Verse. 695 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قَالَ فَاِنَّہَا مُحَرَّمَۃٌ عَلَيْہِمْ اَرْبَعِيْنَ سَـنَۃً۝۰ۚ يَتِيْھُوْنَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ فَلَا تَاْسَ عَلَي الْقَوْمِ الْفٰسِقِيْنَ۝۲۶ۧ
Qala fainnaha muharramatun AAalayhim arbaAAeena sanatan yateehoona fee alardi fala tasa AAala alqawmi alfasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(قال) تعالى له (فإنها) أي الأرض المقدسة (محرمة عليهم) أن يدخلوها (أربعين سنة يتيهون) يتحيرون (في الأرض) وهي تسعة فراسخ قاله ابن عباس (فلا تأس) تحزن (على القوم الفاسقين) روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدأوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين، قيل: وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذابا لأولئك وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه كما في الحديث، ونبئ يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وروى أحمد في مسنده حديث "" إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس "".

26

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله {فَإِنَّهَا } أي الأرض المقدسة محرمة عليهم، وفي قوله {أَرْبَعِينَ سَنَةً } قولان: أحدهما: أنها منصوبة بالتحريم، أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة، ثم فتح الله تعالى تلك الأرض لهم من غير محاربة، هكذا ذكره الربيع بن أنس. والقول الثاني: أنها منصوبة بقوله {يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ } أي بقوا في تلك الحالة أربعين سنة، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا، ثم إن أولادهم دخلوا تلك البلدة. المسألة الثانية: يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم {أية : فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [المائدة: 25] لم يقصد بدعائه هذا الجنس من العذاب، بل أخف منه. فلما أخبره الله تعالى بالتيه علم أنه يحزن بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه، فقال {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال مقاتل: إن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه، ثم إن موسى عليه السلام أخبر قومه بذلك، فقالوا له: لم دعوت علينا وندم موسى على ما عمل، فأوحى الله تعالى إليه {لا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } وجائز أن يكون ذلك خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه، قالوا: ويدل عليه وجوه: الأول: أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع، والثاني: أن ذلك التيه كان عذاباً والأنبياء لا يعذبون، والثالث: أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهارون ما كانا كذلك، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب. وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها برداً وسلاماً، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه؟ فقال قوم: إن هارون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة، وبقي يوشع بن نون وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، وهو الذي فتح الأرض المقدسة. وقيل: إنه ملك الشأم بعد ذلك. وقال آخرون: بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } الأكثرون على أنه تحريم منع لا تحريم تعبد، وقيل: يجوز أيضاً أن يكون تحريم تعبد، فأمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقاباً لهم على سوء صنيعهم. المسألة الخامسة: اختلفوا في التيه فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ، وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً. وقيل: ستة في اثنى عشر فرسخاً، وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس. فإن قيل: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقاً إلى الخروج عنها، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في البحر العظيم، فكيف في المفازة الصغيرة؟ قلنا: فيه وجهان: الأول: أن انخراق العادات في زمان الأنبياء غير مستبعد، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات، وإنه باطل. الثاني: إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرّم عليهم الرجوع إلى أوطانهم، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاءً لهم على سوء صنيعهم، وعلى هذا التقدير فقد زال الاشكال. المسألة السادسة: يقال: تاه يتيه تيهاً وتيهاً وتوها، والتيه أعمها، والتيهاء الأرض التي لا يهتدى فيها. قال الحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الاستدارة، وهذا مشكل فإنهم إذا وضعوا أعينهم على مسير الشمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا فإنهم لا بدّ وأن يخرجوا عن المفازة، بل الأولى حمل الكلام على تحريم التعبد على ما قررناه، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ فَإِنَّهَا} فإن الأرض المقدسة. {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم. {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} عامل الظرف إما محرمة فيكون التحريم موقتاً غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله {أية : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ }تفسير : [المائدة: 21] ويؤيد ذلك ما روي: أن موسى عليه الصلاة والسلام سار بعده بمن بقي من بني اسرائيل ففتح أريحاء، وأقام بها ما شاء الله ثم قبض وقيل: إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن الله سبحانه وتعالى أمره بقتال الجبابرة، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة وصار الشام كله لبني اسرائيل، وإما يتيهون أي يسيرون فيها متحيرين لا يرون طريقاً فيكون التحريم مطلقاً، وقد قيل لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال إنا لن ندخلها بل هلكوا في التيه، وإنما قاتل الجبابرة أولادُهم. روي: أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون من الصباح إلى المساء، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم، وكان طعامهم المن والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملونه، والأكثر على أن موسى وهارون كانا معهم في التيه إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وزيادة في درجتهما، وعقوبة لهم، وأنهما ماتا فيه مات هارون، وموسى بعده بسنة. ثم دخل يوشع أريحاء بعد ثلاثة أشهر ومات النقباء فيه بغتة غير كالب ويوشع. {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } خاطب به موسى عليه الصلاة والسلام لما ندم على الدعاء عليهم وبين أنهم أحقاء بذلك لفسقهم. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءادَمَ} قابيل وهابيل، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر، فسخط منه قابيل لأن توأمته كانت أجمل، فقال لهما آدم: قربا قرباناً فمن أيكما قُبِلَ تزوجها، فَقُبِلَ قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل سخطاً وفعل ما فعل. وقيل لم يرد لهما ابني آدم لصلبه وأنهما رجلان من بني اسرائيل ولذلك قال: {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرٰءيلَ}. {بِٱلْحَقِّ} صفة مصدر محذوف أي تلاوة ملتبسة بالحق، أو حال من الضمير في اتل، أو من نبأ أي ملتبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأولين {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً} ظرف لنبأ، أو حال منه، أو بدل على حذف مضاف أي واتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت، والقربان اسم ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى من ذبيحة أو غيرها، كما أن الحلوان اسم ما يحلى به أي يعطى، وهو في الأصل مصدر ولذلك لم يثن وقيل تقديره إذ قرب كل واحد منهما قرباناً. قيل كان قابيل صاحب زرع وقرب أردأ قمح عنه، وهابيل صاحب ضرع وقرب جملاً سميناً. {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} لأنه سخط حكم الله سبحانه وتعالى ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده. {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} توعده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه ولذلك. {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } في جوابه أي إنما أتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلي فلم تقتلني، وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظاً، لا في إزالة حظه فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقٍ. {لَئِن بَسَطتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله سبحانه وتعالى لأن الدفع لم يبح بعد، أو تحرياً لما هو الأفضل قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»تفسير : وإنما قال: {مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ} في جواب {لَئِن بَسَطتَ} للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأساً، والتحرز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء. {إِنّي أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تعليل ثان للامتناع عن المعارضة والمقاومة، والمعنى إنما استسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إلي ونحوه المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم. وقيل معنى بإثمي بإثم قتلي، وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، وكلاهما في موضع الحال أي ترجع ملتبساً بالإِثمين حاملاً لهما، ولعله لم يرد معصية أخيه وشقاوته بل قصده بهذا الكلام إلى أن ذلك إن كان لا محالة واقفاً فأريد أن يكون لك لا لي، فالمراد بالذات أن لا يكون له أن يكون لأخيه ويجوز أن يكون المراد بالإِثم عقوبته وإرادة عقاب العاصي جائزة. {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} فسهلته له ووسعته من طاع له المرتع إذا اتسع. وقرىء «فطاوعت» على أنه فاعل بمعنى فعل، أو على أن {قَتْلَ أَخِيهِ} كأنه دعاها إلى الإِقدام عليه فطاوعته، وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله. {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} ديناً ودنيا، إذ بقي مدة عمره مطروداً محزوناً. قيل قتل هابيل وهو ابن عشرين سنة عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} روي أنه لما قتله تحير في أمره ولم يدر ما يصنع به إذ كان أول ميت من بني آدم، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة والضمير في ليرى، لله سبحانه وتعالى، أو للغراب، وكيف حال من الضمير في {يُوٰرِي} والجملة ثاني مفعولي يرى! والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فإنه مما يستقبح أن يرى. {قَالَ يَـا وَيْلَتَا} كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم. والمعنى يا ويلتي احضري فهذا أوانك، والويل والويلة الهلكة. {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} لا أهتدي إلى مثل ما أهتدي إليه، وقوله: {فَأُوَارِيَ} عطف على {أَكُونَ} وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى ههنا لو عجزت لواريت، وقرىء بالسكون على فأنا أواري أو على تسكين المنصوب تخفيفاً. {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره وحمله على رقبته سنة أو أكثر على ما قيل، وتلمذه للغراب واسوداد لونه وتبري أبويه منه، إذ روي أنه لما قتله اسود جسده فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلاً فقال بل قتلته ولذلك اسود جسدك وتبرأ منه ومكث بعد ذلك مائة سنة لا يضحك وعدم الظفر بما فعله من أجله. {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرٰءيلَ} بسببه قضينا عليهم، وأجل في الأصل مصدر أجل شراً إذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كقولهم، من جراك فعلته، أي من أن جررته أي جنيته ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل، ومن ابتدائية متعلقة بكتبنا أي ابتداء الكتب ونشوء من أجل ذلك. {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص. {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} أو بغير فساد فيها كالشرك أو قطع الطريق. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله سبحانه وتعالى والعذاب العظيم. {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعاً، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيباً عن التعرض لها وترغيباً في المحاماة عليها. {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} أي بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيداً للأمر وتجديداً للعهد كي يتحاموا عنها وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون به، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها والإِسراف التباعد عن حد الاعتدال في الأمر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى له {فَإِنَّهَا } أي الأرض المقدّسة {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } أن يدخلوها {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ } يتحيرون {فِى ٱلأَرْضِ } وهي تسعة فراسخ قاله ابن عباس {فَلاَ تَأْسَ } تحزن {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ } روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدأوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين، قيل وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذاباً لأولئك (وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر فأدناه) كما في الحديث، ونبِّىء يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وروى أحمد في مسنده حديث [حديث : إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس].

