Verse. 689 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَاِذْ قَالَ مُوْسٰى لِقَوْمِہٖ يٰقَوْمِ اذْكُرُوْا نِعْمَۃَ اللہِ عَلَيْكُمْ اِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ اَنْۢبِيَاۗءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوْكًا۝۰ۤۖ وَّاٰتٰىكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ اَحَدًا مِّنَ الْعٰلَمِيْنَ۝۲۰
Waith qala moosa liqawmihi ya qawmi othkuroo niAAmata Allahi AAalaykum ith jaAAala feekum anbiyaa wajaAAalakum mulookan waatakum ma lam yuti ahadan mina alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم» أي منكم «أنبياء وجعلكم ملوكا» أصحاب خدم وحشم «وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين» من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } واو عطف، وهو متصل بقوله {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [المائدة: 12] كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق، وخالفوه في محاربة الجبارين. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى منّ عليهم بأمور ثلاثة: أولها: قوله {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل، وأيضاً كانوا من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهؤلاء الثلاثة بالاتفاق كانوا من أكابر الأنبياء، وأولاد يعقوب أيضاً كانوا على قول الأكثرين أنبياء، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث الأنبياء إلاّ من ولد بعقوب ومن ولد إسماعيل، فهذا الشرف حصل بمن مضى من الأنبياء، وبالذين كانوا حاضرين مع موسى، وبالذين أخبر الله موسى أنه سيبعثهم من ولد يعقوب وإسماعيل بعد ذلك، ولا شك أنه شرف عظيم، وثانيها: قوله {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } وفيه وجوه: أحدها: قال السدي: يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب، وثانيها: أن كل من كان رسولاً ونبياً كان ملكاً لأنه يملك أمر أمته ويملك التصرف فيهم، وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكاً، ولهذا قال تعالى: {أية : فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 54] وثالثها: أنه كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال فيمن حصل فيهم ملوك: أنتم ملوك على سبيل الاستعارة، ورابعها: أن كل من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك. قال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية، وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم، ومن كان كذلك كان ملكاً. والنوع الثالث: من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الاكرام: أحدها: أنه تعالى فلق البحر لهم، وثانيها: أنه أهلك عدوهم وأورثهم أموالهم، وثالثها: أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ورابعها: أنه أخرج لهم المياه العذبة من الحجر، وخامسها: أنه تعالى أظلل فوقهم الغمام، وسادسها: أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوّة كما جمع لهم، وسابعها: أنهم في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه. واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بمجاهدة العدو.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. تبيين من الله تعالىٰ أن أسلافهم تمرّدوا على موسى وعصَوه؛ فكذلك هؤلاء على محمد عليه السَّلام، وهو تسلية له؛ أي يا أيها الذين آمنوا ٱذكروا نعمة الله عليكم، وٱذكروا قصة موسى. ورُوي عن عبد الله بن كَثير أنه قرأ «يَاقَوْمُ ٱذْكُرُواْ» بضم الميم، وكذلك ما أشبهه؛ وتقديره يا أيها القوم. {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ} لم ينصرف؛ لأنه فيه ألف التأنيث. {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} أي تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذكم منه بالغرق، فهم ملوك بهذا الوجه، وبنحوه فسر السّديّ والحسن وغيرهما. قال السُّدّيّ: ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله. وقال قَتَادة: إنما قال: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} لأنا كنا نتحدّث أنهم أوّل من خُدِم من بني آدم. قال ٱبن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل، وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يُسخّر بعضاً مذ تناسلوا وكثروا، وإنما ٱختلفت الأُمم في معنى التمليك فقط. وقيل: جعلكم ذوي منازل لا يُدخل عليكم إلاَّ بإذن؛ رُوي معناه عن جماعة من أهل العلم. قال ٱبن عباس: إنّ الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلاَّ بإذنه فهو ملِك. وعن الحسن أيضاً وزيد بن أسلم أن من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملِك؛ وهو قول عبد الله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبد الرّحمٰن الحُبُلِيّ قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك ٱمرأة تأوي إليها؟ قال نعم. قال: ألك منزل تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإنّ لي خادماً. قال: فأنت من الملوك. قال ٱبن العربي: وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفّارة ومَلَك داراً وخادماً باعهما في الكفّارة ولم يجز له الصيام، لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام، ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق. وقال ابن عباس ومجاهد: جعلهم ملوكاً بالمَنّ والسَّلوى والحَجَر والغَمَام، أي هم مخدومون كالملوك. وعن ابن عباس أيضاً يعني الخادم والمنزل؛ وقاله مجاهد وعِكرمة والحكم بن عُيَيْنة، وزادوا الزوجة؛ وكذا قال زيد بن أسلم ـ إلاَّ أنه قال فيما يعلم ـ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : من كان له بيت ـ أو قال منزل ـ يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملِك » تفسير : ؛ ذكره النحاس. ويُقال: من استغنى عن غيره فهو ملِك؛ وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : من أصبح آمناً في سِربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافِيرها». تفسير : قوله تعالىٰ: {وَآتَاكُمْ} أي أعطاكم {مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ }. والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين؛ وهو وجه الكلام. مجاهد: والمراد بالإيتاء المنّ والسَّلْوى والحَجَر والغمام. وقيل: كثرة الأنبياء فيهم، والآيات التي جاءتهم. وقيل: قلوباً سليمة من الغِلّ والغِشّ. وقيل: إحلال الغنائم والانتفاع بها. قلت: وهذا القول مردود؛ فإن الغنائم لم تحِل لأحد إلاَّ لهذه الأُمة على ما ثبت في الصحيح؛ وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالىٰ. وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تُعَزَّز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفُذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه. ومعنى {مِّن ٱلْعَالَمِينَ} أي عالَمي زمانكم؛ عن الحسن. وقال ٱبن جُبير وأبو مالك: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله. وتظاهرت الأخبار أن دِمشق قاعدة الجبارين. و {المُقَدَّسَةَ} معناه المطهرة. مجاهد: المباركة؛ والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه. قَتَادة: هي الشام. مجاهد: الطُّور وما حوله. ٱبن عباس والسُّديّ وٱبن زيد: هي أريحاء. قال الزّجاج: دِمشق وفلسطِين وبعض الأرْدُنّ. وقول قَتَادة يجمع هذا كله. {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي فَرَض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم. ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أرِيحاء من بلاد فلسطِين فقالوا: لا علم لنا بتلك الديار؛ فبعث بأمر الله ٱثني عشر نقيباً، من كل سِبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم، فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة؛ حتى قيل: إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كُمّه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملِك فنثرهم بين يده وقال: إن هؤلاء يريدون قِتالنا؛ فقال لهم الملِك: ٱرجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا؛ على ما تقدم. وقيل: إنهم لما رجعوا أخذوا من عِنب تلك الأرض عنقوداً فقيل: حمله رجل واحد، وقيل: حمله النقباء الاثنا عشر. قلت: وهذا أشبه؛ فإنه يُقال: إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كُمّ أحدهم رجلان منهم، ولا يحمل عنقود أحدهم إلاَّ خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة. قلت: ولا تعارض بين هذا والأول؛ فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كُمّه ـ ويُقال: في حجره ـ وهو عُوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خَلْقاً؛ على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالىٰ. وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول مقاتل. وقال الكَلْبيّ: كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعاً، والله أعلم. فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا، وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أُولئك العصاة ونشأ أولادهم، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم. قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين. وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته، والمعنى واحد. قوله تعالىٰ: {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} أي عظام الأجسام طوالٌ، وقد تقدّم؛ يُقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذلّ والفقر. وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبِر الناس على ما يريد؛ فأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه؛ فإنه يجبِر غيره على ما يريده؛ وأجبره أي أكرهه. وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم؛ فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جرّ لنفسه نفعاً بحق أو باطل. وقيل: إنّ جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. قال الفرّاء: لم أسمع فعّالاً من أفعل إلاَّ في حرفين؛ جَبّار من أجبر ودرّاك من أدرك. ثم قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عِيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً؛ قاله ٱبن عمر، وكان يحتجِن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح عليه السَّلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائراً فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السَّلام وطوله عشرة أذرع؛ وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلاَّ كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العِرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسَرهم سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطَّبريّ ومكيّ وغيرهم. وقال الكَلْبيّ: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت. والله أعلم. قوله تعالىٰ: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا} يعني البلدة إيلياء، ويُقال: أَرِيحاء {حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفاً من الجبارين ولم يقصِدوا العِصيان؛ فإنهم قالوا: {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}. قوله تعالىٰ: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} قال ٱبن عباس وغيره: هما يوشع وكالب بن يوقنا ويُقال ٱبن قانيا، وكانا من الاثني عشر نقيباً. و {يَخَافُونَ} أي من الجبارين. قَتادَة: يخافون الله تعالىٰ. وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى؛ فمعنى {يَخَافُونَ} على هذا أي من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله. وقيل: يخافون ضعف بني إسرائيل وجُبنهم. وقرأ مجاهد وٱبن جُبير «يُخَافُونَ» بضم الياء، وهذا يقوّي أنهما من غير قوم موسى. {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي بالإسلام أو باليقين والصلاح. {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} قالا لبني إسرائيل لا يهولنّكم عظم أجسامهم فقلوبهم مُلئت رعباً منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغَلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله. ثم قالا: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} مصدّقين به؛ فإنه ينصركم. ثم قيل على القول الأوّل: لما قالا هذا أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة، وقالوا: نصدّقكما وندع قول عشرة! ثم قالوا لموسىٰ: {إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا} وهذا عِناد وحَيْد عن القتال، وإياس من النصر. ثم جهلوا صفة الربّ تبارك وتعالىٰ فقالوا: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ} وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعالى عن ذلك. وهذا يدل على أنهم كانوا مُشَبِّهة؛ وهو معنى قول الحسن؛ لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر في معنى هذا الكلام. وقيل: أي إن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك ـ إن كنت رسوله ـ أولى من قتالنا؛ فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر؛ لأنهم شَكُّوا في رسالته. وقيل المعنى: ٱذهب أنت فقاتل ولْيُعِنك ربّك. وقيل: أرادوا بالرب هارون؛ وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه. وبالجملة فقد فسقوا بقولهم؛ لقوله تعالىٰ: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا تحزن عليهم. {إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} أي لا نبرح ولا نقاتل. ويجوز {قَاعِدُونَ} على الحال؛ لأن الكلام قد تمّ قبله. قوله تعالىٰ: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلاَّ نفسي، ثم ٱبتدأ فقال: {وَأَخِي} أي وأخي أيضاً لا يملك إلاَّ نفسه؛ فأخي على القول الأوّل في موضع نصب عطفاً على نفسي، وعلى الثاني في موضع رفع، وإن شئت عطفت على ٱسم إنّ وهي الياء؛ أي إني وأخي لا نملك إلاَّ أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلاَّ أنفسنا. {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} يُقال: بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة؛ الأوّل ـ بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان؛ ولذلك ألقوا في التّيه. الثاني ـ بطلب التمييز أي ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب، وقيل المعنى: فاقضِ بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به؛ ومنه قوله تعالىٰ: { أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } تفسير : [الدخان: 4] أي يقضى. وقد فعل لما أماتهم في التّيه. وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار؛ والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر: شعر : يا ربِّ فافرق بينه وبيني أشدّ ما فَرَّقتَ بين ٱثنين تفسير : وروىٰ ٱبن عُيَيْنة عن عمرو بن دِينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ: «فَٱفْرِقْ» بكسر الراء. قوله تعالىٰ: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} ٱستجاب الله دعاءه وعاقبهم في التّيه أربعين سنة. وأصل التّيه في اللغة الحَيرة؛ يُقال منه: تَاهَ يتِيه تَيْهاً وتَوْهاً إذا تَحيّر. وتيهته وتَوَّهْتُه بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التَّيْهاء التي لا يهتدى فيها؛ وأرض تِيهٌ وتَيْهاء ومنها قال: شعر : تِيـهٌ أَتَـاوِيهُ علـى السُّقَّـاطِ تفسير : وقال آخـر: شعر : بِتَيْهَاء قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كأنّها قَطَا الحَزْن قد كانت فِراخاً بُيُوضها تفسير : فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة ـ قيل: في قدر ستة فراسخ ـ يومهم وليلتهم فيُصبحون حيث أمسوا ويُمسون حيث أصبحوا؛ فكانوا سَيَّارَةً لا قرار لهم. وٱختلف هل كان معهم موسى وهارون؟ فقيل: لا؛ لأن التّيه عقوبة، وكانت سِنوّ التّيه بعدد أيام العجل، فقوبلوا على كل يوم سنة؛ وقد قال: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم. ومعنى {مُحَرَّمَةٌ} أي أنهم ممنوعون من دخولها؛ كما يُقال: حرّم الله وجهك على النار، وحرّمت عليك دخول الدار؛ فهو تحريم منع لا تحريم شرع، عن أكثر أهل التفسير؛ كما قال الشاعر: شعر : جَالَتْ لتصرعني فقلتُ لها اقصرِي إنّي ٱمرؤٌ صَرْعِي عليكِ حرامُ تفسير : أي أنا فارس فلا يمكنكِ صرعي. وقال أبو عليّ: يجوز أن يكون تحريم تعبُّد. ويُقال: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ فالجواب ـ قال أبو عليّ: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردّهم إلى المكان الذي ٱبتدؤوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة. {أَرْبَعِينَ} ظرف زمان للتّيه؛ في قول الحسن وقَتَادة؛ قالا: ولم يدخلها أحد منهم؛ فالوقف على هذا على {عَلَيْهِمْ}. وقال الرّبيع بن أنس وغيره: إن {أَرْبَعِينَ سَنَةً} ظرف للتحريم، فالوقف على هذا على {أَرْبَعِينَ سَنَةً}؛ فعلى الأوّل إنما دخلها أولادهم؛ قاله ٱبن عباس. ولم يبق منهم إلاَّ يوشع وكالب، فخرج منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها. وعلى الثاني ـ فمن بقي منهم بعد أربعين سنة دخلوها. وروي عن ٱبن عباس أن موسى وهارون ماتا في التّيه. قال غيره: ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة، وفيها أحرق الذي وجد الغُلُول عنده، وكانت تنزل من السماء إذا غنِموا نارٌ بيضاء فتأكل الغنائم؛ وكان ذلك دليلاً على قبولها، فإن كان فيها غلول لم تأكله، وجاءت السباع والوحوش فأكلته؛ فنزلت النار فلم تأكل ما غنِموا فقال: إن فيكم الغُلُول فلتبايعني كلّ قبيلة فبايعته، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال: فيكم الغُلُول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلاً رجلاً حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال: عندك الغُلُول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب، فنزلت النار فأكلت الغنائم. وكانت ناراً بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون؛ فذكروا أنه أحرق الغَالّ ومتاعه بغَوْر يُقال له الآن غَوْر عاجز، عُرِف باسم الغالّ؛ وكان ٱسمه عاجزاً. قلت: ويستفاد من هذا عقوبة الغالّ قبلنا، وقد تقدّم حكمه في مِلتنا. وبيان ما ٱنبهم من ٱسم النبي والغالّ في الحديث الصحيح عن أبي هُرَيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : «غزا نبيّ من الأنبياء» الحديث أخرجه مسلم وفيه قال: «فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس أنتِ مأمورة وأنا مأمور اللهم ٱحبسها عليّ شيئاً فحبِست عليه حتى فتح الله عليه ـ قال: فجمعوا ما غنِموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال: فيكم غُلُول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه ـ قال ـ فلصِقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغُلُول» تفسير : وذكر نحو ما تقدّم. قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أرِيحاء وإشرافه على فتحها عَشِيّ يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تُحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ويعلم به عدوّهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم؛ فكان ذلك آية له خُصّ بها بعد أن كانت نبوّته ثابتة بخبر موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، على ما يُقال. والله أعلم. وفي هذا الحديث يقول عليه السَّلام: « حديث : فلم تحِل الغنائم لأحد من قبلنا » تفسير : ذلك بأنّ الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. وهذا يردّ قول من قال في تأويل قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} إنه تحليل الغنائم والآنتفاع بها. وممن قال إن موسى عليه الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأَوِدي، وزاد: وهارون؛ وكانا خرجا في التّيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات: قالوا: كذبت ولكنك قتلته لحبنا له، وكان مُحَبّاً في بني إسرائيل؛ فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتاً ولم تقتله؛ فٱنطلق بهم إلى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا؛ ولكني مت؛ قال: فعد إلى مَضْجَعك؛ وانصرف. وقال الحسن: إن موسى لم يمت بالتّيه. وقال غيره: إن موسى فتح أريحاء، وكان يوشع على مقدّمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق. قال الثعلبي: وهو أصح الأقاويل. قلت: قد رَوى مسلم عن أبي هُرَيرة قال:حديث : أُرْسِل ملَك الموت إلى موسى عليه الصلاة و السلام فلما جاءه صَكَّه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» قال: فردّ الله إليه عَينَه وقال: «ارجع إليه فقل له يضع يده على مَتْن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة» قال: أي رب ثم مَهْ»، قال: «ثم الموت» قال: «فالاۤن» فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» تفسير : فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائماً يصلى كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهوراً عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يُعبد، والله أعلم. ويعني بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطُّور مكان الطريق. وٱختلف العلماء في تأويل لَطْم موسى عين ملك الموت وفَقْئها على أقوال؛ منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل؛ لأنه يؤدّي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له. ومنها: أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ومنها: أنه عليه السلام لم يعرف مَلَك الموت، وأنّهُ رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها؛ وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن. وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصّك؛ قاله الإمام أبو بكر ابن خزيمة، غير أنه ٱعترض عليه بما في الحديث؛ وهو أن مَلَك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صَدَق القول من مَلَك الموت؛ وأيضاً قوله في الرواية الأخرى: «أجب ربك» يدّل على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب، إذا غضِب طلع الدّخان من قَلَنْسُوته ورفع شعرُ بدنه جبته، وسرعة غضبه كانت سبباً لصَكِّه مَلَك الموت. قال ٱبن العربي: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ٱبتداء مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه الصلاة و السلام عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمِر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من: « حديث : أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيِّره » تفسير : فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوّة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه ٱمتحاناً لمَلك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه مَلَك الموت فخيّره بين الحياة والموت ٱختار الموت وٱستسلم. والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصاً وأخباراً الله أعلم بصحتها. وفي الصحيح غُنْيَة عنها. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة؛ فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: «كشاة تسلخ وهي حية». وهذا صحيح معنى؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « حديث : إن للموت سكرات » تفسير : على ما بيناه في كتاب «التذكرة». وقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا تحزن. والأسى الحزن؛ أسِيَ يَأَسَى أَسىً أي حزِن؛ قال: شعر : يقولـون لا تـهلِك أسـىً وَتحمَّـلِ

