٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض أتبعه ببيان أن الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو، فإن بعض ما يكون فساداً في الأرض لا يوجب قتل فقال {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في أول الآية سؤال، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله، والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازاً، لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة، فلفظ يحاربون في قوله {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يلزم أن يكون محمولاً على المجاز والحقيقة معاً، وذلك ممتنع، فهذا تقرير السؤال. وجوابه من وجهين: الأول: أنا نحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف، والتقدير: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فساداً كذا وكذا، والثاني: تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا. وفي الخبر أن الله تعالى قال: «حديث : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة».تفسير : المسألة الثانية: من الناس من قال: هذا الوعيد مختص بالكفار، ومنهم من قال: إنه في فساق المؤمنين، أما الأولون فقد ذكروا وجوها: الأول: أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا، فنزلت هذه الآية نسخاً لما فعله الرسول، فصارت تلك السنة منسوخة بهذا القرآن، وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاً للسنة الناسخة، والثاني: أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. الثالث: أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا. والوجه الرابع: أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء، قالوا: والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه: أحدها: أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام، والآية تقتضي ذلك. وثانيها: لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي، والآية تقتضي ذلك. وثالثها: أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 34] والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها، فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين. ورابعها: أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع هٰهنا، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد. وخامسها: أن قوله {ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَْرْضِ فَسَاداً } يتناول كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، سواء كان كافراً أو مسلماً، أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المسألة الثالثة: المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون وليهم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضاً ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم، وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد، واتفقوا على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال الشافعي رحمه الله: إنه يكون أيضاً ساعياً في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد. قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنباً فلا أقل من المساواة، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام عليه الحد. وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس، أما النص فعموم قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً } ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلاً تحت عموم هذا النص، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود. وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق. المسألة الرابعة: قوله {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلاْرْضِ } للعلماء في لفظ {أَوْ } في هذه الآية قولان: الأول: أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد، والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل. وقال ابن عباس في رواية عطاء: كلمة {أَوْ } هٰهنا ليست للتخيير، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف. ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وهذا قول الأكثرين من العلماء، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان: الأول: أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير، والثاني: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلاً على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل، والقياس الجلي أيضاً يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل، فغلظ ذلك في قاطع الطريق، وصار القتل حتماً لا يجوز العفو عنه، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين، وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب، لأن بقاءه مصلوباً في ممر الطريق يكون سبباً لاشتهار إيقاع هذه العقوبة، فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية، وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض. المسألة الخامسة: قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء. أن يقتلهم فقط، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل، أو يقتلهم ويصلبهم، وعند الشافعي رحمه الله: لا بدّ من الصلب، وهو قول أبي يوسف رحمه الله. حجة الشافعي رحمه الله: أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب كما لم يجز إسقاط القتل. ثم اختلفوا في كيفية الصلب، فقيل: يصلب حياً ثم يزج بطنه برمح حتى يموت، وقال الشافعي رحمه الله: يقتل ويصلى عليه ثم يصلب. المسألة السادسة: اختلفوا في تفسير النفي من الأرض. قال الشافعي رحمه الله: معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يجدهم طلبهم أبداً حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه، وبه قال أحمد وإسحاق رحمهما الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: النفي من الأرض هو الحبس، وهو اختيار أكثر أهل اللغة، قالوا: ويدل عليه أن قوله {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلاْرْضِ } إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى، وهو أيضاً غير جائز؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين، فلو أخرجناه إلى بلد آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين، وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضاً غير جائز، لأن إخراج المسلم إلى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير جائز، ولما بطل الكل لم يبق إلاّ أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلاّ مكان الحبس. قالوا: والمحبوس قد يسمى منفياً من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها، ولا يرى أحداً من أحبابه، فصار منفياً عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة. ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه هناك ذكر شعراً، منه قوله:شعر : خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا تفسير : قال الشافعي رحمه الله: هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين: الأول: أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد، وإن لم يأخذهم طلبهم أبداً فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي. الثاني: القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد، وإن لم يأخذهم طلبهم أبداً. فيقوم الشافعي هٰهنا: إن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير، والله أعلم. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا } أي فضيحة وهوان {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }. قالت المعتزلة: الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة، ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق، وثبت القول بالإحباط. والجواب: لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعاً على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف، بل يكون على جهة الامتحان، فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط، فنحن أيضاً نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو، وحينئذ لا يبقى الكلام إلاّ في أنه هل دلّ هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه خمس عشرة مسئلة: الأُولى ـ ٱختلف الناس في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العُرَنيين؛ روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك: أن قوماً من عُكْل ـ أو قال من عُرَيْنة ـ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فٱجْتَوَوُا المدينة؛ فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلِقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النَّعَم؛ فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم خبرهم من أوّل النهار فأرسل في آثارهم؛ فما ارتفع النهار حتى جيء بهم؛ فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسَمَر أعينهم وألقوا في الحرة يَستسقُون فلا يُسقَون. قال أبو قِلابة: فهؤلاء قوم سَرقوا وقَتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي رواية: فأمر بمسامير فأحميت فكَحَلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حَسَمهم؛ وفي رواية: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأُتي بهم؛ قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} الآية. وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يَكْدِمُ الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا. وفي البخاريّ حديث : قال جَرير بن عبد الله في حديثه: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جَرير: فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النار» تفسير : . وقد حكى أهل التّواريخ والسِّير: أنهم قطعوا يدي الرّاعي ورجليه، وغَرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأُدخل المدينة ميتاً، وكان ٱسمه يَسار وكان نُوبياً. وكان هذا الفعل من المرتدّين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. وروي عن ٱبن عباس والضحاك: أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ٱبن عباس قال: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: «غَفُورٌ رَحِيمٌ» نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخِذ منهم قبل أن يُقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحدّ الذي أصابه. وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عِكرمةُ والحسن، وهذا ضعيف يردّه قوله تعالى: { أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] وقوله عليه الصلاة و السلام: « حديث : الإسلام يَهدِم ما قبله » تفسير : أخرجه مسلم؛ والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك. وقال مالك والشافعيّ وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد. قال ٱبن المنذِر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك؛ وهو قوله جل ثناؤه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دِماءهم تحرم؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. وحكى الطبريّ عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية نَسخَت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العُرنَيين، فوقف الأمر على هذه الحدود. وروى محمد بن سِيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود؛ يعني حديث أنس؛ ذكره أبو داود. وقال قوم منهم الليث بن سعد: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد عُرَيْنة نُسِخ؛ إذ لا يجوز التمثيل بالمرتدّ. قال أبو الزِّنَاد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قَطَع الذين سَرقوا لِقاحه وسَمَل أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك؛ فأنزل الله تعالى في ذلك {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} الآية. أخرجه أبو داود. قال أبو الزِّناد: فلما وُعِظ ونُهي عن المُثْلة لم يَعُد. وحكى عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتدّين، لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال: إنما سَمَل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أُولئك لأنهم سَمَلوا أعين الرّعاة؛ فكان هذا قِصاصاً، وهذه الآية في المحارب المؤمن. قلت: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعيّ؛ ولذلك قال الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة. والمرتدّ يستحق القتل بنفس الردة ـ دون المحاربة ـ ولا يُنفى ولا تُقطع يده ولا رجله ولا يُخلَّى سبيله بل يقتل إن لم يُسلِم، ولا يصلب أيضاً؛ فدل أنّ ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتدّ. وقال تعالى في حق الكفار: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} وقال في المحاربين: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} الآية؛ وهذا بيّن. وعلى ما قرّرناه في أوّل الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب؛ قال الله تعالى: { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] فَمَثَّلُوا فمُثِّل بهم، إلاّ أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير مُحْماة وتركهم عَطَاشى حتى ماتوا، والله أعلم. وحكى الطبريّ عن السُّديّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسْمُل أعين العُرَنيين وإنما أراد ذلك؛ فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جداً؛ فإن الأخبار الثابتة وردت بالسَّمْل؛ في صحيح البخاريّ: فأمر بمسامير فأُحميت فَكَحلهم. ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} استعارة ومجاز؛ إذ الله سبحانه وتعالى لا يُحَارَبَ ولا يُغالَب لِما هو عليه من صفات الكمال، ولِما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد. والمعنى: يحاربون أولياء الله؛ فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لإذايتهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: { أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } تفسير : [البقرة: 245] حَثّاً على الاستعطاف عليهم؛ ومثله في صحيح السنة: « حديث : ٱستطعمتُك فلم تُطْعِمني » تفسير : . الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في «البقرة». الثانية ـ وٱختلف العلماء فيمن يستحق ٱسم المحاربة؛ فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في بَرِّيَّة وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذَحْل ولا عداوة؛ قال ٱبن المنذر: ٱختلف عن مالك في هذه المسئلة، فأثبت المحاربة في المِصْر مرةً ونفى ذلك مرة؛ وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة؛ وهذا قول الشافعي وأبي ثور؛ قال ٱبن المنذر: كذلك هو لأن كلا يقع عليه ٱسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخْرِج من جملة الآية قوماً بغير حُجّة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجاً عن المصر؛ هذا قول سُفيان الثَّوريّ وإسحاق والنعمان. والمغتال كالمحارب وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يُشْهر السّلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدّاً لا قَوَداً. الثالثة ـ وٱختلفوا في حكم المحارب؛ فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله؛ فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خِلاف، وإن أَخَذ المال وقَتَل قُطعت يده ورجله ثم صُلب، فإذا قَتَل ولم يأخذ المال قُتِل، وإن هو لم يأخذ المال ولم يَقتل نُفِي؛ قاله ٱبن عباس، ورُوي عن أبي مِجْلَز والنَّخَعيّ وعطاء الخَرَاسانيّ وغيرهم. وقال أبو يوسف: إذا أَخَذ المال وقَتَل صُلب وقُتل على الخشبة؛ قال الليث: بالحربة مصلوباً. وقال أبو حنيفة: إذا قَتَل قُتِل، وإذا أَخَذ المال ولم يَقتل قُطعت يده ورجله من خِلاف، وإذا أخذ المال وقَتَل فالسلطانُ مخيّر فيه، إن شاء قَطع يده ورجله وإن شاء لم يَقطع وقَتله وصلبه؛ قال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء. ونحوه قول الأُوزاعيّ. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قُطعت يده اليمنى وحُسِمت، ثم قُطعت رجله اليسرى وحُسِمت وخُلّي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قَتَل قُتل، وإذا أَخَذ المال وقَتَل قُتِل وصُلب؛ ورُوي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام؛ قال: وإن حَضَر وكَثَّر وهِيب وكان رِدءاً للعدوّ حُبس. وقال أحمد: إن قَتل قُتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعيّ. وقال قوم: لا ينبغي أن يُصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب؛ وحُكي عن الشافعي: أكْرَهُ أن يقتل مصلوباً لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة. وقال أبو ثور: الإمام مخيَّر على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مَرْويّ عن ٱبن عباس، وهو قول سعيد بن المسيّب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحّاك والنَّخَعيّ كلهم قال: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية؛ قال ٱبن عباس: ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار؛ وهذا القول أشعر بظاهر الآية؛ فإن أهل القول الأول الذين قالوا إنّ «أو» للترتيب ـ وإن ٱختلفوا ـ فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدّين فيقولون: يُقتل ويُصلب؛ ويقول بعضهم: يُصلب ويقتل؛ ويقول بعضهم: تُقطع يده ورجله ويُنفى؛ وليس كذلك الآية ولا معنى «أو» في اللغة؛ قاله النحاس. وٱحتج الأولون بما ذكره الطبريّ عن أنس بن مالك أنه قال: حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال: «من أخاف السبيل وأخذَ المال فٱقطع يَده للأخذ ورجله للإخافة ومن قَتَل فٱقتله ومن جمع ذلك فٱصلبه»تفسير : . قال ٱبن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب و العقاب ٱستحساناً. الرابعة ـ قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} ٱختلف في معناه؛ فقال السديّ: هو أن يُطلب أبداً بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حدّ الله، أو يَخرج من دار الإسلام هرباً ممن يطلبه؛ عن ٱبن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسديّ والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والرّبيع بن أنس والزهريّ. حكاه الرُّماني في كتابه؛ وحكى عن الشافعي أنهم يُخرجون من بلد إلى بلد، ويُطلَبون لتقام عليهم الحدود؛ وقاله الليث بن سعد والزهريّ أيضاً. وقال مالك أيضاً: يُنفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويُحبس فيه كالزاني. وقال مالك أيضاً و الكوفيون: نفيهم سجنهم فينفى من سَعَة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سُجِن فقد نُفِي من الأرض إلا من موضع ٱستقراره؛ واحتجوا بقول بعض أهل السُّجُون في ذلك: شعر : فخرجنا من الدنيا ونحن مِنَ أهْلها فلسنا من الأمواتِ فيها ولا الأَحْيَا فإذا جاءنا السَّجَّانُ يوماً لحاجةٍ عَجِبنا وقلنا جاء هذا من الدنيَا تفسير : حَكى مَكْحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوّل من حَبَس في السجون وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم؛ والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النَّازِلة وقد تَجنَّب الناس قديماً الأرض التي أصابوا فيها الذنوب؛ ومنه الحديث: « حديث : الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرض المقدّسة » تفسير : . وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مَخُوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يُغَرب إليه، وإن كان غير مَخُوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سُرّح؛ قال ٱبن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يُغَرّب ويُسجن حيث يُغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطَّبَريّ وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازِلة هو نصّ الآية، وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإن تاب وفهِمت حاله سُرّح. الخامسة ـ قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} النفي أصله الإهلاك؛ ومنه الإثبات والنفي، فالنفي الإهلاك بالإعدام؛ ومنه النّفاية لرديِّ المتاع؛ ومنه النَّفِيُّ لما تطاير من الماء عن الدّلوْ. قال الراجز: شعر : كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِن النَّفِيّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيَّ تفسير : السادسة ـ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولا يُراعَى المال الذي يأخذه المحارب نِصَاباً كما يُراعى في السارق. وقد قيل: يُراعَى في ذلك النصاب ربع دينار؛ قال ابن العربي قال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخَذ قدر ما تقطع فيه يد السارق؛ وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح. فإن الله تعالى وَقَّتَ على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يُوقِّت في الحرابة شيئاً بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة؛ ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس. وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شُعِر به فَرّ؛ حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن مُنع منه أو صِيح عليه وحارب عليه فهو محارب يُحكم عليه بحكم المحارب. قال القاضي ٱبن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يَحْبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وٱرتفعوا إلى يَفَاع العلم عن حَضِيض الجاهلين. قلت: اليَفَع أعلى الجبل ومنه غلام يَفَعَةٌ إذا ٱرتفع إلى البلوغ؛ والحضيض الحفرة في أسفل الوادي؛ كذا قال أهل اللغة. السابعة ـ ولا خلاف في أن الحرابة يُقتل فيها من قَتل وإن لم يكن المقتول مكافئاً للقاتل؛ وللشافعي قولان: أحدهما ـ أنها تعتبر المكافأة لأنه قَتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص؛ وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ} فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعياً في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء. الثامنة ـ وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقُتِل بعض المحاربين ولم يُقتل بعض قُتل الجميع. وقال الشافعي: لا يُقتل إلا من قَتل؛ وهذا أيضاً ضعيف؛ فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يَقتل جميعهم؛ وقد ٱتفق معنا على قتل الرَّدْء وهو الطليعة فالمحارب أولى. التاسعة ـ وإذا أخاف المحاربون السّبيلَ وقَطَعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكَفّهم عن أذى المسلمين، فإن ٱنهزموا لم يتبع منهم مدبِراً إلاّ أن يكون قد قتل وأَخَذ مالاً، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته؛ ولا يُدَفَّف منهم على جريح إلا أن يكون قد قتلَ؛ فإن أخذوا ووُجد في أيديهم مال لأحد بعينه رُدّ إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جُعل في بيت المال؛ وما أتلفوه من مال لأحد غرموه؛ ولا دية لمن قتلوا إذا قِدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي: العاشرة ـ لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدّاً لله وأخذوا بحقوق الآدميين، فاقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين؛ هذا مذهب مالك والشافعيّ وأبي ثور وأصحاب الرأي. وإنما أُخذ ما بأيديهم من الأموال وضَمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غَصب فلا يجوز مِلكه لهم، ويُصرف إلى أربابه أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يُطلب من المال إلا بما وُجد عنده، وأما ما استهلكه فلا يُطلَب به؛ وذكر الطَّبَريّ ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغُدَانيّ فإنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدّم عنه كتاباً منشوراً؛ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: وٱختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أُقيم عليه الحدّ ولم يوجد له مال؛ هل يُتبعَ دَيْناً بما أخذ، أو يُسقط عنه كما يُسقط عن السارق؟ والمسلم والذمي في ذلك سواء. الحادية عشرة ـ وأجمع أهل العلم على أن السلطان وليّ من حارب؛ فإن قَتل محارب أخا ٱمرىء أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدّم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو وليّ الدّم، والقائم بذلك الإمام؛ جعلوا ذلك بمنزلة حدّ من حدود الله تعالى. قلت: فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها، واجتلبنا دررها، ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي: الثانية عشرة ـ تفسير مجاهد لها؛ قال مجاهد: المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة؛ وليس بصحيح؛ فإن الله سبحانه بيّن في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تُقطَع يده، وأن الزاني يُجلَد ويغرّب إن كان بكرا، ويُرجم إن كان ثَيِّبا مُحْصنا. وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك، اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصداً للغَلَبة على الفروج، فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل هذا في معنى قوله تعالى: {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً}. الثالثة عشرة ـ قال علماؤنا: ويُناشَد اللص بالله تعالى، فإن كَفّ تُرِك وإن أَبَى قوتل، فإن أنت قتلته فشرّ قتيل ودمه هَدَر. روى النسائيّ عن أبي هُرَيرة حديث : أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن عُدِي على مالي؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أَبَوْا عليّ. قال: «فانشد بالله» قال: فإن أَبَوْا عليّ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أَبَوْا عليّ قال: «فقاتل فإن قُتلت ففي الجنة وإن قَتلتَ ففي النار» تفسير : وأخرجه البخاريّ ومسلم ـ وليس فيه ذكر المناشدة ـ عن أبي هريرة قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تُعطِه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «فقاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: فإن قتلته؟ قال: «هو في النار» تفسير : . قال ٱبن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأُوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم؛ هذا مذهب ٱبن عمر والحسن البصريّ وإبراهيم النّخَعيّ وقَتادة ومالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم؛ إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أُريد ظلماً؛ للأخبار التي جاءت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يخصّ وقتاً دون وقت، ولا حالاً دون حال إلا السلطان؛ فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم، من الجور والظلم، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة. قلت: وقد ٱختلف مذهبنا إذا طُلِب الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يُعطَونه أو يُقاتَلون؟ وهذا الخلاف مبني على أصل، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر؟ وعلى هذا أيضاً ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال. والله أعلم. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سدّ سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض؛ كما قال عز وجل: { أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } تفسير : [المزمل: 20] فإذا أخيف الطريق ٱنقطع الناس عن السفر، وٱحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسدّ باب التجارة عليهم، وٱنقطعت أكسابهم؛ فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلّظة، وذلك الخِزي في الدنيا ردعاً لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عُبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقِب به في الدّنيا فهو له كفارة » تفسير : والله أعلم. ويحتمل أن يكون الخِزي لمن عوقب. وعذاب الآخرة لمن سلم في الدُّنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدّم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: { أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } تفسير : [النساء: 48] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} ٱستثنى جل وعَزّ التائبين قبل أن يُقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أمّا القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط. ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدّم. وللشافعي قول أنه يسقط كل حدّ بالتوبة؛ والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدميّ قصاصاً كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود؛ وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضاً بالإجماع. وقيل: إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم ـ والله أعلم ـ لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم؛ كالمتلبس بالعذاب من الأُمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغَرْغَرة فتاب؛ فأما إذا تقدّمت توبتهم القدرة عليهم، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة «يونس»؛ فأما الشرّاب والزناة والسرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعُرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدّهم، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غُلبوا. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يحاربون أولياءهما وهم المسلمون، جعل محاربتهم محاربتهما تعظيماً. وأصل الحرب السلب والمراد به ههنا قطع الطريق. وقيل المكابرة باللصوصية وإن كانت في مصر. {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي مفسدين، ويجوز نصبه على العلة أو المصدر لأن سعيهم كان فساداً فكأنه قيل: ويفسدون في الأرض فساداً. {أَن يُقَتَّلُواْ} أي قصاصاً من غير صلب إن أفردوا القتل. {أَوْ يُصَلَّبُواْ} أي يصلبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ويصلب أو يصلب حياً ويترك أو يطعن حتى يموت. {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ} تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن أخذوا المال ولم يقتلوا. {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} ينفوا من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكنون من القرار في موضع إن اقتصروا على الإِخافة. وفسر أبو حنيفة النفي بالحبس، وأو في الآية على هذا للتفصيل، وقيل: إنه للتخيير والإِمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق. {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} ذل وفضيحة. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} لعظم ذنوبهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بمحاربة المسلمين {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً } بقطع الطريق {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَٰفٍ } أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ } (أو) لترتيب الأحوال فالقتل لمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثاً بعد القتل وقيل قبله قليلاً ويلحق بالنفي أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره {ذٰلِكَ } الجزاء المذكور {لَهُمْ خِزْىٌ } ذلٌّ {فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هو عذاب النار.