ابن عادل

تفسير : قوله: {فإنَّهَا مُحَرمَةٌ عَلَيْهِم} أي الأرْضَ المقدسة مُحَرَّمة عَلَيْهم أبَداً، لم يرد تَحْريم تَعَبُّد، وقيل تَحْرِيم مَنْع. [في] قوله: "أرْبَعين سَنَةً" وجهان: أظهرهما أنَّه منْصُوب لـ "مُحَّرَمة"، فإنَّه رُوِي في القِصَّة أنهم بعد الأرْبَعين دخلوها، فيكون قد قَيّد تَحْريمها عَلَيْهم بهذه المُدَّة، وأخْبَر أنَّهم "يَتيهُون"، ولم يُبَيِّنْ كَميَّة التِّيه، وعلى هذا فَفِي "يَتيهُون" احتمالان: أحدهما: أنه مستَأنَفٌ. الثاني: أنَّه حالٌ من الضَّمِير في "عَلَيْهِم". الوجه الثَّاني: أن "أرْبَعين" مَنْصُوب بـ "يتيهُون"، فيكون قَيّد التِّيه [بـ "الأرْبَعين"]. [وأمَّا] التَّحْريم فمطلق، فيحتمل أن يكُون مُسْتَمِراً، أو يكون مُنقْطِعاً وأنَّهَا أحلت لهم. وقد قيل بِكُلٍّ من الاحتمالين، رُوِي أنَّه لم يدخُلْها أحَدٌ ممَّن كان في التِّيهِ، ولم يَدْخُلْها إلا أبْناؤُهُمَ [وأمَّا الآبَاءُ فماتُوا، وما أدْرِي ما الَّذي حَمَل أبَا مُحَمَّد بن عَطِيَّة على تَجويزه أن يكُون العَامِلُ في "أربعين" مُضْمَراً يفسره] "يتيهُون" المتأخر، ولا ما اضْطَرَّه إلى ذَلِك من مَانِعِ صِنَاعِي أو مَعْنَوِي، وجَوَاز الوَقْف والابْتِدَاء بقوله: "عَلَيْهِمْ"، و"يَتِيهُون" [مفهومان ممَّا] تقدم من الإعراب. والتِّيه: الحَيْرة، ومنه: أرْضٌ تَيْهَاء [لِحَيرةٍ سَالكها] قال: [الطويل] شعر : 1950- بتَيْهاءَ قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كَأنَّهَا قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُها تفسير : ويقال: "تَاهَ يتيه وهو أتْيَهُ منه، وتَاهَ يَتُوه وهو أتْوَهُ مِنْه" [فقول من قال: يتيه، وتوهْتُهُ] من التَّدَاخل، ومثله: "طَاحَ" في كونه سُمِع في عَيْنيه الوجهان، وأن فيه التَّدَاخُلَ - أيضاً - فإنَّ من قال: "يَطِيحُ" قال: "طَوَّحْتُه"، وهو "أطْوَحُ منه". واختَلفُوا في التِّيه، قال [الرَّبيع:] مقدار ستة فَرَاسِخ، وقيل: تِسْعة فَرَاسِخ في ثلاثين فَرْسخاً، وقيل: سِتَّة فَرَاسِخ في اثْنَيْ عشر فرسخاً. وقيل: كانوا ستمائة ألْفِ فارس. فإن قيل: كيف يعقل بَقَاءُ هذا الجَمْع العظيمِ في هذا القَدْر الصَّغِير من المفَازَة أرْبَعِين سنة بحيث لا يَتَّفِقُ لأحدٍ منهم أن يَجِد طَرِيقاً إلى الخُرُوج عنها؟ ولو أنهم وضعُوا أعينَهُم على حركة الشَّمس أو الكواكب لَخَرجوا منها، ولو كانُوا في البَحْر العَظِيم فكيف في المفازة الصغيرة؟. فالجواب فيه وَجْهَان: الأوَّل: أن انخراق العَادَات في زمن الأنْبِياء غير مُستبعد، إذ لو فَتَحْنَا باب الاسْتِبْعَاد لزم الطَّعن في جميع المُعْجِزات، وهو باطِلٌ. الثاني: إذا جعلْنَا ذلك التَّحْريم تحريم تعبد، زال السَّؤال؛ لأن الله تعالى حرَّم عليهم الرُّجوع إلى أوْطَانِهِم، وأمرهم بالمكْثِ في تلك المفَازةِ أرْبعين سنة مع المشقة والمحنة جَزَاءً لهم على سُوء صنِيعِهم. قال القُرْطُبِي: [قال] أبو علي: قد يكونُ ذلك بأن يحول الله الأرْضَ التي هم عليها إذا نَامُوا فيردَّهم إلى المكان الذي ابْتَدؤوا منه، وقد يَكُون بغير ذلك من الاشتباه والأسْبَاب [المَانِعَة من] الخُرُوج عنها على طَريق المُعْجِزة الخارجة عن العَادَة. قال بعضهم: إنَّ هارون وموسى لم يكُونَا فيهم، والصَّحِيح: أنَّهما كانا فيهم، ولم يكن لهما عُقُوبة لكن كما كَانَت النَّار على إبْرَاهيم بَرْداً وسَلاَماً وإنما كانت العقوبة لأولَئِك الأقْوام، ومات في التِّيه كل من دَخَلها ممن جاز عشرين سنة غير يُوشَع وكالب، ولم يدخل أريحاء أحَدٌ ممَّن قالوا: {إنا لن نَدْخُلَهَا [أبداً]} فلما هَلَكُوا وانْقَضت الأربعون سنة، وَنَشَأت [النَّواشئ] من ذراريهم ساروا إلا حرب الجبَّارِين، واخْتَلَفُوا فيمن تولَّى الحرب وعلى يدي من كان الفتح فقيل: إنَّما فَتَح أريحاء موسى، وكان يُوشع على مقدمته، فسار موسى عليه السلام إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل فدخلها يوشع، فقاتل الجَبَابِرَة ثم دَخَلَها موسى، وأقام فيها ما شاء الله، ثم قَبَضَهُ اللَّه إليه، ولا يعلم قبره أحد، وهذا أصَحُّ الأقوال. وقيل: إنما قاتل الجبَّارين يُوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى - عليه السلام -، وقالوا: مات مُوسى وهارون جميعاً في التِّيه. قال القُرْطُبِيُّ: روى مُسْلِمٌ عن أبِي هُرَيْرَة قال: "حديث : أرْسَلَ اللَّهُ ملك المَوْتِ إلى مُوسَى - عليه الصلاة والسلام -، فلما جاءَهُ، صَكَّهُ وفَقَأ عَيْنَه، فرجع إلى رَبِّه فقال: "أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُريد الموْتَ"، قال: فَرَدَّ الله إلَيْه عَيْنَهُ، وقال: ارجع إلَيْه وقل له: يضع يده على مَتْن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سَنَة. قال: "أي رب ثم مَهْ"، قال: "ثم الموت" قال: "فالآن"؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثِيب الأحمر""تفسير : فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائماً يصلي كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهوراً عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يُعبد، والله أعلم. ويعني بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطُّور مكان الطريق. واختلف العلماء في تأويل لَطْم موسى عين مَلك الموت وفَقْئها على أقوال؛ منها: أنها كانت عيناً متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل، لأنه يؤدّي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له. ومنها: أنها كانت عيناً معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ومنها: أنه عليه السلام لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها؛ وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن. وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصّك؛ قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث؛ وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: "يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت" فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت؛ وأيضاً قوله في الرواية الأخرى: "أجب ربك" يدلّ على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب، إذا غضب طلع الدّخان من قَلَنْسُوته ورفع شعرُ بدنه جبّته؛ وسرعة غضبه كانت سبباً لصَكِّه مَلَك الموت. قال ابن العربي: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه الصلاة والسلام عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمِر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من "حديث : أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيِّره" تفسير : فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه امتحاناً لملك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم، والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصاً وأخباراً الله أعلم بصحتها؛ وفي الصحيح غُنْيَة عنها. انتهى. فصل وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: "كشاة تسلخ وهي حية". وقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا تحزن. [والأسى: الحُزْن، يقال: أسِي - بكسر العين - يَأسَى، بفتحها، ولامُ الكلمة تحتمل أن تكونَ من واوٍ، وهو الظاهرُ لقولهم: "رجل أسْوان" بزنة سكران، أي: كثير الحزن، وقالوا في تثنية الأسى: أسوان، وإنما قُلبت الواوُ في "أسِيَ" يَاءً لانكسار ما قبلَها، ويُحْتمل أن تكون ياءً فقد حُكي "رجل أسْيان" أي كثيرُ الحزن، فتثنيتُه على هذا "أسَيان". والله أعلم بغيبه].