Verse. 700 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

فَبَعَثَ اللہُ غُرَابًا يَّبْحَثُ فِي الْاَرْضِ لِيُرِيَہٗ كَيْفَ يُوَارِيْ سَوْءَۃَ اَخِيْہِ۝۰ۭ قَالَ يٰوَيْلَــتٰۗى اَعَجَزْتُ اَنْ اَكُوْنَ مِثْلَ ہٰذَا الْغُرَابِ فَاُوَارِيَ سَوْءَۃَ اَخِيْ۝۰ۚ فَاَصْبَحَ مِنَ النّٰدِمِيْنَ۝۳۱ۚۙۛ
FabaAAatha Allahu ghuraban yabhathu fee alardi liyuriyahu kayfa yuwaree sawata akheehi qala ya waylata aAAajaztu an akoona mithla hatha alghurabi faowariya sawata akhee faasbaha mina alnnadimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فبعث الله غرابا يبحث في الأرض» ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت حتى واراه «ليريه كيف يواري» يستر «سوأة» جيفة «أخيه قال يا ويلتى أعجزت» عن «أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين» على حمله وحفر له وواره.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : / وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل: لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به، ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غراباً، وفيه وجوه: الأول: بعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة، فتعلم قابيل ذلك من الغراب. الثاني: قال الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثو التراب على المقتول، فلما رأى القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم وقال: يا ويلتى. الثالث: قال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه. المسألة الثانية: {لِيُرِيَهُ } فيه وجهان: الأول: ليريه الله أو ليريه الغراب، أي ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز. المسألة الثالثة: {سوأة أَخِيهِ } عورة أخيه، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده، والسوأة الفضيحة لقبحها. وقيل سوأة أخيه، أي جيفة أخيه. ثم قال تعالى: {قَالَ يَـٰوَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن قوله {يا ويلتى} كلمة تحسر وتلهف، وفي الآية احتمالان: الأول: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علماً منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته، فندم وتلهف وتحسر على فعله. الثاني: أنه كان عالماً بكيفية دفنه، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافاً به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال: إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض،أفأكون أقل شفقه من هذا الغراب، وقيل: إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على المقتول، فلما رأى أن الله أكرمه حال حياته بقبول قربانه. وأكرمه بعد مماته بأن بعث هذا الغراب ليدفنه تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله فتلهف على فعله، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض، فلا جرم قال: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب. المسألة الثانية: قوله: {يا ويلتى} اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، وكأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره، أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وذكر {يا} زيادة بيان كما في قوله {أية : يا ويلتى أألد} تفسير : [هود: 72] والله أعلم. المسألة الثالثة: لفظ الندم وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديماً لأنه يلازم المجلس. وفيه سؤال: وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الندم توبة» فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته؟ أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة، والثاني: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبوه وإخوته، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية، والثالث: أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافاً به بعد قتله، فلما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال: هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الند.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ} قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه. وكان ٱبن آدم هذا أوّل من قُتِل. وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طُعْمِه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه؛ لأنه من عادة الغراب فعل ذلك؛ فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه. ورُوي أن قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب، ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة؛ قاله مجاهد. وروى ٱبن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة؛ وقاله ٱبن عباس. وقيل: حتى أَرْوَح ولا يدري ما يصنع به إلى أن ٱقتدى بالغراب كما تقدّم. وفي الخبر عن أنس قال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : ٱمتن الله على ٱبن آدم بثلاث بعد ثلاث بالرّيح بعد الرُّوح فلولا أن الرّيح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميماً وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيراً لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يملّ نفسه ويملّه أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له » تفسير : . وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافاً به، فبعث الله غراباً يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} حيث رأى إكرام الله هابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة، وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفياً شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه؛ فقال ٱبن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه. ويقال: إن آدم وحوّاء أتيا قبره وبكيا أياماً عليه. ثم إن قابيل كان على ذِروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرّقت عروقه. ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض. ويقال: إن قابيل ٱستوحش بعد قتل هابيل ولزم البريّة، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش، فكان إذا ظفر به وقَذَه حتى يموت ثم يأكله. قال ٱبن عباس: فكانت الموقوذة حراماً من لدن قابيل بن آدم، وهو أوّل من يساق من الآدميين إلى النار؛ وذلك قوله تعالى: { أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ } تفسير : [فصلت: 29] الآية فإبليس رأس الكافرين من الجنّ، وقابيل رأس الخطيئة من الإنس؛ على ما يأتي بيانه في «حم فصلت» إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم. وظاهر الآية أن هابيل هو أوّل ميت من بني آدم؛ ولذلك جُهِلت سُنّة المواراة؛ وكذلك حكى الطبريّ عن ٱبن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل. و قوله «يَبْحَثُ» معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره. ومن هذا سميت سورة «براءة» البحوث؛ لأنها فتشت عن المنافقين؛ ومن ذلك قول الشاعر: شعر : إن الناس غطّوني تغطّيتُ عنهم وإن بحثوني كان فيهم مباحثُ تفسير : وفي المثل: لا تكن كالباحث على الشَّفْرة؛ قال الشاعر: شعر : فكانت كعَنْزِ السُّوء قامت برجلِها إلى مُدْية مدفونة تَسْتَثيرُها تفسير : الثانية ـ بعث الله الغراب حكمة؛ ليري ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: { أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } تفسير : [عبس: 21] فصار فعل الغراب في المواراة سنّة باقية في الخلق، فرضاً على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين. وأما الكفار فقد روى أبو داود حديث : عن عليّ قال: قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات؛ قال: «ٱذهب فوارِ أباك التراب ثم لا تُحدِثَنّ شيئاً حتى تأتيني» فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي.تفسير : الثالثة ـ ويستحب في القبر سعته وإحسانه؛ لما رواه ٱبن ماجه عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : احفِروا وأوسعوا وأحسنوا » تفسير : . وروى حديث : عن الأَدْرَع السُّلَمِيّ قال: جئت ليلة أحرس النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإذا رجل قراءته عالية، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: هذا مُرَاء؛ قال: فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله» قال: وحضر حفرته فقال: «أوسعوا له وسع الله عليه» فقال بعض أصحابه: يا رسول الله لقد حزنتَ عليه؟ فقال: «أَجَلْ إنه كان يحب الله ورسوله» تفسير : ؛ أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحُبَاب عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد. قال أبو عمر بن عبد البر: أدْرَع السَّلمَيّ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ؛ وأما هشام بن عامر بن أُمية بن الحَسْحَاس بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجّار الأنصاريّ، كان يُسمَّى في الجاهلية شهاباً فغيّر النبي صلى الله عليه وسلم ٱسمه فسماه هشاماً، واستشهد أبوه عامر يوم أُحُد. سكن هشام البصرة ومات بها؛ ذُكر هذا في كتاب الصحابة. الرابعة ـ ثم قيل: اللّحد أفضل من الشّق؛ فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم: لما تُوفّي كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد؛ فقالوا: أيهما جاء أوّلَ عمِلَ عمله، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذكره مالك في الموطأ عن هشام بن عُروة عن أبيه، وأخرجه ٱبن ماجه عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما. والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة؛ وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشقّ. واللَّحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة، يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللَّبِن ثم يُهال التراب؛ قال سعد بن أبي وَقَّاص في مرضه الذي هلك فيه: ألْحِدوا لي لَحْداً وٱنصِبوا عليّ اللَّبِن نصباً كما صنِع برسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم. وروى ٱبن ماجه وغيره عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : اللحد لنا والشق لغيرنا ». تفسير : الخامسة ـ روى ٱبن ماجة عن سعيد بن المسيّب قال: حضرت ٱبن عمر في جنازة فلما وضعها في اللّحد قال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى مِلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم أجرِها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جافِ الأرض عن جنبيها، وصَعِّد روحها ولَقِّها منك رضواناً. قلت يا ٱبن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك؟ قال: إني إذا لقادر على القول! بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورُوي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلّى على جنازة ثم أَتَى قبر الميت فحثا عليه من قِبل رأسه ثلاثاً. فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام. والأصل في «يَا وَيْلَتۤى» يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف. وقرأ الحسن على الأصل بالياء، والأوّل أفصح؛ لأن حذف الياء في النداء أكثر. وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك؛ قاله سيبويه. وقال الأصمعي: «وَيْلٌ» بُعْدٌ. وقرأ الحسن: «أَعَجِزْتُ» بكسر الجيم. قال النحاس: وهي لغة شاذة؛ إنما يقال عَجِزت المرأة إذا عظمت عجِيزتها، وعَجَزتُ عن الشيء عَجْزاً ومَعْجِزَة ومَعْجَزَةً. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ } ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت معه حتى واراه {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى } يستر {سَوْءَةَ} جيفة {أَخِيهِ قَالَ يـَٰوَيْلَتىٰ أَعَجَزْتُ } عن {أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ } على حمله وحفر له وواراه.