ابن عطية
تفسير : اقتضى المعنى في هذه الآية كون {إنما} حاصرة الحصر التام، واختلف الناس في سبب هذه الآية، فروي عن ابن عباس والضحاك أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن تكون نازلة بني قريظة حين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عكرمة، والحسن: نزلت الآية في المشركين. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال، وقال أنس بن مالك وجرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهم: إن الآية نزلت في قوم من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا ثم إنهم مرضوا واستوخموا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا في لقاح الصدقة، وقال اشربوا من ألبانها وأبوالها. فخرجوا فيها فلما صحوا قتلوا الرعاء واستاقوا الإبل فجاء الصريخ فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر فنودي في الناس يا خير الله اركبي، فركب رسول الله على أثرهم فأخذوا، وقال جرير بن عبد الله فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى إذا أدركناهم، وقد أشرفوا على بلادهم فجئنا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال جميع الرواة فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، ويروى وسمل، وتركهم في جانب الحرة يستسقون فلا يسقون، وفي حديث جرير، فكانوا يقولون الماء ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: النار، وفي بعض الروايات عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعدما قتلهم، قال أبو قلابة، هؤلاء كفروا وقتلوا وأخذوا الأموال وحاربوا الله ورسوله، وحكى الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ووقفت الأمر على هذه الحدود، وقال بعضها وجعلها الله عتاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم على سمل الأعين، وحكي عن جماعة من أهل العلم أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في المرتدين. قال القاضي أبو محمد: لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة قالوا، وهذا الآية هي في المحارب المؤمن، وحكى الطبري عن السدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عن ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف تخالفه الروايات المتظاهرة، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، واختلفوا فيمن هو الذي يستحق اسم الحرابة، فقال مالك بن أنس رحمه الله، المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح في مصر أو برية فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة، وقال بهذا القول جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل العلم، لا يكون المحارب إلا القاطع على الناس في خارج الأمصار، فأما في المصر فلا. قال القاضي أبو محمد: يريدون أن القاطع في المصر يلزمه حد ما اجترح من قتل أو سرقة أو غصب ونحو ذلك والحرابة رتب أدناها إخافة الطريق فقط لكنها توجب صفة الحرابة، ثم بعد ذلك أن يأخذ المال مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يقتل مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يجمع ذلك كله، فقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: في أي رتبة كان المحارب من هذه الرتب فالإمام مخير فيه في أن يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات، واستحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر العقوبات. قال القاضي أبو محمد: لا سيما إن كانت زلة ولم يكن صاحب شرور معروفة، وأما إن قتل فلا بد من قتله، وقال ابن عباس رضي الله عنه والحسن وأبو مجلز وقتادة وغيرهم من العلماء بل لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب، فمن أخاف الطرق فقط فعقوبته النفي، ومن أخذ المال ولم يقتل فعقوبته القطع من خلاف. ومن قتل دون أخذ مال فعقوبته القتل، ومن جمع الكل قتل وصلب، وحجة هذا القول أن الحرابة لا تخرج عن الإيمان ودم المؤمن حرام إلا بإحدى ثلاث: ارتداد أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس، فالمحارب إذا لم يقتل فلا سبيل إلى قتله، وقد روي عن ابن عباس والحسن أيضاً وسعيد بن المسيب وغيرهم مثل قول مالك: إن الإمام مخير، ومن حجة هذا القول أن ما كان في القرآن "أو. أو"، فإنه للتخيير، كقوله تعالى: {أية : ففدية من صيام أوصدقة أو نسك} تفسير : [البقرة:196] وكآية كفارة اليمين وآية جزاء الصيد. قال القاضي أبو محمد: ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب وقول مالك أسد للذريعة وأحفظ للناس والطرق، والمخيف في حكم القاتل ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحساناً، وذكر الطبري عن أنس بن مالك أنه قال سأل رسول الله جبريل عليهما السلام عن الحكم في المحارب، فقال: من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ، ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه. قال القاضي أبو محمد: وبقي النفي للمخيف فقط، وقوله تعالى: {يحاربون الله} تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل التقدير يحاربون عباد الله، ففي الكلام حذف مضاف، وقوله تعالى: {ويسعون في الأرض فساداً} تبيين للحرابة أي: ويسعون بحرابتهم، ويحتمل أن يكون المعنى ويسعون فساداً منضافاً إلى الحرابة، والرابط إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة، وقرأ الجمهور "يقتّلوا، يصلّبوا، تقطّع" بالتثقيل في هذه الأفعال للمبالغة والتكثير، والتكثير هنا إنما هو من جهة عدد الذين يوقع بهم كالتذبيح في بني إسرائيل في قراءة من ثقل {يذبّحون} وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن "يقتلوا، ويصلبوا، تقطع" بالتخفييف في الأفعال الثلاثة، وأما قتل المحارب فبالسيف ضربة العنق، وأما صلبه فجمهور من العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالاً لغيره، وهذا قول الشافعي، وجمهور من العلماء على أنه يصلب حياً ويقتل بالطعن على الخشبة، وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقى العقب واختلف العلماء في النفي فقال السدي: هو أن يطلب أبداً بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حدّ الله ويخرج من دار الإسلام، وروي عن ابن عباس أنه قال: نفيه أن يطلب وقاله أنس بن مالك، وروي ذلك عن الليث ومالك بن أنس غير أن مالكاً قال: لا يضطر مسلم إلى دخول دار الشرك، وقال سعيد بن جبير: النفي من دار الإسلام إلى دار الشرك، وقالت طائفة من العلماء منهم عمر بن عبد العزيز: النفي في المحاربين أن ينفوا من بلد إلى غيره مما هو قاص بعيد، وقال الشافعي: ينفيه من عمله، وقال أبو الزناد: كان النفي قديماً إلى دهلك وباضع وهما من أقصى اليمن، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة: النفي في المحاربين السجن فذلك إخراجهم من الأرض. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن {الأرض} في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدر، نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحاً، وهذا هو صريح مذهب مالك: أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الراجح لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفهم حاله سرح وقوله تعالى: {ذلك لهم الخزي} إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم، وغلظ الله الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذاباً عظيماً مع العقوبة في الدنيا، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى الله عليه وسلم، حديث : فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو له كفارة . تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره, وهذا الوعيد مشروط الإنقاذ بالمشيئة, أما أن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وعظم الذنب، والخزي في هذه الآية الفضيحة والذل والمقت. وقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} استثنى عز وجل التائب قبل أن يقدر عليه وأخبر بسقوط حقوق الله عنه بقوله تعالى: {فاعلموا أن الله غفور رحيم} واختلف الناس في معنى الآية فقال قتادة والزهري في كتاب الأشراف: ذلك لأهل الشرك. قال القاضي أبو محمد: من حيث رأيا الوعيد بعد العقاب، وهذا ضعيف، والعلماء على أن الآية في المؤمنين وأن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فقط سقط عنه حكم الحرابة ولا نظر للإمام فيه إلا كما ينظر في سائر المسلمين، فإن طلبه أحد بدم نظر فيه وأقاد منه إذا كان الطالب ولياً، وكذلك يتبع بما وجد عنده من مال الغير وبقيمة ما استهلك من الأموال، هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ذكره ابن المنذر، وقال قوم من الصحابة والتابعين: إنه لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده بعينه، وأما ما استهلك فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم كتاباً منشوراً، وحكى الطبري عن عروة بن الزبير أنه قال: لا تقبل توبة المحارب، ولو قبلت لاجترؤوا وكان فساد كثير ولكن لو فر إلى العدو ثم جاء تائباً لم أر عليه عقوبة. قال القاضي أبو محمد: لا أدري هل أراد ارتد أم لا، وقال الأوزاعي نحوه إلا أنه قال: إذا لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام أبو بقي عليه ثم جاء تائباً من قبل أن يقدر عليه قبلت توبته. قال القاضي أبو محمد: والصحيح من هذا كله مذهب الفقهاء الذي قررته آنفاً أن حكم الحرابة يسقط ويبقى كسائر المسلمين، واختلف إذا كان المال أقل مما يقطع فيه السارق، فقال مالك: ذلك كالكثير، وقال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يقطع من المحاربين إلا من أخذ ما يقطع فيه السارق.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا عهداً كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فأفسدوا في الأرض، أو في العرنيين المرتدّين، أو فيمن حارب وسعى بالفساد. والمحاربة: الزنا والقتل والسرقة، أو المجاهرة بقطع الطريق والمكابرة باللصوصية في المصر وغيره، أو المجاهرة بقطع الطريق دون المكابر في المصر. فيتخير الإمام فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي، أو يعاقبهم على قدر جناياتهم، فيقتل إن قتلوا، أو يصلب إن قتلوا وأخذوا المال، ويقطع من خلاف إذا اقتصروا على أخذ المال قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وعن الرسول صلى الله عليه وسلم "إنه سأل جبريل، عليه السلام، عن قصاص المحارب فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله لإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه" {أَوْ يُنفَوْاْ} من بلاد الإسلام إلى أرض الشرك أو من مدينة إلى مدينة، أو بالحبس، أو بطلبهم لإقامة الحد حتى يبعدوا.
الخازن
تفسير : أنزل الله عز وجل: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا} الآية. شرح غريب هذا الحديث وحكمه قوله إنا كنا أهل ضرع يعني، أهل ماشية وبادية نعيش باللبن ولسنا من أهل المدن. والريف هو الأرض التي فيها زرع وخصب والجمع أرياف. قوله: استوخموا المدينة أنها لم توافق مزاجهم وكذا قوله: فاجتووا المدينة وهو معناه والذود من الأبل ما بين الثلاثة إلى العشرة والحرة هي أرض ذات حجارة سود وهي هنا اسم لأرض بظاهر المدينة معروفة. وقوله: فسمر أعينهم، معناه أنه حمى مسامير الحديد وكحل بها أعينهم حتى ذهب بصرها. وقوله: وينهى عن المثلة، أن تقطع أطراف الحيوان وتشوه خلقته ومثلة القتيل أن يقطع أنفه وأذنيه ومذاكيره ونحو ذلك. واختلف العلماء في حكم هذا الحديث فقيل: هو منسوخ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة. وقيل: حكمه ثابت غير السمل والمثلة. وقيل: إن هذه الاية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بهم. وقيل: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، فلما نزلت الحدود وجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها. وقيل: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليماً من الله تعالى إياه عقوبتهم وما يجب عليهم فقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} واعلم أن المحاربة لله غير ممكنة وفي معناها للعلماء قولان: أحدهما أن المحاربين لله هم المخالفون أمره الخارجون عن طاعته لأن كل من خالف أمر إنسان فهو حرب له فيكون المعنى يخالفون الله ورسوله ويعصون أمرهما. والقول الثاني: معناه يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله فهو من باب حذف المضاف {ويسعون في الأرض فساداً} يعني بحمل السلاح والخروج على الناس وقتل النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق. واختلفوا في حكم هؤلاء المحاربين الذين يستحقون هذا الحد فقال قوم: هم الذين يقطعون الطريق ويحملون السلاح والمكابرون في البلد وهذا قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي وقال أبو حنيفة: المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد ثم ذكر الله تعالى عقوبة هؤلاء المحاربين وما يستحقونه فقال تعالى: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} وللعلماء في لفظة أو المذكورة في هذه الآية قولان: أحدهما أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية عنه وبه قال الحسن وسعيد بن المسيب والنخعي ومجاهد، وهو أن الإمام مخير في أمر المحاربين فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى من الأرض كما هو ظاهر الآية. والقول الثاني: أن لفظة أو للبيان وليست للتخيير وهو الرواية الثانية عن ابن عباس وهو قول أكثر العلماء لأن الأحكام تختلف فترتبت هذه العقوبات على ترتيب الجرائم. وهذا كما روي عن ابن عباس في قطاع الطريق قال: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا لم يأخذوا المال قتلوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض، وهذا قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. واختلفوا في كيفية الصلب فقيل: يصلب حياً ثم يطعن في بطنه برمح حيت يموت. قال الشافعي: يقتل أولاً ويصلى عليه ثم يصلب. وإنما يجمع بين القتل والصلب إذا قتل وأخذ المال ويصلب على الطريق في ممر الناس ليكون ذلك زاجراً لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية. واختلفوا في تفسير النفي من الأرض المذكور في الآية، فقيل: إن الإمام يطلبهم ففي كل بلد وجدوا نفوا عنه وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يطلبون حتى تقام عليهم الحدود وهو قول ابن عباس والليث بن سعد والشافعي وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: النفي هو الحبس لأنه نفي من الأرض لأن المحبوس لا يرى أحداً من أحبابه ولا ينتفع بلذات الدنيا وطيباتها فهو منفي من الأرض في الحقيقة إلا من تلك البقعة الضيقة التي هو فيها. قال مكحول: إن عمر بن الخطاب أول من حبس في السجون يعني من هذه الأمة وقال أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه إلى بلد آخر فيؤذيهم ثم قال تعالى: {ذلك} يعني الذي ذكر في هذه الآية من الحدود {لهم} يعني للمحاربين {خزي في الدنيا} أي عذاب وهوان وفضيحة {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} هذا الوعيد في حق الكفار الذين نزلت الآية فيهم، فأما من أجرى حكم الآية على المحاربين من المسلمين فينفي العذاب العظيم عنهم في الآخرة لأن المسلم إذا عوقب بجناية في الدنيا كانت عقوبته كفارة له وإن لم يعاقب في الدنيا فهو في خطر المشيئة، إن شاء عذبه بجنايته ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا وأدخله الجنة هذا مذهب أهل السنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا جَزَٰؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} الآية: روَىٰ أنس بن مالك وغيره: «أن الآية نزلَتْ في قومٍ مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمُوا، ثم إنهم مَرِضُوا، وٱسْتَوْخَمُوا المدينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أنْ يَكُونُوا فِي لقَاح الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: «حديث : ٱشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»تفسير : ، فخرَجُوا فِيهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَٱسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَلَغَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَبَرُهُمْ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، قَالَ جَمِيعُ الرُّوَاةِ: فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، ـــ ويُرْوَىٰ: وَسَمَلَ ـــ وَتَرَكَهُمْ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ، فَلاَ يُسْقَوْنَ»، فقيل: إن هذه الآية ناسخةٌ لفعْله صلى الله عليه وسلم بالعُرَنِيِّينَ، ووقَف الأمْر علَىٰ هذه الحدودِ. وقال جماعةٌ: إنها غير ناسخةٍ لذلك الفعْل؛ لأن العرنيين مرتدُّون، لا سيَّما، وفي بعض الطُّرُق؛ أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا: هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ. قال مالك: المُحَارِبُ عندنا: مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ؛ وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا: والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأَىٰ مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة: بل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأَنْكَىٰ في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنَىٰ من الرُّسْغ والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ. وقوله سبحانه: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}: الظاهر: أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب؛ ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ ـــ أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مسرَّحاً، وهذا هو صريحُ مذهب مالك. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} الآية: إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة. وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}: استثنَىٰ عز وجل التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه؛ بقوله: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، والعلماءُ علَىٰ أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ الناسِ، وإن تاب؛ هذا هو الصحيح.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر تَغْلِيظ الإثْم في قَتْل النَّفس بغير حقٍّ ولا فساد في الأرض أتبعه بِبَيَان الفَسَاد في الأرْض. وقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ}: مُبْتَدأ وخبره "أنْ يُقَتَّلُوا" وما عطف عليه، أي: إنَّما جَزاؤُهُمُ التَّقْتِيلُ، أو التَّصلِيب، أو النَّفْي. وقوله: "يُحارِبُون اللَّه"، أي: يُحَارِبون أولِيَاءه كذا قدَّرَه الجُمْهُور. وقال الزَّمَخْشَريُّ: "يُحَارِبُون رسُول الله، ومحاربة المُسْلِمِين في حكم مُحَارَبَتِه". يعني: أنَّ المقصود أنَّهم يُحَارِبون رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكر اسْم الله - تبارك وتعالى - تَعْظِيماً وتَفْخِيماً لمن يُحَارَبُ، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك عند قوله تعالى: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 9]. فإن قيل: المُحَارَبة مع اللَّه - عزَّ وجل - غيْر مُمْكنة، فيجب حَمْلُه على المحاربة مع أولياء اللَّه، والمحاربةُ مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ممكِنَةٌ فلفظ {يحاربون اللَّه ورسولَهُ} يَلْزَم أن يكون مَحْمُولاً على المجاز والحقيقة معاً فلفظ المحاربة بما نُسِبَت إلى الرَّسُول فلفظ المحاربة إذا نُسِبَت إلى اللَّه تعالى كان مَجَازاً، لأن المُراد منه مُحَاربة أوْلِيَاء اللَّه، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُول كانت حَقِيقَة، وذلك مُمْتَنِعٌ. فالجواب: إنَّما تحمل المُحاربة على مُخالفةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ. والتقدير: إنَّما جزاء الذين يُخالِفُون أحْكامَ اللَّه تعالى وأحكام رسُولِه، ويَسْعَوْن في الأرْض فَسَاداً كذا وكذا، ومن يجز ذلك لم يَحْتَجْ إلى شيء من هذه التَّأوِيلات بل يقول تُحْمَلُ محاربتهم للَّه - تعالى - على مَعْنًى يَلِيق بها، وهي المُخالفةُ مَجازاً، ومحاربَتُهم لِرسُوله على المُقاتلةِ حَقِيقة. قوله: "فساداً" في نصبه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه مَفْعُول من أجله، أي يُحَاربُون ويسْعَون لأجل الفساد، وشروط النَّصْبِ موجُودة. الثاني: أنَّه مصدر وَاقع موقع الحَالِ: ويسْعَوْن في الأرْض مفسدين، أو ذوي فساد، أو جُعِلُوا نفس الفساد مُبالغةً، ثلاثة مذاهب [مشهورة] تقدَّم تَحْرِيرها. الثالث: أنه منْصُوب على المصدر، أي: إنَّه نَوْع من العامل قبله، فإنَّ معنى "يَسْعَوْن" هنا: يُفْسدُون وفي الحَقِيقة، فـ "فسادٌ" قائم مقام الإفساد [والتقدير:]، ويفسدون في الأرْض بسعيهم إفْساداً. و"فِي الأرْضِ" الظّاهر: أنه متعلِّق بالفِعْل قَبْلَه، كقوله: {أية : سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ} تفسير : [البقرة: 205]. وقد أجيز أن يكون في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ؛ لأنَّه يجُوز أن لو تأخَّر عنه أن يكون صِفَةً له. وأجيز أن يتعلَّق أيضاً بنَفْس "فساداً"، وهذا إنَّما يَتمشّى إذا جعلْنَا "فَسَاداً" حالاً. أمَّا إذا جَعَلْنَاهُ مصدراً امتنع ذلك لِتَقَدُّمِهِ عليه، ولأنَّ المؤكد لا يَعْمَل. وقرأ الجمهور "أنْ يُقَتَّلُوا" وما بعده من الفِعْلَين بالتثقيل، ومعناه: التَّكْثير بالنِّسْبَة إلى من تقعُ به هذه الأفْعَال. وقرأ الحسن وابنُ مُحَيْصِن بِتَخْفِيفِهَا. قوله تعالى "مِن خِلافٍ" في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من "أيْدِيهِمْ" و"أرْجُلِهِمْ" أي: [تقطع مختلف] بمعنى: أن يقْطَع يَدَهُ اليُمْنَى، ورجله اليُسرى. والنَّفي: الطَّرْد. و"الأرض" المراد بها هاهُنَا ما يُريدُون الإقامَة بها، أو يُراد من أرْضِهِمْ. و"ألْ" عوض من المضاف إليه عِنْد من يَرَاهُ. فصل قال الضَّحَّاك: نزلت في قوم مِنْ أهْل الكتاب، كان بَيْنهم وبين رسُول الله صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ، فَنَقَضُوا العَهْد وقطعُوا السَّبِيل وأفْسَدوا. وقال الكَلْبِي: نزلت في قَوْم هِلال بن عُوَيْمر، وذلك أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم واعد هلال بن عُوَيْمِر وهو أبو بُرْدَة الأسْلَمي، على ألا يُعِينَهُ ولا يُعِين عليه، ومن مرَّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فهو آمِنٌ لا يُهَاجُ، فمرَّ قوم من بَنِي كِنَانَة يريدون الإسلام، بِنَاس من أسْلَم من