشيريّ: ومثل هذا مما لا يعلم إلاَّ بخبر صِدق. وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد عليهما السَّلام ستمائة سنة؛ وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه، إلاَّ أن وهبا زاد عشرين سنة. وعن الضحاك أيضاً أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ٱبن سعد عن عِكرمة قال: بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. قال ٱبن سعد: أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلميّ عن غير واحد قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عِمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة؛ فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السَّلام من القرون والسنين. والله أعلم. {أَن تَقُولُواْ} أي لئلا أو كراهية أن تقولوا؛ فهو في موضع نصب. {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ} أي مبشر. {وَلاَ نَذِيرٍ} أي مُنذِر. ويجوز {مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} على الموضع. قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود؛ يا معشر يهود ٱتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أن محمداً رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته؛ فقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير؛ فنزلت الآية: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} على إرسال من شاء من خلقه. وقيل: قدير على إنجاز ما بَشّر به وأَنذر منه.
البيضاوي
تفسير : {يَـأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ} أي الدين، وحذف لظهوره، أو ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى يبذل لكم البيان والجملة في موضع الحال أي جاءكم رسولنا مبيناً لكم. {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ } متعلق بجاءكم أي جاءكم على حين فتور من الإِرسال وانقطاع من الوحي، أو يبين حال من الضمير فيه. {أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} كراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به. {فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا بـ {مَا جَاءنَا} فقد جاءكم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على الإِرسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، إذ كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وعلى الإِرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كان بينهما ستمائة أو خمسمائة وتسع وستون سنة وأربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي، وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكونون إليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، الذي لا نبي بعده، ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: على فترة من الرسل، أي: بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي، وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة. وقال معمر، عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة. وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة، والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف {أية : وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا} تفسير : [الكهف: 25] أي: قمرية؛ لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أولى الناس بابن مريم لأنا، ليس بيني وبينه نبي» تفسير : وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان؛ كما حكاه القضاعي وغيره، والمقصود أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلاً من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين. كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «حديث : وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظانَ، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشاً فقلت: يا رب إذن يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمساً أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، والذين هم فيكم تبع أو تبعاً - شك يحيى - لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير الفاحش»تفسير : ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف، وإنما سمعه من أربعة عنه، ثم رواه هو عن روح، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن قال: حدثني مطرف عن عياض بن حمار، فذكره. ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به. والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: «حديث : وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عجمهم وعربهم، إلا بقايا من بني إسرائيل» تفسير : وفي لفظ مسلم: «حديث : من أهل الكتاب»تفسير : . وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} أي: لئلا تحتجوا وتقولوا - ياأيها الذين بدلوا دينهم وغيروه -: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير، وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قال ابن جرير: معناه: إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يـَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } محمد {يُبَيّنُ لَكُمْ } شرائع الدين {عَلَىٰ فَتْرَةٍ } انقطاع {مَّنَ ٱلرُّسُلِ } إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول ومدّة ذلك خمسمائة وتسع وستون سنة لـ {أن } لا {تَقُولُواْ } إذا عذبتم {مَا جَاءَنَا مِنَ } زائدة {بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } فلا عذر لكم إذاً {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومنه تعذيبكم إن لم تتبعوه.
الشوكاني
.تفسير : المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى. والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، {وَيُبَيّنُ لَكُمْ } حال. والمبين هو: ما شرعه الله لعباده وحذف للعلم به، لأن بعثة الرسل إنما هي بذلك. والفترة أصلها السكون، يقال فتر الشيء: سكن؛ وقيل: هي الانقطاع. قاله أبو علي الفارسي وغيره؛ ومنه فتر الماء: إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة؛ وفتر الرجل عن عمله: إذا انقطع عما كان عليه من الجدّ فيه، وامرأة فاترة الطرف: أي منقطعة عن حدة النظر. والمعنى: أنه انقطع الرسل قبل بعثه صلى الله عليه وسلم مدّة من الزمان. واختلف في قدر مدّة تلك الفترة، وسيأتي بيان ذلك. قوله: {أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حين فترة: أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم، و«من» في قوله {مِن بَشِيرٍ } زائدة للمبالغة في نفي المجيء، والفاء في قوله: {فَقَدْ جَاءكُمُ } هي الفصيحة مثل قول الشاعر:شعر : فقد جئنا خراسانا تفسير : أي: لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير، وهو: محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }، ومن جملة مقدوراته إرسال رسوله على فترة من الرسل. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا لكم هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده، فأنزل الله: {يَاَأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ } الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في الآية قال: هو: محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالحق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان وموعظة، ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به. قال: وكانت الفترة بين عيسى ومحمد ستمائة سنة، وما شاء الله من ذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن جرير، عنه قال: كانت خمسمائة سنة وستين سنة. وقال الكلبي: خمسمائة سنة وأربعين سنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانت خمسمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت أربعمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة. وأخرج ابن سعد في كتاب الطبقات، عن ابن عباس قال: كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، فإنه أرسل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل، سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أوّلها ثلاثة أنبياء كما قال الله تعالى: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ }تفسير : [يس: 14] والذي عزّز به شمعون وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربعة وثلاثين سنة. وقد قيل غير ما ذكرناه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ}: يعني: اليهودَ والنصارَىٰ: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا}: محمد ـــ عليه السلام ـــ. وقوله: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ}: أي: على انقطاعٍ من مجيئهم مدَّةً مَّا، والفَتْرةُ: سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ؛ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ»تفسير : ، وفي الصحيح؛ أنَّ الفترةَ التي كانَتْ بَيْنَ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وبين عيسَىٰ سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ بَعد موسَىٰ مِنْ شَيْءٍ؛ قاله ابن عَبَّاس. وقوله: {أَن تَقُولُواْ}: معناه: حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة: {مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ}، وقامتِ الحُجَّة عليكم، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ}؛ فهو الهادِي والمضلُّ لا رَبَّ غيره.
ابن عادل
تفسير : قوله: "يبيّنُ لكم" فيه وجهان: أحدهما: إن المبين هو الدِّين والشَّرائع، وإنما حَسُن حَذْفُهُ؛ لأنَّ كل أحد يَعْلَم أنَّ الرَّسُول إنَّما أُرْسِل لبيان الشَّرَائع؛ لدلالة اللَّفْظِ عليه. الثاني: أن يكون التَّقْدِير: يُبَيِّن لكم البَيَان، وحَذْفُ المَفْعُول أكمل؛ لأنَّهُ يصير أعمَّ فائدة، وتقدَّمَ الكلام في "يُبَيِّن". قوله: "عَلَى فَتْرَة" فيه ثلاثةُ أوجه: أظهرها: أنَّهُ متعلِّق [بـ "جاءكم"] أي: جاءكم على حين فُتور من إرسَالِ الرَّسُل، وانْقطِاع من الوَحْي ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ. والثاني: أنَّه حال من فاعل "يُبَيِّن" أي يُبَيِّن في حَالِ كَوْنِهِ على فَتْرَة. والثالث: أنَّهُ حال من الضَّمير المَجْرُور في "لَكُمْ"، فيتعلَّق على هَذَيْن الوجْهَيْن بمحذوف، و"مِنَ الرُّسُل" صِفَة لـ "فَتْرة"، على أن معنى "مِنْ": ابتداءُ الغاية، أي: فَتْرَة صادرة من إرْسَالِ الرُّسُلِ. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ: يريد على انْقِطَاعٍ من الأنْبِيَاء، يقال: فَتَر الشَّيْ يَفْتُر فُتُوراً إذا سَكَنَتْ حَرَكَتُه، فَصَارَ أقَلَّ ما كان عليه، وسمِّيَت المدَّة بين الأنْبِيَاء فَتْرة؛ لفُتُور الدَّوَاعي في العمل بِتَرْك الشَّرَائع. واخْتَلَفُوا في مُدَّة الفَتْرَة بين عِيسَى ومُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - قال أبُو عُثْمان النهدي: ستمائة سَنَة، وقال قتادَة: خمسمائة سنة وسِتُّون سنة، وقال مَعْمَرُ والكَلْبِيُّ: خمسمائة سَنة وأرْبعُون سنة. وعن الكَلْبِيِّ بين مُوسى وعيسى ألْفٌ وسبعمائة سنة وألفا نبيّ، وبَين عيسى ومحمد أربعةٌ من الأنبياء؛ ثلاثةٌ من بني إسرائيل، وواحدٌ من العرب وهو خالد بن سِنَان العَبْسي. والفائدة في بَعْثَة مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - على فَتْرَةٍ من الرُّسُلِ؛ لأنَّ التَّحْريف والتَّغْيِير قد تَطَرَّق إلى الشَّرَائِع المُتقدِّمة، لتقَادُم عَهْدِهَا وطول أزْمَانِها، ولهذا السَّبَب اخْتَلط الحقُّ بالبَاطِل، والصِّدق بالكَذِبِ، فصار عذْراً للخَلْقِ في إعْرَاضِهِم عن العِبَادَات. وسُمِّيت فَتْرة؛ لأنَّ الرُّسل كانت تَتْرَى بعد مُوسى - عليه السلام - من غير انْقِطَاع إلى عيسى، ولم يَكُنْ بعد عيسى سِوى رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما تقدَّم عن الكَلْبِي. قوله: "أنْ تَقُولُوا" مَفْعُولٌ من أجْلِهِ، فَقَدَّره الزَّمَخْشَرِي "كَراهَة أن تَقُولُوا". وأبُو البقاء "مخَافَة أن تَقُولُوا"، والأوَّل أوْلَى وقوله: "يُبَيِّن" يجوز ألاَّ يُرادَ له مفعولُ ألْبَتَّة، والمعنى: يبذل لكم البيان، ويجُوز أن يكُون مَحْذُوفاً إمَّا لدلالة اللَّفظ عليه، وهو ما تقدَّم من قوله:{يُبَيِّن لَكُم كَثِيراً} وإمَّا لدلالة الحَالِ أي: يُبَيِّن لكم ما كُنْتم تَخْتَلِفُون فيه. و"مِنْ بَشيرٍ" فاعل زيدَت فيه "مِنْ" لوجود الشَّرْطين، و"لا نَذِيرٍ" عطف على لفظه، ولو قُرِئ برفعه مُراعَاةً لوضْعِه جَازَ. وقوله: "فَقَدْ جَاءَكُمْ" عطف على جُمْلَةٍ مُقَدَّرة، أي: لا تعتذروا فقد جَاءَكُم، وما بعد هذا من الجُمَلِ واضِحُ الإعْرَاب لما تقدَّم من نَظَائِرِهِ. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، والمعنى: [أنَّ] حصول الفَتْرَة يوجِبُ احْتِياجَ الخَلْقِ إلى بَعْثَة الرُّسُلِ عليهم السلام، والله قَادِرٌ على البَعْثَة؛ لأنَّهُ رحيمٌ كريمٌ قادرٌ على البَعْثَة، فوجَبَ في رَحْمَتِه وكَرَمه أن يَبْعَثَ إليهم الرُّسُل.
