٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال له الله تعالى: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك. وقيل: لما خرج قوم موسى عليه السلام من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشام، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد، ثم بعث موسى عليه السلام اثنى عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي، فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة. قال المفسرون: لما بعث موسى عليه السلام النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا، فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم وأخبروه بما شاهدتم، ثم انصرف أولئك النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة، فأمرهم أن يكتموا ما عاهدوه فلم يقبلوا قوله، إلا رجلان منهم، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، فإنهما سهلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم، والأقوام وإن كانت أجسادهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم، فقالوا لموسى عليه السلام {أية : إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } تفسير : [المائدة: 24] فدعا موسى عليه السلام عليهم فعاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة. قالوا: وكانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين يوماً فعوقبوا بالتيه أربعين سنة، ومات أولئك العصاة في التيه، وأهلك النقباء العشرة في التيه بعقوبات غليظة. ومن الناس من قال: إن موسى وهارون عليهما السلام ماتا أيضاً في التيه: ومنهم من قال: إن موسى عليه السلام بقي وخرج معه يوشع وكالب وقاتلوا الجبارين وغلبوهم ودخلوا تلك البلاد، فهذه هي القصة والله أعلم بكيفية الأمور. المسألة الثانية: الأرض المقدسة هي الأرض المطهرة طهرت من الآفات. قال المفسرون: طهرت من الشرك وجعلت مسكناً وقراراً للأنبياء، وهذا فيه نظر، لأن تلك الأرض لما قال موسى عليه الصلاة والسلام {ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ } ما كانت مقدسة عن الشرك، وما كانت مقراً للأنبياء، ويمكن أن يجاب بأنها كانت كذلك فيما قبل. المسألة الثالثة: اختلفوا في تلك الأرض، فقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل الطور. المسألة الرابعة: في قوله {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } وجوه: أحدها: كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم وثانيها: وهبها الله لكم، وثالثها: أمركم بدخولها. فإن قيل: لم قال {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } ثم قال {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 26]. والجواب: قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. وقيل: اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد هو الخصوص، فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم. وقيل: إن الوعد بقوله {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط، وقيل: إنها محرمة عليهم أربعين سنة، فلما مضى الأربعون حصل ما كتب. المسألة الخامسة: في قوله {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } فائدة عظيمة، وهي أن القوم وإن كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعاً أن الله ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلا بدّ وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة. ثم قال: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } وفيه وجهان: الأول: لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى عليه السلام، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعداً بأن الله تعالى ينصرهم عليهم، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوّة. والوجه الثاني: المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها. يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر. وقوله {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } فيه وجوه: أحدها: خاسرين في الآخرة فإنه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب، وثانيها: ترجعون إلى الذل، وثالثها: تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.
البيضاوي
تفسير : { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومسكن المؤمنين. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقيل الشام. {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قسمها لكم أو كتب في اللوح أنها تكون مسكناً لكم، ولكن إن آمنتم وأطعتم لقوله لهم بعدما عصوا {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ }تفسير : [المائدة: 26] {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من الجبابرة قيل لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا وقالوا: ليتنا متنا بمصر تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق على الله سبحانه وتعالى. {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ} ثواب الدارين، ويجوز في فتنقلبوا الجزم على العطف والنصب على الجواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يـٰقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } المطهرة {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } أمركم بدخولها وهي الشام {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ } تنهزموا خوف العدوّ {فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ } في سعيكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} بيت المقدس، أو الشام، أو دمشق وفلسطين وبعض الأردن. المقدسة: المطهرة. {كَتَبَ [اللَّهُ] لَكُمْ} هبة منه ثم حَرَّمها عليهم بعصيانهم {وَلا تَرْتَدُّواْ} عن طاعة الله ـ تعالى ـ أو عن الأرض التي أُمِرتم بدخولها.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} لما ذكر موسى قومه ما أنعم الله عليهم أمرهم بالخروج إلى جهاد عدوهم فقال: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة المباركة. قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك والأرض هي الطور وما حوله. وقيل: هي أريحاء وفلسطين وبعض الأردن. وقيل: هي دمشق. وقيل: هي الشام، كلها. قال كعب الأحبار: ووجدت في كتاب الله المُنزل أن الشام كنز الله في أرضه وبها أكثر عباده التي كتب الله لكم يعني كتب الله في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقيل: فرض الله عليكم دخولها وأمركم بسكناها. وقيل: وهبها لكم. فإن قلت: كيف؟ قال الله تعالى: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم. وقال فإنها محرمة عليهم وكيف الجمع بينهما؟ قلت فيه وجوه أحدها أنها كانت هبة من الله ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. الوجه الثاني: أن اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد منه الخصوص فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم فإن يوشع بن نون وكالب بن يوفنا دخلاها وكانا ممن خوطب بهذا الخطاب. الوجه الثالث: إن هذا الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. الوجه الرابع: أنه قال: إنها محرمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون دخلوها وكانت مساكن لهم كما وعدهم الله تعالى: {ولا ترتدوا على أدباركم} يعني ولا ترجعوا القهقرى مرتدّين على أعقابكم إلى ورائكم ولكن امضوا لأمر الله الذي أمركم به وإن فعلتم خلاف ما أمركم الله به {فتنقلبوا خاسرين} يعني فترجعوا خائبين لأنكم رددتم أمر الله قوله عز وجل: {قالوا} يعني قوم موسى {يا موسى إن فيها} يعني في الأرض المقدسة {قوماً جبارين} يعني قوماً عاتين لا طاقة لنا بهم ولا قوة لنا بقتالهم وسموا أولئك القوم جبارين لشدة بطشهم وعظم خلقهم وكانوا ذوي أجسام عظيمة وأشكال هائلة وهم العمالقة بقية قوم عاد وأصل الجبار في صفة الإنسان فعال من جبره على الأمر يعني أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وقيل إنه مأخوذ من قولهم نخلة جباة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ويقال رجل جبار إذا كان طويلاً عظيماً قوياً تشبيهاً بالجبار من النخل {وإنا لن ندخلها} يعني أرض الجبارين التي أمرهم الله بدخولها {حتى يخرجوا منها} حتى يخرج الجبارون من الأرض المقدسة وإنما قالوا ذلك استبعاداً لخروج الجبارين من أرضهم {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} يعني إليها قال العلماء بالأخبار إن النقباء لما خرجوا يتجسسون الأخبار لموسى عليه السلام ورجعوا إليه وأخبروه خبر القوم وما عاينوه منهم. قال لهم موسى: لا تخبروا بني إسرائيل بهذا فيجبنوا ويضعفوا عن قتالهم. وقيل: إن النقباء الاثني عشر لما خرجوا من أرض الجبارين قال بعضهم لبعض: لا تخبروا بني إسرائيل بما رأيتم فلما رجعوا وأخبروا موسى أمرهم أن لا تخبروا بني إسرائيل بذلك فخالفوا أمره ونقضوا العهد وأخبر كل رجل النقباء سبطه بما رأى إلا يوشع بن نون وكالب فإنهما كتما ووفيا بالعهد فلما علم بنو إسرائيل بذلك وفشا ذلك فيهم رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا في أرض مصر ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم. وجعل الرجل من بني إسرائيل يقول لصاحبه: تعالوا نجعل لنا رأساً وننصرف إلى مصر فلما قال بنو إسرائيل ذلك هموا بالانصراف إلى مصر خر موسى وهارون ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبرنا الله عنهما.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {الأرض المقدسة} قال: هي المباركة. وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال: الأرض ما بين العريش إلى الفرات. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {الأرض المقدسة} قال: هي الشام. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {التي كتب الله لكم} قال: أمركم الله بها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: أمر القوم كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة.
