٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق}وفي الآية مسائل المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى قال فيما تقدم{أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } تفسير : [المائدة: 11] فذكر تعالى أن الأعداء/ يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصاً كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسداً وبغياً، فذكر أولاً قصة النقباء الاثنى عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة، وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدين الحق، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر حسداً منه على أن الله تعالى قبل قربانه، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود، فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة. والثاني: أن هذا متعلق بقوله {أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير } تفسير : [المائدة: 15] وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة، والثالث: أن هذه القصة متعلقة بما قبلها، وهي قصة محاربة الجبارين، أي اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر. والرابع: قيل هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبياً معظماً عند الله تعالى. الخامس: لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم حسداً أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة، والمقصود منه التحذير عن الحسد. المسألة الثانية: قوله {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } فيه قولان: أحدهما: واتل على الناس. والثاني: واتل على أهل الكتاب، وفي قوله {ٱبْنَىْ ءادَمَ } قولان: الأول: أنهما ابنا آدم من صلبه، وهما هابيل وقابيل. وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان: أحدهما: أن هابيل كان صاحب غنم، وقابيل كان صاحب زرع، فقرب كل واحد منهما قرباناً، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قرباناً، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل قربانه فحسده وقصد قتله، وثانيهما: ما روي أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن الغلام من بطن آخر، فولد له قابيل وتوأمته، وبعدهما هابيل وتوأمته، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس وجهاً، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل، فأبى قابيل ذلك وقال أن أحق بها، وهو أحق بأخته، وليس هذا من الله تعالى، وإنما هو رأيك، فقال آدم عليه السلام لهما: قربا قرباناً، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه، فقبل الله تعالى قربان هابيل بأن أنزل الله تعالى على قربانه ناراً، فقتله قابيل حسداً له. والقول الثاني: وهو قول الحسن والضحاك: أن ابنى آدم اللذين قربا قرباناً ما كان ابني آدم لصلبه،وإنما كانا رجلين من بني اسرائيل.قالا: والدليل عليه قوله تعالى في آخر القصة {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جميعاً } تفسير : [المائدة: 32] إذ من الظاهر أن صدور هذا الذنب من أحد ابنى آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سبباً لإيجاب القصاص عليهم زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب. ومما يدل على ذلك أيضاً أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبداً من قديم الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل الله قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد، فإنه لما شاهد أن قربان صاحبه مقبول عند الله تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن الاعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات، وإذا كان المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن يقال: هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل. واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار، وفي الآية أيضاً ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر، وهو الحق والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله {بِٱلْحَقّ } فيه وجوه: الأول: بالحق، أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى. والثاني: أي تلاوة متلبسة بالصدق والحق موافقة لما في التوراة والإنجيل. الثالث: بالحق، أي بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد، لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبون عليه. الرابع: بالحق، أي ليعتبروا به لا ليحملوه على اللعب والباطل مثل كثير من الأقاصيص التي لا فائدة فيها، وإنما هي لهو الحديث، وهذا يدل على أن المقصود بالذكر من الأقاصيص والقصص في القرآن العبرة لا مجرد الحكاية، ونظيره قوله تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى ٱلالْبَـٰبِ } تفسير : [يوسف: 111]. ثم قال تعالى: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذ: نصب بماذا؟ فيه قولان الأول: أنه نصب بالنبأ، أي قصتهم في ذلك الوقت. الثاني: يجوز أن يكون بدلاً من النبأ أي واتل عليهم من النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف. المسألة الثانية: القربان: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة، ومضى الكلام على القربان في سورة آل عمران. المسألة الثالثة: تقدير الكلام وهو قوله {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً } قرب كل واحد منهما قربانا إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم، لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد قربانا. وقيل: إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد، وأيضاً فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثنى ولا يجمع. ثم قال تعالى: {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلاْخَرِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل: كانت علامة القبول أن تأكله النار وهو قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: علامة الرد أن تأكله النار، والأول أولى لاتفاق أكثر المفسرين عليه. وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت النار تنزل من السماء فتأكله. المسألة الثانية: إنما صار القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال. قال تعالى هٰهنا حكاية عن المحق {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } تفسير : [الحج: 37] فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : التقوى هٰهنا» تفسير : وأشار إلى القلب، وحقيقة التقوى أمور: أحدها: أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقى بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير، وثانيها: أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى. وثالثها: أن يتقى أن يكون لغير الله فيه شركة، وما أصعب رعاية هذه الشرائط! وقيل في هذه القصة: إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه. وقيل: إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل. وقيل: كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة، فلذلك لم يقبل الله قربانه. ثم حكى الله تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل {ٱقتلنك} فقال هابيل { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } وفي الكلام حذف، والتقدير: كأن هابيل قال: لم تقتلني؟ قال لأن قربانك صار مقبولاً، فقال هابيل: وما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. وقيل: هذا من كلام الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم اعتراضاً بين القصة، كأنه تعالى بيّـن لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقياً. ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ آدَمَ بِٱلْحَقِّ} الآية. وجه ٱتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ٱبن آدم لأخيه. المعنى: إن هَمَّ هؤلاء اليهود بالفَتْك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء، وقتل قابيل هابيل، والشَّر قديم. أي ذكّرهم هذه القصّة فهي قصة صِدق، لا كالأحاديث الموضوعة؛ وفي ذلك تَبْكِيتٌ لمن خالف الإسلام، وتسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم. وٱختلف في ٱبني آدم، فقال الحسن البصري: ليسا لصُلبه، كانا رجلين من بني إسرائيل ـ ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود ـ وكان بينهما خصومة، فتقرّبا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال ٱبن عطية: وهذا وَهْمٌ، وكيف يجهل صورة الدّفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناهُ لصلبه؛ هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ٱبن عباس وٱبن عمر وغيرهما؛ وهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حُزمة من سُنْبل ـ لأنه كان صاحب زرع ـ وٱختارها من أرْدإ زرعه، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها. وكان قربان هابيل كبشاً ـ لأنه كان صاحب غنم ـ أخذه من أجود غنمهِ.{فَتُقُبِّلَ} فَرُفِع إلى الجنّة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فُدِي به الذبيح عليه السلام؛ قاله سعيد بن جُبَير وغيره. فلما تُقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمناً ـ قال له قابيل حسداً: ـ لأنه كان كافراً ـ أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل منيٰ؟ {لأَقْتُلَنَّكَ}. وقيل: سبب هذا القُرْبان أن حوّاء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى ـ إلاّ شيثاً عليه السلام فإنها ولدته منفرداً عوضاً من هابيل على ما يأتي، وٱسمه هبة الله؛ لأن جبريل عليه السلام قال لحوّاء لما ولدته: هذا هبة الله لك بدل هابيل. وكان آدم يوم ولد شِيث ٱبن ثلاثين ومائة سنة ـ وكان يزوّج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته تَوْءمته؛ فولدت مع قابيل أختاً جميلة وآسمها إقليمياء، ومع هابيل أختاً ليست كذلك وآسمها ليوذا؛ فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر؛ فاتفقوا على التقريب؛ قاله جماعة من المفسرين منهم ٱبن مسعود. وروى أن آدم حَضَر ذلك. والله أعلم. وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق: أن آدم لم يكن يزوّج ٱبنته من ٱبنه؛ ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان دين آدم إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحوّاء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حوّاء بنتاً فسماها عناقاً فبغت، وهي أوّ ل من بَغَى على وجه الأرض؛ فَسَلط الله عليها من قتلها، ثم ولدت لآدم قابيل، ثم ولدت له هابيل فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنيَّة من ولد الجن، يُقال لها جمالة في صورة إنسيَّة، وأوحى الله لآدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه؛ فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حُورِية في صفة إنسية وخلق لها رحماً، وكان ٱسمها بزلة، فلما نظر إليها هابيل أحبها؛ فأوحى الله إلى آدم أن زوّج بزلة من هابيل ففعل. فقال قابيل: يا أبت ألستُ أكبر من أخي؟ قال: نعم. قال: فكنت أحق بما فعلت به منه ٰ فقال له آدم: يا بني إن الله قد أمرني بذلك، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ فقال: لا والله ولكنك آثرته علي. فقال آدم: «فقرِّبا قرباناً فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل». قلت: هذه القصة عن جعفر ما أظنها تصح، وأن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوّج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن. والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى: { أية : ياأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } تفسير : [النساء: 1] وهذا كالنص ثم نسخ ذلك، حسبما تقدّم بيانه في سورة «البقرة». وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطناً؛ أولهم قابيل وتوءمته إقليمياء، وآخرهم عبد المغيث. ثم بارك الله في نسل آدم. قال ٱبن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً. وما روى عن جعفر ـ من قوله: فولدت بنتاً وأنها بغت ـ فيقال: مع من بغت؟ أمع جِني تسوّل لها! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر، وذلك معدوم. والله أعلم. الثانية ـ وفي قول هابيل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} كلام قبله محذوف؛ لأنه لما قال له قابيل: {لأَقْتُلَنَّكَ} قال له: ولم تقتلني وأنا لم أجنِ شيئاً؟، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني، أما إني ٱتقيته وكنتُ علي لاحِبِ الحق وإنما يتقبل الله من المتقين. قال ٱبن عطية: المراد بالتقوى هنا ٱتقاء الشرك بإجماع أهل السّنة؛ فمن ٱتقاه وهو موحِّد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة؛ وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة؛ علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلاً. وقال عدِي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة. قلت: وهذا خاص في نوع من العبادات. وقد رَوى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي ولياً فقد اذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما ٱفترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينهُ ولئن ٱستعاذني لأعيذنّه وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته ».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مبيناً وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور، وهما قابيل وهابيل؛ كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله؛ بغياً عليه، وحسداً له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل، ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءْادَمَ بِٱلْحَقِّ}، أي: اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: {بِٱلْحَقِّ} أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [آل عمران: 62]. وقوله تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الكهف: 13] وقال: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ}، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى: شرع لآدم عليه السلام، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا أن يقربا قرباناً، فمن تقبل منه، فهي له، فتقبّل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. ذكر أقوال المفسرين ههنا قال السدي فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: هابيل وقابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى، وأنهما قربا قرباناً إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله عز وجل: هل تعلم أن لي بيتاً في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إن لي بيتاً في مكة، فأته، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم، قربا قرباناً، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي، فلما قربا، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها، فنزلت النار، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني ابن خثيم قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس، قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك، إذ ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك، وأنكحك أختي، فقال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قرباناً، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. إسناد جيد. وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: وقوله: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً} فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه، فقبل الله الكبش، فخزنه في الجنة أربعين خريفاً، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام، إسناد جيد. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً، فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه: الكودن والزؤان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله عز وجل، تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما صاحب غنم، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره؛ من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان، قربه لله عز وجل، فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم عليه السلام، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد ابن علي بن الحسين، قال: قال آدم عليه السلام لهابيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان، فقربا قرباناً حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما، فقربا، وكان هابيل صاحب غنم، فقرب أكولة غنم خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب مشاقة من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم: آدم وهما، ينظرون إلى القربان، فبعث الله ناراً، حتى إذا كانت فوقهما، دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا، وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل رد عليك قربانك، فقال قابيل: أحببته فصليت على قربانه، ودعوت له فتقبل قربانه، ورد علي قرباني، فقال قابيل لهابيل: لأقتلنك وأستريح منك، دعا لك أبوك، فصلى على قربانك، فتقبل منك، وكان يتواعده بالقتل إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل أين أخوك؟ قال: وبعثتني له راعياً؟ لا أدري، فقال آدم: ويلك يا قابيل انطلق فاطلب أخاك، فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله، وأخذ معه حديدة، فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك، ورد علي قرباني، لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين، فلما قالها، غضب قابيل، فرفع الحديدة، وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله، فطرحه في جوبة من الأرض، وحثى عليه شيئاً من التراب. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره؛ تكرماً عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي، ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه، وأرادها لنفسه، والله أعلم أي ذلك كان، فقال له أبوه: يا بني، إنها لا تحل لك، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرّب قرباناً، ويقرب أخوك هابيل قرباناً، فأيكما تقبل قربانه، فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحاً، وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله ناراً بيضاء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله، رواه ابن جرير. وروى العوفي عن ابن عباس قال: من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قربنا قرباناً، وكان الرجل إذا قرب قرباناً، فرضيه الله، أرسل إليه ناراً فتأكله، وإن لم يكن رضيه الله، خبت النار، فقربا قرباناً، وكان أحدهما راعياً، وكان الآخر حراثاً، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار، فنزلت بينهما، فأكلت الشاة، وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس، وقد علموا أنك قربت قرباناً، فتقبل منك، ورد علي؟ فلا والله لا ينظر الناس إليّ، وأنت خير مني،فقال: لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير.فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب،ولا عن تدارؤ في امرأة؛ كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده بقبول قربانه دونه، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح، وهو مناسب، والله أعلم، ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف، وهوالمشهور عن مجاهد أيضاً، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل، وهو المتقبل منه،وهذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيداً، والله أعلم. ومعنى قوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني صفوان بن عمرو عن تميم، يعني: ابن مالك المقري، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة، أحب إليّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عمران حدثنا إسحاق بن سليمان، يعني: الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالساً عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف، من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة، فيمرون إلى الجنة. وقوله: { لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، {إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب. قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج، يعني: الورع، ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا تواجه المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار» تفسير : قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله، عن بُسْر بن سعيد: أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» تفسير : قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي، فبسط يده إليّ ليقتلني؟ فقال: «حديث : كن كابن آدم» تفسير : وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد، وقال: هذا حديث حسن. وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة. ورواه بعضهم عن الليث بن سعد، وزاد في الإسناد رجلاً، قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي، قلت: وقد رواه أبو داود من طريقه، فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا الفضل عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بُسْر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلمفي هذا الحديث قال: فقلت: يارسول الله، أرأيت إن دخل بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كن كابن آدم» تفسير : وتلا: { لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لَعثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه،رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم، حدثني أبوعمران الجوني عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: ركب النبي صلى الله عليه وسلم حماراً أردفني خلفه، وقال: «حديث : يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد، لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟» تفسير : قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : تعفف»تفسير : ، قال: «حديث : يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد، يكون البيت فيه بالعبد يعني: القبر، كيف تصنع؟» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : اصبر» تفسير : قال: «حديث : يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً، يعني: حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟» تفسير : قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك» تفسير : قال: فإن لم أترك؟ قال: «حديث : فأت من أنت منهم، فكن منهم» تفسير : قال: فآخذ سلاحي؟ قال: «حديث : فإذاً تشاركهم فيماهم فيه، ولكن إذا خشيت أن يردعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك»تفسير : ، ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي، من طرق عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت به، ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه، قال أبو داود: ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد ابن زيد، وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة، فسمعت رجلاً يقول: سمعت هذا يقول في ناس: مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لئن اقتتلتم، لأنظرن إلى أقصى بيت في داري، فلألجنه، فلئن دخل علي فلان، لأقولن: ها، بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم»تفسير : وقوله: { إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} أي: بإثم قتلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك، قاله ابن جرير. وقال آخرون: يعني بذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي، وهذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطاً؛ لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه، يعني: ما رواه سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى} قال: بقتلك إياي، {وَإِثْمِكَ} قال: بما كان منك قبل ذلك، وكذا رواه عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله، وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعاً. (قلت): وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له: «حديث : ما ترك القاتل على المقتول من ذنب» تفسير : وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثاً يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه» تفسير : وهذا بهذا لا يصح، ولو صح، فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل، فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت، ولم يستوف حقه، أخذ من سيئات المقتول، فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم. وأما ابن جرير فقال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى} وأما معنى: {وَإِثْمِكَ}، فهو إثمه، يعني: قتله، وذلك معصيته الله عز وجل في أعمال سواه، وإنما قلنا: ذلك هو الصواب؛ لإجماع أهل التأويل عليه، وأن الله عز وجل أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له، أو عليه، وإذا كان هذا حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذاً بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم، وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله، هذا لفظه، ثم أورد على هذا سؤالاً حاصله: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله، وإثم نفسه، مع أن قتله له محرم؟ وأجاب بما حاصله: أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف عنه يده طالباً إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه، قلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجراً له لو انزجر، ولهذا قال: {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} أي: تتحمل إثمي وإثمك، {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وقال ابن عباس: خوفه بالنار، فلم ينته، ولم ينزجر. وقوله تعالى: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي: فحسنت وسولت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه، فقتله، أي: بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر، وقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر، وهو محمد بن علي بن الحسين: أنه قتله بحديدة في يده، وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فطوعت له نفسه قتل أخيه، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له، وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ بها رأسه، فمات فتركه بالعراء، رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقاً وعضاً؛ كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله، جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة، ووضع رأسها على حجر، ثم أخذ حجراً آخر، فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك، رواه ابن أبي حاتم. وقال عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه، ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس، فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة، فاطرحها على رأسه،قال: فأخذها، فألقاها عليه، فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً، فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت، قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: مالك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرتين، فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبنيّ منها برآء، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي: في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه؟ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقتل نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل»تفسير : وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال: وقال عبد الله بن عمرو: إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة، العذاب عليه شطر عذابهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم أنه حدث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلاً لابنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شر، وذلك أنه أول من سن القتل. وقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه. ورواه ابن جرير أيضاً. وقوله تعالى: { فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة رضي الله عنهم: لما مات الغلام، تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: {يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى}. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب إلى غراب ميت، فحثى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: {يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى}. وقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ} فدفن أخاه. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتاً، لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: {يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال عطية العوفي: لما قتله، ندم، فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، رواه ابن جرير. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي: لم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل في بني آدم، وأول ميت، { فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ}. قال: وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل، قال له الله عز وجل: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيباً، فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون في الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعاً تائهاً في الأرض. وقوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: «حديث : إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل» تفسير : وهذا ظاهر جلي، ولكن قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو، عن الحسن، هو البصري، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن اللذان قال الله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءْادَمَ بِٱلْحَقِّ} من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات، وهذا غريب جداً، وفي إسناده نظر، وقد قال عبد الرزاق، عن معمر عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن ابني آدم عليه السلام ضربا لهذه الأمة مثلاً، فخذوا بالخير منهما» تفسير : ورواه ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً، فخذوا من خيرهم، ودعوا شرهم»تفسير : ، وكذا أرسل هذا الحديث بكير بن عبد الله المزني، روى ذلك كله ابن جرير. وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزيناً لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حياك الله وبياك، أي: أضحكك، رواه ابن جرير، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال: قال علي بن أبي طالب: لما قتل ابن آدم أخاه، بكاه آدم فقال:شعر : تَغَيَّرَتِ البلادُ ومَنْ عَلَيْها فَلَوْنُ الأَرْضِ مُغْبرٌّ قَبيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذي لَوْنٍ وطَعْمٍ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ المليحِ تفسير : فأجيب آدم عليه الصلاة والسلام:شعر : أبا هابيلَ قَدْ قُتِلا جَميعاً وصارَ الحَيُّ كالمَيْتِ الذبيحِ وجاءَ بشرّة قد كانَ منِها على خَوْفٍ فجاءَ بها يَصيحُ تفسير : والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة؛ كما ذكره مجاهد وابن جبير؛ أنه علقت ساقه بفخذه إلى يوم القيامة، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت؛ عقوبة له وتنكيلاً به، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم» تفسير : وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتْلُ } يا محمد {عَلَيْهِمْ } على قومك {نَبَأَ } خبر {ٱبْنَىْ ءَادَمَ} هابيل وقابيل {بِٱلْحَقِّ } متعلق باتل {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً } إلى الله وهو كبش لهابيل وزرع لقابيل {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا } وهو هابيل بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلأَخَرِ } وهو قابيل فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم {قَالَ } له {لأَقْتُلَنَّكَ } قال: لِمَ؟ قال لتقبل قربانك دوني {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشرّ أصيل. وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين، هل هما لصلبه أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأوّل. وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا: إنهما كانا من بني إسرائيل، فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة، فتقرّبا بقربانين ولم تكن القاربين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية: وهذا وهم كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم: واسمهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل، لأنه كان صاحب زرع واختارها من أراد زرعه، حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشاً؛ لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه، فتقبل قربان هابيل، فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام، كذا قال جماعة من السلف، ولم يتقبل قربان قابيل، فحسده وقال لأقتلنك. وقيل: سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى، إلا شيثاً عليه السلام فإنها ولدته منفرداً، وكان آدم عليه السلام يزّوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من البطن الآخر. ولا تحلّ له أخته التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت واسمها إقليما، ومع هابيل أخت ليست كذلك، واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل:أناأحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على القربان،وأنه يتزوجها من تقبل قربانه. قوله: {بِٱلْحَقّ } متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر، {وَٱتْلُ } أي: تلاوة متلبسة بالحق، أو صفة لنبأ: أي: نبأ متلبساً بالحق، والمراد بأحدهما هابيل وبالآخر قابيل، و {قَالَ للأَقْتُلَنَّكَ} استئناف بياني، كأنه قيل فماذا حال الذي لم يتقبل قربانه؟ وقوله: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } استئناف كالأوّل كأنه قيل: فماذا قال الذي تقبل قربانه؟ وإنما للحصر: أي إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه: إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك. قوله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى } أي لأن قصدت قتلي، واللام هي الموطئة، و {مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } جواب القسم سادّ مسدّ جواب الشرط، وهذا استسلام للقتل من هابيل، كما ورد في الحديث: «حديث : إذا كانت الفتنة فكن خير ابني آدم"تفسير : ، وتلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً وأن لا يمتنع ممن يريد قتله، قال القرطبي: قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف. والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، وفي الحشوية قوم لا يجوّزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذرّ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكفّ اليد عند الشبهة، على ما بيناه في كتاب التذكرة، انتهى كلام القرطبي. وحديث أبي ذرّ المشار إليه هو عند مسلم، وأهل السنن إلا النسائي، وفيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : يا أبا ذرّ أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً كيف تصنع؟"تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حديث : اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك"تفسير : ، قال: فإن لم أترك، قال: "حديث : فأت من أنت منهم فكن فيهم"تفسير : ، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: "حديث : إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك»تفسير : . وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وخباب بن الأرثّ وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى. قوله: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } هذا تعليل لامتناعه من المقاتلة، بعد التعليل الأوّل وهو: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. اختلف المفسرون في المعنى فقيل: أراد هابيل إني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي؛ وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب سيأتي، فيطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك في قتلي. وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه»تفسير : ، ومثله قوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ }تفسير : [العنكبوت: 13] وقيل المعنى: إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } تفسير : [النحل: 15] أي: أن لا تميد بكم. وقوله: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] أي: لا تضلوا. وقال أكثر العلماء: إن المعنى: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى } أي: بإثم قتلك لي: {وَإِثْمِكَ } الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة المفسرين وقيل هو على وجه الإنكار: أي: أو إني أريد على وجه الإنكار كقوله تعالى {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ } تفسير : [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة. قاله القشيري، ووجهه بأن إرادة القتل معصية. وسئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال: وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل، وهذا بعيد جدّاً، وكذلك الذي قبله. وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل: {أية : وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 112] أي: رجعوا. قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصوّرت له أن قتل أخيه طوع يده سهل عليه، يقال تطوّع الشيء: أي سهل وانقاد وطوعه فلان له: أي سهله. قال الهروي: طوّعت وطاوعت واحد، يقال طاع له كذا: إذا أتاه طوعاً، وفي ذكر تطويع نفسه له بعد ما تقدّم من قول قابيل {لأَقْتُلَنَّكَ } وقول هابيل {لِتَقْتُلَنِى } دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة. قوله {فَقَتَلَهُ }. قال ابن جرير ومجاهد وغيرهما: روي أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه إبليس بطائر أو حيوان غيره، فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل؛ وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية. قوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءة أَخِيه} قيل: إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه؛ لكونه أوّل ميت مات من بني آدم، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه قابيل: {يَاوَيْلَتَي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي} فواراه، والضمير المستكن في {لِيُرِيَهُ } للغراب؛ وقيل لله سبحانه، و {كَيْفَ } في محل نصب على الحال من ضمير: {يُوٰرِى } والجملة ثاني مفعولي يريه. والمراد بالسوءة هنا ذاته كلها لكونها ميتة، و {قَالَ } استئناف جواب سؤال مقدّر من سوق الكلام، كأنه قيل: فماذا قال عند أن شاهد الغراب يفعل ذلك؟ و {يا ويلتي} كلمة تحسر وتحزن، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته بأن تحضر في ذلك الوقت، والويلة الهلكة، والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه، كما اهتدى الغراب إلى ذلك {فَأُوَارِيَ } بالنصب على أنه جواب الاستفهام، وقرىء بالسكون على تقدير فأنا أواري {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ } على قتله؛ وقيل: لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده، لا على قتله؛ وقيل غير ذلك. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن ابن عباس قال: «نهى أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وأن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، فقال: لا، أنا أحق بأختي، فقرّبا قرباناً، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع». قال ابن كثير في تفسيره: إسناده جيد، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور. وأخرج ابن جرير عنه قال: كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقرّبه الرجل، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا ثم ذكرا ما قرباه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ } قال: كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يمتنع منه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } يقول: إني أريد أن تكون عليك خطيئتك، ودمي، فتبوء بهما جميعاً. وأخرج ابن جرير عنه {بِإِثْمِى }: قال بقتلك إياي، {وَإِثْمِكَ }، قال: بما كان منك قبل ذلك. وأخرج عن قتادة والضحاك مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } قال: شجعته على قتل أخيه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: زينت له نفسه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه {قَالَ يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ }. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل»تفسير : . وقد روي في صفة قتله لأخيه روايات الله أعلم بصحتها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ} فيهما قولان: أحدهما: أنهما من بني إسرائيل، وهذا قول الحسن. والثاني: أنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل وقابيل، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وقتادة. {إِذْ قَرَّبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} والقربان: هو البر الذي يقصد من رحمة الله، وهو فعلان من القرب. واختلف فى السبب الذي قربا لأجله قرباناً على قولين: أحدهما: أنهما فعلاه لغير سبب. والثاني: وهو أشهر القولين أن ذلك لسبب، وهو أن حواء كانت تضع في كل عام غلاماً وجارية، فكان الغلام يتزوج من أحد البطنين بالجارية من البطن الآخر، وكان لكل واحد من ابني آدم هابيل وقابيل توأمة، فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه، وقال أنا أحق بها منك. واختلف فى سبب منعه على قولين: أحدهما: أن قابيل قال لهابيل أنا أحق بتوأمتي منك، لأننا من ولادة الجنة وأنت من ولادة الأرض. الثاني: أنه منعه منها لأن توأمته كانت أحسن من هابيل ومن توأمته، فقربا قرباناً وكان قابيل حراثاً، وهابيل راعياً، فقرب هابيل سخلة سمينة من خيار ماله، وقرب قابيل حزمة سنبل من شر ماله، فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول ولم يكن فيهم مسكين يتقرب بالصدقة عليه وإنما كانت قُرَبُهُم هكذا. قال أبو جعفر الطبري: وكانت سخلة هابيل المقبولة ترعى فى الجنة حتى فَدَى الله تعالى بها إٍحاق بن إبراهيم الذبيح. واختلف في سبب قبول قربان هابيل على وجهين: أحدهما: لأنه كان أتقى لله من قابيل لقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، والتقوى ها هنا الصلاة، على ما ذكره المفسرون. الثاني: لأن هابيل تقرب بخيار ماله فَتُقُبِّل منه، وقابيل تقرب بشر ماله، فلم يُتَقَبَّل منه، وهذا قول بعد الله بن عمر، وأكثر المفسرون. واختلف في قربانهما هل كان بأمر آدم، أو من قبل أنفسهما على قولين: أحدهما: أنهما قربا بأمر آدم حين اختصما إليه. والثاني: أنهما قربا من قِبَل أنفسهما. وكان آدم قد توجه إلى مكة، ليراها ويزور البيت بها عن أمر به، وكان قد عرض الأمانة في حفظ أهله على السموات فأبت، فعرضها على الأرض فأبت، فعرضها على الجبال فأبت، فعرضها على قابيل فقبلها، ثم توجه وعاد فوجد قابيل قد قتل هابيل وشربت الأرض دمه، فبكى ولعن الأرض لشربها دمه، فأنبتت الشوك، ولم تشرب بعده دماً. روى غياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمداني عن علي قال: لما قتل قابيل بن آدم هابيل أخاه بكاه آدم عليه السلام فقال: شعر : تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عليها فوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قبيحٌ تَغَيَّرَ كلُّ ذِي لَــــوْنٍ وقَلَّ بَشَاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ تفسير : قال فأجيب آدم: شعر : أبا هابيل قد قُتِلا جَمِيعاً وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ وجَاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ منه على خَوْفٍ فَجَاءَ بها تَصِيحْ تفسير : واختلف في قابيل هل كان عند قتل أخيه كافراً أو فاسقاً؟ فقال قوم كان كافراً، وقال آخرون بل كان رجل سوء فاسقاً. قال ابن جريج: لم يزل بنو آدم فى نكاح الأخوات حتى مضي أربعة آباء، فنكح ابنة عمه وذهب نكاح الأخوات. قوله تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} معناه لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك بمثله، وفي امتناعه من دفعه قولان: أحدهما: منعه منه التحرج مع قدرته عليه وجوازه له، وهذا قول ابن عباس، وعبد الله بن عمر. والثاني: أنه لم يكن له الامتناع ممن أراد إذ ذاك، وهذا قول مجاهد والحسن. قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} معناه ترجع، وفيه تأويلان: إحدهما: أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك من معاصيك وذنوبك، وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود. والثاني: يعني أن تبوء بإثمي فى خطاياي، وإثمك بقتلك لي، فتبوء بهما جميعاً، وهذا قول مجاهد. وروى الأعمش، عند عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ نَفْسٍ تُقتَلُ ظُلْماً إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ".تفسير : قوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} معنى طوعت أي فعلت من الطاعة، وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعنى شجعت، وهو قول مجاهد. والثاني: يعني زينت، وهو قول قتادة. والثالث: يعني فساعدته. وكان هابيل أول من قُتِلَ في الأرض، وقيل إن قابيل لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له إبليس فعلمه، وقيل إنه قتله غيلة، بأن ألقى عليه وهو نائم صخرة، شدخه بها. قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني عورة أخيه. والثاني: جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته سوأة. وفي الغراب المبعوث قولان: أحدهما:أنه كان ملكاً على صورة الغراب، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. والثاني: أنه كان غراباً بحث الأرض على غراب آخر. {قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخَي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} قيل إنه ندم علىغير الوجه الذي تصح منه التوبة، فلذلك لم تقبل منه، ولو ندم على الوجه الصحيح لقبلت توبته. وروى معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَ مَثَلاً لِهَذِهِ الأَمَّةِ، فَخُذُوا مِنْ خَيرِهِمَا، وَدَعُوا شَرَّهُمَا ".
ابن عطية
تفسير : {اتل} معناه اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق لمحمد صلى الله عليه وسلم بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته، والضمير في {عليهم} ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل لوجهين: أحدهما أن المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط اليد إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني أن علم {نبأ ابني آدم} إنما هو عندهم وفي غامض كتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إراده والنبأ الخبر. و "ابنا آدم" هم في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري "ابنا آدم" ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثاً وتطوعاً. وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى أرذل ما عنده وأدناه فقربه، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أفضل كباشه فقربه، وكانت العادة حينئذ أن يقرب المقرب قربانه ويقوم يصلي ويسجد، فإن نزلت نار وأكلت القربان فذلك دليل للقبول وإلا كان تركه دليل عدم القبول، فلما قرب هذان كما ذكرت فنزلت النار وأخذت كبش هابيل فرفعته وسترته عن العيون وتركت زرع قابيل، قال سعيد بن جبير وغيره: فكان ذلك الكبش يرتع في الجنة حتى أهبط إلى إبراهيم في فداء ابنه، قال سائقو هذا القصص، فحسد قابيل هابيل وقال له: أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني؟ وكان قابيل أسن ولد "آدم". وروي أن "آدم" سافر إلى مكة ليرى الكعبة وترك قابيل وصياً على بنيه فجرت هذه القصة في غيابه، وروت جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود: أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى فكان الذكر يزوج أنثى البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت مع قابيل أخت جميلة، ومع هابيل أخت ليست كذلك فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره "آدم" فلم يأتمر، فاتفقوا على التقريب، وروي أن آدم حضر ذلك فتقبل قربان هابيل ووجب أن يأخذ أخت قابيل، فحينئذ قال له {لأقتلنك} وقوله هابيل: {إنما يتقبل الله من المتقين} كلام قبله محذوف تقديره ولم تقتلني وأنا لم أجنِ شيئاً ولا ذنب لي في قبول الله قرباني؟ أما إني اتقيته وكنت على لاحب الحق. و {إنما يتقبل الله من المتقين}. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ إنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلاً وقال عدي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة. واختلف الناس لم قال هابيل: {ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك}؟ فقال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً وأن لا يمتنع من أريد قتله.. وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابيل أشد قوة من قابيل، ولكنه تحرج. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا هو الأظهر، ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحداً ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوماً سيستنصر الله لي في الآخرة، وتبوء معناه تمضي متحملاً. وقوله: {بإثمي وإثمك} قيل معناه: بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك، وقيل المعنى: بإثم قتلي وإثمك في العداء علي إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل، وقيل المعنى: بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار, قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه تفسير : ، فكأن هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي، وقيل المعنى: بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي "تبوء بإثمك" في قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات خذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه، وقوله تعالى: {وذلك جزاء الظالمين} يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {ابْنَىْ ءَادَمَ} رجلان من بني إسرائيل قاله الحسن، أو قابيل وهابيل ابنا آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لصلبه. {قُرْبَاناً} بِراً يقصد به التقرب من رحمة الله ـ تعالى ـ قرباه لغير سبب، أو لسبب على الأشهر، كانت حواء تضع في كل عام غلاماً وجارية فيتزوج الغلام بالجارية من البطن الآخر، ولم يزل بنو آدم في نكاح الأخوات حتى مضت أربعة آباء فنكح ابنة عمه وذهب نكاح الأخوات، فلما أراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل منعه لأنه وتوأمته أحسن من هابيل وتوأمته، أو لأنهما من ولادة الجنة وهابيل وتوأمته من ولادة الأرض، فكان هابيل راعياً فقرب سخلة سمينة من خيار ماله، وكان قابيل حراثاً فقرب جُرْزَة سنبل من شر ماله فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل علامة لقبوله، وتركت قربان قابيل ولم يكن لهم مسكين يتصدّق عليه وتقبل قربان هابيل لتقربه بخيار ماله قاله الأكثرون، أو لأنه أتْقَى من قابيل ولذلك قال {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} والتقوى ها هنا الصلاة وكانت السخلة المذكورة ترعى في الجنة حتى فُدي بها إسحاق أو إسماعيل، وقربا ذلك بأمر آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما اختصما إليه، أو من قبل أنفسهما، وكان آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد توجه إلى مكة ـ بإذن ربه ـ زائراً، فلما رجع وَجَده قد قتله، وكان عند قتله كافراً، أو فاسقاً.
