٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } أي بسبب فعلته. فإن قيل عليه سؤالان: الأول: أن قوله {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل. الثاني: أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل؟ والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: قال الحسن: هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، والثاني: أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه، ولكن قوله {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام، منها قوله {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [المائدة: 30] ومنها قوله {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ } تفسير : [المائدة: 31] فقوله {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا، وقوله {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ } إشارة إلى أنه حصل من قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له ألبتة، فقوله: {مِنْ أَجل ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل، وهذا جواب حسن والله أعلم. وأما السؤال الثاني: فالجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم ههنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل. وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر أصحابه، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود. المسألة الثانية: قرىء «من أجل ذلك» بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر «من أجل ذلك» بكسر الهمزة، وهي لغة، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسر الهمزة عليها. المسألة الثالثة: قال القائلون بالقياس: دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل، وذلك لأنه تعالى قال: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } كذا وكذا، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } والمعتزلة أيضاً قالوا: دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح فيهم مريداً وقوعها منهم، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعياً للمصالح. وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية. قال أصحابنا: القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه: أحدها: أن العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول، وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل، وثانيها: لو كان معللاً بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة، وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى، وذلك يقتضي كونه مستفيداً تلك الأولوية من ذلك الفعل، فيكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وهو محال. وثالثها: أنه قد ثبت توقف الفعل على الوداعي، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي، بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله، وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل، وعلى هذا التقدير فالكل من الله، وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه، فثبت أن ظاهر هذه الآية من المتشابهات لا من المحاكمات، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [المائدة: 17] وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصالح. المسألة الرابعة: قوله {أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ } قال الزجاج: إنه معطوف على قوله {نَفْسٌ } والتقدير من قتل نفساً بغير نفس أو بغير فساد في الأرض، وإنما قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة، منها القصاص وهو المراد بقوله {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ } ومنها الكفر مع الحراب، ومنها الكفر بعد الإيمان، ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه الآية {أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المائدة: 33] فجمع تعالى كل هذه الوجوه في قوله {أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ }. المسألة الخامسة: قوله فكأنما قتل الناس جميعاً} وفيه إشكال. وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساوياً لقتل جميع الناس، فإن من الممتنع أن يكون الجزء مساوياً للكل، وذكر المفسرون بسبب هذا السؤال وجوهاً من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضي الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه، لأن قولنا: هذا يشبه ذاك أعم من قولنا: إنه يشبهه من كل الوجوه، أو من بعض الوجوه، وإذا ظهرت صحة هذه المقدمة فنقول: الجواب من وجوه: الأول: المقصود من تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل النفوس المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه، يعني كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند كل أحد، فكذلك يجب أن يكون قتل الإنسان الواحد مستعظماً مهيباً فالمقصود مشاركتهما في الاستعظام، لا بيان مشاركتهما في مقدار الاستعظام، وكيف لا يكون مستعظماً وقد قال تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 93]. الوجه الثاني في الجواب: هو أن جميع الناس لو علموا من إنسان واحد أنه يقصد قتلهم بأجمعهم فلا شك أنهم يدفعونه دفعاً لا يمكنه تحصيل مقصوده، فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل إنسان واحد معين يجب أن يكون جدهم واجتهادهم في منعه عن قتل ذلك الإنسان مثل جدهم واجتهادهم في الصورة الأولى. الوجه الثالث في الجواب: وهو أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجّح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، ومتى كان الأمر كذلك كان هذا الترجيح حاصلاً بالنسبة إلى كل واحد، فكان في قلبه أن كل أحد نازعه في شيء من مطالبه فإنه لو قدر عليه لقتله، ونيّة المؤمن في الخيرات خير من عمله، فكذلك نيّة المؤمن في الشرور شر من عمله، فيصير المعنى: ومن يقتل إنساناً قتلاً عمداً عدواناً فكأنما قتل جميع الناس، وهذه الأجوبة الثلاثة حسنة. المسألة السادسة: قوله {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } المراد من إحياء النفس تخليصها عن المهلكات: مثل الحرق والغرق والجوع المفرط والبرد والحر المفرطين، والكلام في أن إحياء النفس الواحدة مثل إحياء النفوس على قياس ما قررناه في أن قتل النفس الواحدة مثل قتل النفوس. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِى ٱلاْرْضِ لَمُسْرِفُونَ }. والمعنى أن كثيراً من اليهود بعد ذلك، أي بعد مجيء الرسل، وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل لمسرفون، يعني في القتل لا يبالون بعظمته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} أي مِن جَرَّاء ذلك القاتل وجَرِيرته. وقال الزجاج: أي من جنايته؛ يقال: أَجَلَ الرجُل على أهله شراً يأجُل أَجْلاً إذا جنى؛ مثل أخذ يأخذ أخذاً. قال الخِنَّوْت: شعر : وأهلِ خباءٍ صالحٍ كنتُ بَيْنَهُمْ قد آحتربُوا في عاجلٍ أنا آجِلُه تفسير : أي جانيه، وقيل: أنا جارُّه عليهم. وقال عديّ بن زيد: شعر : أَجْلَ انَّ اللَّه قد فَضَّلَكُمْ فَوقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلبا بإزارِ تفسير : وأصله الجرّ؛ ومنه الأَجَل لأنه وقت يجرّ إليه العقد الأوّل. ومنه الآجل نقيض العاجل، وهو بمعنى يُجرّ إليه أمر متقدّم. ومنه أَجَلْ بمعنى نَعَمْ. لأنه ٱنقياد إلى ما جُرَّ إليه. ومنه الإجْل للقطيع من بقر الوحش؛ لأن بعضه ينجر إلى بعض؛ قاله الرمّانيّ. وقرأ يزيد بن القَعْقَاع أبو جعفر: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة، والأصل {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة. ثم قيل: يجوز أن يكون قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} متعلقاً بقوله: {مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} فالوقف على قوله: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ». ويجوز أن يكون متعلقاً بما بعده وهو {كَتَبْنَا}. فـ «مِنْ أَجْلِ» ٱبتداء كلام والتمام {مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}؛ وعلى هذا أكثر الناس؛ أي من سبب هذه النازلة كتبنا. وخَصَّ بني إسرائيل بالذكر ـ وقد تقدمتهم أُمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظوراً ـ لأنهم أوّل أُمّة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوباً، وكان قبل ذلك قولاً مطلقاً؛ فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء. ومعنى {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير أن يقتل نفساً فيستحق القتل. وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنًى بعد إحصان، أو قتل نفس ظلماً وتعدّيا. {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي شرك، وقيل: قطع طريق. وقرأ الحسن ـ «أَوْ فَسَاداً» بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أوّل الكلام تقديره؛ أو أحدث فساداً؛ والدليل عليه قوله: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} لأنه من أعظم الفساد. وقرأ العامة ـ «فَسَادٍ» بالجر على معنى أو بغير فساد. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} ٱضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل جميعاً أكثر من عقاب من قتل واحداً؛ فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبياً أو إماماً عدل فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياه بأن شدّ عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. وعنه أيضاً أنه قال: المعنى من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفاً من الله فهو كمن أحيا الناس جميعاً. وعنه أيضاً؛ المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها وٱستنقذها من هَلَكَة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ. وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً؛ يقول: لو قتل الناس جميعاً لم يُزَد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حَيِيَ الناس منه. وقال ٱبن زيد: المعنى أن من قتل نفساً فيلزمه من القَوَد والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً، قال: ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله؛ وقاله الحسن أيضاً؛ أي هو العفو بعد المقدرة. وقيل: المعنى أن من قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خُصَماؤه؛ لأنه قد وَتَر الجميع، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، أي يجب على الكل شكره. وقيل: جَعَل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع؛ وله أن يحكم بما يريد. وقيل: كان هذا مختصاً ببني إسرائيل تغليظاً عليهم. قال ٱبن عطية: وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كلّه، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع؛ ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألاَّ يَطْعَمَا من ثمرهما شيئاً، فَطعِم أحدهما واحدة من ثمر شجرته، وطَعِم الآخر ثمر شجرته كلّها، فقد استويا في الحِنْث. وقيل: المعنى أن من ٱستحل واحداً فقد استحل الجميع؛ لأنه أنكر الشرع. وفي قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} تجوّز؛ فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هَلَكَة، وإلا فالإحياء حقيقة ـ الذي هو الاختراع ـ إنما هو لله تعالى. وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمروذ اللعين: { أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] فسمّى التّرك إحياء. ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات، وأن أكثرهم مجاوزون الحدّ، وتاركون أمر الله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلماً وعدواناً {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} أي: شرعنا لهم وأعلمناهم: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أي: من قتل نفساً بغير سبب؛ من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعاً؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها، أي: حرم قتلها، واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين فقال: يا أباهريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعاً، وإياي معهم؟ قلت: لا، قال: فإنك إن قتلت رجلاً واحداً، فكأنما قتلت الناس جميعاً، فانصرف مأذوناً لك، مأجوراً غير مأزور، قال: فانصرفت، ولم أقاتل. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} وإحياؤها ألا يقتل نفساً حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعاً، يعني: أنه من حرم قتلها إلا بحق، حيي الناس منه، وهكذا قال مجاهد: ومن أحياها، أي: كف عن قتلها. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}، يقول: من قتل نفساً واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعاً. وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم، فكأنما استحل دماء الناس جميعاً، ومن حرم دم مسلم، فكأنما حرم دماء الناس جميعاً، هذا قول وهو الأظهر. وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبياً أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعاً، رواه بان جرير. وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً، وذلك لأن من قتل النفس، فله النار، فهو كما لو قتل الناس كلهم. قال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} من قتل النفس المؤمنة متعمداً، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، يقول: لو قتل الناس جميعاً، لم يزد على مثل ذلك العذاب، قال ابن جريج: قال مجاهد: {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من لم يقتل أحداً، فقد حيي الناس منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفساً، فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ومن أحياها، أي: عفا عن قاتل وليه، فكأنما أحيا الناس جميعاً، وحكى ذلك عن أبيه، رواه ابن جرير، وقال مجاهد في رواية: ومن أحياها، أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة. وقال الحسن وقتادة في قوله: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}، هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا، وقال الحسن البصري: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}، قال: وزراً، {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، قال: أجراً. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا حمزة نفس تحييها أحب إليك، أم نفس تميتها؟» تفسير : قال: بل نفس أحييها، قال: «حديث : عليك بنفسك»تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَـٰتِ} أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة، {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِى ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} وهذا تقريع لهم، وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم؛ من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها، فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} تفسير : [البقرة:84-85]. وقوله: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} الآية، المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض. وقد قال تعالى: { وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ} ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة والحسن البصري، قالا: { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب، ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة، عن ابن عباس: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً}، نزلت في المشركين؛ من تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً} الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله؛ إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه ابن جرير. وروى شعبة عن منصور عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً} رواه ابن مردويه، والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم؛ ممن ارتكب هذه الصفات؛ كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري، عن أنس بن مالك: أن نفراً من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: «حديث : ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها»تفسير : ؟ فقالوا: بلى، فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم، فأدركوا، فجيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم، وفي لفظ لهما: من عكل أو عرينة، وفي لفظ: وألقوا في الحرة، فجعلوا يستسقون، فلا يسقون. وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم، وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب، وحميد عن أنس، فذكر نحوه، وعنده: فارتدوا، وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه، وقال سعيد عن قتادة: من عكل وعرينة، وراه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء، ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة الدم، وهوالبرسام، ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارساً، فأرسلهم، وبعث معم قائفاً يقفو أثرهم، وهذه كلها ألفاظ مسلم رحمه الله. وقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا، ونزلت: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه، وهذا لفظه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: ما ندمت على حديث، ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت بطونهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم، وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد، يعني: ابن مسلم، حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عكل، فلما أتي بهم، قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يلتقمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود، يعني: عبد الرحمن بن الحسن الزجاج، حدثنا أبو سعيد، يعني: البقال،عن أنس بن مالك قال: كان رهط من عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمل أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا يزيد بن لهيعة عن ابن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. وقال: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر، أو عمرو - شك يونس - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، يعني: بقصة العرنيين، ونزلت فيهم آية المحاربة، ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: عن ابن عمر، من غير شك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : النار» تفسير : حتى هلكوا، قال: وكره الله عز وجل سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية، هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي، وهو ضعيف، وفي إسناده فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي، وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارساً من الأنصار، وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية، فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصاً، والله أعلم. وقال عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلاً، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم. قال أبو هريرة: ففيهم نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، فترك النبي صلى الله عليه وسلم سمل الأعين بعد، وروي من وجه آخر عن أبي هريرة. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة، فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاؤوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم، قال: فبعث بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلاً من المسلمين، كبيرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم، فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، غريب جداً، وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم: جابر وعائشة وغير واحد، وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جداً، فرحمه الله وأثابه. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة عن عبد الكريم، وسئل عن أبوال الإبل، فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان أناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه، وهم كذبة، وليس الإسلام يريدون، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها» تفسير : قال: فبينما هم كذلك، إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس: «حديث : أن يا خيل الله اركبي» تفسير : قال: فركبوا لا ينتظر فارس فارساً، قال: وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم، منهم وصلب، وقطع وسمل الأعين، قال: فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل ولا بعد، قال: ونهى عن المثلة، وقال: «حديث : ولا تمثلوا بشيء» تفسير : قال: وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم، قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة، وناس من بجيلة. وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين: هل هو منسوخ، أومحكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتاباً للنبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]. ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهذا القول فيه نظر، ثم قائله مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ، وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفيه نظر، فإن قصته متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها؛ فإنه أسلم بعد نزول المائدة، ومنهم من قال: لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم، وإنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن، فبين حكم المحاربين، وهذا القول أيضاً فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه: أنه سمل، وفي رواية: سمل أعينهم. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك، وعلمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو، يعني: الأوزاعي، فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل، ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور من العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء؛ لقوله: {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً} وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتاً فيقتله، ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل.وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار، فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممن يغيثه ويعينه. وقوله تعالى: {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به، وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله. وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك، وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، وحكى مثله عن مالك بن أنس رحمه الله، ومستند هذا القول أن ظاهر (أو) للتخيير؛ كما في نظائر ذلك من القرآن؛ كقوله في جزاء الصيد: {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} تفسير : [المائدة: 95]، وكقوله في كفارة الفدية: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} تفسير : [البقرة: 196]، وكقوله في كفارة اليمين: {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [المائدة: 89]، هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق؛ إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال، نفوا من الأرض. وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية عن ابن عباس بنحوه. وعن أبي مخلد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك، وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة، واختلفوا: هل يصلب حياً ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولاً، ثم يصلب؛ تنكيلا وتشديداً لغيره من المفسدين، وهل يصلب ثلاثة أيام، ثم ينزل، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة، وعليه التكلان. ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره، إن صح سنده، فقال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان، كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره: أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق مالاً وأخاف السبيل، فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام، فاصلبه. وأما قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد، أو يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية وقال الشعبي: ينفيه - كما قال ابن هبيرة - من عمله كله. وقال عطاء الخراساني: ينفىٰ من جند إلى جند سنين، ولا يخرج من دار الإسلام، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان، إنه ينفى، ولا يخرج من أرض الإسلام، وقال آخرون: المراد بالنفي ههنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي ههنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه. وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال: إنها نزلت في المشركين. فأما أهل الإسلام، ففي صحيح مسلم: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضاً، فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب، فهو كفارة له، ومن ستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أذنب ذنباً في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنباً في الدنيا، فستره الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه»تفسير : . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعاً وموقوفاً، قال: ورفعه صحيح. وقال ابن جرير في قوله: {ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا} يعني: شر وعار ونكال، وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة. {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا، لهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها في الدنيا {عَذَابٌ عَظِيمٌ}، يعني: عذاب جهنم. وقوله تعالى: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر، وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالاً من قريش، منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر،فكلموا علياً فيه، فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فخلفه في داره، ثم أتى علياً، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً؟ فقرأ حتى بلغ: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} قال: فكتب له أماناً، قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر، وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به، وزاد: فقال حارثة بن بدر:شعر : ألا بَلِّغَنْ هَمْدانَ إِمّا لَقِيْتَها على النَّأْيِ لا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُها لَعَمْرُ أبيها إِنَّ هَمْدانَ تَتَّقِي الـ إله ويَقْضِي بالكتابِ خطيبُها تفسير : وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي، ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله عنه بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض فساداً، وإني تبت من قبل أن تقدروا عليّ، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه، فمن لقيه، فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقاً، فسبيل من صدق، وإن يك كاذباً، تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج، فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ثم قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال الليث: وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير عندنا: أن علياً الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع، ولم يقدروا عليه حتى جاء تائباً، وذلك أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ}تفسير : [الزمر: 53] فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها، فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائباً حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه، فلما أسفروا، عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم علي، جئت تائباً من قبل أن تقدورا علي، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا علي جاء تائباً، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال: وخرج علي تائباً مجاهداً في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } الذي فعله قابيل {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ } أي الشأن {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ } قتلها {أَوْ } بغير {فَسَادٍ } أتاه {فِى ٱلأَرْضِ } من كفر أو زنا أو قطع طريق أو نحوه {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا } بأن امتنع عن قتلها {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } قال ابن عباس: من حيث انتهاك حرمتها وصونها {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ } أي بني إسرائيل {رُسُلُنَا بِٱلّبَيّنَٰتِ } المعجزات {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِى ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } مجاوزون الحدّ بالكفر والقتل وغير ذلك.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } أي: من أجل ذلك القاتل وجريرته وبسبب معصيته، وقال الزجاج: أي من جنايته قال: يقال أجل الرجل على أهله شراً يأجل أجلاً إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذاً. وقرأ أبو جعفر «من أجل» بكسر النون وحذف الهمزة، وهي لغة. قال في شرح الدرة: قرأ أبو جعفر منفرداً: «من أجل ذلك» بكسر الهمزة مع نقل حركتها إلى النون قبلها؛ وقيل يجوز أن يكون قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } متعلقاً بقوله: {مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ }، فيكون الوقف على قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } والأولى ما قدّمنا، والمعنى: أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل، وعلى هذا جمهور المفسرين. وخصّ بني إسرائيل بالذكر؛ لأن السياق في تعداد جناياتهم، ولأنهم أوّل أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس، ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء، وقتلهم للأنبياء وتقديم الجار والمجرور على الفعل الذي هو متعلق به أعني كتبنا: يفيد القصر: أي من أجل ذلك لا من غيره، ومن لابتداء الغاية {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً } واحدة من هذه النفوس {بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي: بغير نفس توجب القصاص، فيخرج عن هذا من قتل نفساً بنفس قصاصاً. قوله: {أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأرْضِ } قرأ الجمهور بالجرّ عطفاً على نفس. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدلّ عليه أوّل الكلام تقديره: أو أحدث فساداً في الأرض، وفي هذا ضعف. ومعنى قراءة الجمهور: أن من قتل نفساً بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً. وقد تقرر أن كل حكم مشروط بتحقق أحد شيئين، فنقيضه مشروط بانتفائهما معاً، وكل حكم مشروط بتحققهما معاً، فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه. وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو؟ فقيل هو الشرك، وقيل قطع الطريق. وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض، فالشرك فساد في الأرض، وقطع الطريق فساد في الأرض، وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال فساد في الأرض، والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض، وهدم البنيان وقطع الأشجار، وتغوير الأنهار فساد في الأرض، فعرفت بهذا أنه يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض، وهكذا الفساد الذي سيأتي في قوله: {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأرْضِ فَسَاداً } يصدق على هذه الأنواع، وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريباً. قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً } اختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعاً أشدّ من عقاب من قتل واحداً منهم. فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبياً أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شدّ عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. أخرج هذا عنه ابن جرير. وروي عن مجاهد أنه قال: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً، فلو قتل الناس جميعاً لم يزد على هذا قال: ومن سلم من قتل، فلم يقتل أحداً، فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقد أخرج نحو هذا عنه عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وروى عن ابن عباس أيضاً أنه قال في تفسير هذه الآية: أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعاً، أخرجه عنه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وروي عن الحسن أنه قال: فكأنما قتل الناس جميعاً في الوزر، وكأنما أحيا الناس جميعاً في الأجر. وقال ابن زيد: المعنى أن من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا } أي: من عفا عمن وجب قتله، حكاه عنه القرطبي. وحكى عن الحسن أنه العفو بعد القدرة: يعني أحياها. وروى عن مجاهد أن إحياءها: إنجاؤها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة، حكاه عنه ابن جرير وابن المنذر وقيل المعنى: أن من قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وتر الجميع {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } أي وجب على الكل شكره؛ وقيل المعنى: أن من استحل واحداً، فقد استحلّ الجميع؛ لأنه أنكر الشرع. وعلى كل حال، فالإحياء هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة فهو مجاز، إذ المعنى الحقيقي مختص بالله عزّ وجلّ. والمراد بهذا التشبيه في جانب القتل تهويل أمر القتل، وتعظيم أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل الجرأة والجسارة، وفي جانب الإحياء الترغيب إلى العفو عن الجناة واستنقاذ المتورطين في الهلكات. قوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيّنَـٰتِ } جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم متضمنة للإخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاءوا العباد بما شرعه الله لهم من الأحكام التي من جملتها أمر القتل، وثم في قوله: {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ } للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي، والإشارة بقوله {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر مما كتبه الله على بني إسرائيل: أي إن كثيراً منهم بعد ذلك الكتب {فِى ٱلأرْضِ لَمُسْرِفُونَ } في القتل. قوله {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } قد اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية؛ فذهب الجمهور إلى أنها نزلت في العرنيين، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: لأنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك صحيح. قال أبو ثور محتجاً لهذا القول: إن قوله في هذه الآية: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } يدلّ على أنها نزلت في غير أهل الشرك؛ لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام انتهى. وهكذا يدلّ على هذا قوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ }تفسير : [الأنفال: 38]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإسلام يهدم ما قبله»تفسير : أخرجه مسلم وغيره، وحكى ابن جرير الطبري في تفسيره عن بعض أهل العلم أن هذه الآية: أعني آية المحاربة نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين، ووقف الأمر على هذه الحدود. وروى عن محمد بن سيرين أنه قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود: يعني فعله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين وبهذا قال جماعة من أهل العلم. وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ، وسيأتي سياق الروايات الواردة في سبب النزول. والحق أن هذه الآية تعمّ المشرك وغيره لمن ارتكب ما تضمنته، ولا اعتبار بخصوص السبب، بل الاعتبار بعموم اللفظ. قال القرطبي في تفسيره: ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، وإن كانت نزلت في المرتدين، أو اليهود انتهى. ومعنى قوله مترتب: أي ثابت. قيل المراد بمحاربة الله المذكورة في الآية: هي محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربة المسلمين في عصره، ومن بعد عصره بطريق العبارة دون الدلالة ودون القياس، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول، فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر؛ وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله ولرسوله إكباراً لحربهم وتعظيماً لأذيتهم، لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب. والأولى أن تفسر محاربة الله سبحانه: بمعاصيه ومخالفة شرائعه، ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي، وحكم أمته حكمه وهم أسوته. والسعي في الأرض فساداً، يطلق على أنواع من الشرّ كما قدمنا قريباً. قال ابن كثير في تفسيره: قال كثير من السلف منهم سعيد ابن المسيب: إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } تفسير : [البقرة: 205]. انتهى. إذا تقرر لك ما قررناه، من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي في الأرض فساداً، فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك، سواء كان مسلماً أو كافراً، في مصر وغير مصر، في كل قليل وكثير، وجليل وحقير، وأن حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب، أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أيّ ذنب من الذنوب، بل من كان ذنبه هو التعدّي على دماء العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم في كتاب الله، أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص، لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه صلى الله عليه وسلم من تقع منه ذنوب ومعاص غير ذلك، ولا يجرى عليه صلى الله عليه وسلم هذا الحكم المذكور في هذه الآية، وبهذا تعرف ضعف ما روى عن مجاهد في تفسير المحاربة المذكورة في هذه الآية أنها الزنا والسرقة، ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لهما حكم غير هذا الحكم. وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية، على مقتضى لغة العرب التي أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله بها، فإياك أن تغترّ بشيء من التفاصيل المروية، والمذاهب المحكية، إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا العموم أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب، فأنت وذاك اعمل به، وضعه في موضعه، وأما ما عداه:شعر : فدع عنك نهباً صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل تفسير : على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه. اعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة؛ فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب، ومجاهد وعطاء والحسن البصري، وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور: إن من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله. وبهذا قال مالك، وصرّح بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر أو في بريّة، أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة. قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرّة، ونفى ذلك مرة. وروي عن ابن عباس غير ما تقدّم، فقال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وروي عن أبي مجلز وسعيد ابن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن وقتادة والسديّ، وعطاء، على اختلاف في الرواية عن بعضهم، وحكاه ابن كثير عن الجمهور. وقال أيضاً: وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه: إن شاء قطع يديه ورجليه، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. وقال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة؛ وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل، قتل وصلب. وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام. وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعي، ولا أعلم لهذه التفاصيل دليلاً لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله، إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره، وتفرّد بروايته، فقال: حدثنا عليّ بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام؛ قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف الطريق، فاقطع يده لسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل، فاقتله؛ ومن قتل وأخاف السبيل واستحلّ الفرج الحرام، فاصلبه. وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة، لا يدري كيف صحته؟ قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لشيء من هذه التفاصيل الذي ذكرناها ما لفظه: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره. قوله: {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأرْضِ فَسَاداً } هو إما منتصب على المصدرية، أو على أنه مفعول له، أو على الحال بالتأويل: أي مفسدين. قوله: {أَوْ يُصَلَّبُواْ } ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا، لأنه أحد الأنواع التي خير الله بينها. وقال قوم: الصلب إنما يكون بعد القتل، ولا يجوز أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب. ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله سبحانه في كتابه لعباده. قوله: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ } ظاهرة قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هي اليمنى أو اليسرى، وكذلك الرجلان، ولا يعتبر إلا أن يكون القطع من خلاف، إما يمنى اليدين مع يسرى الرجلين، أو يسرى اليدين مع يمنى الرجلين؛ وقيل: المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط. قوله: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأرْضِ } اختلف المفسرون في معناه، فقال السديّ: هو أن يطلب بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحدّ، أو يخرج من دار الإسلام هرباً. وهو محكيّ عن ابن عباس، وأنس ومالك والحسن البصري، والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس، والزهري، حكاه الرماني في كتابه عنهم. وحكى عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وبه قال الليث بن سعد. وروي عن مالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني، ورجحه ابن جرير والقرطبي. وقال الكوفيون: نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها. والظاهر من الآية: أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع، من غير سجن ولا غيره. والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك، وليس هو مراداً هنا. قوله: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا } الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام، والخزي: الذل والفضيحة. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استثنى الله سبحانه التائبين قبل القدرة عليهم من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة، والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال، وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، وعليه عمل الصحابة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة، والحق الأوّل. وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية، كما يدل عليه ذكر قيد {قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } قال: القرطبي: وأجمع أهل العلم على أن السلطان وليّ من حارب، فإن قتل محارب أخا امرىء أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شيء، ولا يجوز عفو وليّ الدم. وقد أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية يعني قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً } أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره. وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } قال: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله. وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عنه في هذه الآية قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم: إن شاء قتل وإن شاء صلب، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأما النفي فهو الضرب في الأرض، فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قبل منه، ولم يؤخذ بما سلف. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية نزلت في الحرورية. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فقتلوا راعيها واستاقوها: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَه} الآية. وفي مسلم عن أنس أنه قال: إنما سمل النبيّ صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة. وأخرج الشافعي في الأم، وعبد الرزاق والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في الآية قال: إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل قطع من خلاف، وإذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا خرج وأخذ المال وقتل قتل وصلب، وإذا خرج فأخاف السبيل، ولم يأخذ المال ولم يقتل نفي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأفسد السبيل، فظهر عليه وقدر، فإمام المسلمين مخير فيه: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، قال: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأرْضِ } يهربوا ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب. وأخرج ابن جرير عنه قال: نفيه أن يطلب. وأخرج أيضاً عن أنس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً، فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فأتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال: {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأرْضِ } ثم قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر، قال: وإن كان حارثة بن بدر، قال: هذا حارثة بن بدر، قد جاء تائباً فهو آمن؟ قال: نعم، فجاء به إليه فبايعه، وقبل ذلك منه وكتب له أماناً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلِكَ} يعني من أجل أن ابن آدم قتل أخاه ظلماً. {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} يعني من قتل نفساً ظلماً بغير نفس قتلت، فيقتل قصاصاً، أو فساد فى الأرض استحقت به القتل، الفساد فى الأرض يكون بالحرب لله ولرسوله وإخافة السبيل. {فَكَأَنَّمَ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني من قتل نبياً أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن شد على يد نبى أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعاً، وهذا قول ابن عباس. والثاني: معناه فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها فاستنفذها من هلكة، فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنفذ، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: معناه أن قاتل النفس المحرمة يجب عليه من القود والقصاص مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها بالعفو عن القاتل، أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعاً، وهذا قول ابن زيد وأبيه. والرابع: معناه أن قاتل النفس المحرمة يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتل الناس جيمعاً، ومن أحياها، يعني سلم من قتلها، [فكأنما] سلم من قتل الناس جميعاً، وهذا قول مجاهد. والخامس: أن على جميع الناس (جناية القتل) كما لو قتلهم جميعاً، ومن أحياها بإنجائها من غرق أو حرق أو هلكة، فعليهم شكره كما لو أحياهم جميعاً. والسادس: أن الله تعالى عظم أجرها ووزرها فإحياؤها [يكون] بمالك أو عفوك، وهذا قول الحسن، وقتادة. قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً} اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت فى قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فعرف الله نبيه الحكم فيهم، وهذا قول ابن عباس. الثاني: أنها نزلت فى العُرَنِيِّينَ ارتدوا عن الإِسلام وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا إبله، وهذا قول أنس بن مالك، وقتادة. والثالث: أنها نزلت إخباراً من الله تعالى بحكم من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً. واختلف في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الزنى والقتل والسرقة، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية فى المِصْر وغيره، وهذا قول الشافعي، ومالك، والأوزاعي. والثالث: أنه المجاهر بقطع الطريق دون المكابر فى المِصْر، وهذا قول أبي حنيفة، وعطاء الخراساني. {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْض} جعل الله هذا حكم المحارب، وفيه قولان: أحدهما: أنها على التخيير وأن الإِمام فيهم بالخيار بين أن يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفي، وهذا قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم. والثاني: أنها مرتبة تختلف على قدر اختلاف الأفعال: أن يقتلوا إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك العرنيين وهم من بجيلة، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القصاص فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله لإِخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل افرج فاصلبه. أما قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ} فقد اختلف أهل التأويل فيه على أربعة أوجه: أحدها: أنه نفيهم وإبعادهم من بلاد الإِسلام إلى بلاد الشرك، وهو قول أنس: والحسن، وقتادة، السدي، والزهري، والضحاك، والربيع. والثاني: أنه إخراجهم من مدينة إلى أخرى، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير. والثالث: أنه الحبس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والرابع: هو أن يطلبوا لتقام الحدود عليهم فيُبْعَدُوا، وهذا قول ابن عباس، والشافعي، والليث بن سعد. قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} فيه ستة أقاويل، أحدها: إلا الذين تابوا من شركهم وسعيهم فى الأرض فساداً بإسلامهم، فأما المسلمون فلا يتسقط التوبة عنهم حداً وجب عليهم، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. الثاني: إلا الذين تابوا من المسلمين المحاربين بأمان من الإِمام قبل القدرة عليهم، فأما التائب بغير أمان فلا، وهذا قول عليّ عليه السلام، والشعبي، وروى الشعبي أن خارجة بن زيد خرج محارباً فأخاف السبيل، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وجاء تائباً من قبل القدرة عليه، فقبل عليّ توبته وجعل له أماناً منشوراً على ما كان أصاب من دم ومال. والثالث: إلا الذين تابوا بعد أن لحقوا بدار الحرب وإن كان مسلماً ثم جاء تائباً قبل القدرة عليه، وهذا قول عروة بن الزبير. والرابع: إن كان في دار الإٍسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها وتاب قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإن لم يكن له فئة يمتنع بها [وتاب] لم [تسقط] عنه توبته شيئاً من عقوبته، وهذا قول ابن عمر، وربيعة، والحكم بن عيينة. والخامس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه حدود الله تعالى دون حقوق الآدميين، وهذا قول الشافعي. والسادس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه سائر الحقوق والحدود إلا الدماء، وهذا مذهب مالك.
ابن عطية
تفسير : جمهور الناس على أن قوله: {من أجل ذلك} متعلق بقوله {كتبنا} أي بسبب هذه النازلة ومن جراها كتبنا، وقال قوم: بل هو متعلق بقوله {أية : من النادمين} تفسير : [المائدة:31] أي ندم من "أجل" ما وقع، والوقف على هذا على ذلك، والناس على أن الوقف {من النادمين} ويقال أجل الأمر أجلاً وأجلاً إذا جناه وجره، ومنه قول خوات: شعر : وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله تفسير : ويقال فعلت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن إجلك بكسرها، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ذلك بوصل الألف وكسر النون قبلها، وهذا على أن ألقى حركة الهمزة على النون كما قالوا كم ابلك بكسر الميم ووصل الألف.. ومن ابراهيم بكسر النون و {كتبنا} معناه كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك، وخص الله تعالى: {بني إسرائيل} بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظوراً لوجهين، أحدهما فيما روي أن {بني إسرائيل} أو أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسكفهم الدماء، والآخر لتلوح مذمتهم في أن كتب عليه هذا وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل همّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب عليهم، وقوله تعالى: {بغير نفس} معناه بغير أن تقتل نفساً فتستحق القتل، وقد حرم الله تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ظلماً تعدياً. وهنا يندرج المحارب، والفساد في الأرض بجميع الزنا والارتداد والحرابة، وقرأ الحسن "أو فساداً في الأرض" بنصب الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فساداً أو أحدث فساداً، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى: {فكأنما قتل الناس جميعاً} اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه، فروي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل نبياً إو إمام عدل {فكأنما قتل الناس جميعاً} ومن أحياه بأن شد عضده ونصره {فكأنما أحيا الناس جميعاً}. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا تعطيه الألفاظ، وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: المعنى من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً. ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحياها أن يقتلها فهو كمن أحيا الناس جميعاً. وقال عبد الله بن عباس أيضاً، المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً إذ يصلي النار بذلك ومن سلم من قتلها فكأنه سلم من "قتل الناس جميعاً"، وقال مجاهد الذي يقتل الناس جميعاً إذ يصلى النار بذلك جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، يقول لو "قتل الناس جميعاً" لم يزد على ذلك. ومن لم يقتل أحداً فقد حيي الناس منه، وقال ابن زيد المعنى أي من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من "قتل الناس جميعاً". قال ومن أحياها أنقذها من حرق أو غرق، وقال قوم لما كان المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعاً. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول متداع ولم يتخلص التشبيه إلى طرف في شيء من هذه الأقوال، والذي أقول إن الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يطرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصل من ثلاث جهات، إحداها القود فإنه واحد، والثانية الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع أن لو اتفق ذلك، والثالثة انتهاك الحرمة، فإن نفساً واحدة، في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثال ذلك رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئاً، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته وطعم الآخر ثمر شجرته كله، فقد استويا في الحنث، وقوله تعالى: {ومن أحياها} فيه تجوز لأنها عبارة عن الترك والإنقاذ فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى. وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود، أنا أحيي، سمى الترك إحياء، ومحيي نفس كمحيي الجميع في حفظ الحرمة واستحقاق الحمد، ثم أخبر الله تعالى عن "بني إسرائيل" أنهم جاءتهم الرسل من الله بالبينات في هذا وفي سواه، ثم لم يزل الكثير منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود، وفي هذه الآية إشارة إلى فعل اليهود في همهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره إلى سائر ذلك من أعمالهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِنْ أَجْلِ} قتله أخاه كتبنا {بِغَيْرِ نَفْسٍ} بغير قَوَد {أَوْ فَسَادٍ} كحرب لله ورسوله وأخافة للسبيل. {قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} من قتل نبياً أو إمام عدل فكأنما قتل الناس، ومن شدّ على يد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو كأنما قتل الناس عند المقتول. ومن استنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس عند المستنقذ أو يصلَى النار بقتل الواحد كما يصلاها بقتل الكل، وإن سَلِم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعاً، أو يجب بقتل الواحد من القصاص ما يجب بقتل الكل. ومن أحيا القاتل بالعفو عنه فله مثل أجر من أحيا الناس جميعاً، أو على الناس ذم القاتل كما لو قتلهم جميعاً ومن أحياها بإنجائها من سبب مهلك فعليهم شكره كما لو أحياهم جميعاً، أو عظم الله ـ تعالى ـ أجرها ووزرها فأحْيِها بمالك أو بعفوك.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {من أجل ذلك} يعني بسبب ذلك القتل الذي حصل وقيل الأجل في اللغة الجناية يقال أجل عليهم شراً أي جنى عليهم شراً {كتبنا} أي فرضنا وأوجبنا {على بني إسرائيل}. فإن قلت: من أجل ذلك معناه من أجل ما مر من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل. وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعه قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل. قلت: قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك أي من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره. ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك ويجعله تمام الكلام الأول فعلى هذا يزول الإشكال. لكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله من أجل ذلك ابتداء كلام وليس يوقف عليه. فعلى هذا قال بعضهم: إن قوله من أجل ذلك ليس هو إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما مر ما ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب هذا القتل الحرام منها قوله {أية : فأصبح من الخاسرين}تفسير : [المائدة: 30] وفيه إشارة إلى أنه حصلت له خسارة في الدين والدنيا والآخرة. ومنها قوله: {فأصبح من النادمين} وفيه إشارة إلى أنه حظر في أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دافع لذلك البتة فقوله من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد المحرم شرعنا القصاص على القاتل. فإن قلت: فعلى هذا تكون شريعة القصاص حكماً ثابتاً في جميع الأمم، فما الفائدة بتخصيصه ببني إسرائيل. قلت: إن وجوب القصاص وإن كان عامّاً في جميع الأديان والملل إلا أن التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان والملل لأنه تعالى حكم في هذه الاية بأن من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً ولا يشك أن المقصود منه المبالغة في عقاب قاتل النفس عدواناً وأن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على قساوة قلوبهم وبعدهم عن الله عز وجل ولما كان الفرض من ذكر هذه القصة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما أقدم عليه اليهود بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه فتخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة مناسب للكلام وتوكيد للمقصود والله أعلم بمراده. قوله عز وجل: {أنه من قتل نفساً} يعني من قتل نفساً ظلماً {بغير نفس} يعني بغير قتل نفس لا على وجه الاقتصاص فيقاد من قاتل النفس على وجه العدوان المحرم {أو فساد في الأرض} هو عطف على بغير نفس يعني وبغير فساد في الأرض فيستحق به القتل لأن القتل على أسباب كثيرة منها القصاص وهو المراد من قوله: قتل نفساً بغير نفس. ومنها الشرك والكفر بعد الإيمان ومنها قطع الطريق ونحو ذلك وهو المراد من قوله أو فساد في الأرض {فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} قال مجاهد: من قتل نفساً محرمة يصلى النار بقتلها كما يصلاها بقتل الناس جميعاً ومن سلم من قتلها فكأنما سلم من قتل الناس جميعاً. وقال ابن عباس: من قتل نبياً أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً. ومن شد عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل: معناه أن من قتل نفساً محرمة يجب عليه القصاص مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعاً ومن أحياها يعني من غرق أو حرق أو وقوع في هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً يعني أن له من الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعاً وقيل: معناه من استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما استحل قتل الناس جميعاً لأنهم لا يسلمون منه ومن تورع عن قتل مسلم فكأنما تورع عن قتل جميع الناس فقد سلموا منه قال أهل المعاني قوله ومن أحياها على المجاز لأن المحيي هو الله تعالى في الحقيقة فيكون المعنى ومن ناجاها من الهلاك فكأنما نجى جميع الناس منه. سئل الحسن عن هذه الاية أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل فقال: أي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. وقوله تعالى: {ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات} يعني: ولقد جاءت بني إسرائيل رسلنا ببيان الأحكام والشرائع والدلالات الواضحات {ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك} يعني بعد مجيء الرسل وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل {في الأرض لمسرفون} يعني بالقتل لا ينتهون عنه وقيل معناه لمجازون حد الحق وإنما قال تعالى وإن كثيراً منهم، لأنه تعالى علم أن منهم من يؤمن بالله ورسوله وهم قليل من كثير. قوله عز وجل: {أية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} تفسير : [المائدة: 33] قال ابن عباس نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخيَّر الله رسوله صلى الله عليه وسلم إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب وإن يشأ يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وهذا قول الضحاك أيضاً. وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن يعينه ولا يعين عليه ومن مر بهلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم هلال ولم يكن هلال شاهداً فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم بهذه الاية. وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قوم من عرينة وعكل أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فاستوخموا المدينة، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل (ق). عن أنس بن مالك أن ناساً من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد الإسلام وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في أثرهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. زاد في رواية قال قتادة: فحدثني ابن سيرين إن ذلك قبل إن تزول الحدود. وفي رواية للبخاري أن ناساً من عرينة اجتووا المدينة فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها فقتلوا الرعي واستاقوا الذود فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في الحرة يعضون الحجارة. زاد في رواية: قال أبو قلابة وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء ارتدوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا، وفي رواية أبي داود إن قوماً من عكل أو قال من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا فما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فلما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله زاد في رواية له.
ابن عادل
تفسير : قوله: [{مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ}] فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلِّق بـ "كَتَبْنَا" وذلك إشارةٌ إلى القَتْل، و"الأجْل" في الأصْل هو: الجناية، يقال: "أجَل الأمْر يأجل [إجْلاً] وأجْلاً وإجْلاَء، وأجْلاَء" بفتح الهمزة وكسْرِها إذا جَنَاهُ وحْدَه، مثل: أخَذَ يَأخُذُ أخْذاً. ومنه قول زُهَيْرٍ: [الطويل] شعر : 1954- وَأهْلِ خِبَاءٍ صالحٍ ذَاتُ بَيْنهمْ قَدِ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أنَا آجِلُهْ تفسير : أي: جَانِيه. ومعنى قول النَّاس "فَعَلْتُه من أجْلِك ولأجلك" أي: بِسببك، يعني: مِنْ أنْ جَنَيْتَ فِعْلَه وَأوْجَبْته، وكذلك قولهم: "فَعَلْتُه مِنْ جَرَّائك"، أصْلُهُ من أن جَرَرْتَهُ، ثم صار يستعمل بمعنى السَّبَب. ومنه الحديث "مِن جَرَّاي" أي: من أجْلِي. و"من" لابتداء الغاية، أي: نَشَأ الكَتْبُ، وابتدى من جناية القَتْلِ. ويجُوزُ حَذْفُ "مِنْ" واللاَّم وانتصاب "أجْل" على المَفْعُول له إذا استكمل الشُّروط له. قال: [الرمل] شعر : 1955- أجْلَ أنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ .................. تفسير : والثاني: أجَازَ بعض النَّاس أن يكون مُتعلِّقاً بقوله: "من النَّادمين" أي: ندم من أجْلِ ذلك، أي: قَتْلِهِ أخاه قال أبو البقاء: ولا تتعلَّقُ بـ "النَّادمين"؛ لأنَّه لا يحسن الابتداء بـ "كَتَبْنَا" هنا، وهذا الردُّ غير وَاضِح، وأين عَدَمُ الحُسْنِ [بالابتداء] بِذَلك؛ ابتدأ الله - تعالى - إخْبَاراً بأنَّه كتب ذلك، والإخْبَار مُتعلِّق بقصة ابْنَيْ آدم إلا أنَّ الظَّاهر خلافه كما تقدَّم. [والجمهور على فتح همزة "أجل"، وقرأ أبو جعفر بكسرها، وهي لغة كما تقدم] ورُوي عنه حذفُ الهمزة، وإلقاءُ حركتها وهي الكسرة على نون "مِنْ"، كما يَنْقِل وَرْش فتحتها إليها، والهاء في "أنَّه" ضمير الأمْر والشَّأن، و"منْ" شرطيَّة مبتدأة، وهِيَ وخَبَرُها في مَحَلِّ رفعٍ خبراً لـ "أن"، فإن قيل: قوله {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ} أي: من أجْل ما مَرَّ من قصَّة قَابِيل وهَابِيل كَتَبْنَا على بَنِي إسْرَائيل القصاص وذلك مُشْكِلٌ، لأنه لا مُنَاسَبَة بين واقِعَة قَابِيل وهَابِيل، وبين وُجُوب القِصَاص على بَنِي إسْرائيل. فالجواب من وجهين: أحدهما: ما تقدَّم نَقْلُهُ عن الحسن، والضَّحَّاك: أنَّ هذا القَتْل إنما وقع في بَنِي إسْرَائيل، لا بَيْنَ ولديْ آدم لصُلْبِه. الثاني: أن "مِنْ" في قوله {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ} ليس إشارة إلى قصَّة قَابِيل وهَابِيل بَلْ هُو إشَارَةٌ إلى ما ذكر في القِصَّة من أنْوَاع المَفَاسِدِ الحاصلة بِسَبَب القتل المحرَّم، كقوله {فأصْبَح من الخَاسِرين}، و{أصْبَح من النَّادِمين}، فقوله "أصبح من الخَاسِرِين" إشارةٌ إلى أنه حَصَل في قلبه أنْوَاع النَّدم والحسرة والحُزْن، مع أنَّه لا دَافِع لذلك ألْبَتَّة. فإن قيل: حُكْم القِصَاص ثَابتٌ في جميع الأمَم فما فَائِدَة تخْصِيصِه بِبني إسْرائيل؟. فالجواب: أنَّ وجوب القِصَاص وإن كان عاماً في جميع الأمَمِ، إلا أنَّ التَّشْديد المَذْكور في حقِّ بَنِي إسْرائيل غير ثَابتٍ في جميع الأدْيَان؛ لأنَّه - تعالى - حكم هاهُنَا بأن قَتْل النفس جار مُجْرى قَتْل جَمِيع النَّاس، فالمقصود منه: المُبَالَغَة [في عقاب القتل العَمْد العدوان، والمقصود من هذه المُبَالَغَة: أنَّ اليهُود مع عِلْمهم بهذه المُبَالغة العَظِيمة] أقدَموا على قتل الأنبياء والرُّسل، وذلك يدُلُّ على غاية قَسَاوَة قُلُوبهم ونِهَاية بُعْدهم عن طَاعَة الله، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص، تَسْلية الرَّسول في الواقعة التي ذكرْنا، من أنَّهُم عزموا على الفتك برسُول اللَّه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبأكابر الصَّحابة، [فكان تَخْصِيص] بَنِي إسرائيل في هذه القِصَّة بهذه المُبَالغَة مُنَاسِباً للكَلاَم. فصل استدلَّ القَائِلُون بالقياس بهذه الآية على أنَّ أحْكَام الله تعالى قد تكون مُعَلَّلة؛ لأنَّه قال: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا} وهذا تَصْرِيح بأن كتبه تلك الأحْكَام معلَّلٌ بتلك المَعَانِي المُشَار إليها بقوله {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ}. وقالت المُعتزلةُ: دَلَّت هذه الآيةُ على أنَّ أحْكَام اللَّه معلّلة بمصالح العِبَاد، وإذا ثَبَتَ ذلك امْتَنَع كونه خَالِقاً للكُفْر والقَبَائح، مُريداً وقوعها مِنْهم؛ لأنَّ خلق القَبَائح وإراداتها يمنع من كونه تعالى مُرَاعياً للمصالح، وذلك يُبْطِل التَّعْلِيل المَذْكُور في هذه الآية. وأجاب القَائِلُون بأنَّ تعلِيلَ أحْكَام اللَّه مُحَالٌ بوجوه: أحدها: أن العِلَّة إذا كانت قَدِيمة لزم قدم المَعْلُول، وإن كانت مُحْدَثة وجب تَعْلِيلُها بعلَّة أخرى ولزم التَّسَلْسُل. وثانيها: لو كان مُعَلَّلاً بِعِلَّة، فوجود تلك [العِلَّة] وعدمها بالنِّسْبَة إلى اللَّه تعالى إن كان على السَّوِيَّة امتنع كونه عِلَّة، وإن لم يَكُن فأحدهما به أوْلى، وذلك يَقْتَضِي كونه مُسْتَفِيداً تلك الأوْلويَّة من ذلك الفِعْلِ [فيكون ناقِصاً لذاته مُسْتَكْملاً بغيره وهو مُحَال. وثالثها: ثبت توقف الفعل] على الدَّوَاعي، ويمتنع وقوع التَّسَلْسُل في الدَّواعي، بل يجب انْتِهَاؤُها إلى الدَّاعية الأولَى التي حَدَثَت في العَبْد، لا مِن العَبْد بل من الله تعالى، وثبت أنَّ عند حُدُوث الدَّاعِية يجب الفعل. وعلى هذا التقدير: فالكُلّ من الله تعالى، وهذا يَمْتَنِع من تَعْلِيل أفْعَال اللَّه وأحكامه برعاية المصالح، وإذا ثبت امْتِنَاع تَعْليل أفعال اللَّه وأحكامه ثَبَتَ خلوّ ظاهر هذه الآية من المُتَشَابِهَات، ويؤكِّده قوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 17]، وذلك نصٌّ صَرِيحٌ في أنَّه يحسن من اللَّه كُلُّ شيء، ولا يَتَوَقَّف خلقه وحُكْمُه على رعاية المَصْلَحة ألبتة. قوله تعالى "بِغَيْر نَفْسٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلِّقٌ بالقتل قَبْلها. والثاني: أنَّه في مَحَلّ حالٍ من ضمير الفاعل في "قتل"، أي: قَتلها ظالماً، ذكره أبو البقاء. وقوله تعالى "أوْ فسادٍ" الجمهور على جَرِّهِ عَطْفاً على "نَفْس" المجرور بإضافة ["غَيْر" إليها]، وقرأ الحسن بنصبه، وفيه وجهان: أظهرهُمَا: أنَّه منصوبٌ على المَفْعُول بعامل مضمر يَلِيقُ بالمَحَلِّ، أي: أو أتى أو عَمِل فَسَاداً. والثاني: أنه مصدرٌ، والتقدير: أو أفْسَد فَسَاداً بمعنى إفساد فهو اسْمُ مَصْدَر، كقوله: [الوافر] شعر : 1956- وَبَعْدَ عَطَائِكَ المائَةَ الرِّتَاعَا تفسير : ذكره أبو البَقَاء. و"في الأرض" متعلِّق بنفس "فَسَاد"؛ لأنَّك تقول: "أفْسَد في الأرْض" إلاَّ في قراءة الحسن بنَصْبِه، وخرَّجناه على النَّصْب على المَصْدرية، كما ذكره أبُو البقاء، فإنه لا يتعلَّق به؛ لأنه مصدر مُؤكِّد، وقد نَصُّوا على أنَّ المؤكد لا يعمل، فيكُون "في الأرضِ" متعلِّقاً بمحذُوف على أنه صِفَة لـ "فساداً" والفاءُ في "فَكَأنَّمَا" في الموضعين جواب الشَّرْط واجِبَة الدُّخول، و"ما" كافة لحرف التَّشْبيه، والأحْسَن أن تسمى هُنَا مهيِّئة لوقوع الفِعْل بَعْدَهَا، و"جَمِيعاً": إمَّا حال أو تَوْكِيدٌ. فصل قال الزَّجَّاج: التقدير: من قتل نَفَساً بغير نَفْس أو فَسَاد في الأرْض، وإنَّما قال تعالى ذلك؛ [لأنَّ] القَتْل يحل لأسْبَاب كالقصاص، والكفر، والزِّنا بعد الإحْصَان، وقطع الطَّرِيق ونحوه، فجمع تعالى هذه الوُجُوه كُلَّها في قوله تعالى {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} ثم قال: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. فإن قيل: كيف يكُون قتل النَّفْس الوَاحِدة مساوِياً للكُلِّ؟ فذكر المُفَسِّرُون له وُجُوهاً، وهي مَبْنِيَّة على مُقَدِّمة، وهي أنَّ تَشْبيه أحَد الشَّيْئَيْن بالآخَر، لا يَقْتَضِي الحُكْم بمُشَابَهَتِهما من كلِّ الوُجُوه، وإذا صحَّت المُقدِّمة، فنقُول: الجواب من وجوه: أحدها: [المقصُود من تَشْبيه] قَتْل النَّفْس الواحِدَة بقَتْل النُّفُوس: المُبَالغَة في تَعْظيم أمر القَتْل العَمْدِ العُدوان وتَفْخِيم شَأنه، يعني: كما أنَّ قَتْل كلِّ الخَلْق أمر مستَعْظمٌ عند كلِّ أحَدِ، فكَذَلِك يجب أن يكون قتل الإنْسَان الواحِد مستَعْظَماً منهياً، فالمَقْصُود بيان مُشاركتهمَا في الاستِعْظَام، لا بيان مُشاركتِهمَا في مقدار الاسْتِعْظام، وكيف لا يكُون مُسْتعْظَماً وقد قال - تعالى -: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 93]. وثانيها: أنَّ جميع النَّاس لو عَلِمُوا من إنْسَان واحد أنَّه يقصد قَتْلَهم بأجْمَعِهِم، فلا شكَّ أنهم يَدْفَعُونه دفعاً لا يُمْكِن تَحْصِيل مَقْصُوده، فكذلِكَ إذا عَلِموا منه أنَّه يقصد قَتْلَ إنْسَان واحد [مُعيَّن يجب أن] يَجِدُّوا في دَفْعِه، ويَجْتَهِدوا كاجْتِهَادهم في الصُّورة الأولى. وثالثها: أنه لمَّا أقدم على القَتْلِ العَمْدِ العُدْوان فقد رجَّح داعِية الشَّهْوة والغضب على دَاعِيَة الطَّاعة، ومتى كان الأمر [كَذَلِكَ] كانَ التَّرْجِيح حَاصِلاً بالنِّسبة إلى كلِّ واحد، فكان في قلبه أنَّ كلَّ أحد نازعه في شيءٍ من مَطَالبه؛ فإنَّه لو قدر عليه لقتَلَهُ، ونيَّة المؤمن في الخَيْرَات خَيْر من عَمَلِهِ، فكذلك [نِيَّة المؤمن في الشُّرور شرٌّ من عمله، فيصير المَعْنَى: من يَقْتُل إنساناً قَتْلاً عمداً عُدْوَاناً فكأنَّمَا قَتَل جَمِيع النَّاس]. ورابعها: قال ابْنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - في رواية عِكْرِمة "حديث : مَنْ قتل نَبيّاً أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنَّما قتل النَّاسَ جَمِيعاً ومن أحْيَاها: من سَلِمَ من قتلها، فكان كمن سَلِمَ من قَتْلِ النَّاس جَمِيعاً ". تفسير : وخامسها: قال مُجَاهِد: من قتل نَفْساً محرَّمة يَصْلَى النَّار بقتلها، كما يصلاها لو قتل النَّاس جميعاً، ومَنْ أحْيَاها: من سلم من قتلها، فكان كمن سلم من قتْلِ النَّاس جَمِيعاً. وسادسها: قال قتادة: أعْظَم اللَّه أجرَهَا وعظَّم وزرَها، معناه: من استَحَلَّ قتل مُسْلِم بغير حَقِّه، فكأنَّما قتل النَّاس جميعاً في الإثْم لا يَسْلَمُون منه، ومن أحْيَاها وتورَّع عن قَتْلِها، فكأنَّما أحْيَا النَّاس جَمِيعاً في الثَّواب لسلامتِهم منه. وسابعها: قال الحسن: فكأنَّما قتل النَّاس جَمِيعاً، يعني: أنَّه يَجِبُ عليه من القِصَاص بِقَتْلِها، مثل الذي يجب عليه لو قتل النَّاسَ جَمِيعاً، ومن أحْيَاها، أي: عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ عليه القِصَاص له، فَلَمْ يَقْتُلْه فكأنَّما أحيا النَّاس جَمِيعاً، قال سُليمان بن عَلِي: قلت للحَسَن: يا أبَا سَعِيد: أهِيَ لَنَا كما كانت لِبَني إسْرائيل؟ قال: والذي لا إله غيره ما كان دَمُ بَنِي إسرائيل أكرم على الله من دَمائِنا. وإحْيَاء النَّفْس: هو تَخْلِيصُها من المُهْلِكَات كالحَرق، والغَرَقِ، والجُوعِ المُفْرط، والبرد والحرِّ المُفْرطيْن. ثم قال: {ولقدْ جاءَتْهُم رُسُلُنَا بِالبيِّنَاتِ ثُمَّ إنَّ كثيراً مِنهُمْ بعدَ ذَلِك}، أي: بعد مَجِيء الرُّسل وبعدما كَتَبْنَا عليهم تَحْريم القَتْل، "لمُسْرِفُون" الذي هو خَبَر "إن" ولا تَمْنَعُ من ذلك لام الابتداء فاصِلَة بين العامل ومعمُوله المتقدِّم عليه؛ لأنَّ دخولها على الخَبَر على خِلاف الأصْل؛ إذ الأصْل دُخولُها على المُبْتَدأ، [وإنَّما منع منه دخول "إنَّ" و"ذلِكَ" إشارة إلى مجيء الرُّسُل بالبيِّنات].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً} عند المقتول يقول: في الإثم {ومن أحياها} فاستنقذها من هلكة {فكأنما أحيا الناس جميعاً} عند المستنفذ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {فكأنما قتل الناس جميعاً} قال: أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعاً وفي قوله {من أحياها} قال: من سلم من قتلها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: احياؤها أن لا يقتل نفساً حرمها الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: من قتل نبياً، أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً. وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك. فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإيار معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً، فانصرف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {فكأنما قتل الناس جميعاً} قال: هذه مثل التي في سورة النساء {أية : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} تفسير : [النساء: 93] يقول: لو قتل الناس جميعاً لم يزد على مثل ذلك العذاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله {من قتل نفساً بغير نفس...فكأنما قتل الناس جميعاً} قال: في الوزر {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} قال: في الأجر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ومن أحياها} قال: من أنجاها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله {ومن أحياها} قال: من قتل حميم فعفا عنه فكأنما أحيا الناس جميعاً. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية: أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: اي والذي لا إله غيره.
ابو السعود
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} شروعٌ فيما هو المقصودُ من تلاوة النبأ من بـيان بعضٍ آخرَ من جنايات بني إسرائيل ومعاصيهم، وذلك إشارةٌ إلى عِظم شأنِ القتلِ وإفراطِ قُبحِه المفهومَين مما ذكر في تضاعيف القِصّةِ من استعظام هابـيلَ له وكمالِ اجتنابه عن مباشرته، وإن كان ذلك بطريق الدفعِ عن نفسه واستسلامه لأن يُقتلَ خوفاً من عقابه وبـيانِ استتباعِه لتحمل القاتلِ لإثم المقتول ومن كون قابـيلَ بمباشرته من جُملة الخاسرين دينَهم ودنياهم ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتوّ وشدة الشكيمةِ وقساوةِ القلب، والأجْلُ في الأصل مصدر أجَل شراً إذا جناه، استعمل في تعليل الجناياتِ كما في قولهم: من جرّاك فعلتُه أي من أن جرَرْتَه وجنيتَه، ثم اتُّسع فيه واستُعمل في كل تعليل، وقرىء من إِجْل بكسر الهمزة وهي لغة فيه، وقرىء مِنَ اجْل بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون، ومن لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بقوله تعالى: {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ} وتقديمُها عليه للقصر أي من ذلك ابتداءُ الكَتْب، ومنه نشأ لا من شيء آخرَ، أي قضينا عليهم وبـيّنا {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً} واحدةً من النفوس {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير قتلِ نفسٍ يوجب الاقتصاص {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي فساد يوجب إهدارَ دمِها، وهو عطفٌ على ما أضيف إليه (غير) على معنى نفي كِلا الأمرين، كما في قولك: من صلّى بغير وضوءٍ أو تيمُّمٍ بطلت صلاتُه، لا نفيِ أحدِهما، كما في قولك: من صلّى بغير وضوءٍ أو ثوبٍ بطلت صلاتُه، ومدارُ الاستعمالين اعتبارُ ورودِ النفي على ما يُستفاد من كلمة أو من الترديد بـين الأمرين المنبىء عن التخيـير والإباحة، واعتبارِ العكس، ومناطُ الاعتبارين اختلافُ حالِ ما أضيف إليه (غير) من الأمرين بحسب اشتراطِ نقيضِ الحُكمِ بتحقق أحدِهما، واشتراطِه بتحققهما معاً، ففي الأول يرد النفيُ على الترديد الواقعِ بـين الأمرين قبل ورودِه فيفقِدُ نفيَهما معاً وفي الثاني يرد الترديدُ على النفي فيفيد نفيَ أحدهما حتماً إذ ليس قبل ورودِ النفيِ ترديدٌ حتى يُتصَوَّر عكسُه. وتوضيحُه أن كلَّ حكمٍ شُرِطَ بتحقق أحدِ شيئين مثلاً فنقيضُه مشروطٌ بانتفائهما معاً، وكلَّ حكمٍ شرُط بتحققهما معاً فنقيضُه مشروطٌ بانتفاء أحدِهما ضرورةَ أن نقيضَ كلِّ شيءٍ مشروطٌ بنقيض شرطِه، ولا ريب في أن نقيضَ الإيجابِ الجزئي كما في الحكم الأول هو السلبُ الكليُّ، ونقيضَ الإيجابِ الكليِّ، كما في الحكم الثاني هو رفعُه المستلزِمُ للسلب الجزئي، فثبت اشتراطُ نقيضِ الأولِ بانتفائهما معاً واشتراطُ نقيضِ الثاني بانتفاء أحدِهما، ولمّا كان الحكمُ في قولك: من صلى بوضوء أو تيممٍ صحت صلاتُه مشروطاً بتحقق أحدِهما مُبْهماً كان نقيضُه في قولك: من صلى بغير وضوءٍ أو تيمم بطلتْ صلاتُه مشروطاً بنقيض الشرطِ المذكور البتةَ، وهو انتفاؤهما معاً، فتعين ورودُ النفي المستفادِ من (غير) على الترديد الواقعِ بـين الوضوء والتيمّمِ بكلمة (أو) فانتفى تحققُهما معاً ضرورةَ عمومِ النفي الواردِ على المبهم، وعلى هذا يدور ما قالوا إنه إذا قيل: جالس العلماءَ أو الزهاد ثم أُدخل عليه لا الناهية امتنع فعلُ الجميع، نحو {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الإنسان، الآية 24] إذ المعنى لا تفعلْ أحدَهما فأيُّهما فعله فهو أحدُهما وأما قولُك: من صلى بوضوء أو ثوبٍ صحت صلاتُه فحيث كان الحكمُ فيه مشروطاً بتحقق كِلا الأمرين كان نقيضُه في قولك: من صلى بغير وضوء أو ثوبٍ بطلتْ صلاتُه مشروطاً بنقيض الشرطِ المذكورِ وهو انتفاءُ أحدِهما فتعين ورودُ الترديد على النفي فأفاد نفيَ أحدِهما، ولا يخفى أن إباحةَ القتلِ مشروطةٌ بأحد ما ذكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراطُ حرمتِه بانتفائهما معاً فتعين ورودُ النفي على الترديد لا محالة، كأنه قيل: مَنْ قتل نفساً بغير أحدِهما {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} فمن قال في تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقَّه، وما في (كأنما) كافةٌ مهيئةٌ لوقوع الفعلِ بعدها، وجميعاً حالٌ من الناس أو تأكيد، ومناطُ التشبـيهِ اشتراكُ الفعلين في هتك حرمةِ الدماء والاستعصاء على الله تعالى وتجسيرِ الناس على القتل وفي استتباع القَوَد واستجلابِ غضبِ الله تعالى وعذابِه العظيم. {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا} أي تسبب لبقاء نفس واحدةٍ موصوفةٍ بعدم ما ذُكر من القتل والفساد في الأرض إما بنهي قاتلِها أو استنقاذِها من سائر أسبابِ الهلَكة بوجهٍ من الوجوه {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} وجهُ التشبـيهِ ظاهرٌ والمقصودُ تهويلُ أمرِ القتلِ وتفخيمُ شأن الإحياءِ بتصوير كلَ منهما بصورة لائقة به في إيجاب الرهبةِ والرغبة، ولذلك صدر النظمُ الكريمُ بضمير الشأنِ المنبىء عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقريرِ ما بعده في الذهن، فإن الضميرَ لا يفهم منه من أول الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ له خطرٌ فيبقىٰ الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه فضلُ تمكّنٍ كأنه قيل: إن الشأن الخطيرَ هذا {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيّنَـٰتِ} جملةٌ مستقلةٌ غيرُ معطوفةٍ على كتبنا أُكّدت بالتوكيد القسمي وحرفِ التحقيقِ لكمال العنايةِ بتحقق مضمونِها، وإنما لم يُقَلْ ولقد أرسلنا الخ للتصريح بوصول الرسالةِ إليهم، فإنه أدلُّ على تناهيهم في العتوّ والمكابرة، أي وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات الواضحةِ الناطقةِ بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيداً لوجوب مراعاتِه وتأيـيداً لتحتم المحافظةِ عليه. {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي بعد ما ذكر من الكَتْب وتأكيدِ الأمر بإرسال الرسلِ تترى وتجديدِ العهدِ مرة بعد أخرى، ووضعُ اسمِ الإشارةِ موضعَ الضمير للإيذان بكمال تميّزِه وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمورِ المشاهدة، وما فيه من معنى البعدِ للإيماء إلى علو درجتِه وبُعد منزلتِه في عظم الشأنِ، وثم للتراخي في الرتبة والاستبعاد {فِى ٱلأَرْضِ} متعلقٌ بقوله تعالى: {لَمُسْرِفُونَ} وكذا الظرفُ المتقدم، ولا يقدح فيه توسطُ اللام بـينه وبـينهما لأنها لامُ الابتداءِ وحقُّها الدخولُ على المبتدأ، وإنما دخولُها على الخبر لمكان إنّ، فهي في حيزها الأصلي، والإسرافُ في كل أمر التباعدُ عن حد الاعتدالِ مع عدم مبالاة به، أي مسرفون في القتل غيرُ مبالين به، ولما كان إسرافُهم في أمر القتلِ مستلزِماً لتفريطهم في شأن الإحياءِ وجوداً وذكراً وكان هو أقبحَ الأمرين وأفظعَهما اكتفي بذكره في مقام التشنيع.