قَوْم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شَاهِداً، فَشَدُّوا عليهم فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالهم، فنزل جبريل بالقِصَّة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في نَاسٍ من عُرَيْنَة وعكل أتَوا النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وبايعوه على الإسلام وهم كَذَبة، فَبَعَثَهُم النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - إلى إبل الصَّدقةِ فارْتَدُّوا، وقتلوا الرَّاعِي واسْتَاقُوا الإبِل، فبعث النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - من رَدَّهم وأمر بِقَطْع أيديهم وأرجُلهم، وسَمْل أعْيُنِهم بمَسَامِير وكحلهم بها، وطَرحهم في الحَرِّ يَسْتَسْقُون فلا يُسْقَون حتى ماتُوا. قال أبو قِلابَة: هؤلاء قَتَلُوا وسَرَقُوا، وحاربُوا الله ورسُولَهُ وَسَعَوْا في الأرْضِ فساداً، فنزلت هذه نَسْخاً لِفْعِل النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فصارت السُّنَّة مَنْسُوخة بهذا القُرْآن العظيم، ومن قال إنَّ السُّنَّة لا تُنْسَخُ بالقُرْآن قال: إنما كان النَّاسِخ لتلك السُّنَّة سُنَّة أخْرى: ونزل هذا القُرْآن العَظِيم مُطَابِقاً للسُّنَّة النَّاسخة. وقال بعضهم: حُكُمُهم ثَابِت إلا السَّمل والمُثْلَة، وروى قتادةُ عن ابن سيرين أنَّ ذلك قَبْل أن تَنْزِل الحُدُود. قال أبو الزَّنَاد: ولما فعل رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ذلك بهم أنْزل اللَّه الحُدُود، ونَهَاهُ عن المُثْلة فلم يَعُد، وعن قتادةُ قال: بَلَغَنَا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم [بعد ذلك كان يحثّ على الصَّدَقة ويَنْهَى عن المُثْلة، وقال سليمان التَّيْمِي عن أنس: إنَّما سَمَل النبي - صلَّى الله] عليه وعلى آله وسلَّم - أعْيُن هؤلاء؛ لأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُّعَاة. وقال الليث بن سَعْد: نزلَت هذه الآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وتَعْلِيماً له عُقُوبَتهم وقال: إنَّما جَزَاؤهم لا المُثْلَة، ولذلك ما قَامَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - خَطِيباً إلا نَهَى عن المُثْلَة. وقيل: نزلت هذه الآية في الَّذِين حُكي عنهم من بَنِي إسرائيل - أنَّهُم بعد أنْ غلظ عليهم عِقَابُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوان، فهم مُسْرِفون في القَتْلِ ويُفْسِدون في الأرْض، فمن أتى منهم بالقَتْلِ والفَسَادِ في الأرْضِ فَجَزَاؤهُم كذا وكذا. وقيل: نزلت هذه الآية في قطَّاعِ الطَّرِيق من المُسْلِمين [وهذا قول] أكثر الفقهاء قالوا: والذي يدل على أنَّهُ لا يَجُوز حَمْلُ الآية على المُرْتَدِّين من وجوه: أحدها: أنَّ قطع المرتدِّ لا يقف على المُحَاربة، ولا على إظهار الفَسَاد في دار الإسلام، والآية تَقْتَضِي ذلك. وثانيها: لا يجوز الاقتصَار في المرتدِّ على قَطْعِ اليَدِ، ولا على النَّفْي، والآية تقتضي ذلك. وثالثها: أن الآية تَقْتَضِي سقوط الحد بالتَّوْبة قبل القُدْرة؛ لقوله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ}. والمرتَدُّ يسقط حَدُّه بالتَّوبة قبل القُدْرة وبعدها، فدلَّ على أن الآية لا تعلُّقَ لها بالمُرْتَدِّين. ورابعها: أن الصَّلْب غير مشْرُوع في حق المُرْتَدِّ، وهو مشروع هاهنا فوجَب ألا تكون الآية مُخْتَصَّة بالمرتدِّين. وخامسها: أنَّ قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} يتناول كل من يُوصَف بهذه سواءً كان مُسْلِماً أو كافراً، ولا يُقالَ: الآية نزلت في الكُفَّار؛ لأن العبرة بعُمُوم اللَّفْظ لا خُصوص السَّبَب، فإن قيل: المُحَارِبُون هم الذين يَجْتَمِعُون ولهم مَنَعَةٌ، ويَقْصدون المُسْلِمين في أرواحهم ودِمَائهم، واتَّفَقُوا على أنَّ هذه الصِّفَة إذا حصلت في الصَّحَراء كانوا قُطَّاع الطَّريق، وأما إن حصلت في الأمْصار، فقال الأوْزَاعيُّ ومالِكٌ واللَّيْث بن سَعْد والشَّافِعِيّ: هم أيضاً قُطَّاع الطَّريق، هذا الحدُّ عليهم، قالوا: وإنَّهم في المُدُن يكونون أعْظَم ذَنْباً فلا أقَلَّ من المُسَاوَاة، واحتَجُّوا بالآية وعُمُومها، ولأنَّ هذا حدّ فلا يَخْتَلِفُ كَسَائِر الحدود [وقال أبو حنيفة ومُحَمَّد: إذا حصل ذلك في المِصر لا يُقام عَلَيْه الحُدُود] لأنه لا يلحقه الغَوْثُ في الغالِبِ فلا يتمكَّن من المغالبة، فصار في حكم السَّارِق. فصل قوله تعالى في الآية {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}. اختلف العلماء في لفظة "أوْ": فقال ابن عبَّاس في رواية الحسن، وسعيد بن المسيب، ومُجاهد، والنَّخْعِي: إنَّها للتَّخْيير، والمعنى: أنَّ الإمام مخيَّر في المُحَاربين، إن شاء قَتَلَ، وإن شَاء صَلَب، وإن شاء قَطَعَ الأيْدِي والأرجل، وإن شاء نَفَى، وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - في رواية عطاء: "أوْ" هاهنا [لَيْسَت] للتَّخيير، بل لبيانِ الأحْكَام وتَرْتِيبهَا. قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - في قُطَّاع الطريق إذا قتلوا وأخَذُوا المال: قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يأخُذُوا المال، قُتِلُوا ولم يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المال ولم يَقْتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم، وإذَا قَتَلُوا ولم يَأخذُوا المالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المال ولم يَقْتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيديهم وأرْجُلُهم من خلافٍ، وإذا أخافُوا السَّبيل، ولم يأخُذُوا مالاً؛ نُفُوا من الأرض، وهذا قول قتادة [والشَّافعي، والأوْزَاعِيِّ]، وأصحاب الرَّأي. واختَلَفُوا في كَيْفِيَّة القَتْلِ والصَّلْب، فظاهر مَذْهَبِ الشَّافعيّ: أنه يُقْتَل ثم يُصْلَب، وقيل: يُصْلب حيّاً ثم يُطْعَن حتى يموت مصْلُوباً، وهو قول اللَّيْث بن سَعْد، وقيل: يُصْلَب ثلاثة أيَّام، ثم ينزل ثم يُقْتَل، وإذا قَتَلَ يُقْتَلُ حتماً، لا يسقط بعَفْو وَلِيّ الدَّم. واختُلِفَ في النَّفْي: فقال سعيد بن جُبَيْر، وعُمَرُ بن عَبْد العزِيز: أنَّ الإمام يطلبه ففي كُلِّ بلد يُوجَد ينفى عنه، وقيل: يُطْلَبُون ليُقَام عليهم الحُدُود، وهو قول ابن عبَّاس، واللَّيث بن سَعْد، وبه قال الشَّافعي، وإسْحَاق. وقال أبو حنيفة: النَّفْي هو: الحبس، وهو اخْتِيَار أهْل اللُّغَة. قالوا: لأن قوله {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}: إمَّا أن يكُون المُرَادُ به النَّفي من جميع الأرْضِ، وذلك غير مُمْكِن مع بَقَاءِ الحياة، [وإمَّا] أن يكون المُرَاد إخراجه من تلك البلدة إلى بَلْدَةٍ أخرى وهو غَيْر جَائِزٍ، لأنَّه إمَّا أن يُنْفَى من بِلاد الإسْلام فَيُؤذيهم، أو إلى بِلاد الكُفْر فيكون تَعْرِيضاً له بالرِّدَّة، وذلك غَيْرُ جَائِزٍ، فلم يَبْقَ إلاَّ أنْ يكُون المُراد من النَّفْي نَفْيهُ عن جميعِ الأرْض إلى مكانِ الحَبْس قالوا: والمَحْبُوس: قد يُسَمَّى منفياً من الأرض لأنه لا يَنْتَفِع بشيء من طَيِّبَات الدُّنيا ولذَّاتها، ولا يرى أحَداً من أحبابه، فصار منفياً عن اللَّذات والشَّهَوات والطَّيِّبات فكان كالمَنْفِي في الحقيقةِ، ولما حَبَسُوا صالح بن عبد القُدُّوس على تُهْمَة الزَّندقة في حبس ضيقٍ وطال لَبْثه هُنَاك ذكر شِعْر منه: [الطويل] شعر : 1957- خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الأمْوَاتِ فِيهَا ولا الأحْيَا تفسير : وقال - سامَحه اللَّه وعفا عنه وعنَّا - قوله: [الطويل] شعر : 1958- إذا [جَاءنَا] السَّجَّانُ يَوْماً لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا: جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا تفسير : قوله تعالى: {ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا}. "ذلك" إشارةٌ إلى الجزاء المُتقدِّم، وهو مُبْتَدأ. وقوله: "لَهُمْ خِزْيٌ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكُون "لهم" خبراً مُتقدِّماً، و"خِزْي" مُبْتَدأ مُؤخَّر، و"فِي الدُّنْيا" صِفَةٌ له، فيتعلق بمحذُوف، أو يتعلَّق بنفس "خِزْي" على أنَّه ظَرْفيَّة، والجُمْلَة في محلِّ رفع خبر لـ "ذَلِكَ". الثاني: أن يكون "خِزْي" خبراً لـ "ذلك"، و"لهم" مُتعلِّق بمحذُوف على أنَّه حال من "خِزْي"؛ لأنَّه في الأصْل صِفَةٌ له، فلمَّا قُدِّم انْتَصَب حالاً. وأمَّا "في الدُّنْيَا" فيَجُوز فيه الوجهان المتقدِّمان من كونهِ صِفَةً لـ "خزي" أو مُتعلِّقاً به، ويجُوزُ فيه أن يكون مُتعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به "لَهُم". الثالث: أن يكون ["لَهُمْ"] خبراً لـ "ذلك" و"خِزْي" فاعل، ورفع الجار هنا الفاعل لمَّا اعْتَمَد على المُبْتدأ، و"فِي الدُّنْيَا" على هذا فيه الأوْجُه الثلاثة. فصل في شبهة للمعتزلة وردها المراد بالخِزْي في الدُّنْيَا: الفَضِيحة والهَوَان والعَذَاب، ولَهُمْ في الآخرة عَذَابٌ عَظِيم. قالت المُعْتَزِلَةُ: دلَّت الآية [على القَطْعِ بوَعِيد] الفُسَّاق من أهْل الصَّلاة وعلى أنَّ عِقَابَهم قد أحْبَطَ ثوابهم؛ لأنَّه تعالى حَكَم بأنَّ ذلك لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيا وذلك يدل على أن اسْتِحْقَاقهم للذمِّ في الحَالِ، وإذا اسْتَحَقُّوا الذَّم في الحالِ امْتَنَع اسْتِحْقَاقهم للمَدْح والتَّعْظيم؛ لأنَّ ذلك جَمْعٌ بين الضِّدَّيْن، وإذا كان كذلِك ثَبَتَ القَطْع بوعيد الفُسَّاق، وثَبَتَ القول بالإحْبَاط. والجوابُ: لا نِزَاع بيننا وبَيْنَكم أنَّ هذا إنَّما يكون وَاقِعاً على جِهَة الخِزْي والاسْتِحْقَاقِ، إذَا لَمْ يَتقدَّمه تَوْبة، وإذا جازَ لكم [أن تَشْتَرِطُوا هذا الحُكْم بِعَدَم التَّوْبة] لِدَليل دَلَّ على اعْتِبَار هذا الشَّرْط، فنحن أيضاً نشترط لهذا الحُكْم عدم العَفْو، وحينئذٍ لا يَبْقَى الكلام إلاّ في أنَّهُ هل دَلَّ الدَّليل [على أنَّه - تعالى -] يَعْفُو عن الفُسَّاق أم لا؟ وقد تقدَّمت هذه المسْألة في سُورة البقرة عند قوله تعالى {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} تفسير : [البقرة: 81]. قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّه مَنْصُوب على الاسْتِثْنَاء من المحاربين، وللعُلَماء خلافٌ في التَّائِب من قُطَّاع الطَّريق، هل تَسْقط عنه العُقُوبات كُلُّها، أو عقوبة قَطْع الطَّريق فقط؟. وأما ما يتعَلَّق بالأمْوَال وقتل الأنْفُس، فلا تسقط، بل حُكْمُه إلى صاحِبِ المال، وَوَلِيِّ الدَّم، والظَّاهر الأوّل. الثاني: أنَّه مرفوع بالابْتِدَاء، والخبر قوله: "فإنَّ الله غَفُورٌ رحيم" والعَائِد مَحْذُوف، أي: غفور له؛ ذكر هذا الثَّاني أبُو البقاء. وحينئذٍ يكون استثناءً مُنْقَطِعاً بمعنى: لكن التَّائِب يُغْفَر لَهُ. فصل من ذَهَب إلى أنَّ الآية نَزَلَت في الكُفار قال: {إلاَّ الَّذِين تَابُوا}: من شركهم: وأسْلَموا قبل أن تَقْدِروا عليهم فَلاَ سَبِيل عليهم بِشَيْءٍ من الحدُود ولا تَبِعَة عليهم فيما أصَابُوا في حال الكُفْر من دَمٍ أوْ مَال. أما المُسْلِمُون المحاربون: فمن تاب منهم قبل القُدْرَة عَلَيْه، وهو قبل أنْ يَظْفَر بِهِمُ الإمَام تَسْقُط عَنْهُ كل عُقُوبة وجبت حقاً لله تعالى، ولا يَسْقُط ما كان من حُقُوق العِبَاد، فإذا كان قد قَتَل في قَطْعِ الطَّريق يسقُطُ عنه بالتَّوْبة [قبل القُدْرَة عليه] تحتُّم القَتْل، ويبقى عليه القِصَاصُ لولي القَتِيل إن شَاءَ عفا عنه، وإن شَاءَ اسْتَوْفَاه، وإن كان قد أخَذَ المال يَسْقُط عنه القَطْع، وإن كان جمع بَيْنَهُما يسقط عنه تحتُّم القَتْل والصَّلْب، ويجب ضَمَان المال. وقال بعضهُم: إذا جاء تَائباً قبل القُدْرَة [عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ولا مال إلاّ أن يوجد معه مال بعينه فيردّه إلى صاحبه. روي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن زيد كان خرج محارباً فسفك الدماء، وأخذ الأموال ثم جاء تائباً قبل أن يقدر عليه فلم يجعل له عليه تبعة. أما من تاب بعد القدرة] فلا يَسْقُط عنه شيء منها. وقيل: كُلُّ عقُوبة تجب حقاً لِلَّه - تعالى - من عُقُوبَات قَطْع الطَّريق، وقطع السَّرقة، وحدِّ الزنا، والشُّرب تَسْقُط بالتَّوْبة بكل حال كما تقدَّم والأكْثَرُون على أنَّها لا تَسْقُط.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا الإسراف بعد هذه الموانع محاربة للناهي عنه، وكان تارة يكون بالقتل وتارة بغيره، وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من القتل لكونه كمن قتل الناس جميعاً، وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر: {إنما جزاؤا} وكان الأصل: جزاؤهم، ولكن أريد تعليق الحكم بالوصف والتعميم فقال: {الذين يحاربون الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {ورسوله} أي بمحاربة من نَهَيَا عن محاربته بقطع الطريق وهم مسلمون، ولهم منعة ممن أرادهم، ويقصدون المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو خارجها. ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً، أعلم أن هؤلاء عماد الشيطان بقوله: {ويسعون في الأرض} ولما كان هذا ظاهراً في الفساد، صرح به في قوله: {فساداً} أي حال كونهم ذوي فساد، أو للفساد، ويجوز أن يكون مصدراً ليسعون - على المعنى، ولما كانت أفعالهم مختلفة، فسم عقوبتهم بحسبها فقال: {أن يقتلوا} أي إن كانت جريمتهم القتل فقط، لأن القتل جزاؤه القتل، وزاد - لكونه في قطع الطريق - صيرورته حتماً لا يصح العفو عنه {أو يصلبوا} أي مع القتل إن ضموا إلى القتل أحد المال، بأن يرفع المصلوب على جذع، ومنهم من قال: يكون ذلك وهو حيّ، فحينئذٍ تمد يداه مع الجذع، والأصح عند الشافعية أنه يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمناً يشيع خبره فيه لينزجر غيره، ولا يزاد على ثلاثة أيام {أو تقطّع أيديهم} أي اليمنى بأخذهم المال من غير قتل {وأرجلهم} أي اليسرى لإخافة السبيل، وهذا معنى قوله: {من خلاف} أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط {أو ينفوا من الأرض} أي بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا في قبضة الإمام ليكونوا منتقلين من بلد إلى آخر ذعراً وخوفاً، وبالحبس إن وقعوا في القبضة، وكانوا قد كثروا سواد المحاربين وما قتلوا ولا أخذوا مالاً {ذلك} أي النكل الشديد المفصّل إلى ما ذكر {لهم} أي خاصاً بهم {خزي} أي إهانة وذل بإيقاعه بهم {في الدنيا} أي ليرتدع بهم غيرهم {ولهم} أي إن لم يتوبوا {في الآخرة} أي التي هي موطن الفصل بإظهار العدل {عذاب عظيم} أي هو بحيث لا يدخل تحت مَعارِفِكم أكثر من وصفه بالعظم. ولما كان التعبير بـ "إنما" يدل بختم الجزاء على هذا الوجه، استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى، ولذا قال: {من قبل} وأثبت الجار إشارة إلى القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة {أن تقدروا عليهم} أي فإن تحتم الجزاء المذكور يسقط، فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلاّ إذا طلب صاحب الحق، فإن عفا كان له ذلك، وأما حق الله تعالى فإنه يسقط، وإلى هذا الإشارة أيضاً بقوله تعالى: {فاعلموا أن الله} أي على ما له من صفات العظمة {غفور رحيم *} أي صفته ذلك أزلاًَ وأبداً، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء، وأفهمت الآية أن التوبة بعد القدرة لا تسقط شيئاً من الحدود. ولما ذكر تعالى حكمهم عند التوبة، وختم الآية بما يناسب من الغفران والرحمة، وكان ذلك ربما كان جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه المتعالي، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله: {يا أيها الذين آمنوا} أي وجد منهم الإقرار بالإيمان {اتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية تصديقاً لما أقررتم به، لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام. ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخلٍّ من فضائح المنهيات وتحلٍّ بملابس المأمورات، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد، أتبعه الثاني فقال: {وابتغوا} أي اطلبوا طلباً شديداً {إليه} أي خاصة {الوسيلة} أي التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه غفور رحيم. ولما كان سببحانه قد قدم أوامر ونواهي، وكان الاستقراء قد أبان الناس عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض، وكان قد أمر المقبل بجهاد المعرض، وكان للجهاد. بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيدُ خصوصية، أفرد بالذكر تأكيداً لما مضى منه وإعلاماً بأنه للعاصي مطلقاً سواء كان بالكفر أو بغيره فقال: {وجاهدوا في سبيله} أي لتكون كلمته هي العليا {لعلكم تفلحون *} أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه، وهذا شامل لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته وأدناها.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} قال: نزلت في المشركين، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في هذه الآية قال "كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله نبيه فيهم إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يصلب، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأما النفي فهو الهرب في الأرض، فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قُبِل منه ولم يؤخذ بما سلف". وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد قال: نزلت هذه الآية في الحرورية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية. وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس "أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وآمنوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها، فقتلوا راعيها واستاقوها، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...} الآية". وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير عن ابن عمر قال: نزلت آية المحاربين في العرنيين. وأخرج ابن جرير قال: "قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة مضرورين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح، ثم صرخوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين، فقدمنا بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فأنزل الله هذه الآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية ". وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس "فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه". وأخرج الحافظ عبد الغني في إيضاح الإشكال من طريق أبي قلابة عن أنس حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} قال: "هم من عكل" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال "قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزاره قد ماتوا هزالاً، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه فسرقوها فطلبوا، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أبو هريرة: فيهم نزلت هذه الآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} قال: فترك النبي صلى الله عليه وسلم الأعين بعد". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: "حديث : كان ناس من بني سليم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعوه على الإسلام وهم كذبة، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها، فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوا الراعي، وساقوا النعم، فركبوا في أثرهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فأنزل الله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية. فقتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وصلب، وقطع، وسمل الأعين، قال: فما مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد، ونهى عن المثلة وقال: لا تمثِّلوا بشيء ". تفسير : وأخرج مسلم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن أنس قال "إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة". وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية. قال: "نزلت في سودان عرينة، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل الصدقة، فقال اشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا حتى إذا صحوا وبرئوا قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم، فأراد أن يسمل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزل الله". وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال: ذكرت لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل بعدهم وغيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لابن عمر، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة ذلك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين أخذوا لقاحه وسمل أعينهم، عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..} الآية". وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..} الآية. قال: إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل يقطع من خلاف، واذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا خرج فقتل وأخذ المال قتل وصلب، واذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..} الآية. قال: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأفسد السبيل وظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخيَّر فيه، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، قال {أو ينفوا من الأرض} يهربوا يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب. وأخرج أبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه والبيهقي، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل خرج من الإسلام فحارب، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض ". تفسير : وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس "أن قوماً من عرينة جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وكان منهم مواربة قد شلت أعضاؤهم، واصفرت وجوههم، وعظمت بطونهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة يشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا حتى صحوا وسمنوا، فعمدوا إلى راعي النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، وجاء جبريل فقال: يا محمد ابعث في آثارهم، فبعث ثم قال: ادع بهذا الدعاء: اللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك، والمشرق مشرقك، والمغرب مغربك، اللهم ضيق من مسك حمل حتى تقدرني عليهم. فجاؤوا بهم، فأنزل الله تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..