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء} فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء. {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} أي وجعل منكم أو فيكم، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهموا بقتل عيسى، وقيل: لما كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله وجعلهم مالكين لأنفسهم وأمورهم سماهم ملوكاً. {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ} من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى ونحوها مما آتاهم الله، وقيل: المراد بالعالمين عالمي زمانهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام فيما ذكر به قومه من نعم الله عليهم وآلائه لديهم؛ في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة؛ لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ} أي: كلما هلك نبي، قام فيكم نبي، من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء، يدعون إلى الله، ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى ابن مريم عليه السلام، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: وجعلكم ملوكاً، قال: الخادم والمرأة والبيت. وروى الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضاً عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس قال: المرأة والخادم {وَءَاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار، سمي ملكاً. وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانىء أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِّيَّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادماً، قال: فأنت من الملوك. وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار، رواه ابن جرير. ثم روي عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحواً من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران. وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم، واستؤذن عليه، فهو ملك. وقال قتادة: كانوا أول من اتخذ الخدم. وقال السدي في قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} قال: يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كتب ملكاً، وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير: حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد بن أسلم يقول: وجعلكم ملوكاً، فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان له بيت وخادم فهو ملك»تفسير : ، وهذا مرسل غريب، وقال مالك: «حديث : بيت وخادم وزوجة»تفسير : . وقد ورد في الحديث: «حديث : من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»تفسير : وقوله: {وَءَاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} يعني: عالمي زمانكم، فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ على العالمين} تفسير : [الجاثية: 16] وقال تعالى إخباراً عن موسى لما قالوا: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأعراف:138-140] والمقصود أنهم كانوا أفضل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجاً، وأكرم نبياً، وأعظم ملكاً، وأغزر أرزاقاً، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأوسع مملكة، وأدوم عزاً. قال الله تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110] من سورة آل عمران. وروى ابن جرير عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: {وَءَاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ}: يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: {وَءَاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً} مع هذه الأمة، والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا، وقيل: المراد: وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين، يعني بذلك: ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، ويظللهم به من الغمام، وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم. ثم قال تعالى مخبراً عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قوماً من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها، وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى عليه السلام بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه، والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنة؛ عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى. فقال تعالى مخبراً عن موسى أنه قال: يا قومي ادخلوا الأرض المقدسة، أي: المطهرة. وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ادخلوا الأرض المقدسة، قال: هي الطور وما حوله، وكذا قال مجاهد وغير واحد. وروى سفيان الثوري عن أبي سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هي أريحاء، وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين، وفي هذا نظر، لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون، إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير عنه، لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس. وقوله تعالى: {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم، {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ} أي: ولا تنكلوا عن الجهاد {فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ} { قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ} أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوماً جبارين، أي: ذوي خلق هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم، ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ماداموا فيها، فإن يخرجوا منها، دخلناها، وإلا، فلا طاقة لنا بهم. وقد قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان قال: قال أبو سعيد: قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عيناً، من كل سبط منهم عين؛ ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمراً عظيماً؛ من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، وينظر إلى آثارهم، فتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم، أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب بهم إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا، فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وفي هذا الإسناد نظر. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلاً، وهم النقباء الذين ذكرهم الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم: هذا قدر فاكهتهم، فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما رأوا، فلما أمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم وقتالهم، قالوا: يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد ابن الهادي، حدثني يحيى بن عبد الرحمن، قال: رأيت أنس بن مالك أخذ عصاه، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين، أو خمساً وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق. وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخباراً من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق، ابن بنت آدم عليه السلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعاً، وثلث ذراع تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله خلق آدم، وطوله ستون ذراعاً، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» تفسير : ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافراً، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحاً دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال:{أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26] وقال تعالى: { فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَـٰقِينَ } وقال تعالى: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} تفسير : [هود: 43] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم. وقوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله، ومتابعة رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله، ويخشى عقابه، وقرأ بعضهم: {قالَ رجلانِ من الذينَ يُخافونَ} أي: ممن لهم مهابة وموضع من الناس، ويقال: إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وعطية والسدي، والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله. فقالا: {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن توكلتم على الله، واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم، وأيدكم وأظفركم بهم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئاً، { قَالُواْ يَـٰمُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر، سجد موسى وهارون عليهما السلام قدام ملأ من بني إسرائيل؛ إعظاماً لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم، وخطر جليل، وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاؤوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة، والبيض واليلب، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أشيروا علي أيها المسلمون» تفسير : وما يقول ذلك، إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر، استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إذاً لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد، لاتبعناك، ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل، عن أنس به، ورواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن خالد ابن الحارث، عن حميد، به، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد، عن معمر بن سليمان، عن حميد، به. وقال ابن مردويه: أنبأنا عبد الله بن جعفر، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا محمد بن شعيب عن الحكم بن أيوب، عن عبد الله بن ناسخ، عن عتبة ابن عبد السلمي، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : ألا تقاتلون» تفسير : ؟ قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون، وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني سفيان عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق، هو ابن شهاب: أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد شهدت من المقداد مشهداً؛ لأن أكون أنا صاحبه، أحب إليّ مما عدل به، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو على المشركين، فقال: والله يارسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرق لذلك، وسر بذلك. وهكذا رواه البخاري في المغازي وفي التفسير من طرق عن مخارق به، ولفظه في كتاب التفسير: عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر: يارسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} ولكن امض، ونحن معك، فكأنه سرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال البخاري: رواه وكيع عن سفيان، عن مخارق، عن طارق: أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: «حديث : إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت» تفسير : فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتابعوا على ذلك، وهذا إن كان محفوظاً يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ؛ كما قاله يوم بدر. وقوله: { قَالَ رَبِّ إِنِّى لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال، غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال داعياً عليهم: {رَبِّ إِنِّى لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى} أي: ليس أحد يطيعني منهم، فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما دعوت إليه، إلا أنا وأخي هارون، {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} قال العوفي عن ابن عباس: يعني: اقض بيني وبينهم، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، وقال غيره: افرق: افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر:شعر : يا رَبِّ فافْرُقْ بينَهُ وبَيْنِي أَشَدَّ ما فَرَقْتَ بينَ اثْنَيْنِ تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} الآية، لما دعا عليهم موسى عليه السلام حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله بتحريم دخولها عليهم مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه، يسيرون دائماً لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة؛ من تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه، انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عيناً تجري، لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك نزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان، قال يزيد بن هارون عن أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} الآية، قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهذا قطعة من حديث الفتون، ثم كانت وفاة هارون عليه السلام، ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة موسى عليه السلام، وأقام الله فيهم يوشع بن نون عليه السلام نبياً خليفة عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب، ومن ههنا قال بعض المفسرين في قوله {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} هذا وقف تام، وقوله: {أَرْبَعِينَ سَنَةً} منصوب بقوله: {يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} فلما انقضت المدة، خرج بهم يوشع بن نون عليه السلام، أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس، فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي، فحبسها الله تعالى حتى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بين المقدس، أن يدخلوا بابها سجداً، وهم يقولون: حطة، أي: حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وهو يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنه، قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} قال: فتاهوا أربعين سنة، قال: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها، ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار، فلم تأته، فقال: فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلاً، فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول عندك، فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلته، وهذا السياق له شاهد في الصحيح. وقد اختار ابن جرير أن قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} هو العامل في أربعين سنة، وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى عليه السلام، ففتح بهم بيت المقدس، ثم احتج على ذلك من قال بإجماع علماء أخبار الأولين، أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام، قال: فلو كان قتله إياه قبل التيه، لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنه كان بعد التيه، قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال: وما ذاك إلا بعد التيه؛ لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه، هذا استدلاله، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس عن ابن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب، فأصاب كعب عوج، فقتله، فكان جسراً لأهل النيل سنة، وروي أيضاً عن محمد بن بشار: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن نوف، هو البكالي قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجاً، فأصاب كعبه، فسقط ميتاً، وكان جسراً للناس يمرون عليه. وقوله تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تسلية لموسى عليه السلام عنهم، أي: لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به، فإنهم مستحقون ذلك، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء، ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون؛ لتقر به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غيهم يتردّدون، وهم البغضاء إلى الله، وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد في جميع الوجود.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ } أي منكم {أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } أصحاب خدم وحشم {وَءَاتَٰكُمْ مَّالَمْ يُؤْتِ أَحَدَاً مِنَ ٱلْعَـٰلَمينَ} من المنّ والسلوى وَفْلقِ البحر وغير ذلك.

الشوكاني

. تفسير : هذه الآيات متضمنة للبيان من الله سبحانه، بأن أسلاف اليهود الموجودين في عصر محمد صلى الله عليه وسلم تمرّدوا على موسى، وعصوه، كما تمرّد هؤلاء على نبينا صلى الله عليه وسلم وعصوه، وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم. وروي عن عبد الله بن كثير أنه قرأ "يا قوم اذكروا" بضم الميم، وكذا قرأ فيما أشبهه، وتقديره: يا أيها القوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء: أي وقت هذا الجعل، وإيقاع الذكر على الوقت مع كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة؛ لأن الأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما وقع فيه بطريق الأولى، وامتنّ عليهم سبحانه بجعل الأنبياء فيهم مع كونه قد جعل أنبياء من غيرهم، لكثرة من بعثه من الأنبياء منهم قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } أي: وجعل منكم ملوكاً، وإنما حذف حرف الجرّ لظهور أن معنى الكلام على تقديره، ويمكن أن يقال: إن منصب النبوّة لما كان لعظم قدره وجلالة خطره بحيث لا ينسب إلى غير من هو له قال فيه: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قال به، كما تقول قرابة الملك: نحن الملوك، قال فيه {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } وقيل المراد بالملك: أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون، فهم جميعاً ملوك بهذا المعنى. وقيل معناه: أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن؛ وقيل غير ذلك. والظاهر أن المراد من الآية الملك الحقيقي، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى. فإن قلت: قد جعل غيرهم ملوكاً كما جعلهم. قلت: قد كثر الملوك فيهم كما كثر الأنبياء، فهذا وجه الامتنان. قوله: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} أي: من المنّ والسلوى، والحجر والغمام، وكثرة الأنبياء، وكثرة الملوك، وغير ذلك. والمراد عالمي زمانهم. وقيل إن الخطاب ها هنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عدول عن الظاهر لغير موجب، والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين، من أنه من كلام موسى لقومه، وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيداً لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدّسة. وقد اختلف في تعيينها؛ فقال قتادة: هي الشام، وقال مجاهد: الطور وما حوله، وقال ابن عباس والسدّي وغيرهما: أريحاء، وقال الزجاج: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده. والمقدسة: المطهرة، وقيل المباركة: {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } أي: قسمها وقدّرها لهم في سابق علمه، وجعلها مسكناً لكم {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } أي: لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي، وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين، جبناً وفشلا {فَتَنقَلِبُواْ } بسبب ذلك {خَـٰسِرِينَ } لخير الدنيا والآخرة. {قَالُواْ يامُوسَىٰ إِن} قال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد، وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه، فإنه يجبر غيره على ما يريده، يقال أجبره: إذا أكرهه؛ وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه، ثم استعمل في كل من جرّ إلى نفسه نفعاً بحق أو باطل، وقيل: إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. قال الفراء: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، جبار من أجبر، ودراك من أدرك. والمراد هنا: أنهم قوم عظام الأجسام طوال متعاظمون؛ قيل هم قوم من بقية قوم عاد؛ وقيل هم من ولد عيص بن إسحاق؛ وقيل هم من الروم: ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط، وعنق هي بنت آدم، قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع. قال ابن كثير: وهذا شيء يستحيا من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً ثم لم يزل الخلق ينقص» تفسير : ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافراً، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحاً دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: {أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26]، وقال تعالى: {أية : فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُون ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَـٰقِينَ }تفسير : [الشعراء: 119، 120] وقال تعالى: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} تفسير : [هود: 43]. وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم، انتهى كلامه. قلت: لم يأت في أمر هذا الرجل ما يقتضي تطويل الكلام في شأنه، ما هذا بأوّل كذبة اشتهرت في الناس، ولسنا ملزومين بدفع الأكاذيب التي وضعها القصاص، ونفقت عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا، وأقاصيص كلها حديث خرافة، وما أحق من لا تمييز عنده لفنّ الرواية ولا معرفة به أن يدع التعرّض لتفسير كتاب الله، ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها، من كتب القصاص. قوله: {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دٰخِلُونَ } هذا تصريح بما هو مفهوم من الجملة التي قبل هذه الجملة، لبيان أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب. قوله: {قَالَ رَجُلاَنِ } هما: يوشع وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا، وكانا من الاثنى عشر نقيباً كما مرّ بيان ذلك. وقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ } أي: يخافون من الله عزّ وجلّ؛ وقيل: من الجبارين أي: هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون من الجبارين؛ وقيل من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. وقيل: إن الواو في {يَخَافُونَ } لبني إسرائيل: أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير «يخافون» بضم الياء: أي يخافهم غيرهم. قوله: {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا } في محل رفع على أنه صفة ثانية لرجلان، بالإيمان، واليقين بحصول ما وعدوا به من النصر والظفر: {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ } أي: باب بلد الجبارين، {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ } قالا هذه المقالة لبني إسرائيل. والظاهر: أنهما قد علما بذلك من خبر موسى، أو قالاه ثقة بوعد الله، أو كانا قد عرفا أن الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفاً ورعباً. {قَالُواْ } أي: بنو إسرائيل لموسى: {إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا } وكان هذا القول منهم فشلاً وجبناً، أو عناداً وجرأةً على الله وعلى رسوله {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } قالوا هذا جهلاً بالله عزّ وجل وبصفاته وكفراً بما يجب له، أو استهانة بالله ورسوله؛ وقيل: أرادوا بالذهاب الإرادة والقصد؛ وقيل أرادوا بالربّ هارون، وكان أكبر من موسى، وكان موسى يطيعه: {إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } أي: لا نبرح ها هنا لا نتقدّم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع؛ وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر {قَالَ } موسى {رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } يحتمل أن يعطف وأخي على نفسي، وأن يعطف على الضمير في {إِنّى } أي: إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه، قال هذا تحسراً وتحزناً واستجلاباً للنصر من الله عزّ وجلّ {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي: افصل بيننا: يعني نفسه وأخاه، وبين القوم الفاسقين، وميزنا عن جملتهم، ولا تلحقنا بهم في العقوبة؛ وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم؛ وقيل إنما أراد في الآخرة، وقرأ عبيد بن عمير "فَٱفْرُقْ" بكسر الراء {قَالَ فَإِنَّهَا } أي: الأرض المقدّسة {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين {أَرْبَعِينَ سَنَةً } ظرف للتحريم: أي: أنه محرّم عليهم دخولها هذه المدّة لا زيادة عليها، فلا يخالف هذا التحريم ما تقدّم من قوله: {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } فإنها مكتوبة لمن بقي منهم بعد هذه المدّة؛ وقيل: إنه لم يدخلها أحد ممن قال {إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا } فيكون توقيت التحريم بهذه المدّة باعتبار ذراريهم؛ وقيل: إن {أَرْبَعِينَ سَنَةً } ظرف لقوله {يَتِيهُونَ فِى ٱلأرْضِ } أي: يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقاً. والموقت: هو التيه، وهو في اللغة الحيرة، يقال منه تاه يتيه تيهاً أو توهاً إذا تحير، فالمعنى: يتحيرون في الأرض؛ قيل: إن هذه الأرض التي تاهوا فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لا قرار لهم. واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهارون أم لا؟ فقيل: لم يكونا معهم، لأن التيه عقوبة؛ وقيل: كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم. وقد قيل كيف يقع هذا لجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض اليسيرة، في هذه المدّة الطويلة؟ قال أبو علي: يكون ذلك بأن يحوّل الله الأرض التي هم عليها إذا تاهوا إلى المكان الذي ابتدأوا منه، وقد يكون بغير ذلك من الأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة للعادة. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } قال: ملكهم الخدم، وكانوا أوّل من ملك الخدم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل من بني إسرائيل، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار سمي ملكاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال: الزوجة والخادم والبيت. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عنه أيضاً في قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } قال: المرأة والخدم {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً»تفسير : . وأخرج ابن جرير، والزبير بن بكار في الموقفيات، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله: «حديث : من كان له بيت وخادم فهو ملك»تفسير : . وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال: قال رسول الله: «حديث : زوجة ومسكن وخادم»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سأله رجل: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال: "حديث : ألك امرأة تأوي إليها؟" تفسير : قال نعم، قال: "حديث : ألك مسكن تسكنه؟"تفسير : قال نعم، قال: "حديث : فأنت من الأغنياء"تفسير : ، قال: إن لي خادماً، قال: "حديث : فأنت من الملوك"تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } قال: جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} قال: المنّ والسلوى، والحجر والغمام. وقد ثبت في الحديث الصحيح: «حديث : من أصبح منكم معافى في جسده آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»تفسير : وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ } قال: الطور وما حوله. وأخرج عنه أيضاً قال: هي أريحاء. وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال: هي ما بين العريش إلى الفرات. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة قال: هي الشام. وأخرج ابن جرير عن السدّي في قوله: {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } قال: التي أمركم الله بها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحجّ والعمرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عيناً من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيماً من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم فجاء صاحب الحائط؛ ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول: اكتم عني، فأشيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ } وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم، ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص، كما قدّمنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَٱفْرُقْ } يقول: اقض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه يقول: افصل بيننا وبينهم. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } قال: أبداً، وفي قوله: {يَتِيهُونَ فِى ٱلأرْضِ } قال: أربعين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع ابن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة، فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب، فخشى إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس إني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقرّبوه إلى النار فلم تأت، فقال: فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلاً، فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ} فيهم قولان. أحدهما: أنهم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى. والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى. {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: لأنهم مَلَكوا أنفسهم بأن خلصهم من استعباد القبط لهم، وهذا قول الحسن. والثاني: لأن كل واحد ملك نفسه وأهله وماله، وهذا قول السدي. والثالث: لأنهم كانوا أول من ملك الخدم من بني آدم، وهو قول قتادة. والرابع: أنهم جُعِلُوا ملوكاً بالمَنِّ والسَّلْوَى والحَجَر، وهذا قول ابن عباس. والخامس: أن كل من ملك داراً وزوجة وخادماً، وفهو ملك من سائر الناس، وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن، وزيد بن أسلم. وقد روى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان له بيت [يأوي إليه وزوجة] وخادم، فهو ملك ". تفسير : {وءَاتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} فيه قولان: أحدهما: المن والسلوى والغمام والحجر، وهو قول مجاهد. الثاني: كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم. قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الأرْضَ الْمُقدَّسَةَ الَّتِي كتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أرض بيت المقدس، وهذا قول ابن عباس، والسدي. والثاني: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وهذا قول الزجاج. والثالث: هي الشام، وهذا قول قتادة، ومعنى المقدسة: المطهرة. وقوله: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} وإن قال: {إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم} لأنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرَّمها عليهم بعد معصيتهم. {وَلاَ تَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا عن الارض التي أمرتم بدخولها. قوله تعالى: {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} والجبار: هو الذي يَجْبُر الناس على ما يريد إكراههم عليه، ومنه جَبْرُ العظم، لأنه كالإكراه على الصلاح، ويقال [للأعواد التي] تحمله جُبَارة، إذا قامت اليد طولاً، لأنها امتنعت كامتناع الجبار من الناس. وقيل بلغ من جبروت هؤلاء القوم، أن واحداً منهم، أخذ الاثني عشر نقيباً، الذين بعثهم موسى، ليخبروه بخربهم، فحملهم مع فاكهة حملها من بستانه، وجاء فنشرهم بين يدي الملك، وقال: هؤلاء يريدون أن يقاتلونا، فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا. قوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} فيه قولان: أحدهم: يخافون الله، وهو قول قتادة. الثاني: يخافون الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق. {أَنْعََمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} فيه تأويلان: أحدهما: بالتوفيق للطاعة. والثاني: بالإِسلام، وهو قول الحسن. وفي هذين الرجلين قولان: أحدهما: أنهما من النقباء يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهذا قول ابن عابس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: أنهما رجلان، كانا في مدينة الجبارين أنعم الله عليهما بالإِسلام، وهذا مروي عن ابن عباس. {ادْخُلُواْ عَلَيْهِمْ الْبَابَ فإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} فيه تأويلان: أحدهما: إنما قالوه لعلمهم بأن الله كتبها لهم. والثاني: لعلمهم بأن الله ينصرهم على أعادئه، ولم يمنعهم خوفهم من القول الحق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الحَقَّ إِذَا رَآهُ أَوْ عَلِمَهُ فَإِنَّهُ لاَ يُبْعِدُ مِنْ رِزْقٍ وَلاَ يُدْنِي مِنْ أَجَلٍ ".