ابو السعود
تفسير : {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} كرر النداء بالإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر ومبالغةً في حثهم على الامتثال به، والأرضُ هي أرضُ بـيت المقدس، سُمِّيت بذلك لأنها كانت قرارَ الأنبـياء ومسكنَ المؤمنين. وقيل: هي الطورُ وما حوله، وقيل: دمشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأردن، وقيل: هي الشام {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي كتَبَ في اللوح المحفوظ أنها تكونُ مسكناً لكم إن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ما عصَوْا: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ }تفسير : [المائدة، الآية 26] وقولِه تعالى: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ} فإن ترتيبَ الخَيبة والخُسران على الارتداد يدل على اشتراط الكَتْب بالمجاهدة المترتِّبة على الإيمان والطاعة قطعاً، أي لا ترجِعوا مُدبرين خوفاً من الجبابرة، فالجار والمجرور متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من فاعل ترتدوا، ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل، قيل: لما سمعوا أحوالهم من النقباء بكَوْا وقالوا: يا ليتنا مِتْنا بمصر، تعالَوْا نجعلُ لنا رأساً ينصرِفْ بنا إلى مصر، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى، وقوله: (فتنقلبوا) إما مجزومٌ عطفا على ترتدوا، أو منصوبٌ على جواب النهي، والخُسران خُسرانُ الدين والدنيا لا سيما دخولُ ما كتب لهم. {قَالُواْ} استئناف مبنيٌّ نشأ من مَساق الكلام كأنه قيل: فماذا قالوا بمقابلة أمرِه عليه السلام ونهيِه؟ فقيل: قالوا غيرَ ممتثِلين بذلك: {يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} متغلِّبـين لا يتأتّى منازعتهم ولا يتسنى مناصبتهم. والجبارُ العاتي الذي يُجبرُ الناسَ ويقسرهم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان، فعّال من جبرَه على الأمر أي أجْبَره عليه {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} من غير صُنْع مِنْ قِبَلِنا، فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} بسببٍ من الأسباب التي لا تعلُّقَ لنا بها {فَإِنَّا دٰخِلُونَ} حينئذ، أتَوْا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوماً مما سبق من توقيت عدمِ الدخول بخروجهم منها تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتَوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة بحرف التحقيق دلالةً على تقرُّر الدخول وثباتِه عند تحقّق الشرط لا محالة، وإظهاراً لكمال الرغبة فيه، وفي الامتثال بالأمر.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. من الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل أنه أباح لهم دخولَ الأرض المقدسة على الخصوص فقال: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ثم إنهم لم يدخلوها إلا بعد مدة، وبعد جهد وشدة، وقال في شأن هذه الأمة {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] فأولئك كتب لهم دخول الأرض كتابةَ تكليف ثم قصروا، وهذه الأمة كتب لهم جميع الأرض على جهة التشريف، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا. وقال: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} وقال لهذه الأمة: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ}تفسير : [الملك: 15] فهؤلاء ذلَّل لهم وسهَّل عليهم، وأولئك صعَّب عليهم الوصول إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}. الارتداد على قسمين: عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس بالقتل، وعن الإرادة وذلك يوجب الشِّقْوَة - التي هي الفراق - على القلوب.
البقلي
تفسير : {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} اى ادخلوا بنعت المعرفة والنظر الفائق مساكن القلوب لتجدوا منها انوار الغيب وايضا طلبوا فى مواقف المقدسة رجال المعرفة لتصلوا ببركة انفاسهم قدس جلالى.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا قوم ادخلوا الارض المقدسة} هى ارض بيت المقدس طهرت من الشرك وجعلت قرار الانبياء ومسكن المؤمنين {التى كتب الله لكم} اى كتب فى اللوح المحفوظ انها تكون مسكنا لكم ان آمنتم واطعتم لقوله تعالى لهم بعدما عصوا فانها محرمة عليهم {ولا ترتدوا} لا ترجعوا {على ادباركم} اى مدبرين خوفا من الجبابرة فهو حال من فاعل لا ترتدوا ويجوز ان يتعلق بنفس الفعل اى ولا ترجعوا على اعقابكم بخلاف ما امر الله {فتنقلبوا} فتنصرفوا حال كونكم {خاسرين} اى مغبونين بفوت ثواب الدارين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {فتنقلبوا}: منصوب بأن في جواب النهي، أو عطف على المجزوم، و {ما داموا}: بدل من {أبدًا}؛ بدل بعض، و {أخي} يحتمل النصب عطف على {نفسي}، أو رفع عطف على {أن} مع اسمها، أو مبتدأ حُذف خبره، أو جر عطف على ياء المضاف، على مذهب الكوفيين. يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكيًا عن موسى ـ عليه السلام ـ: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة}؛ أرض بيت المقدس، قدسها الله، حيث جعلها قرار أنبيائه ومسكن المؤمنين. وفي مدحها أحاديث كثيرة. وقيل: الطور وما حوله، أو دمشق وفلسطين، أو الشام، {التي كتب الله لكم} أي: التي كتب الله في اللوح المحفوظ، أنها لكم مسكنًا إن جاهدتم وأطعتم نبيكم، {ولا ترتدوا على أدباركم} أي: لا ترجعوا مدبرين هاربين خوفًا من الجبابرة، أو: لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان، وعدم الوثوق بالله، {فتنقلبوا خاسرين} الدنيا والآخرة. رُوِي أنهم لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا، وقالوا: ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل علينا رأسًا ينصرف بنا إلى مصر، ثم {قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين} أقوياء متغالبين، لا طاقة لنا بمقاومتهم، وهم قوم من العمالقة، من بقية قوم عاد، {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها} بأمر سماوي، أو يُسلط عليهم من يخرجهم من غيرها، {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } فيها. {قال رجلان}؛ كالب بن يوقنّا، ويوشع بن نون ـ ابن آخت موسى وخادمه ـ {من الذين يخافون} الله، أو رجلان من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى، وعليه قراءة {يُخافان} بضم الياء، {أنعم الله عليهما} بالإسلام والتثبت، قالا: {ادخلوا عليهم الباب} أي: باب المدينة، أي: باغِتوهم بالقتال، {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} أي: ظاهرون عليهم، فإنهم أجسام لا قلوب فيها. يحتمل أن يكون علمهما بذلك من قِبل موسى، أو من قوله تعالى: {التي كتب الله لكم}، أو من عادته سبحانه في نصر رسله وأوليائه، وما عَهِدا من صنيعه تعالى مع موسى من قهر أعدائه. ثم قال: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} به، ومصدقين لوعده. {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها}، وهذا من تعنتهم وعصيانهم، وأشنعُ منه قولهم: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}، قالوه استهزاء بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما، وانظر فضيلة الأمة المحمدية، وكمال أدبها مع نبيها ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الحديبية لأصحابه حين صُد عن