القشيري
تفسير : هذا قريب مما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سنَّ حسنة فله أَجْرُها وأجر من عمل بها إلى يوم والقيامة، ومن سنَّ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".
البقلي
تفسير : {مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} فيه اشارة لطيفة من الحق سبحانه انه ان النية اذا وقعت من قبل النفس الامارة فى شر وباشرته فكانها باشرت جميع عصيان الله لانها لو قدرت على جميعها لفعلت لانها امارة بالسؤ من السؤ خلقت فالجزاء يتعلق بالنية وكذلك اذا وقعت النية من قلب القلب الروحانى فى خير وباشرها فكانه باشر جميع الخيرات لانه لو قدر الفعل قال عليه السلام نية المؤمن ابلغ من علمه وفيه اشارة الاخرى ان الله سبحانه خلق النفوس من قبضة واحدة مجتمعة بعضها من بعض وفرقها مختلفة وتعلقت بعضها ببعض من جهة الاستعداد والخليقة فمن قتل واحدا منها اثر قتلها فى جميع النفوس عالمة به او جاهلة ومن احيا نفس مؤمن بذكر الله وتوحيده ووصف جماله وجلاله حتى تحب خالقها وتحيى بمعرفته وجمال مشاهدته فاثر حياتها وبركتها فى جميع النفوس فكانما احيا جميع النفوس وفى الأية تهديد الله لايمة الضلالة ووعد وشرف وثناء حسن لايمة الهدى.
اسماعيل حقي
تفسير : {من اجل ذلك} شروع فيما هو المقصود بتلاوة النبأ من بيان بعض آخر من جنايات بنى اسرائيل ومعاصيهم وذلك اشارة الى عظم شأن القتل وافراط قبحه اى من اجل كون القتل على سبيل العدوان مشتملا على انواع المفاسد من خسارة جميع الفضائل الدينية والدنيوية وجمع السعادات الاخروية كما هى مندرجة فى اجمال قوله {أية : فأصبح من الخاسرين} تفسير : [المائدة: 30]. ومن الابتلاء بجميع ما يوجب الحسرة والندامة من غير ان يكون لشىء منه ما يدفعه البتة كما هو مندرج فى اجمال قوله {أية : فأصبح من النادمين} تفسير : [المائدة: 31]. واجل فى الاصل مصدر اجل شرا اذا جناه وهيجه استعمل فى تعليل الجنايات اى فى جعل ما جناه الغير علة لامر يقال فعلته من اجلك اى بسبب ان جنيت ذلك وكسبته ثم اتسع فيه واستعمل فى كل تعليل ومن لابتداء الغاية متعلقة بقوله تعالى {كتبنا على بنى إسرائيل} وتقديمها عليه للقصر اى من ذلك ابتدىء الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر اى قضينا عليهم فى التوارة وبينا {انه من قتل نفسا} واحدة من النفوس {بغير نفس} اى بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص {أو فساد فى الأرض} اى فساد يوجب اهدار دمها كالشرك وقطع الطريق وهو عطف على ما اضيف اليه غير بمعنى نفى كلا الامرين معا كما فى قولك من صلى بغير وضوء وهو عطف على ما اضيف اليه غير بمعنى نفى كلا الامرين معا كما فى قولك من صلى بغير وضوء او تيمم بطلت صلاته لانفى احدهما كما فى قولك من صلى بغير وضوء او ثوب بطلت صلاته {فكأنما قتل الناس جميعا} من حيث انه هتك حرمة الدماء وسن القتل وجرأ الناس عليه او من حيث ان قتل الواحد والجميع سواء فى استجلاب غضب الله والعذاب العظيم وقوله جميعا حال من الناس او تأكيد {ومن أحياها} اى تسبب لبقاء حياتها بعفو او منع عن القتل او استنقاذ من بعض اسباب الهلكة {فكأنما احيى الناس جميعا} فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا والمقصود من التشبيه المبالغة فى تعظيم امر القتل بغير حق والترغيب فى الاحتراز عنه {ولقد جاءتهم} اى اهل الكتاب {رسلنا بالبينات} اى وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما ارسلناهم بالآيات الواضحة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم المحافظة عليهم {ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك} اى بعد ما ذكر من الكتب وتأكيد الامر بارسال الرسل تترى وتجديد العهد مرة بعد اخرى وثم للتراخى فى الرتبة والاستبعاد {فى الارض لمسرفون} فى القتل غير مبالين به والاسراف فى كل امر التباعد عن حد الاعتال مع عدم مبالاة به. قوله بعد ذلك وقوله فى الارض يتعلقان بقوله لمسرفون وهو خبر انّ وبهذا اى بقوله تعالى {ولقد جاءتهم رسلنا} اتصلت القصة بما قبلها. وفى التأويلات النجمية اعلم ان كل شىء ترى فيه آية من الله تعالى فهو فى الحقيقة رسول من الله اليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها الى الله ثم ان كثيرا من الذين شاهدوا الآيات وتحققوا البينات بعد رؤية الآيات فى الارض لمسرفون اى فى ارض البشرية مجاوزون حد الشريعة والطريقة بمخالفة اوامر الله ونواهيه انتهى. واعلم ان اهل الغفلة يشاهدون الآثار لكنهم غافلون عن الحقيقة فهم كأنهم لا بصر لهم بل غيرة الحق تمنعهم من الرؤية الصحيحة لكونهم اغيارا غير لائقين بالدخول فى المجلس الخاص: قال الحافظ شعر : معشوق عيان ميكذردبرتو وليكن اغيار همى بيند ازان بسته نقابست تفسير : وكل ذرة من ذرات الكائنات وان كانت قائمة بالحق وبنوره فى الحقيقة الا ان الدنيا خيال يحتاج السالك الى العبور عن مسالكه الى ان ينتهى الى الحق: وفى المثنوى شعر : اين جهانرا كه بصورت قائمست كفت بيغمبر كه حلم نائمست ازره تقليد توكردى قبول سالكان اين ديده بيدا بى رسول روز درخوابى مكوكين خواب نيست سايه فرعست اصل جزمهتاب نيست خواب بيداريت آن دان اى عضد كه نبيند خفته كو در خواب شد او كمان برده كه اين دم خفته ام بى خبرزان كوست درخواب دوم تفسير : وهذه اى اليقظة من المنام على الحقيقة لا تتيسر الا لارباب المكاشفة الصحيحة واصحاب المشاهدة الواضحة اللهم افض علينا من هذا المقام.
ابن عجيبة
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً...} قلت: {من أجل ذلك}: يتعلق بكتبنا، فيوقف على ما قبله، وقيل: بالنادمين، فيوقف على {ذلك}، وهو ضعيف، قاله ابن جزي، وأصل {أجْل}: مصدر أجُل يأجل، كأخذ يأخذ، أجلاً، أي: جنا جناية، استعمل في تعليل الجنايات، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تعليل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {من أجل ذلك} القتل الذي صدر من قابيل لأخيه هابيل، وما نشأ عنه من التجرؤ على الدماء والمفاسد، حيث سَنَّه أولاً ولم يكن يعرفه أحد، فاقتدى به من بعده، {كتبنا على بني إسرائيل} في التوراة الذي حكمه متصل بشريعتكم، {أنه من قتل نفسًا بغير نفس} أي: في غير قصاص، وبغير فساد في الأرض، كقطع الطريق والكفر، {فكأنما قتل الناس جميعًا} من حيث إنه هتك حرمة الدماء، وسن القتل، وجرأ الناس عليه. وفي البخاري عن ابن مسعود قال: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُقتَلُ نَفسٌ مسلمةٌ بغير حق إلاَّ كَانَ على ابنِ آدَمَ الأولِ كِفلٌ من دَمِها، لأنَّهُ أوَّلُ من سَنَّ القَتل "تفسير : . أو من حيث إن قتل الواحد والجميع سواء في استجلاب غضب الله والعذاب العظيم، أو يكون الناس خصماءه يوم القيامة؛ لأن هتك حرمة البعض كالكل. {ومن أحياها} أي: تسبب في حياتها بعفو أو منع من القتل، أو استقباء من بعض أسباب الهلكة؛ كإنقاذ الغريق والحريق وشبه ذلك، {فكأنما أحيا الناس جميعًا}؛ أُعطِي من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعًا، وفي البخاري: "حديث : من أحياها ـ أي مَن حَرَّمَ قتلَها إلا بحق حيى الناس منه جميعًا"تفسير : . قال ابن جزي: والقصد بالآية تعظيم قتل النفس والتشديد فيه، ليزدجر الناس عنه وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه. هـ. فما كتبه الله على بني إسرائيل هو أيضًا شرع لنا. قال أبو سعيد: ( والذي لا إله إلا هو ما جعل دم بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا). وإنما خصّهم بالذكر؛ لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ عليهم بسبب طغيانهم، ولتلوح مذمتهم. انظر ابن عطية. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن سَقَى مؤمنًا شربَة ماء والماءُ موجودٌ، فكأنما أعتقَ سبعين رقبة، ومَن سقَى في غيرِ مَوطِنِه فكأنَّما أحيا الناس جميعًا ". تفسير : الإشارة: كل من صدَّ نفسًا عن إحياء قلبها وعوّقها عن من يُعَرِّفُها بربها فكأنما قتلها، ومن قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن المؤمنين كلهم كالجسد الواحد، كما في الحديث، ومن أحياها بأن أنقذها من الغفلة إلى اليقظة، ومن الجهل إلى المعرفة، فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن الأرواح جنس واحد، فإحياء البعض كإحياء الكل. وبهذا يظهر شرف مقدار العارفين، الدالين على الله، الدعاة إلى معرفة الله، الذين أحيا الله بهم البلاد والعباد، وفي بعض الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسُ محمدٍ بيده لئن شئتُم لأُقسِمَنَّ لكم: إنَّ أحبَّ عبادِ اللهِ إلى الله الذين يُحَبَّبُون اللهُ إلى عبادهِ، ويحببون عبادَ اللهِ إلى اللهِ، ويمشُون في الأرضِ بالنَّصيِحَة ". تفسير : وهذه حالة شيوخ التربية: يحببون الله إلى عباده؛ لأنهم يطهرون القلوب من دنس الغفلة حتى ينكشف لها جمال الحق فتحبه وتعشقه، ويذكرون لهم إحسانه تعالى وآلاءه فيحبونه، فإذا أحبوه أطاعوه فيحبهم الله ويقربهم، والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: فيه إشارة لطيفة من الحق سبحانه أن النية إذا وقعت من قبل النفس الأمارة في شيء، وباشرته، فكأنما باشرت جميع عصيان الله تعالى؛ لأنها لو قدرت على جميعها لفعلت، لأنها أمارة بالسوء، ومن السوء خلقت، فالجزاء يتعلق بالنية. وكذلك إذا وقعت النية من قبل القلب الروحاني في خير، وباشره، فكأنه باشر جميع الخيرات؛ لأنه لو قدر لفعل. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : نيةُ المؤمن أبلغُ مَن عَمله ". تفسير : وفيه إشارة أخرى أن الله سبحانه خلق النفوس من قبضة واحدة مجتمعة، بعضها من بعض وصرَّفها مختلفة، وتعلقت بضعها من بعض من جهة الاستعداد والخلقة. فمن قتل واحدًا منها أثرَّ قتلها في جميع النفوس عالمة بذلك أو جاهلة، ومن أحيا نفس مؤمن بذكر الله وتوحيده، ووصف جلاله وجماله، حتى تحب خالقها، وتحيا بمعرفته، وجمال مشاهدته، فأثِرِ حياتها وتزكيتها في جميع النفوس، فكأنما أحيا جميع النفوس. وفيه تهديد لأئمة الضلالة، وعز وشرف وثناء حسن لأئمة الهدى. انتهى كلامه. وقوله في النفس الأمارة: ( من السوء خلقت)، فيه نظر؛ فإن النفس هي الروح عند المحققين، فما دامت الطينية غالبة عليها، وهي مائلة إلى الحظوظ والهوى، سميت نفسًا، فإن كانت منهمكة سميت أمارة، وإن خف عثارها، وغلب عليها الخوف، سميت لوامة، فإذا انكشف عنها الحجاب، وعرَفت ربها، واستراحت من تعب المجاهدة، سميت روحًا، وإن تطهرت من غبش الحس بالكلية سميت سرًا، وأصلها من حيث هي نور رباني وسر لاهوتي. ولذلك قال تعالى فيها: {أية : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِي} تفسير : [الإسرَاء:85]، فالسوء عارض لها، لا ذاتي، فما خلقت إلا من نور القدس. والله تعالى أعلم. ثم عاتب بني إسرائيل على سفك الدماء والإفساد في الأرض، بعد ما حرم ذلك عليهم في التوراة، فقال: {...وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد جاءتهم} أي: بني إسرائيل، {رُسلنا بالبينات} أي: بالمعجزات الواضحات، {ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} بسفك الدماء وكثرة المعاصي. قال البيضاوي: أي: بعدما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل إتيان تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدًا للأمر وتجديدًا للعهد، كي يتحاموا عنها، كثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها، والإسراف: التباعد عن حد الاعتدال في الأمر. هـ. الإشارة: قد قيض الله لهذه الأمة المحمدية من يقوم بأمر دينها، ظاهراً وباطنًا، وهم ورثته في الظاهر والباطن، وفي الخبر: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، فلكل زمان رجال يقومون بالشريعة الظاهرة وهم العلماء، ورجال يقومون بالحقيقة الباطنة، وهم الأولياء، فمن قصر في الجهتين قامت عليه الحجة، ولله الحجة البالغة، فمن أسرف أو طغى أدبته الشريعة وأبعدته الحقيقة. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال المسرفين من بني إسرائيل وغيرهم، فقال: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أبو جعفر والزبير {من أجل} ذلك بفتح النون واسكان الهمزة ومثله {قد أفلح} وما أشبهه. الباقون يقطعون الهمزة بفتح النون بنقل الحركة من الهمزة الى ما قبلها. ومن اسكنها تركها على أصلها. ومعنى {من أجل} من جراء ذلك وجريرته. وقال الزجاج: معناه من جناية ذلك. يقال أجلت الشئ أجلاً إِذا اجنيته. قال الخواني: شعر : وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله تفسير : أي جانيه وقيل جارَّه عليهم. وقال عدي بن زيد: شعر : أجل ان الله قد فضلكم فوق من احكأ صلباً بارزا تفسير : وأصله الجرَّ. ومنه الاجل الوقت الذي يجرَّ اليه العقد الأول ومنه الآجل نقيض العاجل. ومنه (أجل) بمعنى نعم، لأنه انقياد الى ما يجرَّ اليه ومنه الآجال القطيع من بقر الوحش، لأن بعضها ينجر الى بعض. و "ذلك" اشارة الى قتل أحد ابني آدم أخاه ظلماً. حكمنا الى بني اسرائيل أنه من قتل منهم نفساً بغير نفس أو فساد كان منها في الارض فاستحقت بذلك قتلها. وفسادها في الارض إنما يكون بالحرب لله ولرسوله واخافة السبيل - على ما سنبينه فيما بعد - وهو قول الضحاك وجميع المفسرين. واختلفوا في تأويل قوله {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} على ستة أقوال: أحدها - قال الزجاج: معناه إِنه بمنزلة من قتل الناس جميعاً في أنهم خصومه من قبل ذلك الانسان. والثاني - قال أبو علي: إِن عليه مثل مأثم كل قاتل من الناس لأنه سنَّ القتل وسهله لغيره، فكان بمنزلة المشارك فيه. ومثله قوله (ع): "حديث : من سَنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إِلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها ". تفسير : الثالث - قال الحسن وقتادة ومجاهد: إِن معناه تعظيم الوزر والمأثم وتقديره يا ابن آدم انك لو قتلت الناس جميعاً كان لك من عملك ما تفوز به وتنجو من النار؟! - والله - كذبتك نفسك والشيطان، فكذلك قتلك ظلماً الانسان أي كنت تستحق الخلود في النار كما كنت تستحقه بقتل الناس جميعاً. الرابع - قال ابن عباس: معناه من شد على عضد نبي أو امام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعاً. ومن قتل نبياً أو إِماماً عدلاً، فكأنما قتل الناس جميعاً. الخامس - قال ابن مسعود وغيره من الصحابة: معناه {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً} عند المقتول {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} عند المستنفذ. السادس - قال ابن زيد معناه انه عليه من القود والقتل مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعاً. وقوله: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} قال مجاهد معناه من نجاها من الهلاك مثل الغرق والحرق. وقال الحسن وابن زيد معناه من عفا عن دمها وقد وجب القود عليها. وقال أبو علي معناه من زجر عن قتلها بما فيه حياتها على وجه يقتدى به فيها بأن يقتدى به فيها بأن يعظم تحريم قتلها كما حرمه الله. فلم يقدم عليه فقد حيَّ الناس بسلامتهم منه وذلك احياؤه إِياها. وهو اختيار الطبري والله تعالى هو المحيي للخلق لا يقدر على ذلك غيره تعالى. وإنما قال: {أحياها} على وجه المجاز بمعنى نجاها من الهلاك كما حكى عن نمرود ابراهيم {أنا أحيي وأميت} فاستبقا واحداً وقتل الآخر. قوله {ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات} قسم من الله تعالى أن رسله أتت بني اسرائيل الذين ذكر قصصهم وأخبارهم بالآيات الواضحة والحجج الدالة على صدق رسله وصحة ما أتوا به ثم أخبر أن كثيراً منهم يعني من بني اسرائيل لمسرفون بعد مجيئ رسل الله اليهم ومعنى {لمسرفون} لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمره ونهيه باتباعهم غير رسل الله. والاسراف الخروج عن التقصير والاقتصاد وضده التقطير. والاقتصاد هو التعديل بلا إِسراف ولا اقتار وقد يمدح بالاقتصاد. وقال أبو جعفر (ع): المسرفون هم الذين يستحلون المحارم ويسفكون الدماء.
الجنابذي
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} معناه من اجل قتل قابيل العالم الكبير هابيله الّذى هو دليل قتل قابيل العالم الصّغير هابيله {كَتَبْنَا} اى اثبتنا والزمنا تكويناً {عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} اى على من بقى فى وجوده الانسانيّة وهم بنو العقل الّذى هو اسرائيل، ولمّا كان بنو اسرائيل الشّخصىّ فى العالم الكبير كلّهم او اكثرهم على طريق الحقّ وكان كثير منهم انبياء (ع) وكان هذا الحكم اكثر ظهوراً فيهم كان التّفسير ببنى يعقوب صحيحاً {أَنَّهُ مَن قَتَلَ} فى العالم الكبير {نَفْساً} بازهاق روحه الحيوانىّ او قطع روحه الانسانىّ بدعوته الى الضّلالة وصدّه عن طريق الهداية بمباشرته او بتسبيبه {بِغَيْرِ} قصاص {نَفْسٍ أَوْ} بغير {فَسَادٍ} من المقتول {فِي ٱلأَرْضِ} بقطع طريق ونهب مالٍ واخافةٍ للمسلمين بان يشهر السّيف او يحمله باللّيل الا ان لا يكون من اهل الرّيبة {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} لانّه ما لم يقتل قابيل وجوده هابيل وجوده ولم يقطع الانسانيّة ولم يفن اناسىّ وجوده لم يرض بقتل نفسٍ، فالقاتل قتل النّاس جميعاً فى وجوده وقتل نفساً بعده فى الخارج، ومن قتل النّاس جميعاً فى وجوده كان كمن قتل النّاس جميعاً فى الخارج، وايضاً من قتل نفساً كان قد قتل وقطع ربّ النّوع فى وجوده، ومن قتل ربّ النّوع كان كمن قتل النّاس جميعاً، واشير فى الخبر الى وجه آخر، وهو انّ فى جهنّم لوادياً من قتل نفساً واحدة ينتهى اليه، ومن قتل جميع النّاس لا يتجاوزه {وَمَنْ أَحْيَاهَا} بانجائها من الهلاك الطّبيعىّ او دعوتها الى هداية واحيائها بالحيوة الانسانيّة الايمانيّة {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} لانّ احياء النّاس لا يكون الاّ اذا صار قابيل وجوده مبدلاً فى وجوده وصار جميع جنوده احياء بحيوة العقل {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَاتِ} اى المعجزات او احكام الشّريعة القالبيّة او الدّلائل الدّالّة السمعيّة والعقليّة على هذا الحكم والتغليظ فيه {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ} من بنى اسرائيل {بَعْدَ ذٰلِكَ} اى بعد مجيء الرّسل بالبيّنات او بعد هذا الحكم او بعدهما {فِي ٱلأَرْضِ} ارض العالم الصّغير او الكبير {لَمُسْرِفُونَ} متجاوزون عن حدود الله بسفك الدّماء واستحلال المحارم وغيرها كما فى الخبر ولمّا ذكر القتل وبالغ فى ذمّ من ارتكبه صار المقام مقام ان يسأل: ما حال من حارب اولياء الله (ع)؟ - فقال تعالى جواباً لهذا السّؤال {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ}
فرات الكوفي
تفسير : {وَمَنْ أحْياها فكأنّما أحيا الناسَ جَميعاً32} فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن سليمان بن دينار البارقي قال: سألت زيد بن علي [عليهما السلام. ر] عن هذه الآية {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} قال: فقال لي: هذا الرجل من آل محمد يخرج ويدعو إلى إقامة الكتاب والسنة فمن أعانه حتى يظهر أمره فكأنما أحيا الناس جميعاً ومن خذله حتى يقتل فكأنما قتل الناس جميعاً.