ابن عطية

تفسير : المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغير كتبهم ليحققوا نبوتك وينتظم في ذلك نعم الله عليهم وتلقيهم تلك النعم بالكفر وقلة الطاعة والإنابة. وقرأ ابن محيصن "يا قومُ" بالرفع وكذلك حيث وقع من القرآن. وروي ذلك عن ابن كثير. و {نعمة الله} هنا اسم الجنس، ثم عدد عيون تلك النعم، والأنبياء الذين جعل فيهم أمرهم مشهور من لدن إسرائيل إلى زمان عيسى عليه السلام والأنبياء حاطة ومنقذون من النار وشرف في الدنيا والآخرة. وقوله: {وجعلكم ملوكاً} يحتمل معاني أحدها أن يعدد عليهم ملك من ملك من بني إسرائيل لأن الملوك شرف في الدنيا وحاطة من نوائبها، والمعنى الآخر: أن يريد استنقذكم من القبط الذين كانوا يستخدمونكم فصرتم أحراراً تملكون ولا تملكون، فهم ملوك بهذا الوجه وبنحو هذا فسر السدي وغيره. وقال قتادة إنما قال: {وجعلكم ملوكاً} لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدمة أحد من بني آدم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل. وظاهر أمر بني آدم أي بعضهم كان يسخر بعضاً مذ تناسلوا وكثروا، وإنما اختلفت الأمم في معنى التملك فقط، وقال عبد الله ابن عمرو بن العاصي والحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم من كان له مسكن وامرأة وخادم فهو ملك، وقيل من له مسكن لا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك، وقوله تعالى: {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} قال فيه أبو مالك وسعيد بن جبير: الخطاب هو من موسى عليه السلام لقومه، ثم اختلف المفسرون ماذا الذي أوتوا ولم يؤت أحد مثله؟ فقال مجاهد، المن والسلوى والحجر والغمام، وقال غيره: كثرة الأنبياء. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا في كثرة الأنبياء فالعالمون على العموم والإطلاق، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى فالعالمون مقيدون بالزمان الذي كانوا فيه، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد عليه السلام أكثر من ذلك، قد ظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه، وكلمته الحجارة والبهائم، وأقبلت إليه الشجرة وحن الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه وشبع كثير من الناس من قليل الطعام ببركته، وانشق له القمر، وعاد العود سيفاً، ورجع الحجر المعترض في الخندق رملاً مهيلاً. قال القاضي أبو محمد: وهذا المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى يتعزز ويأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع شأنه، و {المقدسة} معناه المطهرة، وقال مجاهد: المباركة. قال القاضي أبو محمد: والبركة تطهير من القحوط والجوع ونحوه. واختلف الناس في تعيينها، فقال ابن عباس ومجاهد هي الطور وما حوله، وقال قتادة: هي الشام، وقال ابن زيد: هي أريحاء وقاله السدي وابن عباس أيضاً، وقال قوم: هي الغوطة وفلسطين وبعض الأردن، قال الطبري: ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش مصر. قال القاضي أبو محمد: وتظاهرت الروايات أن دمشق هي قاعدة الجبارين، وقوله {التي كتب الله لكم} معناه التي "كتب الله" في قضائه وقدره أنها لكم ترثونها وتسكنونها مالكين لها، ولكن فتنتكم في دخولها بفرض قتال من فيها عليكم تمحيصاً وتجربة، ثم حذرهم موسى عليه السلام الارتداد على الأدبار، وذلك الرجوع القهقرى، ويحتمل أن يكون تولية الدبر والرجوع في الطريق الذي جيء منه، والخاسر: الذي قد نقص حظه. ثم ذكر عز وجل عن بني إسرائيل أنهم تعنتوا ونكصوا فقالوا {إن فيها قوماً جبارين}. والجبار فعال من الجبر كأنه لقوته وغشمه وبطشه يجبر الناس على إرادته، والنخلة الجبارة العالية التي لا تنال بيد، وكان من خبر الجبارين أنهم كانوا أهل قوة فلما بعث "موسى" الأثني عشر نقيباً مطلعين على أمر الجبارين وأحوالهم رأوا لهم قوة وبطشاً وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم فجاؤوا بني إسرائيل ونقضوا العهد في أن أخبروهم بحال {الجبارين} حسبما قدمناه في ذكر بعث النقباء، ولم يف منهم إلا يوشع بن نوف وكالب بن يوفنا، ثم إن بني إسرائيل كعوا وجبنوا وقالوا: كوننا عبيداً للقبط أسهل من قتال هؤلاء، وهم كثير منهم أن يقدموا رجلاً على أنفسهم ويصير بهم إلى أرض مصر مرتدين على الأعقاب، ونسوا أن الله تعالى إذا أيد الضعيف غلب القوي وأخبروا "موسى" أنهم لن يدخلوا الأرض ما دام الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يخرج الله الجبارين بجند من عنده وحينئذ يدخل بنو إسرائيل.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنبِيَآءَ} الذين جاءوا بعد موسى صلى الله عليه وسلم أو السبعون الذين اختارهم موسى صلى الله عليه وسلم. {مُّلُوكاً} لأنفسكم بالتخليص من استعباد القبط، أو كل واحد ملك لنفسه وأهله وماله، أو كانوا أول من ملك الخَدم من بني آدم، أو جُعلوا ملوكاً بالمنّ والسلوى والحجر، أو كل من ملك داراً وزوجة وخادماً فهو ملك من سائر الناس. {مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً} المنّ والسلوى والغمام والحجر، أو كثرة الأنبياء والآيات التي جاءتهم.

النسفي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد الجبابرة ملكهم، ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار وكانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية. وقيل: من له بيت وخدم، أو لأنهم كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله فسمي إنقاذهم ملكاً {وَءاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } من فلق البحر وإغراق العدو وإنزال المن والسلوى وتظليل الغمام ونحو ذلك من الأمور العظام أو أراد عالمي زمانهم {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } أي المطهرة أو المباركة وهي أرض بيت المقدس أو الشام {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } قسمها لكم أو سماها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبناً أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا } بالقتال {حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا } بغير قتال {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } بلا قتال {فَإِنَّا دٰخِلُونَ } بلادهم حينئذ {قَالَ رَجُلاَنِ } كالب ويوشع {من الّذين يخافونَ} الله ويخشونه كأنه قيل رجلان من المتقين وهو في محل الرفع صفة لـ «رجلان» وكذا {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا } بالخوف منه {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ } أي باب المدينة {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ } أي انهزموا وكانت الغلبة لكم، وإنما علما ذلك بإخبار موسى عليه السلام {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه وهو قطع العلائق وترك التملق للخلائق {قَالُواْ يَـٰمُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا } هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد {أَبَدًا } تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول {مَّا دَامُواْ فِيهَا } بيان للأبد {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ } من العلماء من حمله على الظاهر. وقال: إنه كفر منهم وليس كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً وكفروا به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء، ولكن الوجه فيه أن يقال: فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك، أو وربك أي وسيدك وهو أخوك الأكبر هارون، أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما تقول «كلمته فذهب يجيبني» تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا أريدا قتالهم: {فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم فلما عصوه وخالفوه {قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ } لنصرة دينك {إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } وهو منصوب بالعطف على «نفسي» أو على اسم «إن» أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه، أو مرفوع بالعطف على محل «إن» واسمها، أو على الضمير في «لا أملك» وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا نفسه، أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي وأخي كذلك، وهذا من البث والشكوى إلى الله ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة وكأنه لم يثق بالرجلين المذكورين كل الوثوق فلم يذكر إلا النبي المعصوم، أو أراد ومن يؤاخيني على ديني {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله وهو في معنى الدعاء عليهم، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: {أية : وَنَجّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [التحريم: 11]. {قَالَ فَإِنَّهَا } أي الأرض المقدسة {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله {أية : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ } تفسير : [القصص: 12]. والمراد بقوله «كتب الله لكم» أي بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل: فإنها محرمة عليهم، أو المراد فإنها محرمة عليهم: {أَرْبَعِينَ سَنَةً } فإذا مضى الأربعون كان ما كتب فقد سار موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتحها وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض. و «أربعين» ظرف التحريم والوقف على سنة أو ظرف {يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ } أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً أربعين سنة والوقف على «عليهم». وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم المكث فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ. ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون. قيل: لم يكن موسى وهارون معهم في التيه لأنه كان عقاباً وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم. وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلاماً لا عقوبة. ومات هارون في التيه، وموسى فيه بعده بسنة، ومات النقباء في التيه إلا كالب ويوشع. ثم أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقص على حاسديه ما جرى بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا بقوله:

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {جبارين} بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان {فلا تاس} بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف. الوقوف: {ملوكاً} ز {جبارين} ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول. {حتى يخرجوا منها} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. {داخلون} ه {الباب} ج لذلك. {غالبون} ه {مؤمنين} ه {قاعدون} ه {الفاسقين} ه {سنة} ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله {الفاسقين} ه. التفسير: وجه النظم أنه سبحانه كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل. منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: {إذ جعل فيكم أنبياء} وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء. وثانيها قوله: {وجعلكم ملوكاً} قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً. وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه. وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس. وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك. وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً. وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه. وثالثها: {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم. وقيل: أراد عالمي زمانهم. روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال الله تعالى له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك. وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد. ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي. فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة. قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا. فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم. فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم. والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك. وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك. وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء. ثم إنها ما هي؟ فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء. وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: بيت المقدس. وقيل: الشام ومعنى {كتب الله لكم} وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها. قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم. وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب. وفي قوله:{كتب الله لكم} تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم. {ولا ترتدوا على أدباركم} لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى عليه السلام وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها. فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر {فتنقلبوا خاسرين} في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة. والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج. قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك. ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها. والقوم الاستبعاد {إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} كقوله تعالى: {أية : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} تفسير : [الأعراف:40] {قال رجلان} هما يوشع وكالب {من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما} أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل {أنعم الله} مرفوع صفة لرجلان. ويحتمل أن يكون جملة معترضة. قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في {يخافون} لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ {ادخلوا عليهم الباب} مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى عليه السلام في قهر أعدائه خاصة {وعلى الله فتوكّلوا} الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها. والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله {إن كنتم مؤمنين} مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى {قالوا إنّا لن ندخلها} نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: {أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك} قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله تعالى أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة. وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى. وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه. قوله {فقاتلا} ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة. ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث {ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي} قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في {أملك} أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا. والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين. {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: {أية : ونجني من القوم الظالمين} تفسير : [التحريم:11] أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: {فإنها} أي الأرض المقدسة {محرمة عليهم أربعين سنة} ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة. أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين. عن مقاتل أن موسى عليه السلام لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: {فلا تأس} أي لا تحزن ولا تندم {على القوم الفاسقين} فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم. وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم. واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا. وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله تعالى سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً. ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون عليه السلام مات في التيه ومات موسى عليه السلام بعده فيه بسنة، ودخل يوشع عليه السلام أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع. ومنهم من قال: بل بقي موسى عليه السلام بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله تعالى أعلم. واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ. وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً. وقيل: ستة في اثني عشر. وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس. ثم الأكثرون على أنّ قوله: {فإنها محرمة} تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه. ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟ والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها. وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه تعالى أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال. التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله تعالى للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله تعالى ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: {أية : حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة} تفسير : [الأحقاف:15] وفي الآية نكتة هي أنّ موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" تفسير : اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ...} الآية: المعنَىٰ: واذكُرْ لهم، يا محمَّد؛ على جهة إعلامهم بغيب كتبهم؛ ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ}: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}، أي: فيكم ملوكاً؛ لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، {وَءَتَـٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، قال مجاهد: هو المَنُّ والسَّلْوَىٰ، والحَجَر، والغَمَام، وقال غيره: كثرة الأنبياء؛ وعلَىٰ هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المُؤْتَىٰ هو آيات موسَىٰ، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم؛ لأنَّ ما أوتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم من آيات اللَّه أكْثَرُ من ذلك، و {ٱلْمُقَدَّسَةَ} معناه: المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله، وقال قتادة: هي الشام، قال الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ. قال * ع *: وتظاهرت الرواياتُ؛ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرَىٰ، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل؛ أنهم تعنَّتوا ونَكصُوا، قالوا يا موسى: {إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ}، والجَبَّار: من الجَبْر؛ كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس علَىٰ إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين؛ أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسَىٰ الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم علَىٰ أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسَىٰ؛ ليرَىٰ فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر؛ حتى ٱعْوَجَّ أمْرُ بني إسرائيل، وقالوا: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} تفسير : [المائدة:24]، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، ويقال فيه: «كَالُوث» (بثاء مثلَّثة).