البقاعي
تفسير : ولما دحضت حجتهم، ووضحت أكذوبتهم، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة، فقال تعالى: {يا أهل الكتاب} أي من الفريقين؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال، قال معبراً بحرف التوقع: {قد جاءكم رسولنا} أي الذي عظمته من عظمتنا، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك، ثم بين حاله مقدماً له على متعلق جاء بياناً لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشاداً إلى قبول كل ما جاء به بقوله: {يبين لكم} أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بياناً شافياً لما تقدم وغيره. ولما كان مجيئه ملتبساً ببيانه وظرفاً له غير منفك عنه، وكان بياناً مستعلياً على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه، محفوظاً لعموم دعوته وختامه وتفرده، فلا نبي بعده، قال معلقاً بجاء: {على فترة} أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيِّين من بني إسرائيل، مبتدئة تلك الفترة {من الرسل} أي انقطاع من مجيئهم، شُبِّه فقدهم وبُعْد العهد بهم ونسيان أخبارهم، وبلاء رسومهم وآثارهم، وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يفنى ففتر، لم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس، يقال: فتر الشيء - إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه و ذلك لأنه كان بين عيسى وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة فسد فيها أمر الناس، ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ كتابه، فكلما درست سنة منح الله بعالم يرد الناس إليها بالكتاب المعجز القائم أبداً، فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا عند الفتنة التي لا يطيقها العلماء، وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، ثم علل ذلك بقوله: {أن} أي كراهة أن {تقولوا} أي إذا حشرتم وسئلتم عن أعمالكم {ما جاءنا} ولتأكيد النفي قيل: {من بشير} أي يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز {ولا نذير} أي يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم، لأن الإنسان موزَّع النقصان بين الرغبة والرهبة، وقد كان اختلط في تلك الفترة الحق بالباطل فالتبس الأمر وجهل الحال، لكنه لم يجهل جهلاً يحصل به عذر في الشرك، وسأبينه في أول ص. ولما كان المعنى: فلا تقولوا ذلك، سبب عنه قوله: {فقد جاءكم} أي من هو متصف بالوصفين معاً فهو {بشير ونذير} أي كامل في كل من الوصفين وإن تباينا؛ ولما كان ربما كان توهم أحد من ترك الإرسال زمن الفترة، ومن ترك التعذيب بغير حجة الإرسال، وبالعدول عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل شيئاً في القدرة، قال كاشفاً لتلك الغمة: {والله} أي جاءكم والحال أن الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} أي من أن يرسل في كل وقت وأن يترك ذلك، وأن يهدي بالبيان وأن يضل، ومن أن يعذب ولا يقبل عذراً وأن يغفر كل شيء وغير ذلك {قدير *} وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من العز بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل إشارة إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي يلزم منه إنكارهم للقدرة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهودا: ما قلنا لكم هذا، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده، فأنزل الله {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة..} الآية". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} قال: هو محمد جاء بالحق الذي فتر به بين الحق والباطل، فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به، قال: وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر لنا أنه كانت ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله {على فترة من الرسل} قال: كان بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة وستون. قال معمر: قال الكلبي: خمسمائة سنة وأربعون سنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانت الفترة خمسمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد أربعمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة.
ابو السعود
تفسير : {يَا أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} تكريرٌ للخطاب بطريق الالتفات ولطفٌ في الدعوة {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ} حال من رسولنا، وإيثارُه على مبـيِّناً لما مر فيما سبق، أي يبـين لكم الشرائعَ والأحكامَ الدينية المقرونة بالوعد والوعيد، ومن جملتها ما بـين في الآيات السابقة من بطلان أقاويلِكم الشنعاء، وما سيأتي من أخبار الأمم السالفة، وإنما حُذف تعويلاً على ظهور أن مجيءَ الرسول إنما هو لبـيانها، أو يفعلُ لكم البـيانَ، ويبذُله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البـيان من أمور الدين، وأما تقديرُ مثل ما سبق في قوله تعالى: {كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} كما قيل فمع كونه تكريراً من غير فائدة، يرده قوله عز وجل: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ} فإن فتورَ الإرسال وانقطاعَ الوحي إنما يُحوج إلى بـيان الشرائع والأحكام لا إلى بـيان ما كتموه و(على فترة) متعلق (بجاءكم) على الظرفية كما في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ }تفسير : [البقرة، الآية 102] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي، ومزيدِ احتياج إلى بـيان الشرائع والأحكام الدينية، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ضمير يبـين، أو من ضمير لكم، أي يبـين لكم ما ذُكر حال كونه على فترة من الرسل، أو حال كونكم عليها أحوجَ ما كنتم إلى البـيان، و(من الرسل) متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لفترة، أي كائنةٍ من الرسل مبتدَأةٍ من جهتهم. قوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ} تعليل لمجيء الرسول بالبـيان على حذف المضاف أي كراهةَ أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعاة أحكام الدين {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} وقد انطمست آثارُ الشرائع السابقة، وانقطعت أخبارُها، وزيادة (مِنْ) في الفاعل للمبالغة في نفي المجيء، وتنكير بشير ونذير للتقليل، وهذا كما ترى يقتضي أن المقدر أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت، بل مشفوعة بما ذكر من الوعد والوعيد، وقوله تعالى: {فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} متعلق بمحذوف ينبىء عنه الفاء الفصيحة وتُبـيِّنُ أنه مُعلَّل به، وتنوينُ (بشيرٌ ونذيرٌ) للتفخيم أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير أيُّ بشيرٍ ونذير أيُّ نذير {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدِرُ على الإرسال تَتْرىٰ كما فعله بـين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان بـينهما ألفٌ وسبعُمائة سنة وألفُ نبـيَ وعلى الإرسال بعد الفترة كما فعله بـين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، حيث كان بـينهما ستُمائة سنةٍ أو خمسُمائةٍ وتسعٌ وستون سنةً أو خمسُمائةٍ وستٌ وأربعون سنةً وأربعةُ أنبـياءَ على ما رَوىٰ الكلبـيّ ثلاثةٌ من بني إسرائيلَ وواحدٌ من العرب خالد بن سنان العبسي، وقيل: لم يكن بعد عيسى عليه السلام إلا رسولُ الله عليه السلام وهو الأنسبُ بما في تنوين (فترةٍ) من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بأن الرسول قد بُعث إليهم عند كمالِ حاجتهم إليه بسبب مضيِّ زمانٍ طويل بعد انقطاعِ الوحي ليهشّوا إليه ويعُدّوه أعظمَ نعمةٍ من الله تعالى، وفتحَ بابٍ إلى الرحمة، وتلزَمُهم الحجةُ فلا يَعتلُّوا غداً بأنه لم يُرسَلْ إليهم من يُنبِّههم من غفلتهم.