البيت: إني ذاهب بالهدي فناحِرُه عند البيت، فقال المقداد بنُ الأسود: أما والله ما تقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقَاتلا إنا هاهنا قاعدون}، ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك، ومن بين يديك من خلفك، ولو خُضت البحر لخضناه معك، ولو تسنَمت جبلاً لعلوناه معك، ولو ذهبت بنا إلى بَرك الغماد لتبعناك، فلما سمعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه على ذلك فَسُرَ صلى الله عليه وسلم وأشرق وجهه. هـ. ولما سمع موسى مقالة قومه له غضب، ودعا ربه فقال: {ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي} أي: لا أثق إلا بنفسي وأخي، ولا قدرة لي على غيرهما، والرجلان المذكوران، وإن كانا موافقين له، لكنه لم يوثق عليهما، لما كبد من تلوّن قومه، ثم دعا عليهم فقال: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} أي: احكم بيننا وبينهم بما يستحق كل واحد منا ومنهم، أو بالتبعيد بيننا وبينهم، وتخليصنا من صحبتهم. رُوِي أنه لما دعا عليهم ظهر فوقهم الغمام، وأوحى الله إليه: يا موسى إلى متى يعصي هذا الشعب؟ لأُهلكنهم جميعًا، فشفع فيهم موسى عليه السلام فقال الله تعالى له: قد غفرت لهم بشفاعتك، ولكن بعد ما سَميتَهم فاسقين، ودعوت عليهم، بي حلفت لأحرمنَّ عليهم دخول الأرض المقدسة، وذلك قوله تعالى: {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} يحتمل أن يكون " أربعين " متعلقًا بمحرمة، فيكون التحريم عليهم مؤقتًا غير مؤبد فيوافق ظاهر قوله: {التي كتب الله لكم}. ويؤيد هذا ما رُوِي أن موسى ـ عليه السلام ـ لما خرج من التيه، سار بمن بقي معه من بني إسرائيل، ويوشع على مقدمته، ففتح بيت المقدس، فبقي فيها ما شاء الله، ثم قبض. ويحتمل أن يكون " أربعين " متعلقًا ب {يتيهون}، فيكون التحريم مؤبدًا، وعلى هذا لم يبق أحد ممن دخل التيه إلا يوشع وكالب، ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال له: {اذهب أنت وربك...}، بل كلهم هلكوا في التيه، وإنما دخلها أشياعهم. رُوِي أن موسى عليه السلام لما حضره الموت في التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبي، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فسار بهم يوشع، وقاتل الجبابرة وكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس أن تغرب ليلة السبت، فخشي أن يعجزوه، فقال: اللهم اردد الشمس عليَّ، وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعته، فوقفت مثل يوم حتى قتلهم، ثم قتل ملوك الأرمانيين، وقتل مِن ملوك الشام أحدًا وثلاثين ملكًا، فصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرَّق عماله في تواحيها، وبقيت بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض في ستة فراسخ، بين فلسطين وأيلة، متحيرين، يسيرون من الصباح إلى السماء جادين في السير، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه، ثم يسيرون بالليل كذلك فيصبحون حيث ارتحلوا، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم، وكان طعامهم المن والسلوى، وماؤهم من الحجر الذي يحمله موسى، واختلف في الكسوة، فقيل: أبقى الله كسوتهم معجزة لموسى، وقيل: كساهم مثل الظفر. والأكثر أن موسى وهارون كانا معهم زيادة في درجاتهما، وكان عقوبة لقومهما وأنهما ماتا فيه، مات هارون أولاً ودفنه أخوه في كهف، وقيل: رُفع على سرير في قبة، ثم مات موسى ـ عليه السلام ـ ودفن بقرب من الأرض المقدسة، رمية بحجر، كما في الحديث، ثم دخل يوشع الأرض المقدسة بعد ثلاثة أشهر. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى لموسى عليه السلام: {فلا تأس} أي: لا تخزن، {على القوم الفاسقين}، خاطبه الحق تعالى بذلك لمَّا ندم على الدعاء عليهم، فقال له: أنهم أحق بذلك لفسقهم وعصيانهم. الإشارة: يقول الحقّ جلّ جلاله للمتوجهين إليه من المريدين: ادخلوا الحضرة المقدسة التي كتب الله لكم، إن دمتم على جهاد أنفسكم، وصدقتم في طلب ربكم، وبقيتم في تربية شيوخكم، ولا ترتدوا على أدباركم بالرجوع عن صحبة شيوخكم من الملل مع طول الأمل، قتنقلبوا خاسرين، فإن حضرتي محفوفة بالمكاره، والطريقة الموصلة إليها مرصودة للقواطع والعوائق، فإن كان ممن لم يكتب له فيها نصيب، قال: لن ندخلها أبدًا ما دام القواطع فيها، ورجع على عقبيه، يتيه في مهامه شكوكه وأوهامه، وإن كان ممن سبقت له العناية وحقت به الرعاية قال: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}، فيبادر إلى قتل نفسه، من غير تأن ولا خوف ولا فزع، فحضرة التحقيق لا ينالها إلا الشجعان، ولا يسكنها إلا الأكابر من أهل العرفان وإلى ذلك أشار صاحب العينية بقوله: شعر : وإيَّاك جَزعًا لا يَهُولُكَ أمرُهَا فَمَا نَالَهَا إلا الشُّجاعُ المُقّارعُ تفسير : وقال الورتجبي في قوله تعالى: {لا أملك إلا نفسي وأخي}: من بلغ عين التمكين ملك نفسه وملك نفوس المريدين؛ لأنه عرفها بمعرفة الله، وقمعها من الله بسلطان سائس قاهر، من نظر إليه يفزع من الله، لا يطيق عصيانه ظاهرًا وباطنًا، فأخبر عليه السلام عن محلّ تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه، وأعلمنا أن بينهما اتحادًا، بحيث إنه إذا حكم على نفسه صار نفس أخيه مطمئنة طائعة لله بالانفعال. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمنون كنفس واحدة ". تفسير : ثم تكلم الحقّ جلّ جلاله على بقية حفظ الأبدان، فبيَّن أول مَن سَنَّ القتل ووبَال من تَبعِه، فقال: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ}.
الطوسي
تفسير : هذه حكاية عن موسى (ع) أنه خاطب قومه وأمرهم بالدخول الى الارض المقدسة وهي: بيت المقدس على قول ابن عباس، وابن زيد، والسدي وأبي علي. وقال الزجاج والفراء: هي دمشق وفلسطين وبعض الاردن. قال الفراء بتشديد النون - وقال قتادة: هي الشام. وقال مجاهد هي أرض الطور. والمقدسة في اللغة: المطهرة. وقيل: إنها طهرت من الشرك وجعلت مسكناً وقراراً للأنبياء والمؤمنين، والاصل التقديس، وهو التطهير، ومنه قيل للسطل الذي يتطهر منه: القدس. وقيل: بيت المقدس لانه يطهر من الذنوب. ومنه تسبيح الله وتقديسه سبوح قدوس، وهو تنزيهه عما لا يجوز عليه من نحو الصحابة والولد والظلم والكذب. وقوله: {كتب الله لكم} يعني في اللوح المحفوظ. فان قيل: كيف كتب الله لهم مع قوله {فإنها محرمة عليهم}؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال ابن اسحاق: إِنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمهم إِياها. والثاني - إِن ظاهر ذلك يقتضي العموم بأن الله كتب لهم، فلما قال {إِنها محرمة عليهم أربعين سنة} استثنى ذلك من جملته. ويحتمل أن يكون المراد انها يدخلها قوم منهم. وقيل: ان القوم الذين كتب لهم دخولها غير الذين حرم عليهم، والذين كتب لهم دخولها مع يوشع بن نون بعد موت موسى بشهرين. وقوله: {ولا ترتدوا على أدباركم} فيه قولان: أحدهما - لا ترجعوا عن طاعة الله الى معصيته - في قول أبي علي. الثاني - لا ترجعوا عن الارض التي أمرتم بدخولها. وقوله {فتنقلبوا خاسرين} قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه كان فرض عليهم دخولها كما فرضت الصلاة والصوم والزكاة والحج، فلما لم يفعلوا فقد خسروا الثواب. هذا قول قتادة والسدي. والثاني - أنه أراد بذلك خسران حظهم كالخسران في البيع بذهاب رأس المال. وخاسرين نصب على الحال، والعامل فيه {فتنقلبوا} دون قوله {ولا ترتدوا}.