ابن عادل

تفسير : الواو في قوله: "وَإذْ قَالَ" واو عَطْفٍ، وهو مُتَّصِلٌ بقوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} تفسير : [المائدة: 12]، كأنَّهُ قيل: أخَذَ عَليْهِم الميثاق، وذكر مُوسى نِعَم الله وأمَرَهُم بمحارَبةِ الجَبَّارين، فَخَالَفُوا المِيثَاقَ، وخالَفُوا في مُحَارَبَة الجَبَّارين. واعلم: أنَّه تعالى مَنَّ عليهم بثلاثَةِ أمُورٍ: أوَّلها: جعل فيهم أنْبيَاء؛ لأنَّهُ ما بَعَثَ في أمَّة ما بَعَث في بَنِي إسْرائيل من الأنْبِيَاء، فمنهم السَّبْعُون الذين اخْتَارَهُم مُوسَى من قَوْمِه فانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، وكانوا من أوْلاَدِ يَعْقُوبَ بن إسْحَاق بن إبراهيم، وهؤلاءِ الثَّلاثةُ من أكَابِر الأنْبِياء بالاتِّفَاق، وأوْلاَدُ يَعْقُوب - أيضاً - كانوا أنْبِيَاء على قَوْل الأكْثَرِين، والله تعالى أعلم مُوسَى أنَّهُ لا يَبْعَثُ من الأنْبِيَاء إلا من وَلَدِ يَعْقُوب ومن وَلَدِ إسْمَاعيل، [فهذا الشَّرَفُ] حَصَلَ بمن مَضَى من الأنْبِيَاء، وبالَّذِين كانوا حَاضِرِين مع مُوسَى، وبالَّذين أخْبر الله مُوسَى أنَّه يَبْعَثُهُم من وَلَدِ يَعْقُوب وإسْمَاعِيلَ بعد ذَلِك. وثانيها: قوله "وَجَعلَكُمْ مُلُوكاً"، قال ابن عبَّاس: أصْحَاب خدم وحَشَمٍ. قال قتادةُ: كانوا أوَّل من مَلَك الخدم، ولم يَكُنْ قَبْلَهم خَدَمٌ، وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان بنو إسرائيل إذا كان لأحَدٍ خَادِمٌ وامْرَأةٌ ودَابَّة يُكْتَبُ مَلِكاً ". تفسير : وقال أبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمي: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْن عمرو بن العَاصِ، وسأله رَجُل فَقالَ: ألَسْنَا فُقَراء المُسْلمين المُهَاجِرِين؟ فقال لَهُ عَبْدُ الله: "ألَكَ امْرَأةٌ تَأوِي إلَيْهَا؟ قال: نَعَمْ، قال: ألَكَ سَكَنٌ تَسْكُنُه؟ قال: نَعَمْ، قال: فأنْتَ من الأغْنِيَاء، قال: لِي خَادِمٌ، قال: فأنت من المُلُوكِ". وقال السديُّ: وجَعَلكُمْ [مُلُوكاً] أحراراً تَمْلِكُون أمْرَ أنفُسِكُمْ، بَعْدَما كُنْتُم في أيْدِي القبطِ يَسْتَعْبِدُونَكُمْ. وقال الضَّحَّاك: كانت مَنَازِلُهُمْ واسِعَة، فيها مِيَاهٌ جَارِيَةٌ، فمن كان مَسْكَنُهُ واسِعاً وفيه نهرٌ جارٍ، فهو مَلِكٌ. وقيل: إنَّ كل من كان رسُولاً ونَبِيّاً كان مَلِكاً؛ لأنَّه يَمْلِكُ أمْر أمَّتِهِ وكان نافِذَ الحُكْم عليهم فكان مَلِكاً، ولهذا قال تعالى: {أية : فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 54]. وقيل: كان في أسْلافِهِم وأخلافِهِم المُلُوكُ والعُظْمَاءُ، وقد يُقَال لمن حصل فيهم المُلُوك: أنْتُم ملوكٌ على سَبِيل الاسْتعارَة. قال الزَّجَّاج: المَلِكُ من لا يَدْخُل علَيْه أحدٌ إلا بإذْنِهِ. وثالثها: قوله تعالى: {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} وذلك لأنَّه تعالى خَصَّهم بأنْوَاع عَظِيمَة من الإكْرَامِ، فلق البَحْرَ لهم وأهْلك عَدُوَّهم وأوْرَثهُمْ أمْوَالهم، وأنْزَل عليهم المَنَّ والسَّلْوَى، وأخرج لهم المياه الغَزِيرَة من الحَجَرِ، وأظلَّ فَوْقَهُم الغَمام، ولَمْ يَجْتَمِع المُلْكُ والنُّبُوَّة لِقَومٍ كما اجْتَمَعَا لَهُم، وكانوا في تِلْكَ الأيَّام هُمُ العُلَمَاءُ باللَّه، وهم أحْبَابُ اللَّهِ وأنْصَار دينِهِ. ولما ذَكَر هذه النِّعَمَ وشرحَها لهم أمَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَهَاد العَدُوِّ، فقال: {يَٰقَوْمِ ادْخُلُواْ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}. وقرأ ابن مُحَيْصِن هنا وفي جميع القُرْآن "يَا قَوْمُ" مضموم الميم. وتروى قراءة عن ابن كثيرٍ [ووَجْهُهَا أنَّها] لُغَةٌ في المُنَادى المضاف إلى يَاءِ المُتَكَلِّم كَقِرَاءة {[قل] رَبِّ احْكُم بِالحَقِّ}[الأنبياء: 112]، وقد تقدَّمَت هذه [المسألة]. وقرأ ابن السمَيْفع: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا} بفتح الياء، ورُوِيَ أنَّ إبراهيم - عليه السلام - لما صعد [جَبَل لبنان]، فقال اللَّهُ تعالى له: "انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك". والأرضُ المقدَّسَةُ هي الأرْضُ المطهَّرَةُ من الآفات؛ لأنَّ التَّقْدِيس هُو التَّطْهِيرُ، وقال المُفَسِّرُون طهِّرَت من الشِّرك، وجُعِلَت مَسْكَناً وقَرَاراً للأنْبِيَاء، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ تلك الأرْض لما أمَرهُمْ مُوسى بِدُخُولها ما كانَتْ مقدَّسة عن الشِّرْك، وما كَانَتْ مَقرًّا للأنْبيَاء، وقد يُجَابُ عَنْهُ بأنَّها كَانَتْ كذلك فيما قَبْل. واختلفُوا في تلك الأرْض، فقال عِكْرِمَةُ، والسديُّ، وابنُ زَيْد: هي أريحا. وقال الكَلْبِيُّ: هي دمشق وفلسْطِين وبعض الأرْدُن، وقال الضَّحَّاك: هي إيليَا وبَيْتُ المَقْدِسِ، وقال مُجَاهِد: هي الطُّور وما حَوْلَه. وقال قتادةُ: هي الشَّامُ كُلُّها. وقال كَعْبٌ: وجَدْتُ في كتاب اللَّه المُنَزَّل [أنَّ الشَّام] كَنْزُ الله من أرْضِه، وبِها كَثْرَةٌ من عِبَادِه. وقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني: في اللَّوْح المَحْفُوظِ أنَّها لكم مَسَاكِن. وقال ابن إسحاق: وهب اللَّهُ لكم، وقيل: جعلها لكم [قال السديّ: أمَرَكُم الله بِدُخُولها]. فإن قيل: لم قال {كتبَ اللَّه لَكُم}، ثم قال {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 26]. فالجوابُ: قال ابنُ عبَّاس: كانت هِبَةً ثُمَّ حرَّمها عليهم بشُؤم تَمَرُّدِهِم وعِصْيَانِهم، وقيل: اللَّفْظ وإن كان عامًّا لكنَّ المرادُ به الخُصُوصُ، فكَأَنَّها كُتِبَتْ لِبَعْضِهِم، وَحُرِّمَتْ على بَعْضِهِم. وقيل: إنَّ الوَعْد بقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} مشروطٌ بقَيْد الطَّاعة، فلما لم يُوجَد الشَّرْط لم يُوجَد المَشْرُوط. وقيل: إنَّها مُحَرَّمةٌ عليهم أرْبَعِين سَنَة، فلما مَضَى الأرْبَعُون حصل ما كتَبَ. وفي قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} فَائِدَة، وهي أنَّ القوم وإن كانُوا جبَّارِين، إلاَّ أنَّ الله تعالى لمَّا وعد هؤلاءِ الضُّعَفَاء بأنَّ تلك الأرْضَ لهم، فإن كانوا مُؤمنين مُقَرَّبين بصدْق الأنْبِيَاء، عَلِمُوا قَطْعاً أنَّ اللَّه يَنْصُرهم عليهم، فلا بُدَّ وأن يَعْزِمُوا على قتالهم من غير خَوْفٍ ولا جُبْن. قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} فالجار والمجرور [حال من فاعل "تَرتَدوا" أي: لا ترتدوا مُنقلبين، ويجُوزُ أن] يتعلَّق بِنَفْسِ الفِعْل قَبْلَهُ. وقوله: "فَتَنْقَلِبُوا" فيه وجهان: أظهرُهُمَا: أنَّهُ مَجْزُومٌ عَطْفاً على فِعْل النَّهْي. والثاني: أنَّهُ منصُوبٌ بإضْمَار "أنْ" بعد الفَاءِ في جواب النَّهي. و"خَاسِرِين" حالٌ. وفي المَعْنَى وجهان: أحدهما: لا يَرْجِعُوا عن الدِّين الصَّحيح في نُبُوَّة مُوسَى؛ لأنَّهُ - عليه السلام - لما أخْبَرَ اللَّه تعالى جعل تِلْكَ الأرْضَ لَهُم، [أو] كان هذا وعْداً بأنَّ الله يَنْصُرهم عليهم، فلو لَمْ يقْطعُوا بِهَذِه النُّصْرَة، صارُوا شاكِّين في صِدْق مُوسى - عليه الصلاة والسلام - فيصيروا كافرين بالنُّبُوَّة والإلهِيَّة. والثاني: لا ترجِعُوا عن الأرْضِ التي أمرتُم بِدُخُولِها إلى الأرْض الَّتِي خَرَجْتُم عنها، يُرْوَى أنَّهُم عَزَمُوا على الرُّجُوعِ إلى مِصْر. وقوله: "فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين" أي: في الآخِرَة يَفوتُكُم الثَّواب ويَلْحَقُكُم العِقَابُ. وقيل: تَرْجِعُون إلى الذِّلَّة، وقيل: تُمَزَّقُون في التِّيه، ولا تَصِلُون إلى شَيْءٍ من مَطَالبِ الدُّنْيَا ومَنَافِع الآخِرَة. قوله: {قَالُوا يَٰمُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} والجبَّارُ: فعَّالٌ من جَبرهُ على الأمْرِ، بمعنى: أجْبَرهُ عليه، وهو الذي يُجْبِرُ النَّاس على ما يُرِيدُ، وهذا اخْتِيَارُ الفَرَّاء والزَّجَّاج. قال الفرَّاء: لا أسْمَع فعَّالاً من أفعل إلاَّ في حَرْفَيْن وهما: جَبَّارٌ من أجْبَر، ودَرّاك من أدْرَكَ. وقيل: مأخوذٌ من قَولِهِم: نَخْلةٌ جَبَّارَةٌ، إذا كانت طَويلَةً مُرْتَفِعَةً لا تَصِلُ الأيْدِي إلَيْها، ويُقَال: رَجُلٌ جَبَّارٌ، إذا كان طَوِيلاً عَظِيماً قويّاً تَشْبِيهاً بالجبَّار مِن النَّخْلِ، والقَوْمُ كانوا في غَايَةِ القُوَّة وعِظَمِ الإجْسَامِ، بِحَيْثُ ما كَانَتْ أيْدِي قوم مُوسَى تَصِلُ إليهم، فَسَموهم جَبَّارِين لِهذَا المَعْنى. فصل قال المُفَسِّرُون: لما خَرَجَ مُوسَى من مِصْر، وعدَهُم الله - تعالى - إسكان أرْضِ الشَّام، وكان بَنُو إسرائِيل يُسَمُّون أرْضَ الشَّام أرْضَ المَوَاعِيد، ثم بَعَثَ مُوسى - عليه السلام - اثْنَي عَشَر نَقِيباً من الأنبياء، يَتَجسَّسُون لَهُمْ أحْوَال تلك الأرَاضي. فلمَّا دَخَلُوا تلك الأمَاكِن رَأوْا أجْساماً عَظِيمَة، قال المُفَسِّرُون: فأخذَهُم أحَدُ أولئك الجبَّارِين، وجَعَلَهُم في كُمّهِ مع فَاكِهَةٍ كان قد حَمَلَها من بُسْتَانِه، وأتى بهم المَلِك فَنَثَرَهُم بين يديه، وقال مُتَعجِّباً للملك: هؤلاء يُرِيدُون قِتالَنا، فقال المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكُم، وأخْبِرُوه بما شَاهَدْتُم. قال ابْنُ كَثِير: وهذه هذياناتٌ من وضْعِ جُهَّالِ بني إسائيل، ولو كان هذا صَحِيحاً لكَان بَنُوا إسرائيل معذُورين في امْتِنَاعِهِم عن القتال، وقد ذَمَّهُمُ اللَّهُ تعالى على مُخَالَفَتِهِم وتَرْكِ جِهَادِهِم، وعَاقَبَهُم بالتِّيهِ، ثمَّ انْصَرَف أولَئِكَ النُّقَبَاءُ إلى مُوسَى وأخْبَرُوه بالوَاقِعَة، وأمَرَهُم أنْ يَكْتُمُوا ما شَاهَدُوهُ، فلم يَقْبَلُوا قوله إلا رَجُلان مِنْهُم، وهم: يُوشَعُ ابن نُون، وكَالِب بن يُوقنا فإنهما سَهَّلا الأمْر، وقالا: هي بلادٌ طَيِّبَةٌ كثيرة النعم والأقوام، وإن كانت أجْسَامُهُم عَظِيمَة، إلاَّ أنَّ قلوبَهُم ضَعِيفَةٌ. وأما العَشْرُة البَاقِية فإنَّهم أوْقَعُوا الجُبْن في قُلُوب النَّاسِ حتَّى أظْهَرُوا الامْتِنَاع من غَزْوِهِم، وقالُوا لِمُوسَى: {إِنَّا لَنْ ندخُلَهَا أبداً ما دامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، فدَعا عَلَيْهم مُوسَى، فعاقَبَهُم الله تعالى بأن أبْقَاهُم في التِّيهِ أرْبَعِين سنة. وقالوا: وكَانَتْ مُدَّة غَيْبَة النُّقَبَاءِ المُتَجَسِّسِين أرْبعين يَوْماً، فعُوقِبُوا بالتِّيهِ أرْبَعِين سنة. قالوا: ومَاتَ أولَئِك العُصَاةُ بالتِّيهِ، وأهْلِكَ النُّقَبَاءُ العَشْرَة في التِّيهِ بعُقُوبَةٍ غَلِيظَةٍ، وقال بَعْضُهُم: إنَّ مُوسَى وهَارُون مَاتَا - أيضاً - في التِّيهِ. وقال آخرون: إنَّ مُوسَى بَقِي، وخرج مَعَهُ يُوشَعُ بن نُون وكَالِب، وقاتَلَ الجبَّارِين وغَلَبَهُم، ودَخَلُوا تلك البِلاَد. ورُويَ أنَّهُ لم يَخْرُجْ من التِّيهِ [أحدٌ] ممن دَخَلهُ، [بل] ماتوا كُلُّهُم في مُدَّةِ أربعين سنة، ولَمْ يَبْقَ إلا ذَرَارِيهم يُوشعُ بن نُون وكالِب - عليهما الصلاة والسلام -. قال المُفَسِّرُون: إنَّ بَني إسْرَائيل دَخَلُوا البريَّة عند سيناء في الشَّهْرِ الثالث من خُرُوجهم من "مِصْر"، وكان خُرُوجُهُمْ في أوَّلِ السَّنَة التي شُرِعَت لَهُمْ، وَهِيَ أوَّل فَصْلِ الرَّبيع، فكأنَّهُم دَخَلُوا التِّيهَ في أوَّل فَصْلِ الصَّيْف. قوله تعالى: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}. قالُوا هذا القول على سبيل الاسْتِبْعَاد، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40]. وقوله: "فإنَّا دَاخِلُون" أي: فإنَّا دَاخِلُون الأرْضَ، فحذف المَفْعولَ لِلدلالَةِ عَلَيْه. قوله: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِين يَخَافُون} هذا الجارُّ والمَجْرُور في محلِّ رَفْع صِفَةٍ لـ "رَجُلاَن"، ومَفْعُول "يَخَافُونَ" محذوفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَخَافُون الله"، أو يخافُون العَدُوّ [ولكن ثَبَّتَهُمَا اللَّهُ تعالى] بالإيمَان والثِّقَةِ به، حتى قَالُوا هَذِه المَقَالة، ويُؤيِّد التَّقْدير الأوَّل التَّصْرِيح بالمَفْعُول في قِرَاءة ابْن مَسْعُود "يَخَافُون اللَّه"، وهذان [التَّأوِيلاَن] بِنَاء على ما هُوَ المَشْهُور عِنْد الجُمْهُور، من كَوْنِ الرَّجُلَين القَائِلَيْن ذلك من قَوْمِ موسى، وهما: يُوشَعُ بن نُون بن أفرائيم بن يُوسُف فتى مُوسَى، والآخَر: كَالِب بن يوفنا خَتَنُ مُوسَى على أخْتِه مَرْيَم بِنْت عِمْران، وكان من سِبْط يَهُوذَا. وقيل: الرَّجُلان من الجَبَّارين، ولكن أنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِما بالإيمَانِ حَتَّى قَالاَ هذه المقَالَة يُحَرِّضُونَهُم على قَوْمِهِم لِمُعَادَاتِهِم لهم في الدِّينِ وعلى هذا القَوْل فَيُحْتَمَل أن يكون المَفْعُولُ "يَخَافُون" كما تقدَّم، أي: يَخَافُون اللَّه أو العَدو، والمعنى كما تقدَّم ويُحْتَمَلُ أنَّ في المَفْعُول ضَمِيراً عَائِداً على المَوْصُولِ، ويكون الضَّمِير المَرْفُوع في "يَخَافُون" ضَمِير بَنِي إسْرَائيل، فالتَّقْدير: [من] الَّذِين يَخَافُهُمْ بَنُو إسْرَائِيل. وأيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هذا التَّأوِيل بِقرَاءة مَنْ قرأ "يُخافون" مَبْنِيًّا للمَفْعُول [وبِقَوْلِه أيْضاً] {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهمَا}، فإنَّه قال: "وقراءة مَنْ قَرأ "يُخَافُون" بالضَّمِّ شاهدة له، ولذلك أنْعَم الله عَلَيْهِما، كأنَّه قيل: من المُخَوفين" انتهى. والقِرَاءةُ المَذْكُورة مَرْوِيَّة عن ابْن عبَّاسٍ، وابن جُبَيْر، ومُجاهد، وأبدى الزَّمَخْشَرِي - أيضاً - في هذه القِرَاءة احْتِمَالاً آخَر، وهو أن تكُون من الإضَافَةِ ومعناه: من الَّذين يَخُوَّفُون من اللَّه بالتَّذْكِرة والمَوْعِظَة، أو يُخَوِّفهم وَعِيد الله بالعقَابِ. وتَحْتَمِلُ القِرَاءةُ - أيضاً - وجْهاً آخَر، وهو: أن يكُون المَعْنَى: يُخَافون، أي: يُهَابُون [ويُوَقَّرُون، ويُرْجَعُ] إليهم لِفَضْلِهِم وخَيْرِهِم. ومع هَذَيْن الاحْتِمَالين الأخِيرَيْن، فلا تَرْجِيحَ في هذه القراءة لِكَون الرَّجُلَيْن من الجبَّارين [أما قوله كذلك: {أنعم الله عليهما}، أي: في كونه مرجّحاً أيضاً لكونهما من الجبارين] فَغَيْرُ ظاهر، لكون هذه الصِّفَة مُشْتَرَكَة بَيْن يُوشَع وكالب، وبين غيرهما مِمَّن أنْعَمَ اللَّهُ عليه. قوله: {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهما} في هذه الجُمْلَة خَمْسَة أوجُه: أظهرها: أنَّها صِفةٌ ثانية فمحَلُّها الرَّفْع، وجيءَ هنا بِأفْصَحِ الاسْتِعْمَالَيْنِ من كونه قدَّمَ الوَصْفَ بالجَارِّ على الوَصْفِ بالجُمْلَةِ لِقُرْبِهِ من المُفْرَد. والثاني: أنها مُعْتَرَضَةٌ وهو - أيضاً - ظَاهِر. الثالث: أنَّهَا حالٌ من الضَّمِير في "يَخَافُون" قاله مَكِّي. الرابع: أنَّها حالٌ من "رَجُلانِ"، وجاءت الحالُ من النَّكِرَة، لأنَّها تخصّصت بالوَصْف. الخامس: أنَّها حالٌ من الضَّمِير المُسْتَتِر في الجَارِّ والمَجْرُور، وهو "مِن الَّذِين" لوُقُوعِهِ صِفَةً لموصُوف، وإذا جَعَلْتَها حَالاً فلا بُدَّ من إضمار "قَدْ" مع المَاضِي، على خلافٍ سلف [في المسألة]. فصل قوله: {ادْخُلُوا عَلَيْهمُ البَابَ} مُبَالغةٌ في الوَعْدِ بالنَّصْر والظفر؛ كأنَّه قيل: مَتَى دَخَلْتُم باب بَلَدِهِم انْهَزَمُوا، ولَمْ يَبْق منهم أحَدٌ، وإنَّما جَزَمَ هذان الرَّجُلان في قولهما: {فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فإنَّكُمْ غَالِبُون}؛ لأنَّهما كان عَارِفَيْن صِدْق مُوسى - عليه السلام -، فلمَّا أخْبَرَهُم مُوسَى بأنَّ الله قال: {ٱدْخُلُواْ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [فقد تبيّن أنَّهُ أوْعَدَهُم] بأنَّ النُّصْرَة والغَلَبَةَ لَهُمْ، ولِذَلك خَتَمُوا كلامَهُم بقولهم: {وعلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُؤمنين}، يعني: توكَّلُوا على اللَّه تعالى في حُصُول هذا النصر لكم إن كُنْتُم مُؤمنين بوجود الإله القَادِرِ، ومُؤمِنِين بِنُبُوَّةِ مُوسَى - عليه السلام -. قوله: {قَالُواْ: يَا مُوسَى، إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أبداً مَا دَامُوا فِيهَا} ["ما"] مصْدَريَّة ظرفية و"دَامُوا" صِلَتُهَا، وهي "دَامَ" النَّاقصة، وخبرها الجارُّ بعدها، وهذا الظَّرْفُ بَدَلٌ من "أبداً" وهُوَ بَدَلُ بَعْض من كُلّ؛ لأنَّ الأبَدَ يعمُّ الزَّمَن المُسْتَقْبَل كله، ودوام [الجَبَّارين] فيها بَعْضه، وظَاهِرُ عِبَارَة الزَّمَخْشَرِيِّ يُحْتَمَلُ أن يكُون بَدَلُ [كُلٍّ] من كُلٍّ أو عَطْف بَيَان، والعَطْفُ قد يَقَعُ بَيْن النَّكِرَتَيْن على كلام فيه تقدَّم. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "وأبَداً" تعليق للنَّفْي المُؤكَّد بالدَّهْر المُتَطَاولِ، {ومَا دَامُوا فِيها}: [بيانُ الأمْر]، فهذه العَبَارَةُ تَحْتَملُ أنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ من كُلٍّ، لأنَّ بَدَل البَعْضِ من الكُلِّ مُبَيِّنٌ للمُرَاد، نحو: "أكَلْتُ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ"، ويحتَملُ أن يكُون بَدَلَ كُلٍّ من كُلٍّ، فإنَّه بيانٌ أيضاً للأوَّل، وإيضَاحٌ له، نحو: رَأيْتُ زَيْداً أخَاك، ويحتمل أن يكُون عَطْفَ بَيَانٍ. قوله: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [في"وَرَبُّكَ"] أرْبَعَةُ أوجه: أحدها: أنَّه مرفوع عَطْفاً على الفاعِل المُسْتَتِر في "اذْهَبْ"، وجازَ ذلِك للتَّأكِيد بالضَّمِير. الثاني: أنَّه مَرفوع بِفِعْل مَحْذُوف، أي: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ، ويكون من عَطْفِ الجُمَل، وقد تقدَّم [لي نَقْلُ] هذا القَوْل والرَّدُّ عليه، ومُخَالَفَتُهُ لنَصِّ سِيبَويْه عند قَوْلِهِ تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة: 35]. الثالث:أنَّهُ مُبْتَدأ، والخبَرُ محذُوفٌ، و"الواوُ" لِلْحَال. الرابع: أنَّ "الواوَ" لِلْعَطْفِ، وما بَعْدَها مُبْتَدَأ محذوفٌ والخَبَرُ - أيضاً - ولا مَحَلَّ لهذه الجُمْلَة من الإعْرَاب لِكَوْنِها دُعَاءً، والتَّقْدِير: وَرَبُّكَ يُعِينُكَ. قوله: {هَاهُنَا قَاعِدُونَ} "هُنَا" وَحْدَهُ الظَّرْفُ المَكَانِي الَّذِي لا يَنْصَرِفُ إلا بِجَرِّه؛ بـ "مِنْ" و"إلَى"، و"هَا" قَبْلَهُ للتَّنْبيه كسَائِرِ أسْمَاء [الإشارة] وعامله "قَاعِدُون"، وقد أجيز أن يكُون خَبَر ["إنَّ"] و"قاعدُون" خَبر ثانٍ، [وهُو بَعِيدٌ]. وفي غير القُرْآن إذا اجْتَمَع ظَرْفٌ يَصِحُّ الإخْبَارُ بِهِ مع وَصْفٍ آخَر، ويَجُوزُ أن يُجْعَل الظَّرْفُ خَبَراً، والوَصْفُ حالاً، وأن يَكُون الخَبَرُ الوَصْفَ، والظَّرْف مَنْصُوبٌ به كَهَذِه الآية. فصل قولهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} فيه وُجُوهٌ: أحدُهَا: لعلَّ القَوْم كانُوا مُجَسِّمَةً، يجوِّزُون الذَّهَاب والمَجِيءَ على الله تعالى. وثانيها: يُحْتَمَلُ ألاَّ يَكُون المُرَادُ حَقِيقَة الذهَاب، بَلْ كَما يُقَالُ: كَلَّمْته فذهَبَ يُجِيبُنِي، أي: يُريدُ أن يُجِيبَنِي، فكأنَّهُم قالوا: كُن أنْتَ وَربُّكَ مُريدين لقتَالِهِمْ. ثالثها: التَّقْدِير اذْهَبْ أنْتَ وَربُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ فأضْمَر خَبَر الابْتِدَاء. فإن قيل: إذَا أضْمَرْنَا الخَبَرَ فَكَيْفَ يَجْعَل قوله: "فَقَاتِلاَ" خبراً أيضاً. فالجَوَابُ: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَر. رابعها: أرَادَ بقوله: "وَرَبُّكَ" أخُوه هَارُون، وسمُّوه [ربًّا] لأنَّهُ كان أكبر من مُوسَى. قال المُفَسِّرُون: قولهم: {اذهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ}، إن قَالُوهُ على وَجْهِ الذهَاب من مَكَانٍ إلى مَكَانٍ فهو كُفْرٌ، وإن قَالُوهُ على وَجْهِ التَّمَرُّدِ عن الطَّاعَةِ فهو فِسْقٌ، ولقَدْ فَسَقُوا بهذَا الكلامِ لقوله تعالى في هذه القصة:{فلا تَأسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ}. والمقْصُودُ من هذه القِصَّة: شَرْحُ حال هؤلاءِ اليَهُودِ، وشِدَّة بُغْضِهِم [وَغُلُّوهِمِ] في المُنَازَعَةِ مع الأنْبِيَاءِ قَدِيماً، ثُمَّ إنَّ مُوسى - عليه السلام - لمَّا سَمِع مِنْهُم هذا الكلام قال: {رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وأخِي} في إعْرَاب "أخي" سِتَّةُ أوْجُه: أظهرها: أنَّهُ مَنْصُوبٌ عَطْفاً على "نَفْسِي"، والمعنى: لا أمْلِكُ إلاَّ أخِي مع مِلْكِي لِنَفْسي دُونَ غَيْرنَا. الثاني: أنَّهُ مَنْصُوبٌ عَطْفاً على اسْمِ "إنَّ"، وخَبَرُهَا محذوفٌ للدَّلالة اللَّفْظِيَّة عَلَيْه، أي: وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلا نَفْسَه. الثالث: أنَّهُ مرفوع عَطْفاً على مَحَلِّ اسم "إنَّ"؛ لأنَّه يُعَدُّ استكمال الخَبر على خلافٍ في ذَلِك، وإن كان بَعْضُهم قد ادَّعى الإجْمَاعَ على جَوَازه. الرابع: أنَّهُ مَرْفُوع بالابْتِدَاء، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ للدَّلالة المتقدِّمَة، ويكون قد عَطفَ جُمْلَة غَيْرَ مُؤكَّدَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ مُؤكَّدَة [بـ "إنَّ"]. الخامس: أنَّه مَرْفُوعٌ عَطْفاً على الضَّمير المُستكِنِّ في "أمْلك"، والتَّقْدير: ولا يَملِكُ أخي إلا نَفْسَه، [وجاز ذلك لِلْفَصْل بقوله: "إلاَّ نَفْسِي"] وقال بهذا الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَكِّي، وابنُ عطيَّة، وأبُو البقاء ورَدّ أبُو حَيَّان هذا الوَجْهَ، بأنَّه يلزم منه أنَّ مُوسَى وهَارُون لا يَمْلِكَان إلاَّ نَفْسَ مُوسَى فَقَطْ [وَلَيْس المَعْنَى على ذَلِك]، وهذا الرَّدُّ لَيْس بِشَيْءٍ؛ لأنَّ القائِل بهذا الوَجْهِ صَرَّح بِتَقْديرِ المفعول بَعْد الفاعِلِ المَعْطُوف. وأيضاً اللَّبْسُ مأمُونٌ، فإن كلَّ أحِدٍ يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِهِ أنَّهُ يَمْلِكُ أمْرَ نَفْسِهِ. السادس: أنَّه مَجْرُورٌ عطفاً على "اليَاء" في "نَفْسِي"، أي: إلاَّ نَفْسِي ونَفْس أخِي، وهو ضعيفٌ على قَوَاعِدِ البَصْريِّين لِلْعَطْفِ على الضَّمِير المَجْرُور من غَيْر إعادَةِ الجَارِّ، وقد تقدَّم ما فيه. والحَسَن البَصْرِيُّ يقرأ بِفَتْح [ياء] "نَفْسِي"، و"أخِي". وقرأ يوسُف بن دَاوُد وعُبَيْد بن عُمَيْر "فَافْرِق" بِكَسْرِ الرَّاء، وهي لُغَةٌ: فَرَقَ يَفْرِق كـ "يضرب" قال الراجز: [الرجز] شعر : 1949- يا رَب فَافْرِقْ بَيْنَهُ وبَيْنِي أشَدَّ ما فَرَّقْت بَيْنَ اثْنَيْنِ تفسير : وقرأ ابن السَّمَيْفَع "فَفَرِّقْ" مُضَعَّفاً، وهي مُخَالِفَةٌ للرَّسْم و"بَيْنَ" معمولة لـ "افْرُق"، وكان من حَقِّها ألا تكرَّرَ في العَطْفِ، تقُولَ: المَالُ بَيْن زَيْدٍ وعَمْرو، وإنَّما كرِّرَت للاحْتِيَاج إلى تكررِ الجارِّ في العَطْفِ على الضِّمِير المَجْرُور، وهو يُؤيِّد مَذْهَب البَصْريِّين. فإن قيل: لم قال: {لا أمْلِكُ إلاَّ نَفْسِي وَأخِي} وكان مَعَهُ الرَّجُلان المَذْكُورَان؟. فالجواب: كأنَّه لم يَثِقْ بِهِمَا كُلَّ الوُثُوق لِمَا رَأى [من] إطباقِ الأكْثَرِين على التَّمَرُّد، ولَعَلَّهُ إنَّما قَالَ ذَلِكَ تَقْلِيلاً لمن وَافَقَهُ، أو يكُون المُرَادُ بالأخِ مَنْ يُؤاخِيهِ في الدِّين، وعلى هذا يَدْخل الرَّجُلان. والمُرادُ بقوله: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي: افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُم، بأنْ تَحْكُم لَنَا بما تَسْتَحِقُّ وتحْكُم عَلَيْهِم بما يَسْتَحِقُّون، وهُوَ في مَعْنَى الدُّعَاء عَلَيْهِم، أو يكون المَعْنَى: خَلِّصْنَا من صُحْبَتِهِم، وهو كقوله: {أية : نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [القصص: 21].

