Verse. 692 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قَالَ رَجُلٰنِ مِنَ الَّذِيْنَ يَخَافُوْنَ اَنْعَمَ اللہُ عَلَيْہِمَا ادْخُلُوْا عَلَيْہِمُ الْبَابَ۝۰ۚ فَاِذَا دَخَلْتُمُوْہُ فَاِنَّكُمْ غٰلِبُوْنَ۝۰ۥۚ وَعَلَي اللہِ فَتَوَكَّلُوْۗا اِنْ كُنْتُمْ ￁مِنِيْنَ۝۲۳
Qala rajulani mina allatheena yakhafoona anAAama Allahu AAalayhima odkhuloo AAalayhimu albaba faitha dakhaltumoohu fainnakum ghaliboona waAAala Allahi fatawakkaloo in kuntum mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» لهم «رجلان من الذين يخافون» مخالفة أمر الله وهما يوشع وكالب من النقباء الذين بعثهم موسى في كشف أحوال الجبابرة «أنعم الله عليهما» بالعصمة فكتما ما اطَّلعا عليه من حالهم إلا عن موسى بخلاف بقية النقباء فأفشوه فجبنوا «ادخلوا عليهم الباب» باب القرية ولا تخشوهم فإنهم أجساد بلا قلوب «فإذا دخلتموه فإنكم غالبون» قالا ذلك تيقناً بنصر الله وإنجاز وعده «وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين».

23

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الرجلان هما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وكانا من الذين يخافون الله وأنعم الله عليهما بالهداية والثقة بعون الله تعالى والاعتماد على نصرة الله. قال القفال: ويجوز أن يكون التقدير: قال رجلان من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم أنعم الله عليهما بالإيمان فآمنا، وقالا هذا القول لقوم موسى تشجيعاً لهم على قتالهم، وقراءة من قرأ {يَخَافُونَ } بالضم شاهدة لهذا الوجه. المسألة الثانية: في قوله {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا } وجهان: الأول: أنه صفة لقوله {رَجُلاَنِ }، والثاني: أنه اعتراض وقع في البين يؤكد ما هو المقصود من الكلام. المسألة الثالثة: قوله {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ } مبالغة في الوعد بالنصر والظفر، كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم انهزموا ولا يبقى منهم نافخ نار ولا ساكن دار، فلا تخافوهم. والله أعلم. المسألة الرابعة: إنما جزم هذان الرجلان في قولهما {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ } لأنهما كانا جازمين بنبوّة موسى عليه السلام، فلما أخبرهم موسى عليه السلام بأن الله قال: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } تفسير : [المائدة: 21] لا جرم قطعاً بأن النصرة لهم والغلبة حاصلة في جانبهم، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني لما وعدكم الله تعالى النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من شدة قوتهم وعظم أجسامهم، بل توكلوا على الله في حصول هذا النصر لكم إن كنتم مؤمنين مقرين بوجود الإلۤه القادر ومؤمنين بصحة نبوّة موسى عليه السلام.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ رَجُلاَنِ} كالب ويوشع. {مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} أي يخافون الله سبحانه وتعالى ويتقونه. وقيل كان رجلان من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فعلى هذا الواو لبني اسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له أنه قرىء {ٱلَّذِينَ يُخَافُونَ} بالضم أي المخوفين، وعلى المعنى الأول يكون هذا من الإِخافة أي من الذين يخوفون من الله عز وجل بالتذكير أو يخوفهم الوعيد. {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالإِيمان والتثبيت وهو صفة ثانية لرجلان أو اعتراض. {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} باب قريتهم أي باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من الأصحار. {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ} لتعسر الكر عليهم في المضايق من عظم أجسامهم، ولأنهم أجسام لا قلوب فيها، ويجوز أن يكون علمهما بذلك من إخبار موسى عليه الصلاة والسلام وقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ }تفسير : [المائدة: 21] أو مما علما من عادة الله سبحانه وتعالى في نصرة رسله، وما عهدا من صنعه لموسى عليه الصلاة والسلام في قهر أعدائه. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مؤمنين به ومصدقين بوعده.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } لهم {رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ } مخالفة أمر الله وهما (يوشع وكالب) من النقباء الذين بعثهم موسى في كشف أحوال الجبابرة {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا } بالعصمة فكتما ما اطَّلعا عليه من حالهم إلا عن موسى بخلاف بقية النقباء فأفشوه فجبنوا {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ } ولا تخشوهم فإنهم أجساد بلا قلوب {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ } قالا ذلك تيقناً بنصر الله وإنجاز وعده {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