القشيري
تفسير : يقال في: كل زمان تقع فَتْرَة في سبيل الله ثم تجدد الحال، ويُعَمُّ الطريق بإبداء السالكين من كتم العَدَم، ولقد كان زمانُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أكثرَ الأزمنة بركةً، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل، وبذلك مَنَّ عليهم، وذكَّرهم عظيمَ نعمتِه فيهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} حال كونه {يبين لكم} الشرائع والاحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد {على فترة} كائنة {من الرسل} مبتدأة من جهتهم وعلى متعلق بجاءكم على الظرفية اى جاءكم على حين فتور من الارسال وانقطاع من الوحى ومزيد احتياج الى بيان الشرائع والاحكام الدينية يقال فتر الشىء يفتر فتورا اذا سكنت حركته وصارت اقل مما كانت عليه وسميت المدة بين الانبياء فترة لفتور الدواعى فى العمل بتلك الشرائع ونبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعث بعد انقطاع الرسل لان الرسل كانت متواترة بعضها فى اثر بعض الى وقت رفع عيسى عليه السلام {ان تقولوا} تعليل لمجيئ الرسول بالبيان على حذف المضاف اى كراهة ان تقولوا معتذرين عن تفريطكم فى مراعاة احكام الدين {ما جاءنا من بشير} يبشرنا بالجنة {ولا نذير} يخوفنا بالنار وقد انطمست آثار الشرائع السابقة وانقطعت اخبارها {فقد جاءكم بشير ونذير} متعلق بمحذوف تنبىء عنه الفاء الفصيحة وتبين انه معلل به اى لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير اى بشير ونذير أى نذير على ان التنوين للتفخيم. وفى الآية امتنان عليهم بان بعث اليهم حين انطمست آثار الوحى وكانوا احوج ما يكون اليه {والله على كل شىء قدير} فيقدر على الارسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان بينهما الف وسبعمائة سنة والف نبى وعلى الارسال بعد الفترة كما فعله بين عيسى ومحمد عليهما السلام حيث كان بينهما ستمائة سنة وتسع وتسعون سنة او خمسمائة وست واربعون سنة واربعة انبياء على ما روى الكلبى ثلاثة من بنى اسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسى وقيل لم يكن بعد عيسى الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الانسب بما فى تنوين فترة من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بان الرسول قد بعث اليهم عند كمال حاجتهم اليه بسبب مضى دهر طويل بعد انقطاع الوحى ليعدوه اعظم نعمة من الله وفتح باب الى الرحمة وتلزمهم الحجة فلا يتعللوا غدا بانه لم يرسل اليهم من ينبههم من غفلتهم كذا فى الارشاد. وفى الحديث "حديث : انا اولى الناس بعيسى ابن مريم فانه ليس بينى وبينه نبى " .تفسير : قال ابن الملك بطل بهذا قول من قال الحواريون كانوا انبياء بعد عيسى عليه السلام انتهى ومعنى قوله نبى اى نبى داع للخلق الى الله وشرعه واما خالد بن سنان فان اظهر بدعواه الانباء عن البرزخ الذى بعد الموت وما اظهر نبوته فى الدنيا. وقصته انه كان مع قومه يسكنون بلاد عدن فخرجت نار عظيمة من مغارة فاهلكت الزرع والضرع فالتجأ اليه قومه فاخذ خالد يضرب تلك النار بعصاه حتى رجعت هاربة منه الى المغارة التى خرجت منها ثم قال لاولاده انى ادخل المغارة خلف النار لاطفئها وامرهم ان يدعوه بعد ثلاثة ايام تامة فانهم ان نادوه قبل ثلاثة ايام فهو يخرج ويموت وان صبروا ثلاثة ايام يخرج سالما فلما دخل صبروا يومين واستفزهم الشيطان فلم يصبروا فظنوا انه هلك فصاحوا به فخرج خالد من المغارة وعلى رأسه ألم حصل من صياحهم فقال ضيعتمونى واضعتم قولى ووصيتى واخبرهم بموته وامرهم ان يقبروه ويرقبوه اربعين يوما فانه يأتيهم قطيع من الغنم يتقدمه حمار ابتر مقطوع الذنب فاذا حاذى قبره ووقف فلينبشوا عليه قبره فانه يقوم ويخبرهم باحوال البرزخ والقبر عن يقين ورؤية فانتظروا اربعين يوما فجاء القطيع وتقدمه حمار ابتر فوقف حذاء قبره فهمّ مؤمنوا قومه قومه ان ينبشوا عليه فابى اولاده خوفا من العار لئلا يقال لهم اولاد المنبوش قبره فحملتهم الحمية الجاهليةعلى ذلك فضيعوا وصيته واضاعوه "حديث : فلما بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءته بنت خالد فقال عليه السلام "مرحبا بابنة نبى اضاعه قومه" " .تفسير : وانما امر خالد ان ينبش عليه ليسأل ويخبر ان الحكم فى البرزخ على صورة الحياة الدنيا فيعلم بذلك الاخبار صدق الرسل كلهم بما اخبروا به فى حياتهم الدنيا فكان غرض خالد عليه السلام ايمان العالم كله بما جاءت به الرسل من احوال القبر والمواطن والمقامات البرزخية ليكون رحمة للجميع فانه تشرف بقرب نبوته من نبوة محمد عليه السلام وعلم خالد ان الله ارسله رحمة للعالمين ولم يكن خالد برسول فاراد ان يحصل من هذه الرحمة فى الرسالة المحمدية على حظ اوفر ولم يؤمر بالتبليغ فاراد ان يحظى فى البرزخ بذلك التبليغ من مقام الرسالة ليكون اقوى فى العلم فى حق الخلق اى ليعلم قوة علمه باحوال الخلائق فى البرزخ فاضاعه قومه وانما وصف النبى قومه بانهم اضاعوا نبيهم اى وصية نبيهم حيث لم يبلغوه مراده من اخباره احوال القبر كذا فى الفصوص وشروحه. واتفق العلماء على انه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل فى عاشر شهر ربيع الاول فى ليلة يوم الاثنين منه فلما تشرف العالم وجوده الشريف وعنصره اللطيف اضاءت قلوب الخلق واستنارت فهداهم الله به عليه السلام فابصره من ابصر وعمى من عمى وبقى فى الكفر والضلال شعر : دركار خانه عشق ازكفرنا كزيرست آتش كرابسوزد كر بولهب نباشد تفسير : وانما اضاف تعالى الرسول الى نفسه وقال رسولنا وما اضاف اليهم لان فائدة رسالته لم تكن راجعة اليهم ولما خاطب هذه الامة واخبرهم عن مجيىء الرسول ما اضافه الى نفسه وانما جعله من انفسهم فقال {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم} تفسير : [التوبة: 128]. لان فائدة رسالته كانت راجعة الى انفسهم كما فى التأويلات النجمية. فعلى المؤمن ان يقتفى اثر الرسول صلى الله عليه وسلم ويتفكر فى الوعد والوعيد فقد جاء البشير والنذير بحيث لم يبق للاعتذار مجال اصلا ـ "حديث : وروى ـ ان جبير بن مطعم قال كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بالجحفة فقال "أليس تشهدون ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وانى رسول الله وان القرآن جاء من عند الله" فقلنا بلى قال "فابشروا فان هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بايديكم فتمسكوا به فانكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده ابدا ".