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة بني إسرائيل في استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض الجبارين بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة، إظهاراً - بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر, وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه من بنوتهم ومحبتهم، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد، فقال عاطفاً على نعمة في {أية : واذكروا نعمة الله عليكم}تفسير : [المائدة: 7] تذكيراً لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة: {وإذ} أي واذكروا حين {قال موسى لقومه} أي من اليهود {يا قوم اذكروا} أي بالقلب واللسان، أي ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر {نعمة الله} أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود {عليكم} وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال: {إذ} أي حين {جعل فيكم} وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله: {أنبياء} أي يحفظونكم من المهالك الدائمة، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم، وغضب عليكم إذ أبيتم، فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة والمعصية. ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون، لا يصلحون معها لملك، ولا تحدثهم أنفسهم به، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكاً بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم، قال: {وجعلكم ملوكاً} أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم، فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة. ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال: {وآتاكم ما لم يؤت} أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم {أحداً من العالمين *} من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة أخرى يجب شكرها، فلذلك وصله بما قبله وصل المعلول بالعلة فقال: {يا قوم ادخلوا} عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره {الأرض المقدسة} أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر المعاصي والإفك، ويبارك فيها، ثم وصفها بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه النصر فقال: {التي كتب الله} أي الذي له الأمر كله فلا مانع لما أعطى {لكم} أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها، فتحوزوا سعادة الدارين، وهي بيت المقدس والتي وعد أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون ميراثاً لولده بعد أن جعلها مهاجرة. ولما أمرهم بذلك نهاهم عن التقاعد عنه، فقال مشيراً إلى أن مخالفة أمر الله لا تكون إلا بمعالجة للفطرة الأولى: {ولا ترتدوا} أي تكلفوا أنفسكم الرجوع عن أخذها، وصوَّر لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره فقال: {على أدباركم} ولما جمع بين الأمر والنهي، خوفهم عواقب العصيان معلماً بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك، فقال معبراً بصيغة الانفعال: {فتنقلبوا} أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم {خاسرين *} أي بخزي المعصية عند الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ واسم الله قد جعل نبياً وجعلكم ملوكاً على رقاب الناس، فاشكروا نعمة الله إن الله يحب الشاكرين‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنهم أول من سخَّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ ملَّكهم الخدم، وكانوا أول من ملك الخدم‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان الرجل من بني إسرائيل، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا‏ً. ‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ الزوجة والخادم والبيت‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ المرأة الخادم ‏ {‏وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين‏} ‏ قال‏:‏ الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا‏ً .‏ تفسير : وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من كان له بيت وخادم فهو ملك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من كان له بيت وخادم فهو ملك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود في مراسيله‏حديث : عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏وجعلكم ملوكاً} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "زوجة ومسكن وخادم‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص‏.‏ أنه سأله رجل‏:‏ ألسنا من فقراء المهاجرين‏؟‏ قال‏:‏ ألك امرأة تأوي إليها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ألك مسكن تسكنه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأنت من الأغنياء‏.‏ قال‏:‏ إن لي خادماً‏.‏ قال‏:‏ فأنت كم الملوك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏وجعلكم ملوكا‏ً} ‏ قال‏:‏ جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً ‏ {‏وآتاكم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين‏} قال: المنَّ والسلوى والحجر والغمام. وأخرج ابن جرير عن الحسن ‏{‏وجعلكم ملوكا‏ً}‏ قال‏:‏ وهل الملك إلا مركب وخادم ودار‏؟‏‏.‏‏. وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين‏} ‏ قال‏:‏ المنَّ والسلوى‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبـيان ما فعلت بنو إسرائيلَ بعد أخذِ الميثاق منهم، وتفصيلِ كيفيةِ نقضِهم له وتعلّقِه بما قبله، من حيث إن ما ذُكر فيه من الأمور التي وصفَ النبـيَّ عليه السلام بـيانُها، ومن حيث اشتمالُه على انتفاء فترة الرسل فيما بـينهم، و(إذ) نُصب على أنه مفعولٌ لفعل مقدرٍ خوطب به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام بطريق تلوينِ الخطاب، وصَرْفُه عن أهل الكتاب ليعدِّدَ عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات. أي واذكُر لهم وقت قولِ موسى لقومه ناصحاً لهم ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه {يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجابِ ذكرِها، لما أن إيجابَ ذكرِ الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقت مشتملٌ على ما وقع فيه تفصيلاً، فإذا استُحضِر كان ما وقع فيه حاضِراً بتفاصيله، كأنه مشاهَدٌ عِياناً، و(عليكم) متعلق بنفس النعمة إذا جُعلت مصدراً، وبمحذوف وقع حالاً منها إذا جُعلت اسماً، أي اذكروا إنعامه عليكم، وكذا (إذ) في قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء} أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جَعْله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جعْلِه فيما بـينكم من أقربائكم أنبـياءَ ذوِي عددٍ كثير وأُولي شأنٍ خطير، حيث لم يَبْعثْ من أمة من الأمم ما بَعَث من بني إسرائيلَ من الأنبـياء {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} عطفٌ على (جعل) فيكم أو منكم ملوكاً كثيرة، فإنه قد تكاثر فيهم الملوكُ تكاثرَ الأنبـياء، وإنما حذف الظرف تعويلاً على ظهور الأمر أو جَعْل الكلِّ في مقام الامتنان عليهم ملوكاً، لما أن أقاربَ الملوك يقولون عند المفاخرة: نحن الملوك، وإنما لم يسلُكْ ذلك المسلكَ فيما قبله لما أن منصِبَ النبوةِ مِنْ عِظَم الخطر وعِزَّة المطلب وصعوبة المنال بحيث ليس يليقُ أن يُنْسبَ إليه ـ ولو مجازاً ـ مَنْ ليس ممن اصطفاه الله تعالى له. وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القِبْط فأنقذهم الله تعالى فسمَّى إنقاذهم مُلْكاً، وقيل: المَلِكُ مَنْ له مسكنٌ واسع فيه ماء جار، وقيل: من له بـيت وخدم، وقيل: من له مال لا يَحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمّل المشاق {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} من فلْق البحر وإغراقِ العدو وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور العِظام، والمرادُ بالعالمين الأممُ الخالية إلى زمانهم، وقيل: مِنْ عالَمِي زمانِهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} [الآية: 20]. قال القرشى: ملككم سياسة أنفسكم. وقال سهل: مالكين لأنفسكم ولا كملككم نفوسكم وأنشد فى معناه. شعر : مَلكتُ نَفسى وَذَاك مُلكٌ ما مثلُهُ للأنام مُلكُ فصرت حراً بملك نفسى فما خلفٍ علىَّ مِلكُ تفسير : وقال بعضهم: جعلكم ملوكًا أى: قانعين بما أعطيتم، والقناعة هو الملك الأكبر. وقال بعضهم: جعلكم ملوكًا وزراء أنبيائكم. وقال الحسين: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} قال: أحرارًا من رق الكون وما فيه. قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ}. قال محمد بن على: أحل لكم أكل الغنائم والانتفاع بها. وقال ابن عطاء: قلوبًا سليمة من الغش والغِلِّ. وقال بعضهم فى قوله: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} قال: سياسة النبوة وآداب المُلك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ}. كان الأمر لبني إسرائيل - على لسان نَبِيِّهم - بأن يتذكروا نعمة الله عليهم، وكان الأمر لهذه الأمة - بخطاب الله لا على لسان مخلوق - بأن يذكروه فقال: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152] وشتان بين من أمره بذكره - سبحانه - وبين من أمره بذكر نعمته! ثم جعل جزاءَهم ثوابَه الذي هو فضله، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]. قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}. المَلِكُ مِنَ المخلوقين مَنْ عَبَدَ المَلِكَ الحقيقي. ويقال المَلِكُ مَنْ مَلَكَ هواه، والعبد من هو في رِقِّ شهواته. ويقال {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}: لم يخرجكم إلى أمثالكم، ولم يحجبكم عن نفسه بأشغالهم، وسَهَّلَ إليه سبيلَكم في عموم أحوالِكم. قوله جلّ ذكره: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ}. لئن آتي بني إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا بوجوده، والاستقلال بوجوده أتمَّ من الاستغناء بمقتضى جوده.