ابن عطية

تفسير : قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد "يُخافون" بضم الياء، وقرأ الجمهور "يَخافون " بفتح الياء، وقال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن نوف وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر "موسى" على أخته، قال الطبري: اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى {يخافون} أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن {أنعم الله عليهما} بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود: "قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما". وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانت من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن {أنعم الله عليهما} بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم، فهم "يخافون" بهذا الوجه. والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحاً لهم على نحو المدح في قوله تعالى: {أية : أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} تفسير : [الحجرات:3] وقوله تعالى: {أنعم الله عليهما} صفة للرجلين، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله: {فإنكم غالبون} ظن منهما ورجاء وقياس إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم، وفي قراءة ابن مسعود "عليهما ويلكم ادخلوا" وقولهما: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر. ثم إن بني إسرائيل لجوا في عصيانهم وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم فصمموا على خلاف أمر الله تعالى: و {قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون} وهذه عبارة تقتضي كفراً، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى اذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقولهم {فقاتلا} يقطع بهذا التأويل، وذكر النقاش عن بعض المفسرين أن المراد بالرب هنا هارون لأنه كان أسنّ من "موسى" وكان معظماً في بني إسرائيل محبباً لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا اذهب انت وكبيرك. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيراً لموسى وتابعاً له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر، وذكر الطبري عن قتادة أنه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم على قتال قريش في عام الحديبية، جمع العسكر وكلم الناس في ذلك فقال له المقداد بن الأسود: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون" لكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. وذكر النقاش أن الأنصار قالت هذه المقالة للنبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وجميع هذا وهم، غلط قتادة رحمه الله في وقت النازلة، وغلط النقاش في قائل المقالة، والكلام إنما وقع في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذفران فكلم الناس وقال لهم: أشيروا عليَّ أيها الناس، فقال له المقداد هذه المقالة في كلام طويل، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ثم تكلم من الأنصار سعد بن معاذ بنحو هذا المعنى ولكن سبقه المقداد إلى التمثيل بالآية. قال القاضي أبو محمد: وتمثل المقداد بها وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك يقتضي أن الرب إنما أريد به الله تعالى، ويونس أيضاً في إيمان بني إسرائيل، لأن المقداد قد قال: اذهب أنت وربك فقاتلا، وليس لكلامه معنى إلا أن الله تعالى يعينك ويقاتل معك ملائكته ونصره فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها، وحسنت عبارة المقداد لاقتران الطاعة والإقدام بها. ولما سمع موسى عليه السلام قولهم ورأى عصيانهم تبرأ إلى الله تعالى منهم، وقال داعياً عليهم: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} يعني هارون، وقوله: {وأخي} يحتمل أن يكون إعرابه رفعاً إما على الابتداء والتقدير وأخي لا يملك إلا نفسه، وإما على العطف على الضمير الذي في {أملك} تقديره لا أملك أنا، ويحتمل أن يكون إعرابه نصباً على العطف على {نفسي}، وذلك لأن هارون كان يطيع "موسى" فلذلك أخبر أنه يملكه، وقرأ الحسن "إلا نفسيَ وأخي" بفتح الياء فيهما، وقوله: {فافرق بيننا} دعاء حرج، قال السدي، هي عجلة عجلها موسى عليه السلام، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى افصل بيننا وبينهم بحكم وافتح، فالمعنى احكم بحكم يفرق هذا الاختلاف ويلم الشعث. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فليس في الدعاء عجلة، وقال قوم: المعنى "فافرق بيننا وبينهم" في الآخرة حتى تكون منزلة المطيع مفارقة لمنزلة العاصي الفاسق، ويحتمل الدعاء أن يكون معناه: "فرق بيننا وبينهم" بمعنى أن يقول فقدنا وجوههم "وفرق بيننا وبينهم" حتى لا نشقى بفسقهم، وبهذا الوجه تجيء العجلة في الدعاء، وقرأ عبيد بن عمير "فافرِق" بكسر الراء. {قال فإنها محرمة} المعنى قال الله، وأضمر الفاعل في هذه الأفعال كلها إيجازاً لدلالة معنى الكلام على المراد، وحرم الله تعالى على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة {أربعين سنة} وتركهم خلالها {يتيهون في الأرض} أي في أرض تلك النازلة، وهو فحص التيه وهو على ما يحكى طول ثمانين ميلاً في عرض ستة فراسخ، وهو ما بين مصر والشام، ويروى أنه اتفق أنه مات كل من كان قال إنّا لن ندخلها أبداً، ولم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالوث، ويروى أن هارون عليه السلام مات في فحص التيه في خلال هذه المدة ولم يختلف فيها، وروي أن "موسى" عليه السلام مات فيه بعد هارون بثمانية أعوام، وقيل بستة أشهر ونصف، وأن يوشع نبيء بعد كمال "الأربعين سنة" وخرج ببني إسرائيل وقاتل الجبارين وفتح المدينة، وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة حتى استمر هزم الجبارين، وروي أن "موسى" عليه السلام عاش حتى كملت الأربعون وخرج بالناس وحارب الجبارين ويوشع وكالب على مقدمته، وأنه فتح المدينة وقتل بيده عوج بن عناق، يقال كان في طول "موسى" عشرة أذرع وفي طول عصاه عشرة أذرع، ونزل من الأرض في السماء عشرة أذرع، وحينئذ لحق كعب عوج فضربه بعصاه في كعبه فخر صريعاً، ويروى أن عوجاً اقتلع صخرة ليطرحها على عسكر بني إسرائيل فبعث الله هدهداً بحجر الماس فأداره على الصخرة فتقورت ودخلت في عنق عوج، وضربه "موسى" فمات، وحكى الطبري أن طول عوج ثمانمائة ذراع، وحكي عن ابن عباس أنه قال لما خر كان جسراً على النيل سنة. قال القاضي أبو محمد: والنيل ليس في تلك الأقطار وهذا كله ضعيف والله أعلم، وحكى الزجاج عن قوم أن "موسى" وهارون لم يكونا في التيه، والعامل في {أربعين} يحتمل أن يكون {محرمة}، أي حرمت عليهم {أربعين سنة ويتيهون في الأرض} هذه المدة ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه ومات قبله من مات. وخطأ أبو إسحاق أن يكون العامل {محرمة}، وذلك منه تحامل، ويحتمل أن يكون العامل {يتيهون} مضمراً يدل عليه {يتيهون} المتأخر، ويكون قوله إنها محرمة إخبار مستمر تلقوا منه أن الخاطبين لا يدخلونها أبداً، وأنهم مع ذلك "يتيهون في الأرض أربعين سنة" يموت فيها من مات. قال القاضي أبو محمد: كأنه لم يعش المكلفون أشار إلى ذلك الزجاج، والتيه الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم، ويروى أن بني إسرائيل كانوا يرحلون بالليل ويسيرون ليلهم أجمع في تحليق ونحوه من التردد وقلة استقامة السير، حتى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الذي كانوا فيه أول الليل، وقال مجاهد وغيره كانوا يسيرون النهار أحياناً والليل أحياناً فيمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وذلك في مقدار ستة فراسخ. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة وقلة اجتماع الرأي، وإن الله تعالى رماهم بالاختلاف وعلموا أنها قد حرمت عليهم "أربعين سنة". فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على غير نظام واجتماع، حتى كملت هذه المدة وأذن الله بخروجهم وهذا تيه ممكن محتمل على عرف البشر. والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة وعجب من قدرة الله تعالى، وفي ذلك التيه ظلل عليهم الغمام ورزقوا المن والسلوى إلى غير ذلك ماما روي من ملابسهم، وقد مضى ذلك في سورة البقرة، وقوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} معناه فلا تحزن يقال أسي: الرجل يأسى أسى إذا حزن ومنه قول امرىء القيس: شعر : وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم يقولون لا تهلك أسىًّ وتجمل تفسير : ومنه قول متمم بن نويرة: شعر : فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى دعوني فهذا كله قبر مالك تفسير : والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابن عباس ندم "موسى" على دعائه على قومه وحزن عليهم، فقال له الله: {فلا تأس على القوم الفاسقين} وقال قوم من المفسرين الخطاب بهذه الألفاظ لمحمد صلى الله عليه وسلم ويراد بـ {الفاسقين} معاصروه، أي هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك، وردهم عليك، فإنه سجية خبيثة موروثة عندهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يَخَافُونَ} الله، أو يخافون الجابرين فلم يمنعهم خوفهم من قول الحق. {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالإسلام، أو بالتوفيق للطاعة، كانا من الجبارين فأسلما قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو كانا في مدينة الجبارين على دين موسى صلى الله عليه وسلم، أو كانا من النقباء يُوشع بن نون وكلاب بن يوقنا. {فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} قالوا ذلك لعلمهم أنّ الله ـ تعالى ـ كتبها لهم، أو لعلمهم أنّ الله ـ تعالى ـ ينصرهم على أعدائه.