ابن عبد السلام

تفسير : {غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الأَرْضِ} على غراب آخر، أو مَلَكاً على صورة غراب يبحث على سوأة أخيه ليعرف كيف يدفنه. {سَوْءَةَ أَخِيهِ} عورته أو جيفته لأنه تركه حتى أنتن. {يَاوَيْلَتَى} الويل: الهلكة {النَّادِمِينَ} قيل: لو ندم على الوجه المعتبر لقبلت توبته لكنه ندم على غير الوجه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} قال أصحاب الأخبار لما قتل قابيل هابيل تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض فقصدته السباع لتأكله فحمله قابيل على ظهره في جراب أربعين يوماً. وقال ابن عباس: سنة حتى أروَحَ وأنتن فأراه الله أن يرى قابيل سنته في موتى بني آدم في الدفن فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفيرة ثم ألقاه فيها وواراه بالتراب وقابيل ينظر فذلك قوله تعالى: {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض} يعني يحفرها وينثر ترابها ليريه كيف يواري سوأة أخيه يعني ليري الله أو يري الغراب قابيل كيف يواري ويستر جيفة أخيه فلما رأى ذلك قابيل من فعل الغراب {قال يا ويلتا} أي لزمه الويل وحضره وهي كلمة تحسر وتلهف وتستعمل عند وقوع الداهية العظيمة وذلك أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول فلما علم ذلك من فعل الغراب علم أن الغراب أكثر علماً منه وعلم أنه إنما ندم على قتل أخيه بسبب جهله وعدم معرفته فعند ذلك تلهف وتحسر على ما فعله فقال: يا ويلتا. وفيه اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب {أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} يعني مثل هذا الغراب الذي وارى الغراب الآخر {فأواري سوأة أخي } يعني فأستر جيفته وعورته عن الأعين {فأصبح من النادمين} يعني على حمله على ظهره مدة سنة لا على قتله. وقيل: إنه ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله وسخط عليه أبواه وإخوته فندم لأجل ذلك لا لأجل أنه جنى جناية واقترف ذنباً عظيماً بقتله فلم يكن ندمه ندم توبة وخوف وإشفاق من فعله فلأجل ذلك لم ينفعه الندم، قال المطلب بن عبد الله بن حطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بمن عليها سبعة أيام وشربت دم المقتول كما تشرب الماء فناداه تعالى أين أخوك هابيل؟ فقال ما أدري ما كنت عليه رقيباً: فقال الله تعالى إن دم أخيك ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ قال فأين دمه إن كنت قتلته! فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده ابداً ويروى عن ابن عباس قال لما قتل قابيل هابيل كان آدم بمكة فاشتاكَ الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه واغبرت الأرض فقال آدم: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فوجد قابيل قد قتل هابيل، وقيل: لما رجع آدم سأل قابيل عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلاً. فقال: بل قتلته ولذلك اسود جلدك. وقيل: إن آدم مكث بعد قتل هابيل مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر فقال: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبرٌّ قبيحُ تغير كل ذي طعم ولون وقل بشاشة الوجه المليحُ تفسير : ويروى عن ابن عباس أنه قال: من قال إن آدم قال شعراً فقد كذب وأن محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي سواء ولكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني أنت وصيي احفظ هذا الكلام ليُتوارث فيرثي الناس عليه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط العربية وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعراً وزاد فيه أبياتها منها: شعر : وما لي لا أجود بسكب دمعٍ وهابيل تضمنه الضريحُ أرى طول الحياة عليّ غماً فهل أنا من حياتي مستريحُ تفسير : قال الزمخشري: ويروى أنه رثاه بشعر وهو كذب بحت وما الشعر إلا منحول ملحون وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. قال الإمام فخر الدين الرازي: ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق إلا بالحمقى من المعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة؟. قال أصحاب الأخبار: فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيثاً وتفسيره هبة الله يعني أنه خلف من هابيل وعلمه الله تعالى ساعات الليل والنهار وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده وأما قابيل فقيل له اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا تأمن من تراه فأخذ بيد أخته إقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس وقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبدها فانصب أنت ناراً تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار فهو أول من عبد النار وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه بالحجارة فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابنه فقال ابن الأعمى لأبيه هذا أبوك قابيل فرماه بحجارة فقتله فقال ابن الأعمى لأبيه قتلت أباك قابيل فرفع الأعمى يده ولطم ابنه فمات فقال الأعمى ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي فلما مات قابيل علقت إحدى رجليه بفخذه وعلق بها فهو معلق بها إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيث دارت وعليه حظيرة من نار في الصيف وحظيرة من ثلج في الشتاء فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة قالوا: وأتخذ أولاد قابيل آلات للهو من الطبول والزمور والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والفواحش حتى أغرقهم الله تعالى جميعاً بالطوفان في زمن نوح عليه السلام فلم يبق من ذرية قابيل أحد وأبقى الله ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً...} الآية: قيل: أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غراباً حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحَثُ في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ؛ وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، والسَّوْءَةُ: العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارَىٰ أخَاه، ونَدِمَ علَىٰ ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم. واختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر: ولم ينتفعْ قابيلُ بندمه؛ لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ؛ منها: سَخَط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالَىٰ، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ. وقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ. انتهى. وقوله سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرٰءِيلَ...} الآية: جمهورُ النَّاس علَىٰ أن قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ}: متعلِّق بقوله: {كَتَبْنَا} أي: من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها؛ كتبنا، وقالَ قومٌ: بل هو متعلِّق بقوله: {مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} أي: ندم؛ من أجل ما وقع، والوقْفُ؛ علَىٰ هذا، على {ذٰلِكَ}، والناس على أن الوَقْف {مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ}، ويقال: فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ ـــ بفتح الهمزة ـــ ومِنْ إجْلِكَ ـــ بكسرها ـــ. وقوله سبحانه: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي: بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْساً، والفسادُ في الأرض: يجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة. وقوله سبحانه: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} روي عن ابن عباس؛ أنه قال: المعنَىٰ: مَنْ قتل نفساً واحدةً، وٱنتهكَ حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعاٌ، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها؛ مخافَتِي، وٱستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعاً، قال الحسنُ وابْنُ زيدٍ: {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا} أي: عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة، وقيل غير هذا. ثم أخبر تعالَىٰ عن بني إسرائيل؛ أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا وفي سِوَاه، {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ} في كُلِّ عَصْر يسرفُونَ، ويتجاوزون الحُدُود.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [سَوْءَةَ أَخِيهِ]}. هذه "اللامُ" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنَّها متعلِّقة بـ "يبحث"، أي: يَنْبُشُ ويُثِيرُ التُّراب للإراءة. الثاني: أنها متعلِّقة بـ "بَعَثَ"، والمعنى: لِيُريَه الله، أو ليريه الغراب، و"كَيْفَ" معمُولة لـ "يُوارِي"، وجملة الاستفهام معلقة للرُّؤْية البَصَرية، فهي في محلِّ المَفْعُول الثَّانِي سادةٌ مسدَّه؛ لأن "رأى" البصرية قبل تعدِّيها بالهَمْزة مُتَعَدِّية لواحد، فاكتسبت بالهمزة آخر، وتقدَّم نَظِيرُها في قوله تعالى: {أية : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة: 260] ومعنى: "يَبْحَثُ" أي: يُفَتِّش في التُّرَاب بمنقارِه ويثيره، ومنه سُمِّيت سورة "بَراءَة" البحوث؛ لأنها فَتَّشَت على المُنَافقين، والسَّوْءَةُ المراد بها: ما لا يجُوز أن يَنْكَشِفَ من جَسَده، وهي الفضيحة أيضاً، قال: [الخفيف] شعر : 1951-.......................... يَا لَقَوْمِي لِلسَّوْءَة السَّوآءِ تفسير : ويجوز تخفيفها بإلقاء حَرَكَة الهَمْزة على الواو، وهي قراءة الزُّهري، وحينئذٍ لا يجوزُ قَلْبُ هذه الواو ألِفاً، وإن صدق عليها أنَّها حرْف علّةٍ متحرك مُنْفَتِحٌ ما قبله؛ لأنَّ حركتها عَارِضة، ومثلُها "جَيَل" و"توم" مُخَفَّفَيْ "جَيْألَ" و"تَوْءَم"، ويجوزُ أيضاً قلبُ هذه الهمزة واواً، وإدغامُ ما قبلها فيها تَشبيهاً للأصلي بالزَّائِد [وهي لُغة] يَقُولون في "شَيْء" و"ضَوْء": شَيّ وضوّ، قال الشَّاعر: [البسيط] شعر : 1952- وإنْ يَرَوْا سَيَّةً طَارُوا بِهَا فَرَحاً مِنِّي ومَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا تفسير : وبهذا قرأ أبُو جعفر. قوله تعالى: "يَا ويْلَتَا" قلب يَاء المُتَكلم ألِفاً، وهي لغة فاشيةٌ في المُنَادى المضاف إليها، وهي إحدى اللُّغات السِّت، وقد تقدم