البقلي

تفسير : {ووَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} اى ملوكا بالولاية والكرامات ومعرفة الصفات والتنور بانوار كشوف الذات وايضا جعلكم ملوكا بسلطنة الوجد وقوة الحال وعزة علم العرفة وايضا جعلكم ربانيين مالكين انفسكم بمنعها عن غير طاعتى وايضا اى ملتبسين بانوار نانيتى وايضا معافين من ضرر الامتحان محررين من رق الحدثان قال القرشى ملككم سياسة انفسكم قال سهل مالكين لانفسكم ولا يملكم نفوسكم قال الحسين اى احرار من رق الكون وما فيه قوله تعالى {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} يعنى كشف مشاهدتى وحلاوة مخاطبتى سنى اياتى ومعجزاتى وما يظهر لكم من وجه موسى من نور تجلائى قال ابن عطا قلوبا سليمة من الغل والغش وقيل سياسة النبوة واداب الملك.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قال موسى لقومه} اى اذكر يا محمد لاهل الكتاب ما حدث وقت قول موسى لبنى اسرائيل ناصحا لهم {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم} اى انعامه عليكم {اذ جعل فيكم انبياء} فى وقت جعله فيما بينكم من اقربائكم انبياء فارشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث فى امة من الامم ما بعث فى بنى اسرائيل من الانبياء وكثرة الاشراف والافاضل فى القوم شرف وفضل لهم ولا شرف اعظم من النبوة {وجعلكم ملوكا} اى جعل فيكم او منكم ملوكا كثيرة فانه قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الانبياء وجعل الكل فى مقام الامتنان عليهم ملوكا لما ان اقارب الملوك يقولون عند المفاخرة نحن الملوك. وقال السدى وجعلكم احرار تملكون انفسكم بعدما كنتم فى ايدى القبط فى مملكة فرعون بمنزلة اهل الجزية قال ابن عباس رضى الله عنهما يعنى اصحاب خدم وحشم وكانوا اول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وقال بعضهم من له امرأة يأوى اليها ومسكن يسكنه وخادم يخدمه فهو من الملوك وكذا من كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك {وآتاكم ما لم يؤت احدا من العالمين} من البحر واغراق العدو وتظليل الغمام وانزال المن والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله من الامور العظام والمراد بالعالمين الامم الخالية الى زمانهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إذ قال موسى لقومه}: يا بني إسرائيل {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} يسُوسُونكم، كلما مات نبي خلفه نبي، فقد شرفكم بهم دون غيركم، إذ لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، {وجعلكم ملوكًا} أي: جعل منكم ملوكًا، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء، فكان كل نبي معه ملك ينفذ أحكامه، فكانت دار النبوة ودار المملكة معلومة، يخلف بعضهم بعضًا في النبوة والمُلك، استمر ذلك لهم، حتى قتلوا يحيى، وهموا بقتل عيسى، فنزع الله منهم الملك، وأنزل عليهم الذل والهوان. وقيل: لمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط، فأنقذهم الله وجعلهم مالكين لأنفسهم، سماهم ملوكًا. {وآتاكم ما لم يُؤت أحدًا من العالمين} من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونحوها، أو المراد عالمي زمانهم، وعن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَانَ بنو إسرَائيل إذا كَانَ لأحَدِهم خَادِمٌ وامرَأة يُكتَب مَلِكًا "تفسير : . وقال ابن عباس: ( من كان له بيت وخادم وامراة فهو مَلِك)، وعن أبي الدرداء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مَن أصبَحَ مُعَافّى في بَدَنِه، آمنًا في سِربِه، عِندَه قُوتُ يَومِه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها، يكفيكَ منها، يا ابنَ آدم، ما سَدَّ جوعَتَكَ، وَوَارَ عَورَتك، فإن كان بيتٌ يُوارِيك فذاك، وإن كانت دابة فبخ بخ، فلق الخبز، وماء الجر وما فَوق الإزار حِسَابٌ عليك ". تفسير : وقال الضحاك: (كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جارٍ، فهو ملك). وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم. هـ. الإشارة: كل من رزقه الله من يأخذ بيده ومن يستعين به على ذكر ربه، فليذكر نعمة الله عليه، فقد أسبغ الله عليه نعمه ظاهرة وباطنة. وكل من ملك نفسه وهواه، وأغناه الله عما سواه، فهو ملك من الملوك. وكل من خرجت فكرته عن دائرة الأكوان، واتصل بفضاء الشهود والعيان، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين. وقد كُنتُ ذات يوم جالسًا في الجامع الأعظم من مدينة تطوان، فانتبهتُ فإذا مصحف إلى جنبي، فقال لي الهاتف: انظر تجد مقامك، فأعرضت عنه، فأعاد عليَّ الهاتف ثلاث مرات، فرفعته، ونظرت، فإذا في أول الورقة: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين}، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه. ثم أمرهم بجهاد عدوهم، فقال: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية اعلام من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وسلم) قديم تمادي هؤلاء اليهود في الغي وبُعدهم من الحق وسوء اختيارهم لانفسهم وشدة خلافهم لانبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم وتتابع أياديه وآلائه عليهم، مسلياً بذلك نبيه (صلى الله عليه وسلم) من مقاساتهم في ذات الله. فقال: فاذكر يا محمد إذ قال موسى لهم {يا قوم اذكروا. نعمة الله عليكم} وأياديه لديكم وآلائه عليكم. وهو قول ابن عباس وابن عيينة. وقوله {إذ جعل فيكم أنبياء} يعني ان موسى ذكر قومه بنعمه عليهم، وبلائه لديهم فقال لهم {اذكروا نعمة الله عليكم} إذ فضلكم بأن جعل فيكم أنبياء يخبرونكم بأنباء لغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا، وقيل ان الأنبياء الذين ذكرهم الله أنهم جعلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى إلى الجبل: وهم السبعون الذين ذكرهم الله تعالى فقال {أية : واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا} تفسير : وقال قوم: هم الأنبياء الذين كانوا بعد موسى (ع). وقوله {وجعلكم ملوكاً} معناه سخر لكم من غيركم خدماً يخدمونكم. وقال قتادة: لأنهم أول من سخر لهم الخدم من بني اسرائيل، وملكوا. وقال قوم: كل من ملك بيتاً أو خادماً أو امرأة ولا يدخل عليه إلا بأمره فهو ملك - كائناً من كان - ذهب اليه عمرو بن العاص وزيد بن اسلم والحسن والفراء قال: هؤلاء إنما خاطبهم موسى بذلك لأنهم كانوا يملكون الدور والخدم ولهم نساء وأزواج. وبه قال الحسن وابن عباس ومجاهد. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال السدي جعلهم ملوكاً يملك الرجل منهم نفسه وأهله وماله. وقال الزجاج: جعلكم الله تملكون أمركم ولا يغلبكم عليه غالب. وقال البلخي: ليس ينكر أن يكون الله جعل لهم الملك والسلطان ووسع عليهم التوسعة التي يكون الانسان بها ملكاً. وقال المؤرج: معناه - بلغة كنانة وهذيل - جعلكم أحراراً. وقال أبو علي: الملك هو الذي له ما يستغني به عن تكلف الاعمال وتحمل المشاق، والتسكع في المعاش. وقال ابن عباس، ومجاهد: جُعلوا ملوكاً بالمن والسلوى والحجر والغمام. وزاد الجبائي: وبغير ذلك من الاموال. وقال قوم: ملكوا أنفسهم بالتخلص من الغيظ. وقوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من عالمي زمانهم. وهو قول الحسن والبلخي. وقال أبو علي: أعطاكم مالم يعط أحداً من العالمين أي من اجتماع هذه الامور وكثرة الأنبياء فيهم، والآيات التي جاءتهم، إنزال المن والسلوى عليهم. وهو قول الفراء والزجاج. وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: هذا خطاب موسى لامته - وهو الأظهر - وقال سعيد بن جبير، وأبو مالك: هو خطاب من الله لامة محمد (صلى الله عليه وسلم). وإِنما قلنا: أن الاول أولى لأن الله أخبر حاكياً عن موسى (ع) أنه قال لهم {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً} ثم عطف على ذلك قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} فالعدول عن ذلك من غير ضرورة لا يجوز. وقوله: {أنيباء} لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لان علامة التأنيث فيها لازمة مثل حمراء تأنيث أحمر. ويخالف ذلك علامة التأنيث في طلحة وقائمة تأنيث قائم فلذلك انصرف هذا في النكرة دون المعرفة.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} عطف على مقدّرٍ هو لا تعتذروا المقّدر السّابق اى لا تعتذروا واذكروا ما قال موسى (ع) لقومه حتى تذكروا نعمة وجود الرّسول (ع) فيكم ولا تخالفوا قوله والمقصود التّعريض بامّة محمّد (ص) بتذكير حال امّة موسى (ع) والنّعم الّتى انعم الله بها عليهم وابائهم عن امر موسى (ع) وضلالتهم فى التّيه اربعين سنة حتّى يتنبّهوا للنّعم الّتى انعم الله بها عليهم ولا يخالفوا قوله ولا يخرجوا من امره فى علىّ (ع) فلا يضلّوا كما ضلّ قوم موسى (ع) {يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} من فلق البحر وتظليل الغمام وانزال المنّ والسّلوى وغير ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ}: واذكر يا محمد اذ قال موسى، أمره بذكر وقت قول موسى ما قال لقومه ليتسلى عما يضربه اليهود لعنهم الله، كأنه قال: ألقى عنك همهم، فانهم قديماً أهل ضلال، واختيار سوء لأنفسهم لمخالفة الأنبياء هم مع كثرة النعم عليهم وأنبياءهم، وليكون ذلك معجزة لك حين أخبرتهم بما جرى من كلام موسى معهم، اذ هو غيب عرفه الله به، لأن المراد اذكره فى نفسك بالاعتبار، ولا بد أيضاً من ذكره باللسان، لأنه صلى الله عليه وسلم نزل عليه القرآن ليبلغه، فيجوز أن يقدر هنا وفى مثل هذه الآية، واذكر لليهود أو لأهل الكتاب أو للمشركين أو لأصحابك رضى الله عنهم وقت كذا، والحادث وقت كذا ليكون معجزة أو تذكرة. {يَا قَومِ اذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم}: هى جعل الأنبياء فيهم، وجعلهم ملوكاً، وايتاؤهم ما لم يؤت أحداً من العالمين. {إِذ جَعَلَ}: متعلق بنعمة، لأن فيها معنى الانعام بكسر الهمزة. {فِيكُم أَنبِيَاءَ}: عظاماً كثيرة، فالتنكير للتعظيم والتكثير، فان أنبياءهم كثيرون وعظام فى الشهرة، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أشهر وأعظم، لأنه فى التوراة وغيرها، وما زال مشروطاً على الأنبياء وأممهم، ويجوز أن يكون للتكثير فقط، أخبر الله تعالى موسى بكثرة الأنبياء من بعده من بنى اسرائيل، قيل: ومن قبله كالأسباط اذا قيل انهم أنبياء وهو قول منسوب للأكثر، وقيل: يوسف وحده نبى من الأسباط، وقد كثرت أيضاً فى زمانه كما قال الكلبى: ان السبعين الذين اختارهم لمناجاته أنبياء، وفيه ضعف لأخذ الرجفة اياهم، ولما قالوا: ولم يبعث فى أمة ما بعث فى بنى اسرائيل من الأنبياء. وجعل بمعنى خلق، له مفعول واحد هو أنبياء، وفيكم متعلق بجعل، أو حال من أنبياء أو بمعنى صير ففيكم مفعول ثانى، وأنبياء أول وفى بمعنى من. {وَجَعَلَكُم مُلُوكًا}: جمع مالك أى مالكين أمر أنفسهم بعد ما كانوا مملوكين فى أيدى فرعون والقبط، وهذا امتنان من الله تعالى عليهم، اذ نجاهم من فرعون وقومه، فهو كشاهد وشهود، وركع وركوع، وقاعد وقعود، وساجد وسجود، وقيل جمع ملك على أنه من كان مستقلا بأمر نفسه ومعيشته بلا مشقة، ولا يحتاج فى مصالحه الى أحد، فهو ملك. قال أبو سعيد الخدرى:حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان بنو اسرائيل اذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة كتب ملكا " تفسير : وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص شيئا يعطه، فقال: الشيا من فقراء المهاجرين، فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوى اليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء. قال، فان لى خادماً. قال: فأنت من الملوك. قال ابن عباس: معنى ملوكاً أصحاب خدم وحشم. قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وعن الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية، ومن كان مسكنه واسعاً وكان فيه ماء جار فهو ملك، وقيل: الأصل جعل فيكم أو منكم ملوكاً كثيرة كما كثرت الأنبياء فيكم، فحذف الجار.. {وَآتَاكُم مَّا لَم يُؤتِ أَحَدًا مِّنَ العَالَمِينَ}: كالآيات التسع وغيرهن مما اختصوا به عن الناس كلهم كايراثهم أموال فرعون والقبط، وهم أعداؤهم بمرة بلا قتال بينهم، وقيل المراد بالعالمين عالموا زمانهم لئلا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة، مع أن هذه الأمة هى أفضل منهم بلا شك، لقوله تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس }تفسير : وكون شريعتهم لا تنسخ مع أنه لو قلنا: العالمين كلهم لم يلزم تفضيلهم على الناس كلهم، لأنه لا يلزم من كثرة النعم والملوك التفضيل فى الشريعة، ولا من كثرة الأنبياء مع عدم الاتباع لهم أو مع الاتباع، وانما ذلك امتنان عليهم بما أعطاهم، مع أنه قد أعطى غيرهم ما هو أفضل، كما أعطانا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلنا أمته، وحط عنا الاصر والأغلال وعلى عمل، فآيات رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسى} اذكر وقت قول موسى حتى كأَنك حاضر له ومشاهد لما وقع فيه فتتسلى عما أَصابك من قومك من الإِيذاءِ والمخالفة وأَنذرهم كما أَنذر موسى قومه {لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذ جَعَلَ فِيكُمْ} لا إِليكم من غيركم أَو جعل منكم وإِذ متعلق بنعمة بمعنى إِنعام أَو بدل اشتمال إِذ الوقت من لوازم النعمة أَو الإِنعام {أَنْبِيَاءَ} كثيرة عظاما فالتنكير لذلك والمعنى أَنه قضى فيهم بأَنبياءَ كثيرة ستكون بعد موسى وقد مر أَنها أَلف وليس لغيرهم من كثرة الأَنبياءِ ما لهم إِلا أَن الأَنبياء كلهم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن السائب الأَنبياء هنا السبعون الذين اختارهم موسى، أَو السبعون وموسى وهارون ويوسف فالماضى على حقيقته، وعلى أَن المراد بالأَنبياءِ من يأْتى فالماضى لتحقق الوقوع أَو بمعنى قضى بالجعل وعلى التأْويل بالقضاءِ يصلح أَن يراد من وجد ومن سيوجد {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} أَى أَصحاب خدم واحترام وأَعوان، وقال أَبو سعيد الخدرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : كان بنو إِسرائيل إِذا كان لأَحدهم خادم وامرأَة ودابة يكتب مالكا تفسير : وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن كان هكذا فهو ملك، وقال السدى ملوكا أَحرارا بعد أَن استعبدهم فرعون أَو جعلهم كأَهل الجزية فينا، وروى أَن رجلا قال لعبد الله بن عمرو: أَلسنا من فقراء المهاجرين، فقال: أَلك امرأَة تأوى إِليها؟ قال: نعم. قال: أَلك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأَنت من الأَغنياءِ. قال: فإِن لى خادما، قال: فأَنت من الملوك، ويقال: من لا يحتاج فى نفسه ومعيشته ومصالحه إِلى أَحد فهو ملك، ويقال إِنه لم يكن قبل بنى إِسرائيل ملك العبيد والإِماءِ لأَحد، أَو المراد بالملوك ظاهره فيراد كثرة الملوك فيهم واحدا بعد واحد ويتعدد وهم ملوك الطوائف، وكذا قيل لما كثرت الملوك منهم، قيل أَو فيهم، صاروا كأَنهم كلهم ملوك للشبه فى الترفه والتوسع بخلاف النبوة فإِنها أَمر إِلهى لا يسلك فيها أَحد مسلك نبى فلم تسند إِليهم {وَآتَاكُم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدا مِنَ الْعَالَمِينَ} أَى قبلكم ولا فى زمانكم، لأَن لم للماضى فلم يدخل من بعدهم فضلا عن أَن يحترز عنهم، والواقع أَنه ليس لمن قبل ولا بعد. وإِن فسرنا ما لم يؤت إِلخ.. بما لم يكتب لأَحد عم الأَزمنة كلها وذلك كفلق البحر وملك مصر وإِغراق العدو ونجاتهم وهم ينظرون وعصا موسى وغير ذلك مما لهم أَو لسيدنا موسى عليه السلام، فإِن ما يكون له هو لهم ونص الله عز وجل على فضل هذه الأُمة على بنى إِسرائيل وغيرهم بقوله: كنتم خير أُمة إِلخ وما ذاك إِلا لكون نبيها أَفضل الأُمم، وأَيضاً المراد عالمو زمانهم أَو هم أَفضل من هذه الأُمة بما ذكر لهم وهذه الأُمة فضلت بنبيها وسائر خصائصها، وكون الأُمم قبلها وأَنبيائهم نوابا عن هذه الأُمة ونبيها صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل المن والسلوى وعيون الحجر وتظليل الغمام فى الآية لأَنها فى التيه بعد تذكيره لهم إذ أَمرهم بدخول الأَرض المقدسة فعصوه فعوقبوا بالتيه كما قال: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} أَن تدخلوها وأَن تسكنوها على شرط أَن تقاتلوا الجبارين فيها، ففى اللوح المحفوظ إِن قاتلتموهم سكنتموها كما كتب للأَشقياءِ منازل فى الجنة لو آمنوا واتقوا وللسعداءِ منازل فى النار لو كفروا، أَو المراد كتبها فى اللوح المحفوظ والقضاءِ بها أَو تقديرها لمن يخلفكم من بنى إِسرائيل من أَولادكم وغيرهم، أَو هى لكم ولو لم تدخلوها كمن له دار منع من دخولها أَلا ترى إِلى قوله فإِنها محرمة وأَل فى الأَرض للعهد الذهنى وهى أَرض بيت المقدس لأَنهم يطلبونها لكونها أَرض أَنبياء بنى إِسرائيل ولسعة نعمها وطيب هوائها، ولأَنهم أمروا قبل الأمر بدخولها، وتقديسها تطهيرها بإِسكان الأَنبياءِ والمؤمنين من بنى إِسرائيل فسميت مقدسة لأَن سكانها مقدسون من الشرك والمعاصى، أَو لطهارتها منهما وذلك فى الجملة أَو أَكثرى لا فى كل فرد وكل زمان، أَو قدست من الآفات، والأَرض المقدسة قرية بيت المقدس وما يليها كان أَريحاءَ وقيل الطور وما حوله وقيل أَريحاء وفلسطين وبعض الأردن وقيل دمشق وقيل الشام كله، وعن الكلبى أَن إِبراهيم صعد جبل لبنان فقال الله سبحانه وتعالى انظر فيما أَدركه بصرك فهو مقدس ميراث لأَولادك {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُم} عن دينكم بالاعتقاد وبالعصيان، أَو بالعصيان، ودخل فى ذلك عدم الوثوق بالله وأَن يرجعوا إِلى ورائهم خوفا من الجبارين وذلك استعارة تمثيلية، وقيل الأَدبار ما وراءَهم من الأَماكن من مصر وغيرها وعلى متعلق بحال محذوف أَى منقلبين على أَدباركم، دخل النقباء أَرض الجبارين من الشام ومكثوا فيها أَربعين يوما يتجسسون فرأَوا أَجساماً أَربعمائة ذراع وأَجساماً ثمانين ذراعا وغير ذلك وعوقبوا بأَربعين عاما فى التيه كما أَقاموا أَربعين يوما فى أَرض الجبارين وأَخذ موسى عليه السلام ميثاقا عليهم أَن لا يذكروا عظم أَجسامهم للناس لئلا يفشلوا فنقضوا إِلا يوشع بن نون وكالب بن يوقنا لم يذكروا، وقالا: إِنها أَرض نعمة وقلوب أَهلها ضعاف فيها جبن، ولما سمع الناس عظم أَجسامهم بكوا وقالوا ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل علينا رأَسا ينصرف بنا إِلى مصر، وقالوا: لن ندخلها أَبدا ما داموا فيها الآية، وماتوا فى التيه وعوقب النقباءُ العشرة بموت سريع فى التيه ولم يخرج من التيه إِلا أَولاد هؤلاءِ العصاة ويوشع وكالب، ويروى أَن موسى مات فى التيه، ويروى أَنه خرج مع يوشع وفتحوا بلد الجبارين. {فَتَنْقَلِبُوا} أَى تصيروا أَو ترتدوا ارتداد خسارة، كقولك لا ترجع يكن رجوعا قبيحا والعطف على ترتدوا كأَنه قيل لا ترتدوا فلا تنقلبوا أَو نصب فى جواب النهى أَى لا يكن ارتدادكم فانقلابكم كقولك لا تكفر فتدخل النار بالنصب أَجازه الكسائى ومنعه ابن مالك {خَاسِرِينَ} الجنة والاستيلاءَ على بلادكم وذلك خسران الدنيا والدين والآخرة.

الالوسي

تفسير : {وَإذْ قَالَ مُوسَىٰ لقَوْمه} جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق منهم، وتفصيل كيفية نقضهم له مع الإشارة إلى انتفاء فترة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم؛ و {إذ} نصب على أنه / مفعول لفعل محذوف خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من الجنايات، أي واذكر لهم يا محمد وقت قول موسى عليه السلام [لقومه] ناصحاً ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه {يَـٰقَوْم ٱذْكُرُواْ نَعْمَةَ ٱلله عَلَيْكُمْ} وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت أبلغ من توجيهه إلى ما وقع فيه، وإن كان هو المقصود بالذات كما مرت الإشارة إليه، و {عليكم} متعلق إما بالنعمة إن جعلت مصدراً، وإما بمحذوف وقع حالاً منها إذا جعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم بالشكر، واذكروا نعمته كائنة عليكم، وكذا {إذ} في قوله تعالى: {إذْ جَعَلَ فيكُمْ أنبيَاءَ} متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور أي اذكروا إنعامه عليكم في وقت جعله، أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء، وصيغة الكثرة على حقيقتها كما هو الظاهر، والمراد بهم موسى وهارون ويوسف وسائر أولاد يعقوب على القول بأنهم كانوا أنبياء، أو الأولون، والسبعون الذين اختارهم موسى لميقات ربه، فقد قال ابن السائب ومقاتل: إنهم كانوا أنبياء. وقال الماوردي وغيره: المراد بهم الأنبياء الذين أرسلوا من بعد في بني إسرائيل؛ والفعل الماضي مصروف عن حقيقته، وقيل: المراد بهم من تقدم ومن تأخر ولم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} عطف على {جعل فيكم} وغير الأسلوب فيه لأنه لكثرة الملوك فيهم أو منهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في السعة والترفه، فلذا تجوز في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوة فإنها وإن كثرت لا يسلك أحد مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنها أمر إلٰهي يخص الله تعالى به من يشاء، فلذا لم يتجوز في إسنادها، وقيل: لا مجاز في الإسناد، وإنما هو في لفظ الملوك فإن القول كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله تعالى، فسمى ذلك الإنقاذ ملكاً، وقيل: لا مجاز أصلاً بل جعلوا كلهم ملوكاً على الحقيقة، والملك من كان له بيت وخادم كما جاء عن زيد بن أسلم مرفوعاً. وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن الحسن هل الملك إلا مركب وخادم ودار، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك زوجة تأوي إليها؟ قال؛ نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادماً، قال: فأنت من الملوك، وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار، وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق، وإليه ذهب أبو علي الجبائي، وأنت تعلم أن الظاهر هنا القول بالمجاز وما ذكر في معرض الاستدلال محتمل له أيضاً. {وَءَاتَـٰكُم مَّا لَمْ يُؤْت أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمينَ} من فلق البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وانفجار الحجر وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور المخصوصة، والخطاب لقوم موسى عليه السلام كما هو الظاهر، وأل في {العالمين} للعهد، والمراد عالمي زمانهم، أو للاستغراق، والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل، وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية، وإيتاء ما لم يؤت أحد وإن لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله ذلك، ولذا أول بما أول، وعن سعيد بن جبير وأبـي مالك أن الخطاب / هنا لهذه الأمة وهو خلاف الظاهر جداً ولا يكاد يرتكب مثله في الكتاب المجيد لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبني إسرائيل فوجود خطاب في الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم، وكأن الداعي للقول به ظن لزوم التفضيل مع عدم دافع له سوى ذلك، وقد علمت أنه من بعض الظن.