الخازن

تفسير : {قال رجلان من الذين يخافون} يعني يخافون الله ويراقبونه {أنعم الله عليهما} يعني بالهداية والوفاء {ادخلوا عليهم الباب} يعني قال الرجلان، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا لبني إسرائيل، ادخلوا على الجبارين باب مدينتهم {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} لأن الله وعدكم بالنصر وأن الله ينجز لكم وعده {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} يعني يقول الرجلان لقوم موسى ثقوا بالله فإنه معكم وناصركم إن كنتم مصدقين بأن الله ناصركم لا يهولنكم عظم أجسامهم فإنا قد رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فلما قالا ذلك، أراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما، وقالوا: ما أخبرنا الله عنهم بقوله تعالى: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً} يعني: قال قوم موسى لموسى إنا لن ندخل مدينة الجبارين أبداً يعني مدة حياتنا {ما داموا فيها} يعني مقيمين فيها {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} إنما قالوا هذه المقالة لأن مذهب اليهود التجسيم فكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً. قال بعض العلماء: إن كانوا قالوا هذا على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر وإن كانوا قالوه على وجه الخلاف لأمر الله وأمر نبيه فهو فسق، وقال بعضهم: إنما قالوه على وجه المجاز. والمعنى: اذهب أنت وربك معين لك لكن قوله: فقاتلا يفسد هذا التأويل. وقال بعضهم: إنما أرادوا بقولهم وربك أخاه هارون لأنه كان أكبر من موسى والأصح أنهم إنما قالوا ذلك جهلاً منهم بالله تعالى وصفاته ومنه قوله تعالى: {أية : وما قدروا الله حق قدره}تفسير : [الزمر: 67] (خ). عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليّ مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال يا رسول الله ألا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن امض ونحن معك فكأنه سرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: لكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّ. قوله تعالى: {قال} يعني موسى عليه السلام {رب} أي يا رب {إني لا أملك إلا نفسي وأخي} يعني إني لا أملك إلا نفسي وأخي لا يملك إلا نفسه وقيل معناه لا أملك إلا نفسي ونفس أخي لأنه كان يطيعه وإذا كان كذلك فقد ملكه وإنما قال موسى لا أملك إلا نفسي وأخي وإن كان معه في طاعته يوشع بن نون وكالب بن يوفنا لاختصاص هارون به ولمزيد الاعتناء بأخيه ويحتمل أن يكون معناه وأخي في الدين ومن كان على دينه وطاعته فهو أخوه في الدين فعلى هذا الاحتمال يدخل الرجلان في قوله وأخي ثم قال: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} أي افصل وقيل احكم بيننا وبين القوم الفاسقين يعني الخارجين عن طاعتك وإنما قال موسى ذلك لأنه لما رأى بني إسرائيل وما فعلوه من مخالفة أمر الله وهمهم بيوشع وكالب غضب لذلك ودعا عليهم فأجاب الله تعالى دعاء موسى عليه السلام {قال} الله عز وجل: {فإنها محرمة عليهم} يعني فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم ومعناه أن تلك البلدة محرمة عليهم أبداً ولم يرد تحريم تعبد وإنما أراد تحريم منع فأوحى الله تعالى إلى موسى "بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي كانوا يتجسسون فيها سنة ولألقين جيفهم في هذه القفار وأما أبناؤهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلوها" فذلك قوله تعالى فإنها يعني الأرض المقدسة محرمة عليهم. قال أكثر أهل العلم: هذا تحريم منع لا تحريم تعبُّد. وقيل: يحتمل أن يكون تحريم تعبد فيجوز أن يكون الله تعالى أمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقاباً لهم على سوء صنيعهم (أربعين سنة) فمن قال إن الكلام ثم عند قوله فإنها محرمة عليهم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض فأما الحرمة فإنها مؤبدة حتى يموتوا ويدخلها أبناؤهم. وقيل: معناه أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ثم يدخلونها وتفتح لهم. وقوله تعالى: {يتيهون في الأرض} يعني يتحيرون فيها. يقال: تاه يتيه إذا تحير. واختلفوا في مقدار الأرض التي تاهوا فيها، فقيل: مقدار ستة فراسخ. وقيل: ستة فراسخ في اثني عشر فرسخاً. وقيل: تسع فراسخ في ثلاثين فرسخاً. وكان القوم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يرحلون ويسيرون يومهم أجمع فإذا أمسوا إذا هم في الموضع الذي رحلوا منه وكان ذلك التيه عقوبة لبني إسرائيل ما خلا موسى وهارون ويوشع وكالب فإن الله تعالى سهله عليهم وأعانهم عليه كما سهل على إبراهيم النار وجعلها برداً وسلاماً. فإن قلت: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا المقدار الصغير من الأرض أربعين سنة بحيث لم يخرج منه أحد؟. قلت: هذا من باب خوارق العادات. وخوارق العادات في أزمان الأنبياء غير مستبعدة، فإن الله على كل شيء قدير. وقيل: إن فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد زال هذا الإشكال لاحتمال أن الله ما حرم عليهم الخورج من تلك الأرض بل أمر بالمكث أربعين سنة في المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم ومخالفتهم أمر الله ولما حصل بنو إسرائيل في التيه شكوا إلى موسى عليه السلام حالهم فأنزل الله عليهم المن والسلوى وأُعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم فينشأ الناشىء منهم فتكون معه على مقداره وهيئته وسأل موسى ربه أن يسقيهم فأتى بحجر أبيض من جبل الطور فكان إذا نزل ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عيناً لكل سبط منهم عين وأرسل الله عليهم الغمام يظلُّهم في التيه ومات في التيه كل من دخله ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ولم يدخل أريحاء ممن قال: إنا لن ندخلها أبداً واختلفوا في أن موسى عليه السلام مات في التيه أم خرج منه فقيل: إن موسى وهارون ماتا في التيه جميعاً. (قصة وفاة موسى وهارون عليهما السلام) فأما هارون فإنه كان أكبر من موسى بسنة. قال السدي: أوحى الله عز وجل إلى موسى إني متوفى هارون فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا بشجرة لم ير مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فراش وفيه رائحة طيبة فلما رأى هارون ذلك البيت أعجبه، وقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير. قال: نم. قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ. قال: لا تخف إني أكفيك ربِّ هذا البيت فنم. قال: يا موسى فنم أنت معي فإن جاء رب هذا البيت غضب عليّ وعليك جميعاً. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد مسه قال: يا موسى خدعتني فلما قبض هارون رفع البيت والسرير إلى السماء وهارون عليه وذهبت الشجرة فرجع موسى إلى بني إسرائيل وليس هارون معه فقال بنو إسرائيل حسد موسى هارون فقتله لحبنا إياه. قال موسى: ويحكم إن هارون كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام موسى فصلى ركعتين ثم دعا الله عز وجل فنزل السرير وعليه هارون فنظروا إليه وهو بين السماء والأرض فصدقوه ثم رفع. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: صعد موسى عليه السلام وهارون إلى الجبل فمات هارون وبقي موسى فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته وآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته فصدقت بنو إسرائيل أنه مات وبرأ الله موسى مما قالوه ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه ولم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم فجعله الله أصم أبكم. وأما وفاة موسى عليه السلام فقال ابن إسحاق كان صفي الله موسى عليه السلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت فنبأ يوشع بن نون فكان موسى يغدو ويروح إليه ويقول له يا نبي الله ما أحدث الله إليك فيقول له يوشع يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى كنت أنت تبتدىء به وتذكره لي ولا يذكر له شيئاً فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده من شعره سنة. قال: أي رب ثم مه قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" تفسير : وفي رواية لمسلم قال: جاء ملك الموت إلى موسى فقال: أجب ربك قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها" ثم ذكر معنى ما تقدم قال الشيخ محيي الدين النووي. قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث وأنكر تصوره قالوا كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت. وأجاب عنه العلماء بأجوبة أحدها أنه