Verse. 697 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

لَىِٕنْۢ بَسَطْتَّ اِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِيْ مَاۗ اَنَا بِبَاسِطٍ يَّدِيَ اِلَيْكَ لِاَقْتُلَكَ۝۰ۚ اِنِّىْۗ اَخَافُ اللہَ رَبَّ الْعٰلَمِيْنَ۝۲۸
Lain basatta ilayya yadaka litaqtulanee ma ana bibasitin yadiya ilayka liaqtulaka innee akhafu Allaha rabba alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لئن» لام قسم «بسطت» مددت «إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين» في قتلك.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : والسؤال الأول: وهو أنه لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام، فلم قال {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. والجواب من وجوه: الأول: يحتمل أن يقال: لاح للمقتول بأمارات تغلب على الظن أنه يريد قتله فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة، يعني أنا لا أجوز من نفسي أن أبدأك بالقتل الظلم العدوان، وإنما لا أفعله خوفاً من الله تعالى، وإنما ذكر له هذا الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان غرضه منه تقبيح القتل العمد في قلبه، ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام هابيل فضرب رأسه بحجر كبير فقتله. والوجه الثاني في الجواب: أن المذكور في الآية قوله {مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ } يعني لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك، وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع. وقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل بل يجل عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك. الوجه الثالث: قال بعضهم: المقصود بالقتل إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك، وهكذا فعل عثمان رضي الله تعالى عنه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة: «حديث : ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل».تفسير : الوجه الرابع: وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع. وقال مجاهد: إن الدفع عن النفس ما كان مباحاً في ذلك الوقت. السؤال الثاني: لم جاء الشرط بلفظ الفعل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ }. والجواب: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع، ولذلك أكده بالباء المؤكد للنفي.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان ـ الأولى ـ قوله تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ} الآية. أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك؛ فهذا ٱستسلام منه. وفي الخبر: « حديث : إذا كانت الفتنة فكن كخير ٱبني آدم » تفسير : . وروى أبو داود حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول الله: إن دخل علي بيتي وبسط يده إلي ليقتلني؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن كخير ٱبني آدم» تفسير : وتلا هذه الآية: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي}. قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألاَّ يَسْتلّ أحد سيفاً، وألا يمتنع ممن يريد قتله. قال علمائنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك؛ لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوّزون للمصول عليه الدفع؛ وٱحتجوا بحديث أبي ذَرّ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة؛ على ما بيناه في كتاب «التذكرة» وقال عبدالله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابيل أشدّ قوّة من قابيل ولكنه تحرج. قال ٱبن عطية: وهذا هو الأظهر، ومن ها هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ لا كافر؛ لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرج هنا وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحداً، ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة؛ ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه. وقيل: المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائماً فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي. وقيل: لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل. وقيل: أراد لئن بسطت إلي يدك ظلماً فما أنا بظالم؛ إني أخاف الله رب العالمين. الثانية ـ قوله تعالى: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} قيل: معناه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : «إذا ٱلتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» تفسير : وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك؛ فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي.وقيل المعنى «بإثمي» الذي يختصُّ بي فيما فرَّطت؛ أي يؤخذ من سيئاتي فتطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلك؛ وهذا يعضده قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه » تفسير : . أخرجه مسلم بمعناه، وقد تقدّم؛ ويعضده قوله تعالى: { أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [ العنكبوت: 13] وهذا بيّن لا إشكال فيه. وقيل: المعنى إني أريد ألاّ تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى: { أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } تفسير : [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم. و قوله تعالى: { أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلوا فحذف «لا». قلت: وهذا ضعيف؛ لقوله عليه السلام: « حديث : لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ٱبن آدم الأوّل كِفْل من دمها لأنه أوّل من سَنّ القتل » تفسير : . فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل؛ ولهذا قال أكثر العلماء: إنّ المعنى؛ ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة أكثر المفسرين. وقيل: هو ٱستفهام، أي أو إني أريد؟ على جهة الإنكار؛ كقوله تعالى: { أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ } تفسير : [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة؟ وهذا لأن إرادة القتل معصية؛ حكاه القشيري وسئل أبو الحسن بن كَيْسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل؛ والمعنى: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني لأمتنعنّ من ذلك مريداً للثواب؛ فقيل له: فكيف قال: بإثمي وإثمك؛ وأي إثم له إذا قتل؟ فقال: فيه ثلاثة أجوبة؛ أحدها ـ أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك؛ ويروى هذا القول عن مجاهد. والوجه الآخر ـ أن تبوء بإثم قتلي وإثم ٱعتدائك علي؛ لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه الثالث ـ أنه لو بسط يده إليه أَثِم؛ فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه. فصار هذا مثل قولك: المال بينه وبين زيد؛ أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء رجع إلى المَبَاءة، وهي المنزل. { أية : وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 61] أي رجعوا. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. وقال الشاعر: شعر : ألاَ تَنْتَهي عَنَّا مُلُوكٌ وتَتَّقي مَحارِمَنا لا يبُؤ الدَّمُ بالدَّمِ تفسير : أي لا يرجع الدّم بالدم في القود. {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلّفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد ٱستدل بقول هابيل لأخيه قابيل: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} على أنه كان كافراً؛ لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن. وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى {مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} مدّة كونك فيها. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَئِنْ } لام قسم {بَسَطتَ } مددت {إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ } في قتلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ} كان قادراً على دفعه مع إباحته له، أو لم يكن له الامتناع ممن أراد قتله.

الخازن

تفسير : {لئن بسطت إليَّ يدك} يعني لئن مددت إلي يدك {لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} يعني ما أنا بمنتصر لنفسي بل أستسلم لأمر الله. وقيل: معناه ما كنت بمبتدئك بالقتل وذلك أن الله كان قد حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلماً. وقال مجاهد: كان قد كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يمتنع منه. وقيل: إن المقتول كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرج عن قتل أخيه فاستسلم له خوفاً من الله فذلك قوله {إني أخاف الله رب العالمين} والمعنى إني أخاف الله في بسط يدي إليك إن أبسطها لقتلك أن يعاقبني على ذلك. قوله عز وجل إخباراً عن هابيل {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} يعني ترجع بإثم قتلي إلى إثم معاصيك التي عملتها من قبل. فإن قلت: كيف؟ قال هابيل إني أريد وإرادة القتل والمعصية من الغير لا تجوز. قلت: أجاب ابن الأنباري عن هذا بأن قال: إن قابيل لما قال لأخيه هابيل لأقتلنك وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه وقال لئن بسطت إليّ يدك الآية فلم يرجع فلما رآه هابيل قد صمم على القتل وأخذ له الحجارة ليرميه بها قال له هابيل عند ذلك إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فحينئذ يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني فكان هذا عدلاً من هابيل وإليه أشار الزجاج فقال: معناه إن قتلتني فما أنا مريد ذلك فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلاً له والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك وعلى هذا التأويل. قال بعضهم: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك فحذف المضاف وما باء بإثم باءَ بعقاب ذلك الإثم ذكره الواحدي وقال الزمخشري: ليس ذلك بحقيقة الإرادة لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن نفسه على الاستسلام للقتل طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً وإن لم يكن مريداً حقيقة {فتكون من أصحاب النار} ينعي الملازمين لها {وذلك جزاء الظالمين} يعني جهنم جزاء من قتل أخاه ظلماً. قوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} يعني زينت له وسهلت عليه القتل وذلك أن الإنسان إذا تصور أن قتل النفس من أكبر الكبائر صار ذلك صارفاً له عن القتل فلا يقدم عليه فإذا سهلت عليه نفسه هذا الفعل فعله بغير كلفة فهذا هو المراد من قوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} {فقتله}. قال ابن جريج: لما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله فتمثل له إبليس وقد أخذ طيراً فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر آخر وقابيل ينظر فعلمه القتل فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم صابر وقيل بل اغتاله وهو نائم فقتله. واختلف في موضع قتله فقال ابن عباس: على جبل ثور. وقيل: على عقبة حراء. وقيل: بالبصرة عند مسجدها الأعظم وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة. وقوله تعالى: {فأصبح من الخاسرين} قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته أما دنياه فإسخاط والديه وبقي بلا أخ وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار (ق) عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ".

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏لئن بسطت إلي يدك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كان كتب عليهم إذا أراد الرجل رجلاً تركه ولا يمتنع منه‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية‏.‏ قال‏:‏ كانت بنو إسرائيل كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع عنه حتى يقتله أو يدعه، فذلك قوله ‏ {‏لئن بسطت‏}‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك‏}‏ قال‏:‏ بقتلك إياي ‏ {‏وإثمك‏} ‏ قال‏:‏ بما كان منك قبل ذلك‏.‏ وأخرج عن قتادة والضحاك‏.‏ مثله‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك‏} ‏ قال‏:‏ ترجع بإثمي وإثمك الذي عملت فتستوجب النار‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر يقول‏:‏ شعر : من كان كاره عيشه فليأتنا يلقى المنية أو يبوء عناء تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال‏:‏ أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط إليّ يده ليقتلني‏؟‏ قال‏: كن كابن آدم، وتلا ‏{‏لئن بسطت إلىّ يدك لتقتلني‏}‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والحاكم عن أبي ذر قال‏ ‏"حديث : ‏ركب النبي صلى الله عليه وسلم حماراً وأردفني خلفه فقال‏: يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع‏؟ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏!‏ قال‏: تعفف يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني القبر‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏! قال‏:‏ اصبر يا أبا ذر‏.‏ قال‏:‏ أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏!‏ قال‏: اقعد في بيتك واغلق بابك‏.‏ قلت‏:‏ فإن لم أترك‏؟‏ قال‏:‏ فائت من أنق منهم فكن فيهم‏.‏ قلت‏:‏ فآخذ سلاحي‏؟‏ قال‏: إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروّعك شعاع السيف فالق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏اكسروا سيفكم يعني في الفتنة، واقطعوا أوتاركم، والزموا أجواف البيوت، وكونوا فيها كالخير من ابني آدم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال‏:‏ لئن اقتتلتم لأنتظرن أقصى بيت في داري فلألجنَّه فلئن دخل عليَّ فلأقولن‏:‏ ها بؤ بإثمي وإثمك كخير ابني آدم‏. ‏ وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي نضرة قال‏:‏ دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرة غاراً، فدخل عليه الغار رجل ومع أبي سعيد السيف، فوضعه أبو سعيد وقال‏:‏ بؤ بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النار، ولفظ ابن سعد وقال‏:‏ ‏{‏إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار‏} ‏ قال أبو سعيد الخدري‏:‏ أنت‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاستغفر لي‏.‏ قال‏:‏ غفر الله لك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن ابني آدم ضربا مثلاً لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يا أيها الناس ألا إن ابني آدم ضربا لكم مثلاً، فتشبهوا بخيرهما ولا تتشبهوا بشرهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال‏:‏ قلت لبكر بن عبد الله‏:‏ أما بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما‏؟‏‏.‏‏.‏ قال بلى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي بكرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ألا إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه‏. فقيل‏:‏ أرأيت يا رسول الله إن لم يكن له ذلك‏؟‏ قال‏: فليأخذ حجراً فليدق به على حد سيفه، ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت ثلاثاً‏. فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فيرميني رجل بسهم أو يضربني بسيف فيقتلني‏؟‏ قال يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار‏.‏ قالها ثلاثا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة أنه قيل له‏:‏ ما تأمرنا إذا قتل المصلون‏؟‏ قال‏:‏ آمرك أن تنظر أقصى بيت في دارك فتلج فيه، فإن دخل عليك فتقول له‏:‏ بُؤْ بإثمي وإثمك فتكون كابن آدم‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم عن خالد بن عرفطة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يا خالد إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : يكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع خير من القاعد، والقاعد خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قتلاها كلها في النار‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله، فيم تأمرني إن أدركت ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ادخل بيتك‏. قلت‏:‏ أفرأيت إن دخل عليَّ‏؟‏ قال‏: قل بؤ بإثمي وإثمك، وكن عبد الله المقتول‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن الأوزاعي قال‏:‏ من قتل مظلوماً كفَّر الله كل ذنب عنه، وذلك في القرآن ‏ {‏إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك‏}. وأخرج ابن سعد عن خباب بن الأرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يعجز أحدكم أتاه الرجل أن يقتله أن يقول هكذا، وقال بإحدى يديه على الأخرى، فيكون كالخير من ابني آدم، وإذا هو في الجنة وإذا هو في الجنة وإذا قاتله في النار ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأِقْتُلَكَ} حيث صدَّر الشرطيةَ باللام الموطِّئةِ للقسم وقدم الجارَّ والمجرورَ على المفعول الصريح إيذاناً من أول الأمر برجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليه، ولم يُجْعلْ جوابُ القسم السادُّ مسدَّ جوابِ الشرط جملةً فعليةً موافقة لما في الشرط، بل اسميةً مصدّرةً بما الحجازية المفيدةِ لتأكيدِ النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءتِه عن بسْطِ اليد ببـيانِ استمراره على نفي البسط كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } تفسير : [البقرة، الآية: 8] وقوله: {أية : وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا } تفسير : [المائدة، الآية: 37] فإن الجملة الاسميةَ الإيجابـيةَ كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت كذلك السلبـية تدل بمعونته على دوام الانتفاءِ لا على انتفاءِ الدوامِ، وذلك باعتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبارِ النفي لا قبله حتى يردَ النفيُ على المقيّدِ بالدوام فيرفعَ قيدَه. أي والله لئن باشرتَ قتلي حسبما أوعدتني به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعلٍ مثلَه لك في وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وفيه من إرشادِ قابـيلَ إلى خشية الله تعالى على أبلغ وجهٍ وآكدِه ما لا يخفى، كأنه قال: إني أخافه تعالى إن بسطتُ يدِيَ إليك لأقتلك أن يعاقبَني وإن كان ذلك مني لدفع عداوتِك عني فما ظنُّك بحالك وأنت البادىءُ العادي، وفي وصفه تعالى بربوبـية العالمين تأكيدٌ للخوف. قيل: كان هابـيلُ أقوى منه ولكن تحرَّج عن قتله واستسلم خوفاً من الله تعالى لأن القتلَ للدفع لم يكون مُباحاً حينئذ، وقيل: تحرِّياً لما هو الأفضلُ حسبما قال عليه السلام: «حديث : كن عبدَ الله المقتول ولا تكنْ عبدَ الله القاتل»تفسير : ويأباه التعليلُ بخوفه تعالى إلا أن يُدَّعىٰ أن تركَ الأَوْلى عنده بمنزلة المعصية في استتباع الغائلة مبالغةً في التنزه، وقوله تعالى: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} تعليل آخرُ لامتناعه عن المعارضة على أنه غرَضٌ متأخِّرٌ عنه كما أن الأولَ باعثٌ متقدِّمٌ عليه، وإنما لم يُعطفْ عليه تنبـيهاً على كفاية كلَ منهما في العِلّية والمعنى إني أريد باستسلامي لك وامتناعي عن التعرّض لك أن ترجِعَ بإثمي أي بمثل إثمي لو بسطتُ يدي إليك وإثمِك ببسط يدِك إليّ، كما في قوله عليه السلام: «حديث : المُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى البَادِىءِ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُوم»تفسير : أي على البادىء عينُ إثمِ سبِّه ومثلُ سبِّ صاحبه بحكم كونه سَبَباً له، وقيل: معنى (بإثمي) إثمِ قتلي ومعنى (بإثمك) إثمِك الذي لأجله لم يُتقبَّلْ قُربانُك، وكلاهما نصب على الحالية أي ترجع ملتبساً بالإثمين حاملاً لهما ولعل مرادَه بالذات إنما هو عدمُ ملابستِه للإثم لا ملابسةِ أخيه له، وقيل: المراد بالإثم عقوبتُه ولا ريب في جواز إرادة عقوبةِ العاصي ممن عَلِم أنه لا يرعوي عن المعصية أصلاً، ويأباه قولُه تعالى: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} فإن كونَه منهم إنما يترتّب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلائِه بعقوبتهما، وحملُ العقوبة على نوعٍ آخَرَ يترتّبُ عليها العقوبةُ النارية يردّه قوله تعالى: {وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ} فإنه صريحٌ في أن كونه من أصحاب النار تمامُ العقوبة وكمالُها، والجملة تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، ولقد سلك في صَرْفه عما نواه من الشر كلَّ مسلك من العظة والتذكير بالترغيب تارةً والترهيب أخرى، فما أورثه ذلك إلا الإصرارَ على الغيِّ والانهماك في الفساد.

القشيري

تفسير : لئن بدأتني بالإثارة لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أَكِلُ أمري إلى من بيده مقاليد الأمور.

البقلي

تفسير : ان الله سبحانه اسبل ستر الغيرة على وجه القدم حتى لا ينظر الى انوار عظمته من لم يكن اهله وكشف ذلك الستر لابصار العارفين لنيظروا الى عظيم جلاله ويكونوا فى رعايته من حيث ان عظمته تعالى محيطة على اسرارهم بنعت مباشرة نورها فالطائفة الاولى بقوا فى اسر عصيانه والاخرى بقوافى سلطانه فهدد قابيل اخاق بالقتل واجابه هابيل سطوة التوحيد وخوفه من جلال التحق حيث قال ما انا ببساط يده اليك لاقتلك انى اخاف الله رب العالمين ومن شعائر اهل الخواف ان لا يقاتل احد الا سقاطهم الوسيلة بينهم وبين رؤية القدر السابق.

اسماعيل حقي

تفسير : {لئن بسطت الىّ يدك لتقتلنى ما انا بباسط يدى اليك لاقتلك} اى والله لئن مددت الى يدك وباشرت قتلى حسبما اوعدتنى به وتحقق ذلك منك ما انا بفاعل مثله لك فى وقت من الاوقات ثم علل ذلك بقوله {انى أخاف الله رب العالمين} قيل كان هابيل اقوى ولكن تحرّج عن قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لان القتل للدفع لم يكن مباحا فى ذلك الوقت. قال البغوى وفى الشرع جائز لمن اريد قتله ان ينقاد ويستسلم طلبا للاجر كما فعل عثمان رضى الله عنه.

اطفيش

تفسير : {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا بِبَاسطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقتُلَكَ إِنِ أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ}: لم يبح الله فى ذلك الزمان لمن أريد قتله أن يدفع قاتله ويقتله، ولذلك قال حالفا: {مَآ أَنَا بِبَاسطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ} وعلل ذلك بخوف عقاب الله على قتله لو قتله، وأكد نفيه لنفى ذلك عن نفسه رأساً، وبالباء كأنه قال: لست ممن يفعل مثل ذلك ما دمت حياً، ويحتمل أن يكون لم ينزل حينئذ وجوب الدفع ولا تحريمه، وقد علم هابيل بتحريم قتل النفس فتحرج فترك القتل، وقد وجب بعد ذلك على من أريد بسوء أن يدفع عن نفسه، ولو أردت المدافعة الى القتل أو قصد القتل من أول اذا كان الباغى لا ينتهى الا بالقتل، وحرم أن يسلم الانسان نفسه للقتل الباطل الا اذا أسر، ولا طاقة له. وأما قوله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة: "حديث : ألف كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل أو كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم "تفسير : فمعناه تمسك بالحق ولا تتعداه، ولو كان التمسك به يوصلك الى اجتماع الناس عليك، وتغلبهم عليك، حتى تقبض أسيراً تقتل، ولا تقدر على الدفع، فاستر وجهك وتسلم الى القتل، ولا تظلم الناس أو تقتلهم لتغلب فى الحق، فان الحق غير محتاج لذلك، أو ألق كمك على وجهك بمعنى اعرض عمن يقصدك بكلام سوء يظلمك به، واتركه يظلمك به ولا تظلمه أنت، ولو كان كلاماً عظيماً يبلغ بك مبلغ القتل حتى انه ليسمى قتلا. وقال سعد بن أبى وقاص:حديث : يا رسول الله ان دخل على انسان فى الفتنة، وبسط الى يده؟ فقال: "كن كخير ابنى آدم" وتلا هذه الآية . تفسير : وقال عبد الله بن عمر: ان هابيل كان أشد لكن منعه التحرج أن يبسط يده الى أخيه، وكذلك قال جمهور الناس، ولا يؤخذ من الآية كما قيل: انه لو كان أمر قابيل اشراكاً بالله لم يتحرج هابيل عن قتله، لأنه انما نزل قتال المشركين من أولاد قابيل وفاسقهم بعد، ولو كان الأمر كذلك أنه غير شرك لكن لم يؤخذ من الآية.

الالوسي

تفسير : {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ} قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت، وفي تلك الشريعة ـ كما روي عن مجاهد ـ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ـ قال: كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه، أو تحرياً لما هو الأفضل الأكثر ثواباً وهو كونه مقتولاً لا قاتلاً بالدفع عن نفسه بناءاً على جوازه إذ ذاك، قال بعض المحققين: واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل، ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره: إن المعنى في الآية لئن بسطت إليّ يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والإبتداء، وتكون الآية على ما قاله مجاهد وابن جريج: منسوخة، وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا؟ فيه كلام، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء} تفسير : [الحجرات: 9] وغيره من الآيات والأحاديث، وقيل: إنه لا يلزم ذلك بل يجوز، واستدل بما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» عن خباب بن الأرت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر «حديث : فتنة القاعدة فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»تفسير : وأولوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه، وأما من منع ذلك الآن مستدلاً بحديث «حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»تفسير : فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة. وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على فعل القتل لام كي وهي منبئة عن الإرادة والغرض، ولا شبهة في قبح ذلك أولاً وآخراً لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلباً للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله، فكأنه قال له: لئن ظلمتني لم أظلمك وإنما قال سبحانه: {مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ} في جواب {لَئِن بَسَطتَ} للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به، ولذلك أكد النفي / بالباء ولم يقل وما أنا بقاتل بل قال: {بِبَاسِطٍ} للتبري عن مقدمات القتل فضلاً عنه، وقدم الجار والمجرور المتعلق ـ ببسطت ـ إيذاناً على ما قيل من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه، ويخطر لي أنه قدم لتعجيل تذكيره بنفسه المنجر إلى تذكيره بالأخوة المانعة عن القتل. وقوله تعالى: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تعليل للامتناع عن بسط يده ليقتله، وفيه إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى على أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِن} {ٱلْعَالَمِينَ} (28) - وَإذِا أَرَدْتَ أنْ تَبْسُطَ إلَيَّ يَدَكَ وَتَمُدَّهَا بِالشَّرِّ، وَإذَا نَوَيْتَ قَتْلِي، فَإنِّي لَنْ أقَابِلَكَ عَلَى صَنِيعِكَ الفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونَ أنَا وَأنْتَ سَوَاءً فِي الخَطِيئَةِ، وَإنِّي أَخَافُ اللهَ مِنْ أنْ أَصْنَعَ بِكَ مَا تُرِيدُ أَنْتَ أنْ تَصْنَعَهُ بِي، وَلِذَلِكَ فَإنِّي أصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فقابيل -إذن- فاهم للقتل، فلا تقل إنه تعلم القتل، صحيح مسألة الدفن هذه جديدة، والقصة جاءت لتثبت لنا كيف بدأ التكاثر، ليجمع الله فيه بين الزوجين البُعد الإضافي؛ لأن البُعد غير الإضافي غير مُمكن في هذا الوقت فتكون هذه بالنسبة لهذا أجنبية، وهذا بالنسبة لهذه أجنبي إلى أن يتوسع الأمر، وبعد ذلك يُعاد التشريع بأن الأخت من أي بطن محرّمة على أخيها تحريماً أبديًّا، وبعد ذلك نتوسع في الأمر وننقله إلى المحرمات الأخريات من النسب والرضاع فلا بد أن لهذه القصة أصلا. هم قالوا نقرب قرباناً.. لماذا؟ "إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر". لماذا يريدان أن يُقرِّبا قُرباناً؟ قالوا: إن أخت قابيل التي كانت في بطن معه كانت حلوة وجميلة، وأخت هابيل لم تكن جميلة، فطبقا لقواعد التباعُد في الزوجية كان على هابيل أن يأخذ أخت قابيل، وقابيل يأخذ أخت هابيل، فَحَسد قابيل أخاه وقال: كيف يأخذ الحلوة، أنا أولى بأختي هذه. وكان سيدنا آدم مازال قريب العهد بالوحي، فقال: قربوا قرباناً وانظروا. لأنه يعلم جيداً أن القربان سيكون في صف التباعد. {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ}. وبعض المفسرين يقول: والله نحن لم نعرف طريقة التقبّل هذه. نقول له: فلنبحث عن "قُربان" في القرأن. ننظر ما هو القُربان؟ قد وردت هذه الكلمة في القرآن في أكثر من موضع. قال: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} تفسير : [آل عمران: 183] والحق يقول لهم ردًّا عليهم: {أية : قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} تفسير : ["آل عمران: 183] {وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} ما هو؟ إنه القُربان الذي تأكله النار. إذن كان القُربان معروفاً والاحتكام إلى قربان وتأكله النار علامة التقبّل من السماء ويكون صاحبه هو المُقرَّب، والقُربان في مسألة هابيل وقابيل لكي يعرف كل منهما من يتزوج الحلوة ومن يتزوج الأخرى، وتقبل الله قربان هابيل. لكن أرضِي المهزوم؟ لا، بل حَسَده، وهذا أول تأب على مُرادات الحق في تكليفه. {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ}. وقالت لنا القصص: إن هابيل كان صاحب ضرع أي ماشية وبذلك يكون عنده زبْد ولبن وجبن، وحيوانات للحم، والثاني صاحب زرع وقالوا: إن قابيل قدّم شِرار زرعه، وهابيل قدّم خيار ماشيته. {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ}. {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} وسبحانه قال: {أَحَدِهِمَا} ولم يقل قابيل أو هابيل، {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ}. فقوله: {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} من الذي قال؟ الذي قال هو من لم يتقبل قربانه؛ لأنه لم يحقق مُراده وغرضه. {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. وهل هذا الرّد مُناسب لقوله: "لأقتلنك"؟ نعم؛ لأن "لأقتلنك" بسبب أن قربانك قُبِل وقرباني لم يُقبَل. قال: فما دخلي أنا بهذه العملية؟ الدخل في العملية للقابل للقربان، فأنا ليس لي دخل فيها، وربّنا لم يتقبله لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين. وهو يعلم أنك لست بمتقٍ؛ فلن يتقبل منك لأنك تأبيت عن حكاية الزواج بابنة البطن المخالف، وهذا أول تمرُّد على منهج الله وعلى أمره لذلك قال هابيل: لا تلُمني فأنا لا دخل لي في القربان المتقبل؛ لأن هذا من عند الله. والله لم يظلمك؛ لأن ربنا يتقبل من المتقين. وأنت لست بمتقٍ؛ لأنك لم تَرْضَ بالحكم الأول في أن تبتعد البطون {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المائدة: 28] وكلمة "البسط" ضد "القبض"، وهناك: "بسط له"، و"بسط إليه". وتجد "بسط له كأن البسط لصالح المبسوط له. {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ} تفسير : [الشورى: 27] ولم يقل: "إلى عباده" بل قال: "لعباده"، إذن فالبسط لصالح المبسوط له ولذلك لا يكون بإلى إلاّ في الشر، وشرحنا من قبل هذه المسألة وفي قوله الحق: {أية : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} تفسير : [المائدة: 11] إذن فالذي يبسط لك يعطيك نفعا والذي يبسط إليك يكون النفع له هو. {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}. وبيّنت "لتقتلني" مدلول "إليّ". والعلة لا عجز عن مقابلة قوّتك بقوة، لا، وإنما لأنني أخاف الله، فليس في هذا تقصير في الدفاع عن نفسي لأنني أريد أن أُحَنّنِك تَحنيناً يرجعك إلى صَوابك. وساعة يأتي واحد يريد أن يقتل واحداً يقول له: والله لن أقاتلك لأنني أخاف ربنا. إذن فبيَّن له أن خَوفه من الله مسألة مُستقرة في الذهن حتى ولو كانت ضد استبقاء الحياة، وقد يعرفها في نفسه لأن أخاه كان يستطيع أن يقدّم دفاعاً قويا، لقد ردّ الأمر إلى الحقّ الأعلى. فلا تقل كان هابيل سَلبيّا لا. إنه صعّد الأمر إلى الأقوى ويقول الحق: {إِنِّيۤ أُرِيدُ...}

الجيلاني

تفسير : ثم أقسم هابيل بعدما أوعده قابيل القتل: والله {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ} من إفراط غيظك وغضبك، وشؤم إمارة نفسك {لِتَقْتُلَنِي} ظلماً بلا رخصة شرعية، بل محض عناد ومكابرة {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ} لدفع صولتك عن نفسي، أو {لأَقْتُلَكَ} على مقتضى أمارتي {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] من تخريب؛ لمجرد دفع الصائل ولا أخاف على نفسي من القتل؛ إذا الشهداء المقتولون ظلماً أحياء عند ربهم يُرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله. {إِنِّيۤ} من غاية إشافقي وإعطافي معك يا أخي {أُرِيدُ أَن تَبُوءَ} أي: لأن تذهب وترجع إلى الله {بِإِثْمِي} أي: بإثمك المنسوب إلى قتلي {وَإِثْمِكَ} الذي كنت فيه {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} عند الله بهذا الظلم {وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] عنده. {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} أي: هيَّجت حسده إلى أن طوعت، وأرضت نفسه {قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} ظلماً بلا مدافعة منه كما شرط، فندم دفعة {فَأَصْبَحَ} وصار {مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30] خسارناً عظيماً في الدنيا والآخرة، فتحيَّر في دفعه وإخفائه، إذ لا يموت أحد من بني آدم إلى ذلك الوقت، فحمله على عاتقه، وسار معه إلى حين أروح وأنتن. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ} إعلاماً له {غُرَاباً} فقتل غراباً من جنسه أراد أن يدفعه {يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ} بمنقاره ورجله {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي} ويستر {سَوْءَةَ أَخِيهِ} أي: جثته وجسده التي يسوء {قَالَ} قابيل محتسراً، متحزناً، قلقاً، حائراً: {يَاوَيْلَتَا} يا هلكتي أحضري {أَعَجَزْتُ} وعلزت عن مقتضى العقل، وعن الاهتداء به إلى حيث {أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ} المتعزل عن العقل والإدراك، بل متابعاً له، متلمذاً منه {فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} [المائدة: 31] ندامة مؤبدة بحيث لا يضحك مدة حياته أصلاً وعاش مدة مائة سنة، واسودَّ لونه إلى حيث لم يُعرف.