ذكرُها. وقُرِىء كذلك على الأصْلِ وهي قِرَاءة الحسن البَصْرِيِّ. والنِّدَاء وإن كان أصلُه لِمَنْ يتأتَّى منه الإقْبَالُ وهم العقلاءُ، إلا أنَّ العرب تتجوَّز فتُنَادِي ما لا يَعْقِلُ. وهذه كلمة تُسْتَعمل عند وُقُوعِ الدَّاهِيَة العظيمة ولفظُهَا لفظ النِّداء، كأن الوَيْل غير حَاضِر عِنْده، والمعنى يا وَيْلَتَى احضُري، فهذا أوانُ حُضُورك، ومثله: {أية : يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تفسير : [يس: 30]، {أية : يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ} تفسير : [الزمر: 56]، وأمال حمزة، والكسائي، وأبُو عمرو في رواية الدَّوْري ألف "حَسْرَتَا"، والجمهور قرأ "أعَجَزْتَ" بفتح الجيم، وهي اللُّغة الفَصِيحَة، يقال: "عَجَزْت" بالفتح في الماضي، "أعْجِزُ" بِكَسْرها في المُضَارع. وقرأ الحسن، وابن عبَّاس، وابنُ مسعُود، وطلحة بكسرها وهي لغة شاذَّة، وإنَّما المشهور أن يُقَال: "عَجِزت المرأة" بالكَسْر أي كَبُرت عَجِيزتُهَا، و"أن أكون" على إسْقَاط الخَافِض، أي: عَنْ أنْ أكونَ، فلما حُذِف جَرَى فيها الخلاف المَشْهُور. قوله تعالى: "فَأوَارِيَ". قرأ الجمهورُ بنصب الياء، وفيها تَخْرِيجان: أصحهما: أنه عطف على "أكون" المنصوبة بـ "أنْ" منتظماً في سِلْكِهِ، أي: أعجَزْت عن كوني مُشْبِهاً للغُرَاب فَمُوَارياً. والثاني: قاله الزمخْشَريُّ، ولم يذكر غيره أنَّه منْصوب على جواب الاستفهام في قوله: "أعجَزْتُ"، يعني: فَيَكونُ من باب قوله: {أية : فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ} تفسير : [الأعراف: 53]. ورده أبو البقاء بعد أن حَكَاهُ عن قَوْمٍ، قال: وذكر بعضهم: أنه يجُوزُ أن يَنتصب على جواب الاستفهام؛ وليس بِشَيء، إذ ليس المَعْنى: أيكون منِّي عجز فَمُواراة، ألا ترى أن قولك: "أين بَيْتُكَ فأزُوركَ" معناه: لو عَرَفْتُ لزرتُ ليس المَعْنَى هنا "لو عَجَزت لوَاريت". قال شهاب الدين: وهذا الرَّدُ على ظاهره صَحِيحٌ. وبَسْطُ عبارة أبي البَقَاء: أنَّ النُّحاة يَشْتَرِطون في جواز نَصْب الفعْلِ بإضمار "أنْ" بعد الأشياء الثمانية - غير النَّفْي - أن يَنحلَّ الكلامُ إلى شرطٍ وجَزَاء فإن انعقد منه شَرْط وجزاء صَحَّ النَّصْبُ، وإلاَّ امتنعَ، ومنه "أيْن بيتُك فأزُورَك [أي] إن عَرّفتني بَيْتَك أزُورَك". وفي هذا المقام لو حَلَّ منه شرط وجَزَاء لفسد المعنى؛ إذ يصير التَّقْدِيرُ: إنْ عَجَزْت وارَيْت، وهذا ليس بِصَحِيح؛ لأنه إذا عَجز كيف يُوَارِي. وردَّ أبو حيَّان على الزَّمخشريِّ بما تقدَّم، وجعله غَلَطاً فاحِشاً وهو مَسْبُوقٌ إليه كما رأيت، فأساءَ عليه الأدبَ بشيء نَقَلَهُ عن غيره الله أعلمُ بصحَّتِهِ. وقد قرأ الفَيَّاض بن غَزْوَان، وطلحة بن مصرف "بسكون الياء"، وخرَّجها الزمخشري على أحد وجهين: إمَّا القَطْع، أي: فأنا أوَاري، وإمَّا على التَّسْكِين في موضع النصب تخفيفاً. وقال ابنُ عطيَّة: "هي لغة لتوالي الحركات". قال أبو حيَّان: "ولا يصلح أن تعلَّلَ القِرَاءة بهذا ما وُجِد عنه مندُوحَةٌ؛ إذ التَّسْكينُ في الفَتْحَة لا يجُوز إلاَّ ضرورة، وأيضاً فلم تتوالَ حركات". وقوله "فَأَصْبَحَ" بمعنى "صَارَ". قال ابن عطيَّة: قوله: "أصْبَح" عبارة عن جميع أوْقَاتِه قيم بَعْض الزَّمان مكان كله، وخُصَّ الصَّباحُ بذلك [لأنه] بَدْءُ النهار، والانبعاث إلى الأمُور، ومَظَنَّةُ النَّشَاط، ومنه قولُ الرَّبِيع: [المنسرح] شعر : 1953- أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا .............................. تفسير : وقول سعد بن أبي وقَّاص: ثم أصَبْحَت بنو [أسد تعزرني على] الإسلام إلى غير ذلك. قال أبو حيَّان: وهذا التَّعْليل الذي ذكره؛ لكون "أصْبَح" عبارة عن جميع أوْقاته، وإنما خصَّ الصَّبَاح لكونه بَدْءُ النَّهَار ليس بِجَيّد؛ لأن العرب اسْتَعْمَلَت "أضْحَى" و"بَاتَ" و"أمْسَى" بمعنى "صَار"، وليس شيء منها بَدْء النَّهَار. قال شهاب الدين: وكيف يُحْسِن أن يردَّ على أبي محمد بِمِثْل هذا، وهُوَ لم يَقُل: إنها لمَّا أُقِيمَت مقام أوْقَاته للعلَّةِ الَّتي ذكرها تكونُ بمعنى "صَار"، حتَّى يلزمَ بأخواتها نَاقِصة عليه، وسيأتي الكلام على ذلك في "الحُجُرَات" عند قوله تعالى {أية : فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ} تفسير : [الآية: 6] - إن شاء الله تعالى -. فصل فإن قيل: فِعْل الغُرَابِ صار سنَّة في دفن الخَلْقِ فَرْضاً على جميع النَّاس على الكِفَاية. فالجواب: قال بعض المُفَسِّرين: لمَّا قتله ولم يدر ما يَصْنَع به بَعَثَ اللَّه غرابين فاقْتَتَلا، فقتل أحدُهما الآخر فحفَر له بِمِنْقَاره ورجليه، ثمَّ ألقاه في الحُفْرَة فتعلَّم قابيل ذلك، وعَلِمَ أن الغُرَاب أكثر عِلْماً منه، وعلم أنَّه إنما أقدم على قَتْل أخيه [بسبب] جهله وقلَّة معرفته فَنَدِم وتلهف. وقال الأصمُّ: لما قتله وتركه فَبَعَث اللَّه غُرَاباً يحثو التَّراب على المقْتُول، فلما رأى القَاتِل أنَّ المقتول كيف يُكرمُهُ اللَّه بعد موته نَدِم وقال: يا وَيْلَتا، وقال أبو مُسْلم: عادة الغُرَاب دفن الأشْيَاء فجاء غرابٌ ودفن شيئاً؛ فتعلَّم ذلك منه. وقيل: إنَّه كان عالماً بكيْفِيَّة الدَّفن، وأنه يبعد في الإنْسَان العَاقِل ألاَّ يُهْدَى إلى هذا القدر من العمل، إلاَّ أنه لما قَتَلَهُ تركه بالعَرَاء، فلما رَأى الغُرابَ يدفن الغُرابَ رقَّ قلبه، وقال: إن هذا الغُراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قَتَلَهُ أخْفَاه تحت الأرْض، أفأكون أقلَّ شَفَقَة من هذا الغُراب؟! فجاء وحَثَى التُّراب على المَقْتُول، فلما رأى أنَّ الله تعالى أكرمه حال حياته بقبول قُرْبَانه، وأكرمه بعد مماته بأن بعث الغُراب ليدفنه تَحْتَ الأرْض، علم أنَّه عظيم الدَّرجة عند الله تعالى؛ فتلهَّف على فِعْله، وعَلِمَ أن لا قدرة له على التَّقَرُّب إلى أخيه إلاَّ بأن يَدْفِنَه في الأرض فلا جرم قال: {يا وَيلتَا أعجَزْتُ أن أَكُون مثْل هذا الغُراب}. فإن قيل: لفظ النَّدَم وضع للزُوم، ومنه سُمِّي النَّدِيم نَدِيماً لأنه يُلازِمُ المَجْلس. فالجواب أنَّه - عليه الصلاة والسلام - قال:"حديث : النَّدم تَوْبَة"تفسير : وأجابوا عنه بوجوه: أحدها: أنه لما تعلَّم الدَّفن من الغُرَاب صار من [النَّادِمين على كونه حَمَلَهُ على ظهره سنة. وثانيها: أنه صار من النَّادمين]؛ لأنَّه لم ينتفع بقتله، وسخطَ عليه بسببه أبواه وإخوته، وكان نَدمُه لهذه الأسْباب لا لِكَونِهِ مَعْصِية. وثالثها: أنَّ ندمه كان لأجْل تركه بالعَرَاء استِخْفافاً به بعد قَتْله، لأنَّ الغُرَاب لما قتل الغُرَاب ودفنه، نَدِم على قساوة قَلْبه، وقال: هذا أخِي وشقيقي ومَنْ لحمه مختلط بِدَمي، فإذا ظهرت الشَّفَقَة من الغُرَاب ولم تظهر منِّي على أخِي، كنت دون الغراب في الرَّحْمَة والشَّفَقة والأخْلاق الحميدة، فكان نَدَمُه لهذه الأسْبَاب، لا للخوف من الله - تعالى -، فلذلك لَمْ يَنْفَعه النَّدم. قال المُطَّلِب بن عَبْد اللَّه بن حِنْطَب: لمَّا قتل ابن آدَم أخَاهُ، وجفَّت الأرض سَبْعَة أيَّام بما عليها، ثمَّ شَرِبت الأرْضُ دَمَهُ كما تشرب الماء، فنادَاه [آدم]: أين أخُوكَ هَابِيلُ؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رَقِيباً. فقال آدم: إن دم أخيك ليُنَادِيني من الأرْضِ. فلم قَتَلْتَ أخاكَ؟ قال: فأيْنَ دَمُه إن كنت قتلته؟ فحرّم اللَّه - عزَّ وجل - على الأرْض أن تَشْرَب بعده [دماً] أبداً، وقيل لقابيل: اذْهَب طَرِيداً شريداً فزعاً مَرْعُوباً لا تأمَن من تراه، فأخَذَ بيد أخته "إقْلِيما" وهَرَب بها إلى اليَمَن، فأتاه إبليس فقال له: إنَّما أكَلَت النَّار قربان أخيك هَابيل؛ لأنَّه كان يعبُد النَّار فانْصِبْ أنت أيضاً ناراً، وهو أوَّل من عَبَد النَّار قال مُجَاهد: فعلقت إحدى رِجْلَيْ قَابِيل إلى فخذهَا وسَاقِهَا، وعلقت من يَوْمئذٍ إلى يومِ القِيَامة، ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه، في الصَّيْف حَظِيرةٌ من نار، وفي الشِّتَاء حظيرةٌ من ثَلْج، واتَّخَذَ أولاد قَابِيل آلات اللَّهْو، وانهمكوا في اللَّهْو وشُرْبِ الخَمْر وعِبَادة النار والزِّنا والفَواحِش، حتَّى غرقهم اللَّه بالطُّوفان أيَّام نوح - عليه السلام - وبقي نَسْلُ شِيث.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال‏:‏ لما قتله ندم، ضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، وكره أن يأتي به آدم فيحزنه، فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه، ثم حفر به بمنقاره وبرجليه حتى مكَّن له، ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة، ثم بحث عليه برجليه حتى واراه، فلما رأى ما صنع الغراب ‏ {‏قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي‏}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ بعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر ثم جعل يحثو عليه التراب حتى واراه، فقال ابن آدم القاتل‏:‏ ‏ {‏يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ جاء غراب إلى غراب ميت، فحثا عليه التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه ‏ {‏يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان فقال ‏ {‏أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب‏} ‏ فدفن أخاه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ ان آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر، مكث مائة عام لا يضحك حزناً عليه، فأتى على رأس المائة فقيل له‏:‏ حياك الله وبياك وبشر بغلام، فعند ذلك ضحك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ لما قتل ابن آدم، بكى آدم فقال‏: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح تفسير : فأجيب آدم عليه السلام‏:‏ شعر : أبا هابيل قد قتلا جميعاً وصار الحي بالميت الذبيح وجاء بشره قد كان منه على خوف فجاء بها يصيح تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم عليه الصلاة والسلام‏:‏ شعر : تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه الصبيح قتل قابيل هابيلاً أخاه فوا حزناً مضى الوجه المليح تفسير : فأجابه إبليس عليه اللعنة‏:‏ شعر : تنح عن البلاد وساكنيها فبي في الخلد ضاق بك الفسيح وكنت بها وزوجك في رخاء وقلبك من أذى الدنيا مريح فما انفكت مكايدتي ومكري إلى أن فاتك الثمن الربيح