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة {يُبين}: حال، أي: جاءكم رسولنا مبينًا لكم، و {على فترة}: متعلق بجاء، أي: جاءكم على حين فترة وانقطاع من الوحي، و {أن تقولوا}: مفعول من أجله، أي: كراهية أن تقولوا. يقول الحقّ جلَ جلاله: {يا أهل الكتاب}؛ اليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم {يُبين لكم} ما اختلفتم فيه، أو ما كتمتم من أوامر الدين، أو مطلق البيان. جاءكم {على} حين {فترة من الرسل} وانقطاع من الوحي، أرسلناه كراهية {إن تقولوا} يوم القيامة: {ما جاءنا من بشير ولا نذير}، فتعتذروا بذلك، {فقد جاءكم بشير ونذير} فلا عذر لكم، {والله على كل شيء قدير} فيقدر على الإرسال من غير فترة، كما في أنبياء بني إسرائيل؛ فقد كان بين موسى وعيسى ألف نبي، وبينهما ألف وسبعمائة سنة، وعلى الإرسال على الفترة، كما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. كان بينهما ستمائة سنة، أو خمسمائة سنة وتسع وستون سنة. قاله البيضاوي: والذي في الصحيح: أن الفترة ستمائة سنة، وفي الصحيح أيضًا عنه ـ عليه الصلاة السلام ـ: " حديث : أنا أولى النَّاس بعِيسَى في الأُوَلى والآخرة وليس بَينَنَا نبي "تفسير : . وهو يرد ما حكاه الزمخشري وغيره: أَن بينهما أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب، وهو خالد بن سِنان العبسي؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم. قاله المحشي. الإشارة: ظهور أهل التربية بعد زمان الفترة، وخمود أنوار الطريقة وأسرار الحقيقة، حجة على العباد، ونعمة كبيرة على أهلِ العشق والوداد، من انتكب عنهم لقي الله بقلب سقيم، وقامت بهم الحجة عليهم عند الملك الكريم، ومن اتبعهم وحطَ رأسه لهم فاز بالخير الجسيم، والنعيم المقيم؛ حيث لقي الله بقلب سليم، وقد ظهروا في زماننا هذا بعض اندراس أنوار الطريقة، وخمود أسرار الحقيقة، فجدد الله بهم الطريقة، وأحيا بهم أسرار الحقيقة، منهم شيخنا أبو المواهب صاحب العلوم اللدنية والأسرار الربانية، البحر الفياض، سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني، وشيخه القطب الواضح، والجبل الراسخ، شيخ المشايخ، مولاي العربي الدرقاوي الحسني، أطال الله بركاتهما للأنام، فقد تخرج على أيديهما الجم الغفير من الأولياء، وليس الخبر كالعيان. وبالله التوفيق. ثم ذكّرهم بالنعم على لسان نبيه موسى ـ عليه السلام ـ فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب لليهود والنصارى ناداهم الله خصوصاً لينبههم على ما يذكر لهم. وقوله {قد جاءكم رسولنا يبين لكم} يدل على أنه اختصه من العلم بما ليس مع غيره {على فترة من الرسل} يعني على انقطاع من الرسل. وفيه دلالة على أن زمان الفترة: لم يكن فيه نبي. والفترة انقطاع ما بين النبيين عند جميع المفسرين. والأصل فيها الانقطاع عما كان عليه من الجد فيه من العمل، يقال: فتر عن عمله وفترته عنه. وفتر الماء إِذا انقطع عما كان عليه من البرد الى السخونة. وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر. وفتور البدن كفتور الماء، والفتر ما بين السبابة والابهام إِذا فتحا. وقال الحسن: كانت هذه الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وسلم) ستمائة سنة وقال قتادة خمسمائة وخمسين سنة. وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضعاً وستين سنة. وقوله {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} يدل على بطلان مذهب المجبرة في القدرة، لان الحجة بمنع القدرة أوكد من الحجة بمنع اللطف، وتكون الحجة في ذلك لمن علم الله أن بعثة الأنبياء مصلحة لهم، فاذا لم يبعث، تكون لهم الحجة، فاما من لا يعلم ذلك فيهم، فلا حجة لهم، وان لم يبعث اليهم الرسل. ومعنى {أن تقولوا} ألا تقولوا {ما جاءنا من بشير ولا نذير}. على قول الفراء وغيره من الكوفيين، كقوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} ومعناه ألا تضلوا. وقال البصريون: معناه كراهة أن تضلوا، وكراهة أن تقولوا، وحذفت كراهة. كما قال {واسأل القرية} وإنما أراد أهلها. وأن {تقولوا} في موضع نصب عند أكثر البصريين وقال الخليل والكسائي: موضعه الجر وتقديره لئلا تقولوا. والبيان الذي أتاهم به النبي (صلى الله عليه وسلم) هو دين الاسلام الذي ارتضاه الله. وهو بيان نفس الحق من الباطل، وما يجب. والبشير هو المبشر لكل مطيع بالثواب. والنذير هو المنذر المخوف كل عاص لله بالعقاب ليتمسك المطيع بطاعته، ويجتنب العاصي لمعصيته. والجملة التي ذكرناها قول ابن عباس وقتادة وجميع المفسرين.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} اضاف الرّسول الى نفسه فى الموضعين تشريفاً له وتهويلاً لمخالفيه {يُبَيِّنُ لَكُمْ} ما تحتاجون اليه او المفعول منسىّ {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ} حال من رسولنا او من المستتر فى يبيّن، او من الضّمير فى لكم او متعلق بجاءكم او يبيّن على تضمين معنى يورد والمراد فتور احكام الرّسل (ع) لعدم ظهورهم واختفاء اوصيائهم لا انقطاع الوحى وانقطاع الحجّة كما هو مذهب العامّة فانّه كان بين عيسى (ع) ومحمّد (ص) انبياء (ع) واوصياء (ع) كان اكثرهم مغمورين غير ظاهرين وكان دينه فى نهاية الخفاء وان كانت ملّته ظاهرة غالبة وقيل: كان بين ميلاد عيسى (ع) ومحمّد (ص) خمسمائة وتسع وستّون سنة وكان من تلك المدّة مائة واربع وثلثون زمان ظهور الرّسل والباقى زمان الفترة وهذا احد الاقوال، وقيل: مدّة الفترة كانت ستّمائة سنةٍ وقيل: خمسمائة وستّين، وقيل: اربع مائة وبضعاً وستّين وقيل: خمسمائة وشيئاً {أَن تَقُولُواْ} كراهة ان تقولوا او لئلاّ تقولوا {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ} الفاء للسّببيّة فانّ التّقدير لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم {بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على ارسال الرّسول حين الفترة، او يقدر على انطاق جوارحكم ان تنكروا مجيء الرّسول وتبليغه، او يقدر على عذابكم ان تنكروا رسوله ولا تقرّوا به.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا} أي: لئلا تقولوا يوم القيامة {مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ} يبشر بالجنة {وَنَذِيرٌ} ينذر من النار، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. والفترة ما بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة، وفي تفسير بعضهم: ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي . تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً}. قال الكلبي: إذ جعل فيكم أَنْبِئَاءَ: كان منهم في حياة موسى اثنان وسبعون نبياً. وقال في قوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً}: الرجل ملك بيته لا يدخل عليه إلا بإذن. ذكروا أن مجاهداً قال: جعل لكم أزواجاً وبيوتاً وخدماً. وقال الحسن: وجعلكم ملوكاً، أحراراً، لأنهم كانوا في قوم فرعون بمنزلة أهل الجزية فينا فأخرجهم من ذلك الذل. قوله: {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} أي فيما ظلل عليهم من الغمام، وأنزل عليهم من المن والسلوى وأشباه ذلك مما أوتوا. وقال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر والغمام. قوله: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} التي بورك فيها. قال بعضهم: يعني الشام وقال مجاهد: يعني الطور وما حوله. قوله: {الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} أي كتب الله لبني إسرائيل، أي أمر بني إسرائيل أن يدخلوها فدخلها أبناؤهم، ولم يدخل إلا رجلان يوشع بن نون وكالوب وأبناؤهم، وهم بنو إسرائيل. {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} أي كافرين {فَتَنقَلِبُوا} إلى الآخرة {خَاسِرِينَ} أي قد خسرتم الجنة. قال الكلبي: كانوا بجبال أريحا من الأردن فجبُن القوم أن يدخلوها، فأرسلوا جواسيس، من كل سبط رجلاً، ليأتوهم بخبر الأرض المقدسة. قال الله جل ثناؤه لإِبراهيم عليه السلام، وإبراهيم إذ ذاك بأرض فلسطين: يا إبراهيم إن هذه الأرض التي أنت فيها ميراث لولدك من بعدك، فدخل الاثنا عشر، فمكثوا فيها أربعين ليلة، ثم خرجوا، فصَدَق اثنان وكَذَب عشرة؛ فقالت العشرة: رأينا أرضاً تأكل أهلها ورأينا فيها حصوناً منيعة، ورأينا رجالاً جبابرة ينبغي لرجل منهم مائة منا، فجَبُنَت بنو إسرائيل وقالوا: والله لا ندخلها.