} الآية. فأمره جبريل أن من أخذ المال وقتل يصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال يقتل، ومن أخذ المال ولم يقتل تقطع يده ورجله من خلاف، وقال ابن عباس هذا الدعاء: لكل آبق، ولكل من ضلت له ضالة من انسان وغيره، يدعو هذا الدعاء، ويكتب في شيء ويدفن في مكان نظيف إلا قدره الله عليه". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..} الآية. قال: هذا الذي يقطع الطريق فهو محارب، فإن قتل وأخذ مالاً صلب، وإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، وإن أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده ورجله، وإن أخذ قبل أن يفعل شيئاً من ذلك نفي، وأما قوله {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فهؤلاء خاصة، ومن أصاب دماً ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء ومجاهد قالا: الإمام في ذلك مخير، إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب والحسن والضحاك في الآية قالوا: الإمام مخيَّر في المحارب يصنع به ما شاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك فال "كان قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبل، وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. قال: هو أن يطلبوا حتى يعجزوا، فمن تاب قبل أن يقدروا عليه قبل ذلك منه". وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في المشركين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نفيه أن يطلبه الإمام حتى يأخذه، أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحل. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله {أو ينفوا من الأرض} قال: من بلد إلى بلد. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ينفى حتى لا يقدر عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الزهري في قوله {أو ينفوا من الأرض} قال: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه، كلما سمع به أرض طلب. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: يخرجوا من الأرض، أينما أدركوا خرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال: من أخاف سبيل المؤمنين نفي من بلد إلى غيره. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {ويسعون في الأرض فساداً} قال: الزنا، والسرقة، وقتل النفس، وهلاك الحرث، والنسل. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير قالا: ان جاء تائباً لم يقطع مالاً، ولا سفك دماً، فذلك الذي قال الله {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، قد أفسد في الأرض وحارب، وكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فأتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، ثم قال {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن؟ قال: نعم. قال: فجاء به إليه، فبايعه وقَبِل ذلك منه وكتب له أماناً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال: صلى رجل مع أبي موسى الأشعري الغداة، ثم قال: هذا مقام العائذ التائب، أنا فلان بن فلان، أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر عليَّ، فقال أبو موسى: إن فلان ابن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل أن يقدر عليه، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فإن يكن صادقاً فسبيلي ذلك، وإن يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنبه. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن رجل سرق سرقة فجاء تائباً من غير أن يؤخذ عليه، هل عليه حد؟ قال: لا، ثم قال {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم...} الآية. وأخرج أبو داود في ناسخه عن السدي في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} قال: سمعنا انه إذا قَتَلَ قُتِلَ، واذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده بالمال، ورجله بالمحاربة، وإذا قتل وأخذ المال قطعت يده ورجلاه وصلب {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فإن جاء تائباً إلى الإمام قبل أن يقدر عليه فأمنه الإمام فهو آمن، فإن قتله إنسان بعد أن يعلم أن الإمام قد أمنه قتل به، فإن قتله ولم يعلم أن الإمام قد أمنه كانت الدية.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان حكمِ نوع من أنواع القتلِ وما يتعلق به من الفساد بأخذ المالِ ونظائرِه وتعيـينِ موجبِه العاجلِ والآجلِ إثرَ بـيانِ عظمِ شأن القتلِ بغير حق، وأُدرج فيه بـيانُ ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبـيحِ للقتل، قيل: أي يحاربون رسولَه، وذكرُ الله تعالى للتمهيد والتنبـيه على رفعة محلّه عنده عز وجل ومحاربةُ أهلِ شريعتِه وسالكي طريقتِه من المسلمين محاربةٌ له عليه السلام فيعم الحكمُ من يحاربهم ولو بعد أعصارٍ بطريق العبارة دون الدِلالةِ والقياس، لأن ورود النصِّ ليس بطريق خطابِ المشافهةِ حتى يختصَّ حكمُه بالمكلفين عند النزول فيُحتاجَ في تعميمه لغيرهم إلى دليل آخرَ، وقيل: جعلُ محاربة المسلمين محاربةً لله تعالى ورسولِه تعظيماً لهم والمعنى يحاربون أولياءَهما، وأصل الحربِ السلْب والمرادُ هٰهنا قطعُ الطريق، وقيل: المكابرة بطريق اللصوصية وإن كانت في مِصْرٍ {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ} عطف على يحاربون، والجارُّ والمجرور متعلقٌ به وقوله تعالى: {فَسَاداً} إما مصدرٌ وقع موقِعَ الحالِ من فاعل يسعون أي مفسدين أو مفعول له أي للفساد أو مصدر مؤكد ليسعون لأنه في معنى يفسدون على أنه مصدرٌ من أفسد بحذف الزوائد أو اسمُ مصدر. قيل: (نزلت الآية في قوم هلال بنِ عويمرٍ الأسلمي وكان وادَعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ألا يُعينَه ولا يُعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن لا يُهاج، ومن مر بهلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج، فمر قومٌ من بني كنانةَ يريدون الإسلام بناس من قوم هلالٍ ولم يكن هلال يومئذ شاهداً فقطعوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم)، وقيل: (نزلت في العُرَنيـين وقصتُهم مشهورة)، وقيل: (في قوم من أهل الكتاب بـينهم وبـين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فنقضوا العهدَ وقطعوا السبـيل، وأفسدوا في الأرض)، ولما كانت المحاربةُ والفسادُ على مراتبَ متفاوتةٍ ووجوه شتى من القتل بدون أخذِ المالِ، ومن القتل مع أخذه، وأخذِه بدون القتل، ومن الإخافة بدون قتلٍ وأخذ، شُرعت لكل مرتبةٍ من تلك المراتب عقوبةٌ معينة بطريق التوزيعِ فقيل: {أَن يُقَتَّلُواْ} أي حداً من غير صلبٍ إن أفردوا القتلَ، ولو عفا الأولياءُ لا يلتفت إلى ذلك، لأنه حقُّ الشرعِ، ولا فرق بـين أن يكون القتلُ بآلة جارحةٍ أو لا {أَوْ يُصَلَّبُواْ} أي مع القتل إن جمعوا بـين القتلِ والأخذِ بأن يصلّبوا أحياءً وتُبعَجَ بطونُهم برمح إلى أن يموتوا، وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك، وإن شاء قطع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، وصيغةُ التفعيل في الفعلين للتكثير وقرىء بالتخفيف فيهما {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ} أي أيديهم اليمنى وأرجلُهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المالِ من مسلم أو ذمي، وكان المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلاًّ منهم عشرةُ دراهمَ أو ما يساويها قيمتُه، أما قطعُ أيديهم فلأخذ المالِ وأما قطعُ أرجلهم فلإخافة الطريقِ بتفويت أمْنِه {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} إن لم يفعلوا غيرَ الإخافةِ والسعي للفساد، والمرادُ بالنفي عندنا هو الحبسُ فإنه نفيٌ عن وجه الأرضِ لدفع شرِّهم عن أهلها ويُعزّرون أيضاً لمباشرتهم منكر الإخافة وإزالة الأمن، وعند الشافعي رضي الله عنه النفي من بلد إلى بلد لا يزال يُطلب وهو هاربٌ فزعاً، وقيل: هو النفي عن بلده فقط، وكانوا ينفونهم إلى دَهْلَك وهو بلد في أقصى تِهامة، وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة. {ذٰلِكَ} أي ما فصل من الأحكام والأجزية، قيل: هو مبتدأٌ وقوله تعالى: {لَهُمْ خِزْىٌ} جملةٌ من خبر مقدمٍ على المبتدأ وقوله تعالى: {فِى ٱلدُّنْيَا} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لخزيٌ أو متعلق بخزيٌ على الظرفية، والجملةُ في محل الرفع على أنها خبر لذلك، وقيل: خزيٌ خبرٌ لذلك و(لهم) متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من خزي، لأنه في الأصل صفةٌ له، فلما قُدّم انتصب حالاً، وفي الدنيا إما صفةٌ لخزيٌ أو متعلقٌ به على ما مر، والخزيُ الذلُّ والفضيحة {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ} غير هذا {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادَرُ قدرُه لغاية عِظمِ جنايتِهم فقوله تعالى: {لَهُمْ} خبرٌ مقدم و{عَذَابِ} مبتدأٌ مؤخرٌ و{فِى ٱلآخِرَةِ} متعلق بمحذوف وقع حالاً من عذاب، لأنه في الأصل صفةٌ له فلما قدم انتصب حالاً أي كائناً في الآخرة.
القشيري
تفسير : السعي في الفساد على ضربين: بالظاهر وعقوبته معلومة في مسائل الفقه بلسان العلم، وفي الباطن وعقوبته واردة على الأسرار، وذلك بقطع ما كان متصلاً من واردات الحق، وكسوف شمس العرفان، والستر بعد الكشف، والحجاب بعد البسط. والحجاب استشعار الوحشة بعد الأُنْس، وتبديل توالي التوفيق بصنوف الخذلان، والنفي على بساط العبادة، والإخراج إلى متابعة النفوس، وذلك - واللهِ - خِزْيٌ عظيم وعذابٌ أليم.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} اى يحاربون اولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما لهم والمراد بالمحاربة قطع الطريق وهو انما يكون من قوم اجتمعوا فى الصحراء وتعرضوا لدماء المسلمين واموالهم وازواجهم وامائهم ولهم قوة وشوكة تمنعهم ممن ارادهم {ويسعون فى الارض فسادا} حال من فاعل يسعون اى مفسدين. نزلت فى قوم هلال بن عويمر الاسلمى وكان وادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن اتاه من المسلمين فهو آمن لا يهاج ومن مر بهلال الى رسول الله فهو آمن لا يهاج فمر قوم من بنى كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ حاضرا فقطعوا عليهم وقتلوهم واخذوا اموالهم. فان قلت بنفس ارادة الاسلام لا يخرج الشخص عن كونه حربيا والحد لا يجب بقطع الطريق عليه وان كان مستأمنا. قلت معناه تعلم احكام الاسلام فانهم كانوا مسلمين او يقال جاؤا على قصد الاسلام فهم بمنزلة اهل الذمة والحد واجب بالقطع على اهل الذمة ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى من القتل بدون اخذ المال ومن القتل مع اخذه ومن اخذه بدون قتل ومن الاخافة بدون قتل واخذ شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع فقيل {ان يقتلوا} اى حدا من غير صلب ان افردوا القتل ولو عفا الاولياء لا يلتفت الى ذلك لانه حق الشرع ولا فرق بين ان يكون القتل بآلة جارحة او لا {او يصلبوا} اى يصلبوا مع القتل ان جمعوا بين القتل والاخذ بان يصلبوا احياء وتبعج بطونهم برمح الى ان يموتوا ولا يصلبوا بعدما قتلوا لان الصلب حيا ابلغ فى الردع والزجر لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية {او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف} اى ايديهم اليمنى من الرسغ وارجلهم اليسرى من الكعب ان اقتصروا على اخذ مال من مسلم او ذمى وكان فى المقدار بحيث لو قسم عليهم اصاب كلا منهم عشرة دراهم او ما يساويها قيمة اما قطع ايديهم فأخذ المال واما قطع ارجلهم فلاخافة الطريق بتفويت امنه {او ينفوا من الارض} ان لم يفعلوا غير الاخافة والسعى للفساد والمراد بالنفى عندنا هو الحبس فانه نفى عن وجه الارض بدفع شرهم عن اهلها ويعزرون ايضا لمباشرتهم منكر الاخافة وازالة الامن {ذلك لهم خزى} كائن {فى الدنيا} اى ذل وفضيحة. قوله ذلك مبتدأ ولهم خبر مقدم على المبتدأ وهو الخزى والجملة خبر لذلك {ولهم فى الآخرة} غير هذا {عذاب عظيم} لا يقادر قدره لغاية عظم جنايتهم. فقوله تعالى لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وفى الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا من عذاب لانه فى الاصل صفة له فلما قدم انتصب حالا اى كائنا فى الآخرة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: سبب نزل الآية عند ابن عباس: قوم من اليهود كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل. وهو مناسب لما قبله، وقال جماعة: نزلت في نفر من عُكل وعُرينَة، أظهروا الإسلام بالمدينة، ثم خرجوا وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا إبله، فبعث في إثرهم، فأُخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فماتوا، ثم حُكمُها جارٍِ في كل محارب، والمحاربة عند مالك: هي حمل السلاح على الناس في بلد أو في خارج عنه، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا خارج البلد، و{فسادًا}: منصوب على العلة، أو المصدر، أو على حذف الجار. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله} حيث حاربوا عباده، فهو تغليظ ومُبالغة، {و} يحاربون {رسوله} كما فعل العُرَينيون أو غيرهم، {ويسعون في الأرض فسادًا} بالفساد كإخافة الناس، ونَهب أموالهم. قال ابن جزي: هو بيان للحرابة، وهي درجات؛ فأدناها: إخافة الطريق، ثم أخذ الأموال، ثم قتل النفس. فجزاؤهم {أن يُقتلوا أو يُصلبوا}، فالصلب مضاف للقتل، فقيل: يقتل ثم يصلب، إرهابًا لغيره، وهو قول أشهب، وقيل: يصلب حيًا ويُقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم، {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف}، فيقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد من الرسغ، والرجل من المفصل كالسرقة، {أو يُنفوا من الأرض} أي: ينفوا من بلد إلى بلد، ويسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم. وقال أبو حنيفة: يسجن في البلد بعينه. ومذهب مالك: أن الإمام مخير في المحارب بين ما تقدم، إلا أنه قال: إن كان قتل فلا بد من قتله، وإن يقتل فالأحسن أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب. أولئك المحاربون {لهم خزي في الدنيا}: ذل وفضيحة، {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} لعظم ذنوبهم. ظاهره أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحاربين بخلاف سائر الحدود. ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، وفي الآخرة لمن لم يعاقب، {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} بأن جاءوا تائبين {فاعلموا أن الله غفور رحيم}، فيسقط عنهم حكم الحرابة، واخُتلف: هل يطالب بما عليه من حقوق الناس كالدماء أم لا؟ فقال الشافعي: يسقط عنه بالتوبة حد الحرابة، ولا يسقط حقوق بني آدم، وقال مالك: يسقط عنه جميع ذلك، إلا أن يُوجد معه مال رجل بعينه، فَيُرَدَّ إلى صاحبه، أو يطلبه ولي دم بدم تقوم البينة فيه، فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي لم يطالب بها، فلا يتبعه الإمام بشيء منها. وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة، يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد، وإن أسقطت العذاب، والآية في قُطَّاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها. هـ. قاله البيضاوي: والله تعالى أعلم. الإشارة: فرق كبير بين من يرجع إلى الله بملاطفة الإحسان، وبين من يقاد إليه بسلاسل الامتحان، هؤلاء المحاربون لم يرجعوا إلى الله حتى أُخذوا وقُتلوا وصُلبوا أو قطعت أيديهم وأرجلهم. وإن رجعوا إليه اختيارًا قبلهم، وتاب عليهم ورحمهم وتعطف عليهم، وكذلك العباد: من رجع إلى الله قبل هجوم منيته قَبِله وتاب عليه، وإن جد في الطاعة قرَّبه وأدناه، وإن تقدمت له جنايات، وقد خرج من اللصوص كثير من الخصوص، كالفضيل، وابن أدهم، وغيرهما، ممن لا يحصى، سبقت لهم العناية فلم تضرهم الجناية. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم حضَّ على التقوى التي هي مجمع الخير والفوز من كل شر، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.
الطوسي
تفسير : المحارب عندنا هو الذي أشهر السلاح وأخاف السبيل سواء كان في المصر أو خارج المصر، فان اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء. وبه قال الاوزاعي ومالك والليث بن سعد وابن لهيعة والشافعي والطبري. وقال قوم: هو قاطع الطريق في غير المصر ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه وهو المروي عن عطاء الخراساني. ومعنى {يحاربون الله} يحاربون أولياء الله ويحاربون رسوله {ويسعون في الأرض فساداً} وهو ما ذكرناه من أشهار السيف واخافة السبيل. وجزاءهم على قدر الاستحقاق إن قتل قتل وان أخذ المال وقتل قتل وصلب وان أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. وان اخاف السبيل فقط فانما عليه النفي لا غير هذا مذهبنا. وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله (ع) وهو قول ابن عباس وابي مجلز وسعيد بن جبير، والسدي، وقتادة، والربيع وابراهيم - على خلاف عنه - وبه قال أبو علي الجبائي والطبري وحكي عن الشافعي أنه إِن أخذ المال جهراً كان للامام صلبه حياً وان لم يقتل. {وأن يقتلوا} في موضع رفع وتقديره إِنما جزاؤهم القتل، والصلب أو القطع من موضع الخلاف، ومعنى (إِنما) ليس جزاؤهم الا هذا قال الزجاج: اذا قال جزاؤك عندي درهم جاز أن يكون معه غيره، فاذا قال انما جزاؤك درهم كان معناه ما جزاؤك إلا درهم. واختلفوا في سبب نزول هذه الاية فقال ابن عباس والضحاك، نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وسلم) موادعة فنقضوا العهد، وأفسدوا في الارض، فخير الله نبيه في ما ذكر في الآية، وقال الحسن وعكرمة نزلت في أهل الشرك. وقال قتادة، وأنس وسعيد بن جبير والسدي: انها نزلت في العرنيين والعكليين حين ارتدوا وأفسدوا في الارض فأخذهم النبي (صلى الله عليه وسلم) وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم وفي بعض الاخبار أحرقهم بالنار. ثم اختلفوا في نسخ هذا الحكم الذي فعله بالعرنيين، فقال البلخي وغيره نسخ ذلك بنهيه عن المثلة. ومنهم من قال: حكمه ثابت في نظرائهم لم ينسخ. وقال آخرون لم يسمل النبي (صلى الله عليه وسلم) أعينهم وإِنما أراد أن يسمل فأنزل الله آية المحاربة، والذي تقوله: إِن عندنا ان كان فيهم طليعة لهم حتى يقتلوا قوماً سملت عين الربيئة وأجري على الباقين ما ذكرناه. وقال قوم: الامام مخير فيه ذهب اليه ابن عباس في رواية ومجاهد والحسن وسعيد بن المسيب، وعطا وابراهيم في رواية عنه. فمن قال بالاول، ذهب الى أن (أو) في الآية تقتضي التفصيل ومن قال بالثاني ذهب الى انها للتخيير. ومعنى قوله: {وأرجلهم من خلاف} معناه أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. ولو كان موضع (من) (على) أو (الباء) لكان المعنى واحداً. وقوله {أو ينفوا من الأرض} في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يخرج من بلاد الاسلام ينفى من بلد الى إلا بلد إِلا أن يتوب ويرجع وهو الذي نذهب اليه. وبه قال ابن عباس، وأنس بن مالك، ومالك ابن أنس، والحسن والسدي والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع ابن انس، والزهري. وقال أصحابنا لا يمكن أيضاً من دخول بلاد الشرك، ويقاتل المشركون على تمكينهم من ذلك حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الحق. وقال الفراء النفي أن يقال: من قتله فدمه هدر. والثاني - انه ينفى من بلد الى بلد غيره ذهب اليه سعيد بن جبير في رواية أخرى، وعمر بن عبد العزيز. الثالث ان النفي هو الحبس ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه. أصل النفي الاهلاك ومنه النفي الاعدام، فالنفي الاهلاك بالاعدام. ومنه النفاية لردئ المتاع. ومنه النفي، وهو ما تطاير من الماء عن الدلو، قال الراجز: شعر : كأن متنيه من النفيِّ مواقع الطير على الصفيِّ تفسير : والنفي الطرد قال أوس بن حجر: شعر : ينفون عن طرق الكرام كما ينفى المطارق ما يلي الفرد تفسير : وقوله {ذلك لهم خزي في الدنيا} معناه أن فعل ما ذكرناه من الاحكام خزي في الدنيا، والخزي الفضيحة يقال خزي يخزي خزياً إِذا افتضح وخزى يخزى خزاية إِذا استحيا وخزوته اخزوه خزوا إِذا سسته ومنه قول لبيد: شعر : واخزها بالبر لله الاجل تفسير : {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} معناه زيادة على ذلك وهذا يبطل قول من قال اقامة الحدود تكفير للمعاصي لانه يقال مع اقامة الحدود عليهم بين ان لهم في الآخرة عذاباً عظيما ومعنى ان لهم في الآخرة عذاباً عظيما انهم يستحقون ذلك ولا يدل على انه يفعل بهم ذلك لا محالة لانه يجوز أن يعفو الله عنهم ويتفضل عليهم باسقاط عقابهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} بمحاربة اوليائه وعباده المؤمنين {وَرَسُولَهُ} بمحاربة نفسه او خليفته او المؤمنين او بقطع طريقهم او قطع طريق من يريد الرّسول (ص) والامام (ع) واقلّه ان يشهر السّيف لاخافة مؤمن ويحمل السّيف باللّيل الاّ ان لا يكون من اهل الرّيبة {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} مفعول مطلق ليسعون من غير فعله او بتقدير مصدرٍ من السّعى، والافساد فى الارض بقطع طريقٍ ونهب مالٍ وقتل نفسٍ {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} وقد اختلف الاخبار فى انّ العقوبات مخيّرة او منوطة برأى الامام كيف شاء، او منوطة برأيه لكن بملاحظة الجناية ومقدارها واختياره العقوبة على قدر الجناية، وكذا فى النّفى من الارض بأنّه اخراج من المصر الّذى هو فيه الى مصرٍ آخر، مع انّه يكتب الى ذلك المصر بانّه منفىّ فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تؤاكلوه ولا تشاربوه الى سنة، او بأنّه اغراق فى البحر، او بأنّه ايداع فى الحبس {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ليس المراد بهذه التّوبة هى الّتى بين الله وبين العبد من النّدم على المعصية واجراء لفظ التّوبة على اللّسان، فانّه لا تعلم الا باقرار التّائب واقرار الشّخص غير نافذ فيما هو له، بل فيما هو عليه بل المراد هى الّتى تكون مناط الاسلام او الايمان بقبول الدّعوة الظّاهرة او الدّعوة الباطنة فانّها ليست امراً بين الله وبين العبد فقط، بل لا بدّ فيها من قبول الرّسول (ص) او الامام (ع) توبته والاستغفار له واخذ الميثاق منه، ومن استغفر الرّسول (ص) او الامام له وقبل توبته فهو مغفور له مقبول توبته ومشهود له بالتّوبة، لانّ الاسلام يجبّ ما قبله، ولمّا ذكر حال المحاربين والمفسدين وانّ عقوبتهم فى الدّنيا وفى الآخرة اشدّ عقوبة وانّ من تاب على يد الرّسول (ص) او الامام (ع) وتوسّل بهما الى الله يسقط منه تلك العقوبة العظيمة، صار المقام مناسباً لان ينادى التّائبين على يد محمّد (ص) ويحذّرهم عمّا يوجب تلك العقوبة ويرغّبهم فيما يسقطها فيقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا}.