القشيري

تفسير : إرادة الحق - سبحانه - وصولُ الخلْقِ إلى لطف الاحتياط في أسباب التعيش، فإذا أشكل عليهم وجهٌ من لطائف الحيلة سبَّب الله شيئاً يُعَرِّفُهم ذلك به.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ليريه} أي: يعلمه، وضمير الفاعل يعود على "الله" أو الغراب، و {كيف}: حال من الضمير في {يُواري} والجملة مفعول ثان ليرى، أي: ليعلمه الله، أو الغراب، كيفية مواراة أخيه، و {يا ويلتا}: كلمة جزع وتحسر، والألف فيها بدل من ياء المتكلم، كيا حسرتا ويا أسفا، و "أصبح" هنا بمعنى صار. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض} أي: يحفر فيها، {ليريه} أي: الله، أو الغراب، {كيف يُواري} أي: يستر {سوءة أخيه} أي: جسده؛ لأنه مما يستقبح أن يرى، وخصت بالذكر لأنها أحق بالستر من سائر الجسد، فعلَّم اللهُ قابيل كيف يصنع بأخيه؛ لأنه لم يدر ما يصنع به، إذ هو أول ميت مات من بني آدم، فتحير في أمره، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدُهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه، ثم ألقاه في الحفرة وغطاه بالتراب. قال قابيل لما رأى ذلك: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي} فأهتَدِي إلى ما اهتدى إليه، فحفر لأخيه ودفنه {فأصبح من النادمين} على قتله، لِما كابد فيه من التحير في أمره، وحَملِه على رقبته سنة أو أكثر، وتلمذة الغراب له، واسوداد لونه، وتبرّي أبويه منه، إذ رُوِي أنه لما قتله أسود وجهه، فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنتُ عليه وكيلاً. فقال: بل قتلته؛ فلذلك اسود جسدك، وتبرأ منه، ومكث بعد ذلك مائة سنة لم يضحك، وعدم الظفر بما فعله من أجله. قاله البيضاوي، فانظره مع ما سيأتي عن الثعلبي. واختلف في كفره؛ فقال ابن عطية: الظاهر أنه لم يكن قابيل كافرًا، وإنما كان مؤمنًا عاصيًا، ولو كان كافرًا ما تحرج أخوه من قتله، إذ لا يتحرج من قتل كافر؛ لأن المؤمن يأبى أن يقتل موحدًا، ويرضى بأن يُظلَمَ ليجازي في الآخرة. ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه لما قصد أهل مصر قتله مع عبد الرحمن بن أبي بكر، لشُبهةٍ، وكانوا أربعة آلاف، فأراد أهل المدينة أن يدفعوا عنه، فأبى واستسلم لأمر الله. قال عياض: منعه من الدفع إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك سَبَقَ به القدر. حيث بشره بالجنة على بلوى تصيبه، كما في البخاري، ونقل عن بعض أهل التاريخ: أن شيتًا سار إلى أخيه قابيل، فقاتله بوصية أبيه له بذلك، متقلدًا بسيف أبيه. وهو أول من تقلد بالسيف، فأخذ أخاه أسيرًا وسلسله، ولم يزل كذلك حتى قبض كافرًا. هـ. قلت: ولعل تحرّج أخيه من قتله؛ لأنه حين قصد قتله لم يُظهِر كفره، وظهر بعد ذلك، فلذلك قاتله أخوه شيت بعد ذلك وأسره، وذكر الثعلبي: أن قابيل لما طرده أبوه، أخذ بيد أخته أقليمًا، فهرب بها إلى أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل، لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، وهو أول من عبد النار. هـ. فهذا صريح في كفره. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان الحق جل جلاله يدل العصاة من عباده إذا تحيروا على ما يزيل حيرتهم، فكيف لا يدل الطائعين إذا تحيروا على ما يزيل شبهتهم، إذا فزعوا إليه والتجأوا إلى حماه؟! فكل من وقع في حيرة دينية أو دنيوية وفزع إلى الله تعالى، مضطرًا إليه، فلا شك أن الله تعالى يجعل له فرجًا ومخرجًا من أمره، إما بواسطة أو بلا واسطة. كن صادقًا تجد مرشدًا، {أية : فَلَوْ صَدَقُواْ اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ }تفسير : [محَمَّد:21]. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من قتل نفساً بغير حق، كما فعل قابيل، فقال: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الحسن {يا ويلتي} مضاف، وهما لغتان يقال يا ويلتا ويا ويلتي ذكره الأزهري. قيل: إِنه كان أول ميت من الناس فلذلك لم يدر كيف يواريه وكيف يدفنه حتى بعث الله غرابين أحدهما حي والآخر ميت، وقيل كانا حيين فقتل أحدهما صاحبه ثم بحث الحي الأرض فدفن فيه الغراب الميت، ففعل به مثل ذلك قابيل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وابن مالك ومجاهد والضحاك وقتادة. وفي ذلك دلالة على فساد ما قال الحسن وأبو علي وأبو مسلم إِنهما كانا من بني اسرائيل، لأنه لم يكن الناس الى زمان بني اسرائيل، لا يدرون كيف يدفنون ميتهم، قال الرماني ولا يجوز أن يكون الغراب مكلفاً، لأن المعلوم من دعوة الرسول أن المكلفين هم الملائكة والانس والجن، والمعلوم ضرورة أنه لا مطيع لله أحد إلا من هذه الثلاثة أصناف، وأيضاً فقد بعث الله النبي (صلى الله عليه وسلم) الى كل مكلف سوى الملائكة ولا يقول أحد: إِنه مبعوث الى الغربان. ومعنى {فبعث الله غراباً} ألهمها ذلك. وقال الزجاج أكرم الله المقتول بأن بعث غراباً حثا عليه التراب ليريه كيف يواري سوأة أخيه. وقال قوم: كان ملكاً في صورة الغراب. وقال أبو علي يجوز أن يكون الغراب قد زاد الله في عقله ما عقل أمر الله لا على وجه التكليف كما نأمر صبياننا وأولادنا فيفهمون عنا. ومعنى {سوءة أخيه} قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبو علي: إِنه جيفة أخيه، لأنه كان تركه حتى أنتن فقيل لجيفته سوءة. وقال غيره: معناه عورة أخيه والظاهر يحتمل الأمرين. وأصل السوء التكره تقول ساءه يسوءه إِذا أتاه بما يكرهه. وروى الحسن عن النبي (صلى الله عليه وسلم) "حديث : أن الله ضرب لكم مثلاً ابني آدم فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما ". تفسير : وقوله {قال ويا ويلتا} فيه حذف لأن تقديره ليريه كيف يواري سوأة أخيه فواراه قال والقائل أخاه يا ويلتاه. وقال الزجاج الوقف في غير القرآن عليها يا ويلتاه، والنداء لغير الآدميين نحو {أية : يا حسرتا على العباد }تفسير : . و {أية : يا ويلتا أألدُ وأنا عجوز } تفسير : . وقال يا ويلتا وإِنما وقع في كلام العرب على تنبيه المخاطب وان الوقت الذي يدعي هذه الأشياء هو وقتها. والمعنى يا ويلتا تعالي فانه من ابانك أي قوله: مني الويل وكذلك يا عجبا: المعنى يا أيها العجب هذا وقتك. وقال سيبويه: الويل كلمة تقال عند الهلكة. وقيل الويل وادٍ في جهنم وقوله {أعجزت} يقال عجزت عن الأمر أعجز عجزاً ومعجزة. وقوله {فأصبح من النادمين} قيل كانت توبته غير صحيحة، لانها لو كانت صحيحة لاستحق عليها الثواب. وقال أبو علي: ندم على قتله على غير الوجه الذي يكون الندم توبة لانه ندم لانه لم ينتفع به وناله ضرر بسببه من أبيه واخوته. ولو كان على الوجه الصحيح لقبل الله توبته. وعلى مذهبنا كان يستحق الثواب لو كانت صحيحة، وإِن لم يسقط العقاب.

