٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم {قَالُواْ يأَبَانَا مُوسَىٰ إن فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } وفي تفسير الجبارين وجهان: الأول: الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، وهذا هو اختيار الفرّاء والزجاج. قال الفرّاء: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين وهما: جبار من أجبر، ودراك من أدرك، والثاني: أنه مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها، ويقال: رجل جبار إذا كان طويلاً عظيماً قوياً، تشبيهاً بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام بحيث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم، فسموهم جبارين لهذا المعنى. ثم قال القوم {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دٰخِلُونَ } وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ }تفسير : [الأعراف: 40].
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} متغلبين لا تتأتى مقاومتهم، والجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره وهو الذي يجبر الناس على ما يريده. {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دٰخِلُونَ} إِذ لاَ طَاقَة لَنَا بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يـٰمُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } من بقايا (عاد) طوالاً ذوي قوّة {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دٰخِلُونَ } لها.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَبَّارِينَ} الجبار الذي يجبر الناس على ما يريد، وجبر العظم لأنه كالإكراه له على الصلاح، نخلة جبارة: فاتت اليد طُولاً لامتناعها كامتناع الجبار من الناس.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا السياق محركاً للنفس إلى معرفة جوابهم عنه، أورده على تقدير سؤال من كأنه قال: إن هذا لترغيب مشوق وترهيب مقلق، فما قالوا في جوابه؟ فقال: {قالوا} معرضين عن ذلك كله بهمم سافلة وأحوال نازلة، مخاطبين له باسمه جفاء وجلافة وقلة أدب {يا موسى} وأكدوا قولهم تأكيد من هو محيط العلم، فقالوا مخاطبين بجرأة وقلة حياء لأعلم أهل زمانه: {إن فيها} أي دون غيرها {قوماً جبارين} أي عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين له على ما يريدون {وإنا لن ندخلها} خوفاً منهم {حتى يخرجوا منها} ثم صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية المؤكدة بتهالكهم على الدخول وأنه لا مانع لهم إلا الجبن فقالوا: {فإن يخرجوا منها} أي بأي وجه كان، وعبروا بأداة الشك مع إعلام الله لهم بإهلاكهم على أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع في التكذيب {فإنا داخلون *} فكأنه قيل: إن هذه لسقطة ما مثلها، فما اتفق لهم بعدها؟ فقيل: {قال رجلان} وأشار إلى كونهما من بني إسرائيل بقوله ذماً لمن تقاعس عن الأمر منهم: {من الذين يخافون} أي يوجد منهم الخوف من الجبارين، ومع ذلك فلم يخافا وثوقاً منهما بوعد الله، ولما كان بنو إسرائيل أهلاً لأن يخافهم من يقصدونهم بالحرب لأن الله معهم بعونه ونصره، قرىء: يخافون - مبيناً للمفعول {أنعم الله} أي بما له من صفات الكمال {عليهما} أي بالثبيت على العمل بحق النقابة، وهما يوشع بن نون وكالاب بن يوفنا - كما أنعم عليكم أيها العرب وخصوصاً النقباء بالثبات في كل موطن {ادخلوا عليهم الباب} أي باب قريتهم امتثالاً لأمر الله وإيقاناً بوعده. ولما كانا يعلمان أنه لا بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى، لأن الله وعد بنصرهم عليهم ووعده حق, عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى لجماهيرهم فقالا: {فإذا دخلتموه} ثم أكد خبرهما إيقاناً بوعد الله فقالا: {فإنكم غالبون} أي لأن الملك معكم دونهم {وعلى الله} أي الملك الأعظم الذي وعدكم بإرثها وحده {فتوكلوا} أي لا على عُدة منكم ولا عِدة ولا حول ولا قوة. ولما كان الإخلاص يلزمه التوكل وعدم الخوف من غير الله، ألهمهم بقوله؛ {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {مؤمنين *} أي عريقين في الإيمان بنبيكم صلى الله عليه وسلم والتصديق بجميع ما أتى به، فكأنه قيل: لقد نصحا لهم وبرّا، واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرّا، فما قالوا؟ فقيل: لم يزدهم ذلك إلا نفاراً واستضعافاً لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغاراً لأنهم {قالوا} معرضين عمن خاطباهم غيرعادين لهما {يا موسى} وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم: {إنا} وعظموا تأكيدهم بقولهم: {لن ندخلها} وزادوه تأكيداً بقولهم: {أبداً} وقيدوا ذلك بقولهم: {ما داموا} أي الجبابرة {فيها} أي لهم اليد عليها، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل بالله الفعال لما يريد. الغني عن جميع العبيد، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم: {فاذهب أنت وربك} أي المحسن إليك، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة طباع وغلظ أكباد، بل خصوه بالإحسان، وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم فهم مشارفون له، وكذلك أمثاله، وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم، ثم سببوا عن الذهاب قولهم: {فقاتلا} ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن أحداً يتخلف عن أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول: {إنا هاهنا} أي خاصة {قاعدون} أي لا نذهب معكما، فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من غير تصديق له بامتحان بفعل ما يدل على الإيقان؛ روى البخاري في المغازي والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "قال المقداد بن عمرو يوم بدر: يا رسول الله! لا نقول كما قال قوم موسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن امض ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه" فكأنه قيل: فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لما أيس منهم معرضاً عنهم شاكياً إلى الله تعالى {رب} أي أيها المحسن إليّ. ولما كان من حق الرسول أن يقيه كل أحد بنفسه وولده فكيف بما دون ذلك، فكان لا يصدق أحد أن أتباعه لا يطيعونه، جرى على طبع البشر وإن كان يخاطب علام الغيوب قال مؤكداً: {إني} ولما فهم من أمر الرجلين لهم بالدخول أنهما قيّدا دخولهما بدخول الجماعة، خص في قوله: {لا أملك إلا نفسي وأخي} أي ونحن مطيعان لما تأمر به {فافرق بيننا} أي أنا وأخي {وبين القوم الفاسقين *} أي الخارجين عن الطاعة قولاً وفعلاً، ولا تجمعنا معهم في بين واحد، في فعل ولا جزاء {قال فإنها} أي الأرض المقدسة {محرمة عليهم} أي بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم، لا يدخلها ممن قاله هذه المقالة أو رضهيا أحد، بل يمكثون {أربعين سنة} ثم استأنف جواباً لمن تشعب فكره في تعرف حالهم في هذه الأربعين ومحلهم من الأرض قوله: {يتيهون} أي يسيرون متحيرين {في الأرض} حتى يهلكوا كلهم، والتيه: المفازة التي يحير سالكها فيضل عن وجه مقصده، روي أنهم أقاموا هذه المدة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، ثم يمشون في الموضع الذي ساروا منه، ثم سبب عن إخباره بعقوبتهم قوله: {فلا تأس} أي تحزن حزناً مؤيساً {على القوم} أي الأقوياء الأبدان الضعفاء القلوب {الفاسقين *} أي الخارجين من قيد الطاعات، ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من اعوجاج طباعهم التي ألبستهم إياها بلاد الفراعنة، فإني كتبتها لبني إسرائيل، ولم أخبر بتعيينهم - وإن كانوا معينين في علمي - كما اقتضت ذلك حكمتي؛ وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} تفسير : [المائدة: 12] إلى أن قال: {أية : وآمنتم برسلي وعزرتموهم}تفسير : [المائدة: 12] وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب لمن عصى، ومات في تلك الأربعين كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس، ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء هاهنا عليهم - وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديباً لهم لا غضباً فإنهم تابوا. شرحُ هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكرُ بعض ما عذبهم فيه بذنوبهم، قال في السفر الرابع منها: وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوماً يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، فأرسلهم موسى من برية فاران رجالاً من رؤساء بني إسرائيل - اثني عشر رجلاً - فيهم كالاب بن يوفنا وهو ساع بن نون، ودعا موسى هوساع بن نون يوشع، وأرسلهم ليستخبروا أرض كنعان وقال لهم: اعرفوا خبر الشعب الذي بها، أقوي هو أم ضعيف؟ أكثير هو أم قليل؟ وما خبر الأرض التي هم فيها، أمخصبة أم لا؟ أفيها شجر أم لا؟ وفي نسخة: وما المدن التي يسكنونها؟ وإن كانت محوَّطاً عليها أم لا؟ وتقووا وخذوا من ثمار الأرض؛ فصعدوا فاستخبروا الأرض، وأخذوا من برية صين حتى انتهوا إلى راحوب التي في مدخل حمات، وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران - وفي نسخة: حبرون - وكان بها بنو الجبابرة، ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا قضيباً من الكرم فيه عنقود عنب، فحمله رجلان بأسطار، ودعوا اسم ذلك الموضع وادي العنقود من أجل ذلك، وأخذوا من الرمان والتين أيضاً، ورجعوا إلى موسى بعد أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم، وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر الأرض وقالوا: انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها، ولكن الشعب الذي في الأرض عزيز قوي، وقراهم كبار مشيدة، ورأينا ثَمّ بني الجبابرة، ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن، قالوا: وكنا عندهم مثل الجراد، كذلك رأينا أنفسنا، فضجت الجماعة كلها ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وبكوا في تلك الليلة بكاء شديداً، وتذمر جميع بني إسرائيل على موسى وهارون في ذلك اليوم وضجوا عليهما، وقال لهما محافل بني إسرائيل كلها: يا ليتنا! متنا بأرض مصر على يدي الرب، وليتنا متنا في هذه البرية ولا يدخلنا الرب إلى الإرض التي نصرع فيها قتلاً! وتنتهب مواشينا وأهلونا! كان المنون بأرض مصر خيراً لنا، وقال كل امرىء منهم لأخيه: اجتمعوا حتى نصيّر علينا رئيساً، ونرجع إلى أرض مصر، فخر موسى وهارون على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها، فأما يشوع ابن نون وكالاب بن يوفنا اللذان كانا من الجواسيس فقالا: الأرض مخصبة جداً، فإن شاء الرب دفعها إلينا، فهي أرض تغل السمن والعسل، فلا تعصوا الرب ولا تفتتنوا ولا تخافوا شعب هذه الأرض, لأن أهلها مبذولون لنا مثل الطعام للأكل، واعلموا أن قويهم سيضعف وتزول عنهم شدتهم، ونحن الغالبون لأن الرب معنا، فلا تفرقوا منهم، وظهر مجد الرب بالسحابة في قبة الزمان تجاه بني إسرائيل، وقال الرب لموسى: إلى متى يسخطني هذا الشعب؟ وكم إلى كم لا يصدقونني؟ ألم يروا جميع الآيات التي أتيتهم بها؟ سأضربهم بالموت وأهلكهم، وأصيرك الشعب أعظم من هذا وأعزّ منهم، فقال موسى أمام الرب: يسمع أهل مصر الذين أخرجت هذا الشعب من بينهم بقوتك، ويقول لسكان هذه الأرض أيضاً الذين سمعوا أنك رب هذا الشعب، فإن أنت قتلت هذا الشعب جميعاً كرجل واحد تقول الشعوب التي بلغها خبرك: إن الرب لم يقدر أن يدخل هذا الشعب الأر ض التي كان وعد إياهم، فلذلك قتلهم في البرية، فلتعظم قوتك الآن يا رب كما وعدت وقلت! يا رب أنت ذو المودة والنعمة، تغفر الإثم والخطايا، وتزكي من ليس بمزكي، اغفر يا رب كما غفرت لهم مذ خرجوا من أرض مصر إلى الآن! فقال الرب لموسى: قد غفرت لهم لقولك ولكني حي قيوم، أقسم بذلك وبمجدي الذي امتلأت الأرض كلها منه أن جميع الرجال الذين عاينوا مجدي والآيات التي أظهرت لهم بمصر والفضاء، وجربوني عشر مرات، ولم يطيعوني ولم يقبلوا قولي، لا يعاينون الأرض التي أقسمت لآبائهم أني أعطيهم، ولا يدخلها أحد من الذين أغضبوني، فأقبلوا غداً وارتحلوا إلى طريق بحر سوف؛ وقال الرب: إلى متى تغفرُ هذه الجماعة الرديئة بين يدي؟ فبي أقسم أنكم تصيرون إلى ما قلتم، وكما فكرتم ذلك يصيبكم في هذه البرية، فتسقط جثثكم فيها وتبلى أجسادكم ويهلك كل عددكم وحسابكم من ابن عشرين سنة إلى فوق، لأنكم تشوشتم وتذمرتم عليّ، لا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأنزلكم فيها، لوا يدخلها إلا كالاب بن يوفنا ويوشع بن نون، وأما مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر فهم يدخلون الأرض وأصيّرهم إليها وأورثهم الأرض، فأما جيفكم فتسقط وتبلى في هذه البرية. وتمكث بنوكم يترددون في هذه المفازة أربعين سنة، يعاقبون حتى تهلك جثثكم في هذه البرية على عدد الأيام التي اجتس الجواسيس الأرض فيها، لكل يوم سنة، وتعاقبون بإثمكم، لكل يوم سنة، أربعين سنة لأربعين يوماً، فتعلمون أني إنما فعلت ذلك لتذمركم بين يدي، أنا الرب قلت: كذلك أصنع بهذه الجماعة الرديئة التي اجتمعت بين يدي، تهلك في هذه البرية، يموتون كلهم، والقوم الذين أرسلهم موسى أن يجتسوا الأرض له فانقلبوا وشغبوا عليه وأفسدوا الجماعة كلها، وذلك أنهم أخبروا الشعب في أمر الأرض خبراً رديئاً، ومات القوم الذين أخبروا الخبر السوء موت الفجاءة أمام الرب، فأما يشوع وكالاب فنجوا من الموت، ولم يهلكا مع الذين استخبروا الأرض، فأخبر موسى بني إسرائيل هذه الأقوال، وجلسوا في حزن شديد وقالوا: نحن صاعدون إلى الموضع الذي أمر الرب ونقر بخطايانا، قال لهم موسى: اعلموا أنكم لا تنجحون ولا يتم أمركم، لا تصعدوا لأن الرب ليس معكم لئلا يهزمكم أعداؤكم، فإن صعدتم هزمتم وقتلتم، لأنكم أغضبتم الرب ورجعتم عن قوله، فلذلك لا يكون الرب معكم، فصعد القوم إلى رأس الجبل، فأما تابوت عهد الرب وموسى النبي فلم يبرحا من العسكر، ونزل العملقانيون الذين يسكنون ذلك الجبل وحاربوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وطردوهم إلى حرما؛ وكان ذكر قبل ذلك في السفر الثاني وقبل معصيتهم في أمر الجواسيس قتالهم في رفيدين ورقيم لعماليق فقال ما نصه: وإن عماليق جاء ليقاتل بني إسرائيل برفيدين فقال موسى ليشوع: اختر رجلاً من أهل الجلد والشدة واخراج بنا نقاتل عماليق غداً وأنا واقف على رأس الأكمة، وقضيب الله في يدي، فصنع يشوع كما قال له موسى فخرج إلى حرب عماليق، وصعد موسى وهارون وحور إلى رأس الجبل، وكان موسى إذا رفع يده قوى بنو إسرائيل، وإذا خفض يده قوى عماليق، فأعيت يدُ موسى فأخذ حجارة فوضعها تحته، ثم استوى عليها جالساً، وكان هارون وحور يدعمان يديه، أحدهما يميناً والآخر شمالاً حتى غربت الشمس، فهزم يشوع عماليق ومن معه وقتلوهم بحد السيف، فقال الرب لموسى: اكتب هذا الأمر في سفر الكتاب وضعه أما يشوع بن نون، لأني أمحق وأبيد ذكر عماليق من تحت السماء، فبنى للرب مذبحاً، ودعا اسمه الله علمي، ثم قال: وأرسل رسلاً من رقيم إلى ملك أدوم بأنهم نازلون في رقيم - القرية التي في حد بلاده - واستأذنه في الجواز في بلاده، فهددهم بالمقاتلة فقالوا: لا نشرب لك ماء إلا بثمن، فقال: لا تجوزوا في حدي، وخرج إليهم بجيش عظيم وسلاح شاك فصغا بنو إسرائيل عنه وظعنوا من رقيم، وأتى جميع بني إسرائيل إلى هور الجبل حيث توفي هارون، ثم قال: ونزل موسى وإليعازر من الجبل، فرأت محافل بني إسرائيل كلها أن هارون قد توفي، وبكى على هارون جميع بني إسرائيل ثلاثين يوماً، وسمع الكنعاني ملك عراد الذي كان يسكن التيمن أن بني إسرائيل قد نزلوا في طريق الجواسيس فحاربهم وسبى منهم قوماً، فنذر بنو إسرائيل نذراًَ للرب وقالوا: إن أنت دفعت إلينا هذا الشعب يا رب وقويتنا عليه جعلنا قراهم حريمة للرب، فسمع الرب أصوات بني إسرائيل ودفع إليهم الكنعانيين وقوّاهم عليهم، وهزموهم وقتلوهم وجعلوا قراهم حريمة للرب ودعوا اسم تلك البلاد حريمة، فظعن الشعب من هور الجبل في طريق بحر سوف ليدوروا حول أرض أدوم، ففزعت أنفس الشعب من شدة الطريق وكلّت، وتذمر الشعب على الله وعلى موسى وقالوا: لِمَ أصعدتنا من مصر؟ لتميتنا في موضع ليس فيه خبز ولا ماء، قد ضاقت أنفسنا من قلة الطعام، فسلط الله عليهم حيات فنهشت قوماً من الشعب ومات منهم كثير، فاجتمعوا إلى موسى وقالوا: قد أخطأنا إذ تذمرنا على الله وعليك، صل أمام الرب لتنصرف عنا الحيات، فصلى موسى فقال الرب له: اتخذ حية من نحاس مثال الحية وارفعها على خشبة علامة، ومن نهشته حية ينظر إلى الحية المعلقة فيبرأ، ففعل ذلك، فطعن بنو إسرائيل فنزلوا أبوت، ثم ارتحلوا من أبوت ونزلوا على عين العبرانيين التي في البرية أمام أرض موآب في الجانب الشرقي وحيث مشارق الشمس، ثم ظعنوا من هناك ونزلوا وادي زرود، وارتحلوا من هناك ونزلوا عبر أرنون في البرية أمام أرض موآب في الجانبين التي تخرج من حد الأمورانيين وهي في حد الموآبيين، ولذلك يقال في كتاب حروب الرب: واهب في سوفة ووادي أرنون ومصب الأودية المائلة إلى سكان عار التي تنتهي إلى حد الموآبيين؛ ثم أرسل بنو إسرائيل رسلاً إلى سيحون ملك الأمورانيين وقالوا له: نجوز في أرضك من غير أن نطأ لك حقلاً ولا كرماً، ولا نشرب من ماء جناتك، ولكن نلزم الطريق الأعظم حتى نجوز أرضك، فأبى سيحون وجمع جميع أجناده وخرج إلى البرية وحارب بني إسرائيل، فقتل بنو إسرائيل سيحون وأصحابه وورثوا أرضه، وصعدوا إلى أرض متنين، وخرج عوج ملك متنين إليهم هو وأجناده ليحاربهم في أدرعى، وقال الرب لموسى: لا تخفه لأني دافعة في يدك وأصيّر جميع شعبه وأرضه في يدك، فاصنع به كما صنعت بسيحون ملك الأمورانيين، فلما حاربوه قتل هو وبنوه وجميع شعبه ولم يبق منهم أحد، فظعن بنو إسرائيل ونزلوا عربات موآب التي عند أردن إريحا؛ ثم ذكر قصة بلعام بن باعور وغيرها وقال: ثم قال الرب لموسى: اصعد إلى هذا الجبل جبل العبرانيين، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل، فإذا نظرت إليها اجتمع معك شعبك، وصر إلى ما صار إليه آباؤك كما صار [إليه] هارون أخوك، فتكلم موسى أمام الرب وقال: يأمر الله رجلاً يريد الجماعة ويدخل ويخرج أمامهم، ويدخلهم ويخرجهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي ليس لها راعٍ، فقال الرب لموسى: اعمد إلى يشوع بن نون - رجل عليه من الروح نعمة - فضع يدك عليه، وأقمه بين يدي إليعازر الحبر أمام الجماعة كلها ومن تجاههم قبلاً، وأعطه من المجد الذي عليك، فتطيعه جماعة بني إسرائيل كلها، ويقوم بين يدي إليعازر الحبر ليكون يسأل الرب عن حوائجه وسننه، ويحفظ بنو إسرائيل قوله، وعن قوله يخرجون وعن قوله يدخلون، وفعل موسى كالذي أمره الله في يوشع وغيره - ثم ذكره أشياء من القرابين والأعياد وفتح مدين وبقية قصة بلعام وغير ذلك ثم قال: وكثرت مواشي بني روبيل وبني جاد جداً، ونظروا إلى يعزير وأرض جلعاد أنه موضع يصلح للمواشي فقالوا لموسى: إن نحن ظفرنا منك برحمة ورأفة تعطي هذه الأرض لعبيدك ميراثاً ولا تجزنا نهر الأردن، فقال موسى: إخوتكم يخرجون إلى الحرب وأنتم تستقرون هاهنا؟ لِمَ تكسرون قلوب إخوتكم أن لا يجوزوا إلى الأرض التي يعطيهم الرب ميراثاً! هكذا صنع أيضاً آباؤكم فاشتد غضب الرب عليهم، وأقسم أنه لا يعاين أحد منهم الأرض التي وعدت بها آباءهم، لأنهم لم يتموا قولي ولم يتبعوا وصيتي ما خلا كالاب بن يوفنا القنزابي ويشوع بن نون، إنهما أتما قول الرب, فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وتَوَّههُمْ في البرية أربعين سنة حتى هلك حقب الرجال الذين أسخطوا الرب، وأنتم اليوم أيضاً تريدون أن ينزل غضب الرب ببني إسرائيل، وإن أنتم انقلبتم عن أمر الرب أيضاً يعود أن يُتَوِّهَكم في التيه، فتفسدون على جميع هذا الشعب، فدنا منه القوم وقالوا: نبني هاهنا قرى لعيالاتنا وحظائر لأنعامنا، ونحن نتسلح أمام بني إسرائيل حتى ندخلهم إلى مواضعهم ولا نرجع إلى بيوتنا حتى يرث بنو إسرائيل كل إنسان ميراثه، ولا نرث معهم من عبر الأردن وما خلف ذلك، لأنا قد قبضنا ميراثنا في مجاز الأردن في مشارق الشمس، فقال لهم موسى: إذا أنتم فعلتم هذا الفعل وتسلحتم أمام ربكم، حينئذ ترجعون وتستجلبون أرضكم ويرضى بنو إسرائيل عنكم، وتصير هذه الأرض لكم ميراثاً، وإن لم تفعلوا هذا تصيروا أمام الرب خطأة، واعلموا أن خطاياكم تدرككم، ثم قال: وهذه خطأ عن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر - فذكر ما تقدم في البقرة، ثم قال: وارتحلوا من مقبرة الشهوة ونزلوا حضروت، وظعنوا من حضروت ونزلوا رثما، وارتحلوا من رثما ونزلوا رمّون فرص، وظعنوا من رمّون فرص ونزلوا لبنا - وفي نسخة: لبونا - وارتحلوا من لبنا ونزلوا أراسيا - وفي نسخة: رسا - وظعنوا من أراسيا أو رسا ونزلوا قهاث - وفي نسخة: بقهالاث - وارتحلوا من قهاث ونزلوا جبل شافار - وفي نسخة: شافر - وارتحلوا من جبل شافار ونزلوا حرادة - وفي نسخة: حرذا - وارتحلوا من حرادة - وفي نسخة: حارذا - ونزلوا مقهلوث - وفي نسخة: مهقلوث - وظعنوا من مقهلوث نزلوا تحاث - وارتحلوا من تحاث ونزلوا ترح، وارتحلوا من ترح ونزلوا مثقا، وارتحلوا من مثقا ونزلوا حشمونا، وظعنوا من حشمونا ونزلوا مسروت، وارتحلوا من مسروت ونزلوا بحيّ بني يعقان، وظعنوا من حيّ بني يعقان ونزلوا جبل جدجاد، وارتحلوا من جدجاد ونزلوا يطبث - وفي نسخة: يطباثا - وظعنوا من يطبث ونزلوا عجرونا - وفي نسخة: عبرونا - وارتحلوا من عجرونا ونزلوا عصيون جابر وهي قلزم، ورحلوا من عصيون جابر ونزلوا بَرَّصين - وفي نسخة: برية صين المعروفة بقداش - وهي رقيم، وظعنوا من قداش ونزلوا هور الجبل الذي في أقاصي أرض أدوم - وفي نسخة: وظعنوا من برية صين فنزلوا في قفر فاران وهي القدس، وارتحلوا من القدس فنزلوا في جبل هور بحذاء أرض أدوم وهي الروم - وصعد هارون الحبر عن قول الله إلى هور الجبل، وتوفي هناك في سنة أربعين بخروج بني إسرائيل من أرض مصر في الشهر الأول أول يوم منه، وقد كان أتى على هارون يوم توفي مائة وثلاث وعشرون سنة، وبلغ الكنعاني ملك حديا الساكن بالتيمن في أرض كنعان - وفي نسخة: عراد الساكن في الداروم في بلد ماءب - أن بني إسرائيل أتوا حده، فينون من هور الجبل ونزلوا صلمونا، وارتحلوا من صلمونا ونزلوا فينون, وظعنوا من فينون ونزلوا أبوث - وفي نسخة: أباث - وارتحلوا من أبوث ونزلوا العين المعروفة بالعبرانيين على حد موآب - وفي نسخة: ونزلوا عايا في العين على تخوم موآب - وارتحلوا من عايا فنزلوا جاد - وفي نسخة: ورحلوا من عين العبرانيين ونزلوا ديبون قرية جاد - وارتحلوا من قرية جاد ونزلوا علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - وظعنوا من علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - فنزلوا جبل العبرانيين الذي أمام نابو، وارتحلوا من جبل العبرانيين ونزلوا عربة موآب التي بأردن يريحا - وفي نسخة: ونزلوا مغارب موآب على الأردن قبالة يريحا - ونزلوا على شاطىء الأردن من عند أشيموت إلى آبل شاطيم التي عند عربة موآب - وفي نسخة: قبالة مغارب موآب. وكلم الرب موسى على مغارب موآب عند الأردن قبالة يريحا فقال: كلم بني إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن إلى أرض كنعان لتهلكوا جميع سكان الأرض، وتحرقوا بيوت أصنامهم المسبوكة، وتقلعوا مذابحهم كلها، وتصير الأرض إليكم وترثونها، فاقسموها لعشائركم سهاماً، وصيروا الكثير على قدر كثرتهم، والقليل على قدر قلتهم، وكل قبيلة على ما يرتفع السهم بها وتصيبها القرعة، وإن لم تهلكوا سكان الأرض من بين أيديكم فالذين يبقون منهم يكونون أسنة في أعينكم وسهاماً في أصداغكم، ويضيّقون عليكم في الأرض التي تسكنونها، وكما رأيت أن أصنع بهم كذلك أصنع بكم، فهكذا اقسموا الأرض في مواريثكم: أرض كنعان بحدودها، فأما حد التيمن فيكون لكم من ساحل البحر الملح من ناحية المشرق، ويدور حدكم من التيمن إلى عقبة عقربيم ويجوز إلى صين، وتكون مخارجه من التيمن إلى رقيم الجائي، ويخرج من هناك إلى حصر إدار - وفي نسخة: إلى رفح - ويجوز إلى عصمون إلى وادي مصر، وتكون مخارجه إلى ناحية البحر ويكون حد البحر حدكم والبحر الأعظم بحدوده، هذا حدكم من ناحية البحر, وأما حدكم مما يلي الجربيا - وفي نسخة: الشمال - فيكون من البحر الأعظم إلى هور الجبل، وحدود ذلك من الجبل إلى مدخل حماة، وتكون مخارج الجبل إلى صدد، ويخرج الحد إلى زفرون، وتكون مخارجه إلى حصر عينن، هذه حدودكم من ناحية الجربيا، وأما حدودكم من ناحية