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏فإنها محرمة عليهم‏} ‏ قال‏:‏ أبدا‏ً.‏ وفي قوله ‏ {‏يتيهون في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ أربعين سنة‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلاً، من كل سبط رجلاً عيوناً ليأتوهم بأمر القوم، فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول، وأما يوشع بن نون وصاحبه فأمرا بالدخول واستقاما على أمر الله ورغبا قومهم في ذلك، وأخبراهم في ذلك أنهم غالبون حتى بلغ ‏ {‏ههنا قاعدون‏} ‏‏.‏ قال‏:‏ لما جبن القوم عن عدوّهم وتركوا أمر ربهم قال الله ‏ {‏فإنها محرمة عليهم أربعين سنة‏} ‏ إنما يشربون ماء الاطواء، لا يهبطون قرية ولا مصراً، ولا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ حرمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الاطواء أربعين سنة، والاطواء الركايا، وذكر لنا أن موسى توفي في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهرون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها، فدنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس‏:‏ إني مأمور وإنك مأمورة‏.‏ فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأتِ فقال‏:‏ فيكم الغلول، فدعا رؤوس الاسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم، فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال‏:‏ الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعا مع القربان، فأتت النار فأكلتها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال‏:‏ إن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض، شكوا إلى موسى فقالوا‏:‏ ما نأكل‏؟‏ فقال‏:‏ إن الله سيأتكم بما تأكلون‏.‏ قالوا‏:‏ من أين‏؟‏ قال‏:‏ إن الله سينزل عليكم خبزاً مخبوزاً‏.‏ فكان ينزل عليهم المنّ وهو خبز الرقاق ومثل الذرة‏.‏ قالوا‏:‏ وما نَأْتَدِمُ، وهل بُدِّلْنَا من لحم‏؟‏ قال‏:‏ فإن الله يأتيكم به‏.‏ قالوا‏:‏ من أين‏؟‏ فكانت الريح تأتيهم بالسلوى، وهو طير سمين مثل الحمام‏.‏ فقالوا‏:‏ فما نلبس‏؟‏ قال‏:‏ لا يخلق لأحدكم ثوب أربعين سنة‏.‏ قالوا‏:‏ فما نحتذي‏؟‏ قال‏:‏ لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة‏.‏ قالوا‏:‏ فإنه يولد فينا أولاد صغار فما نكسوهم‏؟‏ قال‏:‏ الثوب الصغير يشب معه‏.‏ قالوا‏:‏ فمن أين لنا الماء‏؟‏ قال‏:‏ يأتيكم به الله‏.‏ فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر قالوا‏:‏ فما نبصر تغشانا الظلمة، فضرب له عموداً من نور في وسط عسكره أضاء عسكره كله‏.‏ قالوا‏:‏ فبم نستظل‏؟ الشمس علينا شديدة، قال‏:‏ يظلكم الله تعالى بالغمام‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال‏:‏ ظلل عليهم الغمام في التيه قدر خمسة فراسخ أو ستة، كلما أصبحوا ساروا غادين، فإذا امسوا إذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، فكانوا كذلك أربعين سنة، وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم، ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تذوب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس قال‏:‏ كانت بنو إسرائيل إذا كانوا في تيهم تشب معهم ثيابهم إذا شبوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ لما استسقى موسى لقومه أوحى الله إليه‏:‏ أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فقال لهم موسى‏:‏ ردوا معشر الحمير‏.‏ فأوحى الله إليه‏:‏ قلت لعبادي معشر الحمير، وإني قد حرمت عليكم الأرض المقدسة‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ يا رب فاجعل قبري منها قذفة حجر‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لو رأيتم قبر موسى لرأيتموه من الأرض المقدسة قذفة بحجر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ لما استسقى لقومه فسقوا قال‏:‏ اشربوا يا حمير‏.‏ فنهاه عن ذلك، وقال‏:‏ لا تدعُ عبادي يا حمير‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏فلا تأس‏}‏ قال‏:‏ لا تحزن‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏فلا تَأْسَ‏} ‏ قال‏:‏ لا تحزن‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت امرؤ القيس وهو يقول‏:‏ شعر : وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحاكم وصححه عن أبي هريرة‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن نبياً من الأنبياء قاتل أهل مدينة، حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال‏:‏ أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور، بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار‏.‏ قال‏:‏ فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة، وكانوا إذا أصابوا الغنائم قربوها في القربان فجاءت النار فأكلتها، فلما أصابوا وضعوا القربان فلم تجئ النار تأكله‏. فقالوا‏:‏ يا نبي الله، ما لنا لا يقبل قرباننا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ فيكم غلول‏.‏ قالوا‏:‏ وكيف لنا أن نعلم من عنده الغلول‏؟‏ قال‏: وهم اثنا عشر سبطاً قال‏:‏ يبايعني رأس كل سبط منكم، فبايعه رأس كل سبط، فلزقت كفه بكف رجل منهم فقالوا له‏:‏ عندك الغلول‏.‏ فقال‏:‏ كيف لي أن أعلم‏؟‏ قال تدعو سبطك فتبايعهم رجلاً رجلاً، ففعل، فلزقت كفه بكف رجل منهم قال‏:‏ عندك الغلول‏.‏ قال‏:‏ نعم، عندي الغلول‏.‏ قال‏:‏ وماهو‏؟‏ قال‏:‏ رأس ثور من ذهب أعجبني فغللته، فجاء به فوضعه في الغنائم، فجاءت النار فأكلته تفسير : ، فقال كعب‏:‏ صدق الله ورسوله هكذا، والله في كتاب الله يعني في التوراة، ثم قال‏:‏ يا أبا هريرة، أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان‏؟‏ قال‏:‏ هو يوشع بن نون‏.‏ قال‏:‏ فحدثكم أي قرية‏؟‏ قال‏:‏ هي مدينة أريحاء، وفي رواية عبد الرزاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏حديث : لم تحل الغنيمة لأحد قبلنا، وذلك أن الله رأى ضعفنا فطيبها لنا، وزعموا أن الشمس لم تحبس لأحد قبله ولا بعده ‏"‏‏.‏