الجنابذي

تفسير : {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ} نقل انّه جاء غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الاخر فوارى جثّة المقتول فى الارض {لِيُرِيَهُ} اى الله او الغراب {كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} السّوأة الفرج وما يستقبح وانّما قال سوأة اخيه لانّ جثّة المقتول يستقبح ويستقذر {قَالَ يَاوَيْلَتَا} الالف بدل من ياء التّكلّم والويل حلول الشّرّ او نفس الشّرّ وبهاء الفضيحة وهو كلمة تفجّع وندبة {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} ندم النّفس الّذى هو عقوبة وحسرة لا ندم العقل الّذى هو منجاة وتوبة لقطعه مادّة التّوبة. اعلم انّ امثال حكاية خلق آدم (ع) وحوّاء (ع) واسكانهما جنّة الدّنيا ونهيهما من شجرة الحنطة او العنب او العنّابه او الحسد او العلم او غير ذلك، ووسوسة الشّيطان لهما واكلهما من الشّجرة المنهيّة ونزع لباسهما عنهما وظهور سوأتهما وهبوطهما الى الارض، وافتراقهما سنين وحزنهما وبكاءهما على الفراق، ثمّ مواصلتهما وحمل حوّاء (ع) فى كلّ بطنٍ غلاماً وجارية، وتولّد قابيل وتوأمته اقليماً فى اوّل بطنٍ، وتولّد هابيل وتوأمته ليوذا فى بطنٍ آخر، وامر الله لآدم (ع) ان ينكح من قابيل اخت هابيل ومن هابيل اخت قابيل، وحسد قابيل على هابيل لكون اخته اجمل من اخت هابيل، وعدم رضاه وامر آدم (ع) لهما ان يقرّبا قرباناً وقبول قربان هابيل وعدم قبول قربان قابيل، واشتداد حسده على هابيل وقتله ايّاه؛ من مرموزات السّابقين كما مرّ. وهكذا الحال فى حكاية سليمان (ع) وخاتمه وجلوس شيطان على كرسيّه بعد سرقة خاتمة، وحكاية داود (ع) وتصوّر الشّيطان له بصورة طيرٍ احسن ما يكون من الطّيور، وكون داود (ع) فى الصّلوة وقطعه الصّلوة فى طلب الطّير وصعود السّطح واشرافه على دار اوريا وتعشّقه بزوجته وكتابته لامير الجند أن يقدّمه امام التّابوت حتّى يقتل، وحكاية هاروت وماروت ونزولهما الى الارض وتعشّقهما بامرأة وابتلائهما بشرب الخمر وسجدة الوثن وقتل النّفس، وغير ذلك مما فيها ما لا يوافق شأن الانبياء والملائكة فانّهم ارادوا بها التّنبيه على المعانى الغيبيّة المشهودة لهم الغائبة على الانظار، وكانت العوامّ تداولوها بنحو الاسمار ولم يدركوا منها سوى معانيها الظّاهرة المدركة بالمدارك الحيوانيّة ونسبوا بذلك الى الانبياء والملائكة ما يقتضى عصمتهم تطهير ساحتهم عن امثالها؛ ولبطلانها بظواهرها وصحّتها بمعانيها المقصودة للانبياء (ع) والحكماء (ره) فى اخبارنا انكارها وتعيير القائلين بها وتقريرها والتّصديق بها من هاتين الجهتين. ثمّ اعلم، انّه كلّ ما كان فى العالم الكبير كان انموذجه فى العالم الصّغير بل التّحقيق انّه انموذج لما فى العالم الصّغير خصوصاً ان كان من قبيل الافعال الاختياريّة او الحوادث اليوميّة، وما ورد فى الاخبار من بركة الاموال والاولاد والاعمار بصلة الارحام وحسن الجوار، وحبس الامطار بمنع الزّكوة، وانتشار الوباء بكثرة الزّنا يدلّ على ذلك، وكما انّ آدم ابا البشر وحوّاء امّ البشر خلقا فى العالم الكبير وهبطا الى الارض، آدم على الصّفا جبل قرب المسجد الحرام ويشاهد منه البيت من باب المسجد المحاذى للصّفا، وحوّاء على المروة الّتى هى ابعد من المسجد الحرام والبيت ولا يشاهد البيت منها، واوّل بطن من حوّاء كان قابيل مع توأمته وثانيه كان هابيل مع توأمته، واشير فى بعض الاخبار الى انّه لم يكن لآدم اولاد غير اثنين ونزلت لاحدهما حوريّة من الجنّة واتى لآخر بجنّية وكثر نسل آدم منهما. كذلك كان هبوط آدم (ع) وحوّاء (ع) فى العالم الصّغير هبط احدهما على صفا النّفس واعلاها واصفى اطرافها واقربها من بيت الله الحقيقىّ، والاخرى على مروة النّفس وادناها واكدر اطرافها وابعدها من القلب، ولذلك سمّى آدم (ع) بآدم (ع) لاُ دمته باختلاط على النّفس وصافيها وحوّاء بحوّاء لحوّته باختلاط ادانى النّفس، لانّ الحوّة خضرة الى السّواد او حمرة الى السّواد. واوّل بطنٍ من حوّاء بعد ازدواجهما كان قابيل النّوعىّ الّذى كان الغالب عليه صفات النّفس من الانانيّة والبخل والحسد والحقد والعداوة وحبّ الجاه والكبرياء بغلبة النّفس وقوّة صفاتها حينئذٍ، وثانى بطن منها كان هابيل الّذى كما الغالب عليه صفات العقل لاستكمال النّفس بمجاورة آدم (ع) وحوّاء وضعف صفاتها وغلبة صفات العقل، وكان كلّ منهما توأماً لاختٍ له واراد آدم النّوعىّ جذب قابيل واخته الى قرب العقل وتبديل صفاتهما النّفسانيّة بالصّفات العقلانيّة، فاراد تزويج اخته لهابيل وتزويج اخت هابيل له حتّى يتبدّل صفاتهما بذلك، وابى قابيل عن التّبديل وعن الصّعود الى مقام العقل وحسد اخاه واستبدّ برأيه فقتله فأصبح من الخاسرين لابطاله وافنائه بضاعته الّتى هى استعداده للصّعود الى مقام العقل، وبقتل هابيل ينقطع الانسانيّة من العالم الصًّغير ويفنى النّاس فى هذا العالم كلّهم لانّ النّاس كلّهم فى هذا العالم كانوا من نسل هابيل وكان اناسىّ هذا العالم ابناء العقل الّذى هو اسرائيل النّوعىّ اى عبد الله وصفوة الله، كما كان قابيل وذرّيّته هم الجنّة والشّياطين فى هذا العالم، وما لم يقتل هابيل العالم الصّغير كان الحكم جارياً عليهم والتّكليف باقياً لهم والخطاب من الله متوجّهاً اليهم، واذا قتل هابيل وانقطع الاناسىّ لم يكن من الله حكم وخطاب وتكليف وكان الزّنا والصّلوة متساويين لهم؛ فمن قتل فى ملكه قابيل وجوده هابيل وجوده قتل النّاس كلّهم فى وجوده ولم يتوجّه اليهم بعد خطاب وتكليف. فقوله تعالى {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ}.

اطفيش

تفسير : {فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبحَثُ فِى الأَرضِ}: يحفر. {لِيُريَهُ}: أى ليريه الله أو ليريه الغراب. {كَيفَ يُوَارِى سَوءَةَ أَخِيهِ}: أى جسد أخيه، لأنه ميت، فكان مما يستقبح أن يرى ولأنه قد فسد من طول بقائه غير مدفون وأنتن، أو أراد عورته وما لا يجوز النظر اليه منه، ويدفن غير ذلك تبعاً أيضاً، ولئلا يؤكل أو يفسد فيه كما دفن الغراب الغراب كله، وسنة الميت الدفن لا التسقيف عليه، لأن الله بعث غراباً ليريه كيف يفعل، والغراب لم يسقف بل دفن، ولو أن السنة أجازت اللحد لوجب الدفن بلا حائل سقف. والكلام على أن شرع من قبلنا شرع لنا هو الصحيح، ولو شهر خلافه وعليه جرى فى الايضاح كما صحح فى السؤالات، وعليه يحمل كلام الايضاح فى باب الاجارات، ولا يرد عليه ردا، وكيف حال من ضمير يوارى وهى استفهامية علقت الاراءة عن التسلط على مفعول به ثان منصوب غير جملة، فالجملة جملة يوارى مفعول الثانى وتعدى الى اثنين، لأن فيه همزة. قيل: بعث الله الغراب ولم يبعث غيره من الطير ولا من الوحش، لأن القتل كان مستغرباً جدا اذ لم يكن معهودا قبل ذلك، فناسب بعث الغراب. وذكروا أنه لما رجع آدم من مكة قال لقابيل: أين هابيل؟ فقال: لا أدرى، فقال آدم عليه السلام: اللهم لعن أرضا شربت دمه، فمن ذلك الوقت لم تشرب الأرض دما، ثم ان آدم بقى مائة عام لا يتبسم حتى جاءه ملك الموت فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: وما بياك؟ قال أضحكك. وعن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : امتن الله تعالى على ابن آدم بالريح بعد الروح ولولا ذلك ما دفن حبيب حبيبا "تفسير : وقابيل قيل: انه أكبر ولد آدم، وهو أول من يساق الى النار من ولد آدم، قال الله تعالى: {أية : ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس } تفسير : وهما قابيل وابليس فما قال مجاهد. وعن أنس حديث : سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: "يوم الدم فيه حاضت حواء، وفيه قتل ابن آدم أخاه فلا تحتجموا فيه " تفسير : قال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطير تستأنس بآدم، فلما قتل هابيل هربت منه الطير والوحش، وشاكت الأشجار، وكانت قبل ذلك بلا شوك، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرت الأرض. وعن الأوزاعى: حدثنا المطلب بن عبد الله المخزومى: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما فيها سبعة أيام، ثم شربت الأرض دمه كما تشرب الماء، فناداه الله تعالى أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدرى ما كنت عليه رقيبا فقال الله تعالى: ان صوت أخيك لينادينى من الأرض فلم قتلت أخاك؟ قال: فأين دمه ان قتلته فحرم الله تعالى من يومئذ على الأرض أن تشرب دما بعده أبدا. ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت حواء شيث، وتفسيره هبة الله، يعنى أنه خلف من هابيل وعلمه الله ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخلق فى كل ساعة منها، وأنزل عليه الصحائف الخمسين، وكان وصى آدم وولى عهده، وأما قابيل فقيل له اذهب شريداً طريداً فزعاً مرعوباً لا يأمن من يراه، فأخذ بيد أخته اقليما وهرب بها الى عدن، فأتاه ابليس فقال: انما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيتا للنار فهو أول من بنى بيتاً للنار وعبدها من المجوس، وقتله ولد له أعمى. وعن مجاهد: علقت احدى رجلى قابيل الى فخذه، وساقه الى يوم القيامة ووجهه الى الشمس حيث ما دارت فى الصيف حظيرة من النار، وفى الشتاء حظيرة ثلج، فعذبه ذلك حياً، وقيل: ميتاً، واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو وشرب الخمر، وعباد النار والأوثان، والزنى والفواحش، حتى غرقهم الطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقى نسل شيث عليه السلام الى يوم القيامة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال آدم قال شعرا: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها ووجه الأرض مغبر قبيح تفسير : الأبيات قد كذب على الله ورسوله، ورمى آدم بالماء، ثم ان محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم فى النهى عن الشعر سواء، كذا قيل. قلت: بل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يطيقه، ولعلهم أيضاً كذلك، فمعنى النهى أنهم نهاهم الله أن يتعاطوه، قال الله تعالى: {أية : وما علمناه الشعر وما ينبغى له }تفسير : بل فى هذه الأبيات ركة، وآدم يكون أفصح من ذلك، لأنه حجة الله، كذا قال الزمخشرى والفخر، ومن أين يلزم لغير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون أفصح فى العربية، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سريانى، وانما يتكلم بالشعر من يتكلم بالعربية. ولما قال آدم مرثية فى ابنه هابيل وهو أول شهيد على الأرض قال آدم لشيث: يا بنى انك وصيى فاحفظ هذا الكلام ليتوارث، فبرق الناس عليه فتناقلوا حتى وصل يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، قيل: وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر الى المرثية فاذا هى سجع فقال: ان هذا ليقوم شعراً فقدم وأخر فيه ولم يزد ولم ينقص فقال: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذى لون وطعم وزال بشاشة الوجه المليح تفسير : ويرى كل من القلة بمعنى النفى: شعر : وقابيل أذاق الموت هابيل فواحزنى لقد فقد المليح ومالى لا أجود بفيض دمعى وهابيل تضمنه الضريح وجاءت شعلة ولها رنين لهابلها وقابلها يصيح لقتل ابن النبى بغير جرم فقلبى عند قتلته جريح أرى طول الحياة على غما فهل أنا من حياتى مستريح وجاوزنا عدو ليس يفنى لعين ما يموت فنستريح تفسير : وقالت حواء أيضاً كلام عرب وجعل شعراً: شعر : دع الشكوى فقد هلكوا جميعا بهلك ليس بالثمن الربيح وما يعنى البكاء عن البواكى اذا ما المرء غيب فى الضريح فابك لنفس منك ودع هواها فلست مخلداً بعد الذبيح تفسير : أى القتل فأجابها ابليس لعنه الله تعالى: شعر : أزحت عن البلاد وساكنيها فتى فى الخلد ضاق به الفسيح وكنت به وزوجك فى رخاء وقلبكما من الدنيا نريح فما زالت مكايدتى ومكرى الى أن فاتك الخلد الربيح فلولا رحمة الجبار أضحى بكفك من جنان الخلد ريح تفسير : {قَالَ يَا وَيلَتِى}: يا ويلى يا هلاكى قلبت الياء ألفاً، وذلك تحسر على حمله أخاه مدة، وصاح بأن حمله هلاك عظيم دنيوى، وقع فيه فناداه ليحضر مجازاً لتعجب منه الناس. {أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ}: استفهام توبيخ لنفسه، والمعنى أعجزت عن كونى مثل هذا الغراب القاتل للغراب الآخر الدافن له فأدفن أخى الذى قتلت كما فعل كما قال: { فَأُوَارِىَ سَوءَةَ أَخِى}: أسترها بالدفن فى التراب، والنصب عطف على أكون لا فى جواب الاستفهام، لأن المواراة لا تسبق العجز عنها بل عن القدرة عليها، وقرىء فأوارى بسكون الياء للتخفيف على لغة من يخفف المنصوب المعتل، أو على أنه مرفوع أى فأنا أوارى. {فَأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}: من جملة أهل الندم على ما فعلوا، وقد فات لا ندم توبة بل ندم تحسر على حمله مدة طويلة كما مر، وصيرورته تلميذاً للغراب وسواد لونه وعدم تزوجه لأخته اقليما مع القتل وقع بسببها، ولو قيل انه ذهب بها الى عدن، ومعاداة أبيه أو أمه له، والتجبر فى أمره والتغرب عن الوطن، وعدم انتفاعه بقتله، ولم يسلم من تفضيل الناس أخاه عليه، وقولهم انه تقبل قربانه، ولم يقتل قربان قابيل، وابتلاه الله بأنه لا يمر به أحد الا رماه، أعنى رمى قابيل، وقيل: المراد الندم على حمله على ظهره لدلالة ما سبق عليه، ومناسبته له، والأول أعم، ومن جملة النادمين ابن لقابيل أعمى، قاده ابن له فقال له ابنه: هذا أبوك قابيل، فرماه الأعمى لما علمت أن قابيل يرميه كل من مر به سلط عليه ذلك، وطبع الناس عليه، فلما رمى الأعمى أباه قابيل قتله، قال له ابنه: قتلت أباك قابيل، فرفع يده فلطم ابنه القائل له، فقال: ويلى قتلت أبى برميى، وابنى بلطفى. وقال الكلبى: لم يحمل أخاه هابيل على ظهره، وانما ندم على عدم دفنه، وقال: انه قتل أخاه هابيل عشية وغدا اليه غدوة الغد لينظر ما فعل، فاذا هو بغراب يبحث فى الأرض لغراب ميت، وحثا عليه التراب فقال: {يَا وَيلَتِى أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوءَةَ أَخِى} فحفر لها بيده، وواراه، واختلفوا فى قابيل هل هو مشرك؟ والصحيح أنه فاسق منافق.

الالوسي

تفسير : {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءةَ أَخِيهِ} أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: لما قتله ندم فضمه إليه حتى أروح وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، وكره أن يأتي به آدم عليه الصلاة والسلام فيحزنه؛ وتحير في أمره إذ كان أول ميت من بني آدم عليه السلام، فبعث الله تعالى غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم دفعه / برأسه حتى ألقاه في الحفرة ثم بحث عليه برجله حتى واراه، وقيل: إن أحد الغرابين كان ميتاً. والغراب: طائر معروف، قيل: والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الحيوان كونه يتشاءم به في الفراق والاغتراب وذلك مناسب لهذه القصة، وقال بعضهم: إنه كان ملكاً ظهر في صورة الغراب والمستكن في ـ يريه ـ لله تعالى أو للغراب، واللام على الأول متعلقة ـ ببعث حتماً، وعلى الثاني ـ بيبحث ـ ويجوز تعلقها ببعث أيضاً، و {كَيْفَ} حال من الضمير في {يُوٰرِى} قدم عليه لأن له الصدر، وجملة {كَيْفَ يُوَارِى} في محل نصب مفعول ثان ـ ليرى ـ البصرية المتعدية بالهمزة لاثنين وهي معلقة عن الثاني، وقيل: إن ـ يريه ـ بمعنى يعلمه إذ لو جعل بمعنى الإبصار لم يكن لجملة {كَيْفَ يُوَارِى} موقع حسن، وتكون الجملة في موقع مفعولين له وفيه نظر، و ـ البحث ـ في الأصل التفتيش عن الشيء مطلقاً أو في التراب، والمراد به هنا الحفر، والمراد ـ بالسوأة ـ جسد الميت وقيده الجبائي بالمتغير، وقيل: العورة لأنها تسوء ناظرها، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها لأن سترها آكد، والأول أولى، ووجه التسمية مشترك، وضمير {أَخِيهِ} عائد على المبحوث عنه لا على الباحث كما توهم، وبعثة الغراب كانت من باب الإلهام إن كان المراد منه المتبادر، وبعثة حقيقة إن كان المراد منه ملكاً ظهر على صورته، وعلى التقديرين ذهب أكثر العلماء إلى أن الباحث وارى جثته وتعلم قابيل، ففعل مثل ذلك بأخيه، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن مسعود وغيرهما، وذهب الأصم إلى أن الله تعالى بعث من بعثه فبحث في الأرض ووارى هابيل، فلما رأى قابيل ما أكرم الله تعالى به أخاه: {قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰ} كلمة جزع وتحسر، والويلة ـ كالويل ـ الهلكة كأن المتحسر ينادي هلاكه وموته ويطلب حضوره بعد تنزيله منزلة من ينادي، ولا يكون طلب الموت إلا ممن كان في حال أشدّ منه، والألف بدل من ياء المتكلم أي ـ يا ويلتى ـ، وبذلك قرأ الحسن احضري فهذا أوانك {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ} تعجب من عجزه عن كونه مثله لأنه لم يهتد إلى ما اهتدى إليه مع كونه أشرف منه {فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى} عطف على {أَكُونَ} وجعله في «الكشاف» منصوباً في جواب الاستفهام، واعترضه كثير من المعربين، وقال أبو حيان: ((إنه خطأ فاحش لأن شرط هذا النصب أن ينعقد من الجملة الاستفهامية، والجواب جملة شرطية نحو أتزورني فأكرمك، فإن تقديره إن تزرني أكرمك، ولو قيل ههنا: إن ـ أعجز أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوأة أخي ـ لم يصح المعنى، لأن المواراة تترتب على عدم العجز لا عليه))، وأجاب في «الكشف» بأن الاستفهام للإنكار التوبيخي، ومن باب أتعصي ربك فيعفو عنك، بالنصب لينسحب الإنكار على الأمرين، وفيه تنبيه على أنه في العصيان وتوقع العفو مرتكب خلاف المعقول، فإذا رفع كان كلاماً ظاهرياً في انسحاب الإنكار، وإذا نصب جاءت المبالغة للتعكيس حيث جعل سبب العقوبة سبب العفو، وفيما نحن فيه نعى على نفسه عجزها فنزلها منزلة من جعل العجز سبب المواراة دلالة على التعكيس المؤكد للعجز والقصور عما يهتدي إليه غراب، ثم قال: فإن قلت: الإنكار التوبيخي إنما يكون على واقع أو متوقع، فالتوبيخ على العصيان والعجز له وجه، أما على العفو والمواراة فلا قلت: التوبيخ على جعل كل واحد سبباً، أو تنزيله منزلة من جعله سبباً لا على العفو والمواراة فافهم انتهى، ولعل الأمر بالفهم إشارة إلى ما فيه من البعد، وقيل: في توجيه ذلك أن الاستفهام للإنكار ـ وهو بمعنى النفي ـ وهو سبب، والمعنى إن لم أعجز واريت، واعترض بأنه غير صحيح لأنه / لا يكفي في النصب سببية النفي بل لا بد من سببية المنفي قبل دخول النفي، ألا ترى أن ما تأتينا فتحدثنا مفسر عندهم بأنه لا يكون منك إتيان فتحديث، قال الشهاب: والجواب عنه أنه فرق بين ما نصب في جواب النفي وما نصب في جواب الاستفهام، والكلام في الثاني، فكيف يرد الأول نقضاً، ولو جعل في جواب النفي لم يرد ما ذكره أيضاً لأنه لا حاجة إلى أخذ النفي من الاستفهام الإنكاري مع وضوح تأويل ـ عجزت ـ بلم اهتد، وقد قال في «التسهيل»: إنه ينتصب في جواب النفي الصريح والمؤول، وما نحن فيه من الثاني حكمه فتأمل انتهى. ولعل الأمر بالتأمل الإشارة إن ما في دعوى الفرق بين الاستفهام الإنكاري الذي هو بمعنى النفي، والنفي من الخفاء، وكذا في تأويل ـ عجزت ـ بلم أهتد هنا فليفهم، وقرىء {أَعَجَزْتُ} بكسر الجيم وهو لغة شاذة في عجز، وقرىء ـ فأواري ـ بالسكون على أنه مستأنف وهم يقدرون المبتدأ لإيضاح القطع عن العطف، أو معطوف إلا أنه سكن للتخفيف كما قاله غير واحد، واعترضه في «البحر» ((بأن الفتحة لا تستثقل حتى تحذف تخفيفاً، وتسكين المنصوب عند النحويين ليس بلغة كما زعم ابن عطية، وليس بجائز إلا في الضرورة فلا تحمل القراءة عليها مع وجود محمل صحيح، وهو الاستئناف لها)) انتهى، وعلى دعوى الضرورة منع ظاهر، فإن تسكين المنصوب في كلامهم كثير، وادعى المبرد أن ذلك من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر. {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} أي صار معدوداً من عدادهم، وكان ندمه على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره. وحمله على رقبته أربعين يوماً أو سنة أو أكثر على ما قيل وتلمذة الغراب فإنها إهانة ولذا لم يلهم من أول الأمر ما ألهم واسوداد وجهه وتبرىء أبويه منه لا على الذنب إذ هو توبة.