النسفي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } على أهل الكتاب {نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَم } من صلبه هابيل وقابيل، أو هما رجلان من بني إسرائيل {بِٱلْحَقّ } نبأ ملتبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأولين، أو تلاوة ملتبسة بالصدق والصحة، أو واتل عليهم وأنت محق صادق {إِذْ قَرَّبَا } نصب بالنبأ أي قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت، أو بدل من النبأ أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف {قُرْبَاناً } ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة. يقال: قرب صدقة وتقرب بها لأن تقرب مطاوع قرب، والمعنى إذ قرب كل واحد منهما قربانه دليله {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا } قربانه وهو هابيل {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ } قربانه وهو قابيل. رُوي أنه أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسده عليها أخوه وسخط فقال لهما آدم: قربا قرباناً فمن أيكما قبل يتزوجها فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل حسداً وسخطاً وتوعده بالقتل وهو قوله {قَالَ لأقْتُلَنَّكَ } أي قال لهابيل {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } وتقديره: قال لم تقتلني:؟ قال: لأن الله قبل قربانك ولم يقبل قرباني. فقال: إنما يتقبل الله من المتقين وأنت غير متق فإنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي. وعن عامر ابن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك وقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله يقول: «إنما يتقبل الله من المتقين». {لَئِن بَسَطتَ } مددت {إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } بماد {يَدَىِ } مدني وأبو عمرو وحفص {إِلَيْكَ لأِقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكن تحرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله تعالى لأن الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت، وقيل: بل كان ذلك واجباً فإن فيه إهلاك نفسه ومشاركة للقاتل في إثمه، وإنما معناه ما أنا بباسط يدي إليك مبتدئاً كقصدك ذلك مني، وكان هابيل عازماً على مدافعته إذا قصد قتله وإنما قتله فتكاً على غفلة منه. «إنّي أخاف»: حجازي وأبو عمرو {إِنّى أُرِيدُ } «إنّي» مدني {أَن تَبُوءَ } أن تحتمل أو ترجع {بِإِثْمِى } بإثم قتلي إذا قتلتني {وَإِثْمِكَ } الذي لأجله لم يتقبل قربانك وهو عقوق الأب والحسد والحقد، وإنما أراد ذلك لكفره برده قضية الله تعالى أو كان ظالماً وجزاء الظالم جائز أن يراد {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فوسعته ويسرته من طاع له المرتع إذا اتسع {فَقَتَلَهُ } عند عقبة حراء أو بالبصرة والمقتول ابن عشرين سنة {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ * فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأرْضِ لِيُرِيَهُ } أي الله أو الغراب {كَيْفَ يُوَارِى سَوْءةَ أَخِيهِ } عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. رُوي أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فحينئذ {قَالَ يَـٰوَيْلَتَي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ} عطف على «أكون» { سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ } على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ولم يندم ندم التائبين، أو كان الندم توبة لنا خاصة أو على حمله لا على قتله. ورُوي أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً. فقال: بل قتلته ولذا اسود جسدك. فالسودان من ولده. وما رُوي أن آدم رثاه بشعر فلا يصح لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } بسبب ذلك وبعلته «وذلك» إشارة إلى القتل المذكور. قيل: هو متصل بالآية الأولى فيوقف على «ذلك» أي فأصبح من النادمين لأجل حمله ولأجل قتله. وقيل: هو مستأنف والوقف على «النادمين» و «من» يتعلق بـ «كتبنا» لا بـ «النادمين» {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } خصهم بالذكر وإن اشترك الكل في ذلك لأن التوراة أول كتاب فيه الأحكام {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً } الضمير للشأن و «من» شرطية {بِغَيْرِ نَفْسٍ } بغير قتل نفس {أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ } عطف على «نفس» أي بغير فساد في الأرض وهو الشرك، أو قطع الطريق وكل فساد يوجب القتل {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً } أي في الذنب. عن الحسن: لأن قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله عليه والعذاب العظيم، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا } ومن استنقذها من أسباب الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } جعل قتل الواحد كقتل الجميع، وكذلك الإحياء ترغيباً وترهيباً لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور أن قتلها كقتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم جميع الناس رغب في إحيائها {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ } أي بني إسرائيل {رُسُلُنَا } «رُسلنا»: أبو عمرو {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالآيات الواضحات {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ } بعدما كتبنا عليهم أو بعد مجيء الرسل بالآيات {فِى ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } في القتل لا يبالون بعظمته. {إِنَّمَا جَزَاؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي أولياء الله في الحديث «يقول الله تعالى: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة» {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً } مفسدين، ويجوز أن يكون مفعولاً له أي للفساد وخبر «جزاء» {أَن يُقَتَّلُواْ } وما عطف عليه وأفاد التشديد الواحد بعد الواحد ومعناه أن يقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل {أَوْ يُصَلَّبُواْ } مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم } إن أخذوا المال {مّنْ خِلَـٰفٍ } حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ } بالحبس إذا لم يزيدوا على الإخافة {ذٰلِكَ } المذكور {لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا } ذل وفضيحة {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } فتسقط عنهم هذه الحدود لا ما هو حق العباد {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فلا تؤذوا عباد الله {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } هي كل ما يتوسل به أي يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك السيئات {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } من صنوف الأموال {وَمِثْلَهُ مَعَهُ } وأنفقوه {لِيَفْتَدُواْ بِهِ } ليجعلوه فدية لأنفسهم. و «لو» مع ما في حيزه خبر «إن»، ووحد الراجع في «ليفتدوا به» وقد ذكر شيئان لأنه أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قيل: لِيَفْتَدُواْ بِذَلِكَ {مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فلا سبيل لهم إلى النجاة بوجه {يُرِيدُونَ } يطلبون أو يتمنون {أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} يعني اذكر لقومك وأخبرهم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل في قول جمهور المفسرين ونقل عن الحسن والضحاك أن ابني آدم اللذين قربا القربان ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل ويدل عليه قوله تعالى في آخر القصة {أية : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس}تفسير : [المائدة: 32] الآية والصحيح ما ذهب إليه جمهور المفسرين، لأن الله تعالى قال في آخر الاية: {أية : فبعث الله غراباً يبحث في الأرض}تفسير : [المائدة: 31] لأن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلَّم من فعلِ الغراب بالحق أن أخبرهم خبراً ملتبساً بالحق والصدق لأنه من عند الله وموافقاً لما في الكتب المتقدمة وهم يعلمون صحته ومقصود هذا الخبر هو تقبيح الحسد لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا قربا قرباناً} القربان اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل من صدقة أو ذبيحة أو غير ذلك مما يتقرب به. (ذكر قصة القربان وسببه وقتل قابيل هابيل) ذكر أهل العلم بالأخبار والسير أن حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاماً وجارية فكان جميع ما ولدته أربعين ولداً في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته إقليما وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً واختلفوا في مولد قابيل وهابيل فقال بعضهم غشي آدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته إقليما في بطن ثم هابيل وتوأمته لبودا في بطن. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت بقابيل وأخته فلم تجد عليهما وحماً ولا وصباً ولا طلقاً ولم تر دماً وقت الولادة فلما هبط إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم وكان إذا كبر أولاده زوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى وكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء غير توأمته التي ولدت معه لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم فكبر قابيل وأخوه هابيل وكان بينهما سنتان، فلما بلغوا، أمر الله آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل ويزوج هابيل إقليما. وكانت إقليما أحسن من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما فرضي هابيل وسخط قابيل وقال: هي أختي وأنا أحق بها ونحن أولاد من الجنة وهما من أولاد الأرض. فقال أبوه آدم: إنها لا تحل لك. فأبى أن يقبل ذلك. وقال: إن الله لم يأمرك بهذا وانما هو من رأيك فقال لهما آدم. قربا لله قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإن لم تكن مقبولة لم تنزل النار بل تأكلها الطير والسباع. فخرجا من عند آدم ليقربا القربان وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام رديء وأضمر في نفسه: لا أبالي أيتقبل مني أم لا لا يتزوج أختي أحد غيري وكان هابيل صاحب غنم فعدل إلى أحسن كبش في غنمه فقربه وأضمر في نفسه رضا الله فوضعا قربانهما على جبل ثم دعا آدم فنزلت النار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل فذلك قوله تعالى: {فتقبل من أحدهما} يعني هابيل {ولم يتقبل من الآخر} يعني قابيل فغضب قابيل إذ لم يتقبل قربانه فأضمر لأخيه الحسد إلى أن آتى آدم مكة لزيارة البيت وغاب عنهم فأتى قابيل وهابيل وهو في غنمه {قال لأقتلنك قال} قال هابيل ولم تقتلني؟ قال قابيل: لأن الله تقبَّل قربانك وردّ قرباني وتريد أن تنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة فيتحدث الناس بأنك خير مني ويفخر ولدك على ولدي فقال هابيل وما ذنبي {إنما يتقبل الله من المتقين} يعني أن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال فلذلك كان أحد القربانين مقبولاً دون الآخر ولأن التقوى من أعمال القلوب وكان قد أضمر في قلبه الحسد لأخيه على تقبل قربانه وتوعَّده بالقتل فقال له: إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى وإنما يتقبل الله من المتقين فأجابه بجواب مختصر. وقيل: يحتمل أن يكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى بين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يتقبل قربانه لأنه لم يكن متقياً وإنما يتقبل الله من المتقين ثم قال تعالى إخباراً عن هابيل.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لأقتلنك} بالنون الخفيفة. روى المعدّل عن زيد {يدي إليك} بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع. {من أجل} بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة {رسلنا} بسكون السين حيث كان: أبو عمرو. الوقوف: {بالحق} م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول {اتل} وهو محال {من الآخر} ط {لأقتلنك} ط {المتقين} ه {لأقتلك} ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء. {العالمين} ه {النار} ج لاختلاف الجملتين {الظالمين} ه ج لأجل الفاء {الخاسرين} ه {سوأة أخيه} ط {أخي} ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه {النادمين} ه ج {من أجل ذلك} ج كذلك لأنّ قوله: {من أجل} يصلح أن يتعلق بـ {أصبح} وبـ {كتبنا}. {جميعاً} في الموضعين ط. {بالبينات} ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار {لمسرفون} ه {من الأرض} ط {عظيم} ه {لا عليهم} ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين {فإنّ الله غفور رحيم} ه {تفلحون} ه {منهم} ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام {أليم} ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين {مقيم} ه {من الله} ط {حكيم} ه {يتوب عليه} ط {رحيم} ه {لمن يشاء} ط {قدير} ه. التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: {أية : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} تفسير : [المائدة:11] فكأنه تعالى ذكر لأجل تسلية نبيّه صلى الله عليه وسلم قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان. ومنها أنه عائد إلى قوله: {أية : يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب} تفسير : [المائدة:15] فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة. ومنها أنه من تمام قوله: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة:18] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل. والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد. أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها {إذ قربا} قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة. يروى أنّ آدم عليه السلام كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا. وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك. فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه. فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً. هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه. قال مجاهد: أكل النار علامة الرد. وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول. وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله. وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال تعالى حكاية عن المحق في جواب المبطل: {إنما يتقبل الله من المتقين} وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله تعالى التي هي السبب في القبول؟ قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع. وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل. وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟ قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً. فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين. ثم حكى الله سبحانه عن المظلوم أنه قال: {لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك} فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة. قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: {إني أخاف الله رب العالمين} وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع. قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك. ثم قال: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الأنعام:164]؟ فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي. وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك. وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي. سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟ والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة. أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله تعالى عقاب الظالم. وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً. {فطوّعت له نفسه قتل أخيه} وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله. ومنهم من قال: شجعته فقتله. والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع. وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه. يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه. ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" تفسير : ولذلك أنه أوّل من سن القتل {فأصبح من الخاسرين} دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً. قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها. فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار. وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً. فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك. ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون وقل بشاشة الوجه المليح تفسير : قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة. وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا أثنى الله تعالى عليه بقوله: {أية : وما علمناه الشعر وما ينبغي له} تفسير : [يس:69] وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال. قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً. روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب. وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله تعالى كيف يكرمه بعد موته ندم. وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه {ليريه} أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه {كيف يواري} محله نصب على الحال من ضمير {يواري} والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده. وقيل: أي جيفة أخيه. والسوأة السوء الخلة القبيحة {يا ويلتي} كلمة عذاب. يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم. وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك. والألف بدل من ياء المتكلم {أعجزت} استفهام بطريق الإنكار {أن أكون} أي عن أن أكون {مثل هذا الغراب} أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: {فأواري} بالنصب على جواب الاستفهام {من النادمين} الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس. وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: شعر : إذا كان الغراب دليل قوم تفسير : {من أجل ذلك} القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه {كتبنا على بني إسرائيل} إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل. والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الواقعة التي عزموا فيها على قتله. ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: {من أجل ذلك} والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد. ويعمل منه امتناع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد. والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال. والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً. {بغير نفس} أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص. {أو فساد} قال الزجاج: إنه معطوف على {نفس} بمعنى أو بغير فساد {في الأرض} كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات {فكأنما قتل الناس جميعاً} وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل. فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك. والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر. وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم {ومن أحياها} استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل {ثم إنّ كثيراً منهم} أي من بني إسرائيل {بعد ذلك} بعد مجيء الرسل {لمسرفون} في القتل لا يبالون بهتك حرمة. ومعنى "ثم" تراخي الرتبة. ثم إنه سبحانه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة. ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف. والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "حديث : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " تفسير : {ويسعون في الأرض فساداً} نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى. لأنّ افساد نوع من السعي. عن قتادة عن أنس حديث : أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا تفسير : فكانت الآية ناسخة لتلك السنة. وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة. وقيل: حديث : نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهمتفسير : . وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل. وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء. قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام. وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه. واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص. وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق. وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف. فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى. وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون. والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي. فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ. والتشديد في هذه الأفعال للتكثير. {أو ينفوا من الأرض} إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو. وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين {من خلاف} أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان. قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة. قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب. وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر. وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي. قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب. وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص. وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام. وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك. وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة. أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً. فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي. والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس. وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: شعر : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا تفسير : {ذلك لهم خزي} ذل وفضيحة {في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط. وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو {إلاّ الذين تابوا} قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه. قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف. والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله تعالى في الزنا {أية : فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} تفسير : [النساء:16] وفي السرقة {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل. فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل. وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل. وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق. والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود. ثم إنه سبحانه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: {اتقوا الله} إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: {وابتغوا إليه الوسيلة} عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله. والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: شعر : ألا كل ذي لب إلى الله واسل تفسير : والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه تعالى أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته. وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: {يا أيها الذين آمنوا} فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات. ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: {وجاهدوا في سبيله} والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين. ثم قال: {لعلكم تفلحون} والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية. ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله {إن الذين كفروا} وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: {لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به} أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت {من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم} والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك"تفسير : {يريدون أن يخرجوا} أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك. قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج. وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم. عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة. ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: {والسارق والسارقة} وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها. وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: {فاقطعوا} ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما. وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: {أية : وربك فكبر} تفسير : [المدثر:3] وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل. والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله سبحانه: {جزاء بما كسبا} فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء. أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين. وأيضاً الخطاب في: {فاقطعوا} إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة. وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب. أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق. والمراد بالأيدي اليدان مثل: {أية : فقد صغت قلوبكما} تفسير : [التحريم:4] وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى. واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: {أية : وأيديكم إلى المرافق} تفسير : [المائدة:6] وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع. والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً. ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير. وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره. ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته. وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير. وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن. ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا. واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق. وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً. ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا/ قطع إلاّ في ربع دينار"تفسير : وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : لا قطع إلا في ثمن المجن" تفسير : والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك. وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم. وعن الحسن: درهم. وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم". ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز. فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع. ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير. ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً. والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف. ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه. وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع. وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب. ومنها كون المال محرزاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن"تفسير : وحرز كل شيء على حسب حاله. فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود. والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن. وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال. وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد. وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره. وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين. ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع. وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان. حجة الشافعي أن قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : على اليد ما أخذت حتى تؤدى " تفسير : يوجب الضمان. وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق. حجة أبي حنيفة قوله تعالى: {جزاء بما كسبا} والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة. ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً. أما كيفية القطع فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقطع يمينه. قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك. وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة. واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم. والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: {فاقطعوا} ولم يجوّزه أبو حنيفة. واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب. وانتصاب {جزاء} و {نكالاً} على أنه مفعول لهما، والعامل {اقطعوا} وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: {فاقطعوا} أي جازوهم ونكلوا بهم {جزاء بما كسبا نكالاً من الله}. {فمن تاب} من السراق {من بعد ظلمه} أي سرقته {وأصلح} أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة {فإن الله يتوب عليه} وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً. وعند الجمهور لا تسقط. وباقي الآيات قد مر تفسيره. وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة. التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها. وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله تعالى الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية. فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية {فتبوء بإثمي وإثمك} أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي. فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب {فأصبح من الخاسرين} أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول {فبعث الله غراباً} هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها. وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه تعالى قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق {في الأرض لمسرفون} أي في أرض البشرية {إنما جزاء الذين يحاربون} أولياء الله {أن يقتلوا} بسكين الخذلان {أو يصلبوا} بحبل الهجران على جذع الحرمان {أو تقطع أيديهم} عن أذيال الوصال {وأرجلهم من خلاف} عن الاختلاف {أو ينفوا} من أرض القربة والائتلاف {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود {وما هم بخارجين منها} لأنهم خلقوا مظاهر القهر {السارق والسارقة} كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة {جزاء بما كسبا} الآن في عالم الصورة {نكالاً من الله} تقديراً منه في الأزل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً...} الآية: ٱتْلُ: معناه: ٱسْرُدْ وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل. قال الفَخْر: وفي الآية قولان: أحدهما: ٱتْلُ على الناس. والثاني: ٱتْلُ على أهْلِ الكتابِ. انتهى. و {ٱبْنَيْ ءَادَمَ}: هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود؛ أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثَىٰ، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توأمتُهُ، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل: أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ؛ فحينئذٍ: {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ}، وقولُ هابيلَ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}: كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره: ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين؟! وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالَىٰ عقْلاً. قلتُ: قال * ع *: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع)، وأما في هذه الآية، فليس بٱتِّقَاءِ شرك؛ على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ: {مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ...} الآية: قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس: كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج، وهذا هو الأظهر. قال * ع *: ومن هنا يقوَىٰ أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر؛ لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرُّج هنا وجهٌ، و {تَبُوَأ}: معناه: تمضِي متحمِّلاً، وقوله: {بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: قيل: معناه: بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويلٌ يَعْضُدُه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُؤْتَىٰ بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حَتَّىٰ يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سَيِّئَاتِ المَظْلوم، فتُطْرح عليه». تفسير : وقوله: {وَذَلِكَ جَزَٰؤُاْ ٱلظَّـٰلِمِينَ} يحتملُ: أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل: أن يكون إخباراً من اللَّه تعالَىٰ لمحمَّدـــ عليه السلام ـــ، قال الفَخْر: وقوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} قال المفسرون: معناه: سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه. انتهى. وقوله سبحانه: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}: أصْبَحَ: عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب؛ ومنه: [المنسرح] شعر : أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح ................البَيْتَ تفسير : وقول سعد: فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي، إلى غير ذلك مِن ٱستعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: «حديث : مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ٱبْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا»تفسير : ؛ وذلك لأنه أول مَنْ سَنَّ القتل.
ابن عادل