القشيري

تفسير : مجاهرة الرد تعجّل العقوبة؛ فإن من مَاكَر الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن التقدير ما يُلْجِئُه إلى التطوُّح في أوطان الذُّلِّ. ويقال حيَّرهم في مفاوزهم حتى عموا عن القَصد؛ فصاروا يبيتون حيث يصبحون، بعد طول التعب وإدامة السير، وكذلك من حيَّره اللهُ في مفاوز القلب يتقلب ليلاً ونهاراً في مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة، فيحطون بحيث يرحلون عنها، فلا وجهَ للرأي الصائب يلوح لهم، ولا خلاص من بعده للتجويز يساعدهم، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره، ووقع في روح الاستبصار بعد أتعاب التوهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى {فانها} اى الارض المقدسة {محرمة عليهم} تحريم منع لا تحريم تعبد وتكليف لا يدخلونها ولا يملكونها لان كتابتها لهم كانت مشروطة بالايمان والجهاد وحيث نكصوا على ادبارهم حرموا ذلك وانقلبوا خاسرين {أربعين سنة} ظرف لمحرمة فالتحريم موقت بهذه المدة لا مؤبد فلا يكون مخالفا لقوله تعالى {أية : كتب الله لكم} تفسير : [المائدة: 21]. فالمراد بتحريمها عليهم انه لا يدخلها احد منهم فى هذه المدة لكن لا بمعنى ان كلهم يدخلونها بعدها بل بعضهم ممن بقى {يتيهون فى الارض} اى يتحيرون فى البرية استئناف لبيان كيفية حرمانهم {فلا تأس} فلا تحزن والاسى الحزن {على القوم الفاسقين} ـ روى ـ انه عليه السلام ندم على دعائه عليهم فقيل لا تندم ولا تحزن عليهم فانهم احقاء بذلك لفسقهم فلبثوا اربعين سنة فى ستة فراسخ وهم ستمائة الف مقاتل وكانوا يسيرون كل يوم جادين فاذا امسوا كانوا فى الموضع الذى ارتحلوا منه وكان الغمام يظللهم من حر الشمس ويطلع بالليل عمود من نور يضيىء لهم وينزل عليهم المن والسلوى ولا تطول شعورهم واذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطوله وماؤهم من الحجر الذى يحملونه وهذه الانعامات عليهم مع انهم معاقبون لما ان عقابهم كان بطريق الفرك والتأديب واصح الاقاويل ان موسى وهارون كانا معهم فى التيه ولكن كان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لابراهيم وملائكة العذاب. قال فى التأويلات النجمية والتعجب فى ان موسى وهارون بشؤم معاملة بنى اسرائيل بقيا فى التيه اربعين سنة وبنوا اسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام وانزل عليهم المن والسلوى فى التيه ليعلم اثر بركة صحبة الصالحين واثر شؤم صحبة الفاسقين انتهى: قال الحافظ شعر : ملول همرهان بودن طريق كاردانى نيست بكش دشوارىء منزل بياد عهد آسانى تفسير : ـ روى ـ ان موسى عليه السلام خرج من التيه بعد اربعين سنة وسار بمن بقى من بنى اسرائيل الى اريحا وكان يوشع بن نون على مقدمته فحارب الجبابرة وفتحها واقام بها ما شاء الله ثم قبضه الله ولا يعلم قبره الا الله وهذا أصح الاقاويل لاتفاق العلماء على ان عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام. قال السدى فى وفاة هارون ان الله اوحى الى موسى انى متوفى هارون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فاذا هما بشجرة لم ير مثلها فاذا بيت مبنى وفيه سرير عليه فرش واذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك اعجبه وقال يا موسى انى احب ان انام على هذا السرير قال فنم عليه فلما نام جاء ملك الموت فقال يا موسى خدعتنى فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به الى السماء فلما رجع موسى الى بنى اسرائيل وليس معه هارون قالوا ان موسى قتل هارون وحسده على حب بنى اسرائيل اياه فقال لهم موسى ويحكم كان اخى أفترونى اقتل اخى فلما كثروا عليه صلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والارض فصدقوه. وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه قال صعد موسى وهارون الجبل فقال بنوا اسرائيل انت قتلته فآذوه فامر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بنى اسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفت بنوا اسرائيل انه قد مات فبرأه الله مما قالوا ثم ان الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره احد الا الرخم فجعله الله اصم وأبكم. وقال عمرو بن ميمونة مات هارون وموسى فى التيه مات هارون قبل موسى وكانا خرجا الى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف الى بنى اسرائيل فقالوا قتلته لحبنا اياه وكان محببا فى بنى اسرائيل فتضرع موسى الى ربه فاوحى الله اليه ان انطلق بهم الى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينقض رأسه فقال انا قتلتك فقال لا ولكننى مت قال فعد الى مضجعك وانصرفوا. واما وفاة موسى عليه الصلاة والسلام قال ابن اسحق كان صفى الله موسى قد كره الموت واعظمه فاراد الله ان يحبب اليه الموت فنبىء يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه فيقول له موسى يا نبى الله ما احدث الله اليك فيقول له يوشع يا نبى الله ألم اصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت اسألك عن شىء مما احدث الله اليك حتى تكون انت الذى تبثه به وتذكره ولا يذكر له شيئاً ولما رأى موسى ذلك كره الحياة واحب الموت وفى الحديث "حديث : جاء ملك الموت الى موسى فقال له اجب ربك قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع ملك الموت الى الله تعالى فقال انك ارسلتنى الى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عينيى قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع الى عبدى فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فانك تعيش بها سنة قال ثم ماذا قال ثم تموت قال فالآن من قريب قال رب ادننى من الارض المقدسة قدر رمية حجر" قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "لو انى عنده لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الاحمر " .تفسير : قال محمد بن يحيى قد صح حديث ملك الموت وموسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرده الا كل مبتدع كذا فى تفسير الثعلبى وفى حديث آخر "حديث : ان ملك الموت كان يأتى الناس عيانا حتى اتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية" تفسير : وقال وهب خرج موسى لبعض حاجاته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئاً قط احسن منه ومثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن يحفر هذا القبر فقالوا لعبد كريم على ربه فقال ان هذا العبد من الله بمنزل ما رأيت مضجعا احسن من هذا قالوا يا كليم الله أتحب ان يكون لك قال وددت قال فانزل واضطجع فيه وتوجه الى ربك قال فاضطجع فيه وتوجه الى ربه ثم تنفس اسهل نفس قبض الله روحه ثم سوت الملائكة عليه التراب وقيل ان ملك الموت اتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه ـ وروى ـ ان يوشع رآه بعد موته فى المنام فقال كيف وجدت الموت قال كشاة تسلخ وهى حية وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى وانقضت الاربعون بعث الله يوشع نبيا فاخبره ان الله قد امره بقتال الجبابرة فصدقوه وتابعوه فتوجه ببنى اسرائيل الى اريحا معه تابوت الميثاق فاحاط بمدينة اريحا ستة اشهر فلما كان السابع نفخوا فى القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ودخلوا فقاتلوا الجبارين فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بنى اسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم البقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال اللهم اردد الشمس على وقال للشمس انك فى طاعة الله تعالى وانا فى طاعة الله فسأل الشمس ان تقف والقمر ان يقيم حتى ينتقم من اعداء الله قبل دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد فى النهار ساعة حتى قتلهم اجمعين وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم احدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع ارض الشام وصارت الشام كلها لبنى اسرائيل وفرق عماله فى نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله الى يوشع ان فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فاتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر وكان قد غله فجعله فى القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فاكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن فى جبل افرائيم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة وتدبيره امر بنى اسرائيل بعد موتى موسى سبعا وعشرين سنة شعر : جهان اى برادر نماند بكس دل اندر جهان آفرين بيندوبس