ابن عاشور

تفسير : {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلاَْرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَـٰوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى}. البعث هنا مستعمل في الإلهام بالطيران إلى ذلك المكان، أي فألْهم الله غراباً ينزل بحيث يراه قابيل. وكأنّ اختيار الغراب لهذا العمل إمّا لأنّ الدفن حيلة في الغِربان من قبلُ، وإمّا لأنّ الله اختاره لذلك لمناسبة ما يعتري الناظر إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس. ولعلّ هذا هو الأصل في تشاؤم العرب بالغراب، فقالوا: غُراب البين. والضمير المستتر في «يُريَه» إن كان عائداً إلى اسم الجلالة فالتعليل المستفاد من اللام وإسناد الإرادة حقيقتان، وإن كان عائداً إلى الغراب فاللام مستعملة في معنى فاء التفريع، وإسناد الإرادة إلى الغراب مجاز، لأنّه سبب الرؤية فكأنَّه مُرِيءٌ. و{كيف} يجوز أن تكون مجرّدة عن الاستفهام مراداً منها الكيفية، أو للاستفهام، والمعنى: ليريه جواب كيف يُواري. وَالسَّوْأة: مَا تَسُوء رؤيتُه، وَهِي هنا تغيّر رائحة القتيل وتقطّع جسمه. وكلمة {يَا ويلتا} من صيّغ الاستغاثة المستعملة في التعجّب، وأصله يا لَوَيْلَتِي، فعوّضت الألف عن لام الاستغاثة نحو قولهم: يا عَجَباً، ويجوز أن يجعل الألف عوضاً عن ياء المتكلم، وهي لغة، ويكون النّداء مجازاً بتنزيل الويلة منزلة ما يُنَادَى، كقوله: {أية : يَا حَسْرَتىٰ على ما فرّطتُ في جنب الله}تفسير : [الزمر: 56]. والاستفهام في {أعجزت} إنكاري. وهذا المشهد العظيم هو مشهد أوّل حضارة في البشر، وهي من قبيل طلب سَتر المشاهد المكروهة. وهو أيضاً مشهد أوّلِ علمٍ اكتسبه البشر بالتّقليد وبالتَّجربة، وهو أيضاً مشهد أوّل مظاهر تَلقّي البشر معارفه من عوالم أضعفَ منه كما تَشَبَّه النَّاس بالحيوان في الزينة، فلبسوا الجُلُود الحسنة الملوّنة وتكلّلوا بالريش المُلوّن وبالزهور والحجارة الكريمة، فكم في هذه الآية من عبرة للتَّاريخ والدّين والخُلُق. {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ}. القول فيه كالقول في {أية : فأصبح من الخاسرين}تفسير : [المائدة: 30]. ومعنى {من النادمين} أصبح نادماً أشدّ ندامة، لأنّ {من النادمين} أدلّ على تمكّن الندامة من نفسه، من أن يقال «نادماً». كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وكان من الكافرين}تفسير : [البقرة: 34] وقوله: {فتكونا من الظالمين} في سورة البقرة (35). والندم أسف الفاعل على فعل صدر منه؛ لم يتفطّن لما فيه عليه من مضرّة قال تعالى: {أية : أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}تفسير : [الحجرات: 6]، أي ندم على ما اقترف من قتل أخيه إذْ رأى الغراب يحتفل بإكرام أخيه الميّت ورأى نفسه يجترىء على قتل أخيه، وما إسراعه إلى تقليد الغراب في دفن أخيه إلاّ مبدأ النّدامة وحُبِّ الكرامة لأخيه. ويحتمل أن هذا النّدم لم يكن ناشئاً عن خوف عذاب الله ولا قصد توبة، فلذلك لم ينفعه. فجاء في الصّحيح «حديث : ما مِن نفس تُقْتَل ظُلماً إلاّ كان على ابنِ آدم الأوّل كِفْل من دمها ذلك لأنَّه أوّل من سَنّ القتل»تفسير : . ويحتمل أن يكون دليلاً لمن قالوا: إنّ القاتل لا تقبل توبته وهو مروي عن ابن عبّاس، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها} تفسير : الآية من سورة النّساء (93).

القطان

تفسير : عند ذاك أرسل الله غراباً (وانتقى الغراب لأنه مقرون بالدمار في لغة العرب، والقتلُ شر دمار) يعلّمه كيف يدفن غراباً ميتاً. وقد باشر الغراب الحفر في الأرض ثم دفن الغرابَ الميت. فقال القاتل عند ذلك: يا حسرتي، أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب فأستر جثة أخي! وهكذا ظهرت سُنة الدفن. وندم على جرمه الذي ارتكبه حيث لا ينفع الندم. وفي الحديث الصحيح "حديث : لا تُقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابنِ آدم كفلٌ من دمها لأنه أولُ من سنّ القتل ". تفسير : وتقدّم القصةُ صورتين لطبيعة بني آدم: صورة لطبيعة الشر والعدوان كقاتل، وأخرى لطبيعة الخير والسماحة كرافض لأن يقتُل, لذا بيّن سبحانه انه يجب ان يكون هناك تشريع يحفظ التوازن بين الناس، بموجبه يجب ان يلقى المجرم جزاءه. وبذلك يعيش الناس في أمان وتصان نفوسهم، فقال: من أجْل ذلك كتَبنا على بني اسرائيل: الآية32.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُوَارِي} {يَاوَيْلَتَا} {فَأُوَارِيَ} {ٱلنَّادِمِينَ} (31) - ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْ تَجَارِبِ غَيْرِهِ، فَلَمَّا مَاتَ الأخُ القَتِيلُ، تَرَكَهُ القَاتِلُ فِي العَرَاءِ، وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَدْفِنُهُ، فَبَعَثَ اللهُ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلاَ، فَقَتَلَ أحَدُهُما صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ألْقَاهُ فِيهَا، ثُمَّ حَثَا عَلَيهِ التُّرَابَ. فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ آدَمَ القَاتِلُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي؟ فَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَل. السَّوْءَةَ - مَا يَسُوء ظُهُورُهُ، وَالمَقْصُودُ بِهَا هُنَا جُثَّتُهُ. يَبْحَثُ فِي الأرْضِ - يَحْفِرُ فِيها لِيَدْفِنَ غُراباً قَتَلَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعرف السوءة وهي ما تَتَكرّهه النفس. وهي من "ساء، يسوء، سوءا" أي يتكره، وسمينا "العَورة" سَوْءَة؛ لأنها تتكره. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ}. هل بعث الله حتى يُرِي قابيل كيف يواري سوءة هابيل، أم أن الغراب هو الذي سيقول له؟ كلا الأمرين متساوٍ؛ لأن ربنا هو الذي بعث، فإن كنت ستنظر للوسيلة القريبة فيكون الغُراب، وإن كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله؛ فالمسألة كلها واصلة لله، وأنت حين تنسب الأسباب تجدها كلها من الله. {قَالَ يَاوَيْلَتَا}. ساعة تسمع كلمة "يا ويلتي" يكون لها معنيان في الاستعمال: المعنى الأول للويل: هو الهلاك، وإن أردنا المبالغة في الهلاك نأتي بتاء التأنيث ونقول: ويلة، ولذلك عندما نحب أن نبالغ في وصف عالم نقول: فلان عالم وفلان علاّم وفلان عَلاَّمة، وتأتي التاء هنا لتؤكد المعنى، إذن فالويل: الهلاك، و"ويلة" تعني أيضا الهلاك، وماذا تعني "يا ويلتي"؟ إننا نعرف أن النداء يكون بـ "يا" فكيف نُنادي الويل والهلاك؟ وهل يُنادي غير العاقل؟ نعم، يُنادي؛ لأنه مادام "الويل" و"الويلة": الهلاك. كأنك تقول: أنا لم أعد أطيق ما أنا فيه من الهم والغم، ولا يُخلصني فيه إلا الهلاك، يا هلاكي تعال فهذا وقتك! إذن فقوله: "يا ويلتي" يعني يا هلاك تعال، والمتنبي فطن لهذه المسألة وقال: شعر : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا تفسير : فأي داء هذا الذي تقول فيه: يارب أرحني بالموت!! إذن فالذي يراه من ينادي الهلاك هو أكثر من الموت. المعنى الأول: أنك تنادي الهلاك أن يحضر؛ ولذلك يقول الحق: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49] إنهم يتمنّون الموت؛ وكذلك قال قابيل "يا ويلتي". وهل تأتيه الويلة عندما يطلبها؟ لا، فقد انتهت المسألة وصار قاتلاً لأخيه. والمعنى الثاني: أن تأتي "يا ويلتنا" بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه الأسباب، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المُسبّب. فلو ظل عطاء الأسباب هو المُتحكّم في نواميس الكون، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها تتحكم ونقول: لا. فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب، وهي تأتي لتثبيت ذاتية القدرة وقيّوميّتها، فيقول الحق حينما يشاء: توقفي يا أسباب. إذن فهناك أسباب وهناك مُسبّب. والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب. وحين لا يعطى السبب يتعجب الإنسان، ولذلك يَرُدّ الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه. وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهَم ونفر منهم ولم يأنس إليهم وأوجس منهم خِيفة. ويقول الحق عن هذا الموقف: {أية : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ * فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} تفسير : [الذاريات: 28-29] وقال الحق أيضاً في هذا الموقف: {أية : وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم: {أية : يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير : [هود: 72] أي أن الأسباب لا تعطى، ورُدّت إلى المُسبّب. (أتعجبين من أمر الله)؟ كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت، أما حين تصل الأسباب إلى الله، فلا عجب. وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها؛ فحين رأى السيدة مريم وهو الذي كَفلها، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها، وفُوجئ بأن عندها رزقا من طعامٍ وفاكهة. فسألها: {أية : يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} تفسير : [آل عمران: 37] كيف يقول لها ذلك؟ لا بد أنه رأى شيئا عندها لم يأتِ هُو به، وهنا ردَّت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة: {أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] وبشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن، وكأنها تقول ذلك كتمهيد؛ لأنها - كما قلنا سابقا - ستتعرض لمسألة لا يمكن أن يحلها إلا المُسبِّب، فسوف تلدِ بدون رُجولة، وهي مسألة عجيبة، لذلك كان لا بد أن تفهم هي وأن تنطق: {أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] وكأن الحق ينبئها ضمناً بأن عليها أن تتذكّر أنها هي التي قالت هذه الكلمة؛ لأن المستقبل سوف يأتي بك بأحداث تحتاج إلى تذكُر هذا القول. وهي التي تُذكِرّ سيدنا زكريا عليه السلام بهذه الحقيقية. ولنر دِقّة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} تفسير : [آل عمران: 38] كأن ساعة سمع هذه المسألة قرّر أن يدعو الله بأمنيته في المحراب نفسه. وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة؟ كان يعرفها، ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور، وبين حكم يكون في بؤرة الشعور. وقول مريم لزكريا: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} جعل القضية تنتقل من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} تفسير : [آل عمران: 38] لماذا لم يدعُ ربَّه من البداية؟. كان سيدنا زكريا سائراً مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتُشغل عن المُسبِّب، وعندما سمع من مريم: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أراد أن يدخل من هذا الباب، فدعا ربه؛ وبشّره الحق بأنه سيأتي له بذريّة، وتعجّب زكريا مرّة أخرى من هذا الأمر شارحاً حالته: {أية : وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} تفسير : [آل عمران: 40] ومادمت يا زكريا قد دعوت الله أن يهبك الذّرّية وقفزت قضية رزق الله لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك. فقد جاء أمر الله: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ} تفسير : [مريم: 9] إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات. فهي إرادة الله. ويوضح الحق حيثيّات {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ويأتيك بالولد؛ فيقول سبحانه: {أية : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9] وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصراً شاهداً عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد، وهو كفيل لها، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر. ولماذا كل هذا التمهيد؟؛ لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السُنن إنما حدث في أمور أخرى غير العِرْض، لكن عند مريم سيكون ذلك في العِرض وهو أقدس شيء بالنسبة للمرأة، لذلك لابد من كل هذه التمهيدات. إذن، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على الله. وها هوذا قابيل يقول: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ} كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئاً يفعله الطائر الذي أمامه، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت يا قابيل، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك، لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب. فقابيل لا يقولها - إذن - إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسيّ شديد قاسٍ على وجدانه. لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه، بينما عرف الغراب كيف يواري جثة غراب آخر. وهكذا أصبح قابيل من النادمين {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}. إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين "نَدِمٍ" و"نَدَمٍ". وعلى سبيل المثال: هناك إنسان قد جرؤ على حدود الله وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعام الأسرة. وعندما عاد إلى منزله ووجد أهله في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل كان ندم الرجل على أنه عصى الله، أو ندم لأنه لم يشتر الطعام لأهله؟. لقد ندم على عدم شراء الطعام وذلك ندم مرفوض، ليس من التوبة. وقد يكون هذا الشارب للخمر قد ارتدى أفخر ثيابه وخرج فشرب الخمر ووقع على الأرض، وهنا ندم لأن شُرب الخمر أوصله إلى هذا الحال؛ فهل ندم لأنه عصى ربه؟. أو ندم لأنه صار هُزْأة بين الناس؟. وكذلك كان ندم قابيل، لقد ندم على خيبته؛ لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب. ويقول الحق بعد ذلك: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَوْءَةَ أَخِيهِ} معناهُ فَرْجُهُ.