الهواري
تفسير : قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} أي ما يستوجب به القتل. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}. ذكروا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو قتل نفساً متعمداً، أو زنى بعد إحصانهتفسير : . قال جابر بن زيد: وأنا أقول الرابعة من كتاب الله: (أية : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ) تفسير : [الحجرات:9]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : القتيل دون ماله شهيد . تفسير : ذكروا حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يعرض لي يريد نفسي ومالي. قال: تناشده بالله، قال: ناشدته بالله فلم ينته، قال: استعد عليه السلطان، قال: ليس بحضرتنا سلطان. قال: استعن عليه بالمسلمين، قال: نحن بأرض فلاة ليس قربنا أحد. قال: فجاهده دون مالك حتى تمنعه أو تكتب في شهداء الآخرة في الجنة . تفسير : قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه سنَّ القتلَ . تفسير : ذكروا أن مجاهداً قال في قوله تعالى: (أية : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ) تفسير : [فصلت:29] قال: هما إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. ذكروا عن ابن مسعود في قوله: (أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) تفسير : [الانفطار:5]. قال: {مَّا قَدَّمَتْ} أي: ما قدمت من خير، {وَأَخَّرَتْ} أي ما أخرت من سنة حسنة فعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجره شيئاً، أو سنة سيئة فعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزاره شيئاً. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له أجر من تبعه ولا ينقص من أجره شيئاً . تفسير : قوله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أي من أحياها من القتل في تفسير الكلبي وغيره. وقال الحسن: من إحيائها أن ينجيها من القود فيعفو عنها، ويفاديها من العدو، وينجيها من الغرق ومن الحرق ومن السبع، وأفضل إحيائها أن ينجيها من كفرها وضلالتها. ذكروا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً على جيش وأمره بأمره ثم قال: واعلم يا علي أنه أن يحيي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها . تفسير : قوله: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} يعني أهل الكتاب {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ في الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} أي لمشركون، وهو سرف فوق سرف. وإنما يعني بهذا من لم يؤمن منهم. قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. ذكروا أن أناساً من عرينة قدموا على النبي في المدينة فأسلموا، فاستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا في إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها [وأبوالها]. ففعلوا حتى صحّوا فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقوا الإِبل وكفروا بعد إسلامهم. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. قال بعضهم: إن هذا كان من قبل أن تنزل الحدود. وذكر أبو هريرة أنهم لما جيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمّر أعينهم نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ}... إلى آخر الآية، فترك سمر الأعين. وذكروا عن بعضهم أنه قال: تلك حدود أنزلها الله: إذا حارب فأخذ المال وقتل صُلِب، وإذا حارب فقتل ولم يأخذ مالاً قُتِل، وإذا حارب فأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا حارب فلم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي. ذكر الحسن أنه قال: نفي بالسيف. وذكر عنه قال: ذلك إلى الوالي يصنع ما شاء، يعني أنه [مخيَّر]. والعامة من فقهائنا على قول الحسن: إلى الوالي يصنع من ذلك ما شاء، وليس للولي من ذلك شيء. ومن رأى أن هذا حكم في المسلمين ماضٍ فيأخذها من هذا الموضع {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} أي أن يعجزوا فلا يقدر عليهم. وأما قوله: {مِّنْ خِلاَفٍ} فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى. فذلك تفسير قوله: من خلاف.
اطفيش
تفسير : {مِنْ أَجلِ ذَلِكَ}: الذى فعل قابيل من قتل أخيه، فقال نافع: يتعلق بأصبح أو بالاستغراب الذى فى قوله: {أية : من النادمين }تفسير : أى أصبح ثابتاً من النادمين من أجل قتله أخاه، فالوقف على لفظ ذلك، وقيل: ان الوقف على النادمين، وان من أجل ذلك يتعلق بكتبنا بعده، وعليه الجمهور، ومن للابتداء أى حصل له الندم من أجل ذلك، أى تحصلت الكتابة من جنايته تلك، أو هى للسببية على الوجهين. وان قلت: كيف يكون فعل قابيل سبباً للكتابة على بنى اسرائيل لما ذكر، أو مبتدأ له؟ قلت: لما فيه من المفاسد، ومحو جميع الفضائل، أى لعظم تلك المفاسد، ومحو الفضائل، أو من ذلك المبتدأ فشددنا على بنى اسرائيل بأن قاتل نفس بغير نفس أو فساد كان كقاتل الناس جميعاً، وأما القاتل من غيرهم غير قابيل فقاتل نفس لا كقاتل الناس جميعاً، وخص بنى اسرائيل بهذا التشديد لمبالغتهم فى القتل، فكانوا يقتلون الأنبياء ويستحلونه، كما قتلوا يحيى وزكريا وغيرهما، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، وهموا بقتل عيسى وباشروا ونجاه الله. وقيل: الناس كبنى اسرائيل فى ذلك، ولكن خصوا بالذكر لمبالغتهم فى القتل وشدة قسوتهم، وامتناعهم عن الطاعة، ويتبين ذلك بتقدير مضاف أى، من أجل مفاسد ذلك القتل، أو يشار بذلك للمفاسد المعلومة من الكلام وأجل بفتح الهمزة واسكان الجيم مصدر أجل شرا، أى كسبه وجناه، وهو هنا كذلك، أى لكسب ذلك، أى لكسب قابيل ذلك، أو من كسب ذلك أعنى المبدأ فليس أجل تعليلا، وانما التعليل بمن أو بغيره من حروف التعليل اذا دخل على أجل، اذ لو كان أجل تعليلا لم يدخل عليه حرف التعليل فى قولهم مثلا: لأجل كذا، الا أنهم توسعوا فى أجل فاستعملوه فى كل كسب، سواء الخير أم الشر، وفى غير الكسب فيقال: من أجل ذلك أو لأجل ذلك بمعنى من شأن ذلك، ومن استعماله على أصله قوله: شعر : وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا فى عاجل أنا آجله تفسير : أى فى شر عاجل أنا كاسبه، ويقال أيضا: فعلته من جراك، أى من أن جررته، وهو فعلى من الجر أى من كسبك، من جرواك أى من كسبك، وهو من جرا يجرو كدعا يدعوا بمعنى كسب، وكلاهما بمعنى من أجلك، وقرأ أبو جعفر من أجل ذلك بكسر الهمزة وهو لغة، وقد ينقله للنون. {كَتَبْنَا}: أى فرضنا. {عَلَى بَنِى إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نَفسٍ}: توجب القصاص. {أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرضِ}: العطف على نفس، أى أو بغير فساد، وأو بمعنى الواو، أو لتنويع النفس المحللة للقتل الى نفس موجبة للقصاص، والى نفس ذات موجب للقتل كالشرك وزنى المحصن واللواط مطلقاً، وقطع الطريق والطعن فى الدين. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}: لأنه هتك حرمة الدماء، وحدد سنة القتل، وجرى الناس عليه، فكم هائب لقتل غيره، فاذا رأى أحداً قتل أحداً وسمع به زالت هيبة القتل من نفسه، فكان يقتل غيره، ولأن قتل الواحد وقتل الجميع سواء فى استجلاب غضب الله والعذاب العظيم والتحريم. {وَمَن أَحْيَاهَا}: أى أحيا النفس، وهذا على طريق الاستخدام، فان النفس التى يحيى غير التى قتلها، ومعنى احياء النفس ابقاءها حية كالعفو عن القاتل لوجه الله، وبالعفو فسر الحسن احياءها، ومثل أن تدعوك نفسك الى قتلها فتتركه لوجه الله تعالى، وكتنجيها ممن أراد قتلها ظلماً، أو من حيوان يقتلها، أو من حريق أو قدم أو غرق أو جوع أو عطش مهلك ومن غير ذلك من أسباب الهلاك، كالاخبار بأن هذا الطعام أو الشراب مسموم، وبارادة انسان قتله والاخبار يبرىء وهو لم يرها. {فَكَأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}: وذلك ترهيب عن القتل ظلماً، وترغيب فى السعى فى بقاء الحياة، قال ابن عباس، وابن زيد: المعنى من قتل نفساً واحدة، وانتهك حرمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعاً، ومن ترك قتل نفس واحدة، وصار حرمتها مخافة فهو كمن أحيا الناس جميعاً، وفى رواية عنه: المعنى من قتل نبياً أو امام عدل، كأنما قتل الناس جميعا، ومن شد عضد نبى أو امام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعاً، يريد من يكون قتله هلاكاً للدين، كما قيل أفضل احياء النفس أن ينجها من كفرها وضلالها. وكما قيل: من مات الدين على يده كقاتل الناس جميعاً، ومن أحياه كمن أحيا الناس كلهم من موت أشرف عليهم، وكما قال صلى الله عليه وسلم لعلى حين بعثه فى جيش: "حديث : اعلم يا على أنه ان يسلم بك رجل خير من الدنيا وما فيها "تفسير : وعن مجاهد: المعنى أنه من قتل نفساً واحدة مؤمنة عمداً استوجب جهنم والخلود وغضب الله، ولعنه واعداد العذاب العظيم، ومن قتل الناس كلهم لا يزيد على ذلك شيئا من سلم من قتل واحدة، فقد سلم منهم جميعاً. ومثله عن الحسن: يا ابن آدم أرأيت لو قتلت الناس جميعاً اتطمع أن يكون لك عمل يوازى ذلك فيغفر لك به، فكذا لو قتلت واحداً. وقيل: المعنى لو قتل الناس جميعا لقتل، ولم يزد على من قتل نفساً واحدة شىء، ومن تسبب فى حياتها فله من الثواب ما لو نجاهم كلهم من الموت، وقيل: المعنى من استحل قتل نفس بغير حق كمن استحل قتل الناس كلهم، ومن ترك قتلها تورعاً فكأنما تورع عن قتلهم كلهم، والتحقيق ما فسرت الآية به أولا. {وَلَقَد جَآءَتهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ}: أى جاءت بنى اسرائيل رسلنا بالدلائل الظاهرة الدالة على صدق الرسل. {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنهُم بَعدَ ذّلِكَ}: المذكور عن ارسال الرسل بالبينات، والتشديد عليهم فى أمر القتل. {فِى الأَرضِ لَمُسرِفُونَ}: بالقتل وغيره من الفواحش، والاسراف التباعد عن حد الاعتدال فهم لا يبالون بالاسراف فى المعاصى فى كل عصر، وقيل: المراد بالاسراف الاشراك، وبعد متعلق بمسرفون بعده، وكذا فى الأرض فهو من تقديم معمول الخبر على لام التأكيد المتصلة به، وهو فى المعنى أقرب من أن يجعل بعد متعلقاً بمحذوف نعت لكثير أو حال من الضمير المستتر فى منهم، فان منهم متعلق بمحذوف نعت لكثير، وفى الأرض متعلق بمحذوف نعت آخر أو حال من المستتر فى بعد أو متعلق بما تعلق به بعد.
الالوسي
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} أي ما ذكر في تضاعيف القصة، و {مِنْ} ابتدائية متعلقة بقوله تعالى: {كَتَبْنَا} أي قضينا، وقيل: بالنادمين وهو ظاهر ما روي عن نافع، و {كَتَبْنَا} استئناف، واستبعده أبو البقاء وغيره. و ـ الأجل بفتح الهمزة وقد تكسر، وقرىء به ـ لكن بنقل الكسرة إلى النون كما قرىء بنقل الفتحة إليها في الأصل ـ الجناية يقال: أجل عليهم شراً إذا جنى عليهم جناية، وفي معناه جرّ عليهم جريرة، ثم استعمل في تعليل الجنايات، ثم اتسع فيه فاستعمل لكل سبب أي من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشأ لا من غيره. {عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ} وتخصيصهم بالذكر لما أن الحسد كان منشأ لذلك الفساد وهو غالب عليهم. وقيل: إنما ذكروا دون الناس لأن التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل، ومع ذلك كانوا أشد طغياناً فيه وتمادياً حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه قيل: بسبب هذه العظيمة كتبنا في التوراة تعظيم القتل، وشددنا عليهم وهم بعد ذلك لا يبالون. ومن هنا تعلم أن هذه الآية لا تصلح ـ كما قال الحسن والجبائي وأبو مسلم ـ على أن ابني آدم عليه السلام كانا من بني إسرائيل، على أن بعثة الغراب الظاهر في التعليم المستغني عنه في وقتهم لعدم جهلهم فيه بالدفن ـ تأبى ذلك {أَنَّهُ} أي الشأن {مَن قَتَلَ نَفْساً} واحدة من النفوس الإنسانية {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص، والباء للمقابلة متعلقة بقتل، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً أي متعدياً ظالماً {أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ} أي فساد فيها يوجب هدر الدم كالشرك مثلاً، وهو عطف على ما أضيف إليه / ـ غير ـ والنفي هنا وارد على الترديد لأن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراط حرمته بانتفائهما معا فكأنه قيل: من قتل بغير أحدهما: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} لاشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والاستعصاء على الله تعالى والتجبر على القتل في استتباع القود واستجلاب غضب الله تعالى العظيم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أن هذا التشبيه عند المقتول كما أن التشبيه الآتي عند المستنقذ، والأول أولى وأنسب للغرض المسوق له التشبيه، وقرىء ـ أو فساداً ـ بالنصب بتقدير أو عمل فساداً ـ أو فسد فساداً {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد إما بنهي قاتلها عن قتلها. أو استنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، وقيل: المراد ومن أعان على استيفاء القصاص فكأنما الخ، و{مَا} في الموضعين كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها، و {جَمِيعاً} حال من {ٱلنَّاسِ} أو تأكيد، وفائدة التشبيه الترهيب والردع عن قتل نفس واحدة بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض على إحيائها بتصويره بصورة إحياء جميع الناس. {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيّنَـٰتِ} أي الآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيداً لوجوب مراعاته وتأييداً لتحتم المحافظة عليه. والجملة مستقلة غير معطوفة على {كَتَبْنَا} وأكدت بالقسم لكمال العناية بمضمونها، وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم الخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل على تناهيهم في العتو والمكابرة. {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ} المذكور من الكتب وتأكيد الأمر بالإرسال، ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علو درجته وبعد منزلته في عظم الشأن، و {ثُمَّ} للتراخي في الرتبة والاستبعاد {فِى ٱلأَرْضِ} متعلق بقوله تعالى: {لَمُسْرِفُونَ} وكذا بعد فيما قبل، ولا تمنع اللام المزحلقة من ذلك، والإسراف في كل أمر التباعد عن حدّ الاعتدال مع عدم مبالاة به، والمراد مسرفون في القتل غير مبالين به ولما كان إسرافهم في أمر القتل مستلزماً لتفريطهم في شأن الإحياء وجوداً وعدماً وكان هو أقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى في ذكره في مقام التشنيع المسوق له الآي، وعن الكلبـي أن المراد مجاوزون حدّ الحق بالشرك، وقيل: إن المراد ما هو أعم من الإسراف بالقتل والشرك وغيرهما، وإنما قال سبحانه: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ} لأنه عز شأنه على ما في الخازن علم أن منهم من يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم قليل من كثير، وذكر الأرض مع أن الإسراف لا يكون إلا فيها للإيذان بأن إسراف ذلك الكثير ليس أمراً مخصوصاً بهم بل انتشر شره في الأرض وسرى إلى غيرهم، ولما بين سبحانه عظم شأن القتل بغير حق استأنف بيان حكم نوع من أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه، وأدرج فيه بيان ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبيح للقتل، فقال جل شأنه: {إِنَّمَا جَزَٰؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ...}.
ابن عاشور
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. يتعيّن أن يكون {من أجل ذلك} تعليلاً لــ{كتبنا}، وهو مبدأ الجملة، ويكون منتهى التي قبلها قوله: {أية : من النّادمين}تفسير : [المائدة: 31]. وليس قوله {من أجل ذلك} معلّقاً بــ«النّادمين» تعليلاً له للاستغناء عنه بمفاد الفاء في قوله {أية : فأصبح}تفسير : [المائدة: 31]. و{مِن} للابتداء، والأجْل الجَرّاء والتسبّب أصله مصدر أجَلَ يأجُل ويأجِل كنصر وضرب بمعنى جَنَى واكتسب. وقيل: هو خاصّ باكتساب الجريمة، فيكون مرادفاً لجَنَى وَجَرَم، ومنه الجناية والجريمة، غير أنّ العرب توسّعوا فأطلقوا الأجْل على المكتسب مطلقاً بعلاقة الإطلاق. والابتداء الذي استعملت له (مِن) هنا مجازي، شُبّه سبب الشيء بابتداء صدوره، وهو مثار قولهم: إنّ من معاني (مِنْ) التعليل، فإنّ كثرة دخولها على كلمة «أجل» أحدث فيها معنى التّعليل، وكثر حذف كلمة أجل بعدها محدث فيها معنى التّعليل، كما في قول الأعشى:شعر : فآليْت لا أرثي لها من كلالة ولا من حَفى حتّى ألاقي محمّداً تفسير : واستفيد التّعليل من مفاد الجملة. وكان التّعليل بكلمة مِن أجل أقوى منه بمجرّد اللام، ولذلك اختير هنا ليدلّ على أنّ هذه الواقعة كانت هي السّبب في تهويل أمر القتل وإظهار مثالبه. وفي ذكر اسم الإشارة وهو خصوص {ذلك} قصدُ استيعاب جميع المذكور. وقرأ الجمهور {منْ أجل ذلك} ـــ بسكون نون (مِن) وإظهار همزة (أجل) ـــ. وقراءة ورش عن نافع ـــ بفتح النّون وحذف همزة أجل ـــ على طريقته. وقرأ أبو جعفر {مِننِ اجْل ذلك} ـــ بكسر نون (من) وحذففِ همزة أجل بعد نقل حركتها إلى النّون فصارت غير منطوق بها. ومعنى {كتبنا} شرعنا كقوله {أية : كُتب عليكم الصّيام}تفسير : [البقرة: 183]. ومفعول {كتبنا} مضمون جملة {أنّه مَن قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً}. وَ(أنَّ) من قوله {أنَّه} بفتح الهمزة أخت (إنّ) المكسورة الهمزة وهي تفيد المصدريّة، وضمير «أنّه» ضمير الشأن، أي كتبنا عليهم شأناً مهمّاً هو مماثلةُ قتل نفس واحدة بغير حقّ لقتل القاتل النّاسَ أجمعين. ووجه تحصيل هذا المعنى من هذا التّركيب يتّضح ببيان موقع حرف (أنّ) المفتوح الهمزة المشدّد النّون، فهذا الحرف لا يقع في الكلام إلاّ معمولاً لعامل قبله يقتضيه، فتعيّن أنّ الجملة بعد (أنّ) بمنزلة المفرد المعمول للعامل، فلزم أنّ الجملة بعد (أنّ) مؤوّلة بمصدر يسبك، أي يؤخذ من خبر (أنّ). وقد اتّفق علماء العربيّة على كون (أنّ) المفتوحة الهمزة المشدّدة النّون أختاً لحرف (إنّ) المكسورة الهمزة، وأنّها تفيد التّأكيد مثل أختها. واتّفقوا على كون (أنْ) المفتوحة الهمزة من الموصولات الحَرْفيّة الخمسة الّتي يسبك مدخولها بمصدر. وبهذا تزيد (أنّ) المفتوحة على (إنّ) المكسورة. وخبر (أنّ) في هذه الآية جملة {من قَتل نفساً بغير نفس} الخ. وهي مع ذلك مفسّرة لضمير الشأن. ومفعول {كتبنا} مأخوذ من جملة الشّرط وجوابه، وتقديرُه: كتبنا مُشابهةَ قتِل نفس بغير نفس الخ بقتل النّاس أجمعين في عظيم الجرم. وعلى هذا الوجه جرى كلام المفسّرين والنحويين. ووقع في «لسان العرب» عن الفرّاء ما حاصله: إذا جاءت (أنّ) بعد القول وما تصرّف منه وكانت تفسيراً للقول ولم تكن حكاية له نصبتَها (أي فتحت همزتها)، مثل قولك: قد قلتُ لك كلاماً حَسناً أنّ أباك شريف، تفتَح (أنّ) لأنّها فسَّرت «كلاماً»، وهو منصوب، (أي مفعول لفعل قُلت) فمفسِّره منصوب أيضاً على المفعوليّة لأنّ البيان له إعراب المبيَّن. فالفراء يثبت لِحرف (أنّ) معنى التفسير عِلاوة على ما يثبته له جميع النحويين من معنى المصدريّة، فصار حرف (أنّ) بالجمع بين القولين دَالاّ على معنى التّأكيد باطّراد ودالاّ معه على معنى المصدريّة تارة وعلى معنى التّفسير تارة أخرى بحسب اختلاف المقام. ولعلّ الفرّاء ينحُو إلى أنّ حرف (أنّ) المفتوحة الهمزة مركّب من حرفين هما حرف (إنّ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون، وحرف (أنْ) المفتوحة الهمزة الساكنة النّون الّتي تكون تارة مصدريّة وتارة تفسيرية؛ ففتْحُ همزته لاعتبار تركيبه من (أنْ) المفتوحة الهمزة السّاكنة النّون مصدريّة أو تفسيرية، وتشديد نونه لاعتبار تركيبه من (إنّ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون، وأصله و(أنْ إنّ) فلمّا رُكِّبَا تداخلت حروفهما، كما قال بعض النّحويين: إن أصل (لن) (لا أنْ). وهذا بيان أنّ قتل النّفس بغير حقّ جُرم فظيع، كفظاعة قتل النّاس كلّهم. والمقصود التّوطئة لمشروعيّة القصاص المصرّح به في الآية الآتية {أية : وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس}تفسير : [المائدة: 45] الآية. والمقصود من الإخبار بما كتب على بني إسرائيل بيان للمسلمين أنّ حكم القصاص شرع سالف ومراد لله قديم، لأنّ لمعرفة تاريخ الشرائع تبصرة للمتفقّهين وتطميناً لنفوس المخاطبين وإزالة لما عسى أن يعترض من الشبه في أحكام خفيتْ مصالحُها، كمشروعية القصاص، فإنّه قد يبدو للأنظار القاصرة أنّه مداواة بمثل الدّاء المتداوَى منه حتّى دعا ذلك الاشتباهُ بعضَ الأمم إلى إبطال حكم القصاص بعلّة أنّهم لا يعاقبون المذنب بذَنْب آخر، وهي غفلة دقّ مسلكها عن انحصار الارتداع عن القتل في تحقّق المُجازاة بالقتل؛ لأنّ النفوس جُبلت على حبّ البقاء وعلى حبّ إرضاء القُوّة الغضبيّة، فإذا علم عند الغضب أنّه إذا قتل فجزاؤه القتل ارتدع، وإذا طمِع في أن يكون الجزاء دون القتل أقدم على إرضاء قوّته الغضبيّة، ثُمّ علّل نفسه بأنّ ما دون القصاص يمكن الصّبر عليه والتفادي منه. وقد كثر ذلك عند العرب وشاع في أقوالهم وأعمالهم، قال قائلهم، وهو قيس بن زهير العبسي:شعر : شَفيت النفسَ من حَمل بن بدر وسيفي من حُذيفة قد شَفَانِي تفسير : ولذلك قال الله تعالى: {أية : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب}تفسير : [البقرة: 179]. ومعنى التشبيه في قوله: {فكأنّما قتل النّاس جميعاً} حثّ جميع الأمّة على تعقّب قاتل النّفس وأخذه أينما ثقف والامتناع من إيوائِه أو الستر عليه، كلّ مخاطب على حسب مقدرته وبقدر بسطة يده في الأرض، من ولاة الأمور إلى عامّة النّاس. فالمقصود من ذلك التشبيه تهويل القتل وليس المقصود أنّه قد قتل النّاس جميعاً، ألا ترى أنّه قابل للعفو من خصوص أولياء الدم دون بقية النّاس. على أنّ فيه معنى نفسانياً جليلاً، وهو أنّ الداعي الّذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني النّاشىء عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النّفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم، فالّذي كان من حيلته ترجيحُ ذلك الدّاعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشّريفة فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دَوْماً إلى هضم الحقوق، فكلّما سنحت له الفرصة قَتل، ولو دعته أن يقتل النّاس جميعاً لفعل. ولك أن تجعل المقصد من التشبيه توجيه حكم القصاص وحقّيّته، وأنّه منظور فيه لحقّ المقتول بحيث لو تمكّن لما رضي إلاّ بجزاء قاتله بمثل جرمه؛ فلا يتعجّب أحد من حكم القصاص قائلاً: كيف نصلح العالم بمثل ما فسد به، وكيف نداوي الداء بداء آخر، فبُيّن لهم أنّ قاتل النّفس عند وليّ المقتول كأنّما قتل النّاس جميعاً. وقد ذُكرتْ وجوه في بيان معنى التشبيه لا يقبلها النّظر. ومعنى {ومن أحياها} من استنقذها من الموت، لظهور أنّ الإحياء بعد الموت ليس من مقدور النّاس، أي ومن اهتمّ باستنقاذها والذبّ عنها فكأنّما أحيى الناس جميعاً بذلك التّوجيه الّذي بيّنّاه آنفاً، أو من غلَّب وازع الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكفّ عن القتل عند الغضب. {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِى ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}. تذييل لحكم شرع القصاص على بني إسرائيل، وهو خبر مستعمل كناية عن إعراضهم عن الشريعة، وأنّهم مع ما شدّد عليهم في شأن القتل ولم يزالوا يقتلون، كما أشعر به قوله {بعد ذلك}، أي بعد أن جاءتهم رسلنا بالبيّنات.ٍ وحذف متعلِّق «مسرفون» لقصد التّعميم. والمراد مسرفون في المفاسد الّتي منها قتل الأنفس بقرينة قوله: {في الأرض}، فقد كثر في استعمال القرآن ذكر {أية : في الأرض}تفسير : [البقرة: 60] مع ذكر الإفساد. وجملة {ثمّ إنّ كثيراً منهم} عطف على جملة {ولقد جاءتهم رسلنا بالبيّنات}. و(ثُمّ) للتراخي في الرتبة، لأنّ مجيء الرّسل بالبيّنات شأن عجيب، والإسراف في الأرض بعد تلك البيّنات أعجب. وذِكر {في الأرض} لتصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظيعه، كما في قوله تعالى: {أية : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}تفسير : [الأعراف: 56]. وتقديم {في الأرض} للاهتمام وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهميّة شأنَها. وقرأ الجمهور {رسُلنا} ـــ بضمّ السّين ـــ. وقرأه أبو عمرو ويعقوب ـــ بإسْكان السّين ـــ.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتَب على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ولم يتعرض هنا لحكم من قتل نفساً بنفس، أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز، في قوله: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] الآية، وفي قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178]، وقوله: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} تفسير : [الإسراء: 33] الآية. واعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بيَّنته السنة، وحاصل تحرير المقام فيها أن الذكر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر المسلم إجماعاً، وأن المرأة كذلك تقتل بالمرأة كذلك إجماعاً، وأن العبد يقتل كذلك بالعبد إجماعاً، وإنما لم نعتبر قول عطاء باشتراط تساوي قيمة العبدين، وهو رواية عن أحمد، ولا قول ابن عباس: ليس بين العبيد قصاص، لأنهم أموال. لأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} تفسير : [البقرة: 178] الآية، وأن المرأة تقتل بالرجل، لأنها إذا قتلت بالمرأة، فقتلها بالرجل أولى، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما. وروي عن جماعة منهم علي، والحسن، وعثمان البتي، وأحمد في رواية عنه أنه لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها. فإن لم يلتزموه أخذوا ديتها. وروي عن علي والحسن أنها إن قَتلت رجلاً قتلت به، وأخذ أولياؤه أيضاً زيادة ديته على ديتها، أو أخذوا دية المقتول واستحيوها. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا الكلام عن علي رضي الله عنه، والحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهم أيضاً: روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح لأن الشعبي لم يلق علياً. وقد روى الحكم عن علي، وعبد الله أنهما قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي. وقال ابن حجر في (فتح الباري) في باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود بعد أن ذكر القول المذكور عن علي والحسن: ولا يثبت عن علي، ولكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة ويدل على بطلان هذا القول أنه ذكر فيه أن أولياء الرجل إذا قتلته امرأة يجمع لهم بين القصاص نصف الدية، وهذا قول يدل الكتاب والسنة على بطلانه، وأنه إما القصاص فقط، وإما الدية فقط، لأنه تعالى قال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178] ثم قال: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة: 178] الآية، فرتب الاتباع بالدية على العفو دون القصاص. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قُتِل لَه قَتِيل فهُو بخَير النظريين" تفسير : الحديث، وهو صريح في عدم الجمع بينهما، كما هو واضح عند عامة العلماء. وحكي عن أحمد في رواية عنه، وعثمان البتي، وعطاء أن الرجل لا يقتل بالمرأة، بل تجب الدية، قاله ابن كثير، وروي عن الليث والزهري أنها إن كانت زوجته لم يقتل بها، وإن كانت غير زوجته قتل بها. والتحقيق قتله بها مطلقاً. كما سترى أدلته، فمن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة إجماع العلماء على أن الصحيح السليم الأعضاء إذا قتل اعور أو أشل، أو نحو ذلك عمداً وجب عليه القصاص، ولا يجب لأوليائه شيء في مقابلة ما زاد به من الأعضاء السليمة على المقتول. ومن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة ما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم رض راس يهودي بالحجارة قصاصاً بجارية فعل بها كذلك"،تفسير : وهذا الحديث استدل به العلماء على قتل الذكر بالأنثى، وعلى وجوب القصاص في القتل بغير المحدد، والسلاح. وقال البيهقي في (السنن الكبرى)، في باب (قتل الرجل بالمرأة): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكرياء يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، ثنا الحكم بن موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وكان فيه، وإن الرجل يقتل بالمرأة ". تفسير : وروي هذا الحديث موصولاً أيضاً النسائي، وابن حبان والحاكم، وفي تفسير ابن كثير ما نصه: وفي الحديث الذي رواه النسائي، وغيره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم أن الرجل يقتل بالمراة، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لعمرو بن حزم الذي فيه أن الرجل يقتل بالمرأة، رواه مالك، والشافعي، ورواه أيضاً الدارقطني، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، والدارمي وكلام علماء الحديث في كتاب عمرو بن حزم هذا مشهور بين مصحح له، ومضعف وممن صححه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وعن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحاً. وصححه أيضاً من حيث الشهرة لا من حيث الإسناد، جماعة منهم الشافعي فإنه قال: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن الإسناد. لأنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك بسنده إليهما وضعف كتاب ابن حزم هذا جماعة، وانتصر لتضعيفه أبو محمد بن حزم في محلاه. والتحقيق صحة الاحتجاج به، لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتبه ليبين به أحكام الديات، والزكوات وغيرها، ونسخته معروفة في كتب الفقه. والحديث: ولا سيما عند من يحتج بالمرسل كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات. ومن أدلة قتله بها عموم حديث "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم" تفسير : الحديث، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله، ومن أوضح الأدلة في قتل الرجل بالمراة قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحلُّ دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" تفسير : الحديث، أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فعموم هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل بالمراة، لأنه نفس بنفس، ولا يخرج عن هذا العموم، إلا ما أخرجه دليل صالح لتخصيص النَّص به. نعم يتوجه على هذا الاستدلال سؤالان: الأول: ما وجه الاستدلال بقوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}تفسير : [المائدة: 45] الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}تفسير : [المائدة: 48]. السؤال الثاني: لم لا يخصص عموم قتل النفس بالنفس في الآية والحديث المذكورين بقوله تعالى: {أية : الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} تفسير : [البقرة: 178]، لأن هذه الآية أخص من تلك، لأنها فصَّلت ما أجمل في الأُولى، ولأن هذه الأمة مخاطبة بها صريحاً في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} تفسير : [البقرة: 178] الآية. الجواب عن السؤال الأول: أن التحقيق الذي عليه الجمهور، ودلت عليه نصوص الشرع، أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، مما كان شرعاً لمن قبلنا أنه يكون شرعاً لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سُنُة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، لا من حيث إنه كان شرعاً لمن قبلنا، لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر بِه، ونعمل بما تضمن. والنصوص الدالة على هذا كثيرة جداً، ولأجل هذا امر الله في القرآن العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم، ووبَّخ من لم يعقل ذلك، كما في قوله تعالى في قوم لوط: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. ففي قوله: {أفلا تعقلون} توبيخ لمن مرَّ بديارِهم، ولم يعتبر بما وقع لهم، ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله، وكقوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [محمد: 10]، ثم هدد الكفار بمثل ذلك، فقال: {أية : وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} تفسير : [محمد: 10]. وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها، أو ديارهم التي أهلكوا فيها: {أية : وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}تفسير : [هود: 83]، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن. وقال تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [يوسف: 111] فصرح بأنه يقص قصصهم في القرآن للعبرة، وهو دليل واضح لما ذكرنا، ولما ذكر الله تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]، وأمره صلى الله عليه وسلم أمر لنا، لأنه قدوتنا، ولأن الله تعالى يقول: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] الآية، ويقول: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِ} تفسير : [آل عمران: 31] الآية، ويقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7] الآية. ويقول: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80]، ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله، إلا ما قام فيه دليل على الخصوص به صلى الله عليه وسلم، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعاً لنا، إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي رحمه الله في أصح الروايات عنه، فقال: إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعاً لنا إلا بنص من شرعنا على أنه مشروع لنا، وخالف أيضاً في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48] وللثاني: بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعاً، فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل منفصل، وحمل الهدى في قوله: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]، والدين في قوله: {أية : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} تفسير : [الشورى: 13] الآية على خصوص الأصول التي هي التوحيد دون الفروع العملية، لأنه تعالى قال في العقائد: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]، وقال: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوت} تفسير : [النحل: 36]، وقال: {أية : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45]. وقال في الفروع العملية: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول، واختلافهم في الفروع، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد"تفسير : ، أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما حمل الهدى في آية {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] والدِّين في آية {أية : شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ} تفسير : [الشورى: 13] على خصوص التوحيد دون الفروع العملية، فهو غير مسلم، أما الأول فلما أخرجه البخاري في صحيحه، في تفسير سورة ص، عن مجاهد "أنه سال ابن عبَّاس: مِن أين أخذت السجدة في ص فقال: أو ما تقرأ: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ}تفسير : [الأنعام: 84] {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا نص صحيح صريح عن ابن عباس، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}، ومعلوم أن سجود التلاوة فرع من الفروع لا أصل من الأصول. وأما الثاني: فلأن النَّبي صلى الله عليه وسلم صرح في حديث جبريل الصحيح المشهور أن اسم "الدين" يتناول الإسلام، والإيمان، والإحسان، حيث قال: "حديث : هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران:19] وقال: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً}تفسير : [آل عمران: 85]، الآية. وصرح صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور بأن الإسلام يشمل الأمور العملية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وفي حديث ابن عمر المتفق عليه، "بني الإسلام على خمس" الحديث، ولم يقل أحد إن الإسلام هو خصوص العقائد، دون الأمور العملية، فدل على أن الدين لا يختص بذلك في قوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} تفسير : [الشورى: 13] الآية، وهو ظاهر جداً، لأن خير ما يفسر به القرآن هو كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الخطاب الخاص بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في نحو قوله: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]، فقد دلت النصوص على شمول حكمه للأمة، كما في قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21]، الآية إلى غيرها مما تقدم من الآيات، وقد علمنا ذلك من استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائماً بالصيغة الخاصة به صلى الله عليه وسلم، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: {أية : إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1] الآية، فدل على دخول الكل حكماً تحت قوله: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، وقال في سورة التحريم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} تفسير : [التحريم: 1]، ثم قال: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2]، فدل على عموم حكم الخطاب بقوله: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، ونظير ذلك أيضاً في سورة الأحزاب في قوله تعالى: {أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 1]، ثم قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 2]، فقوله {بما تعملون} يدل على عموم الخطاب بقوله: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، وكقوله {أية : وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} تفسير : [يونس: 61]، ثم قال: {أية : وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} تفسير : [يونس: 61]، الآية. ومن أصرح الأدلة في ذلك آية الروم، وآية الأحزاب، أما آية الروم فقوله تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} تفسير : [الروم: 30]، ثم قال: {أية : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} تفسير : [الروم: 31]، وهو حال من ضمير الفاعل المستتر، المخاطب به النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فاقم وجهك}، الآية. وتقرير المعنى: فأقم وجهك يا نبي الله، في حال كونكم منيبين، فلو لم تدخل الأمة حكماً في الخطاب الخاصِّ به صلى الله عليه وسلم لقال: منيباً إليه، بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية أعني التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفراداً وجمعاً وثنية، وتأنيثاً وتذكيراً، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات، وأما آية الأحزاب، فقوله تعالى في قصة زَينب بنت جَحْش الأسدية رضي الله عنها: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37]، فإن هذا الخطاب خاصّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم. وقد صرح تعالى بشمول حكمته لجميع المؤمنين في قوله: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} تفسير : [الأحزاب: 37]، الآية، وأشار إلى هذا ايضاً في الأحزاب بقوله: {أية : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأحزاب: 50]، لأن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}تفسير : [الأحزاب: 50]، الآية، لو كان حكمه خاصاً به صلى الله عليه وسلم لأغنى ذلك عن قوله: {أية : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ قَدْ} تفسير : [الأحزاب: 50] كما هو ظاهر. وقد ردت عائشة رضي الله عنها على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقاً مع أن الخطاب في ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ} تفسير : [الأحزاب: 28]، الآيتين. وأخذ مالك رحمه الله بينونة الزوجة بالردة من قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]، وهو خطاب خاص به صلى الله عليه وسلم. وحاصل تحرير المقام في مسألة "شرع من قبلنا" أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعاً لنا إجماعاً، وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، ثم بين لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثَبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، في قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَ} تفسير : [البقرة: 178]، وطرف يكون فيه غير شرعٍ لنا إجماعاً وهو أمران: أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلاً أنه كان شرعاً لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا صلى الله عليه وسلم عن تصديقه لا يكون مشروعاً لنا إجماعاً. والثاني: ما ثبتَ في شرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا كالآصار، والأغلال التي كانت على من قبلنا، لأنَّ الله وضعها هنا، كما قال تعالى: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم} تفسير : [الأعراف: 157] وقد ثبت في صحيح مسلم: "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} تفسير : [البقرة: 286] أن الله قال: نعم قد فعلت". ومن تلك الآصار التي وضعها الله عنا، على لسان نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ما وقع لعبدة العجل، حيث لم تقبل توبتهم إلا بتقديم أنفسهم للقتل، كما قال تعالى: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 54]. والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، ولمن يبيِّن لنا في شرعنا أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع لنا، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعاً لنا، وهو مذهب الجمهور، وقد رأيت أدلتهم عليه، وبه تعلم أن آية: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45]، الآية، يلزمنا الأخذ بما تَضَمَّنته مِنَ الأحكام. مع أن القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}تفسير : [البقرة: 187]، وقوله: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناًً} تفسير : [الإسراء: 33]، وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس"تفسير : ، الحديث. وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه، حيث قال: باب قول الله تعالى: {أن النفس بالنفس}، إلى قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [المائدة: 45]، ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم، وقال ابن حجر: والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب، فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام فهو أصل في القصاص في قتل العمد، ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كتاب الله القصاص" تفسير : أخرجه الشيخان من حديث أنس، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى: {أية : وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} تفسير : [المائدة: 45] في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما أوضحنا دليله. فمن ذلك قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البيِّنة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صِدقه، وكذب المرأة، في قوله تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 26-27] الآية، فذكره تعالى لهذا مقرراً له يدل على جواز العمل به، ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من استنكه فشم في فيه ريح الخمر، لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها. وأجاز العلماء للرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها فتزفها إليه ولائد، لا يثبت بقولهن أمر - أن يجامعها من غير بينة على عينها أنها فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد اعتماداً على القرينة، وتنزيلاً لها منزلة البينة. وكذلك الضَّيف ينزل بساحة قوم فيأتيه الصبي، أو الوليدة بطعام فيباح له أكله من غير بينة تشهد على إذن أهل الطعام له في الأكل، اعتماداً على القرينة. وأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف، ولا يشقُّ قميصه؟ كما بينه تعالى بقوله: {أية : وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18]، وأخذ المالكية ضمان الغرم من قوله تعالى في قصة يوسف وأخوته: {أية : وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} تفسير : [يوسف: 72]، وأخذ بعض الشافعية ضمان لوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى في قِصَّة يعقوب وبنيه {أية : لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُم} تفسير : [يوسف: 66]. وأخذ المالكية تلوم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء الآجال من قوله تعالى في قصة صالح: {أية : فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} تفسير : [هود: 65]. وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم بـ "أبقيت لك حجة؟"، ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} تفسير : [النمل: 21]، وأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصة موسى، وصهره شعيب أو غيره: {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْك} تفسير : [القصص: 27] الآية، وأمثال هذا كثيرة جداً، وقوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا} تفسير : [المائدة: 48]، لا يخالف ما ذكرنا، لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك. وبهذا الاعتبار يكون لكل شِرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا، وهذا ظاهر، فبهذا يتضح لك الجواب عن السؤال الأول، وتعلم أن ما تضمنته آية {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْس} تفسير : [المائدة: 45]، الآية مشروع لهذه الأمة، وأن الرجل يقتل بالمرأة كالعكس على التحقيق الذي لا شك فيه، وكأن القائل بعدم القصاص بينهما يتشبث بمفهوم قوله: {أية : وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} تفسير : [البقرة: 178]، وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء الله قريباً. والجواب عن السؤال الثاني - الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى: {أية : ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} تفسير : [البقرة: 178]؟ - هو ما تقرر في الأُصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان محتملاً لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق بمنعه ذلك من الاعتبار. قال صاحب (جمع الجوامع) في الكلام على مفهوم المخالفة: وشرطه ألا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، إلى أن قال: أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر، فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى: {أية : ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنثَىٰ}تفسير : [البقرة: 178] يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، ولا لعكسه بالمنطوق. ومفهوم مخالفته هنا غير معتبر. لأن سبب نزول الآية، أن قبيلتين من العرب اقتتلتا، فقالت إحداهما: نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، وبأَمتنا فلانة بنت فلان تطاولا منهم عليهم، وزعماً أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك، وأن أُنثاهم أيضاً بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولاً عليهم، وإظهاراً لشرفهم عليهم، ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة. وروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير، نقله عنه ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في أسباب النزول، وذكر ابن كثير أنها نزلت في قريظة والنضير، لأنهم كان بينهم قتال، وبنو النضير يتطاولون على بني قُرَيظة. فالجميع متفق على أن سبب نزولها أن قوماً يتطاولون على قوم، ويقولون: إن العبد منا لا يساويه العبد منكم، وإنما يساويه الحر منكم، والمرأة منا لا تساويها المرأة منكم، وإنما يساويها الرجل منكم، فنزل القرآن مبيناً أنهم سواء، وليس المتطاول منهم على صاحبه بأشرف منه، ولهذا لم يعتبر مفهوم المخالفة هنا. وأما قتل الحر بالعبد، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على أنه لا يقتل حر بعبد، منهم مالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد. وممن قال بهذا ابو بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير - رضي الله عنهم - وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بالعبد: وهو مروي عن سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، واحتج هؤلاء على قتل الحر بالعبد، بقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" الحديث. أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم وصححه. فعموم المؤمنين يدخل فيه العبيد، وكذلك عموم النفس في قوله تعالى: {أية : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45]، الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والنفس بالنفس" تفسير : في الحديث المتقدم، واستدلوا أيضاً بما رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه"تفسير : ، رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن غريب، وفي رواية لأبي داود، والنسائي: "ومن خصي عبده خصيناه"، هذه هي أدلة من قال بقتل الحر بالعبد. وأُجيب عنها من جهة الجمهور بما ستراه الآن إن شاء الله تعالى، أما دخول قتل الحر بالعبد في عموم المؤمنين في حديث "حديث : المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ". تفسير : وعموم النفس بالنفس في الآية. والحديث المذكورين، فاعلم أولاً أن دخول العبيد في عمومات نصوص الكتاب والسنة اختلف فيه علماء الأصول على ثلاثة أقوال: الأول: وعليه أكثر العلماء: أن العبيد داخلون في عمومات النصوص، لأنهم من جملة المخاطبين بها. الثاني: وذهب إليه بعض العلماء من المالكية، والشافعية، وغيرهم أنهم لا يدخلون فيها إلا بدليل منفصل، واستدل لهذا القول بكثرة عدم دخولهم في خطاب الجهاد، والحج، وكقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن} تفسير : [البقرة: 228] الآية، فالإماء لا يدخلن فيه. الثالث: وذهب إليه الرازي من الحنفية أن النص العام إن كان من العبادات، فهم داخلون فيه، وإن كان من المعاملات لم يدخلوا فيه، وأشار في (مراقي السعود) إلى أن دخولهم في الخطاب العام هو الصحيح الذي يقتضيه الدليل بقوله: شعر : والعبد والموجود والذي كفر مشمولة له لدى ذوي النظر تفسير : وينبني على الخلاف في دخولهم في عمومات النصوص، وجوب صلاة الجمعة على المملوكين، فعلى أنهم داخلون في العموم فهي واجبة عليهم، وعلى أنهم لا يدخلون فيه إلا بدليل منفصل، فهي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد بالعقوبة ببدنه ينبني أيضاً على الخلاف المذكور، قاله صاحب (نشر البنود شرح مراقي السعود) في شرح البيت المذكور آنفاً، فإذا علمت هذا، فاعلم أنه على القول بعدم دخول العبيد في عموم نصوص الكتاب والسنة، فلا إشكال. وعلى القول بدخولهم فيه، فالجواب عن عدم إدخالهم في عموم النصوص التي ذكرناها يعلم من أدلة الجمهور الآتية إن شاء الله على عدم قتل الحر بالعبد، وأما حديث سمرة فيجاب عنه من أوجه: الأول: أن أكثر العلماء بالحديث تركوا رواية الحسن عن سمرة، لأنه لم يسمع منه، وقال قوم: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وأثبت علي بن المديني، والبخاري سماعه عنه. قال البيهقي في (السنن الكبرى) في كتاب "الجنايات" ما نصه: وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة، وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة. وقال أيضاً في باب "النهي عن بيع الحيوان بالحيوان": إن أكثر الحفاظ لا يثبتون سَماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة. الثاني: أن الحسن كان يفتي بأن الحر لا يقتل بالعبد، ومخالفته لما روى تدل على ضعفه عنده، قال البيهقي أيضاً ما نصه: قال قتادة: ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، قال: لا يقتل حر بعبد، قال الشيخ: يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه. الثالث: ما ذكره صاحب (منتقى الأخبار) من أن أكثر العلماء قال بعدم قتل الحر بالعبد، وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده، لئلا يتوهم تقدم الملك مانعاً من القصاص. الرابع: أنه معارض بالأدلة التي تمسك بها الجمهور في عدم قتل الحر بالعبد، وستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة، وهي تدل على النهي عن قتل الحر بالعبد، والنهي مقدم على الأمر، كما تقرر في الأصول. الخامس: ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله تعالى: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} تفسير : [الإسراء: 33]، وولي العبد سيده، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْد} تفسير : [البقرة: 178] الآية ما نصّه. قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه. ورووا في ذلك حديثاً عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قتل عبده قتلناه" تفسير : وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} تفسير : [الإسراء: 33]، والولي ها هنا: السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه، وقد اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال اهـ. وتعقب القرطبي تضعيف ابن العربي لحديث الحسن هذا عن سمرة، بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية الحسن عن سمرة فيما تقدم. ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له. السادس: أن الحديث خارج مخرج التحذير، والمبالغة في الزجر. السابع: ما قيل من أنه منسوخ. قال الشوكاني: ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. الثامن: مفهوم قوله تعالى: {أية : وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} تفسير : [البقرة: 178]، ولكنا قد قدمنا عدم اعتبار هذا المفهوم، كما يدل عليه سبب النزول. واحتج القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور بأدلة منها ما رواه الدارقطني، بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلاً قتل عبده متعمداً، فجلده النَّبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة" ورواية إسماعيل بن عياش، عن الشاميين: قوية صحيحة. ومعلوم أن الأوزاعي شامي دمشقي، قال في (نيل الأوطار): ولكن دونه في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. وأسند البيهقي هذا الحديث، فقال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن الحسين الصابوني الأنطاكي، قاضي الثغور، ثنا محمد بن الحكم الرملي، ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، ثنا إسماعيل بن عيَّاش عن الأوزاعي إلى آخر السند المتقدم بلفظ المتن، ومُحمَّد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري، وقال فيه ابن حجر في (التقريب): صدوق يهم، فتضعيف هذا الحديث به لا يخلو من نظر. والظاهر أن تضعيف البيهقي له من جهة إسماعيل بن عياش، وقد عرفتَ أن الحق كونه قوياً في الشاميين، دون الحجازيين، كما صرَّح به أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري، ولحديث عمرو بن شعيب هذا شاهد من حديث علي عند البيهقي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قتل عبده متعمداً فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به. ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي، وغيره عن عمر بن الخطاب، "أنه جاءته جارية اتهمها سيِّدها فأقعدها في النَّار فاحترق فرجها، فقال رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده"تفسير : ، لأَقدناها منك فبرزه، وضربه مائة سوط، وقال للجارية: اذهبي فأنتِ حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله". قال أبو صالح، وقال الليث: وهذا القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي. ذكر البيهقي عن أبي أحمد أنه سمع ابن حماد يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال فيه الشوكاني: هو منكر الحديث، كما قال البخاريّ: ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد، ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن ابن عبّاس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقتل حرٌّ بعبدٍ" تفسير : قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: وفي هذا الإسناد ضعف، وإسناده المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جداً. وقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث: فيه جويبر وغيره من المتروكين، ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره من طريق جابر بن زيد الجعفيّ، عن علي رضي الله عنه أنه قال: "من السُّنة ألاَّ يقتل حرٌّ بعبد" تفرد بهذا الحديث جابر المذكور، وقد ضعّفه الأكثر، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ضعيف رافضيّ. وقال فيه النسائي: متروك، ووثقه قوم منهم الثوري، وذكر البيهقي في السنن الكبرى في باب "النهي عن الإمامة جالساً" عن الدارقطني: أنه متروك. ومن أدلتهم أيضاً ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كان لِزنباع عبد يسمَّى سندرا، أو ابن سندره، فوجده يقبل جارية له فأخذه فجبه، وجدع أذنيه وأنفه، فأتى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال "من مثَّل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله" فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقده منه، فقال: يا رسول الله أوص بي، فقال: "حديث : أوصي بك كل مسلم ". تفسير : قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: المثنى بن الصباح ضعيف لا يحتج به، وقد روي عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو مختصراً، ولا يحتج به، وقد قدمنا في آية التيمم تضعيف حجاج بن أرطاة. وروي عن سوار بن أبي حمزة، وليس بالقويّ، والله أعلم، هكذا قال البيهقي. قال مقيده عفا الله عنه: سوار بن أبي حمزة من رجال مسلم، وقال فيه ابن حجر في (التقريب): صدوق له أوهام، ومن أدلتهم أيضاً ما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: حديث : جاء رجل مستصرخ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: حادثة لي يا رسول الله، فقال: "ويحك ما لك"؟ فقال: شر، أبصر لسيِّده جارية فغار فجب مذاكيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علي بالرجل"، فطلب فلم يقدر عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب فأنت حر"، فقال: يا رسول الله على مَن نصرتي؟ قال: "على كلِّ مؤمن"، أو قال: "على كلِّ مسلم"تفسير : ، ومن أدلتهم، ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي جعفر عن بكير أنه قال: مضت السنة بألا يقتل الحر المسلم بالعبد، وإن قتله عمداً، وعليه العقل. ومن أدلتهم أيضاً ما أخرجه البيهقي أيضاً عن الحسن، وعطاء، والزهري وغيرهم من قولهم: "إنه لا يقْتل حر بعبد" وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه "أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد" وهذه الروايات الكثيرة، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضاً، ويقويه حتى يصلح المجموع للاحتجاج. قال الشوكاني في (نيل الأوطار) ما نصُّه: وثانياً بالأحاديث القاضية، بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج. قال مقيده عفا الله عنه: وتعتضد هذه الأدلة على ألا يقتل حر بعبد بإطباقهم على عدم القصاص للعبد من الحر فيما دون النفس، فإذا لم يقتص له منه في الأطراف، فعدم القصاص في النفس من باب أولى ولم يخالف في أنه لا قصاص للعبد من الحر فيما دون النفس إلا داود، وابن أبي ليلى، وتعتضد أيضاً بإطباق الحجة من العلماء على أنه إن قتل خطأ ففيه القيمة، لا الدية. وقيده جماعة بما إذا لم تزد قيمته عن دية الحر، وتعتضد أيضاً بأن شبه العبد بالمال أقوى من شبهه بالحر، من حيث إنه يجزي فيه ما يجري من المال من بيع وشراء، وإرث وهدية، وصدقة إلى غير ذلك من أنواع التصرف، وبأنه لو قذفه حر ما وجب عليه الحد عند عامة العلماء، إلا ما روي عن ابن عمر والحسن، وأهل الظاهر من وجوبه في قذف أم الولد خاصة. ويدل على عدم حد الحر بقذفه العبد ما رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من قذف مملوكه - وهو بريء مما يقول - جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال"تفسير : ، وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر. هذا ملخص كلام العلماء في حكم قتل الحر بالعبد. وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه، منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي، وعثمان وغيرهم. وذهب أبو حنيفة، و النخعي، والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في الآية والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن ابي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بمعاهد"،تفسير : وهو مرسل من رواية ضعيف، فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد أرسل، وترجم البيهقي في (السنن الكبرى) لهذا الحديث بقوله باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه، وبين ضعفها كلها. ومن جملة ما قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال: قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ ابن البيلماني: ضعيف لا تقوم به حجَّة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله، والله أعلم. وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {أية : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} تفسير : [البقرة: 178] الآية ما نصه، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلماً بكافر"تفسير : لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، قال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله" فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر، فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه مبيناً بطلان تلك الأدلة التي لا يعول عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب "كتابة العلم"، وفي باب "لا يقتل المسلم بالكافر" أن أبا جحيفة سأل علياً رضي الله عنه: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه، وما في هذه الصَّحيفة قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. فهذا نص صحيح قاطع للنزاع مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث علي هذا: ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا، وقال القرطبي في تفسيره: قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: {أية : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45]، الآية. وعموم قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178] فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق ا لمقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار. وأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم. ومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حراً، ولا من كافر جرح مسلماً، وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره: والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل والمفعول، إلا ناقصاً جرح كاملاً، يعني فلا يقتص منه له، ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقاً للأكثر، ومن لا يقتل بقتله، لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وممن قال بهذا مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر. ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم. لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المراة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى. وأُجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري بينهما القصاص في النفس، يجرى في الطرف بينهما، الحرِّين، وما ذكره المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة، لأن المماثلة قد وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع. وأما اليسار واليمين، فيجريان مجرى النفس لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعاً، وأن العلة فيهما ليست، كما ذكر المخالف، قاله ابن قدامة في المغني. ومن الدليل على جريان القصاص في الأطراف، بين من جرى بينهم في الأنفس، قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} تفسير : [المائدة: 54]. وما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد، فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقاً لأبي حنيفة، معللين بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفاً، وبأن أنفس العبيد مال أيضاً كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها في قوله تعالى: {أية : وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} تفسير : [البقرة: 178]. واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط: الأول: كونه عمداً، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضاً. الثاني: كونهما يجري بينهما القصاص في النفس. الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة، لأن الله تعالى يقول: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126] الآية، ويقول: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 194]، فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا زيادة، فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} تفسير : [المائدة: 45]، وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما. واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص نظراً إلى أنه يمكن من غير زيادة، وممَّن قال بهذا مالك، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل، إلا فيما يخشى منه الموت، كقطع الفخذ، ونحوها. وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقاً، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام، إلا في السِّن. واستدل من قال بأنه لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي، حديث : أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسَّيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية. فقال: يا رسول الله أريد القصاص، فقال: "خذ الدية بارك الله لك فيها" تفسير : ولم يقض له بالقصاص. قال ابن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضاً، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة، اهـ. من ابن كثير. وقال ابن حجر في (التقريب) في دهثم المذكور: متروك، وفي نمران المذكور: مجهول، واختلاف العلماء في ذلك، إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص: يقولون: إنه يمكن من غير حيف، والذين يقولون: بعدمه، يقولون: لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر. ومن هنا منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، وكالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك. وأنكر الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة. وقالوا: ما سمعنا بأحد قاله قبله، واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك، كما هو ظاهر. تنبيه إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فيما دون النفس، فمات من القصاص، فلا شيء على الذي اقتص منه، عند مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، و الزهري، والثوري، تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي، يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله، قاله ابن كثير. والحقّ أن سراية القود غير مضمونة، لأن من قتله القود، قتله الحق، كما روي عن أبي بكر، وعمر، وغيرها، بخلاف سراية الجناية، فهي مضمونة، والفرق بينهما ظاهر جداً. واعلم أنه لا تؤخذ عين، ولا أذن، ولا يد يسرى بيمنى، ولا عكس ذلك، لوجوب اتحاد المحل في القصاص، وحكي عن ابن سيرين، وشريك أنهما قالا بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى، والأول قول أكثر أهل العلم. واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له. والدليل على ذلك، ما رواه الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، حديث : أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فجاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أقدني، فقال: "حتى تبرأ"، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، فقال: يا رسول الله عرجت، فقال: "قد نهيتك قعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك"تفسير : ، ثم حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه،تفسير : تفرَّد به أحمد، قاله ابن كثير. وقال بعض العلماء بجواز تعجيل القصاص قبل البرء، وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفاً، أن سراية الجناية بعد القصاص هدر، وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليست هدراً، بل هي مضمونة، والحديث حجة عليهما، رحمهما الله تعالى، ووجهه ظاهر، لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه. وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم. قوله تعالى: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} الآية. فاعلم أن مفهوم قوله: {أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ}، هو المذكور في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [المائدة: 33]. قال ابن كثير في تفسيره: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر، وقد قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} تفسير : [البقرة: 205]. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل، ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلالٍ هي: أن يقتلوا، أو يصلَّبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، وظاهر هذه الآية الكريمة: أن الإمام مخير فيها، يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما هو مدلول، أو لأنها تدل على التخيير. ونظيره في القرآن قوله تعالى: {أية : فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} تفسير : [البقرة: 196]، وقوله تعالى: {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [المائدة: 89]، وقوله تعالى: {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} تفسير : [المائدة: 95]. وكون الإمام مخيراً بينهما مطلقاً من غير تفصيل، هو مذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير، وغيره، وهو رواية ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ونقله القرطبي، عن أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، ومالك، وقال: وهو مروي عن ابن عباس. ورجّح المالكية هذا القول بأن اللَّفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف، لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال، والافتقار إلى تقدير محذوف، فالاستقلال مقدم، لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف، وإلى هذا أشار في (مراقي السعود) بقوله: شعر : كذاك ما قابل ذا اعتلال من التأصل والاستقلال تفسير : إلى قوله: شعر : كذاك ترتيب لإيجاب العمل بما لهُ الرجحان مما يحتمل تفسير : والرواية المشهورة عن ابن عباسن أن هذه الآية منزلة على أحوال، وفيها قيود مقدرة، وإيضاحه: أن المعنى أن يقتلوا إذا قتلوا، ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحداً، أو ينفوا من الأرض، إذا أخافوا السبيل، ولم يقتلوا أحداً، ولم يأخذوا مالاً، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغير واحد من السلف والأئمة. قاله ابن كثير، ونقله القرطبي، وابن جرير، عن ابن عباس، وأبي مجلز، وعطاء الخراساني، وغيرهم. ونقل القرطبي، عن أبي حنيفة، إذا قتل قُتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل، فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، ولا يخفى أن الظاهر المتبادر من الآية، هو القول الأول. لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص من كتاب، أو سنة، وتفسير الصحابي لهذا بذلك، ليس له حكم الرفع، لإمكان أن يكون عن اجتهاد منه، ولا نعلم أحداً روى في تفسير هذه الآية بالقيود المذكورة، خبراً مرفوعاً، إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره عن أنس، حدثنا علي بن سهل قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين إلى أن قال. قال أنس: "حديث : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق، وأخاف السبيل، فاقطع يده بِسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل، واستحل الفرج الحرام، فاصلبه"،تفسير : وهذا الحديث لو كان ثابتاً لكان قاطعاً للنزاع، ولكن فيه ابن لهيعة، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به، وهذا الحديث ليس راويه عنه ابن المبارك، ولا ابن وهب. لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما، وابن جرير نفسه يرى عدم صحة هذا الحديث الذي ساقه، لأنه قال في سوقه للحديث المذكور: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا به علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، إلى آخر الإسناد الذي قدمنا آنفاً، وذكرنا معه محل الغرض من المتن، ولكن هذا الحديث، وإن كان ضعيفاً، فإنه يقوي هذا القول الذي عليه أكثر أهل العلم، ونسبه ابن كثير للجمهور. واعلم أن الصَّلب المذكور في قوله {أية : أَوْ يُصَلَّبُوا} تفسير : [المائدة: 33]، اختلف فيه العلماء. فقيل: يصلب حياً، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل: يصلب حياً، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوباً، وقيل: يقتل أولاً، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمناً يحصل فيه اشتهار ذلك. لأن صلبه ردع لغيره. وكذلك قوله: {أية : أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} تفسير : [المائدة: 33]، اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضاً، فقال بعضهم: معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو يخرجهم السلطان، أو نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزُّهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان، إنهم ينفون، ولا يخرجون من أرض الإسلام. وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن، لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك. شعر : خرجنا من الدُّنيا ونحن من أهْلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجةٍ عجبنا وقلنا جاء هذا من الدُّنيا تفسير : وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ولا يخفى عدم ظهوره. واختار ابن جرير، أن المراد بالنفي في هذه الآية، أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه، وروي نحوه عن مالك أيضاً، وله اتجاه. لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر، وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية. لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء، فعلم أن المراد بالأرضِ أوطانهم التي تشقّ عليهم مفارقتها، والله تعالى أعلم. مسائل من أحكام المحاربين المسألة الأولى: اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء، لعموم قوله تعالى: {أية : وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا} تفسير : [المائدة: 33]، وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ومالك، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه، حتى يدخله بيتاً، فيقتله ويأخذ ما معه، إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال القاضي ابن العربي المالكي: كنت أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محارباً في المصر. لأنه يلحقه الغوث. وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محارباً في المصر أيضاً، لعموم الدَّليل. وقال ابو حنيفة: وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرق، وأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه، ويعينه، قاله ابن كثير ولا يثبت لهم حكم المحاربة، إلا إذا كان عندهم سلاح. ومن جملة السلاح: العصي، والحجارة عند الأكثر. لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافاً لأبي حنيفة. المسألة الثانية: إذا كان المال الذي أتلفه المحارب، اقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها غير مكافئة له، كأن يقْتل عبداً، أو كافراً، وهو حر مسلم، فهل يقطع في اقل من النِّصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: يقطع ولو لم يأخذ نصاباً: لأنه يحكم عليه بحكم المحارب. قال ابن العربي: وهو الصحيح. لأن الله تعالى، حدد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ربع دينار لوجوب القطع في السرقة، ولم يحدد في قطع الحرابة شيئاً، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صِيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين، اهـ كلام ابن العربي. ويشهد لهذا القول، عدم اشتراط الإخراج من حرز يأخذه المحارب في قطعه، وأما قتل المحارب بغير الكفؤ، فهو قول أكثر العلماء، وعن الشافعي، وأحمد فيه روايتان، والتحقيق عدم اشتراط المكافأة في قتل الحرابة. لأن القتل فيها ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام من إخافة السبيل، وسلب المال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من أجل ذلك: أي بسبب ذلك القتل. كتبنا: أوحينا. أو فساد في الأرض: بحربه لله ورسوله والمؤمنين. ومن أحياها: قدر على قتلها وهي مستوجبة له فتركها. بالبينات: الآيات الواضحات حاملة للشرائع والدلائل. لمسرفون: مكثرون من المعاصي والذنوب. معنى الآية الكريمة: يقول تعالى: إنه من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها من مفاسد ومضار لا يقادر قدرها أوجبنا على بني إسرائيل لكثرة ما شاع بينهم من القتل وسفك الدماء فقد قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس لأجل هذه الضراوة على القتل فقد قتلوا رسولين زكريا ويحيى وهموا بقتل كل من المرسلين العظيمين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك شددنا عليهم في العقوبة إذ من قتل منهم نفساً بغير نفس أي ظلماً وعدواناً. أو قتلها بغير فساد قامت به في الأرض وهو حرب الله ورسوله والمؤمنين فكأنما قتل الناس جميعاً بمعنى يعذب عذاب قتل الناس جميعاً يوم القيامة ومن أحياها بأن استوجبت القتل فعفا عنها وتركها لله إبقاء عليها فكأنما أحيا الناس جميعاً يعني يُعطى أجر من أحيا الناس جميعاً كل هذا شرعه الله تعالى لهم تنفيراً لهم من القتل الذي أصروا عليه، وترغيباً لهم في العفو الذي جافوه وبعدوا عنه فلم يعرفوه وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ} يخبر تعالى عن حالهم مسلياً رسوله محمداً عما يحمله من همّ منهم وهم الذين تآمروا على قتله أن الشر الذي لازم اليهود والفساد الذي أصبح وصفاً لازماً لهم وخاصة المؤامرات بالقتل وإيقاد نار الحروب لم يكن عن جهل وعدم معرفة منهم لا أبداً بل جاءتهم رسلهم بالآيات البينات والشرائع القويمة والآدب الرفيعة ولكنهم قوم بهت متمردون على الشرائع مسرفون في الشر والفساد ولذا فإن كثيراً منهم والله لمسرفون في الشر والفساد، وبنهاية هذه الآية ومن قوله تعالى {أية : يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ..} تفسير : وهي الآية [11] انتهى الحديث عن اليهود المتعلق بحادثة همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكر تسلية لرسول الله وأصحابه، كما هو تسلية لكل مؤمن يتعرض لمكر اليهود عليهم لعائن الله. هداية الآية من هداية الآية: 1- تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل ومع الأسف لم ينتفعوا به. 2- فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن الجهل وقلة العلم بل كان اتباعاً للأهواء وجريا وراء عارض الدنيا. فلذا غضب الله عليهم ولعنهم لأنهم عالمون. 3- بالرغم من تضعيف جزاء الجريمة على اليهود، ومضاعفة أجر الحسنة لهم فإنهم أكثر الناس إسرافاً في الشر والفساد في الأرض.
