Verse. 694 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قَالَ رَبِّ اِنِّىْ لَاۗ اَمْلِكُ اِلَّا نَفْسِيْ وَاَخِيْ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفٰسِقِيْنَ۝۲۵
Qala rabbi innee la amliku illa nafsee waakhee faofruq baynana wabayna alqawmi alfasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» موسى حينئذ «رب إني لا أملك إلا نفسي و» إلا «أخي» ولا أملك غيرهما فاجبرهم على الطاعة «فافرق» فافصل «بيننا وبين القوم الفاسقين».

25

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام {قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } ذكر الزجاج في إعراب قوله {وَأَخِى } وجهين: الرفع والنصب، أما الرفع فمن وجهين: أحدهما: أن يكون نسقاً على موضع {إِنّى } والمعنى أنا لا أملك إلا نفسي، وأخي كذلك ومثله قوله {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ }تفسير : [التوبة: 3] والثاني: أن يكون عطفاً على الضمير في {أَمْلِكُ } وهو «أنا» والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا، وأما النصب فمن وجهين: أحدهما أن يكون نسقاً على الياء، والتقدير: إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، والثاني: أن يكون {أَخِى } معطوفاً على {نَفْسِى } فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته. فإن قيل: لم قال لا أملك إلا نفسي وأخي، وكان معه الرجلان المذكوران؟ قلنا: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد، وأيضاً لعلّه إنما قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، وأيضاً يجوز أن يكون المراد بالأخ من يواخيه في الدين، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله {وَأَخِى }. ثم قال: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } يعني فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم، ويحتمل أن يكون المراد خلصنا من صحبتهم، وهو كقوله {أية : وَنَجّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [القصص: 21].

البيضاوي

تفسير : {قَالَ رَبّ إِنّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} قاله شكوى بثه وحزنه إلى الله سبحانه وتعالى لما خالفه قومه وأيس منهم، ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه السلام والرجلان المذكوران وإن كانا يوافقانه لم يثق عليهما لما كابد من تلون قومه، ويجوز أن يراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه، ويحتمل نصبه عطفاً على نفسي، أو على اسم إن ورفعه عطفاً على الضمير في {لا أَمْلِكُ}، أو على محل إن واسمها، وجره عند الكوفيين عطفاً على الضمير في نفسي. {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} بأن تحكم لنا بما نستحقه وتحكم عليهم بما يستحقونه، أو بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } موسى حينئذ {رَبِّ إِنّى لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى } إلا {أَخِى } ولا أملك غيرهما فأجْبرهم على الطاعة {فَٱفْرُقْ } فافصل {بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ }.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ غضب موسى عليه السلام حين قال له القوم‏:‏ ‏ {‏اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون‏} ‏ فدعا عليهم فقال‏:‏ ‏ {‏رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين‏} ‏ وكان عجلة من موسى عجلها، فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى، فلما ندم أوحى الله إليه ‏{أية : ‏فلا تأس على القوم الفاسقين‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 26‏]‏ لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين‏} ‏ يقول‏:‏ افصل بيننا وبينهم‏.‏ ‏