اطفيش
تفسير : {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَد جَآءَكُم رَسُولُنَا}: محمد صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُم}: ديننا وهو دين الاسلام، وحذف المفعول لظهوره من كون وظيفة الرسول بالذات هو بيان الشرع، أو يبين لكم ما تكتمون، فحذف لتقدم ذكره، ويجوز أن يكون لا مفعول له على طريق العرب فى تنزيل المتعدى منزلة اللازم، اذا عدم تعلق الغرض بمفعوله أى يوقع لكم البيان. {عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ}: على متعلق بجاء أو بمحذوف حال من الضمير فى يبين، أو حال من رسولنا ومن الرسل نعت لفترة، والفترة السكون عن الشىء، والمراد انقطاع الارسال والوحى، كأنه قيل: على انقطاع من مجىء الرسل. قال البخارى: الفترة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد، وبين عيسى عليه السلام ستمائة سنة، واشتهر سبعمائة سنة، وما ذكره البخارى رواه عن سلمان، وقيل خمسمائة سنة. قال قتادة: الفترة بينهما ستمائة سنة، لكن قال: أو ما شاء من ذلك، ولعله أراد بقوله أو ما شاء الله أنها ستمائة أو ما يقرب منها كما يدل له ما روى عنه أنها بينهما خمسمائة وستون سنة. وقال ابن السائب خمسمائة وأربعون. وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون. وعن ابن عباس: بين ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم وميلاد عيسى عليه السلام خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، وقال ابن عباس: قال معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود اتقوا الله، فوالله انكم لتعلمون انه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال نافع ووهب بن يهوذ اليهوديان: ما قلنا ذلك لكم، وما أرسل الله رسولا، ولا أنزل كتاباً بعد موسى عليه السلام، فنزل قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَد جَآءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُم عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ} الآية. وكذبهم الله بأنه أرسل بعده محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن وكذلك كذبهم بأنه أرسل عيسى عليه السلام، وأنزل عليه الانجيل، وأرسل أنبياء كثيرين بين موسى وعيسى عليهما السلام، وشهر أيضا أن الله جل وعلا أرسل خالد بن ستان بعد عيسى عليه السلام وهو من العرب، وزاد بعض بعد عيسى ثلاثة فسر بها قوله تعالى: {أية : اذ أرسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث }تفسير : وهم من بنى اسرائيل قال: والثلاثة وبالأربعة يقول الكل بينهما خالد والثلاثة. وروى فى خالد بن سنان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خالد بن سنان نبى ضيعه قومه، وكان من عبس، فهو خالد بن سنان العبسى، وقيل عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بينى وبينه نبى "تفسير : فان صح أن خالد بن سنان نبى فلعله أراد أنه ليس بيننا نبى مشهور، أو نبى أرسل اليه كتاب، وقد قيل: كان بين موسى وعيسى عليهم السلام ألف سنة وسبعمائة سنة، وألف نبى. {أَن تَقُولُوا مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ}: مبشر لنا بالجنة على أن نفعل كذا ونترك كذا. {وَلا نَذِيرٍ}: منذر بالعذاب على فعل كذا، أو ترك كذا، ومن صلة للتأكيد، وبشير فاعل جاء، وأن تقولوا على تقدير لا النافية أى لئلا تقولوا، أو يقدر مضاف، أى كراهة أن تقولوا، وهذا المضاف مفعول لأجله، اذ لو لم يرسل لأمكن أن يقولوا: ربنا لو أرسلت الينا رسولا ما أشركنا، أو يقولوا: عرفنا أنك اله معبود، ولكن لا نعرف كيف نعبدك، وذلك أنه طالت مدة الفترة، وكثر التحريف، ولبس الحق بالباطل، والكذب بالصدق، فقد يعتذرون بذلك، ولا يخفى عن الله عز وجل شىء. {فَقَد جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ}: رسول عظيم جامع بين التبشير والانذار، وتفصيل الشريعة، فلا عذر لكم فى الشرك والمعصية، وذلك منة من الله عز وجل، اذ بعثه صلى الله عليه وسلم حين كان الناس أحوج ما كانوا اليه. {واللهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ}: فهو قادر على بعث رسل متتابعة، كما بين موسى وعيسى عليهم السلام، وعلى بعث الرسل على الفترة، وعلى تعذيبكم ان لم تتبعوا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى البعث حين الحاجة والضلال من شاء، وهداية من شاء.
اطفيش
تفسير : {يا أَهلَ الكِتَابِ} اليهود والنصارى، وقيل المراد هنا اليهود {قَدْ} للتحقيق أَو للتوقع لأَنهم كانوا ينتظرون بعث رسول {جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ} ديننا وأَن ما أَنتم عليه مما يخالفه ليس بدينه لأَنه معلوم أَن الرسل لبيان الدين، ويبين لكم ما كتمتم كما يدل له قوله عز وجل: يبين لكم كثيرا، إِلخ، أَو لا مفعول ليبين بل جاءَ على طريقة عدم تعلق الغرض بالمفعول أَى جاءَكم موقعا للبيان فدل على العموم، ويضعف تقدير يبين لكم ما كتمتم بقوله {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} انقطاع منهم ومن أَتباعهم ولم يبق إِلا من خالفهم فإِن الفترة تستدعى بيان الشرائع لا إِلى بيان ما كتموه اللهم إِلا أَن يراعى أَنهم كتموه إِلى أَن وصل الكتم إِلى الفترة، وهذا امتنان من الله عز وجل إِذ بعث إِليهم أَحوج ما كانوا إِلى رسول. روى البخارى عن سلمان: فترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ستمائة سنة، ولفظ قتادة ستمائة سنة وما شاءَ الله وعنه خمسمائة وستون سنة، وعن ابن السائب خمسمائة وأربعون وقال ابن جريح خمسمائة، وعن الضحاك أَربعمائة وبضع وثلاثون، وعن ابن عباس خمسمائة وتسع وستون ولا رسول بينهما مشهور ظاهر، فلا ينافى أَن بينهما أَربعة مستضعفين ثلاثة من بنى إِسرائيل هم المراد فى قوله تعالى {أية : أَرسلنا إِليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} تفسير : [يس: 14] والرابع من العرب خالد ابن سنان العبسى الذى قال فيه صلى الله عليه وسلم أَنه نبى ضيعه قومه بكسر سين سنان، وروى أَن بنت خالد بن سنان أَتت النبى صلى الله عليه وسلم وآمنت به وقال مرحبا ببنت نبى ضيعه قومه، ولعلها من صلبه وهو التبادر، قال الشهاب أَنه نبى قبل عيسى فلعل هذه البنت من نسله لا من صلبه إِذ لم تذكر من المعمرين، وفى رواية حديث : لا نبى بينى وبين عيسىتفسير : ، ولعل المراد لا نبى مشهور، وذكر عياض أَنه نبى أَهل الرس، قلت لا يثبت ذلك وبين موسى وعيسى عليهما السلام أَلف وسبعمائة سنة وألف نبى على المشهور، ولم يفتر فيها الوحى، وعن ابن عباس: فيها أَلف نبى من بنى إِسرائيل سوى من بعث من غيرهم {أَن تَقُولُوا} أَى لئلا تقولوا فحذفت لا النافية للعلم بها من المقام ولو كانت فى غير مواضع الحذف المعدودة، أَو يقدر مضاف أَى كراهة أَن تقولوا أَو حذر أَن تقولوا يوم القيامة معتذرين {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} ولو ضعيفا فالتنكير لذلك {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شىءٍ قَدِيرٌ} فهو قادر على الإِرسال بلا فترة والارسال على فترة، والمعنى لا تعتذروا فقد جاءَكم، وأُجيز أَن يقدر هنا فقلنا لا تغتذروا فقد جاءَكم والتنوين فى بشير ونذير للتعظيم.