الطوسي

تفسير : هذه الآية إِخبار من الله، وخطاب لموسى (ع) أن قومه قد حرم عليهم دخول بلد الجبارين أربعين سنة، وفي كيفية التحريم قولان: أحدهما - قول أكثر المفسرين: أنه تحريم منع كما قال الشاعر: شعر : جالت لتصرعني فقلت لها اقصري اني امرؤ صرعي عليك محرم تفسير : يعني دابته التي هو راكبها ويريد بذلك إِني فارس لا يمكنك أن تصرعني. وقال أبو علي: يجوز أن يكون المراد به تحريم تعبد - والأول هو الأظهر - وقال البلخي: يجوز أن يكونوا أمروا بأن يطوفوا فيه أربعين سنة يتيهون في الأرض يعني في المسافة التي بينهم وبينها. وقال الربيع: وكان مقداره ستة فراسخ. وقال مجاهد، والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا. ويمسون حيث أصبحوا. وقال الحسن: لم يمت موسى (ع) في التيه. وروي عن ابن عباس أنه مات في التيه على علم منه فيه. وأما هارون فانه مات قبل موسى في التيه، وكان أكبر من موسى. واستخلف موسى يوشع بعده. وقال: إِن الله بعثه نبياً. وفي دخوله أيضاً مدينة الجبارين خلاف. وأصل التيه التحير الذي لا يهتدى لأجله للخروج عن الطريق الى الغرض المقصود. وأصله الحيرة. يقال: تاه يتيه تيهاً: إِذا تحير. وتيهته، وتوهته، والياء أكثر. والتيهاء - من الارض - هي التي لا يهتدى فيها. يقال: أرض تيه وتيهاء. قال الشاعر: شعر : تيه أتاويه على السفاط تفسير : فان قيل: يجوز على جماعة - عقلا - كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال أبو علي: يكون ذلك بأن تحول الأرض التي هم عليها إِذا ناموا فيردهم الى المكان الذي ابتدؤا منه. الثاني - أن يكون بالاشتباه. والاسباب المانعة من الخروج عنها إِما بأن يمحو العلامات التي يستدل بها أو بآن يلقى شبه بعضها على بعض، ويكون ذلك معجزة خارقة للعادة. وقيل: إِن التيه كان عقوبة لهم بعدد الايام التي عبدوا فيها العجل عن كل يوم سنة. ومن قال هذا قال: لم يكن موسى وهارون فيها، أو كانا فيها غير متوهين، كما كان ابراهيم في نار نمرود غير متألم بها. وقوله: {أربعين سنة} نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على قول الربيع بـ {محرمة} حرمها عليهم أربعين سنة. والثاني - {يتيهون} على قول الحسن وقتادة، لانهما قالا: إِنه ما دخلها أحد منهم. وقيل: انه دخلها يوشع بن نون وكالب بن يوفنا بعد موت موسى بشهرين. قالوا لانه لا خلاف بين المفسرين أن دخولها كان محرم عليهم على طريق التأييد. وإِنما دخلها أولادهم مع يوشع وكالب بن يوفنا. وقوله: {فلا تأس على القوم الفاسقين} خطاب لموسى (ع) أمره الله أن لا يحزن على هلاكهم لفسقهم. والاسى: الحزن يقال أسى يأسى أسى أي حزن قال امرؤ القيس: شعر : وقوفاً بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل تفسير : وقال الزجاج: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم).

الجنابذي

تفسير : {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} عقوبة لهم فلا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم {أَرْبَعِينَ سَنَةً} ظرف لمحرّمة او لقوله تعالى {يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} ومعنى يتيهون يتحيّرون لا يرون طريقاً للخروج {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} كأنّه كان نادماً عن دعائه عليهم متحسّراً لهم، عن الباقر (ع) عن رسول الله (ص) "حديث : والّذى نفسى بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو النّعل بالنّعل والقّذة بالقّذة حتّى لا تخطؤا طريقهم ولا تخطأكم سنّة بنى اسرائيل" تفسير : ثمّ قال الباقر (ع): قال موسى (ع) لقومه: يا قوم ادخلوا الارض المقدّسة الّتى كتب الله لكم، فردّوا عليه وكانوا ستّمائة الفٍ فقالوا: يا موسى انّ فيها قوماً جبارين (الآيات)، قال فعصى اربعون الفاً وسلم هرون وابناه ويوشع بن نون وكالب بن يوفّنا، فسمّاهم الله فاسقين فقال: لا تأس على القوم الفاسقين فتاهوا اربعين سنة لانّهم عصوا وكانوا حذو النّعل بالنّعل انّ رسول الله (ص) لمّا قبض لم يكن على امر الله الاّ علىٌّ والحسن (ع) والحسين (ع) وسلمان (ره) والمقداد (ره) وابو ذرّ (ره) فمكثوا اربعين حتّى قام علىّ (ع) فقاتل من خالفه.