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العِناد على طريقة البثِّ والحُزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلبِ التي بمثلها تُستجلبُ الرحمةُ وتُسْتَنزَلُ النُّصرة {رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى} عطف على نفسي، وقيل: على الضمير في (إني) على معنى إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملِكُ إلا نفسَه، وقيل: على الضمير في (لا أملك) للفصل {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا} يريد نفسه وأخاه، والفاء لترتيب الفرق أو الدعاءِ به على ما قبله {وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} الخارجين عن طاعتك المُصِرّين على عِصيانك بأن تحكُم لنا بما نستحقّه وعليهم بما يستحقونه، وقيل: بالتبعيد بـيننا وبـينهم وتخليصِنا من صحبتهم. {قَالَ فَإِنَّهَا} أي الأرض المقدسة، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} تحريمَ منعٍ لا تحريمَ تعبُّد، لا يدخُلونها ولا يملِكونها لأن كتابتها لهم كانت مشروطةً بالإيمان والجهاد، وحيث نكصوا على أدبارهم حُرموا ذلك وانقلبوا خاسرين، وقوله تعالى: {أَرْبَعِينَ سَنَةً} إن جُعل ظرفاً (لمحرمةٌ) يكون التحريمُ مؤقتاً لا مؤبداً، فلا يكون مخالفاً لظاهر قولِه تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة، الآية 21] فالمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم في هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلَّهم يدخلونها بعدها بل بعضُهم بقيَ حسْبما رُوي أن موسى عليه السلام سار بمن بقيَ من بني إسرائيلَ إلى أريحا، وكان يوشعُ ابنُ نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قُبض عليه السلام، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: (لن ندخُلها أبداً)، وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشىءُ من ذرياتهم، فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم، وإنما جُعل تحريمُها عليهم لما بـينهما من العلاقة التامة المتاخمة للاتحاد، وقوله تعالى: {يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} أي يتحيرون في البرية، استئناف لبـيان كيفية حِرْمانهم، أو حال من ضمير عليهم، وقيل: الظرف متعلق بـيتيهون فيكون التيه مؤقتاً والتحريم مطلقاً، قيل: كانوا ستمائة ألف مقاتل، وكان طول البرية تسعين فرسخاً، وقد تاهوا في ستة فراسخَ أو تسعة فراسخَ في ثلاثين فرسخاً، وقيل: في ستة فراسخَ في اثني عشرَ فرسخاً. روي أنهم كانوا كلَّ يوم يسيرون جادّين حتى إذا أمسَوا إذا هم بحيث ارتحلوا، وكان الغمامُ يُظلُّهم من حر الشمس، ويطلُع بالليل عمودٌ من نور يضيء لهم، ويَنزِلُ عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورُهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوبٌ كالظُفُر يطول بطوله، وهذه الإنعاماتُ عليهم مع أنهم معاقَبون لِما أن عقابَهم كان بطريق العِراك والتأديب. قيل: كان موسى وهارون معهم ولكن كان ذلك لهما رَوْحاً وسلامة كالنار لإبراهيم وملائكةِ العذاب عليهم السلام، وروي أن هارون مات في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، ودخل يوشعُ أريحا بعد موته بثلاثة أشهر، ولا يساعده ظاهرُ النظم الكريم، فإنه تعالى بعد ما أقبل على بني إسرائيلَ وعذبهم بالتيه بعيدٌ أن ينجِّيَ بعضَ المدعوِّ عليهم أو ذراريهم ويقدّر وفاتَهما في محل العقوبة ظاهراً، وإن كان ذلك لهما منزِلَ رَوْحٍ وراحةٍ وقد قيل: إنهما لم يكونا معهم في التيه وهو الأنسب بتفسير الفرق بالمباعدة، ومن قال بأنهما كانا معهم فيه فقد فسر الفَرْقَ بما ذُكر من الحُكْمِ بما يستحقّه كلُّ فريق. {فَلاَ تَأْسَ} فلا تحزن {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} روي أنه عليه السلام ندِم على دعائه عليهم فقيل: لا تندمْ ولا تحزَن فإنهم أحِقّاءُ بذلك لفسقهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي} [الآية: 25]. قال سهل: فى مخالفة هواها. وقال بعضهم: فى بذلها لله واستعمالها فى طاعته.

القشيري

تفسير : لما ادَّعى أَنَّه يملك نَفْسَه عرف عجزه عن مِلْكِه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه. ويقال: لا أملك إلا نفسي أي لا أدخرها عن البذل في أمرك. لا أملك إلا أخي فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه مِنْ قِبَلِكَ.

البقلي