المشرق فحدوده من حصر عينن إلى شافم، وينزل الحد نم شافمم إلى ربلة إلى مشارق غاب، حتى ينتهي إلى بحر كنرت - وفي نسخة: البحيرة الميتة - من مشارقه، ويدور حتى ينزل إلى حد الأردن، وتكون مخارجه إلى بحر الملح، هذه حدود الأرض التي ترثونها كما تدور, ثم ذكر القسمة وشيئاً من الأحكام، ثم قال في أول السفر الخامس: هذه الآيات والأقوال التي قال موسى لبني إسرائيل عند مجاز الأردن في البرية في عرابا - وفي نسخة: البيداء وهو الجانب الغربي - حيال سوف بين فاران وبين تفال ولبان وحضروت وذي ذهب - وفي نسخة: ودار الذهب وهو إشارة إلى الموضع الذي عبدوا فيه العجل - مسير أحد عشر يوماً من حوريب إلى ساعير وإلى رقام الجائي. لما كان في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الحادي عشر في أول يوم منه كلم موسى بني إسرائيل وأمرهم بعد قتلهم سيحون ملك الأمورانيين وعوج ملك متنين في مجاز الأردن في أرض موآب، قال: إن الله قال لنا في حوريب: قد طال مكثكم في هذا الجبل، انهضوا فارتحلوا من هاهنا وادخلوا جبل الأمورانيين وكل ما حوله إلى القرى والجبل وإلى ساحل البحر أسفل الجبال، والتيمن أرض الكنعانيين، ولبنان إلى النهر الكبير الذي هو الفرات، ادخلوا ورثوا الأرض التي وعد الله آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيهم، ويورثها نسلهم من بعدهم، ثم قال: وأمرتكم في ذلك الزمان بما ينبغي أن تصنعوا، وارتحلنا من حوريب وسرنا في البرية العظيمة المرهوبة كما أمرنا الله ربنا، وانتهينا إلى رقيم الجائي، وقلت لكم: قد انتهيتم إلى جبل الأمورانيين الذي أعطانا الله ربنا، اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزعوا، وتقدمتم إليّ بأجمعكم وقلتم: نرسل بين أيدينا رجالاً يتجسسون لنا الأرض ويخبرونا بخبرها ويدلّونا على الطريق الذي نسير فيه والقرى التي ندخلها؛ فكان قولكم عندي حسناً، وعمدت إلى اثني عشر رجلاً منكم، من كل سبط منكم رجل، وأرسلتهم، وصعدوا إلى الجبل حتى انتهوا إلى وادي العنقود، واستخبروا الأرض وأخذوا من ثمار الأرض وأتوا به وأخبرونا وقالوا لنا: ما أخصب الأرض التي يعطينا الله ربناَ! ولم يعجبكم أن تصعدوا، ولكن اجتنبتم قول الله ربكم وأغضبتموه وتوشوشتم في خيمتكم وقلتم: لبغض الرب أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا في أيدي الأمورانيين ليهلكونا، إلى أين نصعد! إخوتنا كسروا قلوبنا وقالوا: الشعب أعظم وأعزّ منا وأقوى، وقراهم عظيمة مشيدة إلى السماء، ورأينا هناك أبناء جبابرة، وقلت لكم: لا تخافوا ولا تفزعوا منهم، من أجل أن الله ربكم هو يسير أمامكم، وهو يجاهد عنكم كما صنع بكم في أرض مصر وفي البرية. كما رأيتم أنه فداكم كما يفدي الوالد ولده في كل الأرض التي سلكتموها حتى انتهيتم إلى هذه البلاد، وبهذا القول لم تصدقوا أن الله ربكم يكمل لديكم أنه يسير أمامكم في الطريق ليهيىء لكم موضعاً تسكنون فيه، أليس هو الذي أراكم طريقاً تسلكون فيه بالليل بالنار، وستركم بالنهار من حر الشمس بالغمام، وسمع الرب كلامكم وأصواتكم وغضب وأقسم وقال: لا يعاين أحد من هؤلاء القوم - أهل هذا الحقب الرديء - الأرض المخصبة التي أقسمت أن أعطي آباءهم غير كالاب بن يوفنا، إني أدفع إليه الأرض التي مشى فيها وأورثها ولده، لأنه أتم قول الرب وأكمل سنته، وقال لي: وأنت أيضاً لا تدخلها، ولكن يشوع بن نون الذي يخدمك هو يدخل هناك، إياه قوِّ وأيد، لأنه هو الذي يورث بني إسرائيل الأرض المخصبة التي وعدت بها آباءهم أن أعطيهم، وأما مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر، فهم يدخلون هناك، وإليهم أدفعها وهم يرثونها، فأما أنتم فاقبلوا وارتحلوا إلى البرية في طريق بحر سوف، فرددتم عليّ وقلتم: أسأنا وأجرمنا بين يدي الله ربنا، نحن صاعدون ومجاهدون كما قال لنا، وتسلح كل امرىء منكم بسلاحه، وتهيأتم للصعود إلى الجبل، وقال الرب لي: أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا ولا تجاهدوا، لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم، وقلت ولم تقبلوا، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه وجسرتم وطلعتم إلى الجبل، فخرج الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما تطرد الزنابير بالدخان، ودفعوكم من ساعير إلى حرما، وجلستم وبكيتم ولم يسمع الرب أصواتكم، فبكيتم أمام الرب في رقام أياماً كثيرة ما مكثتم فيها، فأقبلنا فارتحلنا في البرية في طريق بحر سوف كما قال الرب، وترددنا حول جبل ساعير أياماً كثيرة، وقال لي الرب: قد طال ترددكم حول هذا الجبل, اقبلوا إلى الجانب الجربي، فتقدم إلى الشعب وقل لهم: أنتم تجوزون في حد إخوتكم بني عاسو - وفي نسخة: عيصو - الذين يسكنون ساعير، فاحفظوا أن لا تولعوا بهم. لأني لست أعطيكم من أرضهم ميراثاً ولا موضع قدم، ابتاعوا منهم طعاماً لمأكلكم وامتاروا منهم ماء بفضة لمشربكم، وليبارك الله ربكم عليكم ويبارك لكم في كل ما عملت أيديكم، كما علم أن يسوسكم في هذه البرية أربعين سنة، الله ربكم ما دام معكم لا يعوز بكم شيء، وجزنا طريق العربة - وفي نسخة: البيداء - وأيلة، وأقبلنا وجزنا في البرية إلى طريق موآب، وقال لي الرب: لا تضيق على الموآبيين ولا تحاربهم، لأني لست أعطيك من أرضهم ميراثاً، بل قد جعلت هذه الأرض ميراثاً لبني لوط هذه التي سكنها إمتى أولاً، شعباً كان عظيماً، كان الموآبيون يسمونهم إمتى، فأما ساعير فكان سكانها الحورانيين أولاً وورثها بنو عاسو، فقوموا الآن فجوزوا وادي زرد، فجزنا وادي زرد حينئذ، وكان عدد الأيام التي سرنا من رقيم إلى أن جزنا وادي زرد ثماني وثلاثين سنة، حتى هلك جميع الرجال الأبطال أهل ذلك الحقب من عسكر بني إسرائيل كما أقسم عليهم الرب، لأن يد الرب كانت عليهم حتى هلكوا، فلما ماتوا من الشعب كلمني الرب وقال لي: أنت جائز اليوم إلى حد موآب، وتدنو من حد بني عمون فلا تتعرض لهم، لست أعطيك ميراثاً من أرض بني عمون، لأني قد جعلتها ميراثاً لبني لوط، فقم وارتحل وجز وادي أرنون، إني قد دفعت إليك سيحون ملك الأمورانيين فحاربه وأهلك أصحابه، فإني أبدأ فألقي خوفك وفزعك على الناس منذ يومك هذا، وعلى جميع الشعوب التي تحت السماء، حتى إذا سمعوا بخبرك فرقوا وفزعوا منك، وأرسلت رسلاً من برية قدموت إلى سيحون ملك حجبون بكلام طيب وبالسلام، وقلت له: نجوز في أرضك ونسير في الطريق الأعظم، لا نميل يمنة ولا يسرة نمتار, منكم طعاماً بفضة لمأكلنا، وكذلك نبتاع ماء لمشربنا بثمن، فدعونا نجز سائرين في الطريق كما صنع بنا بنو عاسو الذين في ساعير، والموآبيون الذي في عار، حتى يجوز في الأردن إلى الأرض التي يعطينا الله ربنا، لوم يسرَّ سيحون ملك حجبون أن نجوز في حده، لأن الله ربكم قسّى قلبه وعظم روحه ليدفعه في أيديكم، وخرج إلينا هو وجميع أجناده ليحاربونا في ياهاص، فدفعه الرب إلينا وقتلناه هو وجميع أجناده, وفتحنا قراه وأهلكنا كل من كان في قراه، ولم يبق منهم أحد، وأهلكنا نساءهم وعيالاتهم، ولم يبق منهم أحد من حد عروعير التي على حد وادي أرنون، والقرية التي في الوادي وإلى جلعاد لم تفتنا قرية، بل دفعها الله ربنا في أيدينا جميعاً، فأما أرض بني عمون فلم نقربها، وكل ما كان على وادي يبوق وقرى الجبال أيضاً، وكل ما أمرنا الله ربنا به، ثم أقبلنا وصعدنا إلى أرض متنين، وخرج إلينا عوج ملك متنين هو وكل شيعته ليحاربنا في أدرعى، وقال لي الرب: لا تفرق فإني قد دفعته في يديك، وأسلمت إليك كل أجناده وأرضه، وقتلناهم ولم يبق منهم أحد، وظفرنا بكل قراه في ذلك الزمان، ولم تفتنا قرية إلا أخذناها منهم ستين قرية، كل جبل أرجوب، كل القرى التي كانت أسوارها مشيدة محصنة بالأبواب الشديدة الموثقة، وأحرمناهن كما صنعنا بسيحون وأخذنا الأرض في ذلك الزمان من ملكي الأمورانيين اللذين كانا عند مجاز الأردن من وادي أرنون إلى جبل حرمون، فأما الصيدانيون فكانوا يدعون حرمون سريون، وأما الأمورانيون فكانوا يسمونها سنير، وأخذنا كل القرى التي كانت في الصحراء وكل جلعاد وكل متنين إلى سلكة وأدرعى، جميع قرى ملك عوج، لأن عوجاً كان الجبار الذي بقي وحده من الجبابرة، وكان سريره من حديد، وفي مدينة بني عمون