الالوسي
تفسير : {يَٰأَهْلَ ٱلْكتَـٰب} تكرير للخطاب بطريق الإلتفات ولطف في الدعوة، وقيل: الخطاب هنا لليهود خاصة {قَدْ جَاءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ} على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة ـ الشرائع والأحكام النافعة معاداً ومعاشاً ـ المقرونة بالوعد والوعيد، وحذف هذا المفعول اعتماداً على الظهور إذ من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام، ويجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم أي يفعل البيان ويبذله لكم في كل ما تحتاجون فيه من أمور الدين، وأما إبقاؤه متعدياً مع تقدير المفعول {كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} كما قيل، فقد قيل فيه: مع كونه تكريراً من غير فائدة يرده قوله سبحانه: {عَلَى فَتْرَة مِّنَ ٱلرُّسُل} فإن فتور الإرسال وانقطاع الوحي إنما يحوج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه، و {على فترة} متعلق ـ بجاءكم ـ على الظرفية كما في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} تفسير : [البقرة: 102] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع الوحي ومزيد الاحتياج إلى البيان. وجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ضمير {يبين} أو من ضمير {لكم} أي يبين لكم حال كونه على فترة، أو حال كونكم على فترة. و {من الرسل} صفة {فترة} و {من} ابتدائية، أي فترة كائنة من الرسل مبتدأة من جهتهم، والفترة فعلة من فتر عن عمله يفتر فتوراً إذا سكن، والأصل فيها الإنقطاع عما كان عليه من الجد في العمل، وهي عند جميع المفسرين انقطاع ما بين الرسولين. واختلفوا في مدتها بين نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام، فقال قتادة: كان بينهما عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة وستون سنة، وقال الكلبـي: خمسمائة وأربعون سنة، وقال ابن جريج: خمسمائة سنة، وقال الضحاك: أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة، وأخرج ابن عساكر عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنها ستمائة سنة، وقيل: كان بين نبينا صلى الله عليه وسلم وأخيه عيسى عليه السلام ثلاثة أنبياء هم المشار إليهم بقوله تعالى: {أية : أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} تفسير : [ يسۤ: 14]، وقيل: بينهما عليهما الصلاة والسلام أربعة: الثلاثة المشار إليهم، وواحد من / العرب من بني عبس ـ وهو خالد بن سنان عليه السلام ـ الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذلك نبـي ضيعه قومه»تفسير : ولا يخفى أن الثلاثة الذين أشارت إليهم الآية رسل عيسى عليه السلام ونسبة إرسالهم إليه تعالى بناءاً على أنه كان بأمره عز وجل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك؛ وأما خالد بن سنان العبسي فقد تردد فيه الراغب في «محاضراته»، وبعضهم لم يثبته، وبعضهم قال: إنه كان قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام لأنه ورد في حديث «حديث : لا نبـي بيني وبين عيسى»تفسير : صلى الله تعالى عليهما وسلم، لكن في التواريخ إثباته، وله قصة في «كتب الآثار» مفصلة، وذكر أن بنته أتت النبـي صلى الله عليه وسلم وآمنت به، ونقش الشيخ الأكبر قدس سره له فصاً في كتابه «فصوص الحكم»، وصحح الشهاب أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام، وعلى هذا فالمراد ببنته الجائية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إن صح الخبر ـ بنته بالواسطة لا البنت الصلبية إذ بقاؤهما إلى ذلك الوقت مع عدم ذكر أحد أنها من المعمرين بعيد جداً، وكان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألف وسبعمائة سنة في المشهور، لكن لم يفتر فيها الوحي، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث فيها ألف نبـي من بني إسرائيل سوى من بعث من غيرهم. {أَن تَقُولُواْ} تعليل لمجىء الرسول بالبيان أي كراهة أن تقولوا ـ كما قدره البصريون ـ أو لئلا تقولوا ـ كما يقدر الكوفيون ـ معتذرين من تفريطكم في أحكام الدين يوم القيامة {مَا جَاءَنَا من بَشير وَلاَ نذير} وقد انطمست آثار الشريعة السابقة وانقطعت أخبارها، وزيادة {من} في الفاعل للمبالغة في نفي المجىء، وتنكير بشير ـ و ـ نذير على ما قال شيخ الإسلام: للتقليل؛ وتعقيب {قد جاءكم} الخ بهذا يقتضي أن المقدر، أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت بل مشفوعة بذكر الوعد والوعيد، والفاء في قوله تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذيرٌ} تفصح عن محذوف ما بعدها علة له، والتقدير هنا لا تعتذروا فقد جاءكم وتسمى الفاء الفصيحة، وتختلف عبارة المقدر قبلها، فتارة يكون أمراً أو نهياً، وتارة يكون شرطاً كما في قوله تعالى: {أية : فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} تفسير : [الروم:56]، وقول الشاعر:شعر : فقد جئنا خراساناً تفسير : وتارة معطوفاً عليه كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنفَجَرَتْ} تفسير : [البقرة:60] وقد يصار إلى تقدير القول ـ كما في الفرقان [19] ـ في قوله تعالى: {أية : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} تفسير : ، وإن شئت قدرت هنا أيضاً فقلنا: لا تعتذروا فقد الخ، وقد صرح بعض علماء العربية أن حقيقة هذه الفاء أنها تتعلق بشرط محذوف، ولا ينافي ذلك إضمار القول لأنه إذا ظهر المحذوف لم يكن بدّ من إضمار ليرتبط بالسابق فيقال: في البيت مثلاً، وقلنا، أو فقلنا: إن صح ما ذكرتم فقد جئنا خراساناً، وكذلك ما نحن فيه فقلنا: لا تعتذروا فقد جاءكم، ثم إنه في المعنى جواب شرط مقدر سواء صرح بتقديره أم لا لأن الكلام إذا اشتمل على مترتبين أحدهما على الآخر ترتب العلية كان في معنى الشرط والجزاء، فلا تنافي بين التقادير. والتقادير المختلفة، ولو سلم التنافي فهما وجهان ذكروا أحدهما في موضع والآخر في آخر ـ كما حققه في «الكشف» ـ وقد مرت الإشارة من بعيد إلى أمر هذه الفاء فتذكر، وتنوين بشير و ونذير للتفخيم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ} فيقدر على إرسال الرسل تترى، وعلى الإرسال بعد الفترة.
ابن عاشور
تفسير : كَرّر الله موعظتهم ودعوتَهم بعد أن بيّن لهم فسادَ عقائدهم وغرورَ أنفسهم بياناً لا يدع للمنصف متمسَّكاً بتلك الضلالات، كما وعظهم ودعَاهُم آنفاً بمثل هذا عقّب بيان نقضهم المواثيق. فموقع هذه الآية تكرير لموقع قوله: {أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون من الكتاب}تفسير : [المائدة: 15] الآيات، إلاّ أنّه ذكر الرسولَ صلى الله عليه وسلم هنا بوصف مجيئه على فترة من الرسل ليذكِّرهم بأنّ كتبهم مصرّحة بمجيء رسول عقب رسلهم، وليريهم أنّ مجيئه لم يكن بِدعاً من الرسل إذ كانوا يَجيئون على فِتَر بينهم. وذُكِر الرسول هنالك بوصف تبيينه ما يخفونه من الكتاب لأنّ ما ذُكر قبلَ الموعظة هنا قد دلّ على مساواة الرسل في البشرية ومساواة الأمم في الحاجة إلى الرسالة، وما ذكر قبلَ الموعظة هنالك إنّما كان إنباء بأسرار كتبهم وما يخفون عِلمه عن النّاس لما فيه من مساويهم وسوء سمعتهم. وحذف مفعول {يبيّن} لظهور أنّ المراد بيان الشريعة. فالكلام خطاب لأهل الكتاب يتنزّل منزلة تأكيد لِجملة {أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون}تفسير : [المائدة: 15]، فلذلك فصلت. وقوله: {على فَترة من الرسل} حال من ضمير {يبيّن لكم}، فهو ظرف مستقرّ، ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلّقاً بــ{جاءكم}. ويجوز تعلّقه بفعل {يبيّن} لأنّ البيان انقطع في مدّة الفترة. و(على) للاستعلاء المجازي بمعنى (بَعْد) لأنّ المستعليَ يستقرّ بعد استقرار ما يستعلي هو فوقه، فشبّه استقراره بعده باستعلائه عليه، فاستعير له الحرف الدال على الاستعلاء. والفترة: انقطاع عمل مّا. وحرف (مِن) في قوله: {مِن الرسل} للابتداء، أي فترة من الزمن ابتداؤها مدّة وجود الرسل، أي أيام إرسال الرسل. والمجيء مستعار لأمر الرسول بتبليغ الدّين، فكما سمّي الرسول رسولاً سمّى تبليغه مجيئاً تشبيهاً بمجيء المُرسَل من أحَدٍ إلى آخر. والمراد بالرسل رُسل أهل الكتاب المتعاقبين من عهد موسى إلى المسيح، أو أريد المسيح خاصّة. والفترة بين البعثة وبين رفع المسيح، كانت نحو خمسمائة وثمانين سنة. وأمّا غيرُ أهل الكتاب فقد جاءتهم رسل مثل خالد بن سنان وحنظلة بن صفوان. و{أن تقولوا} تعليل لقوله: {قد جاءكم} لبيان بعض الحِكَم من بعثة الرسول، وهي قطع معذرة أهل الكتاب عند مؤاخذتهم في الآخرة، أو تقريعهم في الدّنيا على ما غيّروا من شرائعهم، لئلاّ يكون من معاذيرهم أنّهم اعتادوا تعاقب الرسل لإرشادهم وتجديد الدّيانة، فلعلّهم أن يعتذروا بأنّهم لمّا مضت عليهم فترة بدون إرسال رسول لم يتّجه عليهم ملام فيما أهملوا من شرعهم وأنّهم لو جاءهم رسول لاهتدَوا. فالمعنى أن تقولوا: ما جاءنا رسول في الفترة بعد موسى أو بعد عيسى. وليس المراد أن يقولوا: ما جاءنا رسول إلينا أصلاً، فإنّهم لا يدّعون ذلك، وكيف وقد جاءهم موسى وعيسى. فكان قوله: {أنّ تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} تعليلاً لمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، ومتعلّقاً بفعل {ما جَاءنا}. ووجب تقدير لام التّعليل قبل (أنْ) وهو تقدير يقتضيه المعنى. ومثل هذا التقدير كثير في حذف حرف الجرّ قبل (أنْ) حذفاً مطّرداً، والمقام يعيّن الحرف المحذوف؛ فالمحذوف هنا حرف اللام. ويُشكل معنى الآية بأنّ علّة إرسال الرسول إليهم هي انتفاءُ أن يقولوا {ما جاءنا من بشير ولا نذير} لا إثباتُه كما هو واضح، فلماذا لم يُقَل: أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذر، وقد جاء في القرآن نظائر لهذه الآية، وفي شعر العرب كقول عمرو بن كلثوم:شعر : فعجّلنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا تفسير : أراد أن لا تشتمونا. فاختلف النحْويون في تقدير ما به يتقوّم المعنى في الآيات وغيرها: فذهب البصريون إلى تقدير اسم يناسب أن يكون مفعولاً لأجله لفعل {جاءكم}، وقدّروه: (كراهية أن تقولوا)، وعليه درج صاحب «الكشّاف» ومتابعوه من جمهور المفسّرين؛ وذهب الكوفيون إلى تقدير حرف نفي محذوف بعد (أنْ)، والتقدير: أنْ لا تقولوا، ودرج عليه بعض المفسّرين مثل البَغوي؛ فيكون من إيجاز الحذف اعتماداً على قرينة السياق والمقام. وزعم ابن هشام في «مغني اللبيب» أنّه تعسّف، وذكر أنّ بعض النحويين زعم أنّ من معاني (أنْ) أن تكون بمعنى (لَئِلاّ). وعندي: أنّ الذي ألجأ النحويين والمفسّرين لهذا التأويل هو البناء على أنّ (أنْ) تُخلِّصُ المضارع للاستقبال فتقتضي أنّ قول أهل الكتاب: ما جاءنا بشير ولا نذير غير حاصل في حال نزول الآية، وأنه مقدّر حصوله في المستقبل. ويظهر أنّ إفادة (أنْ) تخليص المضارع للمستقبل إفادة أكْثريَّة وليست بمطّردة، وقد ذهب إلى ذلك أبو حيّان وذكر أنّ أبا بكر الباقلاني ذهب إليه، بل قد تفيد (أن) مجرد المصدرية كقوله تعالى: {أية : وأن تصوموا خير لكم}تفسير : [البقرة: 183]، وقول امرىء القيس:شعر : فإمَّا تَرَيْني لا أغمّض ساعة مِن الليل إلاّ أن أكبّ وأنْعَسَا تفسير : فإنّه لا يريد أنّه ينعس في المستقبل. وأنّ صَرْفَها عن إفادة الاستقبال يعتمد على القرائن، فيكون المعنى هنا أنّ أهل الكتاب قد قالوا هذا العذر لمن يلومهم مثل الّذين اتّبعوا الحنيفية، كأمية بن أبي الصلت وزيدِ بن عمرو بن نُفيل، أو قاله اليهود لنصارى العرب. وقوله: {فقد جاءكم بشير ونذير} الفاء فيه للفصيحة، وقد ظهر حسن موقعها بما قرّرتُ به معنى التعليل، أي لأن قلتم ذلك فقد بطل قولكم إذ قد جاءكم بشير ونذير. ونظير هذا قول عباس بن الأحنف:شعر : قالوا خراسانُ أقصى ما يُراد بنا ثم القُفُول فقد جئْنا خُراسانا
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 19- يا أهل الكتاب قد جاءتكم رسالة رسولنا الذى يظهر لكم الحق، بعد إذ توقفت الرسالات فترة من الزمن، حتى لا تعتذروا عن كفركم بأن الله لم يبعث إليكم مبشِّراً ولا منذراً، ها هو ذا قد أتاكم بشيرٌ ونذيرٌ، والله هو القادر على كل أمر - ومنه: إنزال الرسالات - ومحاسبكم على ما كان منكم. 20- واذكر - أيها الرسول - حينما قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا بالشكر والطاعة نعم الله عليكم، حيث اختار منكم أنبياء كثيرين، وجعلكم أعزة كالملوك، بعد أن كنتم أذلاّء فى مملكة فرعون، ومنحكم من النعم الأخرى ما لم يؤت أحداً غيركم من العالمين. 21- يا قوم أطيعوا أمر الله، فادخلوا الأرض المقدسة التى قدَّر الله عليكم دخولها، ولا تتراجعوا أمام أهلها الجبارين، فتعودوا خاسرين نصر الله ورضوانه. 22- قال بنو إسرائيل مخالفين أمر الله: يا موسى، إن فى هذه الأرض جبابرة لا طاقة لنا بهم، فلن ندخلها ما داموا فيها، فإذا ما خرجوا منها دخلناها. 23- قال رجلان من نقبائهم الذين يخشون الله، وأنعم الله عليهما بالإيمان والطاعة: ادخلوا - أيها القوم - على الجبارين باب المدينة مفاجئين، فإذا فعلتم ذلك فإنكم منتصرون عليهم، وتوكلوا على الله - وحده - فى كل أموركم إن كنتم صادقى الإيمان.
القطان
تفسير : يا أهل الكتاب، ها قد جاءكم رسول الله من عند ربكم يظهر لكم الحق، بعد ان توقفت الرسالات فترة من الزمن، ويبين لكم جميع ما أنتم في حاجة إليه، لئلا تقولوا: ما جاءنا بشير ولا نذير؟ ها قد جاءكم بشير لمن أحسن، ونذير لمن أساء. فماذا أنتم فاعلون؟ افعلوا ما شئتم، فالله على كل شيء قدير.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} (19) - يَقُولُ تَعَالَى لأهْلِ الكِتَابِ إِنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّداً رَسُولاً بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ مَا بَيْنَ إرْسَالِ عِيسَى وَإِرْسَالِهِ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَسُولٌ (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)، فَانْطَمَسَتْ سُبُلُ الهُدَى، وَتَغَيَّرَتِ الأدْيَان، وَكَثُرَ عُبَّادُ الأوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهلِ الكِتَابِ، بَعْدَ أنْ بَشَّرَهُمْ بِهِ فِي الكُتُبِ التي أنْزَلَهَا عَلَى أنْبِيائِهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِهِ أنْبِيَاؤُهُمْ، وَذَلِكَ لِكَيْلا يَحْتَجُّوا وَيَقُولُوا: مَا جَاءَنا رَسُولٌ يُبَشِّرُ بِالخَيْرِ وَيُنْذِرُ بِالشَّرِّ. فَها قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى عِقَابِ مَنْ عَصَاهُ، وَعَلَى إثَابَةِ مَنْ أطَاعَهُ. عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ - بَعْدَ مُدَّةٍ طَويلةٍ لَمْ يَأتِ فِيهَا رُسُلٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ورسولنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ويبين لكم - يا أهل الكتاب - ما اختلفتم فيه أولاً وما يجب أن تلتقوا عليه ثانياً، وما زاده الإسلام من منهج فإنّما جاء به ليناسب أقضية الحياة التي يواجهها إلى أن تقوم الساعة. وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، ومعنى الفترة: الانقطاع. وفترة من الرسل أي على زمن انقطعت فيه الرسالات، وهي الفترة التي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أخيه عيسى عليه السلام، وقام الناس بحسابها فقال بعضهم: إنها ستمائة سنة وقال البعض: خمسمائة وستون سنة عاماً. ولا يهمنا عدد السنين، إنما الذي يهمنا هو وجود فترة انقطعت فيها الرسل، اللهم إلا ما كان من قول الحق سبحانه: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 13-16] هؤلاء المرسلون أهم مرسلون من قبل الله بين عيسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم؟. أم هم مرسلون من قبل عيسى عليه السلام إلى أهل أنطاكية؟. وقد كفر الناس أولاً بهذين الرسولين، فعززهم الحق بثالث. وقال الناس لهم: {أية : قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} تفسير : [يس: 15] وهنا قال الرسل: {أية : قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 16] فما الفرق بين {إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وبين {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}؟. إن الأَخْبار دائماً تُلقى من المتكلم للسامع لتعطيه خبراً، فإن كان السامع خالي الذهن من الخبر، أُلقي إليه الكلام بدون تأكيد. وأما إن كان عنده شبه إنكار، ألقى إليه الكلام بتأكيد على قدر إنكاره. فإن زاد في لجاج الإنكار يزيد له التأكيد. فأصحاب القرية أرسل الله إليهم اثنين فكذبوهما، فعززهما بثالث، وهذا تعزيز رسالي، فبعد أن كانا رسولين زادهما الله ثالثاً، وقال الثلاثة: {أية : إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 14] صحيح ثمة تأكيد هنا. لأن الجملة إسمية، وسبقتها "إنّ" المؤكذة؛ فلما كذبوهم وقالوا لهم: {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} وكان هذا لجاجاً منهم من الإنكار فماذا يكون موقف الرسل؟ أيقولون: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} كما قيل أولاً؟. لا. إن الإنكار هنا ممعن في اللجاجة والشدة، فيأتي الحق بتأكيد أقوى على ألسنة الرسل: {رَبُّنَا يَعْلَمُ}. وذلك القول في حكم القسم؛ هذا هو التأكيد الأول، والتأكيد الثاني: { إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}. وكما نعلم فـ "إن" هنا مؤكِدّة، واللام التي في أول قوله: "لمرسلون" لزيادة التأكيد. وحين تأتي كلمة تدور على معانٍ متعددة، فالمعنى الجامع هو المعنى الأصلي، وكذلك كلمة "فترة"، فالفترة هي الانقطاع. فإن قلت مثلاً: ماء فاتر، أي ماء انقطعت برودته، فالماء مشروط فيه البرودة حتى يروي العطش. وعندما يقال: ماء فاتر أي ماء فتر عن برودته، ولذلك يكون قولنا: "ماء فاتر" أي ماء دافئ قليلاً؛ أي ماء انقطعت عنه البرودة المرغبة فيه. ويقال أيضاً في وصف المرأة: في جفنها فتور أي أنها تغض الطرف ولا تحملق بعينيها باجتراء. بل منخفضة النظرة. إذن فالفترة هي الانقطاع. ولقد انقطعت مدة من الزمن وَخَلَتْ من الوحي ومن الرسل. وكان مقتضى هذا أن يطول عهد الغفلة، ويطول عهد انطماس المنهج، ويعيش أهل الخير في ظمأ وشوق لمجيء منهج جديد، فكان من الواجب - مادام قد جاء رسول - أن يرهف الناس آذانهم لما جاء به، فيوضح الحق أنه أرسل رسولاً جاء على فترة، فإن كنتم أهل خير فمن الواجب أن تلتمسوا ما جاء به من منهج، وأن ترهفوا آذانكم إلى ما يجيء به الرسول صلى الله عليه وسلم لسماع مهمته ورسالته. وقد أرسل الله إليهم الرسول على فترة حتى يقطع عنهم الحجة والعذر فلا يقولوا: {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} فقد جاءهم - إذن - بشير وجاءهم نذير. والبشير هو المعلم أو المخبر بخير يأتي زمانه بعد الإخبار. ومادام القادم بشيراً فهو يشجع الناس على أن يرغبوا في منهج الله ليأخذوا الخير. ولا بد من وجود فترة زمنية يمارس فيها الناس المنهج، ولا بد أيضاً أن توجد فترة ليمارس من لم يأخذ المنهج كل ما هو خارج عن المنهج ليأتي لهم الشر. مثال ذلك قول الأستاذ: بَشِّرْ الذي يذاكر بأنه ينجح. وعند ذلك يذاكر من الطلاب من يرغب في النجاح، أي لابد من وجود فترة حتى يحقق ما يوصله إلى ما يبشر به. وكذلك النذارة لا بد لها من فترة حتى يتجنب الإنسان ما يأتي بالشر. {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ}. ومجيء "أن تقولوا" إيضاح بأنه لا توجد فرصة للتعلل بقول" {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ}. ويقول الحق: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وسبحانه وتعالى القدير أبداً. فقد جعل الخلق يطرأون على كون منظم بحكمة وبكل وسائل الخير والحياة على أحسن نظام قبل أن يطرأ هؤلاء الخلق على هذا الكون، فإذا ما طرأ الخلق على هذا الخير، أيتركهم الخالق بدون هداية؟. لا. فسبحانه قد قدر على أن يُوجد خلقه كلهم، ويعطي لهم ما يحفظ لهم حياتهم ويحفظ لهم نوعهم. ألا يعطي الحق الخلق إذن ما يحفظ لهم قيمهم؟. إنه قادر على أن يعطي رزق القوت ورزق المبادئ والقيم وأن يوفي خلقه رزقهم في كل عطاء. وإرسال الرسل من جملة عطاءات الحق لعلاج القيم. ثم يرجع ثانية إلى قوم موسى ولكنه في هذه المرة يجعل المتكلم رسولهم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ...}
الجيلاني
تفسير : {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} لا تغتروا في أمور دينكم ولا تضعفوا فيها؛ إذ {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} الموعود في كتابكم {يُبَيِّنُ لَكُمْ} أمور دينكم حال كونه {عَلَىٰ فَتْرَةٍ} انقطاع وحي {مِّنَ ٱلرُّسُلِ} وإنما أرسلناه؛ كراهة {أَن تَقُولُواْ} وتعتذروا حين وهن دينكم وضعف يقينكم: {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} حتى يصلح أمور ديننا {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} لئلا تعتذروا على ما تقتصرون فيه، فكذبوه، ولم يقبلوا ما جاء به من أسرار الدين والإيمان {وَٱللَّهُ} المجازي لكم {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من أنواع الجزاء {قَدِيرٌ} [المائدة: 19] يجازيكم على مقتضى قدرته. {وَ} اذكروا {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} وهم أسلاف لكم وآباؤكم حين أراد أن يذكرهم نعم الله التي أنعمها عليهم؛ ليقوموا بشكرها: {يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفضلاً وامتناناً {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ} منكم {أَنْبِيَآءَ} يرشدونكم، ويهدونكم إلى طريق التوحيد {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} متصرفين في أقطار الأرض {وَآتَاكُمْ} من الخوارق والإرهاصات من فلق البحر، وظل الغمام، وسقي الحجر، ونزول المن والسلوى وغير ذلك {مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} [المائدة: 20] حين ظهروكم واستيلائكم. {يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ} المطهرة عن شوائر الفتن {ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي: قدرها في علمه لمقركم ومسكنكمح إذ هي منازل الأنبياء، ومقر الأولياء والأصفياء، فعليكم أن تقبلوا إليها تاركين ديار العمالقة والفراعنة التي هي محل الجور والفساد، ومجمع البغي والفساد {وَ} عليكم أن {لاَ تَرْتَدُّوا} بعدما سمعتم الوحي {عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} خوفاً من الجبابرة. قيل: لما سمعوا أوصاف جبابرة كنعان من نقبائهم خافوا، واستوحشوا وفزعوا وقالوا: ليتنا نرد على أعقابنا، تعالوا ننصب رأساً ينصرف بنا إلى مصر؛ إذ موتنا فيها خير من الحياة وموضع آخر، فارتدوا {فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ} [المائدة: 21] خسراناً عظيماً في الدنيا تائهين حائرين، وفي الآخرى خاسرين خائبين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب -بسبب ما من عليهم من كتابه- أن يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويشكروا الله تعالى الذي أرسله إليهم على حين { فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ } وشدة حاجة إليه. وهذا مما يدعو إلى الإيمان به، وأنه يبين لهم جميع المطالب الإلهية والأحكام الشرعية. وقد قطع الله بذلك حجتهم، لئلا يقولوا: { مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } يبشر بالثواب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها. وينذر بالعقاب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها. { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } انقادت الأشياء طوعا وإذعانا لقدرته، فلا يستعصي عليه شيء منها، ومن قدرته أن أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأنه يثيب من أطاعهم ويعاقب من عصاهم.
همام الصنعاني
تفسير : 691- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ}: [الآية: 19]، قال: قال كان بين عيسى ومحمد خَمْسِ مائة سنة وستون سنة. 692- قال معمر، وقال الكلبي: خمس مائة سنة وأربعون سنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):