تفسير : رقَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} من بلغ عين التمكين ملك نفسه وملك نفوس المريدين لانه عرفها بمعرفة الله ومعها من الله سلطان سائس قاهر من نظر اليه يفزع من الله لا يطيق عصيانه ظاهرا وباطنا فاخبر عليه السلام عن محل تمكينه وقدرته على نفسه اخيه واعلمنا ان بينهما اتحاد بحيث انه حكم على نفسه صار نفس اخيه مطمئنة طايعة لله بالانفعال قال عليه السلام المؤمنون كنفس واحدة ويمكن انه عليه السلام كان مخبرا عن مقام القدرة التى اتصف بها من الله سبحانه وفيه بيان لطف استعداد هارون عليه السلام بقبول تلك القدرة الالهية قال سهل فى قوله لا املك الا نفسى اى فى مخالفة هواها قيل فى بذلها لله واستعمالها فى طاعته قال الاستاد لا ادعى انه يلك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه حيث اخذ براس اخيه يجره اليه تقدس شان موسى عليه السلام من كل خاطر اشارته الى انه لا يعرفه مكان عجزه من النفع والضر فى ذرة لانه عرف ان سلطان قهر الله غالب على كل شئ وان الحدث له قدرة فى الربوبية عند ساحة الكبرياء.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريقة البث والحزن والشكوى الى الله تعالى مع رقة القلب التى بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة {رب انى لا أملك الا نفسى وأخى} اى الا طاعة نفسى واخى {فافرق بيننا} يريد نفسه واخاه والفاء لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله {وبين القوم الفاسقين} الخارجين عن طاعتك المصرين على عصيانك بان تحكم لنا بما نستحقه وعليهم بما يستحقون.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية إِخبار من الله تعالى عما قاله موسى (ع) عقيب ما كان من قومه من الخلاف وقلة القبول على نبيهم، وخرج ذلك مخرج الغضب منه على قومه لما كان من عصيانهم إِياه. ومثل ذلك لا يخرج إلا على غضب. وقوله {لا أملك إِلا نفسي وأخي} مجاز، لأن الانسان لا يصح أن يملك نفسه، لأن الأصل في الملك القدرة، والمالك هو القادر، ومحال أن يقدر الانسان على نفسه، ثم من حق المملوك أن يكون مقدوراً عليه أو في حكم المقدور عليه في أن له أن يصرفه تصريف المقدور عليه كملك الانسان للمال والعبد ونحوه، فلا يجوز على هذا أن يملك نفسه. ومعنى الآية أنه لما ملك تصريف نفسه في طاعة الله جاز أن يصف نفسه بأنه يملكها، لانه مما يجوز أن يملكه. وقوله: {وأخي} لأنه كان أيضاً طائعاً له فيما يأمره به، فكان كالقادر عليه. ويحتمل موضعه أربعة أوجه: أحدها - الرفع على موضع {إِن} وتقديره: إِني لا أملك إِلا نفسي وأخي لا يملك الا نفسه. الثاني - الرفع أيضاً بالعطف على الياء في {إِني}. الثالث - النصب بالعطف على الياء في {إِني}. الرابع - النصب بالعطف على نفسي. وقوله {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} قيل في الوجه الذي سأل الفرق بينه وبينهم قولان: أحدهما - أن يحكم ويقضي بما يدل على بعدهم عن الحق وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ولذلك اُلقوا في التيه. هذا قول ابن عباس والضحاك. الثاني - قال أبو علي إنما دعا بأن يفرق بينه وبينهم في الآخرة بأن يكون هؤلاء في النار، وأن يكون هؤلاء في الجنة. ولو دعا بالهلاك في الدنيا لأهلكهم الله. وقال قوم: إنما سأل أن ينصره الله عيلهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال البلخي معناه باعد، وافصل. وحكي عن المؤرج ان معناه: اقض - بلغة مدبن - والفرق الذي يدل على المباعدة مثل قول الراجز: شعر : يا رب فافرق بينه وبيني أشدَّ ما فرَّقت بين اثنين تفسير : وقوله {الفاسقين} في الآية - لا يدل على ان ما وقع منهم كان فسقاً لا كفراً، لأن الكفر قد يوصف بالفسق، لأن الفسق هو الخروج من الطاعة الى المعصية على وجه التمرد، ويكون ذلك في الكفر قال الله تعالى {أية : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه }تفسير : وكان بذلك كافراً بلا خلاف.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} امّا المراد بأخى هرون او المراد كلّ من كان منقاداً له ومواخياً معه على ان يكون المفرد المضاف كالمعرّف باللاّم للعموم، واخى فى موضع الرّفع معطوفاً على محلّ اسم ان او على المستتر فى لا املك وسوّغه الفصل، او فى موضع النّصب معطوفاً على اسم انّ، او على نفسى، او فى موضع الجرّ معطوفاً على الياء مضاف اليها النّفس من دون اعادة الجارّ على ضعفٍ {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} قاله دعاءً عليهم وتحسّراً.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنِّى لا أَملِكُ إِلا نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُق بَيْنَنَا وَبَينَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ}: أخى معطوف على نفسى لا على الياء، لعدم اعادة الخافض والمعنى لا أملك الا طاعة نفسى وأخى، أى حصلت لى طاعة نفسى وطاعة أخى، لأن الحر لا يكون مملوكاً، وذلك ظاهر التأويل، حتى كأنه لا يلاحظ غيره، لأن الطاعة هى المراد بالذات ولو من العبد المملوك، ويجوز أن يكون أخى معطوفاً على ياء انى، وتقدر جملة تعطف على لا أملك عطفاً لمعمولين على معمولى عامل، أى وان أخى لا يملك الا نفسه كقولك: ان زيداً قائم وعمراً قاعد. ويجوز عطف أخى على المستتر فى أملك لوجود الفصل بقوله: {إِلا نَفْسِى} فيقدر الا ومدخولها أيضاً، فيكون عطفاً لمعمولين على معمولى عامل واحد، أى لا أملك الا نفسى ولا أخى الا نفسه، أى ولا يملك أخى الا نفسه، أو يقدر عطف فقط على نفسى بدون الا أى لا أملك أنا وأخى الا نفسى ونفسه، ويجوز أن يكون أخى معطوفاً على محل ان واسمها على أنهما معا بمنزلة المبتدأ، اذ لم يغير الجملة الى المفرد، بل أفادت التأكيد فقط، كما غيرتها أن بالفتح فيقدر لأخى خبر، فيكون العطف من عطف جملة على أخرى، وكأنه قيل أنا لا أملك الا نفسى، وأخى لا يملك الا نفسه، وانما كررت أنا للتأكيد ليفيد ما تفيد أن لكن ان رجعنا التأكيد اللفظى الى الخبر. وأولى من ذلك أن تقول: أنا لا أملك تحقيقاً الا نفسى، ولا مانع من عطف جملة مجردة من أن على أن واسمها وخبرها بلا حاجة الى تنزيل ان واسمها بمنزلة المبتدأ وهو ظاهر واضح، وأما أن يعطف أخى على محل اسم أن على أن محله الرفع، ويقدر الا نفسى والا أخى الا نفسه، فالصحيح المنع، اذ لا يظهر هذا المحل، بل لا نسلم أن هناك محلا. وأجاز الكوفيون وابن مالك عطف أخى على ياء نفسى، لعدم أشراطهم اعادة الجار فى العطف على الضمير المجرور المتصل، والجار هنا المضاف وهو لفظ نفس، ولو أعيد لقيل الا نفسى ونفس أخى، وانما قال الا نفسى وأخى وهو هارون، ومع أن معهما يوشع وكالب، لأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما جرب من تلون أحوال قومه مع طول الصحبة، فلم يذكر الا النبى المعصوم، أو لم يذكرهما تقليلا لهما لفرط ضجره عندما سمع قول قومه، حتى أنه نزلهما منزلة العدم، اذ لا يقعان من الجبارين موقع ما أراد، ويجوز أن يريد بأخى جنس الأخ فى الدين، فيشمل هارون ويوشع وكالب، وانما قال موسى: {رَبِّ إِنِّى لا أَملِكُ} الآية اشتكاء الى الله، وتضرعاً واستنزالا لنصر الله جل جلاله، ومعنى {افْرُق بَيْنَنَا وَبَينَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ} احكم بيننا وبين هؤلاء الخارجين عن طاعتك من بنى اسرائيل بما يستحقون من العذاب، وثبتنا على طاعتنا، فالفرق بمخالفة الجزاء قيل وباعد بيننا وبينهم، وخلصنا من صحبتهم.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَبِّ} يارب {إِنِّى لاَ أَملِكُ إِلاَّ نفْسِى وَأَخى} لا أَملك غيرهما فأَجبرهم على القتال، يحتمل أَن يكون تشبيه القلة بانفراده وأَخيه، شكا إِلى الله مخالفة قومه له حتى أَنه لم يبق منهم من يثق به سوى أَخيه هارون فانه كنفسه، وأَما يوشع وكالب فهما ثقتان إِل أَنه لم يجزم بهما جزمه بأَخيه لما اعتاد من تلون قومه عامتهم وخاصتهم، ويجوز أَن يريد أخوة الدين وأَن الإِضافة للحقيقة فشملهما وكل من يؤاخيه فى الدين، وهذا ضعيف لأَنه لا يرجو سوى من يؤاخيه فيه، اللهم إِلا أَن يريد الخواص من جملة من يؤاخيه فيه، ويجوز أَن يكون المراد من العطف على معمولى عامل واحد كأَنه قيل وإِن أَخى إِلا يملك إِلا نفسه أَو على معمول عامل كأَنه قيل ولا يملك أَخى إِلا نفسه، أَو وأَخى لا يملك إِلا نفسه بالابتداءِ والإِخبار، والماصدق فى ذلك كله واحد، وعلى كل حال سمى التوثيق بشىءِ ملكا لأَنه يستعمله كما يستعمل مملوكه حيث شاءَ {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ} بما يستحق كل منهم ومنا بإِدخالنا الجنة وبادخالهم النار، قيل وبالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم، وهذا يقضى أَن موسى وهارون لم يكونا معهم فى التيه لأَنه دعا بالتخليص منهم ودعاء الأَنبياء يستجاب، والصحيح أَنهما فى التيه وليس كل دعاءِ نبى يستجاب فى نفس ما دعا فيه، أَو الفرق بجزاءِ كل بما استحق فعاقبهم بالتيه وسهله لهما وللرجلين كما سهل النار على إِبراهيم وماتا فيه على الصحيح، مات هارون قبله بسنة وقيل