لا يمتنع أن يكون الله قد أذن لموسى في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحاناً للملطوم والله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما أراد. الثاني: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل قصده يريد نفسه فدافعه عنها فأدت المدافعة إلى فقء عينه لأنه قصدها بالفقء وتؤيده رواية صكه وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين واختاره المازري والقاضي عياض. قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه قصد فقء عينه. فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاء ثانياً بأنه ملك الموت. فالجواب، أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم له بخلاف المرة الأولى وأما سؤال موسى الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضلها وفضل من بها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم وفيه دليل على استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والمواطن المباركة والقرب من مدافن الصالحين قال بعض العلماء وإنما سأل موسى الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون قبره مشهوراً عندهم فيفتتن به الناس والله أعلم. قال وهب بن منبه: خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة وهم يحفرون قبراً لم ير شيئاً أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه. فقال: إن هذا العبد من الله بمنزلة ما رأيت كاليوم قط. فقالت الملائكة: يا صفي الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت.قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك فنزل واضطجع وتوجه إلى ربه عز وجل ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله روحه ثم سوت الملائكة عليه التراب. وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقيض روحه وكان عمر موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام انقضت الأربعون سنة وبعث الله يوشع إلى بني إسرائيل فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبارين فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء وهي مدينة الجبارين ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر فلما كان من السابع نفخوا في القرون وضجوا في الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فدخلوها وقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل من الجبابرة يضربونها حتى يقطعونها وكان القتال والفتح يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس أن تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم اردد علي الشمس وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله وسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقف حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فرد الله عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام وصارت كلها لبني إسرائيل وفرق عماله نواحيها وجميع الغنائم فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولاً فليبايعني من كل قبيلة رجل ففعلوا فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول فجاؤوا برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر قد غلَّه رجل منهم فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان. وفي الحديث الصحيح ما يدل على صحة هذا أو هو ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها ولا رجل اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت يعني النار لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولاً فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها" تفسير : زاد في رواية: "حديث : فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا" تفسير : أخرجه البخاري ومسلم. شرح غريب هذا الحديث. قوله لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، البضع بضم الباء كناية عن فرج المرأة ولم يبن بها أي لم يدخل عليها، ولخلفات النوق الحوامل قوله للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا قال الشيخ محيي الدين قال القاضي عياض: اختلف الناس في حبس الشمس المذكور هنا فقيل: ردت إلى ورائها وقيل: وقفت ولم ترد وقيل: بطء حركتها وكل ذلك من معجزات النبوة قال ويقال إن الذي حبست عليه الشمس يوشع بن نون قال القاضي. وقد روي أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم حبست له الشمس مرتين إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر ذكر، ذلك الطحاوي وقال: رواته ثقات. والثانية: صبيحة ليلة الإسراء حين انتظر العير لما أخبر بوصولها مع شروق الشمس ذكره يونس بن بكير في زياداته عن سيرة بن إسحاق. وقال وهب: ثم مات يوشع بن نون ودفن في جبل أفراثيم وكان عمره مائة سنة وستاً وعشرين سنة وكان تدبيره أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة. وقيل: إن الذي فتح أريحاء هو موسى عليه السلام وكان يوشع بن نون على مقدمته فسار إليهم بمن بقي من بني إسرائيل فدخلها يوشع وقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبضه الله إليه ولا يعلم أحد قبره وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن موسى عليه السلام هو الذي قتل عوج ابن عنق وهذا القول هو اختيار الطبري. ونقل عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي الآية. فقال الله عز وجل: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى فمكثوا في التيه فلما خرجوا منه رفع المن والسلوى والبقول والتقى موسى وعوج فنزا موسى في السماء عشر أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع وكان طوله عشرة فأصاب كعب عوج فقتله. قال الطبري: ولو كان قتل موسى إياه قبل مصيره في التيه لم يجزع بنو إسرائيل لأنه كان من أعظم الجبارين. وروي عن نون قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع. وقال: وإن أهل العلم بأخبار الأولين مجمعون على أن بلعم بن باعوراء كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى لأنه كان يعلم الاسم الأعظم فدعا عليه وسترد قصته في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى وقوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} يعني: لا تحزن عليهم لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة. وقيل: لما ندم موسى على ما دعاه على قومه أوحى الله إليه فلا تأس على القوم الفاسقين. قال الزجاج: وجائز أن يكون خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم أي: لا تحزن يا محمد على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ؛ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسَىٰ، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا...} الآية: عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل: المعنَىٰ: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «حديث : أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ؛ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ}، وَلَكِنْ نَقُولُ: ٱذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنَىٰ»تفسير : ، ولما سَمِعَ موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ قولهم، ورأَىٰ عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي}، يعني: هارونَ. وقوله: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا}: دعاء حرجٍ، والمعنى: فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقَىٰ بفسقهم، {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} أي: قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالَىٰ على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً يتيهونَ في الأرض، أي: في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه؛ وهو؛ علَىٰ ما يحكَىٰ: طولُ ثلاثين ميلاً، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروَىٰ أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه: الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم. وقوله تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} معناه: فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، قال ابنُ عباس: ندم موسَىٰ على دعائه علَىٰ قومه، وحزن عليهم، فقال الله له: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ}.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ رَجُلاَنِ} استئنافٌ كما سبق كأنه قيل: هل اتفقوا على ذلك أو خالفهم البعض؟ فقيل: قال رجلان: {مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} أي يخافون الله تعالى دون العدوِّ ويتّقونه في مخالفة أمرِه ونهيِه، وبه قرأ ابنُ مسعود، وفيه تعريضٌ بأن مَنْ عداهما لا يخافونه تعالى. بل يخافون العدو. وقيل: من الذين يخافون العدو ـ أي منهم في النسب لا في الخوف ـ وهما يوشَعُ بنُ نون وكالب بن يوقنا من النقباء، وقيل: هما رجلان من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى عليه السلام، فالواو حينئذ لبني إسرائيلَ، والموصول عبارة عن الجبابرة، وإليهم يعود العائد المحذوف، أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل ويعضده قراءة من قرأ (يُخافون) على صيغة المبني للمفعول أي المَخُوفين، وعلى الأول يكون هذا من الإحافة أي من الذين يخوِّفون من الله تعالى بالتذكير أو يخوِّفهم الوعيدُ {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي بالتثبـيت وربْطِ الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده، أو بالإيمان وهو صفة ثانيةٌ لرجلان، أو اعتراض، وقيل: حال من الضمير في يخافون أو من رجلان لتخصّصه بالصفة، أي قالا مخاطِبـين لهم ومشجعين {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} أي بابَ بلدهم، وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لأن المقصودَ إنما هو دخولُ الباب وهم في بلدهم أي باغِتوهم وضاغِطوهم في المَضيق وامنعوهم من البُروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالاً {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ} أي باب بلدهم وهم فيه {فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ} من غير حاجة إلى القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدنا أن قلوبَهم ضعيفة، وإن كانت أجسادُهم عظيمة، فلا تخشَوْهم واهجُموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر. وقيل: إنما حَكَما بالغَلَبة لما عَلِماها من جهة موسى عليه السلام ومن قوله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة، الآية 21] أو لِما علِما من سنّته تعالى في نَصْره ورسلَه وما عهِدا من صُنعه تعالى لموسى عليه السلام من قهر أعدائه، والأول أنسبُ بتعليق الغلَبةِ بالدخول. {وَعَلَى ٱللَّهِ} تعالى خاصةً {فَتَوَكَّلُواْ} بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزلٍ من التأثير، وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مؤمنين به تعالى مصدِّقين لوعده فإن ذلك مما يوجبُ التوكل عليه حتماً {قَالُواْ} استئنافٌ كما سبق أي قالوا غيرَ مبالين بهما وبمقالتهما مخاطِبـين لموسى عليه السلام إظهاراً لإصرارهم على القول الأول وتصريحاً بمخالفتهم له عليه السلام {يَـٰمُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا} أي أرضَ الجبابرة فضلاً عن دخول بابهم وهم في بلدهم {أَبَدًا} أي دهراً طويلاً {مَّا دَامُواْ فِيهَا} أي في أرضهم وهو بدل من (أبداً) بدلَ البعض أو عطفُ بـيان {فَٱذْهَبْ} الفاء فصيحة أي فإذا كان الأمر كذلك فاذهب {أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} أي فقاتلاهم، إنما قالوا ذلك استهانةً واستهزاء به سبحانه وبرسوله، وعدمَ مبالاةٍ بهما، وقصدوا ذهابَهما حقيقةً كما يُنْبىء عنه غايةُ جهلِهم وقسوةُ قلوبهم، وقيل: أرادوا إرادتَهما وقصْدَهما كما تقول: كلمتُه فذهب يجيبني، كأنهم قالوا: فأَرِيدا قتالَهم واقْصِداهم. وقيل: التقدير فاذهبْ أنت وربُك يُعينُك، ولا يساعده قوله تعالى: {فَقَاتِلا} ولم يذكروا هارون ولا الرجلين كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم وقوله تعالى: {إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} يؤيد الوجه الأول وأرادوا بذلك عدمَ التقدم لا عدمَ التأخر.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا}[23] فسئل: ما هذه النعمة؟ فقال: أنعم الله عليهما بالخوف والمراقبة، إذ الخوف والهم والحزن يزيد في الحسنات، والأشر والبطر يزيد في السيئات.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الآية: 23]. سمعت محمد بن الحسن البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت رجلاً يسأل ذا النون ما التوكل؟ قال: خلع الأرباب وقطع الأسباب، فقال: زدنى، فيه حالة أخرى. فقال: إلقاء النفس فى العبودية وإخراجها من الربوبية. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا على الروذبارى يقول: التوكل على ثلاث درجات: الأولى منها إذا أعطى شكر، وإذا منع صبر، وأعلا منها حالاً أن يكون المنع والعطاء عندهم سواء، وأعلا منها حالاً أن يكون المنع مع الشكر أحب إليهم. وقال ذو النون: التوكل نفض العلائق وترك التملق للخلائق فى السلائق، واستعمال الصدق فى الحقائق. سمعت سعيد بن أحمد البلخى يقول: سمعت أبى يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت خالى محمد بن الليث يقول: سمعت حامداً اللفاف يقول: سمعت حاتماً الأصم يقول: سمعت شقيق بن إبراهيم يقول: التوكل طمأنينة القلب بوعود الله. قال سهل: التوكل طرح البدن فى العبودية وتعلق القلب بالربوبية. وقال أيضاً: لا يصح التوكل إلا للمتقين. وقال الواسطى رحمة الله عليه: من توكل على الله بعلة غير الله، فليس بمتوكل على الله جعله سببًا إلى مقصوده فى ذلك وله قلة المعرفة بربه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}. أنعم الله (عليهما) بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين، وعلما أن من رجع إليه بنعت الاستكفاء تداركتْه عواجلُ الكفاية ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. أي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا، وينبغي للمؤمن أن يتوكل. ويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان. وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادَّ له، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين شهود الحادثات بالله ومِنْ الله ولله، فإنَّ مَنْ فَقَدَ ذلك انتفى عنه اسم الإيمان.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} يخافون من الله فراقه وتذوبون بى جلاله وعظمته وميثاقه الذين انعم الله عليهما بان لا يخافا غير الله ويتوكلا على الله وزيادة النعمة عليها ان الله تعالى عصمهما من جريان الخواطر المذمومة على قلوبهم وانه تعالى ادخلهما فى باب عظمته وانوار هيبته قال سهل انعم الله عليهما بالعصمة والمراقبة قال الاستاد انعم الله عليهما بانور العرفان فلم يحتشما من المخلوقين قوله تعالى {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} اى كونوا على رجائى فى وقت اياسكم وثقوا بمحبتى لكم ولا تفرعوا من امتحانى اياكم لانى لا اقطع حبل الوصال عنكم ولا انزع ثياب اياسكم وثقوا بمحتبى لكم ولا تفرعوا من امتحانى اياكم الانى لا اقطع حبل الوصال عنكم ولا انزع ثياب عصمتى عنكم اى ان كنتم عارفين بى يصدقون قولى توكلوا على عند مباشرة قهرى اياكم فانا اللطيف باوليائى الرحيم باصفيائى قال شفيق التوكل طمانية القلب بوعود الله قال سهل التوكل طرح البدن فى العبودية وتعلق القلب بالربوبية قال الواسطى من توكل على الله لعلة غير الله فليس طرح البدن فى العبودية وتعلق القلب بالربوبية قال الواسطى من توكل على الله لعة غيرالله فليس بمتوكل على الله جعله سببا الى مقصوده وفى ذلك قلة المعرفة بربه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال رجلان} كانه قيل هل اتفقوا على ذلك او خالفهم البعض فقيل قال رجلان وهما كالب ويوشع {من الذين يخافون} الله تعالى دون العدو ويتقونه فى مخالفة امره ونهيه وهو صفة لرجلان {أنعم الله عليهما} بالتثبيت والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده وهو صفة ثانية لرجلان {ادخلوا عليهم الباب} اى باب بلد الجبارين وهو اريحا وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لان المقصود انما هو دخول الباب وهم فى بلدهم اى باغتوهم وضاغتوهم فى المضيق وامنعوهم من البروز الى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا {فاذا دخلتموه} اى باب بلدهم وهم فيه {فانكم غالبون} من غير حاجة الى القتال فانا قد رأيناهم وشاهدناهم ان قلوبهم ضعيفة وان كانت اجسادهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم فى المضايق فانهم لا يقدرون فيها على الكر والفر {وعلى الله} خاصة {فتوكلوا} بعد ترتيب الاسباب ولا تعتمدوا عليها فانها بمعزل من التأثير وانما التأثير من عنايته العزيز القدير {ان كنتم مؤمنين} به تعالى مصدقين لوعده فان ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما.