التي تسمى ربة، طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع الجبابرة، وورثنا هذه الأرض في ذلك الزمان؛ ثم قال: أمرت يشوع في ذلك الزمان وقلت: قد رأيت بعينيك ما صنع الله ربكم بملكي الأمورانيين، كذلك يصنع الرب بجميع المملكات التي تجوز إليها، لأن الله ربكم هو يجاهد عنكم، وتضرعت إلى الرب في ذلك الزمان وقلت: أطلب إليك يا ربي وإلهي أن تظهر لعبدك عظمتك بيدك المنيعة وبذراعك العظيمة، أيّ إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك وجرائحك! أتأذن لي الآن فأعبر وأعاين الأرض المخصبة التي في مجاز الأردن، هذا الجبل المخصب ولبنان، ولم يتسجب لي وقال لي الرب: حسبك! لا تعد أن تقول هذا القول بين يدي، اصعد رأس الأكمة وارفع عينيك إلى المغرب والمشرق وإلى الجربي والتيمن، وانظر إليها نظراً ولا تجز هذا الأردن، ومر يشوع وتقدم إليه وقوِّه وأيده، لأنه هو الذي يجوز أمام هذا الشعب وهو الذي يورثهم الأرض التي تراها، ونزلنا الوادي حيال بيت فغور: ثم قال: وأقسم - أي الرب -أني لا أجوز هذا الأردن ولا أدخل إلى الأرض التي أعطاكم الله ربكم ميراثاً، فأنا الآن متوفٍ في هذه الأرض، ولا أجوز هذا الأردن، فأما أنتم فتجوزون وترثون هذه الأرض المخصبة، احفظوا لا تنسوا عهد ربكم الذي عاهدكم، ولا تفسدوا وتتخذوا أصناماً وأشباهاً، من أجل أن الله ربكم هو نار محرقة وهو إله غيور، وإذا ولد لكم بنون وبنو بنين وعتقتم في الأرض. واتخذتم أصناماً وأشباهاً وارتكبتم الشر أمام الله ربكم وأغضبتموه قد أشهد عليكم السماء والأرض أنكم تهلكون سريعاً من الأرض التي تجوزون لترثوها، ولا تكثر أيامكم فيها، ويبددكم الرب من بين الشعوب ويبقي منكم عدد قليل بين الشعوب التي يفرقكم الرب فيها، سلوا عن الأيام الأولى التي مضت قبلكم منذ يوم خلق الله الناس على الأرض من أقصى السماء إلى أقطارها، هل كان مثل هذا الأمر العظيم أو سمع بمثله قط؟ هل سمع شعب آخر صوت الله يكلمه من النار كما سمعتم أنتم، وجربوا الله الذي اتخذهم شعباً من الشعوب بالبلايا والآيات والأعاجيب والحروب واليد المنيعة والذراع العظيمة وبالمناظر العظيمة، كما صنع الله بأهل مصر تجاهكم أنتم وعاينتم وعلمتم أن الله هو رب كل شيء وليس إله غيره، أسمعكم صوته من السماء ليعلمكم وأراكم ناره العظيمة، وسمعتم أقاويله من النار، ولحبه لآبائكم اختار نسلهم من بعدهم، وأخرجكم بوجهه من مصر بقوته العظيمة، ليهلك من بين أيديكم شعوباً أعظم وأعزّ منكم ليدخلكم ويعطيكم أرضهم ميراثاً، لتعلموا يومكم هذا وتقبلوا بقلوبكم لأن الرب هو إله في السماء فوق وفي الأرض أسفل، وليس إله سواه، احفظوا سننه ووصاياه التي أمركم بها يومكم هذا لينعم عليكم وعلى أبنائكم من بعدكم ويطول مكثكم في الأرض التي يعطيكم الله ربكم طول الأيام. هذه الشهادات والأحكام التي قص موسى على بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر، فانتهوا إلى مجاز الأردن في الوادي في مشارق الشمس، وإلى بحر العربة إلى سدود الفسجة، ثم قال بعد ذلك في أواخر هذا السفر بعد أن قص عليهم أحكاماً كثيرة وحِكَما عزيزة: الرب يقبل بكم إلى الخير ويفرحكم كما فرح آباؤكم، وذلك إن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم سننه ووصاياه المكتوبة في هذا الكتاب من كل قلوبكم وأنفسكم، من أجل أن هذه الوصية لم تخف عليكم ولم تغب، وليس هو بمستور في السماء فتقولوا: من يصعد لنا إلى السماء ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! وليس بغائب عنكم في أقصى البحر فتقولوا: من ينزل لنا إلى البحر ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! ولكن القول قريب من فمك وقلبك فاعمل به، وانظر أني قد صيّرت بين يديك اليوم الحياة والخير، فأخبرتك بالموت والشر، وأنا آمرك اليوم أن تحب الله ربك وتسلك في طرقه وتحفظ سننه ووصاياه وأحكامه، لتحيى وتكثر جداً، ويبارك الله ربك عليك، وينميك في الأرض التي تدخلها لترثها، وإن مال قلبك وزاغ ولم تسمع وضللت وتبعت الآلهة الأخرى وسجدت لها فقد بينت لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً، ولا يطول مكثكم في الأرض التي تجوزون الأردن لترثوها، وأوعزت إليكم وناشدتكم السماء والأرض والحياة والموت - وفي نسخة: وأشهدت عليكم السماء والأرض وجعلت بين يديكم الحياة والموت - وتلوت عليكم اللعن والدعاء، فاختر الحياة لتحيى أنت ونسلك إذا أحببت الله ربك وسمعت قوله ولحقت بعبادته، لأنه حياتك وطول عمرك، وتسكن في الأرض التي أقسم الرب لآبائك ووعد إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك؛ ثم انطلق موسى وكلم بني إسرائيل وقص عليهم هذه الأقوال كلها وقال لهم: اليوم مائة وعشرون سنة، ولست أقدر على الدخول والخروج أيضاً، والرب قال: إنك لا تجوز هذا الأردن، فالله ربكم هو يجوز أمامكم، وهو يهلك هذه الشعوب من بين أيديكم وترثونهم، ويشوع هو يجوز أمامكم كما قال الرب، وسيصنع بهم الرب كما صنع بسيحون وعوج ملكي الأمورانيين اللذين أهلكهما، ويهزمهم الله ربكم من بين أيديكم، فاصنعوا بهم حينئذ ما أمرتكم به، فتقوّوا واعتزوا ولا تخافوا ولا تفزعوا، ولا ترعب قلوبكم منهم، لأن الله ربكم سائر أمامكم، لا يخذلكم ولا يرفضكم؛ ودعا موسى يشوع بن نون وقال له بين يدي جماعة بني إسرائيل: تقّو واعتز، لأنك أنت الذي تدخل هذا الشعب الأرض التي أقسم الله لآبائهم أن يعطيهم، وأنت تورثها أبناءهم، والرب هو يسير أمامكم وهو يكون معك ولا يخذلك ولا يرفضك، فلا تخف ولا تفزع ولا يرعب قلبك؛ وكتب موسى هذه التوراة وسننها ودفعها إلى الأحبار بني لاوي الذين يحملون تابوت عهد الرب وإلى جميع أشياخ بني إسرائيل؛ ثم قال: وكلم الرب موسى في ذلك اليوم وقال له: اصعد إلى جبل العبرانيين هذا جبل نابو الذي في أرض موآب حيال يريحا, وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثاً، ولتتوفّ هناك في الجبل الذي تصعد إليه واجتمع إلى آبائك، كما توفي أخوك هارون في الجبل وصار إلى قومه، ثم قال في آخر هذا السفر وهو آخر التوراة: فطلع موسى من عربوب - وفي نسخة: من بيداء موآب - إلى جبل نبو إلى رأس الأكمة التي قبالة وجه إريحا، وأراه الله جميع جلعد إلى دان وجميع أرض نفتالي وجميع أرض إفرائيم ومنشا، وجميع أرض يهودا إلى آخر البحر والبرية وما حول بقعة بلد إريحا مدينة النخل إلى صاغر، فقال الرب لموسى: إن هذه هي في الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وقلت: إني لنسلكم أعطيها، قد أريتكها بعينيك، فأما أنت فما تدخلها، وقضى عبدالله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن - يعني في أرض موآب - حذاء بيت فاغور، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا، وكان موسى وقت قضى ابن مائة وعشرين سنة، لم يضعف بصره ولم يشخ جداً؛ فناح بنو إسرائيل على موسى بعربوب - وفي نسخه: في بيداء موآب - ثلاثين يوماً، وتمت أيام بكاء مأتم موسى؛ وامتلأ يشوع بن نون روَح الحكمة، لأن موسى وضع عليه يده، وأطاع له بنو إسرائيل وامتثلوا ما أمر الرب به موسى - انتهى ما أردته من أخبار التيه وما يتصل بذلك من مساواتهم لجميع الناس في العذاب بالمعاصي والإلطاف بالطاعات، الهادم لكونهم أبناء وأحباء. وفيه مما يحتاج إلى تفسير: الجربي، وهو نسبة إلى الجربياء - بكسر الجيم والموحدة، بينهما مهملة ساكنة ثم تحتانية ممدودة، وهي جهة الشمال، والتيمنُ - بفتح الفوقانية وإسكان التحتانية وضم الميم، وهو أفق اليمن الذي يقابل الشمال فالمراد الجنوب، وفيه قاصمة لهم من إنكار النسخ في أمرهم بنص التوراة بالدخول إلى يبت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا، فإنه قال: اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزغوا، ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السلام عليه السلام بغضب الله عليهم وعقوبته بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة، فقال لهم موسى عليه السلام: وقال لي الرب: أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا ولا تجاهدوا لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم - هذا نصه فراجعه. وأما