بستة أَشهر ونصف وقيل بثمانية أَعوام واتهموا موسى بقتله لحبهم له فتضرع إِلى الله فأَحياه فبرأَه فرجع ميتا، وخرج كالب ويوشع وهو وصية فى قتال الجبارين وأَخبرهم أَنه نبىءِ بعد أَربعين سنة وفتحا بيت المقدس أَو كل الشام بعده بثلاثة أَشهر، وقال قتادة بشهرين وقيل: مات فيه هارون وخرج موسى بعد الأَربعين وحارب الجبابرة وفتح أَريحاءَ ويوشع مقدمته، وأَقام فيها ستة أَشهر وفتحها فى السابع ومات فيها ولا يعلم قبره، وصحح هذا القول بعض. {قَالَ فَإِنَّها} الفاء عاطفة على افرق عطف اسمية إِخبارية على طلبية فعلية أَو على محذوفة أَى دعاءك مجاب فإنها {مُحَرَّمَةٌ} تحريم منع لا تحريم تعبد فلو دخلوها لم يعصوا لكن لا يتصور حصوله لأَن الله عز وجل لا يوقعه، وأُجيز أَن يكون تحريم تعبد فلو دخلوها لعصوا ولا يتصور {عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} هذا دليل على أَن مراد موسى بالفرق؛ الفرق فى الدنيا لأَنه دعا ودعاء الأَنبياء مجاب، والأَصل فى الإِجابة طبق السؤال، وبعد الأَربعين يدخلها من حيى منهم، فالآية دلت أَن هؤلاءِ الفاسقين لم تموتوا كلهم فى التيه بل مات بعض وبقى وبعض، وقد روى هذا وأَن موسى خرج بمن بقى منهم وبأَولادهم وفتح القرية ومقدمته مع يوشع وهو أَنسب بقوله {أية : كتب الله}تفسير : [المائدة: 21] وقيل ماتوا كلهم ولم يدخلها إِلا أَولادهم معه عليه السلام، وعلى هذا فأَربعين غير متعلق بمحرمة بل بقوله {يَتِيهُونَ فِى الأَرْضِ} يتحيرون فيها وهى أَرض التيه ستة فراسخ وهم ستمائة أَلف فارس لكل مائة أَلفُ فرسخ مسيرة نصف يوم على أَن الفرسخ أَربعة أَميال والميل ثلاثة آلاف ذراع أَو أَربعة آلاف ذراع وقيل التيه ستة فراسخ عرضا فى اثنى عشر فرسخا طولا، وقيل تسعة فراسخ عرضا وثلاثون طولا، وعوقبوا بالتيه طبق قولهم إِنا ها هنا قاعدون، وكأَنهم قعدوا وكان أَربعين لأَنها غاية يرعوى فيها الجاهل وقيل لأَنهم عبدوا العجل أَربعين يوما لكل يوم عام وهو مردود لأَنهم تابوا من عبادته، وذلك عقاب لهم تأَديبا وقد تابوا، كما يؤدب الرجل ابنه بعذاب وهو يحبه، ولم يقدروا على الخروج لمحو العلامات أَو شبه الله أَرضا بأَرض وما فيها، أَو يبدل الأَرض فى نومهم، وقيل عدم قدرتهم على الخروج خرق للعادة من الله كلما ساروا صبحا وجدوا أَنفسهم فى الموضع الأَول فى آخر مشيهم عشية وبالعكس، ولا تبلى ثيابهم ولهم الماء من حجر موسى ولا تطول شعورهم ولهم من الله عمود من نور ليلا، قلت ولو رام أَحد أَن يخرجهم من التيه لم يهتد وتاه معهم أَو لا يرون أَحدا، وقيل تحريم تعبد فلو شاءُوا لخرجوا ولكن أَذعنوا للجزاءِ، قلت يبعد أَن يذعنوا لذلك هذه المدة العظيمة مع قسوة قلوبهم وكثرة عنادهم ومع أَن الله سماهم فاسقين، فالأَنسب أَن لا يذعنوا إِن قلنا أَنهم المراد فى قوله {فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ} لا تحزن وتتحسر يا موسى عليهم لعصيانهم الله فى ترك الجهاد، وكان قد أَسى لشفقة القلب ولأَن التيه بدعائه فندم إِذ عجل بالدعاءِ أَو لا تحزن يا محمد على قوم شأَنهم المعاصى ومخالفة الرسل.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريق البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة. فليس القصد إلى الإخبار وكذا كل خبر يخاطب به علام الغيوب يقصد به معنى سوى إفادة الحكم أو لازمه، فليس قوله رداً لما أمر الله تعالى به ولا اعتذاراً عن عدم الدخول {رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى} هارون عليه السلام وهو عطف على {نَفْسِى} أي لا يجيبني إلى طاعتك ويوافقني على تنفيذ أمرك سوى نفسي وأخي ولم يذكر الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما وإن كانا يوافقانه إذا دعا لما رأى من تلون القوم وتقلب آرائهم فكأنه لم يثق بهما ولم يعتمد عليهما. وقيل: ليس القصد إلى القصر بل إلى بيان قلة من يوافقه تشبيهاً لحاله بحال من لا يملك إلا نفسه وأخاه، وجوز أن يراد ـ بأخي ـ من يؤاخيني في الدين فيدخلان فيه ولا يتم إلا بالتأويل بكل مؤاخ له في الدين، أو بجنس الأخ وفيه بعد، ويجوز في {أَخِى} وجوهاً أخر من الإعراب: الأول: أنه منصوب بالعطف على اسم ـ إن ـ، الثاني: أنه مرفوع بالعطف على فاعل {أَمْلِكُ} للفصل، الثالث: أنه مبتدأ خبره محذوف، الرابع: أنه معطوف على محل اسم ـ إن ـ البعيد لأنه بعد استكمال الخبر، والجمهور على جوازه حينئذ، الخامس: أنه مجرور بالعطف على الضمير المجرور على رأي الكوفيين، ثم لا يلزم على بعض الوجوه الاتحاد في المفعول بل يقدر للمعطوف مفعول آخر أي وأخي إلا نفسه، فلا يرد ما قيل: إنه يلزم من عطفه على اسم ـ إن ـ أو فاعل {أَمْلِكُ} أن موسى وهارون عليهما السلام لا يملكان إلا نفس موسى عليه السلام فقط، وليس المعنى على ذلك كما لا يخفى، وليس من عطف الجمل بتقدير ولا يملك أخي إلا نفسه كما توهم، وتحقيقه أن العطف على معمول الفعل لا يقتضي إلا المشاركة في مدلول ذلك. ومفهومه الكلي لا الشخص المعين بمتعلقاته المخصوصة فإن ذلك إلى القرائن. {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا} يريد نفسه وأخاه عليهما الصلاة والسلام، والفاء لترتيب الفرق / والدعاء به على ما قبله، وقرىء {فَٱفْرُقْ} بكسر الراء {وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي الخارجين عن طاعتك بأن تحكم لنا بما نستحقه، وعليهم بما يستحقونه كما هو المروي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهم، وقال الجبائي: سأل عليه السلام ربه أن يفرق بالتبعيد في الآخرة بأن يجعله وأخاه في الجنة ويجعلهم في النار، وإلى الأول ذهب أكثر المفسرين، ويرجحه تعقيب الدعاء بقوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ...}.

القطان

تفسير : فلما يئس موسى من قومه وأصروا على العناد قال مناجياً ربه: يا رب، لا سلطان لي إلا على نفسي وأخي، فافصِل بيننا وبين هؤلاء القوم المنحرفين عن طاعتك، بقضاء تقضيه بيننا، فاستجاب الله لموسى وقال: ان هذه الأرض محرّمة عليهم أربعين سنة، يقضونها تائهين في الصحراء. ثم يودّ اللهُ أن يواسي موسى، فأمره ألا يحزن على ما أصابهم، لأنهم عصوا أمري اليك، فاستحقوا عذابي هذا تأديباً لرؤوسهم. وإذا نظرنا لحالنا اليوم وجدنا أنفسنا أتعس من أولئك اليهود.. لقعودنا عن الجهاد وجُبننا عنه، وضعفنا وتشتُّت كلمتنا. لقد تخلَّفنا عن الجهاد في سبيل وطننا السليب، وصار بعضُ حكامنا ينتظرون من أميركا وبريطانيا، حلفاءِ عدوّنا وشركائه في الجريمة، ان يساعدونا على حل مشكلتنا. والحق، أننا طوال ما ظللنا على هذه الحال فسنظل مشرّدين معذّبين، يظل اليهود يحتلّون أرضنا وينتهكون حرمة مقدّساتنا. ولعلنا نستفيدُ من هذه العِبر ونتدّبر قرآننا ونعتبر بهذا التأديب الإلَهي.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْفَاسِقِينَ} (25) - فَلَمَّا نَكَلُوا عَنِ القِتَالِ، غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى، وَاتَّجَهَ إلى اللهِ بِالدُّعَاءِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ مَنْ يُطِيعُنِي وَيُجِيبُنِي إلى تَنْفِيذِ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ إلاَّ نَفْسِي وَأخي هَارُونَ، فَاقْضِ يَا رَبِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، الخَارِجِينَ عَلَى طَاعَتِكَ (الفَاسِقِينَ)، بِقَضَاءِ تَقْضِيهِ بَيْنَنَا، فَتَحْكُمَ لَنَا بِمَا نَسْتَحِقُّ، وَتَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ. (وَقِيلَ إنَّ المَعْنَى هُوَ: إنَّكَ إذَا أَخَذْتَهُمْ بِالعِقَابِ عَلَى فِسْقِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِكِ، فَلا تُعَاقِبْنا مَعَهُمْ). فَافْرُقْ - فَافَصِلْ بِحُكْمِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان هارون أخاً لموسى عليه السلام ومُرسلاً مثله؛ فكأن موسى عليه السلام قد أعلن عدم ثقته في هؤلاء القوم الذين أرسله اللَّه إليهم؛ حتى ولا يوشع بن نون ولا كالب، وهما الرجلان اللذان قالا لبني إسرائيل: إنه يكفي دخول الباب لتهزموا هؤلاء الناس العمالقة. لكن أكانت نفس أخيه مملوكة له؟ أم أنه قال ما فحواه: إني لا أملك إلا نفسي وكذلك أخي لا يملك إلا نفسه، أما بقية القوم فقد سمعت منهم يارب أنهم لم يدخلوا هذه الأرض مادام بها هؤلاء العمالقة. إذن فأنا وأخي في طرف وبقية القوم في طرف آخر؛ لذلك افصل بيننا وبين هؤلاء القوم الفاسقين. والحق سبحانه وتعالى في هذا التعبير القرآني يأتي بهذه الكلمات على لسان سيدنا موسى والتي تحتمل أن يرقّ لها قلب واحد من أتباع موسى عليه السلام فيقول لموسى: إنني معك. ولذلك جاء قول موسى: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. ومعنى الفاسقين - كما عرفنا - هم من خرجوا عن الإيمان، كما تفسق الرطبة؛ فالبلحة عندما ترطّب فإن قشرتها تتسع عن حجمها؛ فتخرج الرطبة من قشرتها؛ ويقال فسقت الرطبة؛ فكأن الإيمان كالجلد والجلد كالقشرة. وهو كغلاف يحيط بالإنسان. وعندما يفسق الإنسان عن الإيمان فهو يخرج عن قانون الصيانة، وكذلك كان فسق بني إسرائيل؛ لذلك قال الحق: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا} معناهُ مَيِّز.