الطوسي

تفسير : هذا إِخبار من الله تعالى عن رجلين من جملة النقباء الذين بعثهم موسى لتعرف خبر القوم. وقيل هما يوشع بن نون، وكالب، وقيل كلاب بن يوفنا، في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع. وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة الجبارين وكانا على دين موسى (ع). وقوله: {من الذين يخافون} قال قتادة: يخافون الله - عز وجل - وقال أبو علي يخافون الجبارين أي لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق {أنعم الله عليهما} بالتوفيق للطاعة. وقال الحسن: أنعم الله عليهما بالاسلام. وكان سعيد بن جبير يقرأ {يخافون} بضم الياء. وروي تأويل ذلك عن ابن عباس: انهما كانا من الجبارين أنعم الله عليهما بالاسلام. وقوله: {ادخلوا عليهم الباب فإذت دخلتموه فإنكم غالبون} اخبار عن قول الرجلين انهما قالا ذلك. وإنما صار الظفر بدخول باب مدينة الجبارين لما رأوا من رعبهم وما ألقى الله في قلوبهم من حكمة بأنه كتبها لهم، وما تقدم من وعد موسى (ع) إِياهم بأنهم إِن دخلوا الباب غلبوا. وقوله {وعلى الله فتوكلوا إِن كنتم مؤمنين} معناه فتوكلوا على الله في نصره إِياكم على الجبارين إِن كنتم مؤمنين بالله، وبما آتاكم به رسوله من عنده.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ}: عقاب الله، أو يعظمونه بهيبة، وهما يوشع وكالب، هذا هو المشهور الذى هو مذهب الجمهور، وقيل: الرجلان من الجبارين أسلما وسارا الى موسى، فصارا ينصحان بنى اسرائيل وقالا: قاتلوا الجبارين فانهم أجسام عظام بلا قلوب، ولا تخافوهم ارجعوا اليهم فانكم غالبوهم وعلى ما قالوا، وفى يخافون لبنى اسرائيل، والذين للجبارين، والعائد ضمير الجبارين محذوف تقديره يخافونهم، أى رجلان من الجبارين الذين يخافهم بنو اسرائيل. ويدل لذلك قراءة بعضهم يخافون بالبناء للمفعول، أى من الجبارين الذين يخافهم غيرهم، وذلك الغير بنو اسرائيل، وعلى تفسير الجمهور يكون معنى هذه القراءة من بنى اسرائيل الذين يخوفهم النقباء بالجبارين، فيستثنى من النقباء يوشع وكالب، فانهما لا يخوفانهم بالجبارين، أو يكون المعنى من المسلمين الذين يخوفهم الله أو غيرهم بالتذكير أو بالوعيد، أو يخوفهم التذكير أو الوعيد فيتأثرون بالخوف، وعلى تفسير الجمهور فى هذه القراءة بأوجهه يكون من أخاف يخيف، وهذه القراءة أنسب بتفسير الرجلين بأنهما من الجبارين أسلما وتابا. {أنعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا}: نعت ثان لرجلان، أو حال من رجلان أو من ضميرهما فى من الذين، أو مستأنف معترض بين القول ومفعوله الذى هو قوله تعالى: {ادخُلُوا عَلَيْهِم البَابَ فَإِذَا دَخَلتُمُوهُ فَإِنَكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ}: ادخلوا على الجبارين باب مدينتهم، ولعل الرجلين علما بأن بنى اسرائيل اذا دخلوا الباب غلبوا الجبارين من اخبار موسى عليه السلام بذلك، ومن قوله: {أية : كتب الله لكم }تفسير : وقيل: من غلبة الظن، وما علما من عادة الله فى نصر رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى فى قهر أعدائه، وما عرفا من ضعف القلوب الجبارين، وأيضا من مظان الغلبة أن يفجأهم ويأخذوا عليه المضيق وهو الباب، فيمنعوهم البروز للصحراء، فيتيسر عليهم الكر فى المدينة، والباب للضيق مع عظم أجسامهم المقتضية للصحراء، فلذلك قال: {ادخُلُوا عَلَيْهِم البَابَ} فالله عز وجل يجعل الهيبة فى قلب من يشاء لمن يشاء. ولما جعل الله الخوف من الحية والعقرب ونحوهما، ترى الرجل لا يسكن قلبه، ويضطرب فى دار فيها ذلك مع عظم جسمه، وصغر جسم ذلك، فمثل ذلك جعل الله فى قلوب الجبارين لبنى اسرائيل، ومن كلام العام: اذا رأيت طويلا هارباً فاعلم أن وراءه قصيراً، وانما ذلك أسباب الأشياء مستقلة. انما تفيد ان أفادهم الله جل جلاله منها، ولذلك أمرهم بالتوكل على الله وحده، والفاء فى فتوكلوا صلة مؤكدة، أو فى جواب أما محذوفة واما تفيد التوكيد، كأنهما قالا هذا ما عليكم فعله بالجارحة، وأما بالقلب فعلى الله توكلوا، والحاء فى ايجاب التوكل حتى قالا: ان كنتم مؤمنين أى مصدقين بالله ورسوله أو بوعده لرسوله بالنصر.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَجُلانِ} يوشع وكالب وقيل رجلان أسلما من الجبارين وتبعا موسى عليه السلام ولا يلزم من هذا أَن يكون الكلام موهما أَن يوشع ويوقنا من أَهل السوءِ لأَن عدم ذكرهما بالقول لا يوجب أَنهما لم يقولاه أَو لم يرضياه. {مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ} الله ويتقون من بنى إِسرائيل أَو من الخائفين للجبارين عصيا خوفهما وأَطاعا الله، أَو هما من الخائفين نسبا لاخوفا والرابط الواو، وعلى أَن الرجلين من الجبارين الرابط محذوف والواو لبنى إِسرائيل كالأَول أَى من الذين يخافهم بنو إِسرائيل، وعليه يلزم إِبراز الضمير منفصلا على مذهب البصريين إِذ جرت الصلة على غير ماهى له، وكذا فى الخبر والحال والنعت، ولم ينفصل هنا ولست أَقول به لورود السماع بخلافة عند أَمن اللبس {أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا} وهما يوشع بن نون من سبط إفرائيم وكالب بن يوقنا من سبط يهوذا وهو ختن موسى - بالبقاءِ على الإِيمان والتقوى وميثاق كتم حال الجبارين، أو من أَسلما من الجبارين أَنعم الله عليهما بالإِيمان والتقوى، والجملة نعت ثان لرجلان أَو حال له أَو من ضمير الاستقرار فى من الذين أَو معترضة للمدح لهم وللاستدلال على صحة قولهم إِذ كانا ممن أَنعم الله عليهما ولبيان أَن من لم يكن على ما كانا عليه ليس فى شىءٍ من دين الله بين قال ومقوله وهو {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ} قدم على المفعول به الصريح لأَن المراد الدخول وهم فيها {البَابَ} باب قريتهم مباغتة ومضايقة قبل أَن يخرجوا إِلى الصحراءِ فإِنهم لا يجدون فيها ما يجدون من الكر فى الصحراءِ {فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ} لتعسر الكر عليهم فى المضيق لعظم أَجسامهم فهم كانسان عظيم الجسم فى مكان ضيق فيه عقارب وثعابين، ولأَنهم أَجسام بلا قوة قلب ولقوله تعالى كتب الله لكم ولأَن الله ينصر رسله، ولجريان قهر موسى لأَعدائه فى وقائع، ولإِخبار موسى عليه السلام بالغلبة وبضعف قلوبهم {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره {فَتَوَكَّلُوا} بعد الأَسباب إِذ لا تأْثير لها إِلا بالله لأَنه خالقها وخالق نفعها {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} مصدقين بوعده أَو مؤمنين الإِيمان التام الشامل للتصديق بوعده، لا تخافوا عظم أَجسامهم مع وعد الله ورسوله بالنصر لكم.

الالوسي

تفسير : {قَالَ رَجُلاَن منَ ٱلَّذينَ يَخَافُونَ} أي يخافون الله تعالى وبه قرىء، والمراد رجلان من المتقين وهما ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والسدي والربيع ـ يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو، وقيل: المراد بالرجلين ما ذكر، و {منَ ٱلَّذينَ يَخَافُونَ} بنو إسرائيل؛ والمراد يخافون العدو، ومعنى كون الرجلين منهم أنهما منهم في النسب لا في الخوف، وقيل: في الخوف أيضاً، والمراد: أنهما لم يمنعهما الخوف عن قول الحق، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير أن الرجلين كانا من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى عليه السلام، فعلى هذا يكون {ٱلَّذينَ} عبارة عن الجبابرة، والواو ضمير بني إسرائيل، وعائد الموصول محذوف أي يخافونهم، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير {يَخَافُونَ} بضم الياء، وجعلها الزمخشري شاهدة على أن الرجلين من الجبارين كأنه قيل: من المخوّفين أي يخافهم بنو إسرائيل، وفيها احتمالان آخران: الأول: أن يكون من الإخافة، ومعناه من الذين يخوّفون من الله تعالى بالتذكير والموعظة؛ أو يخوّفهم وعيد الله تعالى بالعقاب، والثاني: أن معنى {يَخَافُونَ} يهابون ويوقرون، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم؛ ومع هذين الاحتمالين لا ترجيح في هذه القراءة لكونهما من الجبارين، وترجيح ذلك بقوله تعالى: {أنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهمَا} أي بالإيمان والتثبيت غير ظاهر أيضاً لأنه صفة مشتركة بين يوشع وكالب وغيرهما، وكونه إنما يليق أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن في حيز المنع، والجملة صفة ثانية ـ لرجلين ـ أو اعتراض، وقيل: حال بتقدير قد من ضمير {يَخَافُونَ} أو من {رَجُلاَن} لتخصيصه بالصفة، أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور أي قالا مخاطبين لهم ومشجعين. {ٱدخُلُواْ عَلَيْهمُ ٱلْبَابَ} أي باب مدينتهم وتقديم {عَلَيْهمُ} عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي فاجئوهم وضاغطوهم في المضيق ولا تمهلوهم ليصحروا ويجدوا للحرب مجالاً {فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ} عليهم الباب {فَإنَّكُمْ غَـٰلبُونَ} من غير حاجة [إلى] القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدناهم أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسامهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون على الكر والفر، وقيل: إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه السلام، و [من] قوله: {أية : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21]، وقيل: من جهة غلبة الظن، وما تبينا من عادة الله تعالى في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله تعالى لموسى عليه السلام في قهر أعدائه، قيل: والأول: أنسب بتعليق الغلبة بالدخول. {وَعَلَى ٱلله} تعالى خاصة {فَتَوَكَّلُواْ} بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها لا تؤثر من دون إذنه {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمنينَ} بالله تعالى، والمراد بهذا الإلهاب والتهييج وإلا فإيمانهم محقق، وقد يراد بالإيمان التصديق بالله تعالى وما يتبعه من التصديق بما وعده أي: إن كنتم مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتماً..