القطان
تفسير : بسبب هذا الجرم الفظيع الذي ارتكبه ابن آدم أوجبنا قتْل المعتدي، لأن من قتل نفساً واحدة ظلماً وعدواناً بغير سبب موجب للقصاص، ولا فسادٍ يخلّ بالأمن، مثل (قتْل الأنفس ونهب الأموال وقطْع الطرق) فكأنما قتل الناس جميعاً. هذا دليل على تعظيم أمر القتل العمد، وبشاعة هذا الجرم الكبير. فقتلُ النفس الواحدة كقتل جميع الناس عند الله. لأن القاتل هتك حرمة دمائهم، وجرّأ غيره عليها. ومن كان سببا في انقاذ نفس من الموت وإحيائها فكأنّما أحيا الناس كلهم، لصيانته دماء البشر، فهو يستحق الثواب العظيم من الله. والآن.. ما جزاء من يقتل المئات والألوف بأمرٍ منه! سواء كان القتل بوسائل الحرب أم بالتجويع أم بقتل حرّيتهم عن طريق تجريدهم منها، فهو قتلٌ على كل حال؟ فانظروا ايها المسلمون الى واقعكم وتدبّروا أمركم، والله في عونكم حين تؤوبون الى صراطه. فالاعتداء على الفرد اعتداءٌ على المجتمع، لذلك قال الفقهاء: ان القصاص حق لولي الدم، ان شاء عفا واخذ الدية، وان شاء طلب القصاص. وفي الآية ارشاد الى ما يجب من وحدة البشر وحرص كل منهم على حياة الجميع. وكثيراً ما يشير القرآن الى وحدة الأمة ووجوب تكافلها وتضامنها، كما يؤكد وجوب تآزرها لرفع الضّيم عن حقوقها المهدورة. ولقد بعث الله الرسل بالآيات الواضحة الى البشر. فلم تغنِ عن الكثير منهم شيئا، اذ لم تهذب نفوسهم ولم تطهر اخلاقهم، فكانوا رغم كل ذلك يسرفون في الأرض فساداً.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} {بِٱلّبَيِّنَٰتِ} (32) - يُخْبِرُ تَعَالَى: أنَّهُ بِسَبَبِ قِتْلِ ابْنِ آدَمَ أخَاهُ، شَرَعَ اللهُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ مِنْ قِصَاصٍ أوْ إِفْسَادٍ فِي الأرْضِ، وَاسْتَحَلَّ قَتْلَهَا، بِلاَ سَبَبٍ وَلاَ جِنَايَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ. وَمَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا، وَكَانَ سَبباً فِي حَيَاةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، بِإِنْقَاذِهَا مِنْ مَوْتٍ، فَكَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً، لأنَّ البَاعِثَ عَلَى الامتِنَاعِ عَنِ القَتْلِ هُوَ اعْتِقَادُهُ بِأنَّ ذَلِكَ شَرٌّ وَأنَّ اللهَ حَرَّمَهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَسْلَمُونَ مِنْ شَرِّهِ، وَيَأمَنُونَ أذَاهُ، وَلأنَّ البَاعِثَ عَلَى إنْقَاذِ النَّفْسَ مِنَ المَوْتِ الذِي كَانَ يَتَهَدَّدُهَا هُوَ الرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، وَالوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرائعِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ مُسْتَعِد لإِنْقَاذِ كُلِّ نَفْسٍ إنِ اسْتَطَاعَ، وَلِذَلِكَ يَكُونُ كَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. وَلَقَدْ جَاءَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رُسُلُهُمْ بِالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ وَالدَّلاَئِلَ الوَاضِحَةِ، وَلَكِنَّ الكَثِيرينَ مِنْهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُسْرِفِينَ فِي فَسَادِهِمْ فِي الأرْضِ. (وَهَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللهَ تَعَالَى لِبَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى ارْتِكَابِهِم المَحَارِمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهَا مَحَارِم).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نجد الحق قال: إنه قد كتب على بني إسرائيل ما جاء بهذه الآية من قانون واضح؛ لأن معنى كلمة "من أجل" هو "بسبب"؛ و"أًجْل" مِن أَجَل شرا عليهم يَأْجُلُه، أي جنى جناية؛ أي من جريرة ذلك. أو من هذه الجناية شرعنا هذا التشريع: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. إذن فساعة تسمع "من أجل" فاعرف أنها تعني "بسبب ذلك" أو "بوقوع ذلك" أو "بجريرة ذلك" أو "بهذه الجناية كان ذلك". ولكن هل هذا الكَتْب خاص ببني إسرائيل؟. بعض العلماء قال: إن ابني آدم ليس ابني آدم مباشرة؛ ولكنهما من ذُرّية آدم وهما من بني إسرائيل. ونَردّ: من هو إسرائيل أولاً الذي نُسب إليه أبناء إسرائيل؟. إنه يعقوب بن إسحاق؛ بن إبراهيم، وإبراهيم يصل إلى نوح بأحد عشر أباً ويصل نوح إلى شيث، وبعد ذلك إلى آدم؛ فهل كانت كل هذه السلسلة لا تعرف كيف تدفن الميت إلى أن جاء بنو إسرائيل؟ طبعاً لا؛ ومادام الحق أوضح أنه سبحانه قد بعث غُراباً يبحث في الأرض ليُرِيَه كيف يُواري سَوْءَة أخيه، فهذا دليل على أن هابيل هو أول إنسان تَمَّ دفنه، ومن غير المقبول - إذن - أن نقول: إن الإنسان لم يعرف كيف يواري جثمان الميّت إلى أن وصلت البشرِّية إلى زمن بني إسرائيل، وأنهم هم الذين علموا البشرية ذلك! ولماذا جاء الحق هنا ببني إسرائيل؟. سبب ذك أن بني إسرائيل اجترأوا لا على قتل النفس فقط بل اجترأوا على قتل النفس الهادية، وهي النفس التي تحمل رسالة النّبوة، ولذلك كان التخصيص، فقد قتلوا أنبيائهم الذين حملوا لهم المنهج التطبيقي؛ لأن الأنبياء يأتون كنماذج تطبيقية للمناهج حتى يلفِتوا الناس إلى حقيقة تطبيق منهج الله. الأنبياء - إذن - لا يأتون بشرع جديد،ولكنهم يسيرون على شرع من قبلهم. فلماذا قتل بنو إسرائيل بعضاً من الأنبياء؟ لقد تولّدت لدى بني إسرائيل حفيظة ضد هؤلاء الأنبياء. ونعلم أن الإنسان الخيّر حين يصنع الخير ويراه الشرّير الذي لا يقدر على صناعة الخير فتتولد في نفس الشرّير حفيظة وحقد وغضب على فاعل الخير. ففاعل الخير كلما فعل خيراً إنما يلدغ الشرّير، ولذلك يحاول الشرّير أن يُزيح فاعل الخير من أمامه. وكان الأنبياء هم القدوة السلوكية، وقد قال الحق عن بني إسرائيل: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} تفسير : [البقرة: 91] وجاء الحق هنا بـ "من قبل" هذه لحكمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عداءٍ مع اليهود، وقد تَهبّ عليهم الخواطر الشرّيرة فيحاولون قتل النّبي. وقد حاولوا ذلك. مثلما أرادوا أن يلقوا عليه حجراً، ودسُّوا له السّم، ولذلك قال الله: "من قبل" أي إن قدرتكم على قتل الأنبياء كانت في الماضي؛ أما مع محمد المصطفى فلن تُمكَّنُوا منه. ويقول سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. وهذا توضيح لإرادة الحق في تأسيس الوحدة الإيمانية ليجعل من المجتمع الإيماني رابطة يوضحها قول رسول الله فيما رواه أبو موسى الأشعري عنه: (حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ). تفسير : وإياك أن تنظر إلى مجترئ على غيرك، بالباطل، وتقف مكتوف اليدين؛ لأن الوحدة الإيمانية تجعل المؤمنين جميعاً كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحُمى. فإن قَتل إنسان إنساناً آخر ووقف المجتمع الإيماني موقف العاجز. فهذا إفسادٌ في الأرض، ولذلك يجب أن يقابل المجتمع مثل هذا الفعل لا على أساس أنه قتل نفسا واحدة، بل كأنه قتلٌ للناس جميعاً ما لم يكن قتل النفس لقصاص أو إفساد في الأرض. ويكمل الحق سبحانه الشق الثاني من تلك القضية الإيمانية: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، وهذه هي الوحدة الإيمانية، فمن يعتدي على نفس واحدة بريئة، كمن يعتدي على كل الناس، والذي يسعف إنساناً في مهلكه كأنه أنقذ الناس جميعاً. وفي التوقيع التكليفي يكون التطبيق العملي لتلك القاعدة، فالذي يقتل بريئاً عليه لعنة الله وغضبه ويعذبه الله، وكأنه قتل الناس أجمعين، وإن نظرنا إليها من ناحية الجزاء فالجزاء واحد. {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. وسبحانه وتعالى يريد ألا يستقبل المجتمع الإيماني مجترئاً بباطل على حق إلا أن يقف كل المجتمع أمامه، فلا يقف المعتدَى عليه بمفرده؛ لأن الذي يُجرِّئ أصحاب الشرّ هو أن يقول بعض الناس كلمة "وأنا مَالِي". و"الأنا مالية" هي التي تُجرِّئ أصحاب الشرور، ولذلك اقرأوا قصة الثيران الثلاثة: الثور الأسود والثور الأحمر والثور الأبيض، فقد احتال أسد على الثورين الأحمر والأسود، فسمحا له بأكل الثور الأبيض. واحتال على الثور الأسود فسمح الثور الأسود للأسد بأكل الثور الأحمر؛ وجاء الدور على الثور الأسود؛ فقال للأسد: - أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض. كأن الثور التفت إلى أن "أنا ماليته" جعلته ينال مصرعه. لكن لو كان الثيران الثلاثة اجتمعوا على الأسد لقتلوه. وهاهوذا الحديث النبوي الشريف الذي يمثل القائم على حدود الله والواقع فيها: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجَوْا ونجوا جميعاً ). تفسير : كذلك مثل القائم على حدود الله ومثل الواقع فيها، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: لا تنظر إلى أن نفساً قتلت نفساً بغير حق، ولكن انظر إليها كأن القاتل قتل الناس جميعاً؛ لأن الناس جميعاً متساوون في حق الحياة. ومادام القاتل قد اجترأ على واحد فمن الممكن أن يَجترئ على الباقين. أو أن يكون فعله أُسْوَة لغيره، ومادام قد اسْتَن مثل هذه السُّنة، سنجد كل من يغضب من آخر يقتله، وتظل السلسلة من القتلة والقتلى تتوالى. والحديث النبوي يقول: "حديث : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". تفسير : إنه الاحتياط والدقة والقيد: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ}. فكأن من قتل نفساً بنفس أو بفساد في الأرض، لا يقال عليه: إنه قتل الناس جميعاً، بل أحيا الناس جميعاً؛ لأن التجريم لأي فعل يعني مجيء النص الموضح أن هذا الفعل جريمة، وبعد ذلك نضع لهذه الجريمة عقوبة. ولا يمكن أن تأتي لواحد ارتكب فعلاً وتقول له: أنا أؤاخذك به وأُعاقبك عليه بغير أن يوجَد نص بتجريم هذا الفعل. وهناك توجد قاعدة شرعية قانونية تقول: "لا تجريم إلاّ بنص ولا عُقوبة إلاّ بتجريم". أي أننا نُرتّب العقوبة على الجريمة، أو ساعة يُجرّم فعل يُذكر بجانب التجريم العقوبة، فعل القصد هو عقاب مُرتكب الجُرم. لا إنما القصد هو تفظيع العقاب حتى يراه كل إنسان قبل أن يرتكب الجريمة، والهدف هو منع الجريمة، ولذلك تجد الحكمة البشرية القائلة: "القتل أنفى للقتل"، وبطبيعة الحال لا يمكن أن ترقى تلك الحكمة إلى قول الحق: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة: 179] لأننا يمكن أن نتساءل: أيّ قتل أنفى للقتل؟. وسنجد أن المقصود بالحكمة ليس القتل الابتدائي ولكن قتل الاقتصاص. وهكذا نجد الأسلوب البشري قد فاتته اللمحة الفعَّالة في منع القتل الموجودة في قوله الحق: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. وكلمة "أحياها" لها أكثر من معنى. وبالتحديد لها معنيان: المعنى الأول: أنه أبقى فيها الروح التي تحرك المادة، والمعنى الثاني: إحياء الروح الإيمانية، مصداقاً لقول الحق: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24] ولنا أن نلتفت إلى أن الحق وضع الفساد في الأرض مُستحقاً لعقوبة القتل. والفساد هو إخراج الصالح عن صلاحيته، والمطلوب منا إيمانياً أن الأمر الصالح في ذاته علينا أن نُبقبه صالحاً، فإن استطعنا أن نزيده صلاحاً فلنفعل وإن لم نستطع فلنتركه على صلاحه. ولماذا جاء الحق بعقابٍ للفساد في الأرض؟. مدلول الأرض: أنها المنطقة التي استخلف الحق فيها البشر، وساعة يقول الحق: {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} فمعنى ذلك أن كل فساد عائد على كل مظروف في الأرض. وأول مظروف في الأرض أو السيد لها هو الإنسان. وعندما نفسد في الإنسان، فهذا معناه قتل الإنسان. إذن لا بد أن يكون الفساد في أشياء أخرى: هي الأكوان أو الأجناس الأخرى؛ الحيوانات والنباتات والجمادات. والفساد في هذه الكائنات بكون بإخراجها عن مستحوزها ملكيةً، كأن تسطو جماعة على بضاعة إنسان آخر، أو أن يأخذ واحد ثمار زرع لأحد، أو أن يأخذ بعضاً من إنتاج منجم منجنيز أو حديد أو خلافه. إن الفساد نوعان: فساد في الأرض وهو متعلف بالمظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيد وهو الإنسان، والفساد فيه قتله أو أن تُسبب له اختلالاً في أمنه النفسي كالقلق والاضطراب والخوف. ونلحظ أن الحق سبحانه قد امْتَنّ على قريش بأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. إذن فمن الفساد تفزيع الناس وترويعهم وهو قسمان: قسم تُفَزِّع فيه مَن لك عنده ثأر أو بينك وبينه ضغينة أو بُغض، أو أن تُفَزِّع قوماً لا علاقة بينك وبينهم ولم يصنعوا معك شيئاً. فمن يعتدي على إنسان بينه وبينه مشكله أو عداوة أو بغضاء، لا نُسمّيه خارجاً على الشريعة؛ بأخذ حقه، ولكنه لا يستوفي في حقه بيده بل لا بد من حاكم يقوم بذلك كي ينضبط الأمر ويستقيم، إنه يخرج على الشريعة فقط في حالة العُدوان. أما الذي يذهب للاعتداء على الناس ولم يكن بينه وبينهم عداء؛ فهذه هي الحرابة. كأن يخرج ليقطع الطريق على الناس ويخيف كل من يلقاه ويُسبِّب له القلق والرّعب والخوف عللى نفسه وماله، والمال قد يكون من جنس الحيوان أو جنس النبات أو جنس الجماد. وذلك ما يسميه الشرع حرابة وستأتي لها آية مخصوصة. إذن. فالفساد في الأرض معناه إخراج صالح عن صلاحه مظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيده الإنسان، والإفساد فيه إما بقتله أو إهاجته وإشاعة الرّعب فيه، وإما بشيء مملوك له من الأشياء التي دونه في الجنسية مثل الزروع أو النباتات أو الحيوانات. فكأن الفساد في الأرض - أيضاً - يؤهل لقتل النفس: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. أي أن القتل بغير إفساد في الأرض؛ هو القتل الذي يستحق العقاب. أما القتل بإفساد في الأرض فذلك أمر آخر؛ لأن هناك فارقاً بين أن يُقتل قِصاصاً أو أن يقتل حدَّاً من المُشرِّع؛ وحتى عفو صاحب الدم عن القاتل في الحرابة وقطع الطريق لا يشفع في ذلك ولا يسقط الحد عن الذي فعل ذلك؛ لأنها جريمة ضد المجتمع كله. ويتابع سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} والمُسرف هو المُتجاوز للحَد، وهو من لا يأخذ قدر تكوينه وموقعه في الوجود، بل يحاول أن يخرج عن قدر إمكاناته في الوجود. مثال ذلك: رجل حاول أن يسطو على حق غيره في الوجود؛ متخطياً منزلة الاعتدال فلا يأخذ حقه فقط. مثل قطاع الطريق أو النهابين يأخذون عرق غيرهم وتعودوا أن يعيشوا كذلك وبراحة. والمصيبة لا تكون في قاطع الطريق وحده، ولكن تتعداه إلى المجتمع. فيقال: إن فلاناً يجلس في منزله براحة وتكفيه ساعة بالليل ليسرق الناس. إن الأمر لا يقف عند حدود ذلك الإنسان إنما يتعدّاه إلى غيره. ويحيا من يملك مالاً في رُعب، وعندما يُفجَع في زائد ماله، يفقد الرغبة في أن يتحرك في الحياة حركة زائدة تُنتج فائضاً لأنه لا يشعر بالأمن والأمان. وعندئذ يفقد العاجز عن الحركة في المجتمع السند والعون من الذي كان يتحرك حركةً أوسع. إذن من رحمة الله أنه فتح أمام البشر أبواب الآمال في التملُّك، مادام السعي إلى ذلك يتم بطرق مشروعة. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: الرجل المُرابي الذي يُقرض مُحتاجاً مائة جنيه، كيف يطلب المرابي زيادة مِمّن لا يجد شيئا يقيم به حياته؟ إنه بذلك يكون قد أعطى مَن وجد أزيد مما أخذ منه مع فقره وعجْزه. إن ذلك هو الإسراف عينه. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ...}
الجيلاني
تفسير : {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} وبسبب وقوعه بين بني آدم {كَتَبْنَا} قضينا وألزمنا {عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي: بلا قصاص شرعي {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} مرخصٍ، موجبٍ لقتله من شركٍ وبغيٍ، وقطع طريقٍ وغير ذلك من الفسادات العامة السارية ضرّها وشرّها {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} إذ كل فرد من أفراد الإنسان مستجمع لكمالات الجميع بسعة قلبه، وعلو مرتبته، واستعداده وقابليته لمظهرية الحق وخلافته فكان قتله قتل الجميع. {وَمَنْ أَحْيَاهَا} خلصَّها وأنجاها من المهلكة والمتعلقة {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} على الوجه المذكور {وَ} بعدما قضينا عليهم {لَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا} تأكيداً وتشديداً {بِٱلّبَيِّنَٰتِ} الدالة على عظم جريمة القتل عند الله، وعظم النكال المترتب عليها في الآخرة {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ} التشديد والتأكيد {لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] على أنفسهم بالقتل بلا رخصة شرعية من غير مبالاة بالآيات والبينات. {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} ويقابلون له بعدم الامتثال لأمره، والانقياد لشرعه {وَرَسُولَهُ} بتكذيبه وتكذيب ما جاء به من عند ربه، والقتال معه ومع من تابعه {وَ} مع ذلك {يَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} مفسدين بأنواع الفسادات الساري ضررها في أقطار الأرض {أَن يُقَتَّلُوۤاْ} حيث وجدوا دفعة {أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} أحياء؛ ليعتبر منهم من في قلبه مرض مثل مرضهم، ثم يُقتل على أفظع وجه وأقبحه. {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ} متبادلتين؛ ليعيشوا بين الناس على هذا الوجه، ولينزجر منهم نفوس أهل الأهوية الفاسدة {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} إلى حيث يؤمن من شرورهم {ذٰلِكَ} المذكور {لَهُمْ خِزْيٌ} تذليل وتفضيح {فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] طرد وتبعيد عن مرتبة أهل التوحيد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } الذي ذكرناه في قصة ابني آدم، وقتل أحدهما أخاه، وسنه القتل لمن بعده، وأن القتل عاقبته وخيمة وخسارة في الدنيا والآخرة. { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } أهل الكتب السماوية { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ } أي: بغير حق { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } ؛ لأنه ليس معه داع يدعوه إلى التبيين، وأنه لا يقدم على القتل إلا بحق، فلما تجرأ على قتل النفس التي لم تستحق القتل علم أنه لا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء. فتجرؤه على قتله، كأنه قتل الناس جميعا. وكذلك من أحيا نفسا أي: استبقى أحدا، فلم يقتله مع دعاء نفسه له إلى قتله، فمنعه خوف الله تعالى من قتله، فهذا كأنه أحيا الناس جميعا، لأن ما معه من الخوف يمنعه من قتل من لا يستحق القتل. ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين: إما أن يقتل نفسا بغير حق متعمدا في ذلك، فإنه يحل قتله، إن كان مكلفا مكافئا، ليس بوالد للمقتول. وإما أن يكون مفسدا في الأرض، بإفساده لأديان الناس أو أبدانهم أو أموالهم، كالكفار المرتدين والمحاربين، والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل. وكذلك قطاع الطريق ونحوهم، ممن يصول على الناس لقتلهم، أو أخذ أموالهم. { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ } التي لا يبقى معها حجة لأحد. { ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ } أي: من الناس { بَعْدِ ذَلِكَ } البيان القاطع للحجة، الموجب للاستقامة في الأرض { لَمُسْرِفُونَ } في العمل بالمعاصي، ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والحجج.
همام الصنعاني
تفسير : 702- عبد الرزاق، قال: أبنأنا مَعْمَر، قال تلا قتادة: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ... فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}: [الآية: 32]، فقال: عظم والله أجرها، وعظم والله وزرها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):