تفسير : واتل عليهم نبأ ابني آدم الآية. في تعَلُّقِ هذه الآية بما قبلها وُجُوهٌ: أحدها: أنه تعالى قال فيما تَقدَّمَ: {أية : يَٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} تفسير : [المائدة: 11] فذكر أنَّ الأعْدَاءَ يُرِيدُونَ إيْقَاعَ الْبَلاَء بِهِمْ، لَكِنَّهُ تعالى يَحْفَظُهُمْ [بِفَضْلِهِ] ويمنع أعداءهم من إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، ثم ذكر قِصَصاً تَدُلُّ في أنَّ كُلَّ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ به - تعالى - من النِّعَمِ العظيمة في الدِّينِ والدُّنْيَا فإنَّ الناس يتنازعونه حسداً، فَذَكَرَ قِصةَ النُّقَبَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وأخذ الميثاق منهم، ثم إنَّ اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللَّعْنِ والقساوة، وذكر بعد شِدَّة إصْرَارِ النصارى على الكفر، وقولهم بـ "التَّثْلِيث" بعد ظهور الدَّلاَئِل الواضحة القاطعة على فساد اعْتِقَادِهِمْ، وما ذلك إلا حسداً لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدِّينِ الْحَقِّ ثم ذكر قصَّه موسى في مُحَاربَةِ الجبَّارِينَ، وإصْرار قمه على التَّمَرُّدِ والْعِصْيَانِ، ثم ذكر بعد قِصَّة ابْنَيْ آدم، وأنَّ أحدهما قتل الآخر حسداً على قَبُولِ قُرْبَانِهِ، وكل هذه الْقَصَصِ دالَّةٌ على أنَّ كل ذي نِعْمَة محسود، فلما كانت نِعَمُ الله على محمَّد صلى الله عليه وسلم أعْظَمَ النعم لم يبعد اتِّفَاق الأعداء على كَيْدِهِ، فكان ذكر هذه القصص تسلية له فيما هدّده به اليَهُود من المكر والكَيد. ثانيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بقوله: {أية : يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [المائدة: 15]. وهذه القصص مَذْكورة في التَّوْراة. وثالثها: أنَّها متعلِّقَة بقصة [محاربة] الجبَّارين، أي: ذكِّروا اليَهُود بحديث ابْنَيْ آدم؛ ليعلموا أن سَبِيل أسْلاَفهم في النَّدامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعاصي، مثل سَبِيل ابْنَيْ آدم في نَدَامة أحَدهما على قَتْلِ الآخَر. رابعها: أنه مُتَّصِل بحكاية قول اليَهُود والنَّصَارَى: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] أي: لا ينفعهم كَوْنُهُم أولاد الأنْبِيَاء مع كُفْرِهِم، كما لم يَنْتَفِع ولد آدم بقَتْلِ أخيه بكون أبيه نَبِيّاً معظماً عند الله - تعالى -. وخامسها: لما كَفَرَ أهل الكِتَاب بمحمَّد - عليه الصلاة والسلام - حَسَداً أخْبَرَهُم الله - تعالى - بخبر ابْنَيْ آدم، وأنَّ الحسد أوْقَعَهُ في سُوءِ الخَاتِمة، والمقصود منه التَّحْذِير عن الحَسَدِ. الضَّمِير في "عَلَيْهِم" فيه قولان: أحدهما: واتل على النَّاس. والثاني: واتْلُ على أهل الكِتَاب. وفي "ابْنَيْ آدَمَ" قولان: أحدهما: أنها ابْنَا آدم لِصُلْبِهِ، وهما: قَابِيل، وهَابِيل، وفي سبب [وقوع] المُنَازَعة بينهما قولان: أحدهما: أنَّ هَابِيلَ كان صاحب غَنَمٍ، وقابيلَ صاحب زَرْع فقرَّب كل واحد منهما قُرْبَاناً، فطلب هابيل أحْسَنَ شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً، وطلب قابيل شَرَّ حِنْطة كانت عنده وجعلها قُرْبَاناً، فنزلت نارٌ مِنَ السَّمَاءٍ فَاحْتَمَلَتْ قُرْبَانَ هَابيلَ ولم تَحْتَمِل قُرْبان قابيل، فعلم قابيل أنَّ الله تعالى قبل قُرْبَان أخِيهِ ولم يقبل قُرْبَانه، فحَسَده وقصد قَتْلَهُ. قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ولم يُحْتَمَلْ قربان قَابيل، فَعَلِمَ قَابِيلُ أنَّ الله قَبِلَ قربان أخيه ولم يقبل قربانه؛ لأنَّه كان كافراً فقال قابيل لأخيه هابيل - وكان مُؤمِناً -: أتَمْشِي على الأرض يراك النَّاس أفْضَلَ مِنِّي به، فَحَسَدَه وَقَصَدَ قَتْلَهُ. وثانيهما: رُوِيَ أنَّ آدم - عليه السلام - كان يُولَدُ له [في كل بطن] غلام وجارية وكان يزوِّج [تلك] البِنْت من البَطْن بالغلام من بَطْن آخر، فولد له قَابِيل [وتوأمته،] قال الْكَلْبيُّ: وكان اسْمُهَا "إقْلِيمِياء" -، وبعدهما هَابِيل وتَوْأمَته وكانت تَوْأمَةُ قابيل أحْسَنَ النَّاسِ وجهاً، فأراد آدَم - عليه السلام - أن يُزَوِّجَهَا من هَابِيل، فأبى قَابِيل وقال: أنا أحَقُّ بِهَا وهو أحق بأخته وليس هذا من اللَّه وَإنَّمَا هو رَأيُكَ، فقال آدمُ - عليه السلام - لهما: قَرِّبَا قرباناً فأيُّكُمَا قبل قُرْبانه زَوَّجْتُها منه، فَقَرَّبَا قُرْبَانَيْن، فَقَبِلَ اللَّهُ قُرْبَانَ هَابِيلَ بأن أنْزل على قُرْبَانه ناراً فازداد قابيل حَسَداً له. قال القُرْطُبِيُّ: وَرُوِيَ عن جَعْفَرٍ الصَّادِقِ - رَضي الله عَنْهُ - "أنَّ آدم - عليه السلام - لم يكن يُزَوِّجُ ابنته من ابنه، ولو فعل ذلك ما رَغِبَ عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان دين آدم عليه السلام إلاَّ دين النبي صلى الله عليه وسلم..."، وذكر قَصَّته. قال القُرْطُبِيُّ: وهذه القِصَّة عن جَعْفَرٍ ما أظُنُّهَا تَصِحُّ، وأنه يزوِّجُ غلام هذا البَطْن إلى البَطْن الآخر، بدليل قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1]، وهذا كالنصِّ ثم نسخ ذلك على ما تقدم بيانه في "سورة البقرة" وكان جميع ما ولدته حَوَّاءُ أربعين ولداً ذكراً، وأنثى: عِشْرين بطناً أوَّلُهُم قابيل، وتوأمته إقليمياء وآخرهم عَبْدُ المُغِيثِ، ثم بارك الله في نسل آدم - عليه الصلاة والسلام -. وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: لم يمت آدم - عليه السَّلام - حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألْفاً. والقول الثاني: وهو قول الْحَسَنِ والضَّحَّاك: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللذين قَرَّبا القربان ما كانا ابْنَيْ آدم لِصُلْبِهِ، وإنما كانا رَجُلَيْن من بني إسرائيل [كانت بينهما خُصُومة، ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل]؛ لقوله تعالى في آخر القصَّة: {أية : مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 32]. وصدور الذنب من ابني آدم، لا يصلح أن يكون سَبَباً لإيجاب القِصَاص عليهم زَجْراً لهم عن المُعَاوَدَة إلى مثل هذا الذَّنب، ويَدُلُّ عليه أيضاً أنَّ المقصود من هذه القِصَّة: بيان أنَّ اليَهُود من قديم الدَّهر مُصِرُّونَ على التَّمَرُّدِ والحسد حتى بلغ بهم هذا الحَسَد إلى أن أحدهما لما قَبِلَ اللَّهُ قربانه حَسَدَه الآخر وقتله، ولا شكَّ أن هذا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. فإنَّ قَبُولَ الْقُرْبَانِ ممَّا يدل [عليه أن صَاحِبَه] حسن الاعتقاد [وأنه] مقبول عند اللَّه - تعالى - فَتَجِبُ المُبَالَغَةُ في تَعْظِيمه، فلما أقدم على قَتْلِهِ [وَقَتَلَهُ] مع هذه الحالة دَلَّ ذلك على أنَّهُ قد بَلَغَ في الحَسَد أقصى الغايات، وإذا كان المرادُ أنَّ الحسَد داءٌ قديمٌ في بَنِي إسْرَائِيلَ، وجب أن يقال: [هذان الرَّجلان] كانا من بَنِي إسْرَائيلَ، والصَّحيح الأول؛ لأنَّ القاتل جهل ما يَصْنَع بالمقَتُول، حتى تعلَّم ذلك من عَمَل الغراب ولو كان من بَنِي إسرائيلَ لما خَفِي عليه هذا الأمْر - والله سبحانه أعلم -. فصل قوله تعالى: "بالحقِّ" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه حَالٌ من فاعل "اتْلُ" أي: اتلُ ذلك حال كونك مُلْتَبساً بالحقِّ أي: بالصِّدق، وموافقاً لما في التَّوْراة والإنْجِيل. والثاني: أنه حال من مَفْعُوله وهي "نَبَأ"، أي: اتلُ نبأهُمَا مُلْتَبساً بالصِّدْقِ مُوافِقاً لما في كُتُب الأوَّلين لتثبت عليهم الحُجَّةُ برسالتك. الثالث: أنه صِفَةٌ لمصدر "اتْلُ"، أي: اتْلُ ذلك تلاوةً مُلْتَبِسة بالحقِّ والصِّدق كافَّة. وَالزَّمَخْشَرِيُّ به بدأ، وعلى الأوْجُهِ الثلاثة فـ "البَاءُ" للمُصَاحبة وهي متعلِّقَة بمحذُوف. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بتسكين الميم من "آدَم" قبل بَاءِ "بالْحَقِّ"، وكذا كل مِيمٍ قبلها مُتَحرك، وبعدها بَاء، ومعنى الكلام: واتْلُ عليهم نبأ ابْنَيْ آدم بالغَرض [الصحيح]، وهو تَقْبِيح الحسد، والبَغْي وقيل: لِيَعْتَبِرُوا به لا لِيَحْمِلُوهُ على اللَّعِبِ، كالأقاصيص التي لا فائدة فيها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المقصود من ذكر القصص العبرةُ لا مجرَّد الحكاية، لقوله تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [يوسف: 111]. قوله تعالى: {إِذْ قَرَّبَا [قُرباناً]} فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: وبه بدأ الزَّمخشريُّ، وأبو البقاء: أن يكون متعلِّقاً بنفس النَّبأ، أي: قصّتُهما، وحديثهما في ذلك الوَقْت، وهذا وَاضِح. والثاني: أنه بَدلٌ من "نبأ" على حَذْف مضافٍ، تقديره: "واتْلُ" عَلَيْهِم النَّبأ ذلك الوقت، كذا قدَّره الزَّمَخْشَرِيُّ. قال أبُو حَيَّان: "ولا يجُوز ما ذكر؛ لأن "إذْ" لا يُضَاف إليها إلا الزَّمانُ و"نبأ" ليس بزمان. الثالث: ذكره أبُو البَقَاءِ [أنه حال من "نبأ" [وعلى هذا فيتعلق بِمَحذُوف]، لكنَّ هذا الوجه غَيْر وَاضِح]. قال أبو البَقَاء: ولا يجوز أن يكون ظرفاً لـ "اتْلُ"؛ قلت: لأنَّ الفعل مستقبل، و"إذ" وقت ماضٍ، فكيف يَتلاقَيَان؟ و"الْقُرْبَانُ" فيه احْتِمَالان: أحدهما: وبه قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "أنه اسم لما يُتَقَرَّبُ به، كما أنَّ الْحُلْوَانَ اسم ما يُحَلَّى أو يُعْطى". يقال: "قَرَّبَ صَدَقةً وتقرَّب بها"؛ لأن "تقرَّب" مطواع "قرَّب". قال الأصْمَعِيُّ: [تقربوا] "قِرْفَ القَمع" فيعدَّى بالباء حتى يكون بمعنى: قَرَّبَ، أي: فيكون قوله: {إِذْ قَرَّبا قُرْباناً} يَطْلُبُ مُطَاوِعاً له، والتَّقْدِير إذْ قَرَّبَاهُ، فتقرَّبا بِهِ وفيه بُعْدٌ. قال أبُو حَيَّان: "وليس تقرَّب بصدقة مطاوع "قَرَّب صدقة" لاتحاد فاعل الفعلين، والمُطاوَعَةُ يَخْتَلِفُ فيها الفاعل يكونُ من أحدهما فعل، ومن الآخَرِ انفعال، نحو: كَسَرْتُه فانكسر، وفَلَقْتُه فانْفَلَق، فليس قَرَّبَ صَدَقَةً، وتقرَّبَ بها، من هذا البَابِ، فهو غلط فَاحِشٌ". قال شهاب الدِّين: وفيما قاله الشَّيْخ نظر؛ لأنَّا نُسَلِّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني: أن يكون في الأصْل مَصْدراً، ثم أطلق على الشيء المُتقرّب به، كقولهم "نَسْج اليَمَن"، و"ضَرْب الأمير". ويُؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنِّ، والموضعُ موضعُ تَثْنِية؛ لأنَّ كلاً من قَابيل وهَابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصل: إذ قَرَّبا قُرْبَانين ولأنه لم يُثَنِّ [لأنه مصدر في الأصل، وللقائل بأنه اسم ما يتقرّب به لا مصدر أن يقول: إنما لم يُثَنِّ]؛ لأن المعنى - كما قاله أبو عَلِيّ الفَارسيّ -: إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قُرْبَاناً، كقوله تعالى: {أية : فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} تفسير : [النور: 4] أي: كل واحد منهم. قال ابن الخطيب: جَمَعَهما في الفِعْل، وأفرد الاسْم ليستدل بِفِعْلهما على أنَّ لكلِّ واحدٍ منهما قُرْباناً. وقيل: إنَّ القُرْبَان اسم جنس فهو يَصْلُح للوَاحِد والعَدَد. وقوله تعالى: {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلأَخَرِ}. قال أكثر المُفَسِّرِين: كان علامَةُ القبول أن تأكله النَّار، وقال مُجَاهد: علامة الردِّ أن تأكله النَّار. وقيل: لم يكن في ذلك الوَقْتِ فقير يُدفَع إليه ما يتقرَّب به إلى الله - تعالى -، فكانت تَنْزِلُ من السَّمَاء نار تأكلُهُ. وإنما صار أحد القُرْبَانَيْن مقبولاً والآخر مردوداً؛ لأنَّ [حصول] التَّقوى شرط في قُبُول الأعْمَال لقوله تعالى هاهنا حِكَاية عن المُحِقِّ {إنَّما يَتَقَبَّل اللَّهُ مِنَ المُتَّقِين}، وقوله تعالى فيما أمَرنا به من القُرْبان بالبدن: {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} تفسير : [الحج: 37] فأخبر أنَّ الذي يصل إليه لَيْس إلاَّ التَّقوى، والتَّقْوى من صفات القُلُوبِ؛ لقوله - عليه السلام -: "حديث : "التَّقْوى هَاهُنَا"وأشار إلى القَلْب " تفسير : وحقيقة التَّقْوى: أن يكون على خَوْف ووَجَل من تقصير نَفْسه في تلك الطَّاعَة. وأن يكون في غَايَةِ الاحْتِرَاز من أن يَأتِي بتلك الطَّاعَة لغرض سوى مَرْضَاة الله تعالى. وألاَّ يكون فيه شركة لِغَيْر الله تعالى. قيل: إن قابيل جعل قُرْبَانه أرْدَأ ما كان عِنْده، وأضْمَر في نفسه ألاَّ يُبَالي قُبِلَ أو لم يُقْبَلْ، وأنه لا يزوِّج أخْتَه من أخِيه أبَداً. وقيل: كان قابيل لَيْس من أهل التَّقْوى والطَّاعة فلذلك لم يَقْبَل اللَّهُ قُرْبانه. قوله تعالى: "قال لأقْتُلَنَّك"، أي: قال الذي لم يتقبل منه للمَقْبُول منه. وقرأ الجمهور "لأقتلنَّك" بالنون الشديدة، وهذا جوابُ قسم مَحْذُوف وقرأه زيدٌ بالخفيفة. قال أبُو حَيَّان: [إنما يتقبل الله مَفْعُوله مَحْذُوف]، لدلالة المعنى عليه، أي: قرابينهم وأعمالهم ويجُوزُ ألاَّ يراد له مَفْعُول، كقوله تعالى {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} تفسير : [الليل: 5]، هذه الجُمْلَة قال ابن عطيَّة: "قبلها كلام محذوف، تقديرُه: لِمَ تَقْتُلني وأنا لم أجْنِ شيئاً، ولا ذَنْبَ لي في تَقَبُّلِ الله قرباني بدون قربانك"؛ وذكر كلاماً كثيراً. وقال غيرُه: "فيه حذفٌ يَطُول" وذكر نحوه: ولا حَاجَة إلى تقدير ذلك كلّه؛ إذ المعاني مفهومَةٌ من فَحْوَى الكلام إذا قُدِّرَتْ قَصِيرةً كان أحْسَن، والمعنى هنا: لأقْتُلَنَّك حَسَداً على تَقَبُّل قُرْبَانك، فَعَرَّضَ له بأن سَبَبَ التَّقَبُّل التَّقْوى. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "فإن قلت: كيف [كان] قوله: {إنما يتقَبَّلُ اللَّه مِنَ المُتَّقِين} جواباً لقوله: "لأقْتُلَنَّكَ"؟. قلت: لمَّا كان الحَسَدُ لأخيه على تَقَبُّل قربانه هو الذي حَمَلَهُ على توعُّده بالقَتْل، قال: إنَّما أتَيْت من قبل نفسك لانْسِلاَخها من لِبَاسِ التَّقْوَى" انتهى. وهذا ونَحْوه من تَفسِير المَعْنَى لا الإعْرَاب. وقيل: إن هذه الجملة اعْتِرَاض بَيْن كلام القَاتِل وكلام المَقْتُول والضَّمِير [في "قال"] إنَّما يعود إلى الله تعالى، أي: قال الله ذلك لِرَسُوله، فَيَكُون قد اعْتَرض بقوله {إنما يَتَقَبَّل اللَّه} بين كلام قابيل وهو: "قال لأقْتُلَنَّكَ"، وبين كلام هَابِيل وهو: "لَئِنْ بَسَطْتَ" إلى آخره، وهو في غاية البُعْد لِتَنافُر النَّظْم. و"اللاَّم" في قوله: "لَئِنْ بَسَطْتَ" هي المُوَطِّئة. وقوله: {مَا أنَا بِبَاسِط} جوابُ القسم المَحْذُوف، وهذا على القاعِدَة المُقَرَّرةِ من أنَّه إذا اجْتَمَع شَرْطٌ وقسمٌ أجِيبَ سابقُهما إلا في صُورة تَقدّم التَّنْبِيه عليها. وقال الزَّمَخْشَرِي: "فإن قلت: لِم جاء الشَّرْط بلفظ الفِعْل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وو قوله "لَئِنْ بَسَطْتَ"، {ما أنَا بِبَاسِطٍ}؛ قلت: ليفيد أنه لا يفعلُ هذا الوَصْفَ الشَّنِيع، ولذلك أكَّدَهُ بـ "الباء" المفيدة لِتَأكِيد النَّفْي". وناقَشَهُ أبُو حيَّان في قوله: [إنَّ] {ما أنا بِبَاسِطٍ} جزاء للشَّرْط. قال: لأنَّ هذا الجواب لِلقَسَم لا للشَّرط قال: "لأنه لو كان جواباً للشَّرط للزمته الفاء لِكَوْنه منفيًّا بـ "ما" والأداة جَازِمة، وللزِمَهُ أيضاً تلك القَاعِدة، وهو كَوْنه لم يجب الأسْبَق منهما" وهذا ليس بشيء؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ سماه جزاء للشَّرط لما كان دالاًّ على جزاء الشَّرْط، ولا نَكِيرَ في ذلك [ولكنه مُغْرى بأن يقال: قد اعترض على الزَّمَخْشَرِي]. وقال أيضاً: وقد خالف الزمخشريّ كلامه هنا بما ذكره في "البَقَرة" في قوله تعالى {أية : وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [البقرة: 145]، من كونه جعله جواباً للقسم سادًّا مسدّ جوابِ الشَّرْط، وقد تقدَّم بحثه مَعَهُ هناك. فصل في معنى الآية ومعنى قوله "بَسَطْتَ" أي: مَددْتَ إليَّ يدكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنَا بباسطٍ يدي إليْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ الله ربَّ العالمِين" قال عبدُ الله بن عمرو - رضي الله عنهما -: وايمُ الله إن كان المَقْتُول أشدَّ الرَّجُلَين، ولكن مَنَعَهُ التَّحَرُّج أن يَبْسُطَ إلى أخيه يده، وهذا في الشَّرْعِ جَائِز لمن أُريد قَتْلُهُ أن يَنْقَاد ويَسْتَسْلِم طلباً للأجْر، كما فعل عُثْمان - رضي الله تعالى عنه - و "حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمَّد بن مسلمة - رضي الله عنه - ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المَقْتُول ولا تكن عبد الله القاتِل ". تفسير : وقال مجاهد: "كتب عليهم في ذلك الوَقْتِ إذا أراد رَجُلٌ قَتْلَ رجل أنَّه لا يَمْتَنِع ويصْبر". قوله تعالى: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوۤأَ بِإِثْمِي}، فيه ثلاثة تأوِيلات: أحدها: على حَذْفِ همزة الاستفهام تقديره: أإنِّي أريد؛ وهو استفهام إنكَار؛ لأن إرادة المَعْصِيَة قبيحَةٌ، ومن الأنْبِيَاء أقبح؛ فهم معْصُومُون عن ذلك، ويؤيِّد هذا التَّأويل قراءة من قرأ "أنَّى أريد" بفتح النون، وهي "أنَّى" التي بمعنى "كَيْفَ"، أي: كيف أريد ذلك. والثاني: أنَّ "لا" محذوفةٌ تقديره: إني أريدُ أن لا تَبُوء، كقوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176]، وقوله تعالى: {أية : رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل: 15]، أي ألاّ تضلّوا وألا تميد وهو مستَفِيضٌ وهذا أيضاً فرار من إثْبَات الإرَادَة له، وضعَّفَ بعضهم هذا التَّأويل بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كانَ على ابْنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِها؛ لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ ". تفسير : فثبت بهذا أن الإثْمَ حاصلٌ، وهذا الَّذي ضعَّفه به غير لاَزِم؛ لأن قائِل هذه المقالة يقول: لا يلزم من عَدَمِ إرادَته الإثْم لأخيه عَدَم الإثم، بل قد يريد عدمه ويَقَع. الثالث: أن الإرادة على حَالها، وهي: إمَّا إرادة مَجَازية، أو حقيقيَّة على حَسَبِ اختلاف المُفسِّرين في ذلك، وجَاءَت إرادة ذلك به لمعانٍ ذكرُوها، من جملتها: أنَّه ظهرت له قَرائِن تدلُّ على قرب أجلهِ، وأنَّ أخاه كافر، وإرادة العُقُوبَة بالكافر حَسَنة. وقوله: "بِإثْمِي" في مَحَلِّ نصبٍ على الحال من فاعل "تبُوء" أي: ترجعُ حاملاً له ومُلْتبساً به، وقد تقدم نَظِيرُه في قوله {أية : فَبَآءُو بِغَضَبٍ} تفسير : [البقرة: 90] وقالوا: لا بُدَّ من مُضافٍ، فقدَّره الزَّمَخْشَرِيُّ "بمثلَ إثمي" قال: "على الاتِّسَاع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلان، وكتبت كِتَابَته". وقدَّره بعضهم "بإثْمِ قَتْلِي، وإثم معصِيَتك التي لم يُقبل لأجلها قُرْبَانك، وإثْم حسدك". وقيل: معناه إنِّي أريد أن تَبُوءَ بعقاب قَتْلي فتكون إرادة صَحِيحَة؛ لأنَّها موافقة لِحُكم الله - عزَّ وجلَّ-، ولا يكون هذا إرادة للقَتْل، بل لموجِبِ القتل من الإثْم والعِقَاب رُوِي أن الظَّالم إذا لم يَجِد يوم القِيَامة ما يرضي خَصْمَه، أُخِذَ من سيِّئَات المَظْلُوم وحمل على الظَّالم، فعلى هذا يَجُوز أن يُقَال: إنِّي أُريد أن تَبُوء بإثْمي في قَتْلِك، وهذا يَصْلُح جواباً. قوله "فَطَوَّعَتْ" الجمهورُ على "طَوَّعَتْ" بتشديد الواو من غير ألف بمعنى "سَهلت وبعثت" أي: جَعَلْته سهلاً، تقديره: بعثت له نفسه أنَّ قتل أخيه طَوْعاً سهل عليه. قال الزَّمَخْشَرِي: "وسَّعَتْه ويسَّرَتْه من طاعَ له المرْتَعُ إذ اتَّسع" انتهى. وقال مجاهد: شجّعْتُه. وقال قتادة: زيَّنْتُ له نفسه، والتَّضْعيف فيه للتَّعْدِية؛ لأنَّ الأصل: طَاعَ له قَتْلُ أخيه، أي: انْقَادَ من الطَّواعِية، فعُدّي بالتَّضعيف، فصار الفاعلُ مَفْعُولاً كحاله مع الهَمْزَة. وقرأ الحسن، وزَيْد بن علي وجماعة كثيرة "فَطَاوعتْ"، وأبدى الزَّمَخْشَرِيُّ فيها احتِمَالَيْن: أحدهما: أن يكُون ممَّا جاء فيه "فَاعَلَ" لغير مُشاركة بين شَيْئيْن، بل بمعنى "فَعَّل" نحو: ضَاعَفْتُه وضَعَّفْته، وناعَمْتُهُ ونَعَّمْتُه، وهذان المثالان من أمثلة سِيبويه. قال: "فجاءوا به على مثال عاقَبْتُه". قال: وقد تجيء: "فاعَلْتُ" لا تريدُ بها عمل اثْنَيْن، ولكنَّهم بَنَوْا عليه الفِعْل كما بَنَوْه على "أفْعَلْتُ"، وذكر أمْثِلَة منها: "عَافَاهُ اللَّه"، وقَلَّ مَنْ ذكر أن "فَاعَل" يجيءُ بمعنى "فعّلْتُ". والاحتمال الثاني: أن تكون على بَابِهَا من المُشَاركة، وهو أنَّ قَتْل أخيه كأنه دَعَا نَفْسَه إلى الإقْدَام عليه فَطَاوعته انتهى. وإيضاحُ العبارة في ذلك أنْ يُقَال: جعَل القَتْل يدعو إلى نفسه لأجل الحسد الذي لَحِقَ قَابِيل، وجعلت النَّفسُ تَأبى ذلك وتَشْمَئِزُّ منه، فكُلٌّ منهما - أعني القَتْلَ والنَّفْسَ - كأنه يريد من صاحِبِه أن يُطِيعَه إلى أن غَلَبَ القَتْلُ النَّفسَ فطاوعته، و"له" مُتعلِّق بـ "طوَّعت" على القِرَاءتَيْن. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: و"له" لزيادة الرَّبْط، كقولك: حَفِظْتُ لزيْد ماله. يعني أنَّ الكلام تامٌّ بِنَفْسه. ولو قيل: فَطَوَّعَتْ نفسُه قَتْل أخيه، كما كان كَذَلك في قولك "حَفِظْتُ مالَ زَيْد" فأتى بهذه "اللاَّم" لقوة رَبْط الكلام. قال أبو البقاء: وقال قوم: طاوَعَتْ تتعدَّى بغير "لاَم"، وهذا خَطَأٌ؛ لأنَّ التي تتعدى بغير اللاَّم تتعدى لِمَفْعُول واحد، وقد عَدَّاهُ هنا إلى قَتْلِ أخِيه. وقيل: التَّقْدِير: طاوَعَتْه نفسه قَتْل أخيه، فزاد "اللاَّم" وحذف "عَلَى"، أي: زاد اللاَّم في المفعول به وهو "الهَاء"، وحذف ["على" الجارَّة لـ "قَتْل أخِيه"]. قالت المُعْتَزِلَةُ: لو كان خالق الكلِّ هو الله لكان ذلك التَّزيين والتَّطْويع مُضافاً إلى الله - تعالى - لا إلى النَّفْس. والجواب: أنَّ الأفعال لما استَنَدَت إلى الدَّوَاعي، وكان فاعل تِلْك الدواعي هو الله فكان فاعل الأفْعَال كلها هو الله - تعالى - ثم قال تعالى "فَقَتَلَهُ"، قيل: لم يَدْر قابيل كيف يَقْتُل هَابِيل. قال ابن جُرَيْج: فتمثَّل له إبليس، فأخذ طَائِراً ووضَع رأسَه على حَجَرٍ، ثم شَدَخَ له حجراً آخر، وقَابيل يَنْظُر إلَيْه فعلَّمه القتل، فرضَخَ قابيل رَأسَ هَابِيل بين حَجَرَيْن، قيل: قتله وهو مُسْتَسْلِمٌ، وقيل: اغْتَالَه وهو نَائِمٌ. وكان لهابيل يوم قُتل عشرون سنة، واخْتَلَفُوا في موضع قَتْله: قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - على جبل ثَوْر، وقيل: عند عقبة حراء، وقيل: بالبَصْرَة عند موضع المَسْجد الأعْظَم، فلمَّا قتله تركه بالعَرَاء ولم يدر ما يصنع به؛ لأنَّه كان أول ميِّت على وَجْهِ الأرْض من بَنِي آدم، وقصده السِّباع فَحَمَلَه في جراب على ظَهْرِه أرْبَعِين يَوْماً. وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: سَنَة حتى أروح، وعَكَفَت عليه الطَّيْر والسِّبَاع تَنْظُر متى يرمي به فَتَأكله ثم قال: {فَأصْبَح مِن الخَاسِرِين}: الحائرين. قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - خسر دُنْيَاه وآخِرته أما الدُّنْيَا: فإنه أسْخَطَ والديه، وَبقِي مذمُوماً إلى يوم القِيَامة، وأما الآخِرة: فهي العِقَابُ الدَّائِم العَظِيم. قيل: إنَّ قابيل لما قتل أخاه [هابيل]، هرب إلى عدن من أرْضِ اليمن، فأتاه إبْليس فقال له: إنَّما أكلت النَّارُ قُرْبَان هَابِيل؛ لأنَّه كان يَخْدُم النَّار ويعبُدُها، فإن عَبدت أنت أيضاً النَّار حصل مَقْصُودك، فبنى بيت نَارٍ وهو أوَّل من عبد النَّار، ورُوِي أنَّه لما قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكان أبْيَض، فَسَألَهُ آدم عن أخِيه، فقال: ما كُنْت عليه وَكِيلاً، فقال: بل قَتَلْته، ولذلك اسوَدَّ جَسَدُك، ومكث آدَمُ بَعْدَه مائة سنة لم يضَحْكَ قطّ. قال الزمخشري: روي أنَّه رَثَاهُ بِشِعْر، وهو كَذِب بحت والأنبياء معْصُومون عن الشِّعر روى أنس - رضي الله عنه - قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: "يوم الدَّم فيه حاضَت حَوَّاء، وفيه قتل ابنُ آدم أخَاه" ".
البقاعي
تفسير : ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ادعاه اليهود من البنوة، كان ذلك كافياً في إبطال مدعى النصارى لذلك، لأنهم أبناء اليهود، وإذا بطل كون أبيك ابانً لأحد بطل أن تكون أنت ابنه، لما كان ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر، فقال تعالى عاطفاً على قوله: {أية : وإذ قال موسى} تفسير : [المائدة: 20] {واتل عليهم} أي على المدعوّين الذين من جملتهم اليهود تلاوة، وهي من أعظم الأدلة على نبوتك، لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به إلا من جهة الوحي {نبأ ابني آدم} أي خبرهما الجليل العظيم، تلاوة ملتبسة {بالحق} أي الخبر الذي يطابقه الواقع إذا تُعُرَّفَ من كتب الأولين وأخبار الماضين كائناً ذلك النبأ {إذ} أي حين {قربا} أي ابنا آدم؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أيّ نوع قربا منه، قال: {قرباناً} أي بأن قرب كل واحد منهما شيئاً من شأنه أن يقرِّبَ إلى المطلوب مقاربتُه غاية القرب. ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل، لا بالنسبة إلى متقبل خاص، بناه للمفعول فقال: {فتُقبِّل} أي قبل قبولاً عظيماً ظاهراً لكل أحد {من أحدهما} أبهمه أيضاً لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه {ولم يتقبل من الآخر} عَلِمَا ذلك بعلامة كانت لهم في ذلك، إما أكل النار للمقبول كما قالوه أو غير ذلك؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضاً ناقضة لدعواهم البنوة، لأن قابيل ممن ولد في الجنة على ما قيل، ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد، فانتفى أن يكون ابناً وكان هو وغيره شرعاً واحداً دائراً أمرهم في العذاب والثواب على الوفاء والنقض، من وفى كان حبيباً ولياً، ومن نقض كان بغيضاً عدواً، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا واسطة بينهما ومع كونه وُلِدَ في الجنة دار الكرامة، فانتفاؤها عمن هو أسفل منه من باب الأولى، وكذا المحبة؛ ومن المناسبات أيضاً أن كفر بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو للحسد، فنبهوا بقضة ابني آدم على أن الحسد يجر إلى ما لا يرضي الله وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار؛ ومنها أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم الموعودين عليه بخيري الدارين، وأن الله معهم فيه، وفي قصة ابني آدم إقبال قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ منه إن قتله، ففي ذلك تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام، وتذكير بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك، وأن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام أخوان في غاية الطواعية في أنفسهما، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله، وقصة ابني آدم بخلاف ذلك، وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد، وأن في قصة بني إسرائيل أنهم لما قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها، عَلِمَ نبيهم صلى الله عليه وسلم أنها لم تقبل لغلول غَلّوه، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها، ففي ذلك الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول - كما في قصة ابني آدم، وأن بني إسرائيل عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه. وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل أخيه، وأن بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة على عدد الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جسّ أخبار الجبابرة، وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوماً - ذكره البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوماً، وكل هذه محسنات والعمدة هو الوجه الأول, وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه السلام عطفاً على النهي في لاتاس، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم كما قَدمته أنت أول القصة في قولك: {أية : التي كتب الله لكم} تفسير : [المائدة: 21] فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوفٍ قبل دخولها، وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا، وإذا تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضاً، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم، ونسوا غوائل النقم؛ ويكون ذلك وعظاً لهذه الأمة ومانعاً من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها وتحكموا في أموالها، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم، وارتكبوا أفعال الأمم، وأعرضوا عن غوائل النقم - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، الا والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين "تفسير : أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار - قال المندري: بإسناد جيد - والبيهقي وقال: " حديث : لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا " تفسير : رواه الطبراني ورواته ثقات، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله عنه أقسم عمر رضي الله عنه: لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم! فوضعت في صحن المسجد، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر عمر رضي الله عنه إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن رضي الله عنه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا إلا موطن شكر! فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. شرحُ قصة ابني آدم من التوراة، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم عليه السلام من الشجرة ما نصه: فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حيّ، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما، فأرسله الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا، فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت: لقد استفدت لله رجلاً، وعادت فولدت أخاه هابيل، فكان هابيل راعي غنم، وكان قايين يحرث الأرض، فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان لله، وجاء هابيل أيضاً من أبكار غنمه بقربان، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه، فساء ذلك قايين جداً وهمَّ أن يسوءه وعبس وجهه، فقال الرب لقايين: ما ساءك؟ ولِمَ كسف وجهك؟ إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك، فقال قايين لهابيل أخيه: تتمشى بنا في البقعة، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه هابيل فقتله، فقال الله لقايين: أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أدري، أرقيب أنا على أخي؟ قال الله: ماذا فعلت! فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض، من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها فقبلت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها، وتكون فزعاً تائهاً في الأرض، فقال قايين للرب: عظمت خطيئتي من أن تغفرها، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك وأكون فزعاً تائها في الأرض، وكل من وجدني يقتلني، فقال الله ربنا: كلا! ولكن كذلك كل قاتل، وأما قايين فإنه يجزى بدل الواحد سبعة، فخرج قايين من قدام الله فجلس في الأرض نود شرقي عدن - انتهى. قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته - فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه قولو قابيل لله - حين قال له: إنه قتله -: إن كنت قتلته فأين دمه؟ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً - انتهى. ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه، كان كأنه قيل: فما فعل حين غضب؟ فقيل: {قال} أي لأخيه الذي قبل قربانه حسداً له {لأقتلنك} فكأنه قيل: بما أجابه؟ فقيل: نبهه أولاً على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن {قال إنما يتقبل الله} أي يقبل قبولاً عظيماً المحيط لكل شيء قدرة وعلماً الملك الذي له الكمال كله، فليس هو محتاجاً إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه {من المتقين *} أي العريقين في وصف التقوى، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره، فعدمُ تقبل قربانك من نفسك لا مني، فلم تقتلني؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه. ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه، أعلمه ثانياً أن الخوف من الله مَنَعَه من أن يمانعه عن نفسه مليناً لقلبه بما هو جدير أن يرده عنه خشية أن تجره الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه، لأن أخاه كان عاصياً لا مشركاً، فقال مؤكداً بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد يصدق: {لئن بسطت إليّ} أي خاصة {يدك لتقتلني} أي لتوجد ذلك بأيّ وجه كان، ثم بالغ في إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال: {ما أنا} وأغرق في النفي فقال: {بباسط} أي أصلاً، وقدم المفعول به تعميماً، ثم خص المتعلق لمناسبة الحال فقال: {يدي إليك لأقتلك} أي في أيّ وقت من الأوقات، ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدباً مع الله في عدم الحكم على المستقبل، ثم علله بقوله: {إني أخاف الله} أي أستحضر جميع ما أقدر على استحضاره من كماله، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعاً له من الإساءة إلى أحد منهم فقال: {رب العالمين *} أي الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد ثم التربية، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى، وهذا كما فعل عثمان رضي الله عنه. ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله، المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لا يراد إلا ما يريد سبحانه، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه، وإن كان معصية أراده من حيث إنه مراد الله ولم يرضه لكونه معصية، فيرضى بالقضاء دون المقضي، وكأنه من الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه يقتله، قال مرهباً له معللاً بتعليل آخر صاد له أيضاً عن الإقدام على القتل: {إني أريد} أي بعدم الممانعة لك {أن تبوأ} أي ترجع من قتلي إن قتلتني {بإثمي} أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي، وبعقوبته الذي من جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ترضيني به من الحسنات {وإثمك} أي الذي لا سبب لي فيه، وهو الذي كان سبباً لرد قربانك واجترائك عليّ وعدوانك، وأفوز أنا بأجري وأجرك، أي أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكفُّ يدي عنك {فتكون} أي أنت بسبب ذلك {من أصحاب النار} أي الخالدين فيها جزاءً لك لظلمك بوضعك القتل في غير موضعه، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال: {وذلك جزاء الظالمين *} أي الراسخين في وصف الظلم كلهم، وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاءً لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث كونها معصية بإرادة ظهور الكفار، لما علم من أن النصر بيد الله، فهو قادر على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة. أنه كان لا يولد لآدم مولود ألا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن لجارية البطن الآخر، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال: هي اختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوّج بها. فأمره أبوه أن يتزوّجها هابيل فأبى، وإنهما قَرَّبَا قرباناً إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطلق آدم قربا قرباناً، وكان قابيل يفخر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل {إنما يتقبل الله من المتقين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} يقول: إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر بسند جيد عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخاها توأمها، وأن ينكحها غيره من اخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وأخرى قبيحة ذميمة، فقال أخو الذميمة: انكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قرباناً، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض وصاحب الزرع بصبرة من طعام، فتقبل من صاحب الكبش فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم، ولم يقبل من صاحب الزرع، فبنو آدم كلهم من ذلك الكافر. وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر في تاريخه من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً، عشرون غلاماً وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم هابيل، وقابيل، وصالح، وعبد الرحمن، والذي كان سماه عبد الحارث، وود، وكان يقال له شيث، ويقال له هبة الله، وكان اخوته قد سودوه، وولد له سواع، ويغوث، ونسر، وإن الله أمره أن يفرق بينهم في النكاح، ويزوج أخت هذا من هذا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان من شأن ابني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قرباناً، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه واسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك وردَّ عليَّ؟ فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني، فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي {إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} لا أنا مستنصر ولأمسكن يدي عنك. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وأنهما أُمِرَا أن يُقَرِّبَا قرباناً وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكنه منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {واتل عليهم نبأ ابني آدم} قال: هابيل وقابيل لصلب آدم، قرب هابيل عناقاً من أحسن غنمه وقرب قابيل زرعاً من زرعه، فتقبل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك...! فقتله. فعقل الله إحدى رجليه بساقه إلى فخذها من يوم قتله إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى اليمن، حيث دارت عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} قال: كانا من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل وكان أوّل من مات. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: لأن استيقن ان الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول {إنما يتقبل الله من المتقين}. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن علي بن أبي طالب قال: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟... وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز. أنه كتب إلى رجل: أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا عليها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل. وأخرج ابن أبي الدنيا عن يزيد العيص: سألت موسى بن أعين عن قوله عز وجل {إنما يتقبل الله من المتقين} قال: تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين. وأخرج ابن أبي الدنيا عن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون اعلم أن الله يقبل مني مثقال حبة من خردل، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، فإن الله يقول {إنما يتقبل الله من المتقين}. وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن قتادة قال: قال عامر بن عبد قيس آية في القرآن أحب إليّ من الدنيا جميعاً أن أعطاه أن يجعلني الله من المتقين، فإنه قال {إنما يتقبل الله من المتقين}. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن همام بن يحيى قال: بكى عامر بن عبد الله عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ قال: آية في كتاب الله. فقيل له: أيّة آية؟! قال {إنما يتقبل الله من المتقين}. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله لا يقبل عمل عبد حتى يرضى عنه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت قال: كان مطرف يقول: اللهم تقبَّل مني صيام يوم، اللهم اكتب لي حسنة، ثم يقول {إنما يتقبل الله من المتقين}. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله {إنما يتقبل الله من المتقين} قال: الذين يتقون الشرك. وأخرج ابن عساكر عن هشام بن يحيى عن أبيه قال: دخل سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: اعطه ديناراً فاعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت، تدري ممن يتقبل الله؟ {إنما يتقبل الله من المتقين}.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} عطف على مقدّر تعلق به قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ}تفسير : [المائدة، الآية 19] الخ، وتعلُقه به من حيث إنه تمهيدٌ لما سيأتي من جِنايات بني إسرائيلَ بعد ما كُتب عليهم ما كُتب وجاءتهم الرسلُ بما جاءت به من البـينات {نَبَأَ ابْنَي آدَم} هما قابـيلُ وهابـيلُ، ونُقل عن الحسن والضحاك أنهما رجلان من بني إسرائيلَ بقرينةٍ آخِرَ القصة، وليس كذلك. أوحى الله عز وجل إلى آدمَ أن يزوج كلاًّ منهما توأمةَ الآخر وكانت توأمةُ قابـيلَ أجملَ واسمُها إقليما فحسدَه عليها أخاه وسخِط، وزعم أن ذلك ليس من عند الله تعالى بل من جهة آدمَ عليه السلام فقال لهما عليه السلام: قرِّبا قُرباناً فمِنْ أيِّكما قُبل تزوّجها، ففعلا، فنزلت نارٌ على قُربانِ هابـيلَ فأكلتْه ولم تتعرَّضْ لقُربانِ قابـيلَ، فازداد قابـيل حسَداً وسُخْطاً وفعل ما فعل، {بِٱلْحَقّ} متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ محذوف، أي تلاوةً ملتبسةً بالحق والصِّحة، أو حالاً من فاعلِ (اتْلُ) أو من مفعوله، أي ملتبساً أنت أو [اتل] نبأَهما بالحق والصدقِ حسبما تقرّر في كتب الأولين {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً} منصوب بالنبأ ظرفٌ له أي اتلُ قصتهما ونبأهما في ذلك الوقت، وقيل: بدلٌ منه على حذف المضافِ أي اتلُ عليهم نبأهما نبأَ ذلك الوقت، ورُد عليه بأن (إذ) لا يضاف إليها غيرُ الزمان كوقتئذ وحينئذ، والقُربان اسمٌ لما يُتقرَّب به إلى الله تعالى من نسُكٍ أو صَدَقةٍ كالحُلوان اسمٌ لما يُحْلى أي يُعطىٰ، وتوحيدُه لما أنه في الأصل مصدرٌ، وقيل: تقديره إذ قرّب كلٌّ منهما قرباناً {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا} هو هابـيلُ، قيل: كان هو صاحبَ ضَرْعٍ وقرب جَملاً سميناً فنزلت نارٌ فأكلتْه {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} هو قابـيل، قيل: كان هو صاحبَ زرع وقرّب أردأَ ما عنده من القمح فلم تتعرضْ له النارُ أصلاً. {قَالَ} استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل: فماذا قال من لم يُتقبَّلْ قُربانه؟ فقيل: قال لأخيه ـ لِتضاعُفِ سَخَطِه وحسَدِه لما ظهر فضلُه عليه عند الله عز وجل ـ {لأَقْتُلَنَّكَ} أي والله لأقتلنَّك بالنون المشددة وقرىء بالمخففة {قَالَ} استئناف كما قبله أي قال الذي تُقُبِّل قُربانُه لمّا رأى أن حسَدَه لقَبول قُربانه وعدمِ قَبول قُربانِ نفسِه {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ} أي القربانَ {مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} لا من غيرهم، وإنما تقبَّلَ قُرباني وردّ قُربانَك لما فينا من التقوى وعدمِه، أي إنما أُتيتَ من قِبَل نفسِك لا من قِبَلي فلم تقتلني، خلا أنه لم يصرِّحْ بذلك بل سلك مسلكَ التعريضِ حذراً من تهيـيج غضبه وحملاً له على التقوى والإقلاعِ عما نواه ولذلك أُسند الفعلُ إلى الاسم الجليل لتربـية المهابة، ثم صرح بتقواه على وجهٍ يستدعي سكونَ غيظِه لو كان له عقلٌ وازعٌ حيث قال بطريق التوكيد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لأَقْتُلَنَّكَ} [الآية: 27]. قال ممشاد الدينورى: كان معصية آدم من الحرص، ومعصية إبليس من الكبر، ومعصية ابن آدم من الحسد، فالحرص يوجب الحرمان والكبر يوجب الإهانة والحسد يوجب الخذلان. قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. قال سهل: التقوى والإخلاص محلا القلوب لأعمال الجوارح. وقال ابن عطاء: المخلصين له فيما يقولون ويعملون. قال السلامى: القرابين مختلفة وأقرب القرابين ما وعد الله جل وعز بقبوله ووعده الصدق وهو الذكر فى السجود، لأنه محل القربة. قال الله تعالى: { أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب } تفسير : [العلق: 19]. قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } تفسير : [آل عمران: 176]. قال الواسطى: تعليماً بعد تعليم، يريد الله ألا يجعل لهم حظًا فى الآخرة، لأنه استعملهم فبما فيه هلاكهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ}. كانت الدنيا بحذافيرها في أيديهما فحسد أحَدُهما صاحبَه، فلم يصبر حتى أسرع في شيء بإتلافه، وحين لم يُقْبَلْ قربانُه اشتد حسدُه على صاحبه، ورأى ذلك منه فهدَّدَه بالقتل. فأجابه بنطق التوحيد. قوله جلّ ذكره: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. يعني إنما يُتَقَبَّلُ القربانُ مِمَّن طالَع في القربان مساعدةَ القدرة، وألقى توهُّم كونه باستحقاقه واستيجابه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} من لم يسبق له فى الازل عناية الله صار اسحانه اساءة وطاعته تؤول الال المعصية كما قيل من يكن للوصال اهلا فكل احسانه ذنوب قرب هابيل بقربان نفسه لله وقرب قابيل لحظ نفسه بغيا وحسدا على امر كان مشرفا بتائيد الله فلا جرم حاله كان يؤول الال الظلم الا كبر بقلوه لاقتلنك قال ممشاد الدنيورى كان معصية ادم من الحرص معصية ابليس من الكبر ومعصية ابن أدم من الحسد والحرص يوجب الحرمان والكبر يوجب الاهانة والحسد يوجب الخذلان قوله تعالى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } عرفه مكان سبق العنياة وسبق الخذلان الا انما يتقبل الله القربان ممن اتقاه فى الازل مما سواه اى انما يتقبل من الذين يخافون عظمته بعد اخلاصهم فى طاعته هل يقبل ام لا والمتقى والمتجرد فى التحوحيد بالموحد من غير الموحد قال سهل التقوى ولاخلاص محلا القبول لاعمال الجوارح وقال ابن عطا المخلصين فيما يقولون ويعلمون قال السلامى القرابين مختلفة واقرب القرابين ما وعد الله تعالى بقبوله ووعده الصدق وهو الذكر فى السجود لانه محل القربة قال الله واسجدوا واقترب عن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر علهيم السلام قال التقوى فى الاحوال والاحوال فى الافعال كالروح فى الابدان والافعال اذا فارقها الاحوال فهى جيفة ميتة والتقوى على اربعة اوجه من الرياء والعجب ورؤية النفس وان يخطر بعده غير الله عز وجل.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتل عليهم} اى على اهل الكتاب {نبأ ابنى آدم} اى خبر ابنى ابى البشر وهما قابيل وهابيل {بالحق} اى تلاوة ملتبسة بالحق والصحة ذكر العلماء ان حواء كانت تلد فى كل بطن ولدين ذكرا وانثى الا شيثا فانها ولدته منفردا فولدت اول بطن قابيل واخته اقليما ثم ولدت فى البطن الثانية هابيل واخته ليوذا فلما ادركوا أوحى الله الى آدم انه يزوج كلا منهما توأمة الآخر لانه لم يكن يومئذ الا اختاهما وكانت توأمة قابيل اجمل فحسد عليها اخاه وسخط وزعم ان ذلك ليس من عند الله بل من جهة آدم فقال لهما قربا قربانا فمن ايكما قبل تزوجها ففعلا فنزلت نار على قربان هابيل فاكلته ولم تتعرض لقربان قابيل فازداد قابيل حسدا وسخطا وفعل ما فعل {اذ قربا قربانا} ظرف لنبأ والقربان اسم لما يتقرب به الى الله تعالى من ذبيحة او صدقة وتوحيده لما انه فى الاصل مصدر والتقدير اذ قرب كلا منهما قربانا {فتقبل من احدهما} هو هابيل وكان صاحب ضرع وقرب جملا سمينا او كبشا ولبنا وزبدا فنزلت نار من السماء بيضاء لا دخان لها فاكلته بعد دعاء آدم عليه السلام وكانت القرابين اذا كانت مقبولة نزلت من السماء نارا فاكلتها وان لم تكن مقبولة لم تنزل النار واكلتها الطير والسباع وقيل ما كان فى ذلك الوقت فقير يدفع اليه ما يتقرب به الى الله تعالى فكانت علامة قبوله ما ذكر من مجيىء النار والاكل. وروى سعيد بن جبير وغيره نزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ورفع بها الى الجنة فلم يزل يرعى الى ان فدى به الذبيح عليه السلام {ولم يتقبل من الآخر} وهو قابيل كان صاحب زرع وقرب اردأ ما عنده من القمح ولم تتعرض له النار اصلا لانه سخط حكم الله ولم يخلص النية فى قربانه وقصد الى اخس ما عنده فنزلا عن الجبل الذى قربا عليه وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد فى نفسه الى ان اتى آدم مكة لزيارة البيت فلما غاب آدم اتى قابيل هابيل وهو فى غنمه فعند ذلك {قال} اى من لم يتقبل قربانه لاخيه {لأقتلنك} اى والله لاقتلنك قال ولم قال لان الله قبل قربانك ورد قربانى وتنكح اختى الحسناء وانكح اختك الدميمة فيحدث الناس انك خير منى ويفخر ولدك على ولدى {قال} الذى تقبل قربانه وما ذنبى {انما يتقبل الله} اى القربان {من المتقين} لا من غيرهم وانما تقبل قربانى ورد قربانك لما فينا من التقوى وعدمه اى انما اديت من قبل نفسك لا من قبلى فلم تقتلنى والتقوى من صفات القلب لقوله عليه السلام "حديث : "التقوى ههنا" واشار الى القلب وحقيقة" تفسير : التقوى ان يكون العامل على خوف ووجل من تقصير نفسه فيما اتى به من الطاعات وان يكون فى غاية الاحتراز من ان يأتى بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله وان يكون فيه شركة لغير الله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الضمير في {عليهم}: لبني إسرائيل؛ لتقدم شأنهم، ولاختصاصهم بعلم قصة بني ابني آدم، ولإقامة الحجة عليهم بهمهم ببسط اليد إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واتل عليهم} أي: على بني إسرائيل؛ إذ الكلام كان معهم، أو على جميع الأمة، أو على جميع الناس، إذ هو أول الكلام على بقية حفظ الأبدان ـ {نبأ ابني آدم} وهو قابيل وهابيل {بالحق} أي: تلاوة ملتبسة بالحق، أو نبأ ملتبسًا بالحق موافقًا لما في كتب الأوائل. {إذ قرّبا قربانًا فتُقبل من أحدهما} وهو هابيل، {ولم يتُقبل من الآخر} وهو قابيل، وسبب تقريبهما القربان أن آدم ـ عليه السلام ـ كان يُولد له من حواء توأمان في كل بطن: غلام وجارية، إلا شيتًا، فإنه ولد منفردًا، وكان جميع ما ولدته حواء أربعين، بين ذكر وأنثى، في عشرين بطنًا، أولهم قابيل، وتوأمته أقليما، وآخرهم عبد المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده، وولد ولده، أربعين ألفًا، ورأى فيهم الزنا وشُرب الخمر والفساد، وكان غشيان آدم لحواء بعد مهبطهما إلى الأرض، وقال ابن إسحق عن بعض العلماء بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة، قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت في الجنة بقابيل وتوأمته، ولم تجد عليهما وحمًا ولا غيره، وحملت في الأرض بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم. وكان آدم إذا كبر ولده يزوج غلام هذا البطن بجارية بطن آخر، فكان الرجل يتزوج أيّ أخواته شاء إلا تَوأمَته، لأنه لم يكن نساء يومئٍذ، فأمر الله تعالى آدم أن يزوج قابيل لَودَاء توأمة هابيل، وينكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أحسن الناس، فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: أختي أحسن، وهي من ولادة الجنة، وأنا أحق بها، فقال له أبوه: لا تحل لك، فأبى، فقال لهما آدم: قربًا قربانًا، فأيكما قُبل قربانه فهو أحق بها. وكان قابيل صاحب زرع، فقرَّب حِملاً من زرع رديء، وأضمر في نفسه: لا أُبالي قُبل أو لا، لا يتزوج أختي أبدًا، وكان هابيل صاحب غنم، فقرّب أحسن كبش عنده، وأضمر في نفسه الرضا لله تعالى، وكانت العادة حينئٍذ أن تنزل نارٌ من السماء فتأكل القربان المقبول، وإن لم يقبل لم تنزل، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فحسده، وقال له: {لأقتلنك}، حسدًا على تقبل قربانه دونه، فقال له أخوه: {إنما يتقبل الله من المتقين} الكفر، أي: إنما أُوتيت من قبل نفسك بترك التقوى، لا من قِبلي، فِلمَ تقتلني؟ قال البيضاوي: وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظًا، لا في إزالة حظه، فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقي. هـ. وفيه نظر: فإن تقوى المعاصي ليست شرطًا في قبول الأعمال بإجماع أهل السنة، إلا أن يحمل على تقوى الرياء والعجب. انظر الحاشية. ثم قال له أخوه هابيل: {لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يَدِيَ إليك لأقتلك إني أخاف الله ربّ العالمين} أي: لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به، أو لم أدفعك عني، وهل تركه للدفع تورع، وهو الظاهر أو كان واجبًا عندهم، وهو قول مجاهد؟ وأما في شرعنا: فيجوز الدفع، بل يجب، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: قيل: كان هابيل أقوى منه، فتحرج عن قتله، واستسلم له خوفًا من الله، لأن الدفع لم يُبح بعدُ، أو تحريًا لِمَا هو الأفضل. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُن عبدَ الله المقتُول، ولا تكُن عبدَ الله القاتل " تفسير : . وإنما قال: {ما أنا بباسط} في جواب {لئن بسطت}؛ للتبري من هذا الفعل الشنيع، والتحرز من أن يوصف به، ولذلك أكد النفي بالباء. هـ. ثم قال له هابيل: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار} أي: إني أريد بالاستسلام وعدم الدفع أن تنقلب إلى الله ملتبسًا بإثمي، أي: حاملاً لإثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك بيدك إليّ، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المُستَبَّان ما قَالاَ فَعَلى البادِىء منهما مَا لَم يَعتَدِ المَظلُومُ "تفسير : . أو بإثم قتلى وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، أو بسائر ذنوبي فتحملها عني بسبب قتلك لي؛ فإن الظالم يجعل عليه يوم القيامة ذنوب المظلوم ثم يطرح في النار، ولذلك قال: {وذلك جزاء الظالمين}، يحتمل أن يكون من كلام هابيل، أو استئناف من كلام الله تعالى، أي: جزاؤهم يوم القيامة أن يحملوا أوزار المظلومين، ثم يطرحون في النار، كما في حديث المفلس. ولم يرد هابيل بقوله: {إني أريد}، أنه يُحب معصية أخيه وشقاوته، بل قصد بذلك الكلام أنه إن كان القتل لا محالة واقعًا فأريد أن يكون لك لا لي، والمقصود بالذات: ألا يكون له، لا أن يكون لأخيه. ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته. وإرادة عقاب العاصي جائزة. قاله البيضاوي. {فطوّعت له نفسه قتل أخيه} أي: سهلت له ووسِعته ولم تضق منه، أو طاوعته عليه وزينته له، {فَقتله فأصبح من الخاسرين} دينًا ودنيا، فبقي مدة عمره مطرودًا محزونًا. قال السدي: لما قصد قابيلُ قتل هابيل، راغ هابيل في رؤوس الجبال، ثم أتاه يومًا من الأيام، فوجده نائمًا فشدخ رأسه بصخرة فمات، وقال ابن جريج: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل؟ فتمثل له إبليس، وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر، ثم شدخه بحجر آخر، وقابيل ينظر، فعلمه القتل، فوضع رأس أخيه على حجر ثم شدخه بحجر آخر. وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة، وقبره قيل: عند عقبة حراء، وقال ابن عباس: عند ثور، وقال جعفر الصادق: بالبصرة، في موضع المسجد الأعظم. الإشارة: قد تضمنت هذه الآية من طريق الإشارة ثلاث خصال، يجب التحقق بها على كل مؤمن متوجه إلى الله تعالى: أولها: التطهير من رذيلة الحسد، الذي هو أول معصية ظهرت في السماء والأرض، وقد تقدم الكلام عليه في النساء، الثانية: التطهير من الشرك الجلي والخفي، والتغلغل في التبري من الذنوب التي توجب عدم قبول الأَعمال، ويتحصل ذلك بتحقيق الإخلاص، والثالثة: عدم الانتصار للنفس والدفع عنها إلا فيما وجب شرعًا، فقد قالوا: ( الصوفي دمه هدر، وماله مباح)؛ فلا ينتصر لنفسه ولو بالدعاء، فإما أن يسكت، أو يدعوا لظالمه بالرحمة والهداية، حتى يأخذ الله بيده اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال " حديث : اللهم اعفِر لِقَومي فَإنَّهُم لا يَعلَمُونَ ". تفسير : ولمَّا قتل قابيل أخاه، لم يدر ما يفعل به؛ لأنه أول من مات من بني آدم، فعلّمه الله كيفية دفنه، فقال: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : وجه إِتصال هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى أراد أن يبين أن حال اليهود في الظلم ونقض العهد وارتكاب الفواحش من الامور كحال ابن آدم قابيل في قتله أخاه هابيل، وما عاد عليه من الوبال بتعديه. فأمر نبيه أن يتلو عليهم اخبارهما وفيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) لما ناله من جهلهم بالتكذيب في جحوده وتبكيت اليهود. وقوله: {إِذ قرباً قرباناً} متعلق بنبأ، وتقديره: اقرأ عليهم خبر ابني آدم وما جرى منهما إِذ قربا قرباناً. والقربان يقصد به القرب من رحمة الله من أعمال البر وهو على وزن فعلان من القرب، كالفرقان من الفرق، والعدوان من العدو، والشكران من الشكر، والكفران من الكفر. قال ابن عباس وعبد الله بن عمر، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين: إِن المتقربين كانا ولدي آدم لصلبه: قابيل، وهابيل. وقال الحسن، وأبو مسلم محمد بن بحر، والزجاج: هما من بني اسرائيل، لأن علامة تقبل القربان لم تكن قبل ذلك. وكان سبب قبول قربان أحدهما. ورد الآخر أحد أمرين: أحدهما - أنه رد قربان أحدهما لأنه كان فاجراً فاسقاً. وقبل قربان هابيل لانه كان متقياً مطيعاً، ولذلك قال الله {إِنما يتقبل الله من المتقين}. الثاني - انه قرَّب بشر ماله وأخسه. وقرب الآخر بخير ماله، وأشرفه. فتقبل الأشرف، ورد الاخس. وقال قوم ان سبب القربان أنه لم يكن هناك فقير فمن أراد القربان أخرج من ماله ما أحب، ففعلا ذلك، فأكلت النار قربان أحدهما دون الآخر، ولم يكن ذلك عن أمر الله. وقال أكثر المفسرين ورواه أبو جعفر وغيره من المفسرين: أنه ولد لكل واحد من قابيل وهابيل اخت توأم له فأمر آدم كل واحد بتزويج اخت الآخر. وكانت اخت قابيل أحسن من الاخرى، فارادها، وحسد أخاه عليها، فقال آدم قربا قرباناً، فأيكما قبل قربانه فهي له، وكان قابيل صاحب زرع فعمد الى اخبث طعام. وعمد هابيل الى شاة سمينة ولبن وزبد، فصعدا به الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل، ولم تعرض لقربان قابيل. وكان آدم غائباً عنهما بمكة، فقال قابيل لا عشت يا هابيل في الدنيا، وقد تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني. وتريد أن تأخذ اختي الحسناء. وآخذ اختك القبيحة، فقال له هابيل: ما حكاه الله تعالى، فشدخه بحجر فقتله، ثم حمله على عاتقه وكان يضعه على الارض ساعة ويبكي ويعود يحمله كذلك ثلاثة أيام إِلى أن رأى الغرابين. وقوله: {لأقتلنك} معناه قال الذي لم يتقبل قربانه: و {قال إِنما يتقبل الله} يعني الذي تقبل قربانه، وإِنما حذف لدلالة الكلام عليه. وقيل في علامة القبول قولان: قال مجاهد كانت النار تأكل المردود. وقال غيره بل كانت العلامة في ذلك ناراً تأتي فتأكل المتقبل ولا تأكل المردود. وقال قوم في الآية دلالة على ان طاعة الفاسق غير متقبلة لكنها تسقط عقاب تركها. واما النافلة فيصل اليه ضرب من النفع بها. وتقبل الطاعة إِيجاب الثواب عليها - وهذا الذي ذكروه غير صحيح - لأن قوله {إِنما يتقبل الله من المتقين}: معناه إنما يستحق الثواب على الطاعات من يوقعها لكونها طاعة فاما إِذا فعلها لغير ذلك فانه لا يستحق عليها ثواباً. فاذا ثبت ذلك، فلا يمتنع أن تقع من الفاسق يوقعها على الوجه الذي يستحق عليها الثواب فيستحق الثواب ولا تحابط عندنا بين ثوابه وما يستحق عليه العقاب. والاتقاء يكون لكل شئ يمتنع منه غير أنه لا يطلق اسم المتقين إِلا على المتقين للمعاصي خاصة بضرب من العرف، لأنه أحق ما يجب أن يخاف منه كما لا يطلق خالق إِلا على الله - عز وجل - لأنه أحق بهذه الصفة من كل فاعل، لان جميع أفعاله تقع على تقدير وترتيب وقوله: {إِنما يتقبل الله من المتقين} يعني القرابين إِنما قوله تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} آية يتقبلها الله من الذين يتقون معاصي الله خوف عقابه دون من لا يتقيها. في هذه الآية إِخبار عن ولد آدم المقتول، وهو هابيل أنه قال لاخيه حين هدَّده بالقتل لما تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه، فقال {لئن بسطت إِلي يدك} ومعناه لئن مددت إِلي يدك. والبسط هو المد وهو ضدَّ القبض "لتقتلني" معناه لأن تقتلني ما أنا باسط يدي اليك لأن أقتلك. فان قيل لم قال ذلك وقد وجب بحكم العقل الدفع عن النفس وإِن أدَّى إِلى قتل المدفوع؟! قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أن معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك لا على أني لا ادفعك عن نفسي إِذا قصدت قتلي هذا قول ابن عباس وجماعة، وقيل: إِنه قتله غيلة بأن ألقى عليه وهو نائم صخرة شدخه بها. الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والجبائي: إِنه كان كتب عليهم إِذا أراد الرجل قتل رجل تركه ولم يمتنع منه. وكان عمرو بن عبيد يجيز الوجهين وهو الأقوى لأن كلا الامرين جائز. فان قيل كيف يجوز الوجه الاخير وفيه اطماع في النفس؟! قلنا: ليس فيه شيء من ذلك لأنه يجري مجرى قول القائل لغيره لئن ظلمتني لم أظلمك، ولئن قبحت في أمري لم أقبح في أمرك بل في ذلك غاية الزجر والردع عن القبيح، لأن القبيح منفر عن نفسه صارف عن فعله. وقوله: {إِني أخاف الله رب العالمين} يعني أخاف الله في ابتداء مدي اليك يدي لقتلك {رب العالمين} يعني رب الخلائق. واللام في قوله {لئن} لام القسم وتقديره أقسم {لئن بسطت إِلي يدك} وجوابه {ما أنا بباسط} ولا تقع (ما) جواباً للشرط والفرق بينهما أن لـ (ما) صدر الكلام والقسم لا يخرجها عن ذلك كما جاز ان يكون جواب القسم بـ (أن) ولام الابتداء، ولم يجز بالفاء لأن المقسم عليه ليس يجب بوجوب القسم وإِنما القسم يؤكده، وجواب الشرط يجب بوجوبه، واذا اجتمع القسم والجزاء كان جواب القسم أولى من جواب الجزاء، لانه لما تقدم وصار الجزاء في حشو الكلام غلبه على الجواب فصار له واكتفى به من جواب الجزاء لدلالته عليه. وروى غياث بن ابراهيم عن ابي اسحق الهمداني عن علي (ع) أنه قال: لما قتل ابن آدم (ع) اخاه بكا وقال: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح تفسير : فأجاب آدم (ع): شعر : أيا هابيل قد قتلا جميعاً وصار الحي بالموت الذبيح وجاء بشرة قد كان فيه على خوف فجاء بها يصيح
الجنابذي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ آدَمَ} قابيل وهابيل {بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} اظهر كلٌّ منهما وعرض قرباناً على الله، والقربان ما يتقرّب به من ذبيحة او غيرها {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا} لانّه خرج من نفسه وهواها واتى بالقربان بأمر مولاه وعمد الى احسن ما عنده {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} لسخطه حكم الله وكون قربانه من قبل النّفس وهواها واتيانه بأخسّ ما عنده وهو قابيل {قَالَ} قابيل لهابيل {لأَقْتُلَنَّكَ} توعّده بالقتل لفرط حسده عليه لقبول قربانه {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} لا من المعتدين المقدمين على قتل النّفس المحترمة يعنى قبول القربان انّما يحصل بالتّقوى عن النّفس وهواها لا بالحسد على الغير وقتله لتقواه {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} فى الدّنيا والآخرة روى انّه لمّا اراد قتله لم يدر كيف يقتله فجاء ابليس فعلّمه ولم يدر بعد القتل ما يصنع به.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم} هما قابيل وهابيل أوحى الله تعالى إلى آدم (عليه السلام) أن يزوج كلا منهما توأمة الآخر وكانت توأمة قابيل أجمل فحسد أخوه وسخط، وقال لهما آدم: قربا قرباناً فمن قبل قربانه تزوجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأحرقته فازداد قابيل حسداً وغيظاً وتوعده بالقتل، قوله تعالى: {ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} قيل: كان أقوى من القاتلة وأبطش منه ولكن عرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله تعالى، لأن الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت قال ذلك جار الله عن مجاهد {فطوَّعَت له نفسه قتل أخيه فقتله} قيل: قتله وهو ابن عشرين سنة، وروي أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم فلما قتله تركه على وجه الأرض لا يدري ما يصنع فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح، وعكفت عليه السباع {فبعث الله} غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجله ثم ألقاه في الحفرة، قوله تعالى: {قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} وروي أنه لما قتله اسوّد جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه عليه وكيلاً فقاله: بل قتلته ولذلك اسوّد جسدك، وروي أن آدم (عليه السلام) بعث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر وهو كذبٌ، لأن الأنبياء معصومون من الشعر، قوله: {ليريه} أي ليريه الغراب {كيف يواري سوءَة} أخيه أي عورة أخيه فأصبح من النادمين على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره واسوداد لونه وسخط أبيه آدم (عليه السلام) ولم يندم ندم التائبين، قوله تعالى: {من أجل ذلك} يعني بسبب ذلك، يعني من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه، قال جار الله: من لابتداء الغاية أي ابتدينا الكتب ونشأ من أجل ذلك معنى {كتبنا} فرضنا {على بني إسرائيل} ذلك ليردع به عن القتل، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : من سنَّ سنَّة حسنةً كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سنَّ سنَّة سيِّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" تفسير : قوله: {بغير نفس} أي بغير قتل نفس لا على وجه الاقتصاص {أو فسادٍ في الأرض} قيل: هو الشرك وقطع الطريق {فكأنما قتل الناس جميعاً} أي يُقتَل كما لو قتلهم، وقيل: أراد تعظيم ذلك لأنه إذا همّ بقتل نفس تصور له قتل الناس جميعاً فعظّم ذلك عليه ومن أحياها ومن استنقذها ومنها ستنقذها من بعض أسباب الهلكة من قتل أو غرق، أو حرق أو هدم، أو عفو عن قود، وعن مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب الأليم {ثمَّ إِنَّ كثيراً منهم بعد ذلك} يعني بعدما كتبنا عليهم ذلك وبعد مجيء الرسل بالبيِّنات {لمسرفون} يعني في القتل لا يبالون بعظمته.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} أي خبر ابني آدم {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ}. قال الكلبي: كانت حواء تلد في كل بطن اثنين: غلاماً وجارية؛ فولدت في أول بطن قابيل ابن آدم وأخته، وفي البطن الثاني هابيل وأخته. فلما أدركوا أُمِر آدمُ أن يُنكح قابيلَ أختَ هابيلَ وهابيلَ أختَ قابيل. فقال آدم لامرأته الذي أمر به؛ فذكرته لابنيها، فرضي هابيل بالذي أمر به، وسخط قابيل لأن أخته أحسنهما، فقال: ما أمر الله بهذا قط، ولكن هذا عن أمرك يا آدم. قال آدم: فقرّبا قربانكما فأيّكما كان أحق بها أنزل الله ناراً من السماء فأكلت القربان. فرضيا بذلك. فعمد هابيل، وكان صاحب ماشية، إلى خيار غنمه وزبد ولبن وكان قابيل زرّاعاً فأخذ من سوء زرعه، ثم صعد الجبل وآدم معهما. فوضعا القربان على الجبل، فدعا آدم ربه، وقال قابيل في نفسه: لا أدري أيقبل مني أم لا، لا ينكح هابيل أختي أبداً. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتجنّبت قربان قابيل لأنه لم يكن زاكي القلب. فنزلوا من الجبل. فانطلق قابيل إلى هابيل وهو في غنمه فقال: لأقتلنّك، قال: لِمَ، قال: لأن الله تقبّل منك وردّ عليّ قرباني، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك القبيحة، ويتحدث الناس بعد اليوم أنك خير مني، فقال له هابيل: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً فخذوا بخيرهما ودعوا شرهما ". تفسير : ذكر بعضهم قال: كان من قبلكم إذا تقربوا بقربان فتقبل الله منهم نزلت عليه من السماء نار فأكلته، فإذا رد عليهم خلوا عنه فأكلته السباع والطيور.
اطفيش