ابن عاشور

تفسير : فُصلت هذه الجمل الأربع جرياً على طريقة المحاورة كما بيّنّاه سالفاً في سورة البقرة. والرجلان هما يوشع وكالب. ووُصف الرجلان بأنّهم {من الّذين يخافون} فيجوز أن يكون المراد بالخوف في قوله: {يخافون} الخوفُ من العدوّ؛ فيكون المراد باسم الموصول بني إسرائيل. جعل تعريفهم بالموصولية للتعريض بهم بمذمّة الخوف وعدم الشجاعة، فيكون «مِن» في قوله: {من الذين يخافون} اتّصالية وهي الّتي في نحو قولهم: لستُ منك ولستَ منّي، أي ينتسبون إلى الذين يخافون. وليس المعنى أنّهم متّصفون بالخوف بقرينة أنّهم حرّضوا قومهم على غزو العدوّ، وعليه يكون قوله: {أنعم الله عليهما} أنّ الله أنعم عليهما بالشجاعة، فحذف متعلّق فعل «أنعم» اكتفاء بدلالة السياق عليه. ويجوز أن يكون المراد بالخوف الخوفَ من الله تعالى، أي كان قولهما لقومها «ادخلوا عليهم الباب» ناشئاً عن خوفهما الله تعالى، فيكون تعريضاً بأنّ الذين عصوهما لا يخافون الله تعالى، ويكون قوله: {أنعم الله عليهما} استئنافاً بيانياً لبيان منشأ خوفهما الله تعالى، أي الخوف من الله نعمة منه عليهما. وهذا يقتضي أنّ الشجاعة في نصر الدّين نعمة من الله على صاحبها. ومعنى {أنعم الله عليهما} أنعم عليهما بسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة الحقيقة. و{الباب} يجوز أن يراد به مدخل الأرض المقدّسة، أي المسالك الّتي يسلك منها إلى أرض كنعان، وهو الثغر والمضيق الذي يسلك منه إلى منزل القبيلة يكون بين جبلين وعْرَيْن، إذ ليس في الأرض المأمورين بدخولها مدينة بل أرض لقوله: {ادخلوا الأرض المقدّسة}، فأرادَا: فإذا اجتزتم الثغر ووطئتم أرض الأعداء غلبتموهم في قتالهم في ديارهم. وقد يسمّى الثغر البحري باباً أيضاً، مثل باب المندب، وسمّوا موضعاً بجهة بخاري الباب. وحمل المفسّرون الباب على المشهور المتعارف، وهو باب البلد الذي في سوره، فقالوا: أرادا باب قريتهم، أي لأنّ فتح مدينة الأرض يعدّ ملكاً لجميع تلك الأرض. والظاهر أن هذه القرية هي (أريحا) أو (قادش) حاضرة العمالقة يومئذٍ، وهي المذكورة في سورة البقرة. والباب بهذا المعنى هو دفّة عظيمة متّخذة من ألواح تُوصل بجزأيّ جدار أو سور بكيفية تسمح لأن يكون ذلك اللوح سادّاً لتلك الفرجة متى أريد سدّها وبأن تفتح عند إرادة فتحها؛ فيسمّى السَّد به غلقاً وإزالة السدّ فتحاً. وبعد أن أمرا القوم باتّخاذ الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكّل على الله والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله، ولذلك ذيّلا بقولهما: {إن كنتم مؤمنين}، لأنّ الشكّ في صدق الرسول مبطل للإيمان. وإنّما خاطبوا موسى عقبَ موعظة الرجلين لهم، رجوعاً إلى إبايتِهم الأولى الّتي شافهوا بها موسى إذ قالوا: {إنّ فيها قوماً جبّارين}، أو لقلّة اكتراثهم بكلام الرجلين وأكّدوا الامتناع الثّاني من الدخول بعد المحاورة أشدّ توكيد دلّ على شدّته في العربيّة بثلاث مؤكدات: (إنّ)، و(لن)، وكلمة (أبداً). ومعنى قولهم: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا} إن كان خطاباً لموسى أنّهم طلبوا منه معجزة كما تعوّدوا من النصر فطلبوا أن يهلك الله الجبّارين بدعوة موسى. وقيل: أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى، وهذا بعيد، لأنّهم ما كانوا يشكّون في رسالته، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا وليس في كلام موسى الواقع جواباً عن مقالتهم هذه إلاّ وصفهم بالفاسقين. والفسق يطلق على المعصية الكبيرة، فإنّ عصيان أمر الله في الجهاد كبيرة، ولذلك قال تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين، وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى المقدادُ بن الأسود النبيءَ وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: «يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل» {فاذْهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون} الحديث. فَلا تَظُنَّنّ من ذلك أنّ هذه الآية كانت مقروءة بينهم يوم بدر، لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل، وإنّما تكلّم المقداد بخبر كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يُحدّثهم به عن بني إسرائيل، ثم نزلت في هذه الآية بذلك اللّفظ. «قال» أي موسى، مناجياً ربّه أو بمسمع منهم ليوقفهم على عدم امتثالهم أمرَ ربّهم {ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي}، يجوز أن يكون المعنى لا أقدر إلاّ على نفسي وأخي، وإنّما لم يعُدّ الرجلين الذين قالا {ادخلوا عليهم الباب}، لأنّه خشي أن يستهويهما قومهما. والذي في كتب اليهود أنّ هارون كان قد توفّي قبل هذه الحادثة. ويجوز أن يريد بأخيه يوشَع بنَ نون لأنّه كان ملازِمَه في شؤونه، وسمّاه الله فتاه في قوله: {أية : وإذ قال موسى لفتاه}تفسير : [الكهف: 60] الآية. وعطفه هنا على نفسه لأنّه كان محرّضاً للقوم على دخول القرية. ومعنى {افرق بيننا وبين القوم الفاسقين} أن لا تؤاخذنا بجرمهم، لأنّه خشي أن يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع فطلب النّجاة، ولا يصحّ أن يريد الفرق بينهم في الآخرة؛ لأنّه معلوم أنّ الله لا يؤاخذ البريء بذنب المجرم، ولأنّ براءة موسى وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه الله، ويجوز أن يراد بالفرق بينهم الحكم بينهم وإيقاف الضّالين على غلطهم. وقوله الله تعالى له: {فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة} الخ جواب عن قول موسى {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}، وهو جواب جامع لجميع ما تضمّنه كلام موسى، لأنّ الله أعلم موسى بالعقاب الذي يصيب به الّذين عصوا أمره، فسكن هاجس خوفه أن يصيبهم عذاب يعمّ الجميع، وحصل العقاب لهم على العصيان انتصاراً لموسى. فإن قلت: هذا العقاب قد نال موسى منه ما نال قومَه، فإنّه بقي معهم في التِيه حتّى توفّي. قلت: كان ذلك هَيِّناً على موسى لأنّ بقاءه معهم لإرشادهم وصلاحهم وهو خصّيصة رسالته، فالتعب في ذلك يزيده رفع درجة، أمَّا هم فكانوا في مشقّة. {يتيهون} يضلّون، ومصدره التَّيْه ـــ بفتح التّاء وسكون الياء ـــ والتيه ـــ بكسر التّاء وسكون التحتية ـــ. وسمّيت المفازة تيهاء وسمّيت تِيهاً. وقد بقي بنو إسرائيل مقيمين في جهات ضيّقة ويسيرون الهوينا على طريق غير منتظم حتّى بلغوا جبل (نيبُو) على مقربَة من نهر (الأردن)، فهنالك توفّي موسى ـــ عليه السلام ـــ وهنالك دُفن. ولا يُعرف موضع قبره كما في نصّ كتاب اليهود. وما دَخلوا الأرض المقدسة حتّى عَبَروا الأرْدُن بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى. وقد استثناه الله تعالى هو وكالب بن يفنَّة، لأنّهما لم يقولا: لن ندخلها. وأمّا بَقية الرّوّاد الذين أرسلهم موسى لاختبار الأرض فوافقوا قومهم في الامتناع من دخولها. وقوله: {فلا تأس على القوم الفاسقين} تفريع على الإخبار بهذا العقاب، لأنّه علم أنّ موسى يحزنه ذلك، فنهاه عن الحزن لأنّهم لا يستأهلون الحزن لأجلهم لفسقهم. والأسى: الحزن، يقال أسِي كفرح إذا حَزن.