الجيلاني

تفسير : {قَالَ} موسى آيساً، متحيزاً، باثاً شكواه مع ربه: {رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ} ولا أثق لامتثال أمرك {إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] الخارجين عن مقتضى أمرك، التاركين الامتثال به؛ من عدم وثوقهم بإعانتك وتأييدك. ولما سمع سبحانه من موسى ما سمع من بث الشكوى، وكان حالهم وصلاحهم معلومة عنده سبحانه {قَالَ فَإِنَّهَا} أي: الأرض المقدسة {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} مدة {أَرْبَعِينَ سَنَةً} خصّ هذا العدد؛ لأنهم لما أعادوا نفوسهم بعدم امتثال أمر الله، والاستهزاء به وبرسوله إلى ما هم عليه قبل إيمانهم، والإيمان ماي كمل غالباً إلا بعد الأربعين، لذلك خصَّ هذه المدة؛ لمجازاتهم ومجاهداتهم، ليكملوا الإيمان، وهم بعدما ارتدوا من الشام وتوجهوا إلى المصر {يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} المقدسة بستة فراسخ تائهين، حائرين، مذبذبين لا إلى مصر وإلا إلى الشام في تلك المدة، وموسى سارٍ معهم فيها، يرشدهم إلى أن يخرجهم من الضلال الصوري والمعنوي. ثم لمَّا رأى موسى اضطراب قومه وحزنهم وقلقهم واضطرارهم، رحمهم، وندم عمَّا دعا عليهم، على مقتضى شفقة النبوة ومرحمته، لذلك رد الله عليه بقوله: {فَلاَ تَأْسَ} أي: لا تحزن أيها النبي الشاكي {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] الخارجين عن مقتضى التصديق والإيمان. {وَٱتْلُ} يا أكمل الرسل {عَلَيْهِمْ} أي: على من اتبعك من المؤمنين {نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ} أي: قصة قابيل وهابيل واختلافهما ونزاعهما وقربانهما، وقتل قابيل هاببيل، ليعتبروا وينتبهوا من قصتهما على ما هو الأقول من السبيل، والأليق بحال المؤمن من حسن المعاشرة والمصاحبة مع الأخوان، ورعاية الغبطة، والتصبر على البلية والمحنة، وإن أدى إلى بذل المجهة والإخلاص مع الله في جميع الأحوال، تلاوة متلبسة {بِٱلْحَقِّ} مطابقة للواقع موافقة لما في الكتب السالفة. وذلك أنهما تنازعا في تزويج كل منهما توءمة الآخر على ما هو شرع أبيهم، فقال قابيل: توءمتي أحسن صورة من توءمتك، أنا أحق بتزويجها منك، فترافعا إلى أبيهما فأمرهما بالقربان المقرب إلى الله، اذكر {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} بإذن أبيهما، كل واحد منهما على مقتضى إخلاصهما مع الله، وكان قابيل صاحب زرع، قرب مقداراً من أردأ قمحه، وهابيل صاحب ضرع، قرب شاة سمينة حسناء {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا} وهو هابيل {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ}. وعلامة القبول حينئذٍ أنه تنزل نار من السماء، وتأكل ما يتقربون به، فأخذا قربانهما وذهبا إلى جبل فطرحها عليه، وانتظرا القبول، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل، ولم تأكل قربان أخيه، فاشتد سخطه وعضبه على أخيه، وزاد حسده بقبول الله قربانه {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} البتة؛ إذ ظهر مزيّتك عليّ، وفضلك عند الله منّي، وبذلك تفتخفر وتتفوق عليّ بين الناس {قَالَ} هابيل: يا أخي، ما لي في هذا التقرب إلا الإخلاص والرجوع إلى الله والإطاعة والانقياد لأمره، والاجتناب والتحرز عن سخطه وغضبه بلا غرض نفساني وميل شهواني، فتقبل مني بفضله ولطفه {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ} أي: ما يتقبل المطلع لسرائر عباده أعمالهم التي يتقربون بها إلى الله إلا {مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] المتقربين إليه بين طرفين الخوف والرجاء، المخلصين فيما جاءوا به خالصاً لوجهه الكريم، بلا ميل إلى ما تهوى نفوسهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نتائج