دخول أبنائهم إلى بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقاً لمواعد الله على يد يشوع بن نون عليه السلام فسيذكر إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى في سورة يونس عليه السلام: {أية : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق}تفسير : [يونس: 93]، ولكن أقدم هنا من أمر يوشع بعد موسى عليهما السلام - والمعونة بالله - ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها، قال البغوي: فتوجه - يعني يوشع - ببني إسرائيل إلى إريحا ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بها ستة أشهر، ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة ودخلوا، فقاتلوا الجبارين فقتلوهم، وكان القتال في يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم أردد الشمس عليّ! فردت عليه وزيد في النهار ساعة، ثم قتلهم أجمعين، وتبع ملوك الشام واستباح منهم واحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام وفرق عماله في نواحيها، وجمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك، فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، فجعله في القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان - انتهى. ورأيت أنا في تاريخ نبوة يوشع بعد موت موسى عليهما السلام ما ربما يخالف هذا في الأشهر والبلد، أما الأشهر فجعلها سبعة أيام، وأما البلدة التي وقفت عندها الشمس فجبعون لا إريحا، فإنه قال ما نصه: قال الرب ليشوع: انظر، إني قد دفعت في يدك إريحا وملكها وكل أجنادها، فليُحِطْ بالمدينة جميع الرجال المقاتلة، ودوروا حول المدينة في اليوم مرة، وافعلوا ذلك في ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات، ويهتف الكهنة بالقرون، وإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتاً شديداً، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب كل إنسان حياله - انتهى. ثم ذكر امتثالهم لأمر الله وفتحهم لإريحا على ما قال الله، وأما البلدة التي ردَّت فيها الشمس فهي جبعون، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها، ثم قال: وهذه أسماء قراهم: جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم فرق فرقاً شديداً، لأن جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك، وكان أهلها رجالاً جبابرة، فأرسل إلى هوهم ملك حبران - وفي موضع آخر: حبرون - وإلى فرآم ملك يرموث، وإلى يافع ملك لخيس، وإلى دابير ملك عقلون - وقال لي بعض اليهود: إن المراد بهذه عجلون - وقال لهم: اصعدوا لتعينوني على محاربة أهل جبعون، لأنهم قد صالحوا يشوع، فاجتمع الخمسة من ملوك الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون، فأرسل أهل جبعون إلى يشوع فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع أبطال الشعب، فأوحى الرب إلى يشوع: لا تخف ولا تفزع منهم، لأني قد أسلمتهم في يدك، فأتاهم بغتة، لأنه صعد من الجلجال الليل أجمع، فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل وجرحوا منهم جرحى كثيرة في جبعون التي بحوران، وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا يقتلون منهم إلى عزيقة ومقيدة، فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة حوران أمطر الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم، فكان الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلوا، ثم قام يشوع أمام الرب مصلياً في اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل وقال: أيتها الشمس! امكثي في جبعون ولا تسيري، وأنت أيها القمر! لا تبرح قاعَ أيلون، فثبتت الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم؛ فكتبت هذه الأعجوبة في سفر التسابيح، لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى الغروب، وصار النهار يوماً تاماً، ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده - انتهى. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة، روى الشيخان: البخاري في الخمس والنكاح، ومسلم في المغازي عن أبي هريرة رضي الله عنه قالك " قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا! فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى بعض ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا"تفسير : . وفي رواية المسند للحافظ نور الدين الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس "تفسير : ، قال: وهو في الصحيح ولم أر فيه حصراً كما هنا؛ وفي سيرة ابن إسحاق ما ينقضه، قال: حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا: فمتى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجىء، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، ولم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {إن فيها قوماً جبارين} قال: ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين} قال: هم أطول منا أجساماً وأشد قوّة. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي ضمرة قال: استظل سبعون رجلاً من قوم موسى خلف رجل من العماليق. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنه رُئِيَتْ ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العمالقة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك. أنه أخذ عصا فذرع فيها شيئاً، ثم قاس في الأرض خمسين أو خمساً وخمسين، ثم قال: هكذا أطول العماليق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر نقيباً من كل سبط منهم عين فيأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً من هيبتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجني من حائطه، فجعل يحش الثمار، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول: اكتم عني فأشيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا، وهم اللذان أنزل الله فيهما {قال رجلان من الذين يخافون}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ادخلوا الأرض المقدسة} قال: هي مدينة الجبارين، لما نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلاً، وهم النقباء الذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كساءته، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه: فاجتمعوا إليه فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، وقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: أقدروا قدر فاكهتهم، فلما أتوهم قالوا: يا موسى {أية : فاذهَب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} تفسير : [المائدة: 24] {فقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى، فقالا لموسى {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {قال رجلان} قال: يوشع بن نون وكالب. وأخرج عبد بن حميد عن عطية العوفي في قوله {قال رجلان} قال: كالب ويوشع بن النون فتى موسى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {من الذين يخافون أنعم الله عليهما} قال: في بعض القراءة {يخافون أنعم الله عليهما}. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير. أنه كان يقرأها بضم الياء {يخافون}. وأخرج ابن منذر عن سعيد بن جبير قال: كانا من العدو، فصارا مع موسى. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس {قال رجلان من الذين يخافون} برفع الياء. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {من الذين يخافون} بنصب الياء في يخافون. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} بالهدى فهداهما فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبارين. وأخرج ابن جرير عن سهل بن علي {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} بالخوف. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} قال: هم النقباء. وفي قوله {ادخلوا عليهم الباب} قال: هي قرية الجبارين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} [الآية: 22]. قال بعضهم: معجبين بأنفسهم غير راجعين إلى ربهم فى أحوالهم.