الأعقم
تفسير : {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} ومحاربة المسلمين في حكم محاربته {ويسعون في الأرض فساداً} يعني مفسدين، الآية نزلت في قوم هلال بن عويمر وكان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهود فمر به قوم يريدون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقطعوا عليهم الطريق، وقيل: في قوم من عونه نزلوا المدينة مظهرين الإسلام فاستوخموها واصفرّت ألوانهم فبعثهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا ومالوا على قتلهم واستاقوا الإِبل وارتدوا فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من يردّهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وثمل أعينهم وتركهم في الحر حتى ماتوا، قيل: من جمع بين القتل وأخذ المال قُتِل وصُلِبَ، ومن أفرد القتل قُتِل، ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال ورجله، ومن أفرد الإِخافة نفي من الأرض، قال جار الله: وهذا حكم كل قاطع طريق كافراً كان أو مسلماً ومعناه: أن يقتلوا من غير صلب ان افردوا القتل وأن يصلبوا مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ للمال، قوله تعالى: {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} ان أخذوا المال {أو ينفوا من الأرض} ان لم يزيدوا على الاخافة، وعن الحسن: أن الإِمام مخيّر بين هذه الوجوه وقد قيل في النفي: أنه يحبس، وقيل: يطرد، وقيل: ينفى من بلده وكانوا ينفونهم {ذلك لهم خزي في الدنيا} أي ذلّ وفضيحة {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} {إلا الذين تابوا} استثناء من المعاقبين عقاب قاطع الطريق خاصة قاله جار الله، وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء إن شاؤوا عفوا وإن شاؤوا استوفوا، وعن علي (عليه السلام): أن الحرث بن زيد جاءه تائباً بعد ما كان يقطع الطريق فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة، قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} خطاب لجميع المؤمنين والوسيلة هي ما يتوسل به من قراءته أو صنيعه أو غير ذلك وما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي، قوله تعالى: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض} أي لو ملكوا جميع ما في الأرض ومثل ذلك: {ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم} قوله: {يريدون أن يخرجوا من النار} قيل: يريدون أن يخرجون منها ولا يتمكنون من ذلك، وقيل: يتمنون الخروج {وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} ثابت لا يزول، قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} والمقدار الذي يجب القطع عليه عشرة دراهم، وعن مالك والشافعي ربع دينار، وعن الحسن درهم {فمن تاب من بعد ظلمه} يعني من بعد سرقته {وأصلح} أمره فإن الله يتوب عليه بسقوط عذاب الآخرة وأما القطع فلا يسقط عند أبي حنيفة، وعن الشافعي في أحد قوليه يسقط، وقيل: نزلت الآية في طعمة بن أبيرق، وقيل: حديث : في امرأة سرقت فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقطع يدها فقال قومها: نحن نفديها بخمس مائة دينار فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "اقطعوا يدها اليمنى" فقالت المرأة: هل لي من توبة؟ قال: "نعم" تفسير : فنزل قوله: {فمن تاب من بعد ظلمه} الآية، وقيل: من تاب رجع، قيل: تاب قبل إقامة الحدّ عليه، وقيل: برد السرقة قبل القدرة عليه لم يقطع، وقيل: بالتوبة وهو الندم على ما فعل والعزم على أن لا يعود، وقوله: {فإن الله يتوب عليه} أي يقبل توبته {إن الله غفور} لِمَنْ تاب {رحيم} يقبل توبته.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ}: على حذف مضاف، أى يحاربون أولياء الله ورسوله، لأن الله لا يحاربه أحد لا يقاتله و لا يسلب عنه شيئاً تعالى عن ذلك، وأما رسوله فذلك ممكن معه، ولكن عطف على لفظ الجلالة فقدر لهما مضاف واحد، فبعد تقديره تكسر لام رسوله، ويجوز أن لا يقدر مضاف فى حق رسوله، فبعد تقديره قبل لفظ الجلاله تبقى لام رسوله مفتوحة للعطف على لفظ المضاف، وهو أولياء وقيل التقدير يعطف على لفظ الجلالة، وأصل المحاربة أخذ مال أحد، تقول: حرب الرجل ماله أى سلبه فهو محروب وحريب، ثم استعمل فى القتل والضرب وأنواع المضار، وأخذ المال. ويجوز أن يراد بالمحاربة ما خلفة الله ورسوله فى أمرهما ونهيهما، وذلك تشبيه للمخالفة بنحو القتال، فلا يقدر مضاف، والمفاعلة فى ذلك كله على بابها، وفى الآية تعظيم المؤمنين، اذ جعل محاربتهم محاربة لله عز وجل، وذلك اذا قدرنا يحاربون أولياء الله ظاهر، وأما اذا فسرنا المحاربة بمخالفة الله ورسوله ففيه التعظيم لهم، أيضا لتمسكهم بما لا يخالف الله، ولأن مخالفة رسوله مخالفة لولى الله وغيره تبع له. والمراد بأولياء الله المقدر من هو فى الظاهر ولى لله ولو لم يكن عند الله كذلك، أو كل من هو جار فى سيرته على دين الله فى القتال والأحكام الظاهرة. واعلم أن تفسير المحاربة بمخالفة دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أولى، لأنه أعم فائدة، لأن الجزاء المذكور للذين يحاربون لا يختص بمن حارب المسلمين والموحدين، بل يعم من قطع الطريق على من لا يجوز قطعها عنه ولو مشركاً، وكذا من أخذ مال من لا يجوز أخذ ماله ولو مشركا، أو أخاف من لا يجوز اخافته، فذلك وهم المشركون أهل الذمة، وأما من فعل ذلك بغير أهل الذمة من المشركين الذين لم يخاطبهم الامام فلا يفعل به ذلك، ولكن ينهى ويرد ما أخذ من مال أو ولد أو نفس، الا ان نهاه الامام ولم ينته فانه يجازى بذلك. {وَيَسعَونَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا}: أى يجتهدون فى الأرض فساداً، شبه الاجتهاد فى أمر باسراع المشى فى الأرض، والمراد بالمحاربة والسعى مطلق المعاصى التى يترتب عليها ما يذكر بعد من التقتيل والتصليب، وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والنفى فى الأرض، فان كل معصية منها تسمى محاربة لله ورسوله، وسعياً فى الأرض بالفساد. وقيل: المراد بالمحاربة قطع الطريق، وقيل المكابرة باللصوصية والسعى فى الأرض هو باقى المعاصى الموجبة لما يترتب عليها مما ذكر، وقطع الطريق انما يكون من قوم يجتمعون ولهم منعة ممن أراد الانصاف منهم فيتعرضون للمال والنفس. واللصوصية المسارقة وجهر المكابرة بأخذ مال أو نفس. واعلم أن أحكام الآية من التقتيل والتقطيع والتصليب والنفى، سواء فيها الموحد والمشرك، وسواء كان ما يوجبها من الجنايات فى فلاة أو عمران أو قرية أو مدينة، وخالف أبو حنيفة فلم يجز تلك الأحكام فى حامل السلاح المكابر فى الأمصار، بل ان قتل قتله الولى قصاصاً، وان عفى لم يقتل: ويرد ما أخذ من المال ان أخذه، وان أخاف أدب أو نكل، وقيل: لا يصلب الموحد، وبه يقول أصحابنا، وقيل: يقطع رأسه ويصلب ثلاثاً ثم يدفن، والمشرك يصلب كله. وفساداً اسم مصدر، وهذا المصدر هو الافساد، سواء جعلنا فساداً مفعولا لأجله، أى يسعون للافساد، لأن الفساد ليس فعلهم، وانما هو أثر فعلهم الذى هو الافساد، أو حالا على تقدير مضاف، أى ذوى افساد، أو على التأويل بالوصف أى مفسدين، وأما على المبالغة كأنهم نفس الفساد والافساد، فيجوز ابقاؤه على أنه مصدر، ويجوز كونه اسم مصدر وهو حال، أو جعلناه مفعولا مطلقا لتضمن يسعون معنى يفسدون، أى يفسدون افساداً. {أَن يُقَتَّلُوا}: التشديد للمبالغة بكثرة من يتعلق به القتل، وكذا فى يصلب، ويقطعوا لكثرة من يصلب أو يقطع لا فى نفس القتل والصلب والقطع، لأنهن يتفاوتن، اللهم الا أن يقال على معنى يقتل كل واحد قتلا عظيماً لا يحتمل معه الحياة، وكذا الصلب يتمكن فيه، وفى القتل معه، وكذا القطع يتمكن فيه لا ينقص من المقطوع، أو يترك بعضه متصلا، وعلى معنى فعل ذلك سرعة لحديث: "حديث : واذا قتلتم فأحسنوا القتلة "تفسير : ويحمل عليه غير القتل الا من قتل وفعل به ما فعل هو من الزيادة كالمثلة والسمل مثلا، ومعنى قوله عز وجل: {أَن يُقَتَّلُوا} أنهم يقتلون حداً لا قصاصاً، فهو يقتل ولو عفى الولى ولا يصلب ولا يقطع، لأنهم أفردوا القتل ولم يضموا اليه أخذ مال. {أَو يُصَلَّبُوا}: ان قتلوا وأخذوا المال، والمراد أن يصلبوا ويقتلوا، ولا صلب فى الشرع بلا قتل، وانما يصلبونه ردعاً لغيرهم، ويجعلون حيث يمر الناس، ثم انه قيل: يصلب حياً ويطعن حتى يموت، وبه قال أبو حنفة ومحمد، وقيل: يصلب ثلاثة أيام حياً، ثم ينزل فيقتل، وقيل يصلب حياً ويترك الى أن يموت بالصلب، لا يطعم ولا يسقى، لأن الله جل جلاله قال: {أَو يُصَلَّبُوا} ولم يذكر القتل، ولم يذكر مدة لصلبه، فلا غاية الا الموت، واذا مات وجب دفن الميت. والصلب: أن توقف خشبة نخلة أو شجرة، ويعلق بها مربوطاً معترضاً رجلاه لجهة، ورأسه لجهة، ويجوز فعل ذلك بنخلة أو شجرة أو سارية، بحيث يرى، ويصلى على من قتل أو صلب أو قطع ان مات لحديث: "حديث : صلوا على كل بار وفاجر "تفسير : وقيل فى مستحق الصلب: انه يقتل ويصلى عليه، ثم يصلب، ونسب للشافعى فيبقى مصلوباً يوماً وليلة، ثم ينزل وقيل عنه يبقى ثلاث ليال، وقيل قليلا، وصحح عنه ثلاث، وأو للتنويع وكذا فى قوله: {أَو تُقَطَّعَ أَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم} وفى قوله: {أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ} على أن بعض الجناة يستحق القتل، وبعض الصلب، وبعض القطع، وبعض النفى كما رأيت وترى. {أَو تُقَطَّعَ أَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم مِّن خِلافٍ}: تقطع أيديهم اليمنى من الرصغ، وأرجلهم اليسرى من المفصل، ان أخذوا المال ولم يقتلوا، ومن للابتداء متعلق بيقطع، أى يوقع التقطيع من جهة مخالفة أو للمصاحبة فتعلق به، أو لمحذوف حال من أيديهم وأرجلهم. {أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ}: أن اقتصروا على اخافة الناس، ومعنى نفيهم عندنا سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز أن يطالبهم الامام ليقيم، عليهم الأدب أو النكال، والتعزير بحسب ما يظهر له فيهربون، وكلما وصلوا بلداً جرى فيها حكمه طالبهم منه، فلا يؤمنوا فى بلد، فان تمكن منهم أخرج منهم الحق. وقال ابن عباس، والليث بن سعد، والشافعى: ينفيهم بالاقصاء الى البلاد البعيدة حتى تصح توبتهم، والأرض هى الأرض التى فعلوا فيها ذلك، وقيل: وكانوا ينفون الى دهلك بلد بأقصى تهامة وناصع من بلاد الحبشة. وقال أبو حنيفة: النفى من الأرض الحبس لأن المحبوس منع من الأرض كلها الا موضع حبسه، فهو نفيه كالميت فى قبره، وتبعه الكوفيون فى ذلك، وحكى عن عمر بن الخطاب أنه أول من حبس وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه الى بلد آخر فيؤذيهم. وعن مالك: ان خيف جانبه حبسه الامام فى البلد القريب، والا أبعده من الارض، وتفسير الآية بما ذكرته من التفصيل المذكور هو تفسير الجمهور، وهو مذهب أصحابنا، وقال عمروس: أو للتفصيل كذلك الا أنه جعل التفصيل فى قوله: {أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ} على غير طريق التفصيل المذكور، لأنه رد الضمير فى ينفوا المحاربين والساعين فى الأرض فساداً الا باعتبار أنهم أخافوا الناس ولم يذكر هو الاخافة، بل باعتبار أنهم فعلوا ما مر من موجب التقتيل أو التقطيع أو الصلب وهربوا، قال: وانما النفى الذى ذكره الله فهو أن يطلبهم الامام والمسلمون باقامة ما حكم الله بينهم وعليهم من القتل والقطع والصلب فيهربوا، فلا يؤمنون فى شىء من بلاد المسلمين. قال: ولا يحل ما يقول من زعم أن النفى هو الحبس، وقال: من أصاب الأموال والأنفس لم يكن مشركا قتل ولم يصلب، ومن أصاب الأموال فقط قطع رجله اليسرى ويده اليمنى موحداً أو مشركاً، وان أصاب مشركاً مالا ونفساً قتل وصلب، ولا يصلب أحد من أهل الاقرار، وتوجيه تفسر الجمهور المتقدم ظاهر، لأن القتل بلا قطع طريق عمداً يثبت القتل قصاصاً، فغلظ فى قاطع الطريق، بأن كان قتله حداً لا يسقط بعفو الولى، وأخذ المال سرقة يوجب القطع بلا قطع طريق، فغلظ فى قاطع الطريق بأن تقطع مع يده رجله من خلاف، وان جمعوا بين القتل والمال جمع الصلب فى ممر الناس تشنيعاً، والقتل وان اقتصروا على الاخافة خفف الشر عنهم بأن ينفوا فقط، لنزول الاخافة. وقال قوم: أو لتخيير، والامام مخير فى قاطع الطريق بالقطع أو أخذ المال أو بهما بين القتل والصلب والقطع والنفى، ونسب لابن عباس، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعى، ومجاهد، والصحيح عن ابن عباس ما مر عن الجمهور، قال عمروس: وليست الآية على معنى ما يقول من يقول: ان الامام فيهم مخير ان شاء قتلهم، وان شاء صلبهم، وان شاء قطعهم، وان شاء نفاهم. وقال سعيد بن جبير، وقتادة، عن أنس بعضهما يزيد على بعض:نزلت هذه الآية فى حديث : قوم من عرنة، وعكل، قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم وتكلموا فى الاسلام فقالوا: يا نبى الله انا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم النبى صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فشربوا من ألبانها وأبوالها، وانطلقوا حتى اذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد الاسلام، وقتلوا راعى النبى صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فبعث الطلب فى أثرهم، فما ارتفع النهار الا جىء بهم، فأمر بهم فسملوا عيونهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا فى ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، يعضون الحجارة يستسقون ولا يسقون . تفسير : قال أبو قلابة: أى شىء أشد مما صنع هؤلاء، ارتدوا عن الاسلام، وقتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله، وأنزل فيهم: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ} الآية تقرير لفعله صلى الله عليه وسلم فيهم، وتصويباً له، ولكن زاد له شيئاً لم يفعله وأمره بفعله فى مثلهم وهو التصليب اذا قتلوا وأخذوا الابل، ولذلك قيل: أنزلت معاتبة له صلى الله عليه وسلم وتعليماً له، أى ليس جزاؤهم ما فعلت بهم فقط، انما جزاؤهم أن تضم الى ما فعلت التصليب، وانما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الراعى، فالتخريج على هذا أولى مما قيل: ان الآية نزلت ناسخة لمثلته بهم بقطع الأرجل وسمل الأعين. وعن قتادة، عن ابن سيرين: نزلت الآية قبل أن تنزل الحدود، ولما نزلت وجب العمل بها، وسمل العين أن تكحل بمسمار محمى بالنار حتى يذهب بصرها، والريف أرض الزرع والخصب، وأهل الضرع أهل الماشية، أرادوا أنهم لعنهم الله ألفوا البادية واللبن، واستوخموا المدينة عدوها وخمة لم توافق مزاجهم، والحرة أرض ذات حجارة سود. وقال الكلبى: نزلت فى قوم هلال بن عويمر، وهو أبو بردة من بنى أسام، عاهد هلال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه، فمر قوم من كنانة الى النبى صلى الله عليه وسلم يريدون الاسلام بقوم هلال، وهلال غائب، فقتلهم قومه وأخذوا أموالهم، وقد عهدوا أنه من يمر بهم الى النبى صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاب، فنزلت الآية قاضية فيهم على التخيير، وعن ابن عباس: نزلت فى قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا فى الأرض، فنزلت فيهم كذلك. {ذّلِكَ لَهُم خِزىٌ فِى الدُّنيَا وَلَهُم فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم}: الاشارة الى الجزاء والذل، والفضيحة والعذاب العظيم فى النار والزمهرير.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا جَزَٰؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} ذهب أكثر المفسرين ـ كما قال الطبرسي، وعليه جملة الفقهاء ـ إلى أنها نزلت في قطاع الطريق، والكلام ـ كما قال الجصاص ـ على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب: 57] / ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا مرتدين بإظهار محاربته ومخالفته عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعالى للتمهيد والتنبيه على رفعة محله عليه الصلاة والسلام عنده عز وجل، ومحاربة أهل شريعته وسالكي طريقته من المسلمين محاربة له صلى الله عليه وسلم فيعم الحكم من يحاربهم بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ولو بأعصار كثيرة بطريق العبارة لا بطريق الدلالة أو القياس كما يتوهم، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص بالمكلفين حين النزول ويحتاج في تعميمه إلى دليل آخر على ما تحقق في الأصول، وقيل: ليس هناك مضاف محذوف وإنما المراد محاربة المسلمين إلا أنه جعل محاربتهم محاربة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وترفيعاً لشأنهم، وجعل ذكر الرسول على هذا تمهيداً على تمهيد، وفيه ما لا يخفى، والحرب في الأصل السلب والأخذ، يقال: حربه إذا سلبه، والمراد به هٰهنا قطع الطريق؛ وقيل: الهجوم جهرة باللصوصية وإن كان في مصر {وَيَسْعَوْنَ} عطف على {يُحَارِبُونَ}، وبه يتعلق قوله تعالى: {فِى ٱلأَرْضِ}، وقيل: بقوله سبحانه: {فَسَاداً} وهو إما حال من فاعل {يَسْعَوْنَ} بتأويله بمفسدين. أو ذوي فساد. أو لا تأويل قصداً للمبالغة كما قيل، وإما مفعول له أي لأجل الفساد، وإما مصدر مؤكد ـ ليسعون ـ لأنه في معنى يفسدون، و {فَسَاداً} إما مصدر حذف منه الزوائد أو اسم مصدر. وقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَٰؤُاْ} مبتدأ خبره المنسبك من قوله تعالى: {أَن يُقَتَّلُواْ} أي حداً من غير صلب إن أفردوا القتل، ولا فرق بين أن يكون بآلة جارحة أو لا، والاتيان بصيغة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص من أنه لكونه حق الشرع لا يسقط بعفو الولي، وكذا التصليب في قوله سبحانه: {أَوْ يُصَلَّبُواْ} لما فيه من القتل أي يصلبوا مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ وقيل: صيغة التفعيل في الفعلين للتكثير، والصلب قبل القتل بأن يصلبوا أحياءاً وتبعج بطونهم برمح حتى يموتوا، وأصح قولي الشافعي عليه الرحمة أن الصلب ثلاثاً بعد القتل، قيل: إنه يوم واحد. وقيل: حتى يسييل صديده، والأولى أن يكون على الطريق في ممر الناس ليكون ذلك زجراً للغير عن الاقدام على مثل هذه المعصية. وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم. {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ} أي تقطع مختلفة بأن تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال من مسلم أو ذمي إذ له ما لنا وعليه ما علينا وكان في المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم عشرة دراهم أو ما يساويها قيمة، وهذا في أول مرة فإن عادوا قطع منهم الباقي، وقطع الأيدي لأخذ المال، وقطع الأرجل لإخافة الطريق وتفويت أمنه {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} إن لم يفعلوا غير الاخافة والسعي للفساد، والمراد بالنفي عندنا هو الحبس والسجن؛ والعرب تستعمل النفي بذلك المعنى لأن الشخص به يفارق بيته وأهله، وقد قال بعض المسجونين:شعر : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا تفسير : ويعزرون أيضاً لمباشرتهم إخافة الطريق وإزالة أمنه، وعند الشافعي عليه الرحمة المراد به النفي من بلد / إلى بلد ولا يزال يطلب وهو هارب فرقاً إلى أن يتوب ويرجع. وبه قال ابن عباس. والحسن. والسدي رضي الله تعالى عنهم. وابن جبير، وغيرهم، وإليه ذهب الإمامية، وعن عمر بن عبد العزيز. وابن جبير في رواية أخرى أنه ينفي عن بلده فقط، وقيل: إلى بلد أبعد، وكانوا ينفونهم إلى ـ دهلك ـ وهو بلد في أقصى تهامة ـ وناصع ـ وهو بلد من بلاد الحبشة، واستدل للأول بأن المراد بنفي قاطع الطريق زجره ودفن شره فإذا نفي إلى بلد آخر لم يؤمن ذلك منه، وإخراجه من الدنيا غير ممكن، ومن دار الإسلام غير جائز فإن حبس في بلد آخر فلا فائدة فيه إذ بحبسه في بلده يحصل المقصود وهو أشد عليه. هذا ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق كما أشرنا إليه ـ فأو ـ للتقسيم واللف والنشر المقدر على الصحيح، وقيل: إنها تخييرية والإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق، والأول علم بالوحي وإلا فليس في اللفظ ما يدل عليه دون التخيير، ولأن في الآية أجزية مختلفة غلظاً وخفة فيجب أن تقع في مقابلة جنايات مختلفة ليكون جزاء كل سيئة سيئة مثلها، ولأنه ليس للتخيير في الأغلظ والأهون في جناية واحدة كبير معنى، والظاهر أنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم هذا التنويع والتفصيل، ويشهد له ما أخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وزعم بعضهم أن التخيير أقرب وكونه بين الأغلظ والأهون بالنظر إلى الأشخاص والأزمنة فإن العقوبات للانزجار وإصلاح الخلق، وربما يتفاوت الناس في الانزجار فوكل ذلك إلى رأي الإمام، وفيه تأمل فتأمل. {ذٰلِكَ} أي ما فصل من الأحكام والأجزية، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: {لَهُمْ خِزْىٌ} جملة من خبر مقدم ومبتدأ في محل رفع خبر للمبتدأ، وقوله سبحانه: {فِى ٱلدُّنْيَا} متعلق بمحذوف وقع صفة لخزي، أو متعلق به على الظرفية، وقيل: {خِزْىٌ} خبر ـ لذلك ـ و {لَهُمْ} متعلق بمحذوف وقع حالا من {خِزْىٌ} لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا، و {فِى ٱلدُّنْيَا} إما صفة ـ لخزي ـ أو متعلق به كما مر آنفاً، والخزي الذل والفضيحة {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} لا يقادر قدره وذلك لغاية عظم جنايتهم، واقتصر في الدنيا على الخزي مع أن لهم فيها عذاباً أيضاً، وفي الآخرة على العذاب مع أن لهم فيها خزياً أيضاً لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشدّ من خزيها، والآية أقوى دليل لمن يقول إن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة، والقائلون بالإسقاط يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «حديث : من ارتكب شيئاً فعوقب به كان كفارة له»تفسير : فإنه يقتضي سقوط الإثم عنه وأن لا يعاقب في الآخرة، وهو مشكل مع هذه الآية، وأجاب النووي بأن الحد يكفر به عنه حق الله تعالى، وأما حقوق العباد فلا، وهٰهنا حقان لله تعالى والعباد، ونظر فيه.