ابن عاشور

تفسير : عطف القصة على القصص والمواعظ. وتقدّم القول في نظائر {وإذ قال} في مواضع منها قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربّك للملائكة} تفسير : في البقرة (30). ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أنّ القصة مشتملة على تذكير بنعم الله تعالى عليهم وحثّ على الوفاء بما عاقدوا الله عليه من الطاعة تمهيداً لطلب امتثالهم. وقدّم موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة الله عليهم ليُهيّىء نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليُوثقهم بالنصر إن قاتلوا أعداءهم، فذكر نعمة الله عليهم، وعَدّ لهم ثلاث نعم عظيمة: أولاها: أنّ فيهم أنبياء، ومعنى جَعْل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون، ويجوز أن يراد جعل في المخاطبين أنبياءَ؛ فيحتمل أنّه أراد نفسه، وذلك بعد موت أخيه هارون، لأنّ هذه القصّة وقعتْ بعد موت هارون؛ فيكون قوله {أنبياءَ} جمعاً أريد به الجنس فاستوى الإفراد والجمع، لأنّ الجنسية إذا أريدت من الجمع بطلت منه الجمعية، وهذا الجِنس انحصر في فرد يومئذٍ، كقوله تعالى {أية : يحكم بها النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا}تفسير : [المائدة: 44] يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء. فقد كانت مريم أخت موسى نبيئة، كما هو صريح التوراة (إصحاح 15 من الخروج). وكذلك ألْدَاد ومَيْدَاد كانا نبيئين في زمنَ موسى، كما في التّوراة (إصحاح11 سفر العدد). وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أنّ في ذلك ضمانَ الهدى لهم والجري على مراد الله تعالى منهم، وفيه أيضاً حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال. والثانية: أنْ جعلهم ملوكاً، وهذا تشبيه بليغ، أي كالملوك في تصرّفهم في أنفسهم وسلامتهم من العبوديّة الّتي كانت عليهم للقبط، وجعلهم سادة على الأمم التي مرّوا بها، من الآموربين، والعَناقيين، والحشبونيين، والرفائيين، والعمالقة، والكنعانيين، أو استعمل فعل {جعلكم} في معنى الاستقبال مثل {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1] قصداً لتحقيق الخبر، فيكون الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم. والنعمة الثالثة: أنّه آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ومَا صدقُ (ما) يجوز أن يكون شيئاً واحداً ممّا خَصّ الله به بني إسرائيل، ويجوز أن يكون مجموع أشياء إذ آتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدى المعصومة، وأيّدهم بالنّصر في طريقهم، وساق إليهم رزقَهُم المنّ والسلوى أربعين سنة، وتولّى تربية نفوسهم بواسطة رُسله. وقوله: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة} هو الغرض من الخطاب، فهو كالمقصد بعد المقدّمة، ولذلك كرّر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء بــ{يَا قَوم} لزيادة استحضار أذهانهم. والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه، أي تهيَّأوا للدخول. والأرض المقدّسة بمعنى المطهّرة المباركة، أي الّتي بارك الله فيها، أو لأنّها قُدّست بدفن إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ في أوّل قرية من قراها وهي حَبْرون. وهي هنا أرض كنعان من برية (صِين) إلى مدخل (حَمَاة وإلى حبرون). وهذه الأرض هي أرض فلسطين، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسّط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى (حماة) شمالاً وإلى (غَزّة وحبرون) جنوباً. وفي وصفها بــ {التي كتب الله} تحريض على الإقدام لدخولهَا. ومعنى {كتب الله} قَضَى وقدّر، وليس ثمّة كتابة ولكنّه تعبير مجازي شائع في اللّغة، لأنّ الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه، كما قال الحارث بن حلّزة:شعر : وهل ينقض ما في المهارق الأهواء تفسير : فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله، وذلك أنّ الله وعد إبراهيم أن يورثها ذرّيته. ووعدُ الله لا يُخلف. وقوله: {ولا ترتَدّوا على أدباركم} تحذير ممّا يوجب الانهزام، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال. والارتداد افتعال من الردّ، يقال: ردّه فارتدّ، والردّ: إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه. والأدبار: جمع دُبُر، وهو الظهر. والارتداد: الرجوع، ومعنى الرجوع على الأدبار إلى جهة الأدبار، أي الوراء لأنّهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ظهره، كما يقُولون: نكص على عقبيه، وركبوا ظهورهم، وارتدّوا على أدبارهم، وعلى أعقابهم، فعدّي بــ{على} الدالّة على الاستعلاء، أي استعلاء طريق السير، نزّلت الأدبار الّتي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الّذي يسار عليه. والانقلاب: الرجوع، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى: {أية : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل}تفسير : [آل عمران: 174]. والمراد به هنا مطلق المصير. وضمائر {فيها} و{منها} تعود إلى الأرض المقدّسة. وأرادوا بالقوم الجبّارين في الأرض سكّانها الكنعانيين، والعمالقة، والحثيين، واليبوسيين، والأموريين. والجبّار: القوي، مشتقّ من الجَبْر، وهو الإلزام لأنّ القويّ يجبر النّاس على ما يريد. وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الّذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم بجودة الأرض وبقوّة سكّانها. وهذا كناية عن مخالفتهم من الأمم الذين يقطنون الأرض المقدّسة، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفاً من أهلها، وأكّدوا الامتناع من دخول أرض العدوّ توكيداً قويّاً بمدلول (إنّ) و(لنْ) في {إنّا لن ندخلها} تحقيقاً لخوفهم. وقوله: {فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون} تصريح بمفهوم الغاية في قوله: {وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها} لقصد تأكيد الوعد بدخولها إذا خلت من الجبّارين الذين فيها. وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد: «أنّ الله أمر موسى أن يرسل اثني عشر رجلاً جواسيس يتجسّسون أرض كنعان الّتي وعدَها الله بني إسرائيل من كلّ سبط رجلاً؛ فعيّن موسى اثني عشر رجلاً، منهم: يوشع بن نون من سبط أفرايم، ومنهم كالب بن يفنة من سبط يهوذا، ولم يسمّوا بقية الجواسيس. فجاسوا خلال الأرض من برية صين إلى حماة فوجدوا الأرض ذات ثمار وأعناب ولبن وعسل ووجدوا سكّانها معتزّين، طوال القامات، ومُدنهم حصينة. فلمّا سمع بنو إسرائيل ذلك وهلوا وبكوا وتذمّروا على موسى وقالوا: لوْ متنا في أرض مصر كان خيراً لنا من أن تغنم نساؤنا وأطفالنا، فقال يوشع وكالب للشعب: إن رَضي الله عنّا يدخلنا إلى هذه الأرض ولكن لا تعصوا الربّ ولا تخافوا من أهلها، فالله معنا. فأبى القوم من دخول الأرض وغضب الله عليهم. وقال لموسى: لا يدخل أحد مَن سِنُّه عشرون سنة فصاعداً هذه الأرض إلاّ يوشع وكالباً وكلّكم ستدفنون في هذا القفر، ويكون أبناؤكم رُعاة فيه أربعين سنة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نعمة الله عليكم: منها نجاتهم من فرعون وملائه. إذ جعل فيكم أنبياء: منهم موسى وهارون عليهما السلام. وجعلكم ملوكاً: أي مالكين أمر أنفسكم بعد الاستعباد الفرعوني لكم. العالمين: المعاصرين لهم والسابقين لهم. المقدسة التي كتب: المطهرة التي فرض الله عليكم دخولها والسكن فيها بعد طرد الكفار منها. ولا ترتدوا على أدباركم: أي ترجعوا منهزمين إلى الوراء. قوماً جبارين: عظام الأجسام أقوياء الأبدان يجبرون على طاعتهم من شاءوا. يخافون: مخالفة أمر الله تعالى ومعصية رسوله. أنعم الله عليهما: أي بنعمة العصمة حيث لم يفشوا سر ما شاهدوه لما دخلوا أرض الجبارين لكشف أحوال العدو بها، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثني عشر. معنى الآيات: ما زال السياق مع أهل الكتب وهو هنا في اليهود خاصة إذ قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ} كموسى وهارون عليهما السلام {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} تملكون أنفسكم لا سلطان لأمة عليكم إلا سلطان ربكم عز وجل {يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} للسَّكَن فيها والاستقرار بها فافتحوا باب المدينة وباغتوا العدو فإنكم تغلبون {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} أي ولا ترجعوا إلى الوراء منهزمين فتنقلبوا بذلك خاسرين، لا أمر الله بالجهاد أطعتم، ولا المدينة المقدسة دخلتم وسكنتم، واسمع يا رسولنا جواب القوم ليزول استعظامك بكفرهم بك وهمهم بقتلك، ولتعلم أنهم قوم بهت سفلة لا خير فيهم، إذ قالوا في جوابهم لنبيهم موسى عليه السلام: {يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}!! وكان سبب هذه الهزيمة الروحية ما أذاعه النقباء من أخبار مهيلة مخيفة تصف العمالقة الكنعانيين بصفات لا تكاد تتصور في العقول اللهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا وهما اللذان قال تعالى عنهما: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} أي أمر الله تعالى {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} فعصمهما من إفشاء سر ما رأو من قوة الكنعانيين إلا لموسى عليه السلام قالا للقوم {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} أي باب المدينة {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} وذلك لعنصر المباغتة وهو عنصر مهم في الحروب، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ} وهاجموا القوم واقتحموا عليهم المدينة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بما أوجب الله عليكم من جهاد وكتب لكم من الاستقرار بهذه البلاد والعيش بها، لأنها أرض القدس والطهر. هذا ما تضمنته الآيات الأربع، وسنسمع رد اليهود على الرجلين في الآيات التالية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بإعلامه تعالى بخبث اليهود وشدة ضعفهم ومرض قلوبهم. 2- فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم. 3- بيان الأثر السيء الذي تركه إذاعة النقباء للأخبار الكاذبة المهولة، وقد استعملت ألمانيا النازية هذا الأسلوب ونجحت نجاحاً كبيراً حيث اجتاحت نصف أوربا في مدة قصيرة جداً. 4- بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس. 5- فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار.