الجنابذي
تفسير : {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} يعنى الشّام {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ان تكون مسكناً لكم فخالفوا وحرموا ودخلها أبناء أبنائهم كذا نقل {وَلاَ تَرْتَدُّوا} من طريق الارض المقدّسة الّتى هى الشّام او ارض القلب {عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} كما قال نبيّنا (ص) لامّته هذه المقالة فى علىٍّ (ع) فأبوا الاّ الارتداد.
اطفيش
تفسير : {يَا قَومِ ادخُلُوا الأرضَ المُقَدَّسَةَ}: المطهرة من الشرك، اذ صارت مسكناً للأنبياء والمؤمنين، وقيل: المقدسة المباركة، ورجح الفخر هذا بأنها لم تكن مقدسة حين قال موسى هذا عن الشرك، ولا مقر للأنبياء، وقال: الا أن يقال انها كانت كذلك من قبل، أى ومن بعد أيضاً لأنها كذلك حتى يأخذها بخت نصر لأحداثهم. قال قتادة: هى الشام كلها. قال كعب الأحبار: وجدت فى كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله فى أرضه، وبها أكثر عباده. قال الطبرى: لا يختلف أنها بين الفرات ومصر. وعن ابن عباس: الطور وما حوله هو الأرض المقدسة، ويحكى أن ابراهيم عليه السلام كان فى فلسطين، فقال الله: ان هذه الأرض التى أنت فيها ميراث لولدك. وعن الكلبى: أن ابراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال الله سبحانه وتعالى له: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لولدك، وكذلك قال مجاهد هى الطور وما حوله، فلعله الراوى عن ابن عباس لذلك، وقيل: هى دمشق وتظاهرت الروايات أن دمشق هى قاعدة الجبارين، وقيل: أريحا أو فلسطين وبعض الأردن، وعبارة بعض فلسطين ودمشق، وبعض الأردن، وذلك فى التقديس للأرض ودخولها وأما أن يملك بنو اسرائيل الشام كله فلم يثبت. قال الشيخ يوسف بن ابراهيم أبو يعقوب: امتن الله على بنى اسرائيل بأن وعدهم افتتاح القدس ومدائن الشام،، واستطالت له بنو اسرائيل على جميع الأنبياء والأمم التى قبلهم، فكان ذلك كذلك، ولم يصح مع ذلك مدائن الشام كلها، وأفضل الشام فلسطين هو لأولاد جانا والدروب للروم، يعنى ما يلى أرض الحجاز ألا ترى قول الله تعالى لداود حين قال له: اخرج أولاد كنعان من أرض فلسطين، فانهم لا يطيعون نبياً منهم ولا من غيرهم، فهم للأرض كالجدرى للوجه. {الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُم}: فى اللوح المحفوظ أن سكنوها، ولا ينافى قوله تعالى: {أية : فانها محرمة عليهم } تفسير : لأنه ليس المراد كتبها لكم كلكم، بل لكل فى الجملة لأكله فرد فرد فكفى فى ذلك أنه قد دخلها يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وسكناها هم ومن عاش بعد الأربعين من أصحاب التيه المحرمة عليهم أربعين سنة، وأيضاً كتبها لكم مسكناً يا جنس بنى اسرائيل لا خصوص من أمر، لأن على لسان موسى عليه السلام، وأيضاً كتبها الله لهم فى اللوح المحفوظ، وشرط الطاعة، وان فسرنا كتبها لكم أوهبها لكم فلم يقبلوها بتعاصيهم وعصيانهم فلا اشكال، وكذا اذا فسرناه بغرضنا. {وَلا تَرْتَدُوا عَلَى أدْبَارِكُم}: لا ترجعوا القهقرى مرتدين عن دينكم، وعاصين لأمر الله عز وجل، أو لا ترجعوا الى مصر عن الأرض المأمور بدخولها، ولما صدق واحد لأن الرجوع الى مصر وقد أمرهم الله بالشام عصيان وسببه خوف الجبابرة بالشام. {فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}: لثواب الدنيا والآخرة، ثواب الدنيا ملك الشام، وثواب الآخرة الجنة، وتنقلبوا منصوب فى جواب النهى أو مجزوم عطفاً على لفظ ترتدوا، أى فلا تنقلبوا خاسرين، ومعنى تنقلبوا تصيروا أو ترجعوا الى مصر.
الالوسي
تفسير : {يَـٰقَوْم ٱدْخُلُواْ الأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ} كرر النداء مع الإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر، ومبالغة في حثهم على الامتثال به، والأرض المقدسة هي ـ ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي. وابن زيد ـ بيت المقدس، وقال الزجاج: دمشق وفلسطين والأردن، وقال مجاهد هي أرض الطور وما حوله، وعن معاذ بن جبل هي ما بين الفرات وعريش مصر، والتقديس: التطهير، ووصفت تلك الأرض بذلك إما لأنها مطهرة من الشرك حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو لأنها مطهرة من الآفات، وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة، أو لأنها طهرت من القحط والجوع، وقيل: سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب. {ٱلَّتي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي قدرها وقسمها لكم، أو كتب في اللوح المحفوظ أنها تكون مسكناً لكم. روي أن الله تعالى أمر الخليل عليه الصلاة والسلام أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الأرض مدى بصره، وعن قتادة والسدي أن المعنى التي أمركم الله تعالى بدخولها وفرضه عليكم، فالكتب هنا مثله في قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} تفسير : [البقرة: 183] وذهب إلى الاحتمالين الأولين كثير من المفسرين، والكتب على أولهما مجاز، وعلى ثانيهما حقيقة، وقيدوه بإن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعدما عصوا: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 26]. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَاركُمْ فَتَنْقَلبُواْ خَـٰسرينَ} فإن ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعاً، والأدبار جمع دبر وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها، والجار والمجرور حال من فاعل {ترتدوا} أي لا ترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفاً من الجبابرة، وجوز أن يتعلق بنفس الفعل، ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفاً غير محسوس أي لا ترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى وإليه ذهب أبو علي الجبائي، وقوله تعالى: {فتنقلبوا} إما مجزوم بالعطف وهو الأظهر، وإما منصوب في جواب النهي، قال الشهاب: على أنه من قبيل لا تكفر تدخل النار وهو ممتنع خلافاً للكسائي، وفيه نظر لا يخفى، والمراد بالخسران خسران الدارين.