ابن عاشور
تفسير : تخلُّص إلى تشريع عقاب المحاربين، وهم ضرب من الجُناة بجناية القتل. ولا علاقة لهذه الآية ولا الّتي بعدها بأخبار بني إسرائيل. نزلت هذه الآية في شأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العُرنيّين، وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التّفسير، وأخرج عَقِبه حديث أنس بن مالك في العُرنيّينَ. ونصّ الحديث من مواضع من صحيحه: «حديث : قدم على النّبي صلى الله عليه وسلم نَفَر من عُكْلٍ وَعُرَيْنَة فأسلموا ثمّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد استوْخَمْنَا هذه الأرض، فقال لهم: هذه نَعَم لنا فاخْرُجوا فيها فاشرَبوا ألبانها وأبوالها. فخرجوا فيها فَشَرِبُوا من أبوالها وألبانها واستَصَحُّوا، فَمَالوا على الرّاعي فقتلوه واطَّرَدُوا الذّوْد وارتَدّوا. فبعث رسول الله في آثارهم، بعث جريرَ بن عبد الله في خيل فأدركوهم وقد أشرفوا على بلادهم، فما تَرَجَّل النّهار حتّى جِيء بهم، فأمر بهم، فقُطعت أيديهم وأرجلُهم وَسُمِلَتْ أعْيُنُهم بمسامير أحميت، ثُمّ حبَسهم حتّى ماتوا. وقيل: أمر بهم فأُلْقُوا في الحرّة يستسْقُون فما يُسقَوْن حتَّى ماتُوا"تفسير : . قال جماعة: وكان ذلك سنة ستّ من الهجرة، كان هذا قبل أن تنزل آية المائدة. نقل ذلك مَوْلى ابننِ الطلاع في كتاب «الأقضيَة المَأثورة» بسنده إلى ابن جبير وابن سيرين، وعلى هذا يكون نزولها نسخاً للحَدّ الّذي أقامَه النّبيء صلى الله عليه وسلم سواء كان عن وَحي أم عن اجتهادٍ منه، لأنّه لمّا اجتهد ولم يغيّره الله عليه قبل وقوع العمل به فقد تقرّر به شرع. وإنّما أذن الله له بذلك العقاب الشّديد لأنّهم أرادوا أن يكونُوا قدوة للمشركين في التحيّل بإظهار الإسلام للتوصّل إلى الكيد للمسلمين، ولأنّهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة. قال أبو قِلابة: فماذا يُستبقى من هؤلاء قَتلوا النّفس وحاربوا الله ورسولَه وخوّفوا رسولَ الله. وفي رواية للطبري: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد فنقضوه وقطعوا السّبيل وأفسدوا في الأرض. رواه عن ابن عبّاس والضحّاك. والصّحيح الأوّل. وأيّاما كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية. فالحصر بــ {إنّما} في قوله {إنّما جزاء الّذين يحَاربُون} الخ على أصحّ الروايتين في سبب نزول الآية حصر إضافي، وهو قصر قلب لإبطال ـــ أي لنسخ ـــ العقاب الّذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم على العُرَنِيّين، وعلى ما رواه الطبري عن ابن عبّاس فالحصر أن لا جزاء لهم إلاّ ذلك، فيكون المقصود من القصر حينئذٍ أن لا يُنقص عن ذلك الجزاء وهو أحد الأمور الأربعة. وقد يكون الحصر لردّ اعتقادٍ مُقدّر وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء ويميل إلى التّخفيف منه. وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلاً. وأيَّامّاً كان سبب النزول فإنّ الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر الله فيها، لأنّ الحصر يفيد تأكيد النسبة. والتّأكيد يصلح أن يعدّ في أمارات وجوب الفل المعدود بعضها في أصول الفقه لأنّه يجعل الحكم جازماً. ومعنى {يحاربون} أنّهم يكونون مقاتلين بالسّلاح عُدواناً لقصد المغنم كشأن المحارب المبادي، لأنّ حقيقة الحرب القتال. ومعنى محاربة الله محاربة شرعه وقصد الاعتداء على أحكامه، وقد عُلم أنّ الله لا يحارِبه أحد فذكره في المحاربة لتشنيع أمرها بأنّها محاربة لمن يغضب الله لمحاربته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بمحاربَة الرّسول الاعتداء على حكمه وسلطانه، فإنّ العرنيّين اعتدوا على نَعم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتّخذة لتجهيز جيوش المسلمين، وهو قد امتنّ عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم فما عاقب به الرّسول العرنيّين كان عقاباً على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام. ثُمّ إنّ الله شرع حكماً للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول الله وبعده، وسوّى عقوبتها، فتعيّن أن يصير تأويل {يحاربون الله ورسوله} المحاربة لجماعة المسلمين. وجعل لها جزاء عين جزاء الردّة، لأنّ الردّة لها جزاء آخر فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة. ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين، ولهذا لم يجعله الله جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين، فلهذا المعنى عُدّي {يحاربون} إلى {الله ورسوله} ليظهر أنّهم لم يَقصدوا حربَ معيَّن من النّاس ولا حرب صَفّ. وعُطف {ويسعون في الأرض فساداً} لبيان القصدِ من حربهم اللّهَ ورَسوله، فصار الجزتء على مجموع الأمرين، فمجمُوعُ الأمرين سَبَب مركّب للعقوبة، وكلّ واحد من الأمرين جزءُ سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها. وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة؛ فقال مالك: هي حمل السلاح على النّاس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخَل ولا عداوة أي بين المحارب ـــ بالكسر ـــ وبين المحارَب ـــ بالفتح ـــ، سواء في البادية أو في المِصر، وقال به الشّافعي وأبو ثور. وقيل: لا يكون المحارب في المصر محارِباً، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق. والّذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة، والّذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر. وقد كانت نزلت بتونس قضية لصّ اسمه «ونّاس» أخاف أهل تونس بحيله في السرقة، وكان يحمل السّلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقاً بباب سويقة. ومعنى {يسعون في الأرض فساداً} أنّهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه، لأنّ السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللَّمّ، قال تعالى: {أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها}تفسير : [الإسراء: 19]. ويقولون: سعَى فلان لأهله، أي اكتسب لهم، وقال تعالى: {أية : لتجزي كُلّ نفس بما تسعى}تفسير : [طه: 15]. وصاحب «الكشاف» جعله هنا بمعنى المشي، فجعل {فساداً} حالاً أو مفعولاً لأجله، ولقد نظر إلى أنّ غالب عمل المحارب هو السعي والتنقّل، ويكون الفعل منزّلاً منزلة اللازم اكتفاء بدلالة المفعول لأجله. وجَوّز أن يكون سعَى بمعنى أفسد، فَجَعل {فساداً} مفعولاً مطلقاً. ولا يعرف استعمال سعى بمعنى أفسد. والفساد: إتلاف الأنفس والأموال، فالمحارب يقتل الرجل لأخذ ما عليه من الثّياب ونحو ذلك. و{يُقتّلوا} مبالغة في يُقْتلوا، كقول امرىء القيس:شعر : في أعشار قَلْبٍ مُقَتَّل تفسير : قُصِد من المبالغة هنا إيقاعه بدون لين ولا رفق تشديداً عليهم، وكذلك الوجه في قوله {يُصَلَّبوا}. والصّلب: وضع الجاني الّذي يُراد قتله مشدوداً على خشبة ثُمّ قتله عليها طَعناً بالرّمح في موضع القتل. وقيل: الصّلب بَعْد القتل. والأول قول مالك، والثّاني مذهب أشهب والشّافعي. و{مِنْ} في قوله {مِن خلاف} ابتدائية في موضع الحال من {أيديهم وأرجلُهم}، فهي قيد للقطع، أي أنّ القطع يبتدىء في حال التخالف، وقد علم أنّ المقطوع هو العضو المُخالف فتعيّن أنّه مخالِف لمقطوععٍ آخر وإلاّ لم تتصوّر المخالفة، فإذا لم يكن عضو مقطوعٌ سابقٌ فقد تعذّر التخالف فيكون القطع للعضو الأوّل آنفاً ثُمّ تجري المخالفَةُ فيما بعدُ. وقد علم من قوله: {من خلاف} أنّه لا يقطع من المحارب إلاّ يد واحدة أو رجل واحدة ولا يقطع يداه أو رجلاه؛ لأنّه لو كان كذلك لم يتصوّر معنى لكون القطع من خلاف. فهَذا التّركيب من بديع الإيجاز. والظاهر أنّ كون القطع مِن خلاف تيسير ورحمة، لأنّ ذلك أمكن لحركة بقية الجهد بعد البرء وذلك بأنّ يتوكّأ باليد الباقية على عُود بجهة الرّجل المقطوعة. قال علماؤنا: تقطع يده لأجل أخذ المال، ورجلُه للإخافة؛ لأنّ اليد هي العضو الّذي به الأخذ، والرّجل هي العضو الّذي به الإخافة، أي المشي وراء النّاس والتعرّض لهم. والنّفي من الأرض: الإبعاد من المكان الّذي هو وطنه لأنّ النّفي معناه عدم الوجود. والمراد الإبعاد، لأنّه إبعاد عن القوم الّذين حاربوهم. يقال: نفوا فلاناً، أي أخرجوه من بينهم، وهو الخليع، وقال النّابغة:شعر : ليُهنىء لكم أنْ قَدْ نَفَيْتُم بُيُوتنا تفسير : أي أقصيتمونا عن دياركم. ولا يعرف في كلام العرب معنى للنّفي غير هذا. وقال أبو حنيفة وبعض العلماء: النّفي هو السجن. وحمَلهم على هذا التأويل البعيد التفادي من دفع أضرار المحارب عنْ قوم كانَ فيهم بتسليط ضُرّه على قوم آخرين. وهو نظر يَحمل على التّأويل، ولكن قد بيّن العلماء أنّ النّفيَ يحصل به دفع الضرّ لأنّ العرب كانوا إذا أخرج أحد من وظنه ذُلّ وخُضدت شوكته، قال امرؤ القيس:شعر : به الذئْب يعوي كالخليع المُعَيَّل تفسير : وذلك حال غير مختصّ بالعرب فإنّ للمرء في بلده وقومه من الإقدام ما ليس له في غير بلده. على أنّ من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور. قال أبو الزناد: كان النّفي قديماً إلى (دَهْلَكَ) وإلى (بَاضِع) وهما جزيرتان في بحر اليمن. وقد دلّت الآية على أمرين: أحدهما: التخيير في جزاء المحاربين؛ لأنّ أصل (أو) الدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء في الوقوع، ويقتضي ذلك في باب الأمر ونحوه التخيير، نحو {أية : ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك}تفسير : [البقرة: 196]. وقد تمسّك بهذا الظّاهر جماعة من العلماء منهم مالك بن أنس، وسعيدُ بن المسيّب، وعطاء، ومجاهد، والنخعي، وأبو حنيفة، والمرويّ عن مالك أنّ هذا التخيير لأجل الحرابة، فإن اجترح في مدّة حرابته جريمة ثابتة توجب الأخذَ بأشدّ العقوبة كالقتل؛ قُتل دون تَخيير، وهو مُدرك واضح. ثُمّ ينبغي للإمام بعد ذلك أن يأخذ في العقوبة بما يقارب جرم المحارب وكثرة مُقامه في فساده. وذهب جماعة إلى أنّ (أو) في الآية للتّقسيم لا للتخيير، وأنّ المذكورات مراتب للعقوبات بحسب ما اجترحه المحارب: فمن قتل وأخذ المال قُتل وصُلب، ومن لم يَقتل ولا أخذَ مالاً عُزّر، ومن أخاف الطريق نُفي، ومن أخذ المال فقط قطع، وهو قول ابن عبّاس، وقتادة، والحسن، والسديّ، والشافعي. ويقرب خلافهم من التّقارب. والأمر الثّاني: أنّ هذه العقوبات هي لأجل الحرابة وليست لأجل حقوق الأفراد من النّاس، كما دلّ على ذلك قوله بعدُ {إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تَقدروا عليهم} الآية وهو بيّن. ولذلك فلو أسقط المعتدى عليهم حقوقهم لم يسقط عن المحارب عقوبة الحرابة. وقوله {ذلك لهم خِزي في الدّنيا}، أي الجزاء خزي لهم في الدّنيا. والخزي: الذلّ والإهانة {أية : ولا تُخزنا يوم القيامة}تفسير : [آل عمران: 194]. وقد دلّت الآية على أنّ لهؤلاء المحاربين عقابين: عقاباً في الدّنيا وعقاباً في الآخرة. فإن كان المقصود من المحاربين في الآية خصوص المحاربين من أهل الكفر كالعُرنيّين، كما قيل به، فاستحقاقهم العذابين ظاهر، وإن كان المراد به ما يشمل المحارب من أهل الإسلام كانت الآية معارِضة لما ورد في الحديث الصّحيح في حديث عبادة بن الصامت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ البيعة على المؤمنين بما تضمّنته آية {أية : إذا جاءك المؤمنات يبايعنك}تفسير : [الممتحنة: 12] الخ فقال: «حديث : فَمَن وفَى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهْوَ إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له»تفسير : . فقوله: فهو كفارة له، دليل على أنّ الحدّ يسقط عقاب الآخرة، فيجوز أن يكون ما في الآية تغليظاً على المحاربين بأكثر من أهل بقيّة الذنوب، ويجوز أن يكون تأويل ما في هذه الآية على التفصيل، أي لهم خزي في الدنيا إن أُخِذوا به، ولهم في الآخرة عذاب عظيم إن لم يؤخذوا به في الدّنيا. والاستثناء بقوله: {إلاّ الذين تابوا} راجع إلى الحُكمين خزي الدّنيا وعذاب الآخرة، بقرينة قوله: {مِن قبل أن تقدروا عليهم}، لأنّ تأثير التّوبة في النجاة من عذاب الآخرة لا يتقيّد بما قبل القدرة عليهم. وقد دلّت أداة الاستثناء على سقوط العقوبة عن المحارب في هذه الحالة؛ فتمّ الكلام بها،خز لأنّ الاستثناء كلام مستقلّ لا يحتاج إلى زيادة تصريح بانتفاء الحكم المستثنى منه عن المستثنى في استعمال العرب، وعند جمهور العلماء. فليس المستثنى مسكوتاً عنه كما يقول الحنفية، ولولا الاستثناء لما دلّت الآية على سقوط عقوبة المحارب المذكورة. فلو قيل: فإن تابوا، لم تدلّ إلاّ على قبول التّوبة منهم في إسقاط عقاب الآخرة. ومعنى {من قبلِ أن تقدروا عليهم} ما كان قبل أن يتحقّق المحارب أنّه مأخوذ أو يضيَّق عليه الحصار أو يطارد في جميع البلاد ويضيق عليه، فإن أتى قبل ذلك كلّه طائعاً نادماً سقط عنه ما شرع الله له من العقوبة، لأنّه قد دلّ على انتقال حاله من فساد إلى صلاح فلم تبق حكمة في عقابه. ولمّا لم تتعرّض الآية إلى غُرْم ما أتلفه بحرابته علم أنّ التّوبة لا تؤثّر في سقوط ما كان قد اعتلق به من حقوق النّاس من مال أو دم، لأنّ ذلك معلوم بأدلّة أخرى. وقوله: {فاعلموا أنّ الله غفور رحيم} تذكير بعد تمام الكلام ودفع لعجب من يتعجّب من سقوط العقاب عنهم. فالفاء فصيحة عمّا دلّ عليه الاستثناء من سقوط العقوبة مع عظم الجرْم، والمعنى: إن عظم عندكم سقوط العقوبة عمّن تاب قبلَ أن يقدر عليه فاعلموا أنّ الله غفور رحيم. وقد دلّ قوله {فاعلموا} على تنزيل المخاطبين منزلة من لا يعلم ذلك نظراً لاستعظامهم هذا العفو. وقد رأيتُ أنّ شأن فعل (اعلم) أن يدلّ على أهميّة الخبر، كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه} تفسير : في سورة الأنفال (24) وقوله فيها: {أية : واعلموا أنّما غنمتم}تفسير : [الأنفال: 41].