القطان

تفسير : اذكر يا محمد حينما قال موسى لقومه: يا بني إسرائيل، تذكَّروا فضل الله عليكم، واشكروا له نعمه وأطيعوه، إذ جعل فيكم أنبياء يتولّونكم بالهداية والارشاد، وجعل منكم ملوكاً فأعزّكم بهم بعد أن كنتم أذلاء في مملكة فرعون، وحباكم بنعمٍ لم يؤتِ مثلها أحداً غيركم ـ فأطيعوه. يا قوم، أدخُلوا الارض المقدَّسة التي قدَّر الله عليكم دخولها، ولا تجبُنوا أمام أهلها، ولا تتراجعوا عن طاعته أيضاً. فإن انقلبتم عن الطاعة عُدتم خاسرين لثواب الدارَين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَاقَوْمِ} {وَآتَاكُمْ} {ٱلْعَٱلَمِينَ} (20) - وَاذْكُرْ يَِا مُحَمَّدُ لأهْلِ الكِتَابِ، وَأَنْتَ تُبِلِّغُهُمْ دَعْوَةَ رَبِّهِمِ، مَا قَالَهُ مُوسَى لِقَوْمِهِ، وَمَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنْ أَنْعُمِ اللهِ وَأفْضَالِهِ عَلَيهِمْ، بِمَا جَمَعَهُ لَهُمْ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الهُدَى، فَقَدْ جَعَلَ الأَنْبِياءَ فِيهِمْ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيهِمْ نَبِيٌّ يَدْعُوهُم إلى اللهِ، وَيُحَذِّرُهُمْ نِقَمَهُ، وَأنَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَهُمْ مُلُوكاً (بِمَعْنَى أنَّ وَاحِدَهُمْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَأهْلَهُ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ سُمِّيَ مَلِكاً). وَأنَّهُ تَعَالَى آتَاهُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العَالَمِينَ مِنْ أهْلِ زَمَانِهِمْ، فَقَدْ أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ بِالغَمَامِ فِي مَسِيرَتِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} إختلفوا في معنى الملوك. فروى أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً ". تفسير : وقال ابن عباس ومجاهد والحسن والحكم: من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك. وقال أبو عبد الرحمن: قال: سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقداء المهاجرين؟ فقال له عبد اللّه: ألك إمرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: إنّ لي خادماً ومالاً. قال: فأنت من الملوك. وروى أبو عبلة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصبح معافى في بدنه آمناً في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، ياابن جعشم يكفيك منها ما يسدّ جوعك ويواري عورتك فإن كان بيت يواريك فذاك، وإن كان دابة تركبها فبخ، فلق الخبز وماء البحر وما فوق ذلك حساب عليك ". تفسير : وقال الضحّاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جار فهو ملك. وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم وأول من سخّر لهم الخدم من بني آدم. قال السدّي: يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد أن كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا فأخرجكم اللّه من الذّل {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} يعني عالمي من غيركم. وقال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر والغمام {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} إختلفوا في الأرض المقدسة ما هي. فقال مجاهد: هي الطور وما حوله.وقال الضحّاك: هي إيليا وبيت المقدس الحرام محرم مقداره، السماوات والأرض بيت المقدس مقدّس مقداره من السماوات والأرض. عكرمة والسدّي وابن زيد: هي أريحا. الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. قتادة: هي الشام كلها. حديث : قال زيد بن ثابت: بينما نحن حول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: "طوبى للشام" قيل: يا رسول اللّه ولم ذاك؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم ". تفسير : نصير بن علقمة الحمصي عن جبير بن نقير عن عبد اللّه بن حوالة قال: حديث : كنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "واللّه لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح اللّه أرض فارس والرّوم وأرض حمْير وحتى تكونوا أجناداً ثلاثة، جنداً بالشام، وجنداً بالعراق وجنداً باليمن". فقال ابن حوالة: يا رسول اللّه أن أدركني ذلك، قال: "اختر لك الشام فإنها صفوة اللّه من بلادكم وإليها [يجتبي] صفوته من عباده، يا أهل الإسلام فعليكم بالشام فإن صفوة اللّه من الأرض الشام فمن أبى فليلحق بيمينه وليستق من غدره إن اللّه قد تكفّل لي بالشام وأهله ". تفسير : روى الأعمش عن عبد اللّه بن صبّار عن أبيه عن عبد اللّه بن مسعود قال: قسّم الخير عشرة أعشار فجعل منه تسعة بالشام وواحد بالعراق. وقسم الشّر عشرة أعشار فجعل منه تسعة بالعراق وواحد بالشام. ودخل الشام عشرة ألف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم ونزل خمس وسبعمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سبعون [صحابياً] {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني كتبه في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن. وقال ابن إسحاق: ذهب اللّه لكم. السّدي: أمركم به يدعو لها، وقتادة: أمروا بها كما أمروا بالصلاة {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} أعقابكم بخلاف اللّه {فَتَنْقَلِبُوا}. قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام جبل لبنان فقيل له: أنظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريّتك من بعدك، قالوا: يعني بني إسرائيل، يا موسى إكتموا أمرهم لا تخبروا به أحداً من أهل العسكر فيفشيانه فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابن عمّه إلاّ رجلين وفيا. فقال لهم موسى: وهما يوشع بن نون بن أفراثيتم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا ختن موسى على أخته مريم ابنت عمران وهما من إيليا فعلمت جماعة بني إسرائيل ذلك، ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وقالوا: يا ويلتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا اللّه لدينهم فيكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأساً وننصرف إلى مصر وذلك قوله عز وجل إخباراً عنهم: {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا}. وقال قتادة: كانت لهم أجسام وخلق عجيب ليست لغيرهم {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} فلما قالوا ذلك وهمّوا بالإنصراف إلى مصر خرّ موسى وهارون (عليهم السلام) ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر اللّه عز وجل عنهما في قوله {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} أي يخافون اللّه. قرأ سعيد بن جبير يخافون بضم الياء وقال: كانا من الجبّارين فأسلما واتّبعا موسى. {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالتوفيق والعصمة {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} يعني قرية الجبّارين {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} لأنّ اللّه منجز وعده ولا ينساهم فكانت أجسامهم عظيمة قوية، وقلوبهم ضعيفة فلا يخشونهم {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما {قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. روي حديث : أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدّ عن البيت: إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت.فقال المقداد بن الأسود: أما واللّه لا نقول لك ما قال قوم موسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون، ولكنّا نقاتل عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلفك فلو خضت البحر لخضناه معك، ولو تسنّمت جبلاً لعلوناه معك فسر بنا على بركة الله، فلما سمع أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بايعوه على ذلك وأشرق وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بذلك وسرّه . تفسير : قال ابن مسعود: لأن أكون صاحب هذا المسجد أحبّ إليّ مما عدل بي. فلمّا فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم بينهم ومخالفتهم أمر ربهم وهممتم بيوشع وكالب، غضب موسى ودعا عليهم {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ} أي فأفصل واقضِ. وقرأ عبيد بن عمير: فافرق بخفض الرّاء {بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} العاصين. وكانت عجلة عجلها موسى وظهر الغمام على باب قبة الزمر موضع مناجاته وأوحى اللّه تعالى إلى موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدّقون بالآيات لأهلكنّهم جميعاً ولاجعلنّ لك شعباً أشد وأكثر منهم، فقال موسى (عليه السلام): إلهي لو إنّك قتلت هذا الشعب كلّهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا: إنمّا قتل هذا الشعب لإنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدسة فقتلهم في البرية، وإنّك طويل صبرك كثير نعمك وإنّك تغفر الذنوب وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء، فاغفر لهم توبتهم، فقال اللّه لموسى: قد غفرت لهم بكلمتك ولكن بعد ما سميّتهم فاسقين ودعوت عليهم لأحرّمن عليهم دخول الأرض المقدسّة غير عبديّ يوشع وكالب ولأتيِّهنَّهم في هذه البرية أربعين سنة فكان كل يوم من الأيام الذي يحتسبوا فيها سنة وليلقين حتفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعلموا الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة فذلك قوله تعالى {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} يتحيرون في الأرض فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيروا في كل يوم جادّين حتّى إذا أمسوا وباتوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا عليه، وكانوا ستمائة الف مقاتل ومئات من النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة فكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قالوا {إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً} فلمّا هلكوا وانقضت أربعون سنة ونشأت النواشي من ذرياتهم ساروا إلى حرب الجبارين. واختلف العلماء في من تولي ذلك الحرب وعلى يد من كان الفتح، فقال القوم: إنمّا فتح أريحا موسى (عليه السلام) وكان يوشع على مقدمته فسار موسى إليهم بمن بقي من بني إسرائيل فدخل بهم يوشع وقاتل الجبابرة التي كانوا بها ثم دخلها موسى (عليه السلام) بني إسرائيل فأقام فيها ما شاء اللّه أن يقيم فيه ثم قبضه اللّه إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق، وهذا أصح الأقاويل، لإجماع العلماء أن عوج ابن عناق قتله موسى، واللّه أعلم. وقال الآخرون: إنّما قاتل الجبّارين يوشع ولم يسر إليهم إلاّ بعد موت موسى، وهلاك جميع من أبى المسير إليها فقالوا: مات موسى وهارون في التيه. قصة وفاة هارون (عليه السلام) قال السدّي: أوحى اللّه عز وجل إلى موسى: أني متوفي هارون، فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو الجبل، فإذا هما بشجر لم ير شجر مثلها وإذا بيت مبني فيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلمّا نظر هارون إلى ذلك بجنبه أعجبه وقال: يا موسى إنّي أحب أن أنام على هذا السرير، قال: فنم عليه، فقال: إنّي أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا، أنا أكفيك رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعاً، فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حتفه قال: يا موسى خذ عيني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له، فقال موسى: ويحكم فإنّ أخي أُمر ولن أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا اللّه فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. وقال عمرو بن ميمون: كان وفاة موسى وهارون في التيه، ومات هارون قبل موسى. فكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون ودفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبت ولكنك قتلته لمحبّتنا إياه، وكان محبباً في بني إسرائيل. فتضرع موسى إلى ربّه وشكى ما لقي من بني إسرائيل فأوحى اللّه عز وجل إليه أن انطلق بهم إلى قبر هارون حتى تخبرهم أنه مات موتاً ولم تقتله، وانطلق بهم إلى قبر هارون فنادى: يا هارون فخرج من قبره ينفض من رأسه فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا واللّه ولكنّي متّ قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا. وأما وفاة موسى (عليه السلام) فقال ابن إسحاق: كان صفي اللّه موسى قد كره الموت وأعظمة فلما كرهه أراد اللّه أن يحبِّب إليه الموت ويكرِّه إليه الحياة فالتقى يوشع بن نون وكان يغدو ويروح عليه فيقول له موسى: يا نبي الله ما أحدث اللّه؟ فيقول له يوشع: يا نبي اللّه ألم أصحبك كذا وكذا سنة وهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث اللّه إليك حتّى تكون أنت الذي تهتدي به وتذكره ولا تذكر له شيئاً؟ فلما رأى ذلك موسى كره الحياة وأحبّ الموت، ثم اختلفوا في صفة موته. فروى همام بن منبه عن أبي هريرة عن محمد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جاء ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فقال له: أجب ربك، قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع ملك الموت إلى اللّه تعالى فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرّد اللّه عينه وقال: إرجع إلى عبدي، فقل له: الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بعدد كل شعرة من ذلك سنة قال: ثم ماذا، قال: ثم تموت، قال: فألان من قريب قال: ياربّ أدنني من الأرض المقدسة قدر رمية حجر"، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "واللّه لو إني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطور الطريق عند الكثيب الأحمر ". تفسير : قال الثعلبي: سمعت أبا سعيد بن حمدون قال: سمعت أبا حامد المقري قال: سمعت محمد ابن يحيى يقول: قد صحّ هذا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم معنى قصة ملك الموت وموسى لا يردّها إلاّ ضال. وفي حديث آخر: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ ملك الموت كان يأتي النّاس عياناً حتّى أتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فرجع ملك الموت، فجاء بعد ذلك خفية ". تفسير : وقال السّدي: في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان موسى (عليه السلام) يمشي وفتاه يوشع إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى. فقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم لموسى نبي الله فأستلّ موسى من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل. وقالوا: أقتلت نبي اللّه؟ قال: لا واللّه ما قتلته ولكن استلّ منّي، فلم يصدّقوه وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني فأخّروني ثلاثة أيام فدعا اللّه عز وجل فأتى كل رجل ممّن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه ". تفسير : وقال وهب: خرج موسى (عليه السلام) لبعض حاجته فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبراً فعرفهم فأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبراً لم ير شبيهاً قط أحسن منه ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة اللّه لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفره واللّه لعبد كريم على ربّه، قال: إنّ لهذا العبد من اللّه لمنزلة فإني ما رأيت كاليوم مضجعاً، فقالت الملائكة: يا صفي اللّه أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربك ثم تنفس أسهل تنفس تنفّسته قط، فنزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربه ثم تنفس فقبض اللّه روحه ثم سوّت عليه الملائكة. وقيل: إن ملك الموت أتاه فقال له: يا موسى أشربت الخمر؟ قال: لا، فاستكرهه فقبض روحه. وقيل: بل أتاه بتفاحة من الجنّة فشمها فقبض روحه. ويروى أن يوشع بن نون رآه بعد موته في المنام فقال: كيف وجدت الموت. قال كشاة تُسلخ وهي حيّة، وكان عمر موسى (عليه السلام) مائة وعشرون سنة، عشرين سنة منها في ملك إفريدون ومائة في ملك منوهر فلما انقضت الأربعون سنة مات. ولما مات موسى بعث اللّه تعالى إليهم يوشع نبياً فأخبرهم إنه نبي اللّه وأن اللّه أمرهم بقتال الجبّارين فصدقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر فلما كان في السابع نفخ في القرون وضجّ الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فدخلوا وقاتلوا الجبّارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت الغلبة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب ودخل ليلة السبت فخشي أن يعجزوا فقال: اللهم أردد الشمس عليّ فقال للشمس: إنّك في طاعة اللّه فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقم حتى ينتقم من أدعائه دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد له في النهار ساعة حتى قطعهم أجمعين ثمّ أرسل ملوك الأرمانيين بعضهم إلى بعض فكانوا خمسة فجمعوا كلمتهم على يوشع وقومه وهزمت بنو إسرائيل الملوك حتى أهبطوهم إلى هبطة خوران ورماهم اللّه تعالى بأحجار مبرّد وكان من قبله البرد أكثر مما قبله بنو إسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك فاختفوا في غار فأمرهم يوشع فأخرجوا فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم فطرحهم في ذلك الغار وتتّبع سائر ملوك الشام فاستباح منهم واحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام وصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرق عمّاله في نواحيها ثم جمع الغنائم فلم ينزل النار. فأوحى اللّه تعالى إلى يوشع أنّ فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت. فدخل بينهم بيده، فقال صلى الله عليه وسلم هلمّ لما عندك فأتاه برأس الثور مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غلّه فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأحنث الرجل والقربان. معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : غزا نبي من الأنبياء فقال: لقومه لا يتبعني رجل قد ناكح امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما بنى ولا آخر قد بنى بناء له ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها. قال: فغزا فدنا للدير حين صلّى العصر أو قريباً من ذلك. فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللّهم احبسها عليّ ساعة فحبست له ساعة حتى فتح اللّه عليه. قال من علمي أنها لم تُحبس لأحد قبله ولا بعده ثم وضعت الغنيمة فجمعوا فجاءت النار ولم تأكلها فقال: إنّ فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة منكم رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده.فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم، قال: فأخرجوا مثل رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلتها" قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا وذلك لأن اللّه تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا ". تفسير : قالوا: ثم مات يوشع (عليه السلام) ودفن في جبل أفرايم وكان عمره مائة وستاً وعشرين سنة. وتدبّر أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى سبعاً وعشرين سنة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة تسمع "إذ" فاعلم أنها ظرفية تعني "حين" كأن الحق يقول: اذكر حين قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم. ويقول الحق لرسوله ذلك لأن هذا اللون من الذكر يعين الرسول صلى الله عليه وسلم على تحمل ما يتعرض له في أمر الدعوة والرسالة سواء من ملاحدة أو من أهل كتاب. إن الحق حينما قال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} أي اذكر يا محمد، أو أذكر يا من تتبع محمداً، أو اذكر يا من تقرأ القرآن إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. ولا يقول موسى لقومه: {يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} إلا إذا كان قد رأى منهم عملاً لا يتناسب مع النعم التي أنعم الله يها عليهم، وذلك - ولله المثل الأعلى - كما يقول الواحد منا لولد عاق: اذكر ما فعله والدك معك. ولا يقولن الواحد منا ذلك إلا وقد بدرت من الابن بوادر لا تتناسب مع مقدمات النعم ومقدمات الفضل عليه. فكأن قوم موسى قد أرهقوه وتحمل منهم الكثير؛ لدرجة أنه قال لهم على سبيل الزجر ما قد يجعلهم يفيقون وينتبهون ويفطنون إلى ذكر نعمة الله عليهم، ومعنى ذكر النعمة هو الاستماع إلى منهج الله وتنفيذ أوامر الحق واجتناب النواهي. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وعرفنا أن "النعمة" يقصد بها الجنس والمراد بها النعم كلها، أو كأن كل نعمة على انفرادها خليقة وجديرة أن تُذكر وتُشكر، والدليل على أن النعمة يراد بها كل النعم أن الله قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ومادام عدّ النعمة لا نستطيع معه أن نعرف إحصاءها؛ فهي نعم متعددة. إذن فالمراد بالنعمة كل النعم لأنها اسم جنس. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وذكر النعمة يؤدي إلى شكر المنعم ويؤدي أيضاً إلى الاستحياء من أن نعصي من أنعم، ويجعلنا نستحي أن نأخذ نعمته لتكون معينا لنا على معصيته. {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وهي نعم كثيرة تمتعوا بها، ألم يفلق الحقُ لهم البحرَ: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} تفسير : [الشعراء: 63] وبعد أن ضرب الماء بالعصا: {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63] فقد صار الماء السائل جبالاً. وضرب لهم الحجر؛ بأمر الله فانفجرت منه المياه: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} تفسير : [البقرة: 60] إنها عجائب كثيرة تتجلى فيها قدرة الخالق الأعظم، وتبين القدرة مجالات تصرفها، فقد ضرب موسى البحر فصار كل فرق كالطود العظيم، وكأن الماء صار صخراً. وضرب موسى الصخر فتفجرت المياه. إنها عجائب القدرة. ألم يظللكم بالغمام؟ ألم ينزل عليكم في التيه المن والسلوى؟ وكل هذه النعم ألا تستحق الذكر لله والشكر لله والاستحياء من أن تعصوه أو أن ترهقوا الرسول الذي جاء لهدايتكم؟ إن كل هذه النعم تستحق الشكر، والشكر ذكر. { ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} وكلما أدركتهم غفلة فإن الحق يرسل لهم نبياً كأسوة سلوكية. ولم يغضب عليهم ولم يقل: أرسلت لهم رسولا واثنين وثلاثة وأربعة. ولم يهتدوا، بل كلما عصوا الله واستعصت داءاتهم أرسل لهم رسولا، مثلهم في ذلك كمثل المريض الذي لا يضن عليه عائله بطبيب أو بطبيبين أو ثلاثة أو أربعة، بل كلما لاحظ عائله شيئا فإنه يرسل له طبيباً. وفي ذلك امتنان؛ لأن الله أرسل إليهم كثيراً من الرسل. وكان عليهم أن يعلموا أن داءاتهم قد كثرت وصار مرضهم مستعصيا؛ لأنه لو لم يكن المرض مستعصيا؛ لما كانوا في حاجة إلى هذه الكثرة من الأطباء والأنبياء، ومع ذلك رحمهم الله وكلما زاد داؤهم أرسل لهم نبيا. ولم يكتف الحق بأن جعل فيهم أنبياء؛ بل قال: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} وليس معنى ذلك أنهم كلهم صاروا ملوكاً؛ ولكن كان منهم الملوك. "والملك" كلمة أخذت اصطلاحاً سياسياً، فكل إنسان مالك ما في حوزته؛ مالك لثوبه، أو مالك اللقمة التي أكلها، أو مالك البيت الذي ينام فيه، لكن المَلِك هو الذي يملك وَيمْلِك مَن مَلك. إذن فكل واحد عنده القدرة أن يملك شيئاً ويملك مَن مَلَك يكون مَلِكاً، فرجل عنده رُعيان يقومون برعي القطعان من الماشية التي يملكها، وعنده أناس يخدمون في المنزل وأناس يعملون في المزرعة، وعنده أكثر من سائق، وعنده أناس كثيرون يأتمرون بأمره ولا يدخلون عليه إلا بإذنه ولا يتكلف في لقائهم أي حرج أو مشقة، هذا الرجل لا بد أن يكون ملكاً. إذن فقد أعطاهم الحق نعمة وفيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يحدد الملكية الواسعة التي تحدد الفرد تحديداً إيمانياً فقال: "حديث : من أصبح منكم آمنا في سربه معافىً في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". تفسير : ومادام قد حيزت له الدنيا بحذافيرها بهذه الأشياء فهو ملك. وقد أعطاهم هذه المسائل أي جعلهم ملوكاً. {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} أي أنه سبحانه أعطاهم ما لم يعده لأحد مِمَّن حولهم؛ ووالى عليهم ذلك العطاء، ألم يعط - سبحانه - نبي الله سيدنا سليمان وهو من بني إسرائيل مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟ تلك الواقعة لم يقلها موسى عليه السلام لأنها حدثت من بعد موسى بأحد عشر جيلاً. ويقول الحق بعد ذلك: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} معناهُ المَّنُ والسُّلوى والحَجرُ والغَمَامُ.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} الآية، مناسبتها لما قبلها أنه تعالى بين تمردّ أسلاف اليهود على موسى وعصيانهم إياه مع تذكيره إياهم بنعم الله وتعداد ما هو العظيم منها وإن هؤلاء الذين هم بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم هم جارون معك مجرى أسلافهم مع موسى عليه السلام وعدد عليهم من نعمة ثلاثاً، الأولى: جعل أنبياء فيهم وذلك أعظم الشرف إذ هم الوسائط بين الله وبين خلقه والمبلغون عن الله شرائعه. الثانية: جعلهم ملوكاً ظاهرة الامتنان عليهم بأن جعلهم ملوكاً أي جعل منهم ملوكاً إذ الملك شرف الدنيا واستيلاء، فذكرهم بأن منهم قادة الآخرة وقادة الدنيا. الثالثة: إيتاؤهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، فسره ابن عباس بالمن والسلوى والحجر والغمام. و{الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} المطهرة وهي إيليا المشتملة على بيت المقدس الآن، وقيل غير ذلك. وقال الفرزدق: شعر : وبيتان بيت الله نحن نزوره وبيت بأعلى إيلياء مشرف تفسير : وفي الحديث: حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد، فمسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى . تفسير : ومعنى: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قسمها لكم وسماها وفي ذلك تنشيط لهم وتقوية، إذ أخبرهم بأن الله تعالى كتبها لهم. {وَلاَ تَرْتَدُّوا} أي لا تنكصوا. {عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} من خوف الجبابرة جنباً وهلعا. {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا} الظاهر أن قومه قالوا ذلك. وقيل: النقباء، وقيل: الأشراف المطلعون على الأسرار. {قَوْماً جَبَّارِينَ} قيل: إنهم من الروم استولوا على الأرض المقدسة وكانوا شجعاناً وذوي قوة، وقيل: من ولد العيص بن إسحاق. {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} بقتال غيرنا أو بسيب يخرجهم الله به فيخرجون. {قَالَ رَجُلاَنِ} الأشهر عند المفسرين أن الرجلين هما يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف وهو ابن أخت موسى، وكالب بن يوقنا ختن موسى على أخته مريم بنت عمران، وهما اللذان وفيا من النقباء الذي بعثهم موسى [عليه السلام] في كشف أحوال الجبابرة فكتما ما اطلعا عليه من حال الجبابرة إلا عن موسى عليه السلام وأفشى ذلك بقية النقباء في أسباطهم فآل بهم ذلك إلى الخور والجبن بحيث امتنعوا من القتال. ومعنى: {مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} أي من قتال الجبابرة. {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي بالوثوق بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة. {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} والباب باب مدينة الجبارين. والمعنى أقدموا على الجهاد وكافحوا حتى تدخلوا عليهم الباب وهذا يدل على أن موسى كان قد أنزل محلته قريباً من المدينة. {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} قالا ذلك ثقة بوعد الله في قوله: كتب الله لكم، وقيل: رجاء لنصر الله ورسله وغلب ذلك على ظنهم وما غزى قوم في عقر ديارهم إلا ذلّوا وإذا لم يكونوا حافظي باب مدينتهم حتى دخل وهو المهم فلأن لا يحفظوا ما وراء الباب أولى. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ} لما رأيا بني إسرائيل قد عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الاقدام على الجهاد مع وعد الله السابق لهم استرابا في إيمانهم فأمرهم بالتوكل على الله إذ هو الملجأ والمفزع عند الشدائد وعلقا ذلك بشرط الإِيمان الذي استرابا في حصوله لبني إسرائيل، والفاء في قوله: فتوكلوا جواب أمر محذوف تقديره تنبهوا وعلى الله متعلق بتوكلوا كما قالت العرب زيداً فاضرب تقديره تنبه، فاضرب زيداً وكثيراً يأتي معمول ما بعد الفاء متقدماً عليها. {قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ} لما كرر عليهم أمر القتال كرروا الامتناع على سبيل التوكيد الموئس وقيدوا أولاً نفي الدخول بالظرف المختص بالاستقبال وحقيقة التأبيد. وقد يطلق على الزمان المتطاول وكأنهم أولاً نفوا الدخول طول الأبد ثم رجعوا إلى تعليق ذلك بديمومية الجبارين فيها، وما في قوله: {مَّا دَامُواْ} مصدرية ظرفية تقديره مدة دوامهم فيها فأبدلوا زماناً مقيداً من زمان هو ظاهر في العموم في الزمان المستقبل فهو بدل بعض من كل. {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ} ظاهر الذهاب الانتقال وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة ولذلك قال الحسن: هو كفر منهم بالله تعالى، ويدل على ذلك عبادتهم العجل واتخاذه إلهاً وكونهم حين مروا بقوم يعبدون البقر. قالوا لموسى عليه السلام: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]. وربك معطوف على الضمير المستكن في اذهب المؤكد بأنت. وتقدم الكلام على نظير هذا في قوله: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [البقرة: 35]. {إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} هذا دليل على أنهم خارت طباعهم فلم يقدروا على النهوض معه للقتال ولا على الرجوع في حيث جاؤوا بل أقاموا حيث كانت المجاورة بين موسى وبينهم وها من قوله هاهنا للتنبيه وهنا ظرف مكان للقريب؛ والعامل فيه قاعدون. {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ} لما عصوا أمر الله وتمردوا على موسى وسمع منهم ما سمع من كلمة الكفر وسوء الأدب مع الله ولم يبق معه من يثق به إلا هارون قال ذلك، وهذا من الكلام المنطوي صاحبه على الالتجاء إلى الله وشدة اللياذ به والشكوى إليه ورقة القلب التي تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة. {وَأَخِي} منصوب معطوف على نفسي، ويعني به هارون عليه السلام وكأنه ما اعتد بذينك الرجلين المؤمنين، كما روي عن علي كرم الله وجهه أنه خطب في مسجد الكوفة مستنجداً على قتال أعدائه فلم يجبه إلا رجلان، فقال: أين يقعان مما أريد. وأجاز الزمخشري وابن عطية أن يكون "وأخي" مرفوعاً معطوفاً على الضمير المستكن في أملك وجاز ذلك للفصل بينهما بالمفعول المحصور ويلزم من ذلك، ان موسى وهارون لا يملكان إلا نفس موسى فقط وليس المعنى على ذلك بل الظاهر ان موسى عليه السلام يملك أمر نفسه وأمر أخيه فقط. {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا} ظاهره أنه دعا بأن الله يفرق بينهما. {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} قال فيه ضمير يعود على الله تعالى، فإِنها أي الأرض المقدسة محرمة عليهم، أي محرم دخولها وتملكهم إياها وانتصب أربعين على أنه ظرف زمان والعامل فيه محرمة. قيل: وحكمة هذا العدد انهم عبدوا العجل أربعين يوماً فجعل لكل يوم سنة، قيل: انّ من كان جاوز عشرين سنة لم يعش الى الخروج من التيه وإن من كان دون العشرين عاش فكأنه لم يعش المكلفون العصاة. {يَتِيهُونَ} التية في اللغة: الحيرة، يقال: تاه يتيه ويتوه وتيهته وتوهته، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يتهدى فيها، وأرض تيه. وقيل: العامل في قوله: أربعين، لفظ يتيهون. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون العامل في أربعين مضمراً يدل عليه يتيهون المتأخر. انتهى. لا أدري ما الحامل له على قوله: إن العامل مضمر كما ذكر. بل الذي جوزه الناس في ذلك هو أن يكون العامل فيه يتيهون نفسه لا مضمر يفسره قوله: يتيهون في الأرض. قال ابن عباس: تسعة فراسخ. وقال مقاتل: هذا عرضها وطولها ثلاثون فرسخاً. وروى في كيفية تيههم في هذه المدة أنهم كانوا يرحلون بالليل ويسيرون ليلهم أجمع حتى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الذي ابتدؤا منه ويسيرون النهار جادين حتى إذا أمسوا إذا هم حيث ارتحلوا عنه فيكون سيرهم تحليقاً. وقيل: إنهم كانوا ستمائة ألف مقاتلين. قيل: والحكمة في التيه هو أنهم لما قالوا أنا هاهنا قاعدون عوقبوا بالقعود فصاروا في صورة القاعدين وهم سائرون كلما ساروا يوماً أمسوا في المكان الذي أصبحوا فيه وكان هذا التيه خرق عادة وعجباً من قدرة الله تعالى حيث كانوا عقلاء ولم يهتدوا للخروج من التيه، ومات موسى وهارون عليهما السلام في التيه، فكان التيه عذاباً لبني إسرائيل ورحمة لموسى وهارون وراحة وروحاً ونبأ الله تعالى بعد موتهما يوشع بن نون بعد كمال الأربعين سنة فصدقه بنو إسرائيل وأخبرهم بأن الله سبحانه أمرهم بقتال الجبابرة فبايعوه وسار بهم إلى اريحا وقتل الجبارين وأخرجهم وصار الشام كله لبني إسرائيل وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة حتى استمر هزم الجبارين. {فَلاَ تَأْسَ} أي فلا تحزن يقال: أسى الرجل يأسى أسىً، إذا حزن. والظاهر أنه خطاب لموسى عليه السلام ومعنى على القوم الفاسقين على عذابهم وإهلاكهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : إلى آخر القصة. لما امتن الله على موسى وقومه بنجاتهم من فرعون وقومه وأسرهم واستبعادهم، ذهبوا قاصدين لأوطانهم ومساكنهم، وهي بيت المقدس وما حواليه، وقاربوا وصول بيت المقدس، وكان الله قد فرض عليهم جهاد عدوهم ليخرجوه من ديارهم. فوعظهم موسى عليه السلام؛ وذكرهم ليقدموا على الجهاد فقال لهم: { اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } بقلوبكم وألسنتكم. فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة، { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ } يدعونكم إلى الهدى، ويحذرونكم من الردى، ويحثونكم على سعادتكم الأبدية، ويعلمونكم ما لم تكونوا تعلمون { وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا } تملكون أمركم، بحيث إنه زال عنكم استعباد عدوكم لكم، فكنتم تملكون أمركم، وتتمكنون من إقامة دينكم. { وَآتَاكُمْ } من النعم الدينية والدنيوية { مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } فإنهم في ذلك الزمان خيرة الخلق، وأكرمهم على الله تعالى. وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم. فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية، الداعي ذلك لإيمانهم وثباته، وثباتهم على الجهاد، وإقدامهم عليه، ولهذا قال: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ }. أي: المطهرة { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم. { وَلا تَرْتَدُّوا } أي: ترجعوا { عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب، فقالوا قولا يدل على ضعف قلوبهم، وخور نفوسهم، وعدم اهتمامهم بأمر الله ورسوله. { يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ } شديدي القوة والشجاعة، أي: فهذا من الموانع لنا من دخولها. { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } وهذا من الجبن وقلة اليقين، وإلا فلو كان معهم رشدهم، لعلموا أنهم كلهم من بني آدم، وأن القوي من أعانه الله بقوة من عنده، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولعلموا أنهم سينصرون عليهم، إذ وعدهم الله بذلك، وعدا خاصا. { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ } الله تعالى، مشجعين لقومهم، منهضين لهم على قتال عدوهم واحتلال بلادهم. { أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا } بالتوفيق، وكلمة الحق في هذا الموطن المحتاج إلى مثل كلامهم، وأنعم عليهم بالصبر واليقين. { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ } أي: ليس بينكم وبين نصركم عليهم إلا أن تجزموا عليهم، وتدخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه عليهم فإنهم سينهزمون، ثم أمَرَاهم بعدة هي أقوى العدد، فقالا { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن في التوكل على الله -وخصوصا في هذا الموطن- تيسيرا للأمر، ونصرا على الأعداء. ودل هذا على وجوب التوكل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله، فلم ينجع فيهم هذا الكلام، ولا نفع فيهم الملام، فقالوا قول الأذلين: { يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } . فما أشنع هذا الكلام منهم، ومواجهتهم لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق، الذي قد دعت الحاجة والضرورة إلى نصرة نبيهم، وإعزاز أنفسهم. وبهذا وأمثاله يظهر التفاوت بين سائر الأمم، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم -حين شاورهم في القتال يوم "بدر" مع أنه لم يحتم عليهم: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ولو بلغت بنا برك الغماد ما تخلف عنك أحد. ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى: { اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن يسارك. فلما رأى موسى عليه السلام عتوهم عليه { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي } أي: فلا يدان لنا بقتالهم، ولست بجبار على هؤلاء. { فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي: احكم بيننا وبينهم، بأن تنزل فيهم من العقوبة ما اقتضته حكمتك، ودل ذلك على أن قولهم وفعلهم من الكبائر العظيمة الموجبة للفسق. { قَالَ } الله مجيبا لدعوة موسى: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ } أي: إن من عقوبتهم أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم، مدة أربعين سنة، وتلك المدة أيضا يتيهون في الأرض، لا يهتدون إلى طريق ولا يبقون مطمئنين، وهذه عقوبة دنيوية، لعل الله تعالى كفر بها عنهم، ودفع عنهم عقوبة أعظم منها، وفي هذا دليل على أن العقوبة على الذنب قد تكون بزوال نعمة موجودة، أو دفع نقمة قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها إلى وقت آخر. ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها، ولتظهر ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل المانع من السعادة. ولما علم الله تعالى أن عبده موسى في غاية الرحمة على الخلق، خصوصا قومه، وأنه ربما رق لهم، واحتملته الشفقة على الحزن عليهم في هذه العقوبة، أو الدعاء لهم بزوالها، مع أن الله قد حتمها، قال: { فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي: لا تأسف عليهم ولا تحزن، فإنهم قد فسقوا، وفسقهم اقتضى وقوع ما نزل بهم لا ظلما منا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 240 : 9 : 3 - سفين عن ابي اسحاق عن عبد الله بن حنش قال، قال ابن عباس {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} قال البيت والخادم. [الآية 20].

همام الصنعاني

تفسير : 693- مَعْمَر، عن قَتَادة، [عن الحسن]، في قوله تعالى: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}: [الآية: 20]، قال: ملكهم الخَدَم. 694- قال مَعْمَر وقال قتادة: وكانوا أوّل من ملك الخدم. 700- عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثّوري عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}: [الآية: 20]، قال: الزوجة والخادم والبيت.