الواحدي
تفسير : {يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة} المطهَّرة. يعني: الشَّام، وذلك أنَّها طُهِّرت من الشِّرك، وجُعلت مسكناً للأنبياء {التي كتب الله لكم} أمركم الله بدخولها {ولا ترتدوا على أدباركم} لا ترجعوا إلى دينكم الشِّركِ بالله. {قالوا يا موسى إنَّ فيها قوماً جبارين} طوالاً ذوي قوَّة، وكانوا من بقايا عادٍ يقال لهم العمالقة. {قال رجلان} هما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا {من الذين يخافون} اللَّهَ في مخالفة أمره {أنعم الله عليهما} بالفضل واليقين {ادخلوا عليهم الباب...} الآية، وإنَّما قالا ذلك تيقُّناً بنصر الله، وإنجاز وعده لنبيِّه، فخالفوا نبيَّهم وعصوا أمر الله، وأتوا من القول بما فسقوا به، وهو قوله: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} فقال موسى عند ذلك: {لا أملك إلاَّ نفسي وأخي} يقول: لم يُطعني منهم إلاَّ نفسي وأخي {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} فاقض بيننا وبين القوم العاصين، فحرَّم الله على الذين عصوا دخول القرية، وحبسهم في التِّيه أربعين سنةً حتى ماتوا، ولم يدخلها أحدٌ من هؤلاء، وإنَّما دخلها أولادهم، وهو قوله: {فإنها محرَّمة عليهم...} الآية. وقوله: {يتيهون في الأرض} يتحيَّرون فلا يهتدون للخروج منها {فلا تأس على القوم الفاسقين} لا تحزن على عذابهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَاقَوْمِ} {خَاسِرِينَ} (21) - ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ مُحَرِّضاً إيَّاهُمْ عَلَى الجِهَادِ لِلاسْتِيلاءِ عَلَى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ (أي المُطَّهَرَةِ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ لِمَا بَعَثَ اللهُ فِيها مِنَ الأنْبِيَاءِ الدُّعَاةِ إلى التَّوحِيدِ)، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم سِيرُوا إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التِي وَعَدَ اللهُ أبَاكُمْ إبْرَاهِيمَ بأنْ يُسْكِنَ فِيها مَنْ آمَنَ مِنْ نَسْلِهِ، وَلاَ تَرْجِعُوا - بَعْدَ الذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى - إلَى الوَثَنِيَّةِ وَالفَسَادِ فِي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وَالبَغْي وَاتِّبَاعِ الأهْوَاءِ، فَإِنَّ فِي هذا الرُّجُوعِ خُسْراناً لَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا بلاغ من موسى بما أوحى الله به إليه، ومتى حدث ذلك؟ نعرف أن صلة بني إسرائيل بمصر كانت منذ أيام يوسف عليه السلام، وعندما جاء يوسف بأبيه وإخوته وعاشوا بمصر وكونوا شيعة بني إسرائيل، ومكن الله ليوسف في الأرض وعاشوا في تلك الفترة. والعجيب أن المس القرآني للأحداث التاريخية فيه دقة متناهية، ولم نعرف نحن تلك الأحداث إلا بعد مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر. فعندما جاءت تلك الحملة صحبت معها بعثة علمية. وكانت تلك البعثة تنقب عن المعلومات الأثرية ليتعرفوا على سر حضارة المصريين، وسر تقدم العرب القديم، الذي سبق أوربا بقرون، وأخذت منه أوربا العلوم والفنون، في حين صار هذا العالم العربي إلى غفلة. إن العرب المسلمين هم الذين اخترعوا أشياء ذهل لها العالم الغربي، ويحكي لنا التاريخ عن هدية من أحد ملوك العرب إلى شارلمان ملك فرنسا وكانت الساعة دقاقة، وظن الناس من أهل فرنسا أن بهذه الساعة الدقاقة شيطانا. وفكرة تلك الساعة أن العالم الذي صممها وضع فيها إناء من الماء به ثقب صغير تنزل منه القطرة بثقلها على شيء يشبه عقرب الساعة، فتتحرك الساعة دقيقة واحدة من الزمن. وكانت الساعة تسير بنقطة الماء. وكان ضبطها في منتهى الدقة. وحين رآها الناس في بلاط شارلمان ملك فرنسا ظنوا أن بداخلها شياطين. وهذا نموذج من نماذج كثيرة لا حصر لها ولا عدد تدخل في نطاق قوله الحق: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53] وحينما جاء الفرنسيون إلى القاهرة كان معهم تلك البعثة العلمية ومعهم مطبعة، وعرض هؤلاء العلماء الفانوس السحري، وجعلوا الناس البسطاء يذهلون من تقدمهم العلمي. واستترت تلك الحملة بعروض أقرب إلى "الأكروبات". وكان عمل العلماء هو البحث عن سر حضارة المصريين والمسلمين؛ لأنهم يعلمون أن الحضارة الإسلامية انتقلت إلى مصر بالإضافة إلى حضارة المصريين القدماء. لقد كانوا يعرضون ألعابهم السحرية العلمية بدرب الجماميز، وذلك حتى ينبهر الناس بالحضارة الفرنسية. وكان علماؤهم في الوقت نفسه يكتشفون ما نقش على حجر رشيد، وهو الحجر الذي اكتشفه ضابط فرنسي شاب اسمه شامبليون، وعلى هذا الحجر كتبت الكلمات الهيروغليفية. واستطاع شامبليون أن يفصل أسماء الأعلام الهيروغليفية ومن خلال ذلك استطاع أن يصل إلىأبجدية تلك اللغة. وكأن الله أراد أن يسخر الكافرين بمنهج الله ليؤيدوا منهج الله. إن في كل لغة شيئا اسمه "منطق الأعلامَ" ومثال ذلك أن يوجد اسم رجل أو أمير أو إنسان، فهذا الاسم مكون من حروف لا تتغير، مثال ذلك نأخذه من اللغة الإنجليزية؛ كان اسم رئيس وزراء انجلترا في وقت من الأوقات هو "تشرشل" هي كلمة إذا ترجمناها ترجمة حرفية لم تدل على صاحبها ولم تعرفنا به لأننا عندما نترجمها نكتفي بكتابة الاسم بالحروف العربية بدلاً من اللاتينية. إذن فالأعْلاَم لا يتغير نطقها. وكشف شامبليون عن الحروف التي لم تتغير. واهتدى إلى فك طلاسم حروف اللغة الهيروغليفية؛ فعرف كيف يقرأ المكتوب على حجر رشيد، واستطاع أن يقدم لنا بدايات اكتشاف تاريخ مصر القديمة. واستطاع أن يقرأ اللغة المرسومة على ذلك الحجر. ولنا أن نرى عظمة القرآن حينما تعرض للأقدمين.. تعرّض لعادٍ وتعرَّض لثمود وتعرض لفرعون. تعرض لتلك الحضارات كلها في سورة الفجر، فقال سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} تفسير : [الفجر: 1-7] وإرم ذات العماد هي التي في الأحقاف - في الجزيرة العربية - ولم نكتشفها بعد، ولم نعرف عنها حتى الآن شيئاً، وهي التي يقول عنها الحق: {أية : ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 8] ثم يتكلم بعدها عن فرعون: {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} تفسير : [الفجر: 10] والأهرام أقيمت بالفعل على أوتاد، وكذلك المسلات المصرية القديمة والمعابد. وغيرها من العجائب التي بهرت الناس في مختلف العصور. {أية : ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 8] ثم جاء بحضارة ثمود. {أية : وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ} تفسير : [الفجر: 9] وقد رأينا هذه الحضارة التي كان الناس أثناءها ينحتون البيوت في الصخر، كما رأينا حضارة مصر. وحضارة عاد هي التي لم نرها حتى الآن؛ ولا بد أن تكون مطمورة تحت الأرض. ونعرف أن الهبة الرملية الواحدة عندما تهب في تلك المناطق تطمر القافلة كلها، فما بالنا بالقرون الطويلة التي مرت وهبت فيها آلاف العواصف الرملية، إذن لا بد أن ننقب كثيراً لنكتشف حضارة عاد. والحق تكلم عن موسى عليه السلام، تكلم _ أيضاً - عن المعاصرين له وكان أحد هؤلاء الفراعنة، فقال سبحانه لموسى ولأخيه هارون عليهما السلام: {أية : ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} تفسير : [طه: 43] ويذهب موسى إلى فرعون حتى يخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون. ولماذا ظلمهم فرعون؟ نحن نعرف أن كل سياسة تعقب سياسة سابقة عليها تحاول أن تطمس السياسة الأولى، وتعذب من نصروا السياسة الأولى، وتلك قضية واضحة في الكون. وهذا ما يتضح لنا من سيرة سيدنا يوسف الذي صار وزيراً للعزيز ودعا أباه وأمه وشيعته إلى مصر، ولن تأت سيرة فرعون في سورة يوسف. وعندما تكلم القرآن على رأس الدولة في أيام يوسف قال: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} تفسير : [يوسف: 54] لم يقل الحق: "فرعون" على الرغم من أنه قال قبل ذلك عنه إنه: "فرعون" وأيام موسى ذكر فرعون، لكن في أيام يوسف لم يأت بسيرة فرعون إنما جاء بسيرة مَلِك. وعندما جاء اكتشاف حجر رشيد، ظهر لنا أن فترة وجود يوسف عليه السلام في مصر هي فترة ملوك الرعاة أي الهكسوس الذين غَزَوْا مصر وأخذوا الْمُلْكَ من المصريين وحكموهم وصاروا ملوكاً، وسمي عصرهم بعصر الملوك. وقال القرآن: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ}. ولم يأت بذكر لفرعون. وعندما استرد الفراعنة ملكهم وطردوا الرعاة، استبد الفراعنة بمن كانوا يخدمون الملوك وهم بنو إسرائيل. وهكذا تتأكد دقة القرآن عندما ذكر فرعون لأنه كان الحاكم أيام موسى، لكن في زمن يوسف سمي حاكم مصر باسم الملك. وتلك أمور لم نعرفها إلا حديثاً. ولكن القرآن عرفنا ذلك. وكانت تحتاج إلى استنباط. وهي تدخل ضمن الآيات التي لا حصر لها في قوله الحق: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53] فسبحانه وتعالى بعد أن أيد موسى بالآيات وأغرق فرعون، هنا قال لهم موسى: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 21] فقد انتهت المهمة بتخليص بني إسرائيل من فرعون، وخلصوا أهل مصر من فرعون. وكانت الدعوة لدخول الأرض المقدسة. وكلمة الأرض إذا أطلقت صارت علماً على الكرة الجامعة. ووردت كلمة "الأرض" في قصة بني إسرائيل في مواضع متعددة لمواقع متعددة. فها هوذا قول الله في آخر سورة الإسراء: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} تفسير : [الإسراء: 104] فهل هناك سكن إلا الأرض؟ إن أحداً لا يقول: اسكن كذا إلا إذا حدد مكاناً من الأرض؛ لأن السكن بالقطع سيكون في الأرض، فكيف يأتي القول: {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ}؟ والشائع أن يقال: اسكن المكان الفلاني من المدن، مثل: المنصورة أو أريحا، أو القدس. وقوله الحق: {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} هو لفتة قرآنية، ومادام الحق لم يحدد من الأرض مسكوناً خاصاً، فكأنه قال: ذوبوا في الأرض فليس لكم وطن، وانساحوا في الأرض فليس لكم وطن، أي لا توطن لكم أبداً، وستسيحون في الأرض مقطعين، وقال سبحانه: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} تفسير : [الأعراف: 168] وحين يأتي القرآن بقضية قرآنية فلنبحث أايدتها القضايا الكونية أم عارضتها؟ القضية القرآنية هنا هي تقطيع بني إسرائيل في الأرض أمما، أي تفريقهم وتشتيتهم ولم يقل القرآن: "أذبناهم" بل قال: "قطعناهم" وتفيد أنه جعل بينهم أوصالاً ولكنهم مفرقون في البلاد. وعندما نراهم في أي بلد نزلوا فيها نجد أن لهم حيا مخصوصا، ولا يذوبون في المواطنين أبداً، ويكون لهم كل ما يخصهم من حاجات يستلقون بها، فكأنهم شائعون في الأرض وهم مقطعون في الأرض ولكنهم أمم، فهناك "حارات" وأماكن خاصة لليهود في كل بلد. حدث ذلك من بعد موسى عليه السلام، لكن ماذا كان الأمر في أيام موسى؟ قال لهم الحق: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي بعد رحلتكم مع فرعون اذهبوا إلى الأرض التي كتبها الله لكم. ونلحظ هنا أن كلمة "الأرض المقدسة" فيها تحييز وتحديد للأرض. ولكن ما معنى "مقدسة"؟ المادة كلها تدل على الطهر والتطهير. فـ "قَدَّس" أي طهّر ونزّه، ومقدسة يعني مطهرة. والألفاظ حين تأتي تتوارد جميع المادة على معانٍ متلاقية. ففي الريف المصري نجد ما نسميه "القَدَس" أو "القادوس" وهو الإناء الذي يرفع به الماء من الساقية، وكانوا يستعملونه للتطهير، فالقادوس في الريف المصري هو وعاء الماء النظيف. وعندما يقال: "مقدسة" أي مطهرة. إن من أسماء الحق "القُدُّوس"، ويقال: "قُدِّس الله" أي نزه"، فالله ذات وليست كذات الإنسان، وله سبحانه صفات منزهة أن تكون كصفاتك، وهو سبحانه له أفعال، ولكن قدسه وطهره منزهة أن تكون كأفعالك. فذات الحق واجبة الوجود وذات الإنسان ممكنة الوجود؛ لأن ذات الإنسان طرأ عليها عدم أول، ويطرأ عليها عدم ثانٍ، وهو سبحانه واجب الوجود لذاته، والإنسان واجب لغيره وهو قادر سبحانه أن ينهي وجود العبد. ولله حياة وللإنسان حياة، لكن أحياتك أيها الإنسان كحياة الله؟ لا. إن حياته سبحانه منزهة وذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك، فأنت قادر قدرة محدودة وله سبحانه طلاقة القدرة، وهو سبحانه سميع والعبد سميع؛ لكن سمع البشر محدود وسمعه سبحانه لا حدود له. إذن فصفاته مقدسة، ولذلك فعندما تسمع أنه سبحانه سميع عليم فليس سمعه كسمعنا، وله فعل غير فعلنا. وعندما يقول الحق: إنه فعل، ففعله منزه عن التشبيه بفعل البشر؛ لأن البشر من خلق الله، وفعل البشر معالجة، ويكون للفعل بداية ووسط ونهاية ويفرغ من الأحداث على قدر الزمن. ونحن نحمل الأشياء في أزمان متعددة ويحتاج من يحمل الأشياء إلى قوة. ولكن فعل الحق مختلف، إنه فعل بـ "كن" لذلك قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تفسير : [ق: 38] أي أنه سبحانه وتعالى منزه عن التعب، فهو يقول: {كُنْ فَيَكُونُ} ولذلك قلنا في مسألة الإسراء: إننا يجب أن ننسب الحدث إلى الله لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، حتى نعرف أن الذين عارضوا رسول الله في مسألة الإسراء كانوا على خطأ فقد قالوا: أنضرب لها أكباد الإبل شهراً وتدعي أنك أتيتها في ليلة؟! إن رسول الله لم يدع لنفسه هذا الأمر، لأنه لم يقل: سريت من مكة إلى بيت المقدس" حتى تقولوا: أنضرب لها أكباد الإبل شهراً وتدعي أنك أتيتها في ليلة". لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أُسْرِيَ بي. أي أنه صلى الله عليه وسلم ليس له فعل في الحدث. والفعل إذن لله. ومادام هو من فعل الله فهو لا يحتاج إلى زمن؛ لذلك كان يجب أن يفهموا على أي شيء يعترضون. ولكنا نعرف أن الله سبحانه وتعالى أراد لهم أن يفهموا على تلك الطريقة؛ لأنه سيأتي أناس من المتحذلقين المعاصرين ويقولون: "إن الإسراء كان بالروح" نقول لهم: بالله لو قال محمد للعرب: أنا سريت بروحي أكانوا يكذبونه؟ تماما مثلما يقول لنا قائل: "أنا كنت في نيويورك الليلة ورأيتها في المنام" فهل سيكذبه أحد؟ لا. إذن لقد كذب العرب لأنهم فهموا أنه أُسْرِيَ به بمعنى كامل.. أي كان الإسراء بالجسد والروح معا، بدليل أنهم قارنوا فعلاً بفعل، وحدثاً بحدث، ونقلة بنقلة، وقالوا قولهم السابق. لقد جاءت هذه المسألة لتخدم الإسلام. إذن فـ "قدوس" يعني مطهر ومنزه. وساعة ترى شيئاً مخالفاً لقضية العقل اقرنه بفعل الله،ولا تقرنه بفعلك أنت أيها العبد؛ لأن الفعل يتناسب مع قوة الفاعل طرداً أو عكسا. فإن كان الفاعل صاحب قدرة قوية. فزمنه أقل. مثال ذلك: نقل أردب من القمح من مكان إلى مكان، فإن كان الذي يحمل الأردب طفلاً فلن ينقل الأردب إلا قدحا بقدح؛ وإن كان رجلا ناضجا سينقل الأردب "كيلة بكيلة". وإن كان صاحب قوة كبيرة قد ينقل الأردب كله مرة واحدة. إذن فالزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا. فإن كثرت القوة قل الزمن. وهات أي فعل بقدرة الله فلن يستغرق أي زمن. إذن قدس الله في كل شيء. والأرض المقدسة هي المطهرة، وذلك بإرادة الحق سبحانه، تماما كما أراد سبحانه أن تكون بقعة من الأرض هي الحرم، لا يتم فيها الاعتداء على صيد أو نبات أو اعتداء بعضكم على بعض، وهل ذلك كلام كوني أو كلام تشريعي؟ {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} تفسير : [العنكبوت: 67] لو كانت المسألة إرادة كونية، فكان لا بد ألا يحدث خلل أبداً وألا يعتدي أحد على أحد. وما الفرق بين الكوني والتشريعي؟ إن الكوني يقع لأنه لا معارض في الأمور القهرية، فالحق يريد أن يكون عبداً طويل القامة، فتلك إرادة كونية تحدث ولا دخل للعبد بها. ولكن إن أراد الحق أن تكون طائعا مصليا، فتلك إرادة تشريعية. والإرادة تكون تشريعية فيما إذا كان للمريد اختيار، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها؛ لكن الإرادة الكونية هي فيما لا إرادة للإنسان فيه وواقع على رغم أنف الإنسان. والله سبحانه وتعالى يريد الحرم آمنا. وتلك إرادة تشريعية لأنه حدث أن أهيج فيه أناس ولم يأمنوا. ولو كانت إرادة كونية لما حدثت أبداً. لذلك فهي إرادة تشريعية، فإن أطعنا ربنا جعلنا الحرم آمنا، وإن لم نطعه فالذي لا يطيع يهيج فيه الناس ويفزعهم ويخيفهم. فمراد الله عز ومطلوبه شرعا "أن يكون الحرم آمنا". {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} فهل هذه الأرض المقدسة كتبها الله لهم كتابة كونية أو كتابة تشريعية؟ إن كانت كتابة كونية لكان من اللازم أن يدخلوها ولكنه قال: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 26] إذن هي إرادة تشريعية وليست إرادة كونية. فإن أطاعوا أمر الله وتشجعوا ودخلوا الأرض المقدسة فإنهم يأخذونها، وإن لم يطيعوه فهي محرمة عليهم. إذن فلا تناقض بين أن يقول سبحانه: إنه كتبها لهم، ثم قوله من بعد ذلك: إنها محرمة عليهم، لقد كتبها سبحانه كتابة تشريعية. فإن دخلوها بشجاعة ولم يخافوا ممن فيها واستبسلوا ووثقوا أن وراءهم إلهاً قوياً سيساندهم؛ فإنهم سيدخلونها، أما إن لم يفعلوا ذلك فهي محرمة عليهم. {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 21] وجاءت الأرض هنا أكثر من مرة: أية : {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} تفسير : [الإسراء: 104] وعرفنا مراد ذلك القول. ولادقة هنا أنه سبحانه جاء بأمر السكن في الأرض لبني إسرائيل أي في الأرض عموما ومحكوم عليهم أن يكونوا قطعا ومشردين. {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} تفسير : [الإسراء: 104] أي أنه سبحانه يجمعهم من كل بلد ويجيء بعد ذلك وعد الآخرة الذي جاء في أول سورة الإسراء: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 4] لأن الحق حينما قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1] أي أنه سبحانه وتعالى يدخل بهذه الآية المسجد الأقصى في مقدسات الإسلام. وأوضح الحق لهم: يا أيها اليهود أنتم ستعيشون في مكان بعهد من رسولي، ولكنكم ستفسدون في المكان الذي تعيشون فيه وسيتحملكم القوم مرة أو اثنيتن وبعد ذلك يسلط الله عباداً له يجوسون خلال دياركم ويشردونكم من هذه البلاد. والحق يبلغنا: نحن أعلمنا بني إسرائيل في كتابهم ما سيحدث لهم مع الإسلام: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} تفسير : [الإسراء: 4-5] وبعض الناس يقولون: إن هذا كان أيام بختنصر؛ ونقول لهم: افهموا قول الحق: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} وكلمة "وعد" لا تأتي لشيء يسبق الكلام بل الشيء يأتي من بعد ذلك. إذن فلم يكن ذلك في زمان بختنصر. فـ "إذا" الموجودة أولاً هي ظرف لما يُستقبل من الزمان، أي بعد أن جاء هذا الكلام. ثم هل كان بختنصر يدخل ضمن عباد الله؟. إن قوله الحق: {عِبَاداً لَّنَآ} مقصود به الجنود الإيمانيون، وبختنصر هذا كان فارسيا مجوسيا. وهذا القول الحكيم يشير إلى الفساد الأول مع رسول الله بعد العهد الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أجلاهم. وهل هي تقتصر على هذه؟ يقول سبحانه: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} تفسير : [الإسراء: 5] ولنا أن نسأل: وهل لم يفسد بنو إسرائيل في الأرض إلا مرتين؟. لا، لولا أنهم لم يفسدوا في الأرض سوى مرتين، لكان ذلك بالقياس إلى مافعلوه أمراً طيباً؛ فقد أفسدوا أكثر من ذلك بكثير. ولابد أن يكون إفسادهم في الأرض المقصودة هو الفساد الذي صنعوه بالأرض التي كانت في حضانة الإسلام، وسبحانه قد قال: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فمادام يوجد "عباد الله خالصوا الإيمان وأعدوا العدة فلا بد أن يتحقق وعد الله، لكن إذا ما تخلى الناس عن هذا الوصف؛ فعلى الناس الذين يعانون من إفساد بني إسرائيل أن يتلقوا ما قاله الله: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الإسراء: 6] فكأن الكّرَّة لا ترد إلا إذا كان القوم المؤمنون على غير مطلوب الإيمان. فإذا ما تساءل بعض المؤمنين: ولماذا تجعل يا الله الكّرَّة لبني إسرائيل؟. تكون الإجابة: لأنكم أيها الناس قد تخلفتم عن مطلوب العبودية الخالصة لله. ومادمنا قد تخلفنا عن مفهوم "عباد الله" فلا بد أن تحدث لنا تلك السلسلة الطويلة التي نعرفها من عدوان بني إسرائيل. ونحن الآن في مواجهة اليهود في مرحلة قوله الحق: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الإسراء: 6] فإذا كنا عباداً لله فلن يتمكنوا منا. والله سبحانه وتعالى حينما يتكلم بقضية قرآنية فلا بد أن تأتي القضية الكونية مصدقة لها. ولو استمر الأمر دون كرّة من اليهود علينا، بينما نحن قد ابتعدنا عن منهجنا وأصبح كل يتبع هواه، لكانت القضية القرآنية غير ثابتة. ولكن لا بد من أن تأتي أحداث الكون مطابقة للقضية القرآنية. ولذلك رأينا أن بعض العارفين الذين نعتقد قربهم من الله حينما جاء أحدهم خبر دخول اليهود بيت المقدس سجد لله. فقلنا: "أتسجد لله على دخول اليهود بيت المقدس". فقال: نعم. صدق ربنا لأنه قد قال: {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} هكذا قال الحق، وهل يكون دخول لثاني مرة إلا إذا كان هناك خروج من أول مرة؟. لقد حمد ذلك العارف بالله ربنا لأن قضايا القرآن تتأكد بالكونيات، فإذا ما قال الحق: {أية : رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ} تفسير : [الإسراء: 6] فليست المسألة أنهم لكونهم يهوداً لا يعطيهم الله