خذلانهم وبوادر كفرانهم بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25]، والإشارة أن موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه، قال: رب لا أملك إلا نفسي وأخي ابتلاه الله بالدعاء على أمته حتى قال: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25]، فأظهر له أنك لو كنت تملك نفسك ما دعوت على أمتك، ولا سميتهم بالفاسقين، ولقلت اللهم أهد قومي وأصلحهم في عبوديتك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين نتج رأسه وكسرت رباعيته وأدمى وجهه وهو يقول: "حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" تفسير : ولهذا قال تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تفسير : [الفتح: 11]، لأنه لا يملك أحد نفسه ولا نفس غيره على الحقيقة فالله تعالى حرم على الذين دعا عليهم موسى عليه السلام دخول الأرض المقدسة بدعائه. {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} [المائدة: 26]، وأخذ موسى عليه السلام على دعائه عليهم وجعل معهم في التيه وقال له: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26]، يعني: لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين، ولا على نفسك ولا على أخيك، وإنما يملك نفسه إذا ملكت عليها عند الغضب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" تفسير : وكان موسى عليه السلام عند الغضب {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}تفسير : [الأعراف: 150]، ولما غضب موسى عليه السلام على بني إسرائيل قال: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25]، فلم ادعى أنه يملك نفسه، ويقال معناه: لا أملك إلا نفسي لا أؤخرها عن البذل في أمرك، ولا أملك أخي فإنه لا يخالفني في هذا فالعجب في أن موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - بشؤم معاملة بني إسرائيل بقيا في التيه أربعين سنة، وبنو إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين، وأثر شؤم صحبة الفاسقين. ثم أخبر عن سيرة الصالح وسيرة الطالح بقوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ} [المائدة: 27]، والإشارة أن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النس وتوأمته إقليما الهوى، في بطن أولى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن؛ لأن القلب به يميل إلى طلب المولى وما عنده مهر محبب إليه، وكان ليوذا العقل في نظر هابيل في غاية القبح والدمامة؛ لأن القلب به يغفل عن طلب الحق والفناء في الله، ولهذا قيل العقل غفالة الرجال، وفي نظر قابيل النفس أيضاً في غاية القبح؛ لأن به يغفل عن الدنيا والاستهلاك فيها فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كلاهما وأمر بازدواج توأمه كل واحد منهما إلى توأم الأخرى؛ لئلا يغفل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء في الله، ولهذا قال بعضهم: لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله تعالى، فإن الهوى إذا كان كان رفيق القلب يكون عشقاً فيه يصعد القلب إلى أعلى عليين العقبى وقرب المولى، ولهذا سمي العشق هوى كما قال الشاعر: شعر : أتاني هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى فصادفَ قلبي فارغاً فتمكَّنا تفسير : ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، وسخط قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: قربا قرباناً فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعاماً من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً يعنى مواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملاً يعنى الصفة البهيمية، وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} [المائدة: 27]. ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة على هابيل القلب وقصده {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: 27]، حسداً {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، بالله عما هو سواه {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} [المائدة: 28] حسداً {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} [المائدة: 28]، حسداً وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} [المائدة: 28]،