تفسير : {وَاتلُ}: يا محمد. {عَلَيهِمْ}: على مشركى قريش، أو مشركى العرب، أو على اليهود والنصارى، وهو عندى أظهر أو على الكل. {نَبَأَ ابْنَى آَدَمَ}: خبرهما، وهما هابيل وقابيل عند الجمهور، كان أولاد آدم ذكرهم يتزوج توءمة أخيه الآخر بوحى الله باباحة ذلك، وكانت توءمة قابيل أجمل من توءمة هابيل، وهى لهابيل، فسخط قابيل. وعبارة القاضى: أوحى الله تعالى الى آدم أن تزوج كل واحد منهما توءمة الآخر، فسخط قابيل لأن توءمته أجمل، ولعل ذلك أول ما يتزوج ابن آدم ببنت آدم، فكان سنة لمن بعدهما من أولاد صلبه، أو أوحى اليه بالكل، ولو خص السبب بهما فقال لهما آدم: قربا قرباناً فمن أيكما قبل تزوجها، فقبل قربان هابيل، بان نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل سخطاً وهذا أن الله أوحى اليه بتزوج التوءمة على طريق الاباحة، ولو شاء كل تزوج توءمة نفسه، والا لم يجعل القربان لذلك كالقرعة. وكانت أمنا حواء عليها السلام تلد لأبينا آدم فى كل حمل غلاماً وجارية، كان جميع ما ولدته أربعين ولداً فى عشرين حملا، وقيل: الاشيث ولدته منفرداً، وأولهم قابيل وتوءمته اقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوءمته أم الغيث، وابرك الله تعالى فى نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا، ورأى آدم فيهم الزنى وشرب الخمر وقتل النفس، وذلك أن قابيل قتل هابيل، واختلف فى مولدهما: قال بعضهم غشى آدم حواء بعد مهبطهما الى الأرض بمائة سنة، فولدت قابيل وتوءمته اقليما من بطن، ثم هابيل وتوءمته لبود من بطن. وقيل: تغشى آدم حواء فى الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت بقابيل وتوءمته فولدتهما بلا وجع ولا طلق ولا دم لطهر الجنة عن ذلك، ثم هبطوا الى الدنيا، ولما اطمأن بها تغشاها فحملت بهابيل وتوءمته، وولدته بوجع وطلق ودم، وكان اذا كبر الولدان زوج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر، وكان الرجل يتزوج من أخواته من شاء الا توءمته التى ولدت معه من بطن واحد لا تحل له، وذلك لأنه لا نساء يومئذ الا أمهم حواء وأخواتهم، فذكر آدم لهابيل أن يتزوج أخت قابيل فرضى، وذكر لقابيل أن يتزوج أخت هابيل فسخط وقال: هى أختى ولدت معى من بطن واحد ونحن من أولاد الجنة، وأنا أحق بها، وهى أحسن من أخت هابيل، وهما من أولاد الأرض، وهو أحق بأخته، فقال آدم عليه السلام: لا يحل لك، فأبى أن يقبل، وقال: ان الله تعالى لم يأمرك بذلك، وانما هو من رأيك وأمرهما بالقربان. وقال معاوية بن عمار: سألت جعفر الصادق: أكان آدم زوج بنته من ابنه؟ قال: معاذ الله لو فعل ذلك آدم ما رغب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ان الله تعالى لما أهبط آدم الى الأرض وحواء، وجمع بينهما ولدت حواء بنتاً سماها عناق، فبغت وهى أول من بغى على وجه الأرض، يعنى زنت، فسلط الله عليها من قتلها، وولدت بعدها قابيل ثم هابيل، ولما أدرك هابيل أظهر الله جنية من ولد الجان يقال لها جمانة فى صورة انسية، فأوحى الله الى آدم أن زوجها قابيل، فزوجها منه،ولما أدرك هابيل أهبط الله على آدم حوراء فى صورة أنسية وخلق الله لها رحماً وكان اسمها نزلت، ولما نظر اليها هابيل أعجبته، فأوحى الله الى آدم أن زوج نزلت من هابيل، ففعل فقال قابيل: يا أباه ألست أكبر من أخى، وأنا أحق بما فعلت به منه، فقال يا بنى ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، قال: لا ولكنك آثرته على بهواك، قال: ان كنت تريد أن تعلم ذلك فقربا قرباناً فأيكمل تقبل قربانه فهو أولى بالفضل، فتقربا فتقبل قربان هابيل. وما ذكره جعفر مشكل، لأن الله جل وعلا أباح لأولاد آدم من صلبه أن يتزوجوا أخواتهم، لعدم وجود نساء سواهن. وقال الحسن والضحاك: ان ابنى آدم اللذين قربا القربان ما كان ابنى آدم لصلبه، وانما كانا رجلين من بنى اسرائيل، ويناسبه قوله تعالى: {أية : من أجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل }تفسير : الآية وقوله: {أية : فبعث الله غراباً }تفسير : الآية يناسب الأول اذا لم يعلم كيف يفعل له بعد القتل. {بِالحَقِّ}: ملتبساً بالحق أنت يا محمد، أو ملتبسا النبأ بالحق لا كذب فيه ولا اخبارك به يا محمد، فهو حال من ضميراتل، أو من النبأ وأهل الكتاب يعرفون ما يتلو عليهم من أنباء ابنى آدم، فأخباره معجزة وردع عمر الحسد، وكانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأيت القاضى ذكر بعد ذلك والحمد لله، وزاد أنه نعت المصدر محذوف تلاوة ملتبسة بالحق. {إِذ قَرَّبَا قُربَانًا}: ظرف متعلق بمحذوف نعت لنبأ على أن يكون النبأ بمعنى المنبوء به، أى الأمر المستحقر به لا على بقائه على المعنى المصدرى، لأنه ليس المراد الاخبار وقت تقريبهما القربان، وانما كان هناك ما يخبره الا أن يتكلف أنه لما وقع أمرهما وتقريبهما كان أهل زمانهما يخبرون بذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهما، وما يدل على ذلك الاخبار الواقع وقت التقريب، وان اعتبر هذا صح تعليق اذ نبأ والا فلا، واضافة نبأ لابنى ليست اضافة للفاعل ولا للمفعول، ويجوز كون اذ بدلا مطلقاً من نبأ على حذف مضاف، أى واتلو عليهم وقت نبأ على حذف مضاف، أى واتلو وقت نبأ ابنى آدم قربا قرباناً، وهذا بظاهره لا يصح الا بتقدير مفعول يتعلق به وقت، أى واتل عليهم الحادث وقد نبأ، وذلك الحادث هو نفس التقريب والتقبل، وما ذكر معهما، والحادث فى الوقت غير الوقت. والقربان ما يتقرب به مطلقاً، المراد هنا ما يتقرب بها لى الله عز وجل من صدقة أو ذبيحة أو عبادة، وهو فى الأصل اسم مصدر بمعنى تقرب أو تقريب، ولذلك صح لفظه لقربانين قربان هابيل وقربان قابيل، ويجوز أن يلاحظ معنى قرب كل واحد قربانه، فصح الافراد أيضاً وكان اذا تقبل الله قربان أحد نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها، والا لم تنزل ولم تأكلها، وتأكل الطير والدواب، وكان قابيل صاحب زرع، فتقرب بصرة قمح ردىء وأضمر فى نفسه لا أبالى أتقبل منى أم لم يتقبل، لا يتزوج أحد غيرى أختى، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد الى كبش هو أحسن كباشه فقربه وأضمر فى نفسه رضا الله تعالى فوضعا قربانهما على جبل صعداء، هما وآدم، ثم دعا آدم فنزلت النار من السماء، فأكلت قربان هابيل، ولم تأكل قربان قابيل. وقيل: قرب هابيل كبشاً سميناً من خيار غنمه، ولبنا وزبداً وأضمر التسليم لأمر الله والرضا به، وعن اسماعيل بن رافع: أن هابيل نتج له كبش فى غنمه فأحبه، ولم يكن له مال أحب اليه منه، وكان يحمله على ظهره، ولما أمر بالقربان قربه فأكلته النار واللبن والزبد، وذلك الأكل رفع له، فما زال يرتع فى الجنة حتى فدى به اسماعيل من الذبح، تقرب بجمل سمين وأيا ما كان فقيد به تقبل قربانه وحده كما قال الله جل وعلا: {فَتُقُبِّلَ}: أى القربان. {مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ الآخرِ}: قربانه وهو قابيل، فغضب وحسد أخاه هابيل وأضمر عليه، ولما أراد آدم أن يزور الكعبة قال للسماء: احفظى ولدى بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال لقابيل: احفظ ولدى بالأمانة، فقال: نعم ترجع وتراه كما يسرك، فرجع آدم وقد قتل قابيل هابيل، فزعم بعض أن هذا هو المراد فى قوله تعالى: {أية : انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال }تفسير : الآية فالانسان الظلوم الجهول قابيل، حمل أمانة أبيه وخانه، لما غاب آدم أتى قابيل الى هابيل وهو فى غنمه وقال: لأقتلنك، قال: ولم؟ قال: لأن الله تعالى تقبل قربانك ولم يتقبل قربانى، وتنكح أختى الحسنة وأنكح أختك الذميمة، فيتحدث بنو آدم أنك خير منى وأفضل، ويفتخر ولدك على ولدى، قال: فما ذنبى انما يتقبل الله من المتقين كما قال الله. {قَالَ}: أى الآخر. {لأقتُلَنَّكَ قَالَ}: الأول المتقبل منه. {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ}: أى قال: لا ذنب لى أستوجب به أن تقتلنى، وانما تقبل الله قربانى لتقواى فى سائر أمرى، وقربانى وعدم اضمارى لك أى سوء، وأنت لست كذلك لعدم رضاك بأمر الله، وتقربك الردىء وحسدى، فانما أوتيت من قبل نفسك، واللائق بالحاسد أن يشتغل بالتوبة من حسده، ويجتهد فيما يحصل له به مثل ما حصل لمحسوده، ولا يشتغل بازالة ما حصل لمحسوده، فان ذلك مضرة له ونفع للمحسود. ولا يجوز أن يكون {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} خطاباً من الله تعالى لرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسمل معترضاً لأن لفظ قال المتصل به يأت ذلك فيبقى بلا محكى، أو يتكلف له محكى محذوف بلا دليل ولا داع، ولما احتضر عامر بن عبد الله بكى فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ فقال: أنى أسمع الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وَاتْلُ} يا محمد {عَلَيْهِمْ} على قومك أَو على الناس أَو على بنى إِسرائيل تحذيرا من عاقبة السوءِ على الحسد فيترك أَهل الكتاب وغيرهم حسدك على رسالتك وجناية ابن آدم وجناية بنى إِسرائيل متحدثان فى المعصية، وأَيضا تناسبتا بأَنهم جبنوا على القتل وابن آدم اجترأَ عليه والقصة غامضة لا توجد إِلا عند الخاصة فتكون حجة له صلى الله عليه وسلم {نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ} هابيل وقابيل وهو أَكبر بسنتين فالبنوة لآدم بلا واسطة وقيل رجلان من بنى إِسرائيلِ فالبنوة له بوسائط، ويناسبه قوله عز وجل { من أَجل ذلك كتبنا على بنى إِسرائيل} إِلخ. إِلا أَنه يناسب كونهما هابيل وقابيل لأَن قتله هابيل سبب لمفاسد كثيرة {بِالحَقِّ} تلاوة ملتبسة بالحق واتل ملتبسا بالحق أَو نبأَ ابنى آدم ملتبسا بالحق وهو الصدق الموافق لما فى الكتب الأُولى من الحسد وتحريمه، أَوحى الله جل وعلا إِلى آدم أَن زوج قابيل الأَنثى التى اجتمعت مع هابيل فى بطن حواء وهى لبود، أَو زوج هابيل الأُنثى التى كانت مع قابيل فى بطنها فسخط قابيل لأَن التى كانت معه فى البطن أَجمل وأَنهما معا من الجنة، جعل الله عز وجل التخالف بالاجتماع فى البطن بمنزلة افتراق النسب للضرورة فالتي لم تجتمع معه في البطن كأَنها غير أَخته، ويروى أَنها حملت حواء بها فى الجنة وهى إِقليما مع قابيل فى بطن واحد قبل أَن يصيب آدم. الخطيئة، ولم تجد لها وحما ولا وجعا ولا دما وحملت هابيل ولبودا فى الدنيا بوحم ووجع ودم، وقيل حملتهما فى الأَرض بعد مائة سنة وبعدهما هابيل ولبودا فقال لهما آدم قربا فمن قبل قربانه تزوجها وذلك إِزاحة للعلل وإِيضاحا لأَمر الله إِن كان قد أَخبره الله أَنه قضى فى الأَزل يتزوجها لهابيل فلا بد من موافقة القربان له، أَو أَمره بأَن يقربا مع إِيحائه أَن زوجها هابيل وإِلا فالتحكيم لا يجوز بعد حكم الله حاشى آدم عنه، وقيل أَمره الله بذلك وقال لا تحل لك فقال ذلك رأيك لا من الله، وأَمرهما بالقربان وقد علم عليه السلام أَنه لا يقبل من قابيل فقرب هابيل كبشا سمينا ويروى جملا بالجيم ويروى جذعة وكان صاحب ضرع وقابيل قمحا رديئا وكان ذا زرع كما قال الله عز وجل {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانا} أَى قرب كل واحد قربانا أَو قرب كلاهما قربانا، أَو أَفرد لأَنه مصدر فى ألأَصل يصلح للاثنين وإِذ متعلق بنبأ على تقدير مضاف أَى نبأَ إِذ قربا قربانا، ولا بد من التأْويل لأَن الاخبار لم يقع وقت تقريب القربان {فَتُقُبِّلَ} أَى هو أَى قربان أَو النائب قوله {مِنْ أَحَدِهِما} هو هابيل قبل كبشه أَو جملة بأَن نزلت نار بيضاء فأَكلته أَو حملته إِلى الجنة حتى كان فداء، أو نور فحمله كذلك {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ} هو كالأَول {مِنَ الآخَرِ} قابيل لم تنزل النار أَو النور على قمحه إِذ قرب الردىءَ وسخط حكم الله ولم يخلص النية فى قربانه، ويروى أَنه قرب حزمة سنابل القمح الردىء ووجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأَكلها وقال: لا أُبالى أَتقبل أَم لا هى أَختى لا يتزوجها غيرى، وهى حرام عليه لأَنها معه فى بطن واحد، وأَضمر هابيل الرضا بما حكم الله. وما لم يقبل لم يرفع بل يبقى للطير والوحش {قَالَ} الآخر لفرط حسده على تقبل قربان هابيل دون قربانه وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا حسدت فلا تبغ، أَو لحصول توأَمته له ويدل للأول قوله إِنما إلخ {لأَقْتُلَنَّكَ} لأَستريح منك ولئلا تتزوجها {قَالَ} الآخر {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المتَّقِينَ} وأَنت لم تتق فلم يتقبل قربانك وإِنما أَتيت من جهة نفسك فلماذا تقتلنى، ولِمَ لَمْ تفعل سبب القبول منك واللبيب يتعاطى أَسباب تحصيل مثل ما يحسد فيه غيره لا أَسباب إِزالته عن غيره، فإِن ذلك لا ينفعه ولا يزيل وإِن زال به أَثم بزواله، أَو كنى بذلك عن أَنى لا أخرج عن التقوى بترك حكم الله تعالى ولا أَختار عنها الحياة، أَو الكناية عن أَنى لا أَدفعك بالقتل عن قتلى كما قال {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلىَّ يَدَكَ} لم يقل يديك لأَن القتل يتصور ولو بيد واحدة، ولذلك لم تشدد الياء فى يدى ولو شدد لكان مثنى {لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدىَ إِليْك لأَقْتُلَكَ} لست ممن يوصف ببسط اليد لقتلك {إِنِّى أَخَافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ} كان هابيل أَقوى من قابيل ولكن لم يبح الله لهم فى ذلك الزمان وما بعده الدفع عن أَنفسهم إِلى أَن شاءَ الله، فكان ترك الدفع واجباً وخوفاً من عقاب الله على ترك الواجب وإِن كان تركه مستحباً فخوفه من نقص الثواب، وقيل قتله نائماً وزعم الشافعى أَنه يجوز لنا هذا إِذا كان القاتل غير مشرك وغير مهدور الدم، وزعموا عنه صلى الله عليه ويلم أَنه قال لمحمد بن مسلمة: حديث : أَلق كمك على وجهك وكن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالمتفسير : ، ويروى حديث : وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتلتفسير : ، وأَنه قال لخباب فى الفتنة التى القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشى والماشى فيها خير من الساعى: حديث : إِن أَدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتلتفسير : ، وقال حديث : إِذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النارتفسير : ، والصواب وهو مذهبنا وجوب الدفع علينا ولو كان يؤدى إِلى الموت، ومعنى الأَحاديث لا تخرج عن دينك ولو كان عدم الخروج عنه يؤدى إِلى الموت وإِنما يكون القاتل والمقتول فى النار إِذا كان كل منهما مبطلا، وعن ابن عباس لا أَقتلك ظلماً أَو لا أَبتدئك بالقتل ظلماً لكن لم يرو أَنه قاتله ولا دفعه مع أَنه أَقوى، وتحمل أَحاديث الباب على ما إِذا لم يبق فى عقله أَو فى يده ما يدفع به {إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ} تتهيأ أَو ترجع إِلى ربك أَو منزلك {بإِثْمِى} لو بسطت إِليك يدى {وإِثْمِكَ} بسخط أَمر الله ومخالفة أَبيك والحسد وإِضمار القتل وبسط يدك إِلىَّ إِن بسطتها إِلىَّ فالشخص يحمل إِثم المباشرة وإِثم كونه سبباً لإِثم شخص آخر فالبادئَ بالسب حامل لإِثم سبه وإِثم تسبيه لسب صاحبه له، وكلا الإِثمين فعل له لقوله تعالى{أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى}تفسير : [الأنعام: 164] أَو أَراد بالإِثم قتلِى أَو أَراد بالإِثم لازمه ومسببه وهو العقاب، أَو إِثمى إِثم قتلى وإِثمك الإِثم الذى عليه قبل القتل وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وقيل بإِثمك الذى لم يتقبل به قربانك وقيل إِثم قتلى وإِثمك الذى هو كل قتل محرم بعدك لأَنك سننته، ومن كلام أَصحابنا أَنه يجوز أَن تدعو لصاحب الكبيرة أَن يزيد عصياناً حتى أَجاز بعض أَن تدعو له بالإِشراك لقوله تعالى {أية : واشدد على قلوبهم} تفسير : [يونس: 88] وقد بحثت فى شرح التبيين لذلك، ولا أَقول بذلك لأَن فيه ميلا إِلى المصية ووقوعها وأَنت خبير هل شرع من قبلنا شرع لنا، والآية تقبل أَن يكون المراد بها التبرىء من الإِثم لا حصوله لأَخيه كقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : أَشهد غيرىتفسير : ، بمعنى أَنه ليس ذلك جائزا لا حقيقة الأَمر بإِشهاد غيره صلى الله عليه وسلم، وقدر بعض إنى أريد أَن لا تبوء أَولا أريد أَن تبوءَ، وإِما أَن تريد العقاب للفاسق فواجب يثاب عليه عندنا ولو لم يكن مشركاً فكيف وقد يطلع هابيل على شرك قابيل {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} لأَنفسهم أَو لغيرهم، وظالم غيره ظالم لنفسه بل ظالم نفسه لغيره لشؤم المعصية بالقحط والطاعون والآفات: {فَطَوَّعَتْ} سهلت {لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} هو صعب فى الحقيقة لتحريم الله وللعقاب وللرقة القلب لكن سهلته له نفسه، يقال طاع له الأَمر أَى انقاد وطاع المرعى اتسع {فَقَتَلَهُ} نهاراً، ومعنى أَصبح صار لا ما قيل أَنه قتله ليلا قيل لم يدر كيف يقتله فأَعلمه إِبليس أَن يجعل رأسه على حجر ويضربه بآخر، وقيل رض رأس طائر بين حجرين فتعلم منه، ويقال عن ابن مسعود وغيره أَن هابيل هرب عن أَخيه فى رءُوس الجبال فوجده يوماً نائماً مع غنمه فقتله بصخرة {فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ} لدينه وآخرته ودنياه إِذ لم ينتفع ببدنه إِذ توحش وأقصى وعوقب وحزن حتى قتله ولده ولم يتزوج إقليما ولا لبودا، وقيل هرب بإِقليما إِلى عدن من أَرض اليمن واسود وجهه ومسخ قلبه وكان مذموماً أَبداً، ويقال لما مات علق برجله إِلى الشمس تصيبه إِلى حظيرة نار صيفاً وإِلى حظيرة ثلج شتاءً يعذب بذلك، وفى الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعاً حديث : لا تقتل نفس ظلماً إِلا كان على ابن آدم الأَول كفل منها لأَنه أَول من سن القتلتفسير : ، وفى الطبرى والبيهقى عن ابن عمر موقوفاً: إِنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أَهل النار قسمة صحيحة عليه شطر العذاب، والأَشقياء الثلاثة إِبليس وقابيل وقاتل ناقة صالح، وهرب إِلى عدن وقال له إِبليس: تقبل قربان أَخيك لأَنه يعبد النار فعبدها فكان عليه وزر من عبدها ومن عبد غير الله سبحانه مطلقا، ولما قتل هابيل قيل له اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا تأمن من تراه وكان قبل موته لا يمر به أَحد إِلا رماه بالحجارة لقتله هابيل، وعمر هابيل حين قتل عشرون سنة فقتله فى عقبة حراءَ، وعن كعب الأَحبار فى جبل دير المران وقيل فى جبل قاسيون وقيل فى موضع المسجد الأَعظم من البصرة، وعن ابن عباس فى جبل نود وكانت حواء تلد لآدم فى كل بطن غلاماً وجارية إِلا شيت فإنها وضعته مفرداً عوضاً عن هابيل، ومعنى شيت هبة الله لأَن جبريل عليه السلام قال لحواءَ لما ولدته: هذا هبة الله لك بدلا من هابيل وكان آدم يوم ولد شيت ابن مائة سنة وثلاثين سنة بعد قتل هابيل بخمسين سنة وجملة أَولاده تسعة وثلاثون فى عشرين بطناً عشرون من الذكور وتسعة عشر من الإِناث أَولهم قابيل وإِقليما من بطن واحد وآخرهم عبد المغيث وأَمة المغيث من بطن، وبارك الله فى نسله ومات عن أَربعين أَلفاً من ولده وولد ولده وحل لكل رجل منهم أخته إِلا التى معه فى بطن لأَنه لا نساءَ إِلا أَخواتهم فالنساء سبب للشرور فحواء عليها السلام سبب لخروج آدم عليه السلام من الجنة، وإِقليما سبب قتل هابيل ولما قتله رجفت الأَرض بمن عليها سبعة أَيام وشربت الأَرض دمه فقال الله له: أَين أَخوك هابيل؟ فقال ما أَدرى ما كنت عليه رقيباً، فقال الله عز وجل إِن دمه لينادينى من الأَرض فلم قتلت أَخاك. فقال: فأَين دمه إِن قتلته، فحرم الله على الأَرض شرب الدم وكان آدم بمكة خرج إِليها ليراها بعد أَن طلب من الجبال والأرض والسماءِ أَن يحفظن ولده هابيل فأَبين واستحفظه قابيل: فقال نعم أَحفظه وأَهلك حتى ترجع فخانه فقتله فاشتاك الشجر أَى ظهر له شوك وتغيرت الأَطعمة وحمضت الفواكه واغبرت الأَرض فقال: حدث فى الأَرض حادث فلما رجع الهند وجد قابيل قد قتل هابيل فسأَله أَين هابيل فقال ما كنت عليه وكيلا. فقال: بل قتلته ولذلك اسود وجهك وجلدك فما ضحك مائة سنة فجاءَه ملك على تمامها فقال له حياك الله تعالى وبياك، وبشره بغلام وهو شيت فضحك، وقيل ولد شيت لخمسين سنة من قتل قابيل وجعل مرثيته نثراً بالسريانية لما قتل هابيل وأَوصى بها شيت وأَوصاه على الدين وجعله ولى عهده وأَنزل الله جل وعلا إِليه خمسين صحيفة وعلمه ساعات الليل والنهار وعبادة الخلق فى كل ساعة، ولما وصلت مرثيته يعرب بن قحطان جعلها شعراً بتقديم وتأْخير هكذا: شعر : تغيـــــرت البــــلاد ومـــــن عليهــــا فـــــوجـــه الأَرض مغبـــــــــــــر قبيــــح تغيـــــر كـــــل ذى طعــــــم ولـــــون وزال بشــــاشـــــة الـــوجـــه المليــــح ومــا لى لا أَجـــــود بسكــب دمعــــى وهابيـــــل تضمنـــــــــه الضـــــــريــــح أَرى طــــول الحيــــــــاة عـــلى غمـــا فهـــــــــل أَنـــــــا من حيـــاتى مستــريــــح تفسير : اختار بعض أَنه ليس ليعرب لركته، والوجه المليح بقطع المليح إِلى الرفع وجه هابيل وليس ذلك شعراً لآدم لأَن الأَنبياءَ لا يقولون الشعر، ولما قتله حمله على ظهره فى جراب أَربعين يوماً وقيل حمله سنة وقيل أَكثر لما رأَى السباع قصدته للأَكل وأَنتن وجاف وكان أَول آدمى مات فلم يدر ما يصنع به {فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً} إِكراماً لهابيل رضى الله عنه {يَبْحَثُ فِى الأَرْضِ} برجليه ومنقاره حفراً ودفناً لغراب قتله هذا الغراب اقتتلا فحفر القاتل حفرة فألقى المقتول فيها ودفنه بترابها وقيل أَحد الغرابين ميت وقيل الغراب الباحث ملك بصورة الغراب ولا حجة لهذا، وقيل خص الله تعالى الغراب لأَنه يشتام به فى الفراق بعد، وكذلك آدم حفرت له الملائكة ودفنوه وكذلك موسى حفرت الملائكة قبراً فمر عليهم موسى فأَعجبته خضرته وحسنه فقال لهم لمن هذا؟ فقالوا لعبد كريم على ربه وإِن شئت فانزل فيه فنزل فامتد وتنفس فقبض الله روحه وسووا عليه التراب. وقيل أَتاه ملك الموت بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه وعمره مائة وعشرون، ويروى أَنه جاءَه ملك الموت فقال أَجب أَمر ربك فلطمه ففقأَ عينه فقال: يارب أَرسلتنى إِلى عبد لا يريد الموت ففقأَ عينى فرد الله عينه فقال: ارجع إِليه فخيره أَن يقبض على متن ثور ويعيش قدر ما قبض عليه شعرة بسنة. فقال موسى: فما بعد ذلك. قال: الموت قال: فمن الآن: فقال: يارب أُدننى من بيت المقدس رمية حجر فقربه إِلى جهته قدرها فقبضه، وكذلك ذهب إِلى كهف مع هارون فمات فدفنه موسى، فقالوا له قتلته لحبنا إِياه فتضرع إِلى الله عز وجل فأَوحى الله إِليه أَن اذهب إِليه معهم فإِنى أَحييه فناداه يا هارون فقام ينفض التراب فقال: أَنا قتلتك. قال: لا ولكن مت فعاد كما كان. وأَما يوشع فدفن فى جبل إِبراهيم وعمره مائة سنة وست وعشرون، أَقام في بنى إِسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة، وكل هؤلاء دفنوا بلا حائل بينهم وبين التراب كالغراب، والسنة كذلك لا يحال بين كفن الميت والأَرض من فوق ولا من تحت أَو جانب إِلا الحد. ودفن قابيل هابيل بالتراب كالغراب بلا حائل تعليماً من الله أَن لا يجعل حائلا كما قال {لِيُرِيَهُ} أَى ليريه الله أَو الغراب بمعنى الإِعلام أَو التبصير. والتحقيق جواز تعليق الرؤية البصرية لإِفضائها إِلى معنى العلم {كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ} عورة أَخيه وهى بعد موته جسده كله أَو بعد تغييره، وسمى لأَنه يسوءُ ناظره ولا سيما ما هو منه العورة الواجب سترها ولأنه يقبح بقاء الميت غير مستور، أَو هى عورته الكبرى أَو السرة والركبة وما بينها، ويراد أَن غيرها كذلك وخصت لأَن ذكرها آكد. {قَالَ يَا وَيْلَتَى} ياهلكتى احضرى فهذا زمانك، والمراد التحسر وقد حضرتنى إِذ حملته ولم أَدفنه وزعم بعض أَن المعنى اعتراف على نفسه باستحقاق العقاب، ويروى أَنه لما هرب إِلى عدن أَتاه إِبليس فقال إِنما تقبل قربان أَخيك لأَنه يعبد النار فاعبدها أَنت وعقبك فعبدها وهو أَول من عبدها وكان لا يمر به أَحد إِلا رماه بحجارة لقتل هابيل فأَقبل ابن لقابيل أَعمى ومعه ابنه فقال ابن الأَعمى لأَبيه: هذا أَبوك قابيل، فرماه بحجارة فقتله، فقال الابن لأَبيه قتلت أَباك قابيل فلطم الأَعمى ابنه فقتله، فقال ويلى قتلت أَبى بالرمى وابنى باللطم، واتخذ أَولاد قابيل الطبول والزمور والعيدان والطنابير والخمور والفواحش وعبادة النار حتى أَغرقوا بالطوفان، ولم تبق إلا ذرية شيت {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ} عن أَن أَكون {مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} تعجب من أَنه لم يهتد إِلى ما اهتدى إِليه الغراب {فَأُوَارِىَ} عطف على أَكون أَى أَعجزت عن كونى مثل هذا الغراب فى الحفر والدفن وعن مواراة أَخى أَو منصوب فى جواب الاستفهام أَى أَكان منى عجز عن كونى مثله ومواراتى عطف للمواراة على عجز فى السبك {سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ} صار {مِنَ النَّادِمِينَ} فحفر له ودفنه، وندمه على حمله وعلى عدم اهتدائه للدفن وعلى فقد أَخيه ولما أَصابه من العذاب والسوء وسواد بدنه كما مر، وبراءَة أَبيه وأَمه منه، ومطلق الندم لا يكون توبة بل يكون الندم توبة إِذا كان معه تضرع إِلى الله وعزم على عدم العود وتدارك ما فعل بما يجب كدية أَو قود أَو طلب عفو، وكل ما وقع من المعاصى فى الأُمم وقع مثله أَو ما يناسبه بعد فليحذر الحاذر.قال عمارة اليمنى: شعر : لا تعجبن لقدار ناقة صــالـــح فلكــل عصــــر ناقــــة وقــــدار تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} الذى فعل قابيل من قتل هابيل متعلق بالنادمين عند نافع، وقال الجمهور بقوله تعالى {كَتَبْنَا} وعليه فالإِشارة ليست إِلى نفس ما فعل قابيل إِذ لا مناسبة بين ما فعل قابيل ووجوب القصاص على بنى إِسرائيل، إِلى المفاسد التى لوح إِليها ذلك القتل وإِلى الخسارة فى قوله من الخاسرين والندم أَيضاً والتحسر بلا توبة. وخص بنى إِسرائيل مع أَن الحكم عام لمن قبلهم ومن بعدهم لكثرة القتل فيهم حتى قتلوا الأَنبياءَ وعالجوا قتل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسموه ومات بسمهم حين مات، ولأَنهم أَول من نزل عليهم فى الكتاب التغليظ فى القتل وقبلهم التغليظ بقول لا بكتاب، وأَصل الأَجل بإِسكان الجيم جناية الشر ثم استعمل فى تعليل الجناية ثم فى التعليل مطلقاً، ومن للابتداء وذلك كقولهم من جراك فعلته بشد الراءِ بوزن دعوى أَى من أَن جررته أَى جنيته، والمعنى من أَجل ذلك فرضنا {عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} أَى بغير قتل نفس مكافئة توجب القصاص أَو لا توجبه كأَب قتل ولده وقتل عبد فإِن قتل ذلك حرام ولا قصاص فيه ومن اقتص هلك. {أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ} أَما قتلتها بفساد كطعن وقطع طريق وردة وشرك فعبادة {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعًا} لفتحه باب القتل وتجرئه الناس حتى كأَن الناس قاموا كل يقتل آخر، ولأَن قتل الواحد كقتل الجميع فى جلب غضب الله عز وجل وانتهاك حد الله {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أَبقاها حية مثل أَن يعفو عن قاتل وليه أَو ينجى أَحداً من موت بحرق أَو غرق أَو جوع أَو عطش أَو قاتل أَو سبع أَو داءٍ بنحو دواء ونحو ذلك. وزعم بعض أَن المعنى من أَعان على استيفاء القصاص {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} وقد قتلوا، وذلك لفتح باب إِبقاءِ الحياة وترغيب الناس فيه ومراعاة حق الله وحدوده، وفى ذلك محاماة إِذ قاتل غيرك كقاتلك ومسارعة إِذ كان محيى غيرك كمحييك فتحب المحيى وتعينه وترد مريد القتل وتبغضه {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ} أَى بنى إِسرائيل {رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} ماهو واضح يتبين به لهم الحق والباطل من آيات تنزل أَو معجزات كالتوراة والزبور والإِنجيل وصحف موسى العشر والعصا واليد والطوفان ومعجزات عيسى عليهم السلام {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ} المجىء بالبينات {فِى الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} بالمعاصى كالقتل وقيل بالإِشراك، وقيل بالقتل كما أَسرف قابيل، ولم يتأَثروا بما جاءَت به الرسل ومن ذلك شأْن التيه إِذ لم يقدروا على الخروج منه مع أَن الشمس تطلع والقمر والنجوم والفجر، ومن ذلك المن والسلوى وأَعطاهم من الكسوة ما يكفى على مقدارهم لما شكوا الجوع والعرى ولا تطول شعورهم، قيل: وإِذا ولد لهم مولود كان كالظفر يطول بطوله ويتسع بقدرة كذا قيل، ومع موسى حجر من الطور يضربه بعصاه فتخرج منه اثنتا عشرة عيناً ويضربه فيكف الماء وأَرسل الله عليهم الغمام يظلهم ولو كانوا يرون منه الشمس ويطلع عليهم عمود من نور يضىء لهم ليلا وذلك كله نعمة ولو كفروها إِذ كدرها حبسهم ولم يبق بعد الأَربعين إِلا أَولادهم الذين دون العشرين فخرجوا مع يوشع وفتح الشام كلها واستباح منها ثلاثين ملكاً وفرق عماله فيها وجمع الغنائم ولم تزل النار فأَوحى الله عز وجل إِليه أَن فيها غلول مرهم يبايعونك فالتصق يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فأَتى برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر فجعله فى القربان مع الرجل فنزلت النار فأَكلت الرجل والقربان، وكان العصبة تجتمع على عنق رجل من الجبارين بالضرب، وكادت الشمس تغرب ليلة السبت فدعا الله عز وجل فردت أَو وقفت ساعة حتى فرغوا، روى أَنه قال للشمس: أَنت فى طاعة الله وسأَل الله ووقف له القمر والشمس معاً ولما حان موت موسى سأَل الله أَن يدنيه للمقدس رمية حجر ولم يسأَل الدفن فيه لئلا يعبد قبره، وجرى على منوال قابيل وفسقه بنى إِسرائيل كفرة هذه الأُمة بالقتل وغيره، ونزل فى ذلك قوله تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} لمحاربة المسلمين أَى الموحدين الذين لا تحل دماؤهم فمحاربة المسلمين محاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعظيماً كقوله تعالى: {أية : يؤذون الله ورسوله} تفسير : [الأحزاب: 57]، ولو حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم لكانوا مرتدين وإِنما المراد قطاع الطريق، قيل: ويحاربون أَولياء الله ورسوله بجر رسول فى هذا التقدير، وفيه أَنه لا يختص التحريم بأَولياء الله تعالى بل يعم كل من لا يحل قتله وذلك فى زمانه وبعده، وفى جعل محاربة المسلمين محاربة لله ورسوله تعظيم لهم، وأصل الحرب أَخذ المال وترك صاحبه بلا شىءٍ والمراد قطع الطريق باجتماع وقوة وشوكة وتعرض لمن عصم دمه ومال من عصم ماله من أَهل التوحيد وغيرهم، وذكر الله ورسوله لأَن قطع الطريق مخالفة لأَمر الله وهى أَمر عظيم، وذلك فى غير العمران، أَطلق عليه الحرب حقيقة عرفية أَو مجازا لأَنه سبب أَخذ المال ومن ذلك المكابرة باللصوصية ولوفى مصر أَو ليلا كما قال أَبو يوسف، وقال أَبو حنيفة ومحمد لا نجرى عليه فى المصر أَو فى أَقل من مسافة السفر أحكام قطاع الطريق بل أَحكام السرقة أَو القتل {وَيَسْعَوْنَ} يجتهدون وأَصله إِسراع المشى {فِى الأَرْضِ} أَرضهم وأَرض غيرهم {فَسَادًا} هذا السعى فى الأَرض فساداً هو المحاربة المذكورة ذكرت باسم عام ثم بخاص أَى ذوى إِفساد أَو نفس الإِفساد مبالغة أَو لأَجل الإِفساد، أَو يقدر مفسدين إِفساد أَو نفس الإِفساد مبالغة أَو لأَجل الإِفساد، أَو يقدر مفسدين إِفساداً أَو ضمن يسعون يفسدون، وهو فى ذلك كله اسم مصدر كما رأيت وأَجاز المبرد حالية المصدر قياساً وهو أَوفق لأَنه مجاز والعلاقة الاشتقاق أَو التعلق والمجاز مقيس {أَنْ يُقَتِّلُوا} بلا تصليب شدد للمبالغة فيمن يقتل بمعنى أَنه لا بدمن القتل ولا ينجو منه بعفو الولى أَو أَخذ الدية أَو يقتلوا كلهم لا فى نفس القتل لأَنه لا يقبل الزيادة وذلك قصاص إِن أَفردوا القتل وإِن شاءَ الولى عفا أَو أَخذ الدية ولو لم يتعدد ذلك منهم فللإمام قتلهم ولو عفا الولى أَو أَخذ الدية ولو لم يتعدد ذلك، وقيل إِن تعدد تبادر التجدد من قوله يحاربون ويسعون {أَو يُصْلَّبُوا} مكفتين إِن كفتوا وأَخذوا المال ومذهبنا أَن لا يصلب موحد، والتصليب أَن يعرض بخشبة ويطعن حتى يموت، وبه قال أَبو حنيفة وصاحبه محمد وقيل يقتل ثم يصلبوا ثلاثة أَيام وإِن خيف تغيره أَنزل قبل تمام الثلاثة، وقيل يصلبون قليلا قدر ما يعتبر به فينزل ويقتل وقيل يعرض ثلاثة أَيام ثم ينزل فيقتل، وقيل يعرض بها حتى يموت وقيل يقتل ثم يعرض ويترك حتى ينتن ويسيل ويتهرأ ويغسل ويصلى عليه غير المنظور إِليه عقب القتل فى ذلك كله، وقيل يصلى عليه بلا غسل، ومشهور المذهب إِطلاق أَنه لا يغسل ويصلى عليه وكذلك الخلاف فى المقتول بلا صلب وقيل يقتل قصاصاً وبصلب نكالا وعبرة ولا غسل لمشرك ولا صلاة {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ } اكفهم {وَأَرْجُلُهُمْ} أَقدامهم {مِنْ خِلاَفٍ} الأَيدى اليمنى والأَرجل اليسرى إِن اقتصروا على أَخذ المال وذلك أَن اليد التى تقطع فى السرقة هى اليمنى فكذا هاهنا ويزداد إِليها قطع الرجل اليسرى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أَخذ المال قطع ومن قَتَلَ قُتِلَ، ومن أَخذ المال وَقَتَلَ صلب"تفسير : ، جاءَه جبريل بهذا التقسيم فى أَصحاب أَبى بردة، ةالآية نزلت فى العرنيين نسبة إِلى عرينه قبيلة من العرب جاءوا المدينة وأَظهروا الإِسلام وهم مرضى فأَذن لهم النبى صلى الله عليه وسلم أَن يخرجوا إِلى إِبل الصدقة ويشربوا من أَبوالها وأَلبانها وهم ثمانية والإِبل خمسة عشر فلما صحوا قتلوا راعى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يسار النوبى، واستاقوا الإِبل فبعث النبى صلى الله عليه وسلم عشرين فارساً منهم كرز بن جابر الفهرى أَميراً فجاءُوا بهم فأَمر بهم فسملت أَعينهم وقطعت أَيديهم وتركوا فى الحرة يعضون الحجارة ويستسقون ولا يسقون، فعل بهم ذلك ونزلت الآية بعد فعله. وسمل الأَعين إِحماء حديد وكحلها به، وهذا قبل تحريم المثلة أَو لأَنهم سملوا عين الراعى {أَو يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} يطالبهم الإِمام بالنكال أَو التعزير إِن أَخافوا ابن السبيل ولم يأَخذوا مالا ولا قتلوا ولا هربوا حتى لا يأَمنوا فى موضع يجرى فيه حكمه، وشبهت المطالبة بالنفى لأَنه يخرج بها عن الأَرض التى يفسد فيها أَرضاً لهم أَو لغيرهم وإِن قبض عليهم قبل الهروب أَو بعده نكلهم أَو عزرهم، وكذلك يطالب من أَخذ مالاً أَو قتل أَو جمع بينهما حتى يقبض عليه فينفذ فيه تلك الأَحكام، وهذا مذهبنا، وقالت الشافعية: ينفون من كل بلد يدخلونه حتى لا يجدوا إِقراراً بلا ضرب إن قبض عليهم، ومنهم من قال: ينفى أَربعة برد عن وطنه ليستوحش فصاعدا، وأَلحق بعض الشافعية بالنفى ما ينزجرون به من ضرب أَو حبس، وقال أَبو حنيفة: يمنعون من التصوف فى الأَرض حيث شاءوا بالحبس كما قال محبوس فى مكان ضيق وطال حبسه: شعر : خرجنا من الدنيا وعــن وصـــل أهلها فلسنا من الأَحيـا ولسنا من المـــوتى إِذا جـاءَنا السجــان يومـاً لحاجـة عجبنا وقلنا جــاءَ هـذا من الدنيــا تفسير : وقال مالك إِن الإِمام مخير فى هؤلاءِ كلهم بظاهر الآية لأَن المراد الزجر فبأَى ينزجر الناس به يحكم فقد لا ينزجر الحى بقتل من قُتل وقد ينزجر بنفيه، وقد ينزجرون بالقتل أَو بالقطع وهو مروى عن الحسن البصرى والنخعى، وما ذكرته أَولى لأَن القتل يوجب القصاص فغلظ هنا بأَن لا يسقط ولو أَسقطه الولى، فهو حد والسرقة توجب القطع فغلظ هنا بالقطع من خلاف وإِن قتل وأَخذ مالا غلظ بالتصليب، والإِخافة أَخف فخفف بالتعزير أَو النكال أَو بالنفى على ظاهره أَو الحبس، وقيل أَو فى الآية تخيير للإِمام بين تلك الأَحكام كلها فى كل قاطع وإِن أَراد ولى الدم العفو عن قاطع الطريق وزاحمه الإِمام فإِن شاءَ قتل وإِن شاءَ أَمر الولى بالقتل، ولا يسقط القتل بالعفو عن قاطع الطريق وإِنما يسقط بعفو الولى فى غير القاطع وللولى الدية فى مال القاطع {ذَلِكَ} الجزاء المذكور فى قوله إِنما جزاء {لَهُمْ} خبر واللام للاستحقاق أَى هو لائق بهم {خِزْىٌ} خبر ثان أَو خبر ولهم حال من خزى أَى ذل وفضيحة {فِى الدُّنْيَا} والحصر فى إِنما جزاء بالاضافة إِلى الدنيا وأَما الآخرة ففى قوله {وَلَهُمْ فِىالآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النار لعظم ذنوبهم من إِضرار الناس ولا سيما ما معه شرك، ولم يسم الأَول الذى فى الدنيا عذاباً لأَنه بالنسبة إِلى عذاب الآخرة كلا عذاب، أَو لأَنه تحقير كما حقروا الناس والجزاء من جنس العمل، ولأَنه زجر للناس عن فعلهم.
الالوسي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} تفسير : [المائدة: 20] الخ، وتعلقه به قيل: من حيث إنه تمهيد لما سيأتي إن شاء الله تعالى من جنايات بني إسرائيل بعدما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم الرسل بما جاءتهم به من البينات. وقيل: من حيث إن في الأول الجبن عن القتل، وفي هذا الإقدام عليه مع كون كل منهما / معصية، وضمير {عَلَيْهِمْ} يعود على بني إسرائيل كما هو الظاهر إذ هم المحدث عنهم أولاً، وأمر صلى الله عليه وسلم بتلاوة ذلك عليهم إعلاماً لهم بما هو في غامض كتبهم الأول الذي لا تعلق للرسول عليه الصلاة والسلام بها إلا من جهة الوحي لتقوم الحجة بذلك عليهم، وقيل: الضمير عائد على هذه الأمة أي: أتل يا محمد على قومك {نَبَأَ ٱبْنَىْ ءادَمَ} هابيل عليه الرحمة وقابيل عليه ما يستحقه، وكانا بإجماع غالب المفسرين ابني آدم عليه السلام لصلبه. وقال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل ـ ويد الله تعالى مع الجماعة ـ وكان من قصتهما ما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين أنه كان لا يولد لآدم عليه السلام مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، جعل افتراق البطون بمنزلة افتراق النسب للضرورة إذ ذاك حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكانت له أخت واسمها إقليما أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، فقال لهما: قربا قرباناً فمن أيكما قبل تزوجها، وإنما أمر بذلك لعلمه أنه لا يقبل من قابيل لا أنه لو قبل جاز، ثم غاب عليه السلام عنهما آتياً مكة ينظر إليها فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض: فأبت، وقال للجبال: فأبت، فقال لقابيل: فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم عليه السلام قربا قرباناً؛ فقرب هابيل جذعة، وقيل: كبشاً، وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وكان أكل القربان غير جائز في الشرع القديم وتركت قربان قابيل فغضب، وقال: لأقتلنك فأجابه بما قص الله تعالى {بِٱلْحَقّ} متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر {ٱتْلُ} أي أتل تلاوة متلبسة بالحق والصحة، أو حال من فاعل {ٱتْلُ} أو من مفعوله أي متلبساً أنت أو نبأهما بالحق والصدق موافقاً لما في زبر الأولين. وقوله تعالى: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً} ظرف لنبأ، وعمل فيه لأنه مصدر في الأصل، والظرف يكفي فيه رائحة الفعل، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً منه، ورد بأنه حينئذ يكون قيداً في عامله وهو {ٱتْلُ} المستقبل، و {إِذْ} لما مضى فلا يتلاقيان، ولذا لم يتعلق به مع ظهوره، وقد يجاب بالفرق بين الوجهين فتأمل. وقيل: إنه بدل من {نَبَأَ} على حذف المضاف ليصح كونه متلواً أي اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت، ورده في «البحر» بأن {إِذْ} لا يضاف إليها إلا الزمان نحو يومئذ وحينئذ و {نَبَأَ} ليس بزمان، وأجيب بالمنع، ولا فرق بين {نَبَأَ} ذلك الوقت ونبأ {إِذْ} وكل منهما صحيح معنى وإعراباً، ودعوى ـ جواز الأول سماعاً دون الثاني ـ دون إثباتها خرط القتاد، والقربان اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو غيرها ـ كالحلوان ـ اسم لما يحلى أي يعطى، وتوحيده لما أنه في الأصل مصدر، وقيل: تقديره إذ قرب كل منهما قرباناً {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا} وهو هابيل {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلأَخَرِ} لأنه سخط حكم الله تعالى، وهو عدم جواز نكاح التوأمة {قَالَ} استئناف سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قال من لم يتقبل قربانه؟ فقيل: قال لأخيه لفرط الحسد على قبول قربانه ورفعة شأنه عند ربه عز وجل كما يدل عليه الكلام الآتي، وقيل: على ما سيقع من أخذ أخته الحسناء / {لأَقْتُلَنَّكَ} أي والله تعالى لأقتلنك بالنون المشددة، وقرىء بالمخففة. {قَالَ} استئناف كالذي قبله أي قال الذي تقبل قربانه لما رأى حسد أخيه {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ} أي القربان والطاعة {مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} في ذلك بإخلاص النية فيه لله تعالى لا من غيرهم، وليس المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل، ومراده من هذا الجواب إنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لا من قبلي، فلم تقتلني ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول؟! وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظاً لا في إزالة حظه ونعمته، فإن اجتهاده فيما ذكر يضره ولا ينفعه، وقيل: مراده الكناية عن أن لا يمتنع عن حكم الله تعالى بوعيده لأنه متق والمتقي يؤثر الامتثال على الحياة، أو الكناية عن أنه لا يقتله دفعاً لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما بعده، ولا يخفى بعده؛ وما أنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك، فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}.
سيد قطب
تفسير : يأخذ هذا الدرس في بيان بعض الأحكام التشريعية الأساسية في الحياة البشرية. وهي الأحكام المتعلقة بحماية النفس والحياة في المجتمع المسلم المحكوم بمنهج الله وشريعته. وحماية النظام العام وصيانته من الخروج عليه، وعلى السلطة التي تقوم عليه بأمر الله، في ظل شريعة الله؛ وعلى الجماعة المسلمة التي تعيش في ظل الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي. وحماية المال والملكية الفردية في هذا المجتمع، الذي يقوم نظامه الاجتماعي كله على شريعة الله. وتستغرق هذه الأحكام المتعلقة بهذه الأمور الجوهرية في حياة المجتمع هذا الدرس؛ مع تقدمة لهذه الأحكام بقصة {ابني آدم} التي تكشف عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية؛ كما تكشف عن بشاعة الجريمة وفجورها؛ وضرورة الوقوف في وجهها والعقاب لفاعلها؛ ومقاومة البواعث التي تحرك النفس للإقدام عليها. وتبدو القصة وإيحاءاتها ملتحمة التحاماً قوياً مع الأحكام التالية لها في السياق القرآني. ويحس القارىء المتأمل للسياق بوظيفة هذه القصة في موضعها؛ وبعمق الإيحاء الإقناعي الذي تسكبه في النفس وترسبه؛ والاستعداد الذي تنشئه في القلب والعقل لتلقي الأحكام المشددة التي يواجه بها الإسلام جرائم الاعتداء على النفس والحياة؛ والاعتداء على النظام العام؛ والاعتداء على المال والملكية الفردية؛ في ظل المجتمع الإسلامي؛ القائم على منهج الله؛ المحكوم بشريعته. والمجتمع المسلم يقيم حياته كلها على منهج الله وشريعته؛ وينظم شؤونه وارتباطاته وعلاقاته على أسس ذلك المنهج وعلى أحكام هذه الشريعة.. ومن ثم يكفل لكل فرد - كما يكفل للجماعة - كل عناصر العدالة والكفاية والاستقرار والطمأنينة، ويكف عنه كل عوامل الاستفزاز والإثارة، وكل عوامل الكبت والقمع، وكل عوامل الظلم والاعتداء، وكل عوامل الحاجة والضرورة. وكذلك يصبح الاعتداء - في مثل هذا المجتمع الفاضل العادل المتوازن المتكافل - على النفس والحياة، أو على النظام العام، أو على الملكية الفردية؛ جريمة بشعة منكرة، مجردة عن البواعث المبررة - أو المخففة - بصفة عامة.. وهذا يفسر التشدد ضد الجريمة والمجرمين بعد تهيئة الظروف المساعدة على الاستقامة عند الأسوياء من الناس؛ وتنحية البواعث على الجريمة من حياة الفرد وحياة الجماعة.. وإلى جانب هذا كله، ومع هذا كله؛ يكفل النظام الإسلامي للمجرم المعتدي كل الضمانات لسلامة التحقيق والحكم؛ ويدرأ عنه الحدود بالشبهات؛ ويفتح له كذلك باب التوبة التي تسقط الجريمة في حساب الدنيا في بعض الحالات، وتسقطها في حساب الآخرة في كل الحالات. .. وسنرى نماذج من هذا كله في هذا الدرس، وفيما تضمنه من أحكام.. ولكن قبل أن نأخذ في المضي مع السياق وفي الحديث المباشر عن هذه الأحكام التي تضمنها لا بد أن نقول كلمة عامة؛ عن البيئة التي تنفذ فيها هذه الأحكام؛ والشروط التي تجعل لها قوة النفاذ.. إن هذه الأحكام الواردة في هذا الدرس - سواء فيما يتعلق بالاعتداء على النفس أو الاعتداء على النظام العام؛ أو الاعتداء على المال - شأنها شأن سائر الأحكام الواردة في الشريعة، في جرائم الحدود؛ والقصاص؛ والتعازيز.. كلها إنما تكون لها قوة التنفيذ في "المجتمع المسلم" في "دار الإسلام".. ولا بد من بيان ما تعنيه الشريعة بدار الإسلام: ينقسم العالم في نظر الإسلام وفي اعتبار المسلم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: الأول: "دار الإسلام".. وتشمل كل بلد تطبق فيه أحكام الإسلام، وتحكمه شريعة الإسلام، سواء كان أهله كلهم مسلمين، أو كان أهله مسلمين وذميين. أو كان أهله كلهم ذميين ولكن حكامه مسلمون يطبقون فيه أحكام الإسلام، ويحكمونه بشريعة الإسلام. أو كانوا مسلمين، أو مسلمين وذميين ولكن غلب على بلادهم حربيون، غير أن أهل البلد يطبقون أحكام الإسلام ويقضون بينهم حسب شريعة الإسلام.. فالمدار كله في اعتبار بلد ما "دار إسلام" هو تطبيقه لأحكام الإسلام وحكمه بشريعة الإسلام.. الثاني: دار الحرب. وتشمل كل بلد لا تطبق فيه أحكام الإسلام، ولا يحكم بشريعة الإسلام.. كائناً أهله ما كانوا.. سواء قالوا: إنهم مسلمون، أو إنهم أهل كتاب، أو إنهم كفار، فالمدار كله في اعتبار بلد ما "دار حرب" هو عدم تطبيقه لأحكام الإسلام وعدم حكمه بشريعة الإسلام، وهو يعتبر "دار حرب" بالقياس للمسلم وللجماعة المسلمة. والمجتمع المسلم، هو المجتمع الذي يقوم في دار الإسلام بتعريفها ذاك. وهذا المجتمع, القائم على منهج الله، المحكوم بشريعته، هو الذي يستحق أن تصان فيه الدماء، وتصان فيه الأموال؛ ويصان فيه النظام العام؛ وأن توقع على المخلين بأمنه، المعتدين على الأرواح والأموال فيه العقوبات التي تنص عليها الشريعة الإسلامية، في هذا الدرس وفي سواه.. ذلك أنه مجتمع رفيع فاضل؛ ومجتمع متحرر عادل؛ ومجتمع مكفولة فيه ضمانات العمل وضمانات الكفاية لكل قادر ولكل عاجز؛ ومجتمع تتوافر فيه الحوافز على الخير وتقل فيه الحوافز على الشر من جميع الوجوه. فمن حقه إذن على كل من يعيش فيه أن يرعى هذه النعمة التي يسبغها عليه النظام؛ وأن يرعى حقوق الآخرين كلها من أرواح وأموال وأعراض وأخلاق؛ وأن يحافظ على سلامة "دار الإسلام" التي يعيش فيها آمناً سالماً غانماً مكفول الحقوق جميعاً، معترفاً له بكل خصائصه الإنسانية، وبكل حقوقه الاجتماعية - بل مكلفاً بحماية هذه الخصائص والحقوق - فمن خرج بعد ذلك كله على نظام هذه الدار - دار الإسلام - فهو معتد أثيم شرير يستحق أن يؤخذ على يده بأشد العقوبات؛ مع توفير كل الضمانات له في أن لا يؤخذ بالظن، وأن تدرأ عنه الحدود بالشبهات. فأما "دار الحرب".. بتعريفها ذاك.. فليس من حقها ولا من حق أهلها أن يتمتعوا بما توفره عقوبات الشريعة الإسلامية من ضمانات، لأنها ابتداء لا تطبق شريعة الإسلام، ولا تعترف بحاكمية الإسلام.. وهي - بالنسبة للمسلمين (الذين يعيشون في دار الإسلام ويطبقون على حياتهم شريعة الإسلام) - ليست حمى. فأرواحها وأموالها مباحة؛ لا حرمة لها عند الإسلام - إلا بعهد من المسلمين؛ حين تقوم بينها وبين دار الإسلام المعاهدات - كذلك توفر الشريعة هذه الضمانات كلها للأفراد الحربيين (القادمين من دار الحرب) إذا دخلوا دار الإسلام بعهد أمان؛ مدة هذا العهد؛ وفي حدود "دار الإسلام" التي تدخل في سلطان الحاكم المسلم (والحاكم المسلم هو الذي يطبق شريعة الإسلام). وعلى ضوء هذا البيان نستطيع أن نمضي مع السياق: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق: إذ قربا قرباناً، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال: لأقتلنك. قال: إنما يتقبل الله من المتقين. لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين. فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله، فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غراباً يبحث في الأرض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه. قال يا ويلتا! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي؟ فأصبح من النادمين...} هذه القصة تقدم نموذجاً لطبيعة الشر والعدوان؛ ونموذجاً كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له. كما تقدم نموذجاً لطبيعة الخير والسماحة؛ ونموذجاً كذلك من الطيبة والوداعة. وتقفهما وجهاً لوجه، كل منهما يتصرف وفق طبيعته.. وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير؛ ويثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل، تكف النموذج الشرير المعتدي عن الاعتداء؛ وتخوفه وتردعه بالتخويف عن الإقدام على الجريمة؛ فإذا ارتكبها - على الرغم من ذلك - وجد الجزاء العادل، المكافىء للفعلة المنكرة. كما تصون النموذج الطيب الخير وتحفظ حرمة دمه. فمثل هذه النفوس يجب أن تعيش، وأن تصان، وأن تأمن؛ في ظل شريعة عادلة رادعة. ولا يحدد السياق القرآني لا زمان ولا مكان ولا أسماء القصة.. وعلى الرغم من ورود بعض الآثار والروايات عن: "قابيل وهابيل" وأنهما هما ابنا آدم في هذه القصة؛ وورود تفصيلات عن القضية بينهما، والنزاع على أختين لهما.. فإننا نؤثر أن نستبقي القصة - كما وردت - مجملة بدون تحديد. لأن هذه الروايات كلها موضع شك في أنها مأخوذة عن أهل الكتاب - والقصة واردة في العهد القديم محددة فيها الأسماء والزمان والمكان على النحو الذي تذكره هذه الروايات - والحديث الوحيد الصحيح الوارد عن هذا النبأ لم يرد فيه تفصيل. وهو من رواية ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل"تفسير : .. رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن مسعود.. وأخرجه الجماعة - سوى أبي داود - من طرق عن الأعمش.. وكل ما نستطيع أن نقوله هو أن الحادث وقع في فترة طفولة الإنسان، وأنه كان أول حادث قتل عدواني متعمد، وأن الفاعل لم يكن يعرف طريقة دفن الجثث.. وبقاء القصة مجملة - كما وردت في سياقها القرآني - يؤدي الغرض من عرضها؛ ويؤدي الإيحاءات كاملة؛ ولا تضيف التفصيلات شيئاً إلى هذه الأهداف الأساسية.. لذلك نقف نحن عند النص العام لا نخصصه ولا نفصله.. {واتل عليهم نبأ ابني آدم - بالحق - إذ قربا قرباناً، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. قال: لأقتلنك. قال: إنما يتقبل الله من المتقين}.. واتل عليهم نبأ هذين النموذجين من نماذج البشرية - بعدما تلوت من قصة بني إسرائيل مع موسى - اتله عليهم بالحق. فهو حق وصدق في روايته، وهو ينبىء عن حق في الفطرة البشرية؛ وهو يحمل الحق في ضرورة الشريعة العادلة الرادعة. إن ابني آدم هذين في موقف لا يثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيبة. فهما في موقف طاعة بين يدي الله. موقف تقديم قربان، يتقربان به إلى الله: {إذ قربا قرباناً}.. {فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر}.. والفعل مبني للمجهول؛ ليشير بناؤه هكذا إلى أن أمر القبول أو عدمه موكول إلى قوة غيبية؛ وإلى كيفية غيبية.. وهذه الصياغة تفيدنا أمرين: الأول ألا نبحث نحن عن كيفية هذا التقبل ولا نخوض فيه كما خاضت كتب التفسير في روايات نرجح إنها مأخوذة عن أساطير "العهد القديم".. والثاني الإيحاء بأن الذي قبل قربانه لا جريرة له توجب الحفيظة عليه وتبييت قتله، فالأمر لم يكن له يد فيه؛ وإنما تولته قوة غيبية بكيفية غيبية؛ تعلو على إدراك كليهما وعلى مشيئته.. فما كان هناك مبرر ليحنق الأخ على أخيه، وليجيش خاطر القتل في نفسه! فخاطر القتل هو أبعد ما يرد على النفس المستقيمة في هذا المجال.. مجال العبادة والتقرب، ومجال القدرة الغيبية الخفية التي لا دخل لإرادة أخيه في مجالها.. {قال: لأقتلنك}.. وهكذا يبدو هذا القول - بهذا التأكيد المنبىء عن الإصرار - نابياً مثيراً للاستنكار لأنه ينبعث من غير موجب؛ اللهم إلا ذلك الشعور الخبيث المنكر. شعور الحسد الأعمى؛ الذي لا يعمر نفساً طيبة.. وهكذا نجدنا منذ اللحظة الأولى ضد الاعتداء: بإيحاء الآية التي لم تكمل من السياق.. ولكن السياق يمضي يزيد هذا الاعتداء نكارة وبشاعة؛ بتصوير استجابة النموذج الآخر؛ ووداعته وطيبة قلبه: {قال: إنما يتقبل الله من المتقين}. هكذا في براءة ترد الأمر إلى وضعه وأصله؛ وفي إيمان يدرك أسباب القبول؛ وفي توجيه رفيق للمعتدي أن يتقي الله؛ وهداية له إلى الطريق الذي يؤدي إلى القبول؛ وتعريض لطيف به لا يصرح بما يخدشه أو يستثيره.. ثم يمضي الأخ المؤمن التقي الوديع المسالم يكسر من شرة الشر الهائج في نفس أخيه الشرير: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين}.. وهكذا يرتسم نموذج من الوداعة والسلام والتقوى؛ في أشد المواقف استجاشة للضمير الإنساني؛ وحماسة للمعتدَى عليه ضد المعتدِي؛ وإعجاباً بهدوئه واطمئنانه أمام نذر الاعتداء؛ وتقوى قلبه وخوفه من رب العالمين. ولقد كان في هذا القول اللين ما يفثأ الحقد؛ ويهدّىء الحسد، ويسكن الشر، ويمسح على الأعصاب المهتاجة؛ ويرد صاحبها إلى حنان الأخوة، وبشاشة الإيمان، وحساسية التقوى. أجل. لقد كان في ذلك كفاية.. ولكن الأخ الصالح يضيف إليه النذير والتحذير: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين}.. إذا أنت مددت يدك إلي لتقتلني، فليس من شأني ولا من طبعي أن أفعل هذه الفعلة بالنسبة لك. فهذا الخاطر - خاطر القتل - لا يدور بنفسي أصلاً، ولا يتجه اليه فكري إطلاقاً.. خوفاً من الله رب العالمين.. لا عجزاً عن إتيانه.. وأنا تاركك تحمل إثم قتلي وتضيفه إلى إثمك الذي جعل الله لا يتقبل منك قربانك؛ فيكون إثمك مضاعفاً، وعذابك مضاعفاً.. {وذلك جزاء الظالمين}.. وبذلك صور له إشفاقه هو من جريمة القتل، ليثنيه عما تراوده به نفسه، وليخجله من هذا الذي تحدثه به نفسه تجاه أخ مسالم وديع تقي. وعرض له وزر جريمة القتل لينفره منه، ويزين له الخلاص من الإثم المضاعف، بالخوف من الله رب العالمين؛ وبلغ من هذا وذلك أقصى ما يبلغه إنسان في صرف الشر ودوافعه عن قلب إنسان. ولكن النموذج الشرير لا تكمل صورته، حتى نعلم كيف كانت استجابته: {فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله، فأصبح من الخاسرين}.. بعد هذا كله. بعد التذكير والعظة والمسالمة والتحذير. بعد هذا كله اندفعت النفس الشريرة، فوقعت الجريمة. وقعت وقد ذللت له نفسه كل عقبة، وطوعت له كل مانع.. طوعت له نفسه القتل.. وقتل من؟ قتل أخيه.. وحق عليه النذير: {فأصبح من الخاسرين}.. خسر نفسه فأوردها موارد الهلاك. وخسر أخاه ففقد الناصر والرفيق. وخسر دنياه فما تهنأ للقاتل حياة. وخسر آخرته فباء بأثمه الأول وإثمه الأخير.. ومثلت له سوأة الجريمة في صورتها الحسية. صورة الجثة التي فارفتها الحياة وباتت لحماً يسري فيه العفن، فهو سوأة لا تطيقها النفوس. وشاءت حكمة الله أن تقفه أمام عجزه - وهو الباطش القاتل الفاتك - عن أن يواري سوأة أخيه. عجزه عن أن يكون كالغراب في أمة الطير: {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه. قال: يا ويلتا! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي؟ فأصبح من النادمين}.. وتقول بعض الروايات: إن الغراب قتل غراباً آخر، أو وجد جثة غراب أو جاء ومعه جثة غراب، فجعل يحفر في الأرض، ثم واراه وأهال عليه التراب.. فقال القاتل قولته. وفعل مثلما رأى الغراب يفعل.. وظاهر أن القاتل لم يكن قد رأى من قبل ميتاً يدفن - وإلا لفعل - وقد يكون ذلك لأن هذا كان أول ميت في الأرض من أبناء آدم. أو لأن هذا القاتل كان حدثاً ولم ير من يدفن ميتاً.. والاحتمالان قائمان. وظاهر كذلك أن ندمه لم يكن ندم التوبة - وإلا لقبل الله توبته - وإنما كان الندم الناشىء من عدم جدوى فعلته، وما أعقبته له من تعب وعناء وقلق. كما أن دفن الغراب لأخيه الغراب، قد يكون من عادات الغربان كما يقول بعض الناس. وقد يكون حدثاً خارقاً أجراه الله.. وهذه كتلك سواء.. فالذي يودع الأحياء غرائزهم هو الذي يجري أي حدث على يد أي حي.. هذا من قدرته، وهذا من قدرته على السواء.. وهنا يلتقط السياق الآثار العميقة التي تتركها في النفس رواية النبأ بهذا التسلسل، ليجعل منها ركيزة شعورية للتشريع الذي فرض لتلافي الجريمة في نفس المجرم؛ أو للقصاص العادل إن هو أقدم عليها بعد أن يعلم آلام القصاص التي تنتظره: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل: أنه من قتل نفساً - بغير نفس أو فساد في الأرض - فكأنما قتل الناس جميعاً؛ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات؛ ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون}. من أجل ذلك.. من أجل وجود هذه النماذج في البشرية.. من أجل الاعتداء على المسالمين الوادعين الخيرين الطيبين، الذين لا يريدون شراً ولا عدواناً.. ومن أجل أن الموعظة والتحذير لا يجديان في بعض الجبلات المطبوعة على الشر؛ وأن المسالمة والموادعة لا تكفان الاعتداء حين يكون الشر عميق الجذور في النفس.. من أجل ذلك جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة كبيرة، تعدل جريمة قتل الناس جميعاً؛ وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملاً عظيماً يعدل إنقاذ الناس جميعاً.. وكتبنا ذلك على بني إسرائيل فيما شرعنا لهم من الشريعة (وسيأتي في الدرس التالي في سياق السورة بيان شريعة القصاص مفصلة). إن قتل نفس واحدة - في غير قصاص لقتل، وفي غير دفع فساد في الأرض - يعدل قتل الناس جميعاً. لأن كل نفس ككل نفس؛ وحق الحياة واحد ثابت لكل نفس. فقتل واحدة من هذه النفوس هو اعتداء على حق الحياة ذاته؛ الحق الذي تشترك فيه كل النفوس. كذلك دفع القتل عن نفس، واستحياؤها بهذا الدفع - سواء كان بالدفاع عنها في حالة حياتها أو بالقصاص لها في حالة الاعتداء عليها لمنع وقوع القتل على نفس أخرى هو استحياء للنفوس جميعاً، لأنه صيانة لحق الحياة الذي تشترك فيه النفوس جميعاً. وبالرجوع إلى البيان الذي قدمنا به لهذه الأحكام، يتبين أن هذا التقرير ينطبق - فقط - على أهل دار الإسلام - من مسلمين وذميين ومستأمنين - فأما دم أهل دار الحرب فهو مباح - ما لم تقم بينهم وبين أهل دار الإسلام معاهدة - وكذلك مالهم. فيحسن أن نكون دائماً على ذكر من هذه القاعدة التشريعية؛ وأن نتذكر كذلك أن دار الإسلام هي الأرض التي تقام فيها شريعة الإسلام، ويحكم فيها بهذه الشريعة، وأن دار الحرب هي الأرض التي لا تقام فيها شريعة الله، ولا يحكم فيها بهذه الشريعة.. ولقد كتب الله ذلك المبدأ على بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا - في ذلك الحين - هم أهل الكتاب؛ الذين يمثلون "دار الإسلام" ما أقاموا بينهم شريعة التوراة بلا تحريف ولا التواء.. ولكن بني إسرائيل تجاوزوا حدود شريعتهم - بعد ما جاءتهم الرسل بالبينات الواضحة - وكانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يزالون يكثر فيهم المسرفون المتجاوزون لحدود شريعتهم. والقرآن يسجل عليهم هذا الإسراف والتجاوز والاعتداء؛ بغير عذر؛ ويسجل عليهم كذلك انقطاع حجتهم على الله وسقوطها بمجيء الرسل إليهم، وببيان شريعتهم لهم: {ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات؛ ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون}.. وهل من إسراف أشد من تجاوز حدود الله؛ والتعدي على شريعته، بالتغيير أو بالإهمال؟ وفي الآية السابقة قرن الله قتل النفس بالفساد في الأرض؛ وجعل كلاً منهما مبرراً للقتل، واستثناء من صيانة حق الحياة؛ وتفظيع جريمة إزهاق الروح.. ذلك أن أمن الجماعة المسلمة في دار الإسلام، وصيانة النظام العام الذي تستمتع في ظله بالأمان، وتزاول نشاطها الخير في طمأنينة.. ذلك كله ضروري كأمن الأفراد.. بل أشد ضرورة؛ لأن أمن الأفراد لا يتحقق إلا به؛ فضلاً على صيانة هذا النموذج الفاضل من المجتمعات، وإحاطته بكل ضمانات الاستقرار؛ كيما يزاول الأفراد فيه نشاطهم الخير، وكيما تترقى الحياة الإنسانية في ظله وتثمر، وكيما تتفتح في جوه براعم الخير والفضيلة والإنتاج والنماء.. وبخاصة أن هذا المجتمع يوفر للناس جميعاً ضمانات الحياة كلها، وينشر من حولهم جواً تنمو فيه بذور الخير وتذوي بذور الشر، ويعمل على الوقاية قبل أن يعمل على العلاج، ثم يعالج ما لم تتناوله وسائل الوقاية. ولا يدع دافعاً ولا عذراً للنفس السوية أن تميل إلى الشر وإلى الاعتداء.. فالذي يهدد أمنه - بعد ذلك كله - هو عنصر خبيث يجب استئصاله؛ ما لم يثب إلى الرشد والصواب.. فالآن يقرر عقوبة هذا العنصر الخبيث، وهو المعروف في الشريعة الإسلامية بحد الحرابة: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً، أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.. ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم}.. وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها هذا النص، هي الخروج على الإمام المسلم الذي يحكم بشريعة الله، والتجمع في شكل عصابة، خارجة على سلطان هذا الإمام، تروع أهل دار الإسلام؛ وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم. ويشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك خارج المصر بعيداً عن مدى سلطان الإمام. ويرى بعضهم أن مجرد تجمع مثل هذه العصابة، وأخذها في الاعتداء على أهل دار الإسلام بالقوة، يجعل النص منطبقاً عليها. سواء خارج المصر أو داخلة. وهذا هو الأقرب للواقع العملي ومجابهته بما يستحقه. وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله؛ المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة (سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد) لا يحاربون الحاكم وحده، ولا يحاربون الناس وحدهم. إنما هم يحاربون الله ورسوله. حينما يحاربون شريعته، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة، ويهددون دار الإسلام المحكومة بهذه الشريعة. كما أنهم بحربهم لله ورسوله، وحربهم لشريعته وللأمة القائمة عليها وللدار التي تطبقها، يسعون في الأرض فساداً.. فليس هناك فساد أشنع من محاولة تعطيل شريعة الله، وترويع الدار التي تقام فيها هذه الشريعة.. إنهم يحاربون الله ورسوله.. وإن كانوا إنما يحاربون الجماعة المسلمة والإمام المسلم. فهم قطعاً لا يحاربون الله - سبحانه - بالسيف، وقد لا يحاربون شخص رسول الله - بعد اختياره الرفيق الأعلى - ولكن الحرب لله ورسوله متحققة، بالحرب لشريعة الله ورسوله، وللجماعة التي ارتضت شريعة الله ورسوله، وللدار التي تنفذ فيها شريعة الله ورسوله. كما أن للنص - في صورته هذه - مفهوماً آخر متعيناً كهذا المفهوم - هو أن السلطان الذي يحق له - بأمر الله - أن يأخذ الخارجين عليه بهذه العقوبات المقررة لهذه الجريمة، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله، في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ورسوله.. وليس أي سلطان آخر لا تتوافر له هذه الصفة، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف.. نقرر هذا بوضوح، لأن بعض أذناب السلطة في كل زمان، كانوا يفتون لحكام لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم، ولو زعموا أنهم مسلمون.. كانوا يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات - باسم شريعة الله - بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله؛ بل يحاربون سلطة خارجة على الله ورسوله.. إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله.. وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله؟ إنها تغتصب حق الألوهية وتدعيه؛ فما لها تتحكك بقانون الله وتدعيه؟! .. إنما جزاء أفراد هذه العصابات المسلحة، التي تخرج على سلطان الإمام المسلم المقيم لشريعة الله؛ وتروع عباد الله في دار الإسلام، وتعتدي على أموالهم وأرواحهم وحرماتهم.. أن يقتلوا تقتيلاً عادياً. أو أن يصلبوا حتى يموتوا (وبعض الفقهاء يفسر النص بأنه الصلب بعد القتل للترويع والإرهاب) أو أن تقطع أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى.. من خلاف.. ويختلف الفقهاء اختلافاً واسعاً حول هذا النص: إن كان للإمام الخيار في هذه العقوبات، أم أن هناك عقوبة معينة لكل جريمة تقع من الخارجين. "ويرى الفقهاء في مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد أن العقوبات مرتبة على حسب الجناية التي وقعت. فمن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي: "وعند مالك أن المحارب إذا قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف. وأما إذا أخاف السبيل فقط، فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعة أو نفيه.. ومعنى التخيير عند مالك أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام. فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه، لأن القطع لا يدفع ضرره. وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف. وإن كان ليس له شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك وهو النفي والتعزير". ونحن نختار رأي الإمام مالك في الفقرة الأخيرة منه، وهي أن العقوبة قد توقع على مجرد الخروج وإخافة السبيل. لأن هذا إجراء وقائي المقصود منه أولاً منع وقوع الجريمة، والتغليظ على المفسدين في الأرض الذين يروعون دار الإسلام؛ ويفزعون الجماعة المسلمة القائمة على شريعة الله في هذه الدار. وهي أجدر جماعة وأجدر دار بالأمن والطمأنينة والسلام. كذلك يختلفون في معنى النفي من الأرض.. هل هو النفي من الأرض التي ارتكب فيها جريمته؟ أم هو النفي من الأرض التي يملك فيها حريته وذلك بحبسه. أم هو النفي من الأرض كلها ولا يكون ذلك إلا بالموت؟ ونحن نختار النفي من أرض الجريمة، إلى مكان ناء يحس فيه بالغربة والتشريد والضعف؛ جزاء ما شرد الناس وخوّفهم وطغى بقوته فيهم. حيث يصبح في منفاه عاجزاً عن مزاولة جريمته بضعف عصبيته، أو بعزله عن عصابته! {ذلك لهم خزي في الدنيا.. ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.. فالجزاء الذي يلقونه إذن في الدنيا لا يسقط عنهم العذاب في الآخرة، ولا يطهرهم من دنس الجريمة كبعض الحدود الأخرى. وهذا كذلك تغليظ للعقوبة، وتبشيع للجريمة.. ذلك أن الجماعة المسلمة في دار الإسلام يجب أن تعيش آمنة. وذلك أن السلطة المسلمة القائمة على شريعة الله يجب أن تكون مطاعة. فهذا هو الوسط الخير الرفيع الذي يجب توفير الضمانات كلها لازدهاره.. وهذا هو النظام العادل الكامل الذي يجب أن يصان من المساس به.. فإذا ارتدع هؤلاء الخارجون المفسدون عن غيهم وفسادهم، نتيجة استشعارهم نكارة الجريمة، وتوبة منهم إلى الله ورجوعاً إلى طريقه المستقيم - وهم ما يزالون في قوتهم، لم تنلهم يد السلطان - سقطت جريمتهم وعقوبتها معاً، ولم يعد للسلطان عليهم من سبيل، وكان الله غفوراً لهم رحيماً بهم في الحساب الأخير: {إلا الذين تابوا - من قبل أن تقدروا عليهم - فاعلموا أن الله غفور رحيم}.. والحكمة واضحة في إسقاط الجريمة والعقوبة في هذه الحالة عنهم من ناحيتين: الأولى: تقدير توبتهم - وهم يملكون العدوان - واعتبارها دليل صلاح واهتداء.. والثانية: تشجيعهم على التوبة، وتوفير مؤنة الجهد في قتالهم من أيسر سبيل. والمنهج الإسلامي يتعامل مع الطبيعة البشرية بكل مشاعرها ومساربها واحتمالاتها؛ والله الذي رضي للمسلمين هذا المنهج هو بارىء هذه الطبيعة، الخبير بمسالكها ودروبها، العليم بما يصلحها وما يصلح لها.. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟.. والمنهج الرباني لا يأخذ الناس بالقانون وحده. إنما يرفع سيف القانون ويصلته ليرتدع من لا يردعه إلاّ السيف. فأما اعتماده الأول فعلى تربية القلب، وتقويم الطبع. وهداية الروح - ذلك إلى جانب إقامة المجتمع الذي تنمو فيه بذرة الخير وتزكو، وتذبل فيه نبتة الشر وتذوي - لذلك ما يكاد ينتهي السياق القرآني من الترويع بالعقوبة حتى يأخذ طريقه إلى القلوب والضمائر والأرواح؛ يستجيش فيها مشاعر التقوى؛ ويحثها على ابتغاء الوسيلة إلى الله والجهاد في سبيله رجاء الفلاح؛ ويحذرها عاقبة الكفر به؛ ويصور لها مصائر الكفار في الآخرة تصويراً موحياً بالخشية والاعتبار: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون. إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً، ومثله معه، ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم. ولهم عذاب أليم. يريدون أن يخرجوا من النار، وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم}.. إن هذا المنهج المتكامل يأخذ النفس البشرية من أقطارها جميعاً؛ ويخاطب الكينونة البشرية من مداخلها جميعاً؛ ويلمس أوتارها الحية كلها وهو يدفعها إلى الطاعة ويصدها عن المعصية.. إن الهدف الأول للمنهج هو تقويم النفس البشرية وكفها عن الانحراف. والعقوبة وسيلة من الوسائل الكثيرة. وليست العقوبة غاية، كما أنها ليست الوسيلة الوحيدة. وهنا نرى أنه يبدأ هذا الشوط بنبأ ابني آدم - بكل ما فيه من موحيات - ثم يثني بالعقوبة التي تخلع القلوب. ثم يعقب بالدعوة إلى تقوى الله وخشيته والخوف من عقابه. ومع الدعوة التصوير الرعيب للعقاب.. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله}.. فالخوف ينبغي أن يكون من الله. فهذا هو الخوف اللائق بكرامة الإنسان. أما الخوف من السيف والسوط فهو منزلة هابطة. لا تحتاج إليها إلا النفوس الهابطة.. والخوف من الله أولى وأكرم وأزكى.. على أن تقوى الله هي التي تصاحب الضمير في السر والعلن؛ وهي التي تكف عن الشر في الحالات التي لا يراها الناس، ولا تتناولها يد القانون. وما يمكن أن يقوم القانون وحده - مع ضرورته - بدون التقوى؛ لأن ما يفلت من يد القانون حينئذ أضعاف أضعاف ما تناله. ولا صلاح لنفس، ولا صلاح لمجتمع يقوم على القانون وحده؛ بلا رقابة غيبية وراءه، وبلا سلطة إلهية يتقيها الضمير. {وابتغوا إليه الوسيلة}.. اتقوا الله؛ واطلبوا إليه الوسيلة؛ وتلمسوا ما يصلكم به من الأسباب.. وفي رواية عن ابن عباس: ابتغوا إليه الوسيلة؛ أى ابتغوا إليه الحاجة. والبشر حين يشعرون بحاجتهم إلى الله وحين يطلبون عنده حاجتهم يكونون في الوضع الصحيح للعبودية أمام الربوبية؛ ويكونون - بهذا - في أصلح أوضاعهم وأقربها إلى الفلاح. وكلا التفسيرين يصلح للعبارة؛ ويؤدي إلى صلاح القلب، وحياة الضمير، وينتهي إلى الفلاح المرجو. {لعلكم تفلحون}.. وعلى الجانب الآخر مشهد الكفار، الذين لا يتقون الله ولا يبتغون إليه الوسيلة ولا يفلحون.. وهو مشهد شاخص متحرك؛ لا يعبر عنه السياق القرآني في أوصاف وتقريرات، ولكن في حركات وانفعالات.. على طريقة القرآن في رسم مشاهد القيامة؛ وفي أداء معظم الأغراض: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً، ومثله معه، ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم، ولهم عذاب أليم. يريدون أن يخرجوا من النار، وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم}.. إن أقصى ما يتصوره الخيال على أساس الافتراض: هو أن يكون للذين كفروا كل ما في الأرض جميعاً. ولكن السياق يفترض لهم ما هو فوق الخيال في عالم الافتراض. فيفرض أن لهم ما في الأرض جميعاً، ومثله معه؛ ويصورهم يحاولون الافتداء بهذا وذلك، لينجوا به من عذاب يوم القيامة. ويرسم مشهدهم وهم يحاولون الخروج من النار. ثم عجزهم عن بلوغ الهدف، وبقاءهم في العذاب الأليم المقيم.. إنه مشهد مجسم ذو مناظر وحركات متواليات.. منظرهم ومعهم ما في الأرض ومثله معه.. ومنظرهم وهم يعرضونه ليفتدوا به. ومنظرهم وهم مخيبو الطلب غير مقبولي الرجاء.. ومنظرهم وهم يدخلون النار.. ومنظرهم وهم يحاولون الخروج منها.. ومنظرهم وهم يرغمون على البقاء. ويسدل الستار، ويتركهم مقيمين هناك! في نهاية هذا الدرس يرد حكم السرقة: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا - نكالاً من الله - والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، والله على كل شيء قدير}.. إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام - على اختلاف عقائدهم - ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية.. إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية. وضمانات التربية والتقويم. وضمانات العدالة في التوزيع. وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه.. ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية.. فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة، والاعتداء على الملكية الفردية، والاعتداء على أمن الجماعة.. ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت.. ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال.. إن النظام الإسلامي كل متكامل، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته. كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملاً؛ ويعمل به جملة. أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام، أو مبدأ من مبادئه، في ظل نظام ليس كله إسلامياً، فلا جدوى له؛ ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقاً للإسلام. لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق. الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة.. هذا بصفة عامة. أما بالنسبة لموضوع السرقة، فالأمر لا يختلف.. إن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام، في الحياة. وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة.. من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه، ويجد فيه السكن والراحة.. من حق كل فرد على الجماعة - وعلى الدولة النائبة عن الجماعة - أن يحصل على هذه الضروريات.. أولا عن طريق العمل - ما دام قادراً على العمل - وعلى الجماعة - والدولة النائبة عن الجماعة - أن تعلمه كيف يعمل، وأن تيسر له العمل، وأداة العمل.. فإذا تعطل لعدم وجود العمل، أو أداته، أو لعدم قدرته على العمل، جزئياً أو كلياً، وقتياً أو دائماً. أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته. فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه: أولاً: من النفقة التي تفرض له شرعاً على القادرين في أسرته. وثانياً على القادرين من أهل محلته. وثالثاً: من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة. فإذا لم تكف الزكاة فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام، ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين؛ بحيث لا تتجاوز هذه الحدود، ولا تتوسع في غير ضرورة. ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال.. والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال؛ فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال.. ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون؛ ولا تثير أطماعهم في سلب ما في أيدي الآخرين. وبخاصة أن النظام يكفل لهم الكفاية؛ ولا يدعهم محرومين. والإسلام يربي ضمائر الناس وأخلاقهم؛ فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقه؛ لا إلى السرقة والكسب عن طريقها.. فإذا لم يوجد العمل، أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم، أعطاهم حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة.. وإذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام؟ إنه لا يسرق لسد حاجة. إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل. والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام. ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها. ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال. وإنه لمن حق كل فرد في مثل هذا المجتمع، كسب ماله من حلال، لا من ربا، ولا من غش، ولا من احتكار، ولا من أكل أجور العمال، ثم أخرج زكاته، وقدم ما قد تحتاج إليه الجماعة من بعد الزكاة.. من حق كل فرد في مثل هذا النظام أن يأمن على ماله الخاص، وألا يباح هذا المال للسرقات أو لغير السرقات. فإذا سرق السارق بعد ذلك كله.. إذا سرق وهو مكفي الحاجة، متبين حرمة الجريمة، غير محتاج لسلب ما في أيدي الآخرين، لأن الآخرين لم يغصبوا أموالهم ولم يجمعوها من حرام.. إذا سرق في مثل هذه الأحوال. فإنه لا يسرق وله عذر. ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة. فأما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها، فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات. لذلك لم يقطع عمر - رضي الله عنه - في عام الرمادة، حينما عمت المجاعة. ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة؛ عندما سرق غلمان ابن حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة. فقد أمر بقطعهم؛ ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم، درأ عنهم الحد؛ وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديباً له.. وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام، في ظل نظامه المتكامل؛ الذي يضع الضمانات للجميع لا لطبقة على حساب طبقة.. والذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة. والذي لا يعاقب إلا المعتدين بلا مبرر للاعتداء.. وبعد بيان هذه الحقيقة العامة نستطيع أن نأخذ في الحديث عن حد السرقة.. السرقة هي أخذ مال الغير، المحرّز، خفية.. فلا بد أن يكون المأخوذ مالاً مقوّماً.. والحد المتفق عليه تقريباً بين فقهاء المسلمين للمال الذي يعد أخذه من حرزه خفية سرقة هو ما يعادل ربع دينار.. أي حوالي خمسة وعشرين قرشاً بنقدنا الحاضر.. ولا بد أن يكون هذا المال محرّزاً وأن يأخذه السارق من حرزه، ويخرج به عنه.. فلا قطع مثلاً على المؤتمن على مال إذا سرقه. والخادم المأذون له بدخول البيت لا يقطع فيما يسرق لانه ليس محرّزاً منه. ولا على المستعير إذا جحد العارية. ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين. ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته.. وهكذا.. ولا بد أن يكون هذا المال المحرّز للغير.. فلا قطع حين يسرق الشريك من مال شريكه لأن له فيه شركة فليس خالصاً للغير. والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيباً فيه فليس خالصاً للغير كذلك.. والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع، وإنما هي التعزير..(والتعزير عقوبة دون الحد، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة). والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ. فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع.. ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة. والشبهه تدرأ الحد.. فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد. وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد. ورجوع المعترف في اعترافه - إذا لم يكن هناك شهود - شبهة تدرأ الحد. ونكول الشهود شبهة.. وهكذا.. ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة. فأبو حنيفة مثلاً يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل - حتى بعد إحرازه - كسرقة الماء بعد إحرازه، وسرقة الصيد بعد صيده، لأن كليهما مباح الأصل. وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحاً بعد إحرازه. والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز.. بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرأون الحدّ في مثل هذه الحالة. ويدرأ أبو حنيفة الحدّ في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة. ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال، فتطلب في كتب الفقة؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ادرأوا الحدود بالشبهات"تفسير : وعمر ابن الخطاب يقول: "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إليَّ من أن أقيمها بالشبهات".. ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة.. "وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره. فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام. وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة عمل غيره. وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل. أو ليأمن على مستقبله. فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء.. وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أياً كان. ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء. وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل، والتخوف الشديد على المستقبل. "فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة. فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة، فلا يعود للجريمة مرة ثانية. "ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية. وإنه لعمري خير أساس قامت عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن... "وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة. وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم. والسرقة على الخصوص. والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة. لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس، وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب. وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته، من طريق الحلال والحرام على السواء! واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف، فيأمنوا جانبه، ويتعاونوا معه. فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد؛ وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً، ولم تفته منفعة ذات بال. "أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل، أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصاً كبيراً؛ ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال، ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال، ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه. فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع؛ وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس. وفي طبيعة الناس كلهم - لا السارق وحده - أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة، وألا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة. "وأعجب بعد ذلك ممن يقولون: إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر. كأن الإنسانية والمدنية أن نقابل السارق بالمكافأة على جريمته، وأن نشجعه على السير في غوايته، وأن نعيش في خوف واضطراب، وأن نكد ونشقى ليستولي على ثمار عملنا العاطلون واللصوص! "ثم أعجب بعد ذلك مرة ثانية ممن يقولون: إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية، كأن المدنية والإنسانية أن ننكر العلم الحديث والمنطق الدقيق؛ وأن ننسى طبائع البشر، ونتجاهل تجارب الأمم؛ وأن نلغي عقولنا، ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا، لنأخذ بما يقوله قائله فلا يجد عليه دليلاً إلا التهويل والتضليل! "وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدنية والإنسانية، فإن عقوبة الحبس قد حق عليها الإلغاء، وعقوبة القطع قد كتب لها البقاء. لأن الأخيرة تقوم على أساس متين من علم النفس. وطبائع البشر وتجارب الأمم، ومنطق العقول والأشياء. وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية. أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة، ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء. "إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته. فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد، وهي في الوقت ذات صالحة للجماعة، لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم، وتأمين المجتمع. و ما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة، فهي أفضل العقوبات وأعدلها". "ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع، لأنهم يرونها - كما يقولون - عقوبة موسومة بالقسوة. وتلك حجتهم الأولى والأخيرة. وهي حجة داحضة. فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف، بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا. فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم". والله - سبحانه - وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة: {فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله..} فهي تنكيل من الله رادع. والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها، لأنه يكفه عنها. ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة.. ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس، إلا وفي قلبه عمى، وفي روحه انطماس! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد؛ لأن المجتمع بنظامه، والعقوبة بشدتها، والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد. ثم يفتح الله باب التوبة لمن يريد أن يتوب، على أن يندم ويرجع ويكف؛ ثم لا يقف عند هذه الحدود السلبية، بل يعمل عملاً صالحاً، ويأخذ في خير إيجابي: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم}.. فالظلم عمل إيجابي شرير مفسد؛ ولا يكفي أن يكف الظالم عن ظلمه ويقعد: بل لا بد أن يعوضه بعمل إيجابي خير مصلح.. على أن الأمر في المنهج الرباني أعمق من هذا.. فالنفس الإنسانية لا بد أن تتحرك، فإذا هي كفت عن الشر والفساد ولم تتحرك للخير والصلاح بقي فيها فراغ وخواء قد يرتدان بها إلى الشر والفساد. فأما حين تتحرك إلى الخير والصلاح فإنها تأمن الارتداد إلى الشر والفساد؛ بهذه الإيجابية وبهذا الامتلاء.. إن الذي يربِّي بهذا المنهج هو الله.. الذي خلق والذي يعلم من خلق.. وعلى ذكر الجريمة والعقوبة، وذكر التوبة والمغفرة، يعقب السياق القرآني بالمبدأ الكلي الذي تقوم عليه شريعة الجزاء في الدنيا والآخرة. فخالق هذا الكون ومالكه هو صاحب المشيئة العليا فيه، وصاحب السلطان الكلي في مصائره. هو الذي يقرر مصائره ومصائر من فيه، كما أنه هو الذي يشّرع للناس في حياتهم، ثم يجزيهم على عملهم في دنياهم وآخرتهم. {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير}. فهي سلطة واحدة.. سلطة الملك.. يصدر عنها التشريع في الدنيا ويصدر عنها الجزاء في الآخرة، ولا تعدد ولا انقسام ولا انفصام.. ولا يصلح أمر الناس إلا حين تتوحد سلطة التشريع وسلطة الجزاء، في الدنيا والآخرة سواء.. {أية : و لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} {أية : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله }
ابن عاشور
تفسير : عَطَفَ نبأ على نبإ ليكون مقدّمة للتحذير من قَتْل النفس والحِرابة والسرقة، ويتبع بتحريم الخمر وأحكام الوصية وغيرها، وليحسن التخلّص ممّا استطرد من الأنباء والقصَص التي هي مواقع عبرة وتُنْظم كلّها في جرائر الغرور. والمناسبةُ بينها وبين القصّة الّتي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضادّ. فأما التماثل فإنّ في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى: فإنّ بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إيّاهم بالدخول إلى الأرض المقدّسة، وأحدَ ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنّه لم يكن من المتّقين. وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصيّة؛ فبنو إسرائيل قالوا: {أية : اذهب أنت وربّك}تفسير : [المائدة: 24]، وابن آدم قال: لأقتلنّ الّذي تقبّل الله منه. وأمّا التّضادّ فإنّ في إحداهما إقداماً مذموماً من ابن آدم، وإحجاماً مذموماً من بني إسرائيل، وإنّ في إحداهما اتّفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلافَ أخوين بالصّلاح والفساد. ومعنى {ابني آدم} هنا ولداه. وأمّا ابن آدم مفرداً فقد يراد به واحد من البشر نحو: «يَا بْن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتَني غَفَرْتُ لك»، أو مجموعاً نحو {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم}تفسير : [الأعراف: 31]. والباء في قوله: {بالحقّ} للملابسة متعلِّقاً بــ {اتْلُ}. والمراد من الحقّ هنا الصدق من حقّ الشّيء إذا ثبت، والصدق هو الثّابت، والكذب لا ثبوت له في الواقع، كما قال: {أية : نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ}تفسير : [الكهف: 13]. ويصحّ أن يكون الحقّ ضدّ الباطل وهو الجدّ غير الهزل، أي اتْلُ هذا النبأ متلبّساً بالحقّ، أي بالغرض الصّحيح لا لمجرد التفكّه واللّهو. ويحتمل أن يكون قوله {بالحق} مشيراً إلى ما خفّ بالقصة من زيادات زادها أهل القصص من بني إسرائيل في أسباب قتل أحد الأخوين أخاه. {وإذ} ظرف زمان لــ {نبأ}، أي خبرهما الحاصل وقت تقريبهما قُرباناً، فينتصب (إذ) على المفعول فيه. وفِعْلُ {قرّبا} هنا مشتقّ من القُرْبان الذي صار بمنزلة الاسم الجامد، وأصله مصدر كالشُّكران والغفران والكُفران، يسمّى به ما يتقرّب به المرء إلى ربّه من صدقة أو نُسك أو صلاة، فاشتقّ من القرآن قرّب، كما اشتقّ من النُّسك نَسَكَ، ومن الأضحيّة ضَحَّى، ومن العقيقة عَقّ. وليس {قرّبا} هنا بمعنى أدْنَيَا إذ لا معنى لذلك هنا. وفي التّوراة هما (قايين) ـــ والعرب يسمّونه قَابِيل ـــ وأخوه (هَابِيل). وكان قابيل فلاّحاً في الأرض، وكان هابيل راعياً للغنم، فقرّب قابيل من ثمار حرْثه قُرباناً وقرّب هابيل من أبكار غنمه قرباناً. ولا ندري هل كان القربان عندهم يعطى للفقراء ونحوهم أو كان يترك للنّاس عامّة. فتقبّل الله قربان هَابيل ولم يتقبّل قربان قابيل. والظاهر أنّ قبول قربان أحدهما دون الآخر حصل بوحي من الله لآدم. وإنّما لم يتقبّل الله قربان قابيل لأنّه لم يكن رجلاً صالحاً بل كانت له خطايا. وقيل: كان كافراً، وهذا ينافي كونهُ يُقرّب قرباناً. وأفرد القربان في الآية لإرادة الجنس، وإنّما قرّب كلّ واحد منهما قرباناً وليس هو قرباناً مشتركاً. ولم يسمّ الله تعالى المتقبَّل منه والّذي لم يتقبّل منه إذ لا جدوى لذلك في موقع العبرة. وإنّما حَمَله على قتل أخيه حسَده على مزيّة القبول. والحسد أوّل جريمة ظهرت في الأرض. وقوله في الجواب {إنّما يتقبّل الله من المتّقين} موعظة وتعريض وتنصّل ممّا يوجب قتله. يقول: القبول فعل الله لا فعل غيره، وهو يتقبّل من المتّقي لا من غيره. يعرّض به أنّه ليس بتَقِي، ولذلك لم يتقبّل الله منه. وآية ذلك أنّه يضمر قتل النفس. ولذا فلا ذَنب، لمن تقبّل الله قربانه، يستوجبُ القتلَ. وقد أفاد قول ابن آدم حصرَ القبول في أعمال المتّقين. فإذا كان المراد من المتّقين معناه المعروف شرعاً المحكي بلفظه الدالّ عليه مراد ابن آدم كان مفاد الحصر أنّ عمل غير المتّقي لا يقبل؛ فيحتمل أنّ هذا كان شريعتهم، ثمّ نسخ في الإسلام بقبول الحسنَات من المؤمن وإن لم يكن متّقياً في سائر أحواله؛ ويحتمل أنْ يراد بالمتّقين المخلصون في العمل، فيكون عدم القبول أمارة على عدم الإخلاص، وفيه إخْراج لفظ التّقوى عن المتعارف؛ ويحتمل أن يريد بالتقبّل تقبّلاً خاصّاً، وهو التّقبل التّامّ الدالّ عليه احتراق القربان، فيكون على حدّ قوله تعالى: {أية : هُدى للمتّقين}تفسير : [البقرة: 2]، أي هدى كاملاً لهم، وقوله: {أية : والآخرة عند ربّك للمتّقين}تفسير : [الزخرف: 35]، أي الآخرة الكاملة؛ ويحتمل أن يريد تقبّل القرابين خاصّة؛ ويحتمل أن يراد المتّقّين بالقربان، أي المريدين به تقوى الله، وأنّ أخاه أراد بقربانه بأنّه المباهاة. ومعنى هذا الحصر أنّ الله لا يتقبّل من غير المتّقين وكان ذلك شرعَ زمانهم. وقوله: {لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني} الخ موعظة لأخيه ليذكّره خطر هذا الجرم الّذي أقدم عليه. وفيه إشعار بأنّه يستطيع دفاعه ولكنّه منعه منه خوفُ الله تعالى. والظاهر أنّ هذا اجتهاد من هابيل في استعظام جُرم قتل النّفس، ولو كان القتل دفاعاً. وقد عَلم الأخوان ما هو القتل بما يعرفانه من ذبح الحيوان والصّيد، فكان القتل معروفاً لهما، ولهذا عزم عليه قابيل، فرأى هابيل للنّفوس حرمة ولو كانت ظالمة، ورأى في الاستسلام لطالب قتله إبقاء على حفظ النّفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض. ويمكن أن يكونا تلقّيا من أبيهما الوصاية بحفظ النّفوس صغيرها وكبيرها ولو كان في وقت الدّفاع، ولذلك قال: {إنّي أخاف الله ربّ العالمين}. فقوله: {إنّي أخاف الله} يدلّ على أنّ الدّفاع بما يفضي إلى القتل كان محرّماً وأنّ هذا شريعة منسوخة لأنّ الشّرائع تبيح للمُعتدَى عليه أن يدافع عن نفسه ولو بقتل المعْتدي، ولكنّه لا يتجاوز الحدّ الّذي يحصل به الدّفاع. وأمّا حديث «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار» فذلك في القتال على المُلْك وقصد التغالب الّذي ينكفّ فيه المعتدي بتسليم الآخر له؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصْلَح الفريقين بالتّسليم للآخر وحمل التَبِعَة عليه تجنّباً للفتنة، وهو الموقف الّذي وقفه عثمان ـــ رضي الله عنه ـــ رجاء الصلاح. ومعنى {أريد}: أريد من إمساكي عن الدفاع. وأطلقت الإرادة على العزم كما في قوله تعالى: {أية : قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين}تفسير : [القصص: 27]، وقوله: {أية : يريد الله بكم اليسر}تفسير : [البقرة: 185]. فالجملة تعليل للّتي قبلها، ولذلك فصلت وافتتحت بــ (إنّ) المشعرة بالتَّعليل بمعنى فاء التفريع. و{تبوء} ترجع، وهو رجوع مجازي، أي تكتسب ذلك من فعلك، فكأنّه خرج يسعى لنفسه فباء بإثمين. والأظهر في معنى قوله {بإثمي} مَا له من الآثام الفارطة في عمره، أي أرجو أن يغفر لي وتُحمل ذنوبي عليك. وفي الحديث: «حديث : يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتّى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات المظلوم فتطرح عليه»تفسير : . رواه مسلم. فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شُرع في الإسلام، وإن كان قد قاله عن اجتهاد فقد أصاب في اجتهاده وإلهامه ونطق عن مثل نُبوءة. ومصدر {أن تبوء} هو مفعول {أريد}، أي أريد من الإمساك عن أن أقتلك إن أقدمت على قتلي أريد أن يقع إثمي عليك، فإثم مراد به الجنس، أي ما عسى أن يكون له من إثم. وقد أراد بهذا موعظة أخيه، ولذلك عطف عليه قوله: {وإثمك} تذكيراً له بفظاعة عاقبة فعلته، كقوله تعالى: {أية : ليحملُوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الّذين يضلّونهم بغير علم}تفسير : [النحل: 25]. فعطفُ قوله: {وإثمك} إدماج بذكر ما يحصل في نفس الأمر وليس هو ممّا يريده. وكذلك قوله: {فنكون من أصحاب النار} تذكيراً لأخيه بما عسى أن يكفّه عن الاعتداء. ومعنى {من أصحاب النّار} أي ممّن يطول عذابه في النّار، لأنّ أصحاب النّار هم ملازموهَا. وقوله: {فطوّعت له نفسه قتل أخيه} دلّت الفاء على التفريع والتعقيب، ودلّ (طَوّع) على حدوث تردّد في نفس قابيل ومغالبة بين دافع الحَسد ودافع الخشية، فعلمنا أنّ المفرّع عنه محذوف، تقديره: فتردّد مَليّاً، أو فترصّد فُرصاً فَطوّعت له نفسه. فقد قيل: إنّه بقي زماناً يتربّص بأخيه، (وطوّع) معناه جعله طائعاً، أي مكَّنه من المطوّع. والطوع والطواعية: ضدّ الإكراه، والتطويع: محاولة الطوع. شُبّه قتل أخيه بشيء متعاص عن قابيل ولا يطيعه بسبب معارضة التعقّل والخشيةِ. وشبّهت داعية القتل في نفس قابيل بشخص يعينه ويذلّل له القتل المتعاصي، فكان (طوّعت) استعارة تمثيلية، والمعنى الحاصل من هذا التمثيل أنّ نفس قابيل سَوّلت له قتل أخيه بعد ممانعة. وقد سُلك في قوله: {فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله} مسلكُ الإطناب، وكان مقتضى الإيجاز أن يحذف {فطوّعت له نفسه قتلَ أخيه} ويقتصر على قوله {فقتَلَه} لكن عدل عن ذلك لقصد تفظيع حالة القاتل في تصوير خواطره الشرّيرة وقساوة قلبه، إذ حدّثه بقتل من كان شأنه الرحمة به والرفق، فلم يكن ذلك إطناباً. ومعنى {فأصبح من الخاسرين} صار، ويكون المراد بالخسارة هنا خسارة الآخرة، أي صار بذلك القتل ممّن خسر الآخرة، ويجوز إبقاء (أصبح) على ظاهرها، أي غدا خاسراً في الدّنيا، والمراد بالخسارة ما يبدو على الجاني من الاضطراب وسوء الحالة وخيبة الرجاءَ، فتفيد أنّ القتل وقع في الصّباح.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ آدَمَ بِٱلْحَقِّ} الآية. قال جمهور العلماء: إنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل، وقابيل. وقال الحسن البصري رحمه الله: هما رجلان من بني إسرائيل، ولكن القرآن يشهد لقول الجماعة، ويدل على عدم صحة قول الحسن، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} تفسير : [المائدة: 31]، ولا يخفى على أحد أنه ليس في بني إسرائيل رجل يجهل الدفن حتى يدله عليه الغراب، فقصة الاقتداء بالغراب في الدفن، ومعرفته منه تدل على أن الواقعة وقعت في أول الأمر قبل أن يتمرن الناس على دفن الموتى، كما هو واضح، ونبه عليه غير واحد من العلماء، والله تعالى أعلم.
الواحدي
تفسير : {واتل عليهم} يعني: على قومك {نبأ} خبر {ابني آدم} هابيل وقابيل {إذ قرَّبا قرباناً} تقرَّب إلى الله هابيل بخيرِ كبشٍ في غنمه، فنزلت من السَّماء نارٌ فاحتملته، فهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل، وتقرَّب إلى الله قابيل بأردأ ما كان عنده من القمح، وكان صاحب زرع، فلم تحمل النَّار قربانه، والقربان: اسمٌ لكلِّ ما يُتقرَّب به إلى الله، فقال الذي لم يُتقبَّلْْ منه: {لأقتلنك} حسداً له، فقال هابيل: {إنما يتقبل الله من المتقين} للمعاصي [لا من العاصين]. {لئن بَسَطتَ إليَّ يدك} لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل {إني أخاف الله} في قتلك. {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أَنْ تحتمل إثم قتلي وإثم الذي كان منك قبل قتلي. {فَطَوَّعَتْ له نفسه قتل أخيه} سهَّلته وزيَّنت له ذلك {فقتله فأصبح من الخاسرين} خسر دنياه بإسخاط والديه، وآخرته بسخط الله عليه، فلمَّا قتله لم يدرِ ما يصنع به؛ لأنَّه كان أوَّل ميِّت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله في جرابٍ على ظهره. {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض} يثير التُّراب من الأرض على غرابٍ ميِّتٍ {ليريه كيف يواري} يستر {سوءة} جيفة {أخيه} فلمَّا رأى ذلك قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فَأُوَارِيَ سوءة أخي فأصبح من النادمين} على حمله والتَّطوف به. {من أجل ذلك} من سبب ذلك الذي فعل قابيل {كتبنا} فرضنا {على بني إسرائيل أنَّه مَنْ قتل نفساً بغير نفسٍ} بغير قَوَدٍ {أو فسادٍ} شركٍ {في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً} يُقتل كما لو قتلهم جميعاً، ويصلى النَّار كما يصلاها لو قتلهم {ومَن أحياها} حرَّمها وتورَّع عن قتلها {فكأنما أحيا الناس جميعاً} لسلامتهم منه؛ لأنَّه لا يستحلُّ دماءهم {ولقد جاءتهم} يعني: بني إسرائيل {رسلنا بالبينات} بأنَّ لهم صدق ما جاؤوهم به {ثم إنَّ كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} أَيْ: مجاوزون حدَّ الحقِّ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واتل عليهم: وأقرأ على اليهود الذين هموا بقتلك وقتل أصحابك. نبأ ابني آدم: خبر ابني آدم هابيل وقابيل. قرباناً: القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى كالصلاة والصدقات. بسطت إلي يدك: مددت إليّ يدك. أن تبوء بإثمي وإثمك: ترجع إلى الله يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك في معاصيك. فطوعت له نفسه: شجعته على القتل وزينته له حتى فعله. غراباً: طائراً أسود معروف يضرب به المثل في السواد. يواري سوءة أخيه: يستر بالتراب جسد أخيه، وقيل فيه سوءة، لأن النظر إلى الميت تكرهه النفوس، والسوءة: ما يكره النظر إليها. معنى الآيات: ما زال السياق القرآني الكريم في الحديث عن يهود بني النضير الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فالله تعالى يقول لرسوله واقرأ عليهم قصة ابني آدم هابيل وقابيل ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هموا به، توبيخاً لهم، وإظهاراً لموقفك الشريف منهم حيث عفوت عنهم فلم تقتلهم بعد تمكنك منهم، وكنت معهم كخير ابني آدم، {.. إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً..}، أي قرب كل منهما قرباناً لله تعالى فتقبل الله قربان أحدهما لأنه كان من أحسن ماله وكانت نفسه به طيبة، {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} وهو قابيل لأنه كان من أردأ ماله، ونفسه به متعلقة، فقال لأخيه هابيل لأقتلنك حسداً له - كما حسدتك اليهود وحسدوا قومك في نبوتك ورسالتك - فقال له أخوه إن عدم قبول قربانك عائدٌ إلى نفسك لا إلى غيرك إنما يتقبل الله من المتقين للشرك فلو اتقيت الشرك لتقبل منك قربانك لأن الله تعالى لا يتقبل إلا ما كان خالصاً له، وأنت أشركت نفسك وهواك في قربانك، فلم يتقبل منك. ووالله قسماً به {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}، وعلل ذلك بقوله: {.. إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}، أي أن ألقاه بدم أرقته ظلماً. وإن أبيت إلا قتلي فإني لا أقتلك لأني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي ترجع إلى ربنا يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي قارفته في حياتك كلها، فتكون بسبب ذلك من أصحاب النار الخالدين فيها الذين لا يفارقونها أبداً قال تعالى {وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ}، {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} أي شجعته عليه وزينته له فقتله {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} النادمين لأنه لم يدر ما يصنع به فكان يحمله على عاتقه ويمشي به حتى عفن، وعندئذ بعث الله غراباً يبحث في الأرض أي ينبش الأرض برجليه ومنقاره وينشر التراب على ميت معه حتى واراه: أي بعث الله الغراب ليريه كيف يواري أي يستر سوءة أخيه أي جيفته، فلما رأى قابيل ما صنع الغراب بأخيه الغراب الميت قال متندماً متحسراً يا ويلتا أي يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك، ثم وبخ نفسه قائلاً: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}، كما وارى الغراب سوءة أخيه، وأصبح من النادمين على حمله أو على قتله وعدم دفنه ومجرد الندم لا يكون توبة مع أن توبة القاتل عمداً لا تنجيه من النار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يحب أن يتقرب به إليه تعالى. 2- عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة. 3- قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإِخلاص فيها لله تعالى. 4- بيان أول من سن جريمة القتل وهو قابيل ولذا ورد: ما من نفس تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل "نصيب" ذلك بأنه أول من سن القتل. 5- مشروعية الدفن وبيان زمنه. 6- خير ابني آدم المقتول ظلماً وشرهما القاتل ظلماً.
القطان
تفسير : التلاوة: القراءة وغلبت على قراءة القرآن. النبأ: الخبر. القربان: ما يُتقرّب به من الذبائح والصدقات. بسَط يده: مدّها ليقتله. تبوء بإثمي: تلتزم بجريرتي. في هذه الآيات والتي تليها بيان بعض الأحكام التشريعية الأساسية في الحياة البشرية، وهي التي تتعلق بحماية النفس والحياة، والنظام العام، والسلطة التي تقوم عليه، في ظل شريعة الله. وقد بدأها سبحانه بقصة ابني آدم، وهي قصةٌ تكشف عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية. اتلُ يا محمد على الناس ذلك النبأ العظيم، وهو خبر ابنَي آدم: هابيل وقابيل. لقد قدّم كل واحد منهما قرباناً إلى الله. كان هابيل صاحبَ غنَم فقدّم أكرم غنمِه وأسمنها (وهذا يمثّل طور البداوة والرعي). وكان قابيل صاحَب زرعٍ فقدم شرَّ ما عنده (وهذا يمثل طور الزراعة والاستقرار). فتقبّل الله قربان هابيل (الراعي) ولم يتقبَّل قربان قابيل (المزارع)، (وكانت علامة القبول ان تأتَي نار وتحرقَ القربان المقبول). فحسد قابيلُ أخاه وتوعّده بالقتل حقداً عليه، فرد عليه الأخير ان الله لا يتقبّل العمل الا من الأتقياء المخلصين. وقال له: لئن أغواك الشيطان ومدَدت يدَك لتقتلَني، فلن أقابلَك بالمثل. إني أخاف الله ربي ورب العالمين، ولن أقاومك إذا أردت قتلي. فإن فعلت حملتَ ذنب قتلي، علاوة على ذنبك في عدم اخلاصك لله. بذلك ستكون في الآخرة من أهل النار، وهذا جزاء الظالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ءَادَمَ} (27) - يُبِيِّنُ اللهُ تَعَالَى عَاقِبَةَ البَغْي وَالحَسَدِ وَالظُّلْمِ، فِي خَبْرِ ابْنَيْ آدَمَ (قَابِيلَ وَهَابِيلَ)، وَكَيْفَ عَدا أحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فَقَتَلَهُ بَغْياً عَلَيهِ، وَحَسَداً لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ، وَتَقَبَّلَ القُرْبَانَ الذِي أخْلَصَ فِيهِ صَاحِبُهُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فَفَازَ المَقْتُولُ بِغُفْرَانِ اللهِ لَهُ خَطَايَاهُ، وَبِالدُّخُولِ إلى الجَنَّةِ، وَعَادَ القَاتِلُ وَقَدْ خَسِرَ الدَّارَيْنِ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ. فَقَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: أقْصُصْ عَلى البُغَاةِ الحَسَدَةِ مِنَ اليَهُودِ وَأمْثَالِهِمْ وَأشْبَاهِهِمْ خَبَرَ ابْنَيْ آدَمَ الذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ وَيَتَنَاقَلُونَهُ، لَقَدْ قَرَّبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْبَاناً إلَى اللهِ، فِي أمْرٍ اخْتَلَفَا عَلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنْ أحَدِهِما قُرْبَانَهُ (وَهُوَ هَابِيلُ) وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ الآخَرِ (قَابِيلَ)، بِأنْ أنْزَلَ اللهُ نَاراً مِنَ السَّمَاءِ فَأكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَلَمْ تَمَسَّ النَّارُ قُرْبَانَ قَابِيلَ. فَغَضِبَ قَابِيلُ، وَهَدَّدَ أَخَاهُ بِالقَتْلِ، فَقَالَ لَهُ هَابِيلُ: إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ القُرْبَانَ وَالصَّدَقَاتِ مِنَ المُتَّقِينَ، الذِينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ، وَاتَّقَوْا الشِّرْكَ، وَخَافُوا عِقَابَ اللهِ، وَاجْتَنَبُوا المَعَاصِي. قُرْبَاناً - مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ تَعَالَى.
الثعلبي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ} خبر {ٱبْنَيْ ءَادَمَ} وهما هابيل وقابيل، فهابيل في إسمه ثلاث لغات: هابيل وهابل وهابن. وقابيل في إسمه خمس لغات: قابيل وقابين وقابل وقبن وقابن {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} وكان سبب تقرّبهما القربان على ما ذكره أهل العلم بالقرآن. أن حوّاء كانت تلد لآدم (عليه السلام) توأماً في كل بطن غلاماً وجارية إلاّ شيثاً فإنها ولدته مفرداً وكان جميع ما ولدته حوّاء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته أقليما وآخرهم عبد المغيث مغيت وتوأمته أمة المغيث ثم بارك اللّه في نسل آدم (عليه السلام). قال ابن عباس: لم يمت آدم (عليه السلام) حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً بنوذ. ورأى آدم (عليه السلام) فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد. واختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، وموضع اختلافهما. فقال بعضهم: غشى آدم حوّاء بعد هبوطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن، ثم هابيل وتوأمته في بطن. وقال محمد بن إسحاق: عن بعض أهل الكتاب، العلم الأول إنّ آدم كان يغشى حوّاء في الجنّة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت له فيها بقابيل وتوأمته فلم يجد عليها وحماً ولا وصباً ولا يجد عليها طلقاً حين ولدتهما ولم تر معهما دماً، لطهر الجنّة فلما هبط إلى الأرض واطمأنا بها تغشّاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوصب والوحم والطلق والدم. وكان آدم إذا شبّ أولاده تزوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر وتزوج بجارية هذا البطن غلام البطن الآخر وكان الرجل منهم يتزوّج أي أخواته يشاء إلاّ توأمته التي ولدت معه فإنها لا تحل له، وذلك أنه لم يكن يومئذ نساء إلاّ أخواتهم وأمهم حوّاء، فلما ولد قابيل وأقليما، ثم هابيل وتوأمته ليوذا في بطن، وكان بينهما سنتين في قول الكلبي وأدركوا أمر اللّه عز وجل آدم (عليه السلام) أن ينكح قابيل ليوذا أخت هابيل. ونكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل من أحسن الناس. فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي ولدت معي في بطن. وهي أحسن من أخت هابيل وأنا أحق بها منه، لأنّها من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض. وأنا أحق بأختي فقال له أبوه: إنها لا تحلّ لك، فأبى أن يقبل ذلك منه وقال إنّ اللّه لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيه. فقال لهما آدم: فقرّبا قرباناً فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها. وقال معاوية بن عمار: سألت الصادق عليه سلام اللّه عن آدم (عليه السلام) أكان زوّج ابنته من ابنه، فقال: معاذ اللّه والله لو فعل ذلك آدم ما رغب عنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وما كان دين آدم إلاّ دين رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ اللّه تبارك تعالى لما نزل آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حوّاء بنتاً وسمّاها ليوذا فبغت وهي أوّل من بغت على وجه الأرض فسلّط اللّه عليها من قتلها فولدت لآدم على أثرها قابيل، ثم ولد له هابيل، فلما أدرك قابيل أظهر اللّه جنية من ولد الجان يقال لها جهانة في صورة إنسية وأوحى اللّه تعالى إلى آدم (عليه السلام) أن زوجها من قابيل فزوجها منه فلما أدرك هابيل أهبط اللّه تعالى حوراء إلى آدم (عليه السلام) في صورة إنسية وخلق لها رحماً وكان اسمها نزلة، فلما نظر إليها قابيل ومقها، وأوحى اللّه تعالى إلى آدم (عليه السلام) أن زوّج نزلة من هابيل، ففعل ذلك، فقال قابيل له: ألست أكبر من أخي وأحق بما فعلت به منه. فقال له آدم: يا بني إنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء.فقال: لا ولكنّك آثرته عليّ بهواك. فقال له آدم: إن كنت تريد أن تعلم ذلك فقرّبا قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أولى بالفضل من صاحبه. قالوا: وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء فأكلتها. وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلتها الطير والسباع، فخرجا ليقرّبا وكان قابيل صاحب زرع وقرّب حبرة من طعام من أردى زرع وأضمر في نفسه: ما أبالي أيقبل مني أم لا لأتزوج أختي أبداً، وكان هابيل راعياً صاحب ماشية فقرّب حملاً سميناً من بين غنمه ولبناً وزبداً وأضمر في نفسه الرضا للّه عز وجل. وقال إسماعيل بن رافع: بلغني أنّ هابيل أمنح له غنمه وكان في حملتها حمل فأحبه حتى لم يكن له مال أعظم له منه وكان يحمله على ظهره فلما أمر بالقربان قرّبه، قال: فوضعا قربانيهما على الجبل، ثم دعا آدم (عليه السلام) فنزلت نار من السماء وأكلت الحمل والزبد واللبن، ولم تأكل من قربان قابيل حبّاً، لأنه لم يكن زاكي القلب. وقُبل قربان هابيل لأنه كان زاكي القلب. فما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم فذلك قوله عز وجل {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} فنزلوا عن الجبل وعرفوا وغضب قابيل لمّا ردّ اللّه قربانه وظهر فيه الحسد والبغي وكان يضمر ذلك من نفسه، إلى أن أتى آدم مكّة ليزور البيت فلمّا أراد أن يأتي مكّة قال للسماء: إحفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال ذلك للأرض فأبت، وللجبال فأبت، فقال: ذلك لقابيل فقبل منه وقال: نعم ترجع وترى ولدك كما يسرّك، فرجع آدم وقد قتل قابيل أخاه وفي ذلك قوله {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72] يعني قابيل {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72] حين حمل أمانة أبيه ثم خانه. قالوا: فلمّا غاب آدم أتى قابيل وهابيل وهو في غزة قال: لأقتلك. قال: ولم؟ قال: لأن اللّه قبل قربانك، وردّ عليّ قرباني وتنكح أختي الحسناء، وأنكح أختك الدميمة وتحدث الناس إنّك خير منّي وأفضل ويفتخر ولدك على ولدي، فقال له هابيل: وما ذنبي {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}. قال عبد اللّه بن عمر: أيم اللّه إن كان المقتول لأشدّ الرجلين ولكن منعه التحرّج أن يبسط إلى أخيه يده. وقال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت، إذا أراد رجل قتل رجل أن يتركه ولا يمتنع منه {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} يعني بإثم قتلي إلى إثمك الذي عملته قبل قتلي، هذا قول عامة المفسرين. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} وفي هذا دليل على إنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} أي طاوعته وبايعته في {قَتْلَ أَخِيهِ}. وقال مجاهد: شجعت. قتادة: زيّنت. {فَقَتَلَهُ}. قال السدّي: فلما أراد قتل هابيل راغ الغلام في رؤوس الجبال. ثم أتاه يوماً من الأيام [وهو يرعى غنماً له وهو نائم] فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات. وقال ابن جريح: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيراً فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر فعلّمه القتل، فوضع قابيل رأس أخيه بين حجرين. وكان لهابيل يوم قُتِل عشرون سنة فاختلفوا في مصرعه وموضع قتله. قال ابن عباس: على جبل نود، وقال بعضهم: عند عقبة حرّا. حكى محمد بن جرير، وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. فلما قتله بالعراء لم يدر ما يصنع به، لأنه كان أوّل ميّت على وجه الأرض من بني آدم فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعلقت به الطير والسباع تنظر متى يرمي به فتأكله. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ} غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله عليه حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفيرة وواراه. وقابيل ينظر إليه فلما رأى ذلك {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} أي جيفته وفيه دليل على أن الميت كلّه عورة {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} على حمله لا على قتله، وقيل: على موت أخيه لا على ركوب الذنب. يدل عليه ما أخبر الأوزاعي عن المطلب بن عبد اللّه المخزومي قال: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه اللّه: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيباً، فقال اللّه عز وجل: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ فأين دمه إن كنت قتلته؟ ومنع اللّه عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعدها أبداً. مقاتل بن الضحّاك عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل وآدم بمكّة أشتال الشجر وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه: وأمرّ الماء واغبرّت الأرض. فقال آدم (عليه السلام): قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند فإذا بقابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول، وهو أوّل من قال الشعر: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها ووجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقلّ بشاشة الوجه الصبيح تفسير : وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: من قال إن آدم قال شعراً فقد كذب على اللّه ورسوله ورمى آدم بالمآثم، إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم صلوات اللّه عليهم في النهي عن الشعر سواء، قال اللّه تعالى {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} تفسير : [يس: 69] ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، وإنما يقول الشعر من تكلّم بالعربية فلمّا قال آدم مرثية في إبنه هابيل، وهو أوّل شهيد كان على وجه الأرض. قال آدم لابنه شيث: وهو أكبر ولده ووصيّه: يا بني إنّك وصيي، إحفظ هذا الكلام ليتوارث فلم يزل يقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فإذا هو سجع، فقال إن هذا ليقوّم شعراً فرّد المقدم إلى آخره والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعراً وما زاد فيه ولا نقص حرفاً من ذلك قال: شعر : تغيّرت البلاد ومن عليها ووجه الأرض مغبرّ قبيح تغير كل ذي طعم ولون وقلّ بشاشة الوجه الصبيح وقابيل أذاق الموت هابي ل فواحزني لقد فقد المليح ومالي لا أجود بسكب دمع وهابيل تضمنّه الضريح بقتل ابن النبي بغير جرم قلبي عند قلبه جريح أرى طول الحياة عليّ غمّاً وهل أنا من حياتي مستريح فجاورنا عدوّاً ليس يفنى عدوماً يموت فنستريح دع الشكوى فقد هلكا جميعاً بهالك ليس بالثمن الربيح وما يغني البكاء عن البواكي إذا ما المرء غيّب في الضريح فبكّ النفس منك ودع هواها فلست مخلداً بعد الذبيح تفسير : فأجابه إبليس في جوف الليل شامتاً: شعر : تنحّ عن البلاد وساكنيها فتىً في الخلد ضاق بك الفسيح فكنت بها وزوجك في رخاء وقلبك من أذى الدنيا مريح فما انفكت مكايدي ومكري إلى أن فاتك الخلد الرّبيح فلولا رحمة الجبّار أضحى بكفك من جنان الخلد ريح تفسير : وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل هابيل مكث آدم (عليه السلام) مائة سنة لا أكثر. ثم أتى فقيل: حيّاك اللّه وبياك أي ضحّكك، ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حوّاء شيثاً وتفسيره: هبة اللّه، يعني إنه خلف من هابيل، وعلّمه اللّه تعالى ساعات الليل والنهار وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه هبة اللّه وصار وصي آدم عليهما السلام وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: إذهب طريداً شريداً فزعاً مرهوباً لا يأمن من يراه فأخذ بيد أخته هبة اللّه ذهب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس، فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النّار ويخدمها فانصب أنت ناراً يكون لك ولعقبك فنصب ناراً وهو أوّل من نصب ناراً وعبدها. قالوا: كان لا يمرّ به أحداً من ولده إلاّ رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له فقال الأعمى: إنّ هذا أبوك قابيل فرمى الأعمى ابن قابيل فقتله. فقال ابن الأعمى: قتلت أباك. فرفع يده فلطم إبنه فمات قال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي. قال مجاهد: فعلقت إحدى رجل قابيل إلى فخذه وساقه وعلقت يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيث أدارت عليه بالصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج، قالوا: واتّخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطنبور، والمزامير، والعيدان، والطنابر، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى طوّفهم اللّه عز وجل بالطوفان أيام نوح (عليه السلام) وبقي نسل شيث. قال عبد اللّه بن عمر: إنا لنجد إبن آدم القاتل يقاسم أهل النار العذاب قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم. الأعمش عن عبد اللّه بن مرّة عن مسروق بن عبد اللّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تقتل نفس مسلمة ظلماً إلاّ كان على ابن آدم (الأوّل) كفل من دمه، لأنه أوّل من سنّ القتل ". تفسير : مسلم بن عبد اللّه عن سعيد بن صور عن أنس بن مالك قال: حديث : سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: "يوم دم" قالوا: وكيف ذلك يا رسول اللّه؟ قال: "فيه حاضت حوّاء وقتل ابن آدم أخاه ". تفسير : وعن يحيى بن زهدم قال: حدّثني أبي عن أبيه عن أنس قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "امتن اللّه عز وجل على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث، بالريح بعد الروح فلولا إن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميماً، وبالدودة في الحبة فلولا أن الدودة تقع في الحبة لأكنزها الملوك وكانت حباً من الدنانير والدراهم. وبالموت بعد الكبر، فإن الرجل ليكبر حتى يمّل نفسه ويملّه أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أيسر له ". تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذلك} يعني من جرّاء ذلك القاتل ووحشيّته، يقال: أجل فلان يأجل أجلاً، مثل أخذ يأخذ أخذاً. قال الشاعر: شعر : وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله تفسير : {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} قتله فساداً منه {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} يعني قوله إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله الآية {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. مجاهد: اختلف الناس بينهما فقال ابن عباس: في رواية عكرمة وعطية: من قتل نبياً وإماماً عادلاً فكأنما قتل الناس جميعاً ومن عمل على عضد نبي أو إمام عادل {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. مجاهد: من قتل نفساً محرّمة يصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها من سلم من قتلها فقد سلم من الناس جميعاً. السدّي: من قتل فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول في الإثم ومن أحياها واستنقذها من هلكة من غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ. الحسن وابن زيد: فكأنما قتل الناس جميعاً يعني إنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي نوى بقلبه لو كان قتل الناس جميعاً ومن أحياها من عفا عمّن وجب له القصاص منه فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعاً. قتادة والضحّاك، عظم اللّه قتلها أو عظم وزرها فمعناها من أستحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما قتل الناس جميعاً لأنهم لا يسلمون منه. ومن أحياها فحرمها وتورع من قتلها فكأنما أحيا الناس جميعاً لسلامتهم منه. وقال سليمان بن علي الربعي: قلت للحسن: يا أبا سعيد هي لنا كما كانت لبني إسرائيل، قال: إي و الذي لا إله غيره لإن دماء بني إسرائيل أكرم على اللّه من دمائنا. {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}. روى محمد بن الفضل عن الزيات بن عمرو عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سقى مؤمناً ماءً على (ظمأ) فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقى في غير موطنها فكأنما أحيا نفساً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة يتلو الإنسان - أي يقرأ - فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صُور؛ ذلك أن الإنسان عندما يرى أمراً أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة، أو يرى كل صورة مكّونة للحدث منفصلة عن غيرها. وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتّب الكلمات، كلمة من بعد كلمة، وحرفاً من بعد حرف؛ إذن فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ} والنبأ هو الخبر المهم، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر. ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر. مثال ذلك قوله الحق: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1-2] إذن فكلمة "نبأ" هي الخبر المهم الشديد الذي وقع وأثر عظيم. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ} وساعة نسمع قوله الحق: "بالحق" فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ولا تبديل. ولذلك قال سبحانه: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} تفسير : [الإسراء: 105] أي أن ما أُنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام، وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشّر نزل. وعندما يقول سبحانه: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ} فسبحانه يحكي قصة قرآنية تحكي واقعة كونية. ومادام الله هو الذي يقصّ فهو سيأتي بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة. ولذلك يسمّيه سبحانه "القصص الحق": {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [آل عمران: 62] ويُسمّيه سبحانه: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] وسبحانه يقول: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} ونعرف أن آدم هو أول الخلق البشري، وأن ابني آدم هما هابيل وقابيل، كما قال المفسرون. وقد قرّب كل منهما قرباناً. والقُربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله، و"قربان" على وزن "فعلان". فيقال: "كَفَر كُفراناً" و" غَفَر غُفرانا". وهي صيغة مبالغة في الحدث. وهل قدّم الاثنان قرباناً واحداً؛ أم أن كلا منهما قدّم قرباناً خاصّاً به؟ مادام الحق قد قبل من واحد منهما ولم يتقبّل من الآخر فمعنى ذلك أن كلاًّ منهما قدّم قرباناً منفصلاً عن الآخر؛ لأن الله قبل قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر. و"القربان: مصدر. والمصادر في التثنية وفي الجمع وفي التذكير والتأنيث لا يتغير نطقها أو كتابتها. فنحن نصف الرجل بقولنا: "رجل عدل" وكذلك "امرأة عدل" و"رجلان عدل" و"امرأتان عدل" و"رجال عدل" و"نساء عدل". إذن فالمصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. ونعلم أن آدم هو أول الخلق الآدمي، وجاءت له حواء؛ وذلك من أجل اكتمال زوجية التكاثر؛ لأن التكاثر لا يأتي إلا من ذكر وأنثى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49] فكل موجود أراد له الحق التكاثر فهو يخلق منه زوجين. {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [يس: 36] ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل. وهناك بعض الكائنات لا نعرف لها ذكراً وأنثى؛ إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ولكن يوجد على بعد والريح هي التي تحمل حبوب التلقيح: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً} تفسير : [الحجر: 22] فتأتي الريح بحبوب التلقيح من أي مكان لتخصب النبات، وإما أن الذكورة والأنوثة يوجدان معاً في شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عُود الذّرة؛ حيث نجد ذكروته وأنوثته في شيء واحد؛ فقمّة العود فيها الذكورة ويخرج من كل "كوز" ذرة قدراً من الخيوط الرفيعة التي نسمّيها "الشّوشة". وهذه هي حبال الأنوثة. وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى "الشوشة"، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب، وعندما تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة، ولا تصلها حبوب اللقاح، فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة. وعندما نمسك بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضا من حبوبه ميتة وهي تلك التي لم تصلها حبوب اللقاح؛ لأنها لم تملك خيطا من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح. وحبّة الذّرة التي لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج. إذن فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة. {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير : [يس: 36] وكذلك قوله: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}. وكل ما يقال له شيء لا بد له من ذكر وأنثى، حتى المطر لا بد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر، وحتى الحصى فيه ذرات موجبة وذرات سالبة. وعندما اخترعنا الكهرباء واكتشفنا الموجب والسالب ارتحنا. إذن فعندما يقول الحق: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49] وقوله سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] وهذا أول علم للعرب، فلم يكونوا من قبل القرآن أمّة علم. وقد أوصل القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم، عندما أحذوا بأسباب الله، لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات، وهذه الاكتشافات نجدها مطمورة في القرآن: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] إذن فكل ما يجدُّ ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أي ذكورة وأنوثة؛ يدخل في نطاق: {أية : وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] والإنسان سيد الوجود لا بد له من زوجين ذكر وأنثى للتكاثر لا للإيجاد، أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذي أوجد كل شيء مَِن لا شيء. وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض في النمو. ولو أننا رجعنا بالأنسال في العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل إلى أن يصل إلى آدم وحواء. مثال ذلك لو عدنا إلى الوراء مائة عام لوجدنا تعداد مصر لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة على الأكثر، ولو عدنا إلى الوراء قروناً أكثر فإن التعداد يقل، إلى أن نصل إلى الخلق الأول الذي خلقه الله وهو آدم وخلق له حواء. فالإنسان بمفرده لا يأتي بنسل. إذن عندما نجري عملية الإحصاء الإنسالي في العالم ونرجع بها إلى الوراء، نعود إلى الخلق الأول. وكذلك كل شيء متكاثر سواء أكان حيواناً أم نباتاً. وعندما نسير بالإحصاء إلى الأمام سنجد الأعداد تتزايد، وتكون القفزة كبيرة. وعندما يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثَّ منهُما رجالاً كثيراً ونساء، فإن عِلم الإحصاء إنما يؤكد ذلك. والتكاثر إنا يأتي بالتزاوج. والتزاوج جاء من آدم وحواء. وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له في النوع من الحمل المختلف. أي يتزوج الذكر من الأنثى التي لم تولد معه في بطن واحدة. وجاء ربّنا لنا بهذه القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بياناً رمزياً. أوضح سبحانه: أن التباعد الزوجي كان موجوداً، ولكنه التباعد الإضافي، صحيح سيكون هذا الولد أخا للبنت هذه، وهذه البنت أخته؛ لكن حين تكون مولودة مع هذا، وتأتي بطن ثانٍ فيها ذكر وأنثى، فسيكون فيها بُعد إضافي، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر في البطن الثاني. والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر، وهذا هو البُعد الإضافي الذي كان مُتاحاً في ذلك الوقت؛ لأن العالم كان لا يزال في بداية طفولته الواهية. ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف، حين يقول فلاح آخر: "الذرة بتاعك خايب"، يقول الفلاح الثاني: إني آخذ من الأرض التي أخذت منها الذرة وأعطيها تقاوى منها، فأنا قد زرعت فداناً من ذرة، وأحجز كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوى لأزرعها، فتخرج الذرة ضعيفة، فيقول الفلاح الناضج: يا شيخ هات من ذرة جارك. فيكون ذرة جاري فيه شيء من البُعد. وبعد ذلك تصير النوعية واحدة، فيقول الفلاح الناضج: هات من بلد أخرى. وبعد ذلك من بلد ثالثة، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ؟ من أين نأتي بالتقاوى؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قوياً. كذلك التزاوج ليكون في هذه الزوجية مواهب، ولذلك فطن العربي قديماً لها، ومن العجيب أن هذا العربي البدوي الذي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علماً، يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداءً يجعلها قضية عامة فطرية. ويريد أن يمدح رجلاً بالفتوة، فيقول عنه: شعر : فتى لم تلده بنتُ عمٍ فيضوي وقد يضوي سليل الأقارب تفسير : كيف اهتدى هذا الشاعر لهذه؟! وبعد ذلك يقول: شعر : تجاوزت بنت العّمِ وهي حبيبة إليّ مخافة أن يضوي على سليلها تفسير : أي هو يحبها، لكنه تجتوزها، حتى لا يضوي سليلها. ولذلك يقول الشاعر في هذه القضية: شعر : أنصح من كان بعيد الهم تزويج أولاد بنات العم فليس ينجو من ضوى وسقم تفسير : الشاعر العربي الذي ليس في أمة مثقفة ولا تعرف التهجين ولا تعرف هذه الأشياء، انتبه إلى هذه المسألة، كيف؟ إما أن يكون قد اهتدى إليها في واقع الكون فوجد أن زواج القريبات يُنشئ ملاً ضعيفاً، وإما أن يكون ذلك من رواسب الديانات السابقة القديمة والعظات الأولى التي ظل الإنسان محتفظاً بها، فإذا أراد الله أن يبدأ تكاثر فلا بد أن يتزوج أخ بأخته، ولكن سبحانه يريد أن نتباعد، نعم أخ وأخت لكن نتباعد فنأخذ البطن المختلف، ولذلك حينما جاءوا لينسبوا قصة ابني آدم قابيل وهابيل، صحيح اختلفوا. مثلا "سِفْر التكوين" تكلم، ونحن نأخذ من "سفر التكوين" لأن التغيير فيه لا يهمهم. فقد كان التغيير في المسائل التي تهمهم، كمسألة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما المسائل الأخرى لا تهم، ومع ذلك ففيها أيضا الكثير. إنهم يقولون: إن هابيل هو أول قتيل في الإنسانية وقتله "قابيل" وبعض القصص تقول: لم يكن يعرف كيف يُميته أو يقتله، فالشيطان مَثَّل له بأنه جاء بطير ووضع رأسه على حجر ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسه حتى قتله، فعلّمه كيف يقتل، مثلما سيأتي الغراب ويعلّمه كيف يدفن، أما مسألة كيف يقتل هذه لم تأت عندنا، إنما كيف يدفن فقد جاءت عندنا. {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} تفسير : [المائدة: 31] فهذا هو أول من توفّى وقتل، لكن كيف تقولون: إنه لم يكن يعرف القتل حتى جاءه الشيطان وعلّمه كيف يقتل أخاه؟ نقول: أنتم لم تنتبهوا. فالحق قال: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قال: ولد لآدم أَربعة تؤم. ذكر وأُنثى من بطن، وذكر وأُنثى من بطن. فكانت أُخت صاحب الحرث جميلة وكانت أُخت صاحب الغنم قبيحة. فقال صاحب الغنم: أَنا أحق بها. وقال صاحب الحرث: أَتريد أَن تستأْثر بوضاءَتها علي. فتعال نقرب قربانا، فان تقبل قربانك فأَنت أَحق بها، وإِن تقبل قرباني فأَنا أَحق بها. فجاءَ صاحب الغنم بكبش أَعين أَبيض أَقرن وجاءَ صاحب الحرث بصبرة من طعام. فقبل الكبش فخزنه الله في الجنة أَربعين خريفاً، وهو الكبش الذي ذبحه إِبراهيم عليه السلام. فقتله صاحب الحرث. فولد آدم كلهم من ولد ذلك الكافر. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: أُمر آدم أَن يزوج أُنثى هذا البطن من ذكر ذاك البطن، وأُنثى ذاك البطن من ذكر هذا البطن. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} [الآية: 27]. قال: هما ابنا آدم لصلبه. هابيل : / 19و / وقابيل. قرب هابيل شاة وقابيل بقلا. فقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فقتله، فقال هابيل: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [الآية: 29]. أَي: أُريد أَن يكون عليك خطيئتك ودمي فتبوءَ بهما. {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} [الآية: 30]. يقول: شجعته نفسه على قتله، {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 31]. يقول: غراباً حياً، حفر لغراب ميت، وابن آدم القاتل ينظر إِليه. وبحث عليه التراب حتى غيبه في التراب. يقول الله، عز وجل: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} [الآية: 32]. قال هذا مثل قوله:{أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}تفسير : [النساء: 93]. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} [الآية: 32]. يقول: من لم يقتل أَحداً فقد أَحيا الناس منه. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} [الآية: 39]. يقول: الحد كفارة.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى تمرد بني إِسرائيل وعصيانهم لأمر الله في قتال الجبارين، ذكر قصة ابني آدم وعصيان "قابيل" أمر الله وإِقدامه على قتل النفس البريئة التي حرمها الله، فاليهود اقتفوا في العصيان أوَّل عاصٍ لله في الأرض، فطبيعةُ الشر فيهم مستقاةٌ من ولد آدم الأول، فاشتبهت القصتان من حيث التمرد والعصيان، ثم ذكر تعالى عقوبة قُطّاع الطريق والسُرَّاق الخارجين على أمن الدولة والمفسدين في الأرض. اللغَة: {قُرْبَاناً} القُربان ما يُتقرب به إِلى الله {تَبُوءَ} ترجع يقال: باء إِذا رجع إِلى المباءة وهي المنزل {فَطَوَّعَتْ} سوَّلت وسهَّلت يقال: طاع الشيءُ إِذا سهل وانقاد وطوَّعه له أي سهّله {يَبْحَثُ} يفتش وينقّب {سَوْءَةَ} السوأة: العورة {يَاوَيْلَتَا} كلمة تحسر وتلهف قال سيبويه: كلمةٌ تقال عند الهلكة {يُنفَوْاْ} نفاه: طرده وأصله الإِهلاك ومنه النّفاية لرديء المتاع {خِزْيٌ} الخزي: الفضيحة والذل يقال أخزاه الله أي فضحه وأذله {ٱلْوَسِيلَةَ} كل ما يتوسل به إِلى الله {نَكَالاً} عقوبة. سَبَبُ النّزول: عن أنسٍ أن رهطاً من عُرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة - استوخموها - فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى إِبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحُّوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النَّعَم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسُمِرت أعينهم وألقوا في الحرة حتى ماتوا فنزلت {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ..} الآية. التفسِير: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ} أي اقرأ يا محمد على هؤلاء الحسدة من اليهود وأشباههم خبر "قابيل وهابيل" ابنيْ آدم ملتبسةً بالحق والصِّدق وذكّرهم بهذه القصة فهي قصة حق {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} أي حين قرَّب كلٌ منهما قرباناً فتُقبل من هابيل ولم يُتقبل من قابيل قال المفسرون: سبب هذا القربان أن حوّاء كانت تلد في كل بطنٍ ذكراً وأنثى وكان يزوّج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر فلما أراد آدم أن يزوّج قابيلَ أخت هابيل ويزوّج هابيل أخت قابيل رضي هابيل وأبى قابيل لأن توأمته كانت أجمل فقال لهما آدم: قرّبا قرباناً فمن أيكما تُقبل تزوجها، وكان قابيل صاحب زرع فقرّب أرذل زرعه وكان هابيل صاحب غنم فقرّب أحسن كبشٍ عنده فقبل قربانُ هابيل بأن نزلت نارٌ فأكلته فازداد قابيل حسداً وسخطاً وتوعّده بالقتل {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} أي قال قابيل لأخيه هابيل لأقتلنك قال: لمَ؟ قال لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني قال: وما ذنبي؟ { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي إِنما يتقبل ممن اتقى ربه وأخلص نيته قال البيضاوي: توعّده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه فأجابه بأنك أُتيت من قِبَل نفسك بترك التقوى لا من قِبَلي وفيه إِشارة إِلى أن الطاعة لا تُقبل إِلا من مؤمن متّقٍ لله {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} أي لئن مددتَ إِليَّ يدك ظلماً لأجل قتلي ما كنتُ لأقابلك بالمثل قال ابن عباس المعنى: ما أنا بمنتصر لنفسي {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} أي لا أمدُّ يدي إِليك لأني أخاف ربَّ العالمين قال الزمخشري: قيل: كان هابيل أقوى من القاتل ولكنه تحرّج عن قتل أخيه خوفاً من الله {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} أي إِن قتلتني فذاك أحبُّ إِليَّ من أن أقتلك قال أبو حيان: المعنى إِن سبق بذلك قَدَرٌ فاختياري أن أكون مظلوماً ينتصر الله لي لا ظالماً وقال ابن عباس: المعنى لا أبدؤك بالقتل لترجع بإِثم قتلي إِن قتلتني، وإِثمك الذي كان منك قبل قتلي فتصير من أهل النار {وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} أي عقاب من تعدّى وعصى أمر الله {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي زيّنت له نفسه وسهّلت له قتل أخيه فقتله فخسر وشقي قال ابن عباس: خوّفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} أي أرسل الله غراباً يحفر بمنقاره ورجله الأرض ليُري القاتل كيف يستر جسد أخيه قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر له فدفنه، وكان ابن آدم هذا أول من قُتِل، وروي أنه لما قتله تركه بالعراء ولم يدر كيف يدفنه حتى رأى الغراب يدفن صاحبه فلما رآه {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} أي قال قابيل متحسراً يا ويلي ويا هلاكي أضعفتُ أن أكون مثل هذا الطير فأستر جسد أخي في التراب كما فعل هذا الغراب؟ {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} أي صار نادماً على عدم الاهتداء إِلى دفن أخيه لا على قتله قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبةً له {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْض} أي من أجل حادثة "قابيل وهابيل" وبسبب قتله لأخيه ظلماً فرضنا وحكمنا على بني إِسرائيل أن من قتل منهم نفساً ظلماً بغير أن يقتل نفساً فيستحق القصاص وبغير فسادٍ يوجب إِهدار الدم كالردّة وقطع الطريق {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} أي فكأنه قتل جميع الناس قال البيضاوي: من حيث انه هتك حرمة الدماء وسنَّ القتل وجرأ الناس عليه، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإِحيائها في القلوب ترهيباً عن التعرض لها وترغيباً في المحاماة عليها {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أي ومن تسبَّب لبقاء حياتها واستنقذها من الهَلَكة فكأنه أحيا جميع الناس قال ابن عباس في تفسير الآية: من قتل نفساً واحدةً حرّمها الله فهو مثلُ من قتل الناس جميعاً ومن امتنع عن قتل نفسٍ حرمها الله وصان حرمتها خوفاً من الله فهو كمن أحيا الناس جميعاً {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ} أي بعدما كتبنا على بني إِسرائيل هذا التشديد العظيم وجاءتهم رسلنا بالمعجزات الساطعات والآيات الواضحات {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} أي ثم إِنهم بعد تلك الزواجر كلها يسرفون في القتل ولا يبالون بعظمته قال ابن كثير: هذا تقريعٌ لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها وقال الرازي: إِن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم عزموا على الفتك به وبأصحابه كان تخصيص بني إِسرائيل بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود، ثم ذكر تعالى عقوبة قُطّاع الطريق فقال {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يحاربون شريعة الله ودينه وأولياءه ويحاربون رسوله {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يفسدون في الأرض بالمعاصي وسفك الدماء {أَن يُقَتَّلُوۤاْ} أي يُقتلوا جزاء بغيهم {أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} أي يُقتلوا ويُصلبوا زجراً لغيرهم، والصيغةُ للتكثير {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ} معناه أن تُقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي يُطردوا ويُبعدوا من بلدٍ إِلى بلد آخر {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي ذلك الجزاء المذكور ذلٌ لهم وفضيحة في الدنيا {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هو عذاب النار، قال بعض العلماء: الإِمام بالخيار إِن شاء قتل، وإِن شاء صلب، وإِن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإِن شاء نفى وهو مذهب مالك. وقال ابن عباس: لكلّ رتبةٍ من الحِرَابة رتبةٌ من العقاب فمن قَتَل قُتل، ومن قتل وأخذ المال قُتل وصُلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف فقط نُفي من الأرض، وهذا قول الجمهور {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} أي لكن الذين تابوا من المحاربين وقُطّاع الطريق قبل القدرة على أخذهم وعقوبتهم {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب يقبل توبته ويغفر زلّته، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى والعمل الصالح فقال {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} أي خافوا عقابه واطلبوا ما يقربكم إِليه من طاعته وعبادته قال قتادة: تقربوا إِليه بطاعته والعمل بما يرضيه {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي جاهدوا لإِعلاء دينه لتفوزوا بنعيم الأبد {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أي لو كان لكل كافر جميع ما في الأرض من خيرات وأموال ومثله معه {لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي وأراد أن يفتدي بها نفسه من عذاب الله ما نفعه ذلك وله عذاب مؤلم موجع {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم لا ينقطع وفي الحديث "حديث : يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيتَ لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنتَ تفتدي به؟ فيقول نعم فيقال له: قد كنتَ سُئلتَ ما هو أيسرُ من ذلك ألاّ تشرك بي فأبيت فيؤمر به إِلى النار" تفسير : ثم ذكر تعالى عقوبة السارق فقال {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} أي كل من سرق رجلاً كان أو امرأة فاقطعوا يده {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} أي مجازاة لهما على فعلهما القبيح {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي عقوبة من الله {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي حكيم في شرعه فلا يأمر بقطع اليد ظلماً {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي رجع عن السرقة {وَأَصْلَحَ} أي أصلح سيرته وعمله {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} أي يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في المغفرة والرحمة، ثم نبّه تعالى على واسع ملكه وأنه لا معقّب لحكمه فقال {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر والملك الباهر وبيده ملكوت السماوات والأرض والاستفهام للتقرير {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي يعذّب من يشاء تعذيبه ويغفر لمن يشاء غفران ذنبه وهو القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء. البَلاَغَة: 1- الطباق بين كلمة {قَتَلَ... وأَحْيَا} وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين {يُعَذِّبُ.. وَيَغْفِرُ}. 2- {يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} هو على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله لأن الله لا يُحارب ولا يُغالب فالكلام على سبيل المجاز. 3- الاستعارة {وَمَنْ أَحْيَاهَا} لأن المراد استبقاها ولم يتعرض لقتلها، وإِحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه إِلا الله تعالى. 4- {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ} قال الزمخشري: هذا تمثيلٌ للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إِلى النجاة منه بوجهٍ من الوجوه. 5- طباق السلب {لَئِن بَسَطتَ.. مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ}. الفوَائِد: الأولى: النفي من الأرض كما يكون بالطرد والإِبعاد يكون بالحبس ولهذا قال مالك رحمه الله: النفيُ: السجنُ ينفى من سعة الدنيا إِلى ضيقها قال الشاعر وهو في السجن: شعر : خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إِذا جاءنا السّجان يوماً لحاجةٍ عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا تفسير : الثانية: السرُّ في تقديم السارق على السارقة هنا وتقديم الزانية على الزاني في قوله {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] أن الرجل على السرقة أجرأ، والزنى من المرأة أشنع وأقبح فناسب ذكر كلٍ منهما المقام. الثالثة: قال الأصمعي: قرأتُ يوماً هذه الآية {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} وإِلى جنبي أعرابي فقلت {أية : وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 218] سهواً فقال الأعرابي: كلامُ من هذا؟ قلت: كلام الله قال: ليس هذا بكلام الله أعِدْ فأعدت وتنبهتُ فقلت {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فقال: نعم هذا كلام الله فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمتَ أني أخطأتُ؟ فقال يا هذا: عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. الرابعة: اعترض بعض الملحدين على الشريعة الغراء في قطع يد السارق بالقليل من المال ونظم ذلك شعراً فقال: شعر : يدٌ بخمسِ مئين عسجدٍ وُديتْ ما بالُها قُطعتْ في رُبْع دينار؟ تحكّمٌ مالنا إِلا السكوتُ له وأن نعوذَ بمولانا من النّار تفسير : فأجابه بعض العلماء بقوله: شعر : عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصَها ذلُّ الخيانةِ فافهم حكمةَ الباري تفسير : أي لمّا كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، ويا له من قول سديد. "كلمة وجيزة حول قطع يد السارق" يعيب بعض الغربيين على الشريعة الإِسلامية قطع يد السارق ويزعمون أن هذه العقوبة صارمة لا تليق بمجتمع متحضر ويقولون: يكفي في عقوبته السجن ردعاً له، وكان من أثر هذه الفلسفة التي لا تستند على منطقٍ سليم أن زادت الجرائم وكثرت العصابات وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق الذين يهدّدون الأمن والاستقرار، يسرق السارق وهو آمن مطمئن لا يخشى شيئاً اللهم إِلا ذلك السجن الذي يُطعم ويُكسى فيه فيقضي مدة العقوبة التي فرضها عليه القانون الوضعي ثم يخرج منه وهو إِلى الإِجرام أميل وعلى الشر أقدر، يؤكد هذا ما نقرؤه ونسمعه عن تعداد الجرائم وزيادتها يوماً بعد يوم، وذلك لقصور العقل البشري عن الوصول إلى الدواء الناجع والشفاء النافع لمعالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة، أما الإِسلام فقد استطاع أن يقتلع الشر من جذوره ويدٌ واحدة تقطع كافية لردع المجرمين فيا له من تشريع حكيم!!
الأندلسي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} الآية، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وعليهم أي على بقية بني إسرائيل الذين عاصروه عليه السلام وهموا ببسط أيديهم وقالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه، وذكرهم موسى عليه السلام بنعم الله تعالى. ومناسبة هذه الآية، لما قبلها أنه كان من آخر كلامهم لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا وذلك لجبنهم وخور طباعهم عن قتال الجبارين. وفي قصة ابني آدم جسارة قابيل على قتل النفس التي حرم الله قتلها فتشابها من هذا الوجه فكان قابيل أول عاص في هذه المعصية العظيمة وبنو إسرائيل أول من خاطب رسولهم بقولهم: إذهب أنت وربك فقاتلا، والنبأ الخبر وابنا آدم هما قابيل وهابيل ابناه لصلبه. {إِذْ قَرَّبَا} إذ منصوب بقوله نبأ. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي إتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف. "انتهى". لا يجوز ما ذكر لأن إذ لا يضاف إليها إلا الزمان ونبأ ليس بزمان والقربان الذي قرباه هو زرع لقابيل وكبش لهابيل، وكانت علامة التقبّل أكل النار النازلة من السماء القربان وترك غير المتقبل. قال الزمخشري: يقال قرب صدقة وتقرب بها لأن تقرب مطاوع قرب. "انتهى". ليس تقرب بصدقة مطاوع قرب لإِتحاد فاعل الفعلين والمطاوع يختلف فيها الفاعل فيكون من أحدهما فعل ومن الآخر انفعال نحو كسرته فانكسر وفلقته فانفلق، وليس قربت صدقة وتقربت بها من هذا الباب فهو غلط. فاحش. {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا} هو هابيل. {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} هو قابيل. {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} هذا تهديد شديد ووعيد بالقتل لأخيه. وأكده بالقسم المحذوف وتقديره والله لأقتلنك، ولما هدده بالقتل علم أنه لم يكن متقياً لله تعالى لتهديده بهذه المعصية العظيمة وكان ذلك حسداً له، فقال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} ومن لم يرض بفعل الله تعالى لم يكن متقياً له، ثم قال: {لَئِن بَسَطتَ} الآية، فبين التفاوت بينهما بأنك إن أردت قتلي فما أريد قتلك، واللام في لئن هي الموطئة المؤذنة بقسم محذوف وإن شرطية، وجواب القسم قوله: {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ} وجواب أن محذوف لدلالة جواب القسم عليه وذكر أن الحامل له على أنه لا يريد قتله خوفه من الله تعالى. قال الزمخشري: فإِن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: لئن بسطت ما أنا بباسط؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي. "انتهى". وأورد أبو عبد الله الرازي هذا السؤال والجواب ولم ينسبه للزمخشري وهو كلام فيه انتقاد وذلك أن قوله: ما أنا بباسط ليس جزاء للشرط بل هو جواب للقسم المحذوف ولو كان جواباً للشرط لكان بالفاء فإِنه إذا كان جواب الشرط منفياً بما فلا بد من إلقاء إلا أن كانت الأداة ليست من الجوازم في الكلام فلا يحتاج إذ ذاك إلى الفاء كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}تفسير : [يونس: 15]. ما كان حجتهم إلا أن قالوا: والقاعدة النحوية أنه إذا اجتمع قسم وشرط كان الجواب للسابق منهما إذا لم يتقدمهما ذو خبر. {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ} الآية، المعنى أن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوماً ينتصر الله لي في الآخرة. {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} وهو فعل من التطوع وهو الانقياد كأن القتل كان ممتنعاً عليه متعاصياً وأصله طاع له قتل أخيه أي انقاد إليه وسهل ثم عدى بالتضعيف فصار الفاعل مفعولاً والمعنى أن القتل في نفسه مستصعب عظيم على النفوس فردته هذه النفس اللجوج الأمارة بالسوء طائعاً منقاداً حتى أوقعه صاحب هذه النفس. وقرىء فطاوعت يكون فاعل فيه للاشتراك نحو ضاربت زيداً. قال الزمخشري: فيه وجهان، أن يكون مما جاء على فاعل بمعنى فعّل، وأن يراد أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الاقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله. "انتهى". أما الوجه الثاني: فهو موافق لما ذكرناه، وأما الوجه الأول فقد ذكر سيبويه ضاعفت وضعفت مثل ناعمت ونعمت وقال: فجاؤا به على مثال عاقبته. قال: وقد يجيء فاعلت لا يراد بها عمل اثنين ولكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت وذكر أمثلة منها عافاه الله وهذا المعنى وهو أن فاعل بمعنى فعّل أغفله بعض المصنفين. من أصحابنا في التصريف كابن عصفور وابن مالك وناهيك بهما جمعاً وإطلاعاً فلم يذكر أن فاعل يجيء بمعنى فعّل ولا فعل بمعنى فاعل وقوله: وله لزيادة الربط يعني في قوله: فطوعت له، يعني أنه لو جاء فطوعت نفسه قتل أخيه لكان كلاماً تاماً جارياً على كلام العرب وإنما جيء به على سبيل زيادة الربط للكلام إذ الربط يحصل بدونه كما أنك لو قلت: حفظت مال زيد، كان كلاماً تاماً، فأصبح بمعنى صار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : إلى آخر القصة أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين. أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة. { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } أي: أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله، { فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ } بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه. { قَالَ } الابن، الذي لم يتقبل منه للآخر حسدا وبغيا { لأقْتُلَنَّكَ } فقال له الآخر -مترفقا له في ذلك- { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } فأي ذنب لي وجناية توجب لك أن تقتلني؟ إلا أني اتقيت الله تعالى، الذي تقواه واجبة عليّ وعليك، وعلى كل أحد، وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال له مخبرا أنه لا يريد أن يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة فقال: { لَئِن بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ } وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني { أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه. { إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ } أي: ترجع { بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } أي: إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني فإني أوثر أن تقتلني، فتبوء بالوزرين { فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار. فلم يرتدع ذلك الجاني ولم ينزجر، ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها، حتى طوعت له قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه. { فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } دنياهم وآخرتهم، وأصبح قد سن هذه السنة لكل قاتل. "ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنه "ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول شطر من دمها، لأنه أول من سن القتل". فلما قتل أخاه لم يدر كيف يصنع به؛ لأنه أول ميت مات من بني آدم { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ } أي: يثيرها ليدفن غرابا آخر ميتا. { لِيُرِيَهُ } بذلك { كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ } أي: بدنه، لأن بدن الميت يكون عورة { فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } وهكذا عاقبة المعاصي الندامة والخسارة.
همام الصنعاني
تفسير : 697- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ}: [الآية: 27]، قال: هما هَابِيل وقابِيل، قال: كَانَ أحدُهما صاحب زرع والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخَيْرِ مالِه، وجاء الآخر بشرِّ ماله فجاءت النَّار فأكَلَتْ قُرْبانَ أحدهما وهو قابيل، وتركت قربانَ الآخرة فحسده، وقال: لأقتلنَّكَ، وأما قوله: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: [الآية: 29]، يقول: بإثم قتلي وإثمك، وأما قوله {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً}: [الآية: 31]، فإنه قتل غُرابٌ غراباً، فجَعَل يحثو عَلَيْهِ، فقال ابن آدم الذي قتال أخاه حين رآه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ}: [الآية: 31]. 698- عبد الرزاق، قال: معمر، وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن ابْنَيْ آدم ضُرِبَا لهذه الأُمَّةِ مَثَلاً، فخُذوا بالخير منهما .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):