الكّرَّةَ. ولكن القضية هي أننا عندما نكون عباداً لله حقيقة.. اعتقادا وسلوكا.. قولا وعملا ننتصر عليهم. {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} تفسير : [الإسراء: 6] وهم أغنياء لأنهم يديرون معظم حركة المال في العالم المعاصر. ولأنهم جميعاً في الجيش المدافع عن دولتهم. وذلك معنى بنين وأكثر نفيرا. النفير هو ما يستنفره الإنسان لنجدته؛ لأن قوة ذاته قاصرة عن الفعل. واليهود ليسوا قوة ذاتية بمفرد دولتهم، ولكن وراءهم أهم قوى في العالم المعاصر. إذن فقوله الحق: {أية : وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ} تفسير : [الإسراء: 6] قول صدق وحق. وقوله الحق: {أية : وَبَنِينَ} تفسير : [الإسراء: 6] قول صدق وحق. وقوله الحق: {أية : وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} تفسير : [الإسراء: 6] قول صدق وحق. ثم بعد ذلك يحسم الله قضيته ويقول لليهود: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] وهل تستمر الكرَّة يا رب؟. لا. فها هوذا الحق سبحانه يقول: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7] كأن الحق يعطينا البشارة بأننا سننتصر؛ ويكون الانتصار مرهونا بتنفيذ القاعدة التي شرعها الله بأن نكون عباداً لله حقا، عندئذ سَيَكِلُ الله لنا تنفيذ وعده لليهود: {أية : لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7] وأشرف ما في الإنسان هو الوجه، وعندما نكون عباداً لله سنسوء وجوههم، وفوق ذلك: {أية : وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} تفسير : [الإسراء: 7] ولم يأت الحق بذكر المسجد من قبل، فها هوذا قوله الكريم: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} تفسير : [الإسراء: 4-5] إذن فالحق هنا لم يأت بذكر المسجد في أول مرة. فكيف يكون دخولنا المسجد إذن؟. لقد دخلنا المسجد الأقصى أول مرة في الامتداد الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه. والمسجد الأقصى أيام عمر بن الخطاب لم يكن في نطاق بني إسرائيل، ولكن كان في نطاق الدولة الرومانية، فدخولنا المسجد أول مرة لم يكن نكاية فيهم. ولكن الحق جاء بالمرة الثانية هنا والمسجد في نطاق سيطرة بني إسرائيل. {أية : وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء: 7] سنكون نحن إذن عباداً لَلَّهِ ذوي البأس الشديد الذين سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وجاء الحق سبحانه بالمسجد هنا؛ لأن دخول المسجد أول مرة لم يكن إذلالاً لليهود، فقد كانت السلطة السياسية في ذلك الزمن تتبع - كما قلنا - الدولة الرومانية. ويضيف الحق من بعد ذلك: {أية : وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} تفسير : [الإسراء: 7] وحتى نتبر ما يُعْلُونه - أي نجعله خرابا - لابد أن تمر مدة ليعلوا في البينان. وعلينا أن نعد أنفسنا لتكون عباداً لله لنعيش وعد الآخرة وقد جعلها الله وعدا تشريعياً، فإذا عدنا عباداً لله فسندخل المسجد ونتبر ما علوا تتبيرا، والحق سبحانه وتعالى في آيات سورة المائدة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بلقطة عن بلاغه لسيدنا موسى بعد خروجه مع قومه من مصر، فقال: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 21] وقلنا إن الكتابة هنا تشريعية وليست كونية، فلو كان الأمر كونياً لدخلوا الأرض المقدسة بدون عقبات وبدون صراع وبدون قتال. والدليل على أن الكتابة تشريعية هو قوله الحق: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} أي أنكم إن ارتددتم على أدباركم انقلبتم خاسرين. فإن أطعتم الله ودخلتم الأرض دون إدبار، فستدخلون الأرض، وإن لم تفعلوا فلن تدخلوها. إذن ليست كتابة الأرض هنا كونية، ولكنها تشريعية. وقوله الحق: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} يشرح لنا طبيعة مواجهة الخصم؛ فالإنسان حين يواجه خصمه فهو يواجهه بوجهه. فإن فرّ الخصم من أمامه فهو يولي أدباره. والتولي على الأدبار يكون على لونين: لون هو الإدبار من أجل أن ينحرف الإنسان إلى جماعة وفئة لتشتد قوتهم ويقووا على هزيمة العدو أو يصنع مكيدة؛ ليعيد مواجهة الخصم، ولون آخر وهو الفرار وذلك مذموم، ومن المعاصي الموبقات المهلكات. وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 16] فالارتداد على الأدبار ليس مذموماً إن كان من أجل حيلة أو صنع كمين للعدو. وفي هذه الحالة لا بأس أن يرتد الإنسان، أما خلاف ذلك فهو مذموم. وهل الارتداد على الأدبار رجوع بالظهر إلى الوراء مع الاحتفاظ بالوجه في مواجهة الخصم؟. أو هو التفات بالوجه ناحية الدبر وفرار من العدو؟. كلا الأمرين يصح. وقد جاء الأمر إلى بني إسرائيلَ بعدم الفِرار ليدخلوا الأرض فماذا كان موقفهم مادامت الكتابة لهذا الأمر تشريعية؟.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} معناهُ قَضَاهَا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : كما قال تعالى: {يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه. وقال: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} [المائدة: 21]، بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة {فَتَنْقَلِبُوا} [المائدة: 21]، بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، {خَٰسِرِينَ} [المائدة: 21]، الدنيا والآخرة والمأوى. فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: {يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة: "حديث : جعلت لكم الأرض مسجداً وترابها طهوراً ". تفسير : وَ {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ}تفسير : [الملك: 15]، وقوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجداً وذلولاً وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلاً. ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهاراً للقدرة بأن يخافوا الله وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين يخافون {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} [المائدة: 23]، بأمر الله ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ} [المائدة: 23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله {فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} [المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم وقوة أجسادهم ولا إلى ضغف أبدانهم {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ} [المائدة: 23]، وقوة إيمانكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان. {قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا} [المائدة: 24]، فمن أقصته سوايقٌ التقدير لم تُخَلِّصْه لواحقُ التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فلم يخشوا من الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد.
همام الصنعاني
تفسير : 695- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ}: [الآية: 21]، قال هي الشام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):