القشيري
تفسير : لاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئاً من الحدثان، وداخلتهم هواجمُ الرعبِ فأصروا على ترك الأمر. ومَنْ طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم في أَسْرِ التقدير قوالبَ متعريةً عن إمكان الإيجاد، ولم يقع على قلبه ظلُّ التُّوهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} اى بنوا اسرائيل عند امر موسى ونهيه غير ممتثلين لذلك {يا موسى ان فيها قوما جبارين} اى متغلبين لا تتأتى مقاومتهم والجبار العالى الذي يجبر الناس ويكرههم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان فعال من جبره على الامر اى اجبره عليه وذلك ان النقباء الاثنى عشر الذين خرجوا لتجسس الاخبار وانتهوا الى مدينة الجبارين لما رجعوا الى موسى واخبروه بما عاينوا من قوتهم وشوكتهم وطول قدودهم وعظم اجسامهم وان الرجل من بنى اسرائيل ليدخل تحت قدمهم لعظمه ووسعته قال لهم موسى اكتموا شأنهم ولا تخبروا به احدا من اهل المعسكر فيفشلوا فاخبر كل واحد منهم قريبه وابن عمه الا رجلين وفيا بما قال لهما موسى احدهما يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف فتى موسى والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى على اخته مريم بنت عمران وكان من سبط يهودا فشاع الخبر بين بنى اسرائيل فلذا قالوا ان فيها قوما جبارين {وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها} من غير صنع من قبلنا فانه لا طاقة لنا باخراجهم منها {فان يخرجوا منها} بسبب من الاسباب التى لا تعلق لنا بها {فانا داخلون} حينئذ.
الطوسي
تفسير : هذه حكاية من الله عن قوم موسى لما أمرهم بدخول الأرض المقدسة، انهم قالوا: إِن في الارض قوماً جبارين، ونصب {جبارين} بـ {أن} و {فيها} خبر {إن} قدم على الاسم. والجبار هو الذي لا ينال بالقهر وأصله - في النخل - ما فات اليد طولاً والجبار من الناس هو الذي يجبرهم على ما يريد. وقال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى من قومه اثنى عشر نقيباً ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال معجباً للملك منهم: هؤلاء يريدون قتالنا؟ فقال الملك: ارجعوا إِلى صاحبكم فاخبروه خبرنا. وقال قتادة ومجاهد مثله. قال مجاهد كانت فاكهتهم لا يقدرعلى حمل عنقود لهم خمسة رجال بالخشب. ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال. وان موسى كان طوله عشرة أذرع وله عصا طولها مثل ذلك ونزا من الارض مثل ذلك، فبلغ كعب عوج بن عوق فقتله. وقيل كان سريره مئة ذراع. وأصل الجبار من الاجبار على الامر وهو الاكراه عليه. والجبر جبر العظم وهو كالاكراه على الصلاح. قال العجاج: شعر : قد جبر الدين الاله فجبر وعوَّر الرحمن من ولى العور تفسير : أي أصلحه ولأمه كجبر العظم كرهاً. والجُبار هدر الارش لأن فيه معنى الكره. والجبار في صفات الله صفة التعظيم، لانه يفيد الاقتدار، وتقول: لم يزل الله جباراً بمعنى أن ذاته تدعو العارف بها إِلى تعظيمها. والفرق بين الجبار والقهار أن القهار هو الغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوئ بمعصيته إِياه، ولا يوصف فيما لم يزل بأنه قهار. والجبار في صفة المخلوقين صفة ذم، لانه يتعظم بما ليس له من العظمة. فان العظمة لله تعالى. وقوله {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها} يعني هؤلاء الجبارين {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} تمام الحكاية عن قوم موسى.
الجنابذي
تفسير : {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} لعدم طاقتنا لمقاومتهم {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلاَنِ} يوشع بن نون وكالب بن يوفّنا ابنا عمّه وقيل: رجلان من اهل الشّام اسلما بموسى (ع) {مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} يتّصفون بالخوف او يخافون سخط الله {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} معترضة او حال {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} يعنى باغتوهم حتّى لا يتمكّنوا من الاصحار او قوّوا قلوبكم ولا تنظروا الى عظم جثّتهم فانّهم اجسام خالية عن الجرأة {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يعنى ان الايمان يقتضى التّوكّل عليه فهو شرط للتّهييج.
الهواري
تفسير : {قَالُوا} لموسىعليه السلام {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ} أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب، وهما اللذان قال الله فيهما {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا} بمخافتهما الله: نحن أعلم بالقوم من هؤلاء، إن القوم قد ملئوا منا رعباً. {ادْخُلُوا عَلَيِْهِمُ البَابَ} قال مجاهد: باب مدينة الجبارين {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال الكلبي: قالوا: يا موسى أيُكذّب منا عشرة ويُصَدّق اثنان؟ {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. وكان موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء حديداً فـ {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} أي: وأخي لا يملك إلا نفسه {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ} يعني قومه. {قَالَ} الله لموسى: إذ سميتهم فاسقين: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ} أي فلا تحزن {عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ} فتاهوا أربعين سنة. قال الكلبي: لما قالوا {إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً} قال الله: فإنها محرمة عليهم أبداً، مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة. قال: فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى؛ هلكوا أجمعون في التيه إلا رجلين: يوشع بن نون وكالوب، وأنزل الله عليهم في تلك الأربعين سنة المن والسلوى وثياباً لا تخرق ولا تدنس، تشبّ مع الصغير، وخِفافاً لا تخرق، فكان لهم ذلك في تيههم حى دخلوا أَريحاً مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. وقال بعضهم: ذكر لنا أن يوشع بن نون وكالوب بعثوا اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً عيوناً لهم ليأتوهم بأمر القوم. فأما عشرة فجنبوا وكرهوا الدخول إليهم. وأما يوشع وصاحبه فأمرا بالدخول فاستقاما على أمر الله ورغبا قومهما في ذلك. وقال بعضهم: جبن القوم عن عدوهم وتركوا أمر ربهم. قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}، إنما يشربون ماء الآبار، لا يهبطون قرية ولا مصراً، لا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنه كان فيها قوم لهم أجسام وَخَلق منكر. قوله: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا}، أي حتى يخرج الجبارون منها، {فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}، أي فإذا دخلتم باب مدينة الجبارين فإنكم غالبون. {وَعَلَى اللهِ فتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. قال الحسن: قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} أبداً في الإِضمار، ثم قال: {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}. أربعين سنة كانوا يرتحلون من المنزل فيسيرون يومهم وليلتهم، ثم يصبحون حيث ارتحلوا، أربعين سنة عذاباً عذّبهم الله بدعوة موسى. قال مجاهد: كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا، وفي تيههم ذلك ضرب لهم موسى الحجر. قال الله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ}. ذكر لنا أنه كان طول موسى سبعة أذرع، وطول عصاه سبعة أذرع، ووثب من الأرض سبعة أذرع فأصاب كعب ذلك الجبار الذي قتل. وذلك أنه بلغنا أنه أشرف على عسكرهم يريدهم.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا}: أى قوم موسى. {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا}: أى فى الأرض المقدسة. {قَوْمًا جَبَّارِينَ}: يفوتون الناس بما أرادوا من الناس، ولا ينال الناس منهم ما يريدون لتغلبهم وقوتهم، أو جبارين بمعنى قهارين من جبره بالتخفيف بمعنى أجبره بالهمزة، أى قهره يقال: جبره وأجبره بمعنى، ولو شاع جبر بلا همزة فى جبر الكسر فلا حاجة الى ما قال الفراء أنه من أجبر بالهمزة، كدراك بالتشديد من أدرك اذ قال: لم يسمع فقال من أفعل الا فى جبار من أجبر، ودراك من أدرك، ويجوز أن يكون جبارين استعارة من قولهم نخلة جبار اذا طالت حتى لا ينالها أحد الا بالطلوع، وذلك لطولهم أو لامتناعهم. روى أن طول الواحد ثمانون ذراعاً، وقال بعض: أربعون ذراعاً، ومر طول عوج. قيل: لما دخل النقباء أرض البلقاء بلد الجبارين يتجسسون أحوالهم أقاموا فيها أربعين يوماً، فرأوا أهلها أجساماً عظاماً هائلة، وأخبروا بنى اسرائيل ذلك كما مر، وقالوا: رأينا أجساماً عظاماً، وحصوناً مانعة، وينبغى للواحد منهم مائة منا، وأنها الأرض تأكل أهلها كما تراه فى وقعة بدر، ففشلوا الا يوشع وكالباً، فأخبروا موسى فقط، وسهلا الأمر للعامة وقالا بلد طيب كثير النعمة والأقوام وان كانوا عظماء الا أن قلوبهم ضعيفة، وهم من العمالقة بقية من قوم عاد. {وَإِنَّا لَن نَّدخُلَهَا حَتَّى يَخرُجُوا مِنهَا}: نطاوعك فى سكناها، أو نحبه ولكن نريد ذلك بلا قتال، بأن يخرجهم الله منها بما شاء، وقيل: قالوا ذلك استبعاداً لخروجهم منها. {فَإِن يَخْرُجُوا مِنهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}: لها تحقيقاً اذ لا طاقة لنا بقتالهم، كيف يقتل ذو عشرة أذرع أو أقل ذا ثمانين ذراعاً، وذا أربعمائة ذراع، وأفهم الله جل جلاله يوشع وكالب أنهم ضعاف القلوب، وهذا كما ترى طفلا نحيفاً قصيراً خماسياً يسوق جملا وجمالا كثيرة.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} من بقية عاد من العمالقة يجبرون غيرهم على ماأَرادوا ولا ينال منهم غيرهم ما لم يريدوا ولسنا نقاومهم ونخلة جبار لا تنالها الأَيدى من الأَرض لطولها فمن لا ينال منه جبار ولو قصيراً، وقيل إِن طال ولا يوجد فعال من أَفعل إِلا جبار من أَجبر ودراك من أَدرك وحسان من أَحسن، وقيل يقال جبر وأَجبر بمعنى وأَحس وحس ويدل له لفظ حاسة، آمنا بما ذكر الله عز وجل من كونهم جبارين وما يتبع ذلك من كونهم أَعطوا ما لم يعطه غيرهم من القوة وعظم الأَجسام، ونتهم ما روى عن زيد بن أَسلم بلاغا عن غيره أَن ضبعا وأَولادها رفضت فى عين رجل منهم، وأَفظع من ذلك ما قيل أَنه استظل سبعون رجلا من بنى إِسرائيل فى قحف رجل منهم {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا} بلا قتال منا وإِنا لا نقاتلهم {فَإِنَا دَاخِلُونَ} داخلوها.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ يَـٰمُوسَىٰ إنَّ فيهَا قَوْماً جَبَّارينَ} شديدي البطش متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ولا تجز لهم ناصية، والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه ـ كالحساس ـ من الإحساس وهو الذي يقهر الناس ويكرههم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان، ومعناه في البخل ما فات اليد طولاً، وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم، أخرج ابن عبد الحكم في «فتوح مصر» عن ابن حجيرة قال: استظل سبعون رجلاً من قوم موسى عليه السلام في قحف رجل من العمالقة، وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنه رؤيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من الأخبار، وهي عندي كأخبار عوج بن عنق وهي حديث خرافة. {وَإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ منْهَا} بقتال غيرنا، أو بسبب يخرجهم الله تعالى به فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها، وهذا امتناع عن القتال على أتم وجه / {فَإنْ يَخْرُجُواْ منْهَا} بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها {فَإنَّا دَاخلُونَ} فيها حينئذ، وأتوا بهذه الشرطية ـ مع كون مضمونها مفهوماً مما تقدم ـ تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتوا في الجزاء بالجملة الإسمية المصدرة ـ بإن ـ دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محالة وإظهاراً لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر.