الشنقيطي
تفسير : قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ}. فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع بين شيئين، وهما المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء، اهـ من القرطبي. قال مقيده، عفا الله عنه: ومما يدل على عدم اعتبار المكافأة في قتل الحرابة، إجماع العلماء على أن عفو ولي المقتول في الحرابة لغو لا أثر له، وعلى الحاكم قتل المحارب القاتل، فهو دليل على أنها ليست مسألة قصاص خالص، بل هناك تغليظ زائد من جهة المحاربة. المسألة الثالثة: إذا حمل المحاربون على قافلة مثلاً، فقتل بعضهم بعض القافلة، وبعض المحاربين لم يباشر قتل أحد، فهل يقتل الجميع، أو لا يقتل إلا من باشر القتل، فيه خلاف، والتحقيق قتل الجميع، لأن المحاربة مبنية على حُصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكّن المباشر من فعله، إلا بقوة الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته، ولو قتل بعضهم، وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم كلهم، وصلبهم كلهم. لأنهم شركاء في كل ذلك، وخالف في هذا الشافعي رحمه الله فقال: لا يجب الحد إلا على من ارتكب المعصية، ولا يتعلق بمن أعانه عليها كسائر الحدود، وإنما عليه التعزير. المسألة الرابعة: إذا كان في المحاربين صبي، أو مجنون، أو أب المقطوع عليه، فهل يسقط الحد عن كلِّهم؟ ويصير القتل للأولياء إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا نظراً إلى أن حكم الجميع واحد، فالشبهة في فعل واحد شبهة في الجميع، وهو قول أبي حنيفة، أو لا يسقط الحد عن غير المذكور من صبي، أو مجنون، أو أب، وهو قول أكثر العلماء، وهو الظاهر. المسألة الخامسة: إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئاً من إقامة الحدود المذكورة عليهم، وأما إن جاؤوا تائبين قبل القدرة عليهم، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل. لأنهم تسقط عنهم حدود الله، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم. وهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم، كما هو صريح قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] الآية، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال، وتضمينهم ما استهلكوا. لأن ذلك غصب، فلا يجوز لهم تملكه، وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب المحارب الذي جاء تائباً قبل القدرة عليه إلا بما وجد معه من المال، وأما ما استهلكه، فلا يطلب به، وذكر الطبري هذا عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه. قال القرطبي: وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بحارثة بن بدر الغداني، فإنه كان محارباً، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً، ونحوه ذكره ابن جرير. قال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع ديناً بما أخذ، أو يسقط عنه، كما يسقط عن السارق؟ يعني عند مالك، والمسلم، والذمي في ذلك سواء ومعنى قوله: {أية : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا} تفسير : [المائدة: 32] اختلف فيه العلماء، فروي عن ابن عباس أنه قال: معناها أن من قتل نبياً، أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه، بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعاً، نقله القرطبي، وابن جرير وغيرهما، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: المعنى، أن من انتهك حرمة نفس واحدة بقتلها، فهو كمن قتل الناس جميعاً. لأن انتهاك حرمة الأنفس، سواء في الحرمة والإثم، ومن ترك قتل نفس واحدة واستحياها خوفاً من الله، فهو كمن أحيا الناس جميعاً، لاستواء الأنفس في ذلك. وعن ابن عباس: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}، أي عند المقتول إذ لا غرض له في حياة أحد بعد موته هو، ومن أحياها واستنقذها من هلكة، فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله: جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه. واختار هذا القول ابن جرير، وقال ابن زيد: المعنى أن من قتل نفساً يلزمه من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً، قال: ومن أحياها، أي عفا عمن وجب له قتله، وقال الحسن أيضاً: هو العفو بعد المقدرة، وقيل: المعنى أن من قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها وجب على الكل شكره، وقيل: كان هذا مختصاً ببني إسرائيل، وقيل: المعنى أن من استحل قتل واحد، فقد استحل الجميع، لأنه أنكر الشرع، ومن حرم دم مسلم، فكأنما حرم دماء الناس جميعاً، ذكر هذه الأقوال القرطبي، وابن كثير، وابن جرير وغيرهم، واستظهر ابن كثير هذا القول الأخير، وعزاه لسعيد بن جبير. وقال البخاري في (صحيحه) باب قول الله تعالى: {ومن أحياها}. قال ابن عباس: من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعاً. وقال القرطبي: إحياؤه عبارة عن الترك، والإنقاذ من هلكة، وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع، إنما هو لله تعالى، وهذا الإحياء، كقول نمروذ لعنه الله: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258]، فسمى الترك إحياء. وكذلك قال ابن جرير، قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَادا} الآية، اعلم أن هذه الآية اختلف في سبب نزولها، فقيل: نزلت في قوم من المشركين، وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب، وقيل: نزلت في الحرورية. وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات في الصحاح، وغيرها، أنها نزلت في قوم "عرينة"، و "عكل"، الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة، فأمر لهم صلى الله عليه وسلم بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا وسمنوا، قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا اللقاح، فبلغه صلى الله عليه وسلم خبرهم، فأرسل في أثرهم سرية فجاؤوا بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون، فلا يسقون حتى ماتوا. وعلى هذا القول، فهي نازلة في قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها، والذي يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطَّاع الطريق من المسلمين، كما قاله جماعة من الفقهاء بدليل قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] الآية، فإنها ليست في الكافرين قطعاً. لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه، كما تقبل قبلها إجماعاً لقوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال: 38]، وليست في المرتدين، لأن المرتد يقتل بردته وكفره، ولا يقطع لقوله صلى الله عليه وسلم عاطفاً على ما يوجب القتل: "والتارك لدينه المفارق للجماعة"، وقوله: "من بدل دينه فاقتلوه"، فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين، فإن قيل: وهل يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟ فالجواب: نعم. والدليل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِه} تفسير : [البقرة: 278-279]. تنبيه استشكل بعض العلماء تمثيله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين، لأنه سمل أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل، مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به. واختلف في الجواب فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وقال محمد بن سيرين: كان ذلك قبل نزول الحدود، وقال أبو الزناد: إن هذه الآية معاتبة له صلى الله عليه وسلم على ما فعل بهم، وبعد العتاب على ذلك لم يعد، قاله أبو داود. والتحقيق في الجواب هو أنه صلى الله عليه وسلم فعل بهم ذلك قِصاصاً، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم إنما سمل أعينهم قصاصاً، لأنهم سملوا أعين رعاة اللِّقاح، وعقده البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله: شعر : وبعدها انتهبها الأُلى انتهوا لغاية الجهد وطيبة اجتووا فخرجوا فشربوا ألبانها ونبذوا إذ سمنوا أمانها فاقتص منهم النبي أن مثلوا بعبده ومقلتيه سملوا تفسير : واعترض على الناظم شارح النظم حماد لفظة: بعبده، لأن الثابت أنهم مثَّلوا بالرعاء، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} أَيْ: يعصونهما ولا يطيعونهما. يعني: الخارجين على الإِمام وعلى الأمَّة بالسَّيف. نزلت هذه الآية في قصة العُرَنيين، وهي معروفةٌ، تعليماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة مَن فعل مثل فعلهم، وقوله: {ويسعون في الأرض فساداً} بالقتل وأخذ الأموال {أن يقتلوا أو يصلبوا أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} معنى "أو" ها هنا الإِباحة، فاللإِمام أن يفعل ما أراد من هذه الأشياء، ومعنى النَّفي من الأرض الحبسُ في السِّجن؛ لأنَّ المسجون بمنزلة المُخرج من الدُّنيا {ذلك لهم خزي} هوانٌ وفضيحةٌ {في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهذا للكفَّار الذين نزلت فيهم الآية؛ لأنَّ العُرنيين ارتدُّوا عن الدِّين، والمسلم إذا عوقب في الدُّنيا بجنايته صارت مكفَّرةً عنه. {إلاَّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} آمنوا من قبل أن تعاقبوهم فالله غفورٌ رحيمٌ لهم. هذا في المشرك المحارب إذا آمن قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود، فأمَّا المسلم المحارب إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه سقط عنه حدود الله، ولا تسقط حقوق بني آدم. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا} عقاب {الله} بالطَّاعة {وابتغوا إليه الوسيلة} تقرَّبوا إليه بطاعته {وجاهدوا} العدوَّ {في سبيله} في طاعته {لعلكم تفلحون} كي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة. {إنَّ الذين كفروا...} الآية. ظاهرة. {يريدون} يتمنَّون بقلوبهم {أن يخرجوا من النار}. {والسارق والسارقةُ فاقطعوا أيديهما} يمينَ هذا ويمين هذه، فجمع {جَزَاءً بما كسبا} أَيْ: بجزاء فعلهما {نكالاً} عقوبةً {من الله والله عزيز} في انتقامه {حكيم} فيما أوجب من القطع. {فمن تاب من بعد ظلمه} النَّاس {وأصلح} العمل بعد السَّرقة {فإنَّ الله يتوب عليه} يعود عليه بالرَّحمة. {ألم تعلم أنَّ الله له ملك السموات والأرض يعذب مَنْ يشاء} على الذَّنب الصَّغير {ويغفر لمن يشاء} الذَّنب العظيم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 33- إنما عقاب الذين يحاربون الله ورسوله، بخروجهم على نظام الحكم وأحكام الشرع، ويفسدون فى الأرض بقطع الطريق أو انتهاب الأموال: أن يُقْتَلوا بمن قتلوا، وأن يُصلبوا إذا قتلوا وغصبوا المال، وأن تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا قطعوا الطريق وغصبوا المال ولم يقتلوا، وأن يُنفوا من بلد إلى بلد، وأن يُحبسوا إذا أخافوا فقط. ذلك العقاب ذل لهم وإهانة فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم وهو عذاب النار. 34- إلا الذين تابوا من هؤلاء المحاربين للنظام وقطاع الطريق من قبل أن تقدروا عليهم وتتمكنوا منهم، فإن عقوبة الله المذكورة تسقط عنهم وتبقى عليهم حقوق العباد، واعلموا أن الله واسع المغفرة والرحمة. 35- يا أيها الذين آمنوا، خافوا الله باجتناب نواهيه وإطاعة أوامره، واطلبوا ما يقرّبكم إلى ثوابه، من فعل الطاعات والخيرات، وجاهدوا فى سبيله بإعلاء دينه ومحاربة أعدائه، لعلكم تفوزون بكرامته وثوابه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يحاربون الله ورسوله: بالخروج عن طاعتهما وحمل السلاح على المؤمنين وقتلهم وسلب أموالهم والاعتداء على حرماتهم. ويسعون في الأرض فساداً: بإخافة الناس وقطع طرقهم وسلب أموالهم والاعتداء على أعراضهم. أو يصلبوا: يشدون على أعواد الخشب ويقتلون، أو بعد أن يقتلوا. من خلاف: بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس. أو ينفوا من الأرض: أي من أرض الإِسلام. خزي في الدنيا: ذل ومهانة. عذاب عظيم: عذاب جهنم. أن تقدروا عليهم: أي تتمكنوا منهم بأن فروا بعيداً ثم جاءوا مسلمين. معنى الآيتين: لما ذكر تعالى ما أوجبه على اليهود من شدة العقوبة وعلى جريمة القتل والفساد في الأرض كسْراً لِحِدةٍ جُرءتهم على القتل والفساد ذكر هنا حكم وجزاء من يحارب المسلمين ويسعى بالفساد في ديارهم فقال تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بالكفر بعد الإِيمان والقتل والسلب بعد الأمان، {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} بتخويف المسلمين، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} ومعنى يقتلوا: يقتلون واحداً بعد واحد نكاية لهم وإرهاباً وتعزيراً لغيرهم، ومعنى يصلبوا بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام ومعنى ينفوا من الأرض يخرجوا من دار الإِسلام، أو إلى مكان ناءٍ كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمون من شرهم وأذاهم، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزياً وذلاً لهم في الدنيا {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو عذاب النار، وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} فهذا استثناء متصل من أولئك المحاربين بأن من عجزنا عنه فلم نتمكن من من القبض عليه، وبعد فترة جاءنا تائباً فإن حكمه يختلف عمن قبله، وقوله تعالى: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يحمل إشارة واضحة إلى تخفيف الحكم عليه، وذلك فإن كان كافراً وأسلم فإن الإِسلام يجب ما قبله فيسقط عنه كل ما ذكر في الآية من عقوبات.. وإن كان مسلماً فيسقط الصلب ويجب عليه، رد المال الذي أخذه إن بقي في يده، وإن قتل أو فجر وطالب بإقامة الحد عليه أقيم عليه الحد، وإلا ترك لله والله غفور رحيم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان حكم الحرابة وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض. هذه هي الحرابة وأهلها يقال لهم المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى [33]. 2- الإِمام مخير في إنزال التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن، إن قلنا أو في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً ينفى. 3- من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفا عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذويه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك. 4- عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له.
القطان
تفسير : يحاربون الله: الذين يتعدون على الناس بالقتل والنهب وترويع الآمنين، ويخرجون على أحكام الشرع، ويفسدون في الأرض بقطع الطريق أو نهب أموال الناس.. والاحتكارُ ضربٌ من النهب. وعقابهم على اربعة انواع: إما القتل او الصلب، او تقطيع الايدي والأرجل من خلاف. (أي ان تُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس) او النفي من البلد الذي هم فيه. والعقوبة اللازمة على قدر الجريمة المقترفة، وولاة المسلمين عن حقٍّ وجدارة هم الذين يقضُون في ذلك. والحكمة في عدم التعيين والتفصيل أن المفاسد كثيرة تختلف باختلاف الزمان والمكان، فيختلف ضررها كذلك فللإمام الّذي يختاره المسلمون ان يقتلهم ان قتلوا، او يصلبهم ان جمعوا بين أخذ المال والقتل، او يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ان اقتصروا على أخذ المال، او أن يُنْفَوا من الأرض ان أخافوا الناس وقطعوا عليهم الطرق ولم يقتلوا. ان ذلك العقاب ذلّ لهم وفضيحة في الدنيا ليكونوا عبرة لغيرهم من الناس، وجزاؤهم عذاب عظيم في الآخرة. ثم استثنى ممن يستحقون العقوبة من تاب قبلَ ان يقدر عليه الحاكم. فإن عقوبة الحاكم تسقط عنه، وتبقى حقوقُ العباد، او الحقوق الخاصة، فهي لا تسقط عنهم الا اذا سامح أصحاب الحقوق. فاذا رأى الحاكم ان يُسقط الحق الخاص عن الجاني التائب، ولمصلحةٍ هو يراها ـ وجب على ذلك الحاكم ان يعوض اصحاب الحقوق من مال الدولة. وفي هذا الحكم بيانُ ان الشريعة الاسلامية تنظر الى آثار الجريمة التي فيها اعتداء مباشر على المجتمع، وتجعل العقوبة بقدر ما تحدثه الجريمة من اضطراب فيه، لا بقدر ذات الجرائم المرتكبة فقط. ويُروى في سبب نزول هاتين الآيتين أن نفراً من قبيلة عُكل وعرينة قدموا المدينة، واعلنوا الاسلام، فأمر لهم النبيّ بعدد من الإبل وراعٍ، وأمرهم ان يقيموا خارج المدينة، فانطلقوا حتى اذا كانوا بناحية الحَرَّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا الراعي وهربوا بالابل. وحين بلغ النبيَّ بعث بعض أصحابه فأدركوهم، وأحضروهم الى المدينة. فعاقبهم الرسول الكريم أشد عقاب وقُتلوا جميعاً. وعلى كل حال فإن العبرة بعموم اللفظ. وقد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماءِ وقالوا: ان حكْم الذين يحاربون الله قائم، في اي مكان حصل منهم الاعتداء، في المدن والقرى، ام خارجها، لقوله تعالى: {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً}. وهذا مذهب مالك والأوزاعي واللّيث بن سعد، والشافعي واحمد بن حنبل. وزاد مالك فقال: ان الذي يحتال على الرجل حتى يُدخله بيتاً فيقتله ويأخذ ما معه انما قد حارب الله، دمُه مهدور، يقتله السلطان، حتى لو عفا عنه أولياء المقتول. وقال ابو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة الا في الطرق وخارج المدن.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَزَآءُ} {خِلافٍ} (33) - المُحَارَبَةُ هُنَا هِيَ المُخَالَفَةُ وَالمُضَادَّةُ، لأنَّ فِيهَا عَدَمَ إذْعَانٍ لِدِينِ اللهِ وشَرْعِهِ، فِي حِفْظِ الحُقُوقِ، وَهِيَ تَصْدُقُ عَلَى الكُفْرِ، وَعَلى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَإِخَافَةِ السَّابِلَةِ. وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ الإِفْسَادُ فِي الأرْضِ عَلَى أنْواعٍ مِنَ الشَّرِّ وَالفَسَادِ. وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ فَنَقَضُوا العَهْدَ، وَأَفْسَدُوا فِي الأرْضِ، فَخَيَّرَ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم إنْ شَاءَ أنْ يَقْتُلَهُمْ، وَإنْ شَاءَ أنْ يَقْطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ (أيْ إنْ قَطَعَ اليَدَ اليُمْنَى قَطَعَ مَعَهَا الرِّجْلَ اليُسْرَى، وَالعَكْسُ عَلَى العَكْسِ) أَو أَنْ يَنْفِيَهُمْ مِنَ الأرْضِ التِي ارْتُكِبَ فِيها الجُرْمُ إلى أرْضٍ أُخْرى لِيُسْجَنُوا فِيهَا (وَالنَفْي فِي مَفْهُومِ أبي حَنِيفَة هُوَ السِجْن) وَالصَحِيح: أنَّ الآيَّةَ عَامَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ مَنْ ارتَكَبَ عَمَلاً منْ أعمَالِ الفَسَادِ فِي الأرْضِ. وَحُكْمُ المُحَارَبَةِ عِنْدَ الأئْمَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وابْنِ حَنْبَل يَكُونُ فِي الأمْصَارِ كَمَا يَكُونُ فِي الطُرقِ خَارِجَ المُدُنِ، حَتَّى إِنَّ مَالِكاً جَعَلَ المُحَارَبَةَ تَشْمَلُ حَالَةَ الرَّجُلِ الذِي يَخْدَعُ رَجُلاً فَيُدْخِلُهُ بَيْتَهُ فَيَقْتُلُهُ وَيَأخُذُ مَا مَعَهُ. وَقَالَ أبو حَنِيفَة إنَّمَا تَكُونُ المُحَارَبَةُ فِي الطُّرُقَاتِ لِبُعْدِ النَّاسِ عَمَّنْ يُغِيثُ، أَمَّا فِي الأمْصَارِ فَلاَ تَكُونُ مُحَارَبَةٌ لأنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَلْحَقُهُ غَوْثٌ إذَا اسْتَغَاثَ. وَفِي حَالَةِ المُحَارَبَةِ يَكُونُ دَمُ المَقْتُولِ للسُّلْطَانِ لاَ إلى وَليِّ المَقْتُولِ، وَلاَ يَكُونُ عَفْوُهُ سَبَباً فِي اسْقَاطِ العُقُوبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ العُقُوبَةَ تَكُونُ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي: إذَا قَتَلُوا يُقْتَلُونَ بِمَنْ قَتَلُوا. إذَا قَطَعُوا الطَّرِيقَ وَغَصَبُوا المَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا تُقْطَعُ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، وَيُنْفَوْنَ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ آخَرَ. إذَا أخَافُوا السَّابِلَةَ فَقَطْ يُحْبَسُونَ. وَهذا الجَزَاءُ هُوَ عَارٌ لَهُمْ وَنَكَالٌ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا (خِزْيٌ)، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إذَا لَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ حَتَّى تَحِينَ وَفَاتُهُمْ. وَأكْثَرُ الأئِمَّةِ يَتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَاتَينِ الآيَتَينِ نَزَلَتَا فِي جَمَاعةٍ مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلاَمِ فَوَجَدُوا المَدِينَةَ رَدِيئَةَ المُنَاخِ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ بِبَعْضِ الإِبْلِ وَبِراعٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى أَطْرَافِهَا لِيَشْرَبُوا مِنْ أبْوالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّّ فَأَرْسَلَ فِي الطَلَبِ فِي آثَارِهِمْ، فأُتِيَ بِهِمْ إلى النَّبِيِّ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِمْ، فَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَقُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَتُرِكُوا حَتَّى مَاتُوا. فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِبَيَانِ عُقُوبَةِ المُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ. يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ - يُبْعَدُوا أوْ يُسْجَنُوا. خِزْيٌ - دُلٌّ وَفَضِيحَةٌ وَعُقُوبَةٌ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. قال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين لم يهجّ. قال: فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام. بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ شاهداً فانهدّوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل جبرئيل (عليه السلام) بالقضية فيهم. وقال سعيد بن جبير: حديث : نزلت في ناس من عرينة وغطفان أتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كَذَبة وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة لأن أجوافنا انتفخت، والواننا قد اصفرّت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أُخرجوا إلى لقاحنا واشربوا أبوالها وألبانها" فذهبوا وقتلوا الرعاة واستاقوا الإبل. وارتدّوا عن الإسلام فنودي في الناس: يا خيل اللّه اركبي فركبوا لا ينتظر فارس فارساً فخرجوا في طلبهم فجيء بهم. فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّ حتى ماتواتفسير : ، ثم اختلفوا في حكم الآيتين. فقال بعضهم: هي منسوخة لأن المثلة لا تجوز وشرب بول الإبل لا يجوز. وقال آخرون: حكمه ثابت إلاّ السمل والمثلة. قال الليث بن سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتعليماً منه إيّاه عقوبتهم فقال: "إنما جزاؤهم هذا" أي المثلة. ولذلك ما قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطيباً إلاّ نهى عن المثلة، واختلفوا في المحارب الذي يستحق هذا الحد. فقال بعضهم: واللص الذي يقطع الطريق والمكابر في الأمصار والذي يحمل السلاح على المسلمين ويقصدهم في أي موضع كان حتى كان بالغيلة. وهو الرجل يخدع الرجل والمرأة والصبي فيدخله بيتاً ويخونوا به فيقتله ويأخذ أمواله وهذا قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد وعبد اللّه بن لهيعة والشافعي. وقال بعضهم: فهو قاطع الطريق، وأما المكابر فليس بالمحارب وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} بالفساد أي بالزنا والقتل وإهلاك الحرث والنسل {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ} إختلفوا في حكم الآية. فقال قوم: الإمام فيهم بالخيار فأي شيء من هذه الأشياء شاء فعل. وهو قول الحسن وسعد بن المسيب والنخعي ومجاهد ورواية الوالبي عن ابن عباس. واحتجّوا بقوله تعالى {أية : فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} تفسير : [البقرة: 196] وبقوله تعالى في كفّارة اليمين {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] الآية. وقال آخرون: هذا حكم مختلف باختلاف الجناية، فإن قتل قُتل، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع، وإن أخاف السبيل ولم يقتل وأخذ المال نفي. وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والسدّي، والنخعي والربيع. ورواية العوفي عن ابن عباس. فاختلف العلماء في معنى النفي، فقال ابن عباس: هو حكم من أعجز فإذا أعجزك أن تدركه وخرج من لقيه، قتله. وقال آخرون: والمقبوض عليه ثم اختلفوا في معناه، فقال طائفة: هو أن ينفى من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز. وإليه ذهب الشافعي. وقال الآخرون والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال محمد بن الحسن: هو نفيه من بلده إلى غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نُفي إليه حتى يظهر توبته وهو المختار يدل عليه ما روى ابن وهب عن أبي صيعة عن يزيد بن أبي حبيب، أن حبان بن شريح كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن ناساً من القبط قامت عليهم البيّنة بأنهم حاربوا اللّه ورسوله وسعوا في الأرض فساداً وأن اللّه يقول {مِّنْ خِلافٍ}. وسكت عن النفي فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء اللّه فيهم فليكتب بذلك فلمّا قرأ عمر كتابه، قال: لقد إجترأ حبّان، ثم كتب: إنه بلغني كتابك وفهمت ولقد اجترأت حين كتبت بأوّل الآية وسكتّ عن آخرها تريد أن تجترىء للقتل والصلب فإنك عبد بني عقيل يعني الحجاج فإن اللّه يقول {أَوْ يُنفَوْاْ} آخر الآية، فإن كانت قامت عليهم البيّنة فاعقد في أعناقهم حديداً فأنفهم إلى شعب وبدا وأصل النفي الطرد. وقال أوس بن حجر: شعر : ينفون عن طرق الكرام كما ينفى المطارق ما يلي القردا تفسير : أي ما يليه القرد وهو الصوف الرديء. ومنه قيل: الدراهم الرديئة نفاية ولما تطاير من الماء عن الدلو نفي. قال الراجز: شعر : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي تفسير : {ذٰلِكَ} الذي ذكرتم من الحد لهم {خِزْيٌ} عذاب وهوان {فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ثم قال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ}. قال أكثر العلماء: إلاّ الذين تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم وآمنوا وأصلحوا من قبل القدرة عليهم فإنه لا سبيل عليهم بشيء من الحدود التي ذكرها اللّه في هذه والآية لأحد قبله فيما أصاب في حال كفره لا في مال ولا في دم ولا حرمة، هذا حكم المشركين والمحاربين. فأما المسلمون المحاربون فاختلفوا فيهم. فقال بعضهم: سقط عنه بتوبته من قبل أن يقدر عليه حدّ اللّه ولا يسقط عنه بها حقوق بني آدم وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: يسقط عنهم جميع ذلك ولا يؤخذ شيء من أمواله الاّ أن يوجد عنده مال بعينه فيرده إلى صاحبه ويطلبه وليّ دم بدم يقوم عليه البينة فيه فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي أصابها ولم يطلبها أولياؤه فلا يتبعه الإمام، على هذا قول مالك، والأوازعي والليث بن سعد. وقال بعضهم: إذا استأمن من وصايانا من قبل أن يقدم عليه قبل اللّه توبته ولا يؤخذ بشيء من جناياته التي سلفت فلا يكون لأحد قبله معه في دم ولا مال. وهذا قول السدّي يدل عليه. وروى الشعبي أنّ حارثة بن يزيد خرج محارباً في عهد علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) فأخاف السبل وسفك الدّماء وأخذ الأموال ثم جاء تائباً من قبل أن يقدر عليه فأتى الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فطلب إليه أن يستأمن له فأتى ابن جعفر فأتى عليه فأتى سعيد بن قيس الهمدالي فقبّله وضمّه إليه فلمّا صلّى علي (رضي الله عنه) الغداة أتاه سعيد بن قيس. فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله؟ قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض قال: ما تقول فيمن تاب قبل أن تقدر عليه فقال أقول: كما قال اللّه عز وجل {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} الآية. فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر، قال: نعم فجاء إليه فبايعه وآمنه وكتب له أماناً منشوراً. فقال حارثة: شعر : ألا أبلغا همدان إما لقيتها على النأي لا يسلم عدوٌ يعيبها لعمر أبيها إن همدان تتقي إلا له ويقضي بالكتاب خطيبها تفسير : قال الشعبي: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في أمارة عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) بعد ما صلّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك أنا فلان بن فلان المهدي وأني كنت حاربت اللّه ورسوله وسعيت في الأرض وإني تبت من قبل أن يقدر عليّ، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان وإنه كان يحارب اللّه ورسوله وسعى في الأرض بفساد فإنه تاب من قبل أن يقدر عليه فمن لقيه فلا يعرضن إلاّ بخير فإن يك صادقاً فسبيله سبيل من صدق. وإن يك كاذباً تدركه ذنوبه، فأقام الرجل فاستأذن وإنه خرج فأدركه اللّه بذنوبه فقتله. وروى الليث بن سعيد عن محمد بن إسحاق أن علياً الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبته الأئمّة والعامّة فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائباً وذلك أنّه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} تفسير : [الزمر: 53] الآية فوقف عليه، فقال: يا عبد اللّه أعد فأعادها عليه فغمد سيفه ثم جاء تائباً حتى قدم المدينة من السَحر ثم اغتسل وأتى مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصلّى الصبح ثم مضى إلى أبي هريرة وهو في غمار أصحابه فلما استغفر عرفه الناس فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائباً من قبل أن تقدروا عليَّ. فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليّ جاء تائباً ولا سبيل لكم عليه فترك، وخرج عليّ تائباً مجاهداً في سبيل اللّه في البحر فلقوا الروم فقربوا سفينة إلى سفينته من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا إلى شقها الآخر فمالت ثم أوقعهم فغرقوا جميعاً. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} واطلبوا إليه القربة وهي [في الأصل ما يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسّل]، وجمعها وسائل. قال الشاعر: شعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل تفسير : قال عطاء: الوسيلة أفضل درجات الجنة. وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الوسيلة أفضل درجات الجنة"تفسير : . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلوا الله لي الوسيلة فإنها أفضل درجة في الجنة لا ينالها إلاّ عبد واحد وأرجوا أن أكون أنا هو ". تفسير : وروى سعيد بن طريف عن الأصمعي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: "في الجنة لؤلؤتان إلى بطنان العرش إحداهما بيضاء والأخرى صفراء في كل واحد منهما سبعون ألف غرفة أبوابها وأكوابها من عرق واحد فالبيضاء واسمها الوسيلة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته والصفراء لإبراهيم (عليه السلام) وأهل بيته". {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبٌ تفتدى به فيقول: نعم، فيقال: قد سألت أيسر من ذلك ". تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} قرأه العامة بفتح الياء كقوله {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} قائم. وقرأ أبو واقدة، والجرّاح يخرجوا بضمّ الياء كقوله {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}تفسير : [المؤمنون: 107] {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} تفسير : [الحجر: 48] {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} الآية. نزلت في طعمة بن الأبرق سارق الدرع وقد مرّت قصته في سورة النساء. والسبب في وجه رفعهما. فقال بعضهم: هو رفع بالإبتداء، وخبره فيما بعد. وقال بعضهم: هو على معنى الجزاء، تقديره من سرق فاقطعوا أيديهما الآية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. ولو أراد سارقاً وزانياً بعينهما لكان وجه الكلام النصب. وقال الأخفش: هو الرفع على الخبر وابتداء مضمر كأنه قال: مما يقص عليك ويوحى إليك والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. وقال أبو عبيدة: هو رفع على لغة [....] من رفع [....] فيقول: الصيد [غارمه]، والهلال فانظر إليه، يعني أمكنك الصيد غارمه، وطلع الهلال فانظر إليه. وقرأ عيسى بن عمرو: والسارق والسارقة منصوبين على إضمار إقطعوا السارق والسارقة. ودليل الرفع قراءة عبد اللّه، والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ومستثناً في هذا السارق الذي عناه اللّه عز وجل بقطع يده وفي القدر الذي يقطع به يد السارق. فقال قوم: يقطع إذا سرق عشر دراهم فصاعداً، ولا يقطع فيما دون ذلك. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه واحتجوا بما روى عطاء ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن قال: يقطع السارق في ثمن المجن وكان ثمن المجن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ديناراً أو عشرة دراهم. وروى أيّوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم. وروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى قيمة عن المجن هو ثمن المجن عشرة دراهم. قال سليمان بن يسار: لا يقطع الخمس إلاّ بالخمس. واستدل بما روى سفيان عن عبد اللّه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في قيمة خمسة دراهم . تفسير : وروى سفيان عن عيسى عن الشعبي عن عبد الله حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قطع في خمسة دراهم . تفسير : وروى شعبة عن داود بن (فراهج) قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري قالا: تقطع الكف في أربعة دراهم فصاعداً، ولا تقطع في ثلاثة دراهم فصاعداً. واحتج بما روى عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن ثمنه ثلاثة دراهم فقال: بعضهم يقطع في ربع دينار فصاعداً، وهو قول الأوزاعي، والشافعي وإسحاق الحنظلي وأبو ثور. واحتجوا بما روى سفيان عن الزهري عن حمزة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقطع في ربع دينار فصاعداً ". تفسير : وروى أبو بكر بن محمد عن عمر عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تقطع يد السارق إلاّ في ربع دينار فصاعداً ". تفسير : وقال بعضهم: يقطع سارق القليل والكثير، ولو سرق دانق، وهو قول ابن عباس، قال: لأن الآية عامّة ليس خاصّة. وقول الزبير: يروى أنه يقطع في درهم وحجّة هذا المذهب ما روى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ". تفسير : وروى ثوبان حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بسارق سرق شملة قال: أسرقت؟ ما أخالك سرقت؟ قال: نعم. قال: إذهبوا به فاقطعوه. ثم اتوني به، ففعل فقال: "ويحك تُب إلى اللّه". فقال: اللّهم تُب عليهتفسير : ، ثم اختلفوا في كيفيّة القطع: فقال عمرو بن دينار: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع اليد من الكوع وكان يقطع من المفصل وكان علي يقطع الكف من الأصابع والرجل من شطر القدم. فإذا قطع ثم عاد إلى السرقة فهل يقطع أم لا؟ قال أهل الكوفة: لا تقطع واحتجّوا بحديث عبد خير، قال: أتى علي سارق فقطع يده ثم أتى وقطع رجله ثم أتى فضربه وحبسه وقال: إني لأستحي أن لا أدع له يداً يستنجي بها ولا رجلاً يمشي بها. وقال أهل الحجاز: يقطع، وكان قد إحتجوا في ذلك بقوله تعالى {فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} على الإجماع. ويروي حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحرث بن حاطب حديث : أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أُتي بلصّ فقال: "أُقتلوه" فقال: يا رسول اللّه إنما سرق، قال: "أُقتلوه" قالوا: يا رسول اللّه إنما سرق، قال: "إقطعوا يده". قال: ثم سرق فقطعت رجله ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق أيضاً الخامسة فقال أبو بكر: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال اقتلوه، ثم دفعوه إلى قبيلة من قريش ليقتلوه في عهد عبد اللّه بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أمّروني عليكم فأمّروا عليه فكان إذا ضرب ضربوا حتى قتلوهتفسير : ، ثم إذا قطع السارق فهل يغرم السرقة أم لا؟ فقال سفيان وأهل الكوفة: إذا قطع السارق فلا يغرم عليه إلاّ أن يعيد المسروق فيعيدها إلى صاحبها. وروى المسوّر بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يغرم صاحب السرقة إذا أُقيم عليه الحد" تفسير : قيل: هذا حديث مرسل أنس بن ثابت، وقال الزهري ومالك: إذا كان السارق موسراً غُرّم. وقال الشافعي: ثم يغرّم قيمة السرقة معسراً كان أو موسراً. {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا}.نصب جزاء على الحال والقطع قاله الكسائي. وقال قطرب: على المصدر ومثله {نَكَالاً} أي عقوبة {مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: ما سرق سارق سرقة إلاّ نقص من رزقه المكتوب له {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي سرقته، نظيره في سورة يوسف {أية : كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [يوسف: 75] أي السارقين {وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} هذا ما بينه وبين اللّه تعالى فأما القطع فواجب. يدل عليه ما روى يحيى بن عبدالله عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن عبد اللّه بن عمرو: حديث : إنّ امرأة سرقت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين سرقتهم. فقالوا: يا رسول اللّه إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها بخمس مائة دينار، فقال رسول اللّه: "إقطعوا يدها" فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة هل لي من توبة؟ قال: "نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك"تفسير : . فأنزل اللّه في سورة المائدة {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} الآية. معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: حديث : كانت إمرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلمته وكلم أسامة النبي صلى الله عليه وسلم فيها فقال له النبي: "يا أسامة لا أزال تكلمني في حدّ من حدود اللّه" ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيه الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطّعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". تفسير : قال: فقطع يد المخزومية، وكان الشعبي وعطاء يقولان: إذا ردّ السرقة قبل أن يقدر عليه لم يقطع لقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} الآية {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}. قال السدّي والكلبي: يعذب من يشاء منهم من مات على كفره ويغفر لمن يشاء من تاب من كفره. وقال الضحّاك: يعذب من يشاء على الصغير إذا قام عليه ويغفر لمن يشاء على الكبير إذا نزع عنه {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أول شيء في الحرب هو الاستيلاء؛ فمعنى أن يحارب قوم قوماً غيرهم أي يرغبون في الاستيلاء على خيرات أو ممتلكات الطرف الآخر. فكيف يحارب قومٌ اللَّهَ وهو غيب؟. وأول حرب للَّه هي محاولة الاستيلاء على سلطانه، وهو تشريعه. فإن حاولت أيها الإنسان أن تشرع أنت على غير منهج الله فأنت تريد أن تستولي على حق الله في التشريع. وهذه أول حرب لله. والذين يحاربون الله أَهُمُ الذين يريدون أن يستولوا على ملك الله؟ لا؛ لأن يد الله في مُلكه أزلا، وستبقى أبدًا وسبحانه لن يسلّمه لأحد من عباده. فعلى ماذا - إذن - يريدون الاستيلاء؟. إنهم يريدون تزييف تشريعات الله، بينما سبحانه هو المُشرّع وحده. والتشريع - كما قلنا - هو قانون صيانة للصّنعة. إذن لماذا لا نترك خالق الإنسان ليضع القواعد التي تصون البشر؛ لذلك فأول افتيات يفعله الناس أنهم يُشرّعون لأنفسهم؛ لأن قانون صيانة الإنسان يضعه خالق الإنسان، فإذا ما جاء شخص وأراد أن يضع للإنسان - الذي هو منه - قانون صيانة نقول له: إنك تستولي على حق الله. وكيف يحاربون الرسول؟. نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم له وضعان؛ فالله غيب؛ لكن الرسول كان مشهداً من مشاهدنا في يوم من الأيام، وقد حورب بالسيف، وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أصبحت حربه كحرب الله، فنأخذ سلطته في التشريع، وهي السلطة الثانية ونقول لها: نحن سنشرع لأنفسنا ولا ضرورة لهذا الرسول، أو أن يقول نظام ما: سنأخذ من كلام الله فقط وذلك ما ينتشر في بعض البلدان. ونقول لكل واحد من هؤلاء: أتؤدي الصلاة؟. فيقول: نعم. نسأله: كم ركعة صليت المغرب؟. فيجيب ثلاث ركعات. نسأله: من أين أتيت بذلك؟. ومن أين عرفت أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وهي لم تذكر في القرآن الكريم؟. هنا سيصمت. ونسأله: كيف تخرج الزكاة وبأي حساب تحسبها؟ فيقول: اخرج الزكاة بقدر اثنين ونصف بالمائة في النقدين والتجارة مثلا. نقول له: كيف - إذن - عرفت ذلك؟. وأيضا كيف عرفت الحج؟. إذن فللرسول صلى الله عليه وسلم مهمة، وحرب النبي تكون في ترك قول أو فعل أو تقرير له عليه الصلاة والسلام. ومثال ذلك هؤلاء الذين يقولون: إن أحاديث رسول الله كثيرة. ونقول لهم: كانت مدة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاماً وكل كلامه حديث، فكل كلمة خرجت من فمه حديث شريف، ولو كنا سنحسب الكلام فقط لكان مجلدات لا يمكن حصرها، وكل كلام سمعهُ وأَقرّه من غيره حديث، وكل فعل فعله غيره أمامه وأقرّه ولم يعترض عليه حديث، فكم تكون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وكيف يستكثر بعض الناس قدراً من الأحاديث التي وصلتنا بعد قدر هائل من التنقية البالغة؟؛ لأنهم قالوا: لأن نبعد عن رسول الله ما قاله خير من أن ندخل على رسول الله ما لم يفعله. إنهم يدعون أن هذا حفظ للإسلام ولكن فاتهم أن الله حافظ دينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع القواعد لغربلة الأحاديث فقال: "حديث : من كذب على مُتعمداً فليتبوّأ مقعده من النار ". تفسير : وها هوذا البخاري ينقل عن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قابلوه، وسيدنا مُسلم يعتبر المعاصرة كافية لأنّها مظنَّة المقابلة وتحري كل منهما الدقة الفائقة. وأي شخص كان به خدشة سلوكية لا يؤخذ بقوله، ولذلك عندما حاول البعض أن ينال من الأحاديث وقال أحدهم: "أنا يكفيني أو أقول لا إله إلا الله"، تساءلت: كيف لا يذكر أن محمداً رسول الله؟ وكيف يمكن أن يؤدي الأذان للصلاة؟ وكيف يؤدي الصلاة" وكيف يمكن أن يفهم قول الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7] وهذا تفويض من الله في أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريع. وكذلك الاجتراءات على الأئمة، هم يجترئون أولاً على النبي ثم يزحفون على الدين كله. وجاء فيهم قول الحق: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يخرجون الصالح بذاته عن صلاحه ليكون فاسداً. الجزاء أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبُوا، وهذا التفعيل في قوله: {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} جاء للشدة والتقوية؛ حتى يقف منهم المجتمع الإيماني العام موقف القائم على هذا الأمر، والسلطة الشرعية قامت عن الجميع في هذا الأمر، كما يقال: إن النائب العام نائب عن الشعب في أن يرفع الدعوى، حتى لا ينتشر التقتيل بين الناس، دون أن يفهموا حكمة كل أمر. {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}. وهل "أو" هنا تخييرية، أو أنّ هنا - كما يقال - "لف ونشر"؟ واللف هو الطي. والنشر هو أن تبسط الشيء وتفرقه. فما اللف، وما النشر - إذن -؟ مثل ذلك ما يقوله الشاعر: شعر : قلبي وجفني واللسان وخالقي.. تفسير : لقد ذُكر مُتَعدّد ولكن الأحكام غير مذكورة، هذا هو اللف؛ فجمع المبتداءت دون أن يذكر لكل واحد منها خبره؛ ثم جاء بالأحكام على وفق المحكوم عليه. فأكمل بيت الشعر بقوله: شعر : راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفور تفسير : ولنقرأ البيت كاملاً: شعر : قلبي وجفني واللسان وخالقي راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ تفسير : والحق يقول: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73] فقوله: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} راجع إلى الليل، وقوله: {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} راجع إلى النهار. وهنا جاء باللف. ثم جاء بالنشر. والفساد - كما نعلم - له صُور متعددة، فالفساد في الإنسان قد يعني قتله. أو قتله وأخذ ماله. أو الاستيلاء على ماله دون قتله. أو إثارة الرعب في نفس الإنسان دون أخذ ماله أو قتله. فكأن كلمة الفساد طوي فيها ألوان الفساد، نفس القتل، أو نفس تقتل مع مال يُسلب ويؤخذ، أو مال يُؤخذ دون نفس تقتل، أو تخويف وتفزيع. ويقول الحق: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}، والنفي معناه الطرد والإبعاد، والطرد لا يتأتى إلا لثابت مُستقر، والإبعاد لا يتأتى إلا لمُتمكن. إذن، فقبل أن يُنفى لا بد أن يكون له ثبًوت وتمكُّن في موضع ما، وهو ما نسميه اصطلاحاً السكن، أو الوطن، أو المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه. ومعنى ثابت فيه. أي له حركة في دائرته، إلا أنه يأوي إلى مكانٍ مُستقر ثابت، ولذلك سُمي سكناً؛ أي يسكن فيه من بعد تحركه في مجالاته المختلفة. ومعنى النفي على هذا هو إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطناً له وكان مجالاً للإفساد فيه. ولكن إلى أي مكان نُخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي؟ قد يقول قائل: أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده! لا؛ لأن النفي لا يتيح له ذلك الإفساد، ذلك أن التوطن الأول يجعل له إلفاً بجغرافية المكان، إلفاً بمن يخيفهم؛ فهو يعرف سلوك جيرانه ويعرف كيف يخيف فلانا وكيف يغتصب بضاعة آخر وهكذا. ولكنه إن خرج إلى مكان غير مستوطن فيه فسوف يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف إلى جغرافية المكان ومواقع الناس فيه، ومواطن الضعف فيهم. وعلى ذلك يكون النفي هو منعٌ لإفساد الفاسد. وحين يقول سبحانه: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} نعرف أن كلمة "الأرض" لها مدلول ونسمي الأرض الآن: الكرة الأرضية. وكانوا قديماً يفهمونها على أنها اليابسة وما فيها من مياه، وبعد أن عرفنا أن جَوَّ الأرض منها صار جو الأرض جزءا من الأرض. ولذلك قلنا في المقدسات المكانية: إن كل جو يأخذ التقديس من مكانه؛ فجو الكعبة كعبة؛ بدليل أن الذي يصلي في الدور الثالث من الحرم؛ ويتجه إلى الكعبة. يصلي متجها إلى جو الكعبة. ومن يستقل طائرة ويرغب في إقامة الصلاة يتجه إلى جو الكعبة، وعندما ازدحم الحجيج وصار المسعى لا يتسع لكل الحجيج أقاموا دوراً ثانياً حتى يسعى الناس فيه. إذن فالمسعى ليس هو المكان المحدد فقط، ولكن جوه أيضا له قدسية؛ فإن بنينا كذا طابقا فهي تصلح أيضا كمسعى. إذن فجو