د. أسعد حومد

تفسير : {غَالِبُونَ} (23) - فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إسْرَائِيلَ عَنْ إطَاعَةِ أمْرِ رَبِّهِمْ، وَمُتَابَعَةِ مُوسَى، حَرَّضَهُمْ رَجُلاَنِ، للهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ اللهُ وَيَخْشَى عِقَابَهُ، فَقَالاَ لِقَوْمِهِمَا: إنْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ، وَتَبِعْتُمْ أمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمْ رَبُّكُمْ عَلى أعْدَائِكُمْ، وَأيَّدَكُمْ وَأظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ البَلَدَ الذِي كَتَبَ اللهُ لَكُمُ السُّكْنَى فِيها، فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هذا القَوْلُ شَيئاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهما رجلان يخالفان النكوص عن أمر الله، بينما بنو إسرائيل - كمجموع - لم يفهموا عن الله حق الفهم؛ لأنهم لو نفذوا أمر الله لهم بالدخول إلى الأرض المقدسة ولم ينكصوا لمكنهم الله من ذلك. لكن لم يفهم عن الله فيها إلا رجلان. وهما كالب، ويوشع بن نون، أحدهما من سبط يهوذا والآخر من سبط افرايم، وهما ابنا يوسف عليه السلام، فقد قالا: مادام الله قد كتب لكم الدخول، فهو لا يطلب منا إلا قليلاً من الجهاد. فحين يأمر الله الإنسان بعمل من الأعمال، فيكفيه أن يتوجه إلى العمل اتجاهاً والمعونة من الله. وسبحانه يقول للعبد:"حديث : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". تفسير : فإذا كان الشأن في المشي أن يتعب الذاهب والسائر، فالله لا يرد أن يرهق بالمشي من يقصده ويطلبه؛ لذلك يُهرول فضله ورحمته - سبحانه - إلى العبد. فالرغبة الأولى أن يكون العمل لك أنت أيها العبد. ومن عظائم فضل الله أنه فعل ونسب إليك. وسبحانه يسعد بالعبد الساعي إليه. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - لنفترض أنك أردت أن تمسك سيفاً، لماذا لا تحلل المسألة؟. السيف الذي تمسكه، صنعته من الحديد، والحديد استخرجته من الأرض. والحق قال: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] إن الحق هو الذي أنزل الحديد، وهو الذي علمنا كيف نصقل الحديد ونشكله بالنار: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 80] وأنا أريد من علماء وظائف الأعضاء أن يحددوا لنا ساعة أن يمسك الإنسان بشيء وليكن السيف. فبأي عضلة يمسك الإنسان السيف؟. وكيف يأمرها الإنسان بذلك؟. وكم عضلة وكم خلية عصبية تحركت من أجل أداء هذا الفعل؟. على الرغم من أن الإنسان بمجرد إرادته أن يمسك شيئاً. فهو يمسك به. والإنسان إذا ما مشى خطوة واحدة، فبأي العضلات بدأ المشي. إن الإنسان عندما يحرك ذراعاً آلياً في جهاز آلي؛ يصمم عشرات الوصلات والأدوات والدورات الكهربية من أجل تحريك ذراع آلي، فكم إذن من عضلات في الإنسان تتحرك بالسير لخطوة واحدة؟ إن الكثير جداً من أجهزة الإنسان تتحرك بالسير لخطوة واحدة. إن الكثير جداً من أجهزة الإنسان تتحرك لمجرد الإرادة منه!!. فإذا كانت إرادة الإنسان تفعل لمجرد أن يريد سواء أكانت هذه الإرادة هي الإمساك بالسيف أم حتى المشي لخطوة واحدة، أم حتى الإمساك بالقلم بين الأصابع للكتابة. فليعلم الإنسان أن الإرادة عطاء من الله والإنسان لا يستطيع تحديد مواقع إرادته من جسده فما بالنا بالحق حين يريد أمراً؟ ولنعد إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الآن: {أية : قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 23] لقد أنعم الله على هذين الرجلين بحسن الفهم عن الله، فقالا لبني إسرائيل: ساعدوا أنفسكم بدخول هذه الأرض وسينصركم الله. ومثل الرجلين كمثل الأم التي طلب منها ابنها أن تدعو له بالنجاح، فقالت الأم لابنها: سأدعو لك ولكن عليك فقط أن تساعد الدعاء بالإقبال على الاستذكار. وكأن الخوف من مخالفة أمر الله نعمة على هذين الرجلين، وكأن الفهم عن الله لعباراته نعمة. {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} كأنهم بمجرد الدخول سيغلبون هؤلاء العمالقة. فلم يطلب منهم قتال هؤلاء العمالقة. بل ساعة يراهم القوم الجبارون يدخلون عليهم فجأة فسوف يذهلهم الرعب. وهم عندما نسجوا الأساطير حول هذه القصة قالوا: إن أحد هؤلاء العمالقة واسمه عوج بن عناق خرج إلى بستان خارج المدينة ليقطف بعض الثمار لرئيسه؛ فخطف اثنين من هؤلاء الناس وخبأهما في كمّه، وألقاهما أمام رئيسه وهو يقدم الفاكهة إليه وقال الرجل العملاق لرئيسه: هذان من الجماعة التي تريد أن تدخل مدينتنا. هذه هي المبالغة التي صنعها خوفهم من هؤلاء العمالقة، برغم أن رجلين منهما أحسنا الفهم عن اللَّه بقولهما: {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ}؛ لأن هذا هو مراد الله، وهو الذي يحقق لهم النصر. وبعض المفسرين قالوا في شرح هذه الآية: إن الرجلين اللذين قالا ذلك ليسا من بني إسرائيل؛ لأن هؤلاء المفسرين فهموا القول الحكيم: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} قالوا هما رجلان من الذين يخاف منهم بنو إسرائيل، وقالا لبني إسرائيل: لا يُخيفكم ولا يُرهبكم عظم أجسام هؤلاء فإن جنود الله ستنصركم: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31] ويختتم الحق الآية بهذا التذييل: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي لا تتوقفوا عند حساب العدد في مواجهة العدد، والعُدة في مواجهة العُدة، ولكن احسبوا الأمر إيمانياً لأن اللَّه معكم {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ}. وهو سبحانه القائل: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173] وعلى المؤمن باللَّه أن يضع هذا الإيمان في كف قوته. فإن كان هؤلاء الناس من بني إسرائيل المأمورين بدخول تلك الأرض مؤمنين بحق فليتوكلوا على اللَّه. فماذا قال هؤلاء القوم: {قَالُواْ يَامُوسَىۤ...}

همام الصنعاني

تفسير : 688- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا}: [الآية: 23]، قال: بعض الحروف: يخافون الله، والله أنعمَ عليهما.