القطان
تفسير : قال قوم موسى مخالفين أمر الله: يا موسى، إن في هذه الأرض التي أمرتنا بدخولها جبابرة لا طاقة لنا بهم، ولا نقوى على محاربتهم, ولهذا فإننا لن ندخل هذه الأرض ما دام هؤلاء الجبارون فيها، فإذا خرجوا منها دخلناها. عند ذاك قال رجلان من رؤسائهم أنعم الله عليهم بالطاعة والتوفيق: أدخلوا أنتم على الجبارين واقتحموا الباب مفاجئين لهم، وستنتصرون عليهم. توكلوا على الله يا قومنا في كل أموركم ان كنتم صادقين في ايمانكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَامُوسَىٰ} {دَاخِلُونَ} (22) - فَاعْتَذَرُوا عَنْ دُخُولِ البَلَدِ بِأَنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ذَوي خِلَقٍ هَائِلَةٍ، وَأجْسَامٍ ضَخْمَةٍ، وَقُوى شَدِيدةٍ، وَأنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَلاَ يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ إليها، مَا دَامَ الجَبَّارُونَ فِيها، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا، دَخَلَها قَوْمُ مُوْسَى، وَإلاَّ فَإِنَّهُمْ لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِ الجَبَّارِينَ. الجَبَّارُ - هُوَ القَوِيّ العَاتِي الذِي يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِ مَا يُرِيدُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كيف إذن يعلنون هذا التمرد على امر الحق؟. وكيف علموا أن فيها قوماً جبارين؟. ولنا أن ننتبه إلى أن الحق قد قال من قبل: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} تفسير : [المائدة: 12] فقد ذهب النقباء أولاً وتجسسوا ونقبوا وعرفوا قصة هذه الأرض المقدسة، وأن فيها جماعة من العمالقة الكنعانيين. وساعة رأوا هؤلاء القوم، قالوا لأنفسهم: هل سنستطيع أن نقاوم هؤلاء الناس؟ إن ذلك أمر لا يصدق؛ لذلك لن ندخلها ما داموا فيها. إذن فقد تخاذلوا وارتدوا على أدبارهم. {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ}. وساعة أن تسمع كلمة "جَبَّار" تجدها أمراً معنوياً أُخذ من المحسات؛ فالجبارة هي النخلة التي لا تطولها يد الإنسان إذا أراد أن يجني ثمارها. وعندما تكون ثمار النخلة في متناول يد الإنسان حين يجني ثمارها فهي دانية القطوف، أما التي لا تطولها يد الإنسان لحظة الجني للثمار فهي جَبَّارة؛ لذلك أخذ هذا المعنى ليعبر عن الذي لا يقهر فسمي جباراً، وقد يكون الجبار مُكرِهاً ولكن على الإصلاح، وفي بلادنا نطلق على من يصلح كسور العظام "المجبراتي". أي أنه يجبر العظام على أن تعود إلى مكانها الطبيعي. وقد يتألم الإنسان من ذلك، ولكن في هذا إصلاح لحياة الإنسان. و"الجَبَّار" اسم من أسماء الله؛ لأنه سبحانه يَقْهَر ولا يُقهَر. وقد يُكرهنا سبحانه وتعالى حتى يصلحنا. ويخنبرنا بالابتلاءات حتى يمحصنا وتستوي حياتنا. إذن فـ "الجبار" صفة كمال في الحق لأنه يستعمل جبروته في الخير ويقهر الظالمين والمعاندين والمكابرين، وذلك لمصلحة الأخيار الطيبين. وهو سبحانه وتعالى لا يُقهَر. فعندما يكون في صف جماعة فإن أحداً لا يغلبهم، أما الجبار كصفة في الخلق فعي مذمومة؛ لأن التجبر هنا بدون أصالة كالبناء الأجوف. فالمتجبر قد يصيبه قليل من الصداع فيرقد متوجعاً. إننا نرى أمثلة لذلك في حياتنا، نجد المتجبر يصاب بأزمة قلبية فيحمل على نقالة إلى المستشفى، ونجد جباراً آخر يصاب بقليل من المغص، فيجري وهو ممسك ببطنه فيضحك عليه الأطفال. ويقولون له ما معناه: العب بعيداً فلست جباراً ولا فتوة ولا أي شيء. والجبار إن أراد أن يكون كذلك فعليه أن يكون صاحب رصيد مستمر، فلا تراه يوماً غير جبار. ولا يكون التجبر صفة ذاتية إلا لله سبحانه وتعالى. ويقول الحق: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} وساعة نسمع "لن" تسبق الفعل فلنعرف أنها للنفي. والنفي قد يأخذ زمناً طويلاً، وقد يأخذ زمناً تأبيدياً. والفرق بين الدخول فقط والدخول التأبيدي، أن الدخول الأول له زمن ينهيه، والدخول الثاني لا زمن له لينهيه كدخول المؤمنين الجنة. وإذا عين الدخول بغاية كقولهم: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي أن النفي التأبيدي مرتبط بغاية وهي خروج القوم الجبارين. والتأبيد هنا إضافي لأنهم قالوا: إنهم لن يدخلوا الأرض في مدة وجود الجبارين. {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} ونقول: وهل الأمم التي تخطو إلى الشر وتمارسه يمتنع فيها وجود عناصر الخير؟. لا؛ لأن الحق يبقي بعضاً من عناصر الخير حتى لا ينطمس الخير، وهذا ما يوضحه الحق في بني إسرائيل عندما قالوا لموسى هذا القول، فقد خالفهم رجلان منهم: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ...}
الجيلاني
تفسير : {قَالُوا يَامُوسَىٰ} على صورة الاعتذار وإظهار العجز وعدم الإقدار، وما هي إلا من عدم تثبتهم على الإيمان، وعدم رسوخهم في مقتضياته، وعدم وثوقهم بنصر الله وإعانته بعدما أمرهم بالقتل والترحال، ووعدهم ما وعدهم: {إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} لا يتأتى مقاومتهم ومقاتلتهم {وَ} بالجملة: {إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} بقتالٍ أو غيره {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} على أي وجهٍ {فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22] إذ لا طاقة ولا قدرة لنا معهم. {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} من قهر الله وغضبه، سيما بعد ورورد أمره؛ إذ هما من أهل الوثوق بنصر الله وإنجاز وعده؛ إذ {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالإيمان والإذعان وبإعطاء الحكمة والمعرفة: {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} أي: ضيقوا على عدوكم باب بلدهم، وقربوهم إلى حيث يضطرون ويخنقون من جسامتهم، وضيق مكانهم {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ} على هذا الوجه {فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} غانمون {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]. {قَالُواْ} مستهزئين، مصرحين بما تكنّ صدورهم من الكفر، وعدم الوثوق والإخلاص، ومناقضة العهود والمواثيق: {يَامُوسَىۤ} لا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به {إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا} وإن شئت {فَٱذْهَبْ أَنتَ} أيها الداعي {وَرَبُّكَ} الذي دعوتناك إليه، وادَّعيت الإعانة والانتصار منه {فَقَاتِلاۤ} مع العدو {إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] منتظرون إلى أن يظهر الأمر.
همام الصنعاني
تفسير : 701- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ}: [الآية: 22]، قال: هم أطول منا أجساماً وأشد قوّة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):