اطفيش

تفسير : {قَالَ فَإِنهَا}: أى الأرض المقدسة. {مُحَرَّمَةٌ عَليْهِم}: ممنوعة عنهم، لا يدخلونها ولا يسكنونها غير عبدى يوشع وعبدى كالب. {أَربَعِينَ سَنَة}: أربعين ظرف زمان متعلق بمحرمة، وبعد الأربعين يدخلها من حيى منهم ممن ولدوا فى أرض التيه، وممن دخل التيه دون عشرين سنة من عمره، وباقيهم أميتهم فى التيه، وقيل: حيى بعض الباقى فدخلوها وهو الظاهر المتبادر أنها لهم بعد الأربعين، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: انا لن ندخلها، بل ما توفى التيه بعد قتل الجبارين أولادهم، فقيل: هم أربعين سنة يرحلون عند الصبح الى مصر، فيمسوا فى موضع رحلوا منه، وقيل: لما أيسو تركوا الرحيل، وذلك نقمة عليهم، ونعمة وراحة على موسى وهارون ويوشع وكالب. وقيل: ان الله حرمها عليهم تعبداً لا منعاً، وهذا بعيد لأنه لو كان ذلك لعصوا وخرجوا، وأيضاً لفظ يتيهون يضعف هذا، وقيل: أربعين متعلق بيتيهون بعده، فيكون التحريم مطلقاً غير مقيد بمدة على هذا، فهى محرمة أبداً عليهم فى هذا القول الى الموت، فماتوا كلهم فى التيه، فلم يدخلها الا من ولد فى التيه أو دخل التيه غير بالغ الحلم، والأصل تعلق أربعين بمحرمة، لأن فيه عدم التقديم، واذا علق بمحرمة كان التيه مطلقاً فيصدق بأنهم تاهوا حتى أيسوا من اهتداء الطريق الى مصر فتركوا الرحيل، والأظهر أن يعلق بأحدهما فبقدر مثله للآخر. روى أنهم دخلوها بعد الأربعين، وهو يقوى تعليقه بمحرمة، ومن بقى منهم فتحوها مع موسى فتح أريحا، وأقام فيها ثم مات، وقيل: قبض فى التيه وأوصى يوشع بقتال الجبارين، وصحح الأول لاشتهار أن موسى قتل عوجاً، فهو الذى قاتل الجبارين، وجعل يوشع على مقدمته، واختلفوا: هل كان موسى يخرج من التيه وهارون حيث شاءا؟ أو أما أن يقال لم يدخلاه لقوله: {أية : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } تفسير : فلا يصح لأنه بلا شك يضرب لهم الحجر للماء. {يَتِيهُونَ فِى الأَرضِ}: يمشون فيها على طريق متحيرين لا يدرون الطريق، قيل: أربعين سنة فى ستة فراسخ، يسيرون من الصباح الى المساء، فاذا هم فى موضع الرحلة، وهم ستمائة ألف فارس، ولكل مائة ألف فرسخ مسيرة نصف يوم، وقيل: ستة فراسخ عرضاً، واثنا عشر طولا، وقيل: تسعة عرضاً وثلاثون طولا، ولم يصب من ذلك تعب ولا مشقة موسى وهارون ويوشع وكالب، بل راحة ولهم زيادة درجات كما أعان ابراهيم على النار، وجعلها برداً وسلاماً، وزاد له درجات. وفى بعض القول: مات فيه هارون، ثم بعده موسى بسنة، وقيل: ماتا خارجاً، وقيل: مات موسى ودخل يوشع بعده أريحا بثلاثة أشهر، أما اذا قيل: ان التحريم تعبد، وأنهم يعرفون الطريق فلا اشكال فى حصر المفازة لهم وهو ضعيف كما مر، الا أن يقال: انهم بعدما يعصون ويعاندون ينقادون، وأما اذا قلنا انهم لا يجدون الطريق فذلك خرق عادة من الله، ولولا ذلك لاتبعوا كوكباً أو الشمس والقمر، فيتصلون بالطريق أو بقرية، ويخرجون، ويمكن أن الله عز وجل ستر عنهم الشمس والقمر والنجوم كما قال الله تعالى: {أية : وظللنا عليهم الغمام }تفسير : وكما مر أن عموداً من نور يضىء لهم فى الليل. {فَلا تَأسَ}: لا تحزن. {عَلَى القَومِ الفَاسِقِينَ}: لخروجهم عن أمر الله لما دعى عليهم فعوقبوا بطول التيه ندم فحزن، فأوحى الله اليه: {لا تَأسَ عَلَى القَومِ الفَاسِقِينَ} فانهم أحق بالتيه لفسقهم، وأجاز الزجاج أن يكون هذا خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن لا يحزن على يهود زمانه فى بلاده، فانهم لم يزالوا أهل عناد، والواضح أن الخطاب لموسى عليه السلام، قيل: بعث الله يوشع بعد الأربعين المذكورة فى الآية نبياً، فأخبر بنى اسرائيل بأنه نبى، وأن الله تعالى أمره بقتل الجبارين فصدقوه وتابعوه ومعه تابوت الميثاق، فحصر أريحا ستة أشهر، ولما كان الشتاء نفخوا فى القرون وضجوا ضجة واحدة، فسقط السور فدخلوها، وقاتلوا الجبابرة فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، تجتمع العصابة على عنق الرجل فيضربونه لا يقطعونه، وكان القتل يوم الجمعة، فبقيت منه بقية، وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فخشى يوشع أن يفوتوه أو يعجزوه فقال: اللهم اردد على الشمس، أو قال للشمس انك فى طاعة الله، فأذن الله للشمس أن تقف، وللقمر أن يقيم حتى ينتقم الله من أعداء الله قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس، وزيد له فى النهار ساعة حتى قتلهم جميعاً. قال فى عرايس القرآن: أخبرنا أبو بكر محمد بن صخر، حدثنا محمد بن عبيد الكندى، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، وحدثنا أبى عن عروة قال: حديث : دخلت على فاطمة بنت على فرأيت فى عنقها خرزة ورأيت في يدها مسكتين مختلطتين وهى عجوز كبيرة، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: انه ليس للمرأة ان تتشبه بالرجال، ثم حدثتنى أن أسماء بنت عميس حدثتها أن الشمس غابت أو كادت تغيب، ثم أن نبى الله سرى عنه أى خفف عنه، وذلك فى مرض موته صلى الله عليه وسلم فقال: أصليت يا على؟ فقال: لا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "اللهم رد على علىّ الشمس" فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجدتفسير : ، وكذلك وقفت الشمس يوم الخندق، وقد شغلوا عن صلاة العصر حتى غابت، فردها الله حتى صلى العصر، ووقفت له صبيحة ليلة الاسراء حين انتظر العير اذا خبر بوصولها حين شروق الشمس فقيل فى ذلك كله. وفى قصة يوشع ردت الى ورائها، وقيل: وقفت ولم تسر، وقيل: بطئت حركتها ومر التصريح ببعض ذلك فى بعض الروايات، وبعد ما فرغ يوشع من قتال الجبارين اجتمعت عليه خمسة ملوك فهزمهم بنو اسرائيل حتى أهبطوهم الى مدينة جوران، ورماهم الله بأحجار البرد، فكان من قتلهم البرد أكثر ممن قتله بنو اسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك، واجتمعوا فى غار فأمر بهم يوشع فأخرجوا فقتلهم وصلبهم وطرحهم فى ذلك الغار، وتتبع سائر ملوك الشام واحداً بعد واحد حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشام كلها لبنى اسرائيل، وفرق عماله فى نواحيها. ثم جمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله الى يوشع أن فيها غلولا فدهنهم كالب بعود فمن لصقت يده بيدك ففيه غلول، فالتصقت يد رجل بيده فقال: هات ما عندك فأتاه برأس من ذهب مكلل بالياقوت قد غله، فجعله يوشع فى القربان مع الرجل، فجعل كل من غل شيئاً يأتى به، فأكلت النار جميع ذلك مع الرجل الذى أغل الرأس. قال أبو هريرة: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غزا نبى من الأنبياء فقال: لا يتبعنى رجل كان قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها، ولا من بنى بناء لم يرفع سقفه، ولا من اشترى غنما أو خلفات ينتظر أولادها، فغزا فدنى الى القرية حين صلوا العصر قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها على ساعة فحبست له حتى فتح الله عليه، وقال: قال الله: فيهم غلول وأمره أن يبايعوه، فقال: ليبايعنى من كل قبيلة منكم رجل، فالتصقت يد رجل بيده، فقال له: فيكم غلول، فاذهب فابحث عنه فى قومك، فمضى فرجع اليه برأس بقرة ذهباً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم تحل الغنائم لأحد قبلنا" تفسير : ونبأ الله كالب بعد يوشع. قال محمد بن اسحاق: كان موسى عليه السلام يكره الموت، فأراد الله أن يحببه اليه ويكره له الحياة، فنبأ يوشع بن نون، وكان يغدو ويروح اليه، فيقول له موسى: يا نبى الله ما أحدث الله اليك؟ فيقول له يوشع: يا نبى الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل كنت أسألك عن شىء مما أحدث الله اليك حتى كنت أنت الذى تبدينى به وتذكره، فأحب موسى الموت. وعن عبد الصمد بن معقل: سمعت وهباً يقول: من كرامات موسى عليه السلام أنه لما ضاق ببنى اسرائيل وأوحى الله تعالى الى ألف نبى يكونون له عوناً، فلما مالوا اليهم وجد فى نفسه غيرة، فأماتهم الله لكرامته فى وقت واحد، وذكروا من شأن قصة موت هارون قبله. عن السدى: أوحى الله الى موسى عليه السلام أنى متوفى هارون، فأت به الى جبل كذا كذا، فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فاذا هم بشجرة لم ير مثلها، واذا ببيت مبنى عليه وفيه سرير عليه فراش، واذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون الى الفراش أعجبه فقال: يا موسى انى أحب أن أنام على هذا السرير، فقال: نم عليه، فقال: انى أخاف أن يأتى رب هذا البيت فيغضب على، فقال له موسى: لا تخف انى أكفيك رب هذا البيت، قال: يا موسى نم معى، فان جاء رب البيت غضب علينا جميعاً، ففعل ذلك فلما ناما جميعاً أخذ هارون الموت، ولما وجد هارون حس الموت قال: يا موسى خدعتنى. ولما قبض رفع ذلك البيت والسرير وهو فيه الى السماء، وذهبت الشجرة، ولما رجع موسى وليس معه هارون قال بنو اسرائيل: قتل موسى هارون لحبنا اياه حسداً، فقال لهم: ويحكم انه أخى أفترونى أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين، ثم دعا الله تعالى، فأنزل الله السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض، فصدقوه. وقال عمرو بن ميمون: مات هارون وموسى عليهما السلام فى التيه، ومات هارون قبل موسى، خرجا الى كهف فمات فدفنه موسى، وانصرف الى بنى اسرائيل، فقالوا: أين هارون؟ فقال: مات، قالوا: كذبت، ولكنك قتلته لحبنا اياه، وكان محببا، فتضرع الى ربه وشكا ما لقى منهم، فأوحى الله تعالى اليه أن ينطلق بهم الى قبره، فناداه: يا هارون، فخرج من قبره ينفط التراب عن رأسه، فقال له موسى: أنا قتلتك؟ قال: لا والله، ولكنى مت، قال: فعد الى مضجعك فانصرفوا عنه. وعن على بن أبى طالب: ذهب موسى وهارون الى الجبل وصعداه، فمات هارون فآذاه بنو اسرائيل بأنك قتلته، فأمر الله الملائكة فحملوه، فمروا به على بنى اسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته وبراءة موسى، وبرأه الله مما قالوا، ثم ان الملائكة حملوه فدفنوه، ولم يعلم أحد قبره الا الرخم فجعله الله أصم وأبكم. وعن أبى هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : جاء ملك الموت الى موسى عليه السلام فقال: أجب ربك، فلطمه مرتين على عينه ففقأها، فخرج ملك الموت الى الله تعالى فقال: انك أرسلتنى الى عبد لك لا يريد الموت، قد فقأ عينى، فرد الله عينه وقال: ارجع الى عبدى فقل له: ان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، أى ظهره، فما وارت يدك من شعره فانك تعيش به سنة، قال: ثم ماذا؟ قال: فانك تموت، قال: فالآن أمتنى، قال: ربى ادننى من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان ملك الموت كان يأتى الناس عياناً حتى أتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فكان ملك الموت بعد ذلك يجىء بخفية" . تفسير : وقال السدى فى خبر ذكره عن ابن عباس، وعن ابن مسعود، وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما موسى يمشى هو وقتادة يوشع ابن نون، اذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر اليها يوشع ظن أنها الساعة، فالتزم موسى عليه السلام وقال: يا قوم الساعة، فاستل موسى من تحت القميص، وترك القميص فى يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص، أخذته بنو اسرائيل وقالوا: قتلت نبى الله؟ قال: لا والله ما قتلته، ولكن استل منى فلم يصدقوه، وأرادوا قتله، فقال: اذا لم تصدقونى فاخرونى ثلاثة أيام، فدعا الله عز وجل، فرأى كل رجل منهم كان يحرسه فى المنام أن يوشع بن نون لم يقتل موسى، وأن الله تعالى قد رفعه أى أماته. وقال وهب بن منبه، خرج موسى عليه السلام لبعض حاجاته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبراً فأقبل على الملائكة ووقف عليهم، فاذا هم يحفرون قبراً لم ير قط شىء مثله، ولا أحسن منه، ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفره والله لعبد كريم على ربه، قال: ان هذا العبد من الله بمنزلة عظيمة، ما رأيت كاليوم مضجعاً مثله، فقالت الملائكة: يا نبى الله أتريد أن تكون ذلك؟ قال: وددت أن يكون ذلك لى، قالوا: فانزل فاضطجع فيه، فنزل فتوجه الى ربه، ثم تنفس فقبض روحه، ثم ردت عليه الملائكة التراب. وقيل: ان ملك الموت أتاه فقال له: يا موسى أشربت الخمر؟ قال: لا. فأسكته فقبض روحه، ويرى أن يوشع بن نون رأه بعد موته فقال له: كيف وجدت الموت يا نبى الله؟ قال: كشاة تسلخ وهى حية، وقيل: أتاه ملك الموت بتفاحة من الجنة فشمها، فقبض روحه، ويروى أنه لما مات موسى عليه السلام قال بعض الملائكة لبعض: مات موسى بن عمران، فمن الذى يطمع فى الحياة وعمره مائة وعشرون سنة، منها عشرون فى ملك أفريدون، ولا يعلم أحد أين قبره، وانما سأل موسى كما مر أدنى قبره من بيت المقدس رمية حجر لئلا يعرف الناس قبره، فيفتتنوا به ولشرف بيت المقدس، واستجاب الدفن فى مواضع الفضل والبركة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو كنت هنالك لأريكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ". تفسير : وانكر بعض الناس أن يلطم موسى ملك الموت عليهما السلام، وأجيب بأنه لم يعرف أنه ملك الموت، بل ظنه رجلا قصده بسوء فدفعه باللطمة، ولم يقصد فقأ عينه، ولا بأس لو قصد فقأها أيضا اذ ظهر له أنه أراده بقتل أو ما دونه، ولما علم أنه ملك الموت مرة أخرى استسلم له، وقيل لم يأته بعد ذلك عياناً كما رأيت، قيل: ويحتمل أن الله أذن له فى لطمه ابتلاء لملك الموت.

الالوسي

تفسير : {قَالَ فَإِنَّهَا} فإن الفاء فيه لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء فكان ذلك إثر الدعاء ونوع من المدعو به، وقد أخرج ابن جرير عن السدي قال: إن موسى عليه السلام غضب حين قال له القوم ما قالوا فدعا ـ وكان ذلك عجلة منه عليه السلام عجلها ـ فلما ضرب عليهم التيه ندم فأوحى الله تعالى عليه {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} والضمير المنصوب عائد إلى الأرض المقدسة أي فإنها لدعائك {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} لا يدخلونها ولا يملكونها، والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، ومثله قول امرىء القيس يصف فرسه:شعر : جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك (حرام) تفسير : يريد إني فارس لا يمكنك أن تصرعيني، وجوز أبو علي الجبائي ـ وإليه يشير كلام البلخي ـ أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر {أَرْبَعِينَ سَنَةً} متعلق ـ بمحرمة ـ فيكون التحريم مؤقتاً لا مؤبداً فلا يكون مخالفاً لظاهر قوله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21] والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة لكن ـ لا ـ بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي حسبما روي أن موسى عليه السلام سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض عليه السلام، وروى ذلك عن الحسن ومجاهد، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: {أية : لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً} تفسير : [المائدة: 24] وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشي من ذرياتهم، وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريمها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة. وقوله تعالى: {يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} استئناف لبيان كيفية حرمانهم، وقيل: حال من ضمير {عَلَيْهِمْ}، والتيه: الحيرة، ويقال: تاه يتيه ويتوه، وهو أتوه وأتيه، فهو مما تداخل فيه الواو والياء، والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق. وقيل: الظرف متعلق {يَتِيهُونَ}، وروى ذلك عن قتادة فكيون التيه مؤقتاً والتحريم مطلقاً يحتمل التأبيد وعدمه، وكان مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخاً في عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل، وقيل: اثني عشر فرسخاً في عرض ستة فراسخ، وقيل: ستة في عرض تسعة، وقيل: كان طولها ثلاثين ميلاً في عرض ستة فراسخ وهي ما بين مصر والشام، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصبحون ـ كما قاله الحسن. ومجاهد ـ قيل: وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا: {أية : إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] عوقبوا بما يشبه القعود، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوي فيه الجاهل. وقيل: لأنهم عبدوا العجل أربعين يوماً فجعل عقاب كل يوم سنة في التيه وليس بشيء، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة، ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض. وقال أبو علي الجبائي: إنه كان بتحول الأرض التي هم عليها وقت نومهم ويغني الله تعالى عن قبوله. / وروي أنه كان الغمام يظلهم من حر الشمس وينزل عليهم المنّ والسلوى، وجعل معهم حجر موسى عليه السلام يتفجر منه الماء دفعاً لعطشهم، قيل: ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم ولا يطول شعرهم ولا تبلى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس، وكانت تشب معهم إذا شبوا كما روى عن طاوس. وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ولا يبلى إلى غير ذلك مما ذكروه. والعادة تبعد كثيراً منه فلا يقبل إلا ما صح عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه فقال: إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم، وحفظها الله تعالى لكبارهم وصغارهم فذكرت له حديث الظفر، فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له: هي فضيلة فهلا أثبتها لقومك؟ فقال: لا أرضى بالكذب ثوباً، واستشكل معاملتهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة، وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى، وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطع عنه معروفه، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم، وأكثر المفسرين على أن موسى وهارون عليهما السلام كانا معهم في التيه لكن لم ينلهما من المشقة ما نالهم، وكان ذلك لهما روحاً وسلامة كالنار لإبراهيم عليه السلام، ولعل الرجلين أيضاً كانا كذلك. وروي أن هارون مات في التيه واتهم به موسى عليهما السلام فقالوا: قتله لحبنا له فأحياه الله تعالى بتضرعه، فبرأه مما يقولون، وعاد إلى مضجعه، ومات موسى عليه السلام بعده بسنة، وقيل: بستة أشهر ونصف، وقيل: بثمانية أعوام، ودخل يوشع أريحاء بعده بثلاثة أشهر، وقال قتادة: بشهرين، وكان قد نبىء قبل بمن بقي من بني إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم، قيل ـ ولا يساعده النظم الكريم ـ فإنه بعدما قبل دعوته عليه السلام على بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا، ويقدر وفاة النبيين عليهما السلام في محل العقوبة ظاهراً، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة، وأنت تعلم أن الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرة لا سيما الأخبار بموت هارون عليه السلام، ولا أرى للاستبعاد محلاً، ولعل ذلك أنكى لبني إسرائيل. وقيل: إنهما عليهما السلام لم يكونا مع بني إسرائيل في التيه، وأن الدعاء ـ وقد أجيب ـ كان بالفرق بمعنى المباعدة في المكان بالدنيا، وأرى هذا القول مما لا يكاد يصح، فإن كثيراً من الآيات كالنص في وجود موسى عليه السلام معهم فيه كما لا يخفى. {فَلاَ تَأْسَ} أي فلا تحزن لموتهم، أو لما أصابهم فيه من الأسى ـ وهو الحزن ـ {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} الذين استجيب لك في الدعاء عليهم لفسقهم؛ فالخطاب لموسى عليه السلام كما هو الظاهر، وإليه ذهب أجلة المفسرين. وقال الزجاج: إنه للنبـي صلى الله عليه وسلم، والمراد ـ بالقوم الفاسقين ـ معاصروه عليه الصلاة والسلام من بني إسرائيل كأنه قيل: هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك فإنهم ورثوا ذلك عنهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْفَاسِقِينَ} (26) - فَلَمَّا دَعَا مُوسَى عَلَيهم، حِينَ نَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ، قَضَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ حَرَّمَ عَلَيهِمْ دُخُولَها أربعينَ سَنَةً، يَتِيهُونَ خِلاَلَهَا فِي الأرْضِ (أيْ فِي صَحْراءِ سِينَاءَ)، وَيَبْقَوْنَ مُتَحَيِّرِينَ مُتَرَدِّدينَ، لاَ يَدْرُونَ مَصِيرَهُمْ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ، خِلاَلَ المُدَّةِ التِي قَضَاهَا اللهُ عَلَيْهِمْ. وَخِلاَلَ وُجُودِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ تُوُفِّي مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وَتَوَلَّى قِيَادَةَ بَني إسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ (وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَجَعَلَهُ الله نَبِيّاً فِيهِمْ، وَتُوُفِّيَ أكْثَرُ الجِيلِ القَدِيمِ، وَنَشَأ فِي الصَّحْرَاءِ وَالحُرِّيَّةِ جِيلٌ جَدِيدٌ. فَلَمَّا انْقَضَتِ المُدَّةُ التِي قَضَاهَا اللهُ عَلَيهِمْ، خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ إلى إحْدَى المُدُنِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَها. ثُمَّ سَلَّى اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَأسَفْ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيعاً لِليَهُودِ، وَبَياناً لِفَضَائِحِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَأمْرَ رَسُولِهِ، ونكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا. يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ - يَضِلُّونَ فِي الأرْضِ وَيَسيرُونَ عَلَى غَيرِ هُدىً. فَلاَ تَأسَ - فَلاَ تَحْزَنْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهل كان التحريم مدته أربعون عاما؟ أو أنه قال: "إنها مُحرّمة عليهم" وانتهى الأمر لأنهم تَأَبّوا على أن يدخلوها؟. ولذلك فكل الذين قالوا: "لن ندخلها أبداً ماداموا فيها" لم يعش منهم أحد ليدخل هذه الأرض. وبعد ذلك صدر الحكم الآتي: {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} فهل هذا القول هو استئناف للقول السابق فيكون ظرفاً لـ "مُحرّمة". أو هو حكم منفصل؟. تصح هذه، وتصح تلك. والتيه هو كما نقول: فلان تاه أي سار على غير هدى ولا يعرف لنفسه مدخلاً ولا مخرجاً، والواحد عندما يدخل في مجال متشعب المسالك ومتعرج الطرقات، فهو لا يعرف كيفية الخروج منه، هذا هو التيه. ولكن كم فرسخاً هي مساحة التيه؟. حدّدها العلماء بستة فراسخ [والفرسخ قدر ثلاثة أميال]. كيف يتيهون في تلك المساحة الضيقة من الأرض؟ لقد أراد الله ذلك؛ لأنهم ساعة يمشون ويرهقون فينامون ويأتي عليهم الصباح ليجدوا أنفسهم عند النقطة التي بدأوا منها، وكانوا يضعون العلامات لإيضاح الطريق، لكنهم كل صباح كانوا يجدون العلامات قد انتقلت من مكانها. وظلّوا على هذا الوضع وفي هذا التيه إلى الأمد والوقت الذي حدده الله وهو أربعون سنة يتيهون في الأرض. وحين يؤدبّ الله عاصياً يحفظ له من القوت والرزق ما يبقى به حياته ولو كان كافراً؛ لأنه سبحانه هو الذي استدعاهم إلى الوجود، ولهذا لم يضنّ عليهم في التيه بما لم يضنّ به على الكافرين به سبحانه. إذن حفظ الحياة أمر ضروري. وعنما يرتكب إنسانٌ مَا ذنباً كبيراً في حق المجتمع فإننا نضعه في السجن، ولكننا نطعمه ونسقيه، وعندما يرتقي المجتمع الإنساني، فهو يوفّر للسّجين عملاً يتناسب مع مواهبه ويحبس عنه حُرية الحركة في المجتمع، والسجين المذنب يظل في السجن، ولكنه يأكل ويشرب وينام ويعمل، فقط تختلف المسألة في النقطة المهمة في الحياة وهي أن يتحرك المتحرك وفق حريته، فما بالنا بالحق الأعظم عندما سجنهم في التيه؟. لقد أطعمهم الله وسقاهم وأنزل عليهم المَنّ والسَّلوى. وقد يقول قائل: إن الله قد أنزل عليهم المَنّ والسَّلوى ليعيشوا كُسَالى وغّرقى في التَكبر والغرور. ونقول: لا. فذلك الإجراء الإلهي من ضمن حكمه البالغة أن يطيل عليهم الوقت. فلو أنه سبحانه وتعالى قد جعلهم يزرعون ويحرثون لانشغلوا بأمور الحياة اليومية، لكن الحق أراد أن يُطيل عليهم الإحساس بالزمن. فالمسألة ليست طعاماً وشراباً. ولكن هناك كرامة فوق الطعام وفوق الشراب. إننا نرى ذلك عندما نسمع عن اعتقالات لبعض الأفراد الذين أساءوا للمجتمع. وتسمح لهم السلطات بالطعام الذي يأتيهم من منازلهم. ولكنَّ هؤلاء المعتقلين يشعرون بالضيق من تقييد الحركة. إذن أراد الحق لهم عقاباً صارماً في فترة التيه. ولذلك نجد بعضهم يحسب المسألة والزمن في فترة التيه، فيقول الواحد منهم ما ذكره الحق: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} تفسير : [الأعراف: 142] وبعد أن رحل موسى عن القوم عبدوا العجل الذي صنعه لهم موسى السامريّ، وعاد إليهم موسى وعاتب أخاه هارون العتاب القاسي، وعاقبهم ربهم على كفرهم أربعين سنة. كأن كل يوم من عبادة العجل صار سنة من العقاب في التيه. ولأنه رَبُّ ورحيم لم يتركهم دون أن يحفظ لهم حياتهم بالقوت، فكان القوت هو المَنّ والسَّلوى. هل كان موسى عليه السلام معهم في التيه أم لا؟ وهل مات معهم في التيه أم لا.؟ تلك أسئلة لا تهمنا الإجابة عنها بالرغم من أن بعض العلماء قد شغلوا أنفسهم بها؛ فتلك أمور لا تنفع ولا تضر. المهم أن بني إسرائيل لم يدخلوا أريحا إلا على يد يوشع بن نون بعد الأربعين سنة: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 25-26] ولنا أن نقرأ هذا القول الحكيم كما يلي: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ}. وهذا الوقف يعطينا الفهم بأن الأرض المقدسة صارت مُحَّرمة عليهم إلى الأبد. وبعد ذلك يأتي أمر الله بعقابهم في التيه أربعين سنة: {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. أما لو قرأنا هذا القول الحكيم كما يلي: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} فهذه القراءة تتيح لنا الفهم بأن مدة العقوبة لهؤلاء القوم الفاسقين أربعون سنة في التيه. ودخلوا بعدها مدينة أريحا. ويأمر الحق موسى ألاَّ يحزن على هؤلاء القوم الفاسقين، ذلك أن موسى عليه السلام عندما دعا الله بقوله: { فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا} انتابه قدرٌ من الضّيق من هذا الدُّعاء وقال لنفسه: لماذا لم أدعُ لهم بالهداية بدلاً من أن أدعو بالفراق؟، ولذلك قال له الحق: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي فلا تحزن عليهم لأنهم أَّوْلَى بالعذاب لفسقهم ومخالفاتهم. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} معناهُ يَحُورُونَ.

همام الصنعاني

تفسير : 753- عبد الرزاق، عمن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}؛ [الآية: 26]، يعني الشام، على بني إسرائيل يَتِيهون في الأرض لا يأوون إلى قرية، فعنْدَ ذلك أظَلَّهُمْ اللهُ بالغَمامِ تبركاً وأنْزَلَ عليهم المنَّ والسلوى، وفي تيههم ذلك ضرب موسى بعصاه الحجر فكانت تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً لكل سبط منهم عين، قال: وكانوا يحملونه فإذا ضربه بعَصَاهُ تَفَجَّرَت. 754- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن بني إسرائيل كانت تَشُبُّ معهم يثابهم إذا كانوا صغاراً في تيههم لا تبلى.