الأندلسي

تفسير : {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً} روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً} والغراب طائر معروف ويجمع في القلة على أغربه، وفي الكثرة على غربان، قيل: وهو مشتق من الاغتراب وتتشاءم به العرب. قال الشاعر: شعر : جرى بفراق العامريّة غدوة سواج سود ما تعيد وما تبدى تفسير : يعني الغربان: وظاهر الآية، أن الله تعالى بعث غراباً يبحث في الأرض فروي أنهما غرابان قتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة وألقاه فيها والبحث في الأرض نبش التراب وإثارته. {لِيُرِيَهُ} متعلق بقوله: بعث، والمواراة: الستر، والضمير الفاعل في ليريه عائد على الغراب ويجوز أن يكون عائداً على المصدر المفهوم من قوله: يبحث، أي ليريه البحث، وكيف منصوب بقوله: يواري، والجملة استفهامية في موضع مفعول ثان لقوله ليريه بمعنى ليعلمه. والسوءة: العورة. {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ} الآية، استقصر إدراكه وعقله في جهله ما يصنع بأخيه حتى تعلم وهو ذو العقل المركب فيه الفكر والرويّة والتدبير من طائر لا يعقل ومعنى هذا الاستفهام الإِنكار على نفسه والنفي أي لا أعجز عن كوني مثل هذا الغراب وفي ذلك هضم لنفسه واستصغار لها بقوله: مثل هذا الغراب وأصل النداء أن يكون لمن يعقل ثم قد ينادي ما لا يعقل على سبيل المجاز كقولهم: يا عجباً ويا حسرة، والمراد بذلك التعجب، كأنه قال: انظروا لهذا العجب ولهذه الحسرة، والمعنى تنبهوا لهذه الهلكة وتأويله هذا أو انك فاحضري وقراءة الجمهور يا ويلتا بألف هي منقلبة عن الياء كما قالوا في يا غلامي يا غلاماً، وقرىء يا ويلتي على أصل ياء المتكلم، وقرىء أعجزت بفتح الجيم وهي اللغة الفصيحة وبكسرها وهي قراءة شاذة، والعجز عن الشيء انتفاء القدرة عليه. و{أَنْ أَكُونَ} تقديره عن أن أكون فحذف عن وأن أكون هل هو في موضع رفع أو نصب أو في موضع جر فيه خلاف. {فَأُوَارِيَ} معطوف على قوله أن أكون فالعجز متسلط على الكون وعلى المواراة. قرأ طلحة بن مصرف والفياض بن عروان فأواري ـ بسكون الياء ـ فالأولى أن تكون على القطع أي فأنا أواري سوءة أخي فيكون أواري مرفوعاً. وقال الزمخشري: وقرىء بالسكون على فأنا أواري أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف. "انتهى". يعني أنه حذف الحركة وهي الفتحة تخفيفاً استثقلها على حرف العلة. قال ابن عطية: هي لغة لتوالي الحركات لا ينبغي أن تخرج على النصب لأن النصب مثل هذا هو بظهور الفتحة ولا تستثقل الفتحة فتحذف تخفيفاً، كما أشار إليه الزمخشري ولا ذلك لغة كما زعم ابن عطية ولا يصح التعليل بتوالي الحركات فيه وهذا عند النحويين أعني النصب بحذف الفتحة لا يجوز إلا في الضرورة فلا تحمل القراءة عليها إذا وجد حملها على معنى صحيح وقد وجد وهو الاستئناف أي فأنا أواري. قال ابن عباس: هو من حيث انتهاك حرمتها بالقتل أو صون حرمتها بالامتناع وباستحيائها. {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ} الضمير في جاءتهم عائد على بني إسرائيل. ومعنى بالبينات: بالمعجزات والكتب الإِلهية الواضحة. فكان المناسب اتباع الرسل فيما جاؤا به من امتثال أمر الله والانقياد لأحكامه. وقال الزمخشري: فأواري بالنصب على جواب الاستفهام. "انتهى". وهو خطأ فاحش لأن الفاء الواقعة جواباً للاستفهام تنعقد من الجملة الاستفهامية والجواب شرط وجزاء وهنا لا تنعقد. تقول: أتزورين فأكرمك فالمعنى أن تزرني أكرمك لو قلت هنا: ان أعجز أن أكون مثل هذا الغراب أوار سوءة أخي لم يصح لأن المواراة لا تترتب على عجزه عن كونه مثل الغراب. {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} قبل هذا جملة محذوفة تقديرها فوارى سوءة أخيه. والظاهر أن ندمه كان على قتل أخيه لما لحقه من عصيان ربه وإسخاط أبويه وتبشيره أنه من أصحاب النار وهذا يدل على أنه كان عاصياً لا كافراً. {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} متعلق بقوله: كتبنا، ويقال: أجل وأجل ومعناه. من سبب ذلك القتل. {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يقال: فعلت هذا من أجلك أي بسببك. وقيل: يتعلق من أجل بقوله: {مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} أي صار من النادمين بسبب القتل، ويكون كتبنا على بني إسرائيل استئناف كلام. وقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير قتل نفس. {أَوْ فَسَادٍ} هو معطوف على نفس أي وبغير فساد، والفساد: قطع الطريق وقطع الأشجار وقتل الدواب لا لضرورة وحرق الزرع وما يجري مجراه، وهو الفساد المشار إليه بعد هذه الآية. والضمير في أنه. ضمير الأمر والشأن، ومن شرطية وجوابه فكأنما، والجملة في موضع خبر انه، وتشبيهه قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعاً وإحياها بإِحيائهم. {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي بعد مجيء الرسل لمسرفون أي مجاوزون الحد في المعاصي وعدم اتباع الرسل ومنهم في موضع الصفة لقوله: كثيراً، وبعد منصوب على الظرف، والعامل فيه قوله: {لَمُسْرِفُونَ}. {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ} الآية، نزلت في قوم من عكل وعُرينة، وحديثهم مشهور. ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر في الآية قبلها تغليظ الإِثم في قتل النفس بغير نفس ولا فساد في الأرض اتبعه ببيان الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو فإِن بعض ما يكون فساداً في الأرض لا يوجب القتل. {يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} هو على حذف مضاف تقديره يحاربون أولياء الله والمحاربة مطلقة ففسرها مالك بأن المحارب هو في حمل السلاح على الناس في مصر أو في بريّة فكادهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة ولا دخل ولا عداوة، ومذهب أبي حنيفة وجماعة ان المحاربين هم القطاع للطريق خارج المصر وأما في المصر فيلزمه حد ما. اجترح من قتل أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك. وقوله: في الأرض، ظاهرة العموم فيشمل المصر وغيره، كما قال مالك: والسعي في الأرض فساداً، يحتمل أن يكون المعنى بمحاربتهم أي يضيفون فساداً إلى المحاربة، وانتصب فساداً على أنه مفعول أو مصدر في موضع الحال أو مصدر من معنى يسعون على معنى ان يسعون في الأرض معناه يفسدون لما كان السعي للفساد جعل فساداً أي إفساداً. والظاهر في هذه العقوبات الأربع أن الإِمام مخير بين إيقاع ما شاء منها بالمحارب في أي رتبة كان المحارب من الرتب التي قدمناها وبه قال جماعة من الصحابة وهو مذهب مالك وجماعة وقال ملك: استحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر العقاب ولا سيما إن لم يكن ذا شرور معرفة، وأما إن قتل فلا بد من قتله. وقال ابن عباس وجماعة من التابعين: لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب فمن قتل يقتل ومن أخذ المال ولم يقتل فالقطع من خلاف ومن أخاف فقط فالنفي ومن جمعها قتل وصلب، والقائلون بهذا الترتيب اختلفوا. فقال أبو حنيفة ومحمد وغيرهما: يصلب حياً ويطعن حتى يموت. وقال الشافعي وجماعة: يقتل ثم يصلب نكالاً لغيره، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل. واختلفوا في النفي فقال أبو حنيفة: النفي هو أن يسجن وهو إخراجه من الأرض. قال الشاعر وهو مسجون: شعر : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا تفسير : قال السدي: هو أن يطلب بالخيل والرجل فيقام عليه حد الله ويخرج من دار الإِسلام. وقال مالك: لا يضطر مسلم إلى الدخول في دار الشرك. {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي ذلك الجزاء من القتل والصلب والقطع والنفي. والخزي الهوان والذل والافتضاح. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} ظاهرة الجمع للمحارب بين عقاب الدنيا وعذاب الآخرة. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} الآية ظاهرة أنه استثناء من المعاقبين عقاب قاطع الطريق، فإِذا تابوا قبل القدرة على أخذهم سقط عنهم ما ترتب على الحرابة. وهذا ظاهر فعل عليّ رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإِنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً. وقالوا: لا نظر للإِمام فيه كما ينظر في سائر المسلمين؛ فإِن طولب بدم نظر فيه وأقيد منه بطلب الولي، وإن طولب بمال فمذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي يؤخذ ما وجد عنده من مال وغيره ويطالب بقيمة ما استهلك. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطالب بما استهلك ويؤخذ ما وجد عنده بعينه. وظاهر قوله: غفور رحيم، عدم المطالبة بشيء من الجزاء السابق لمن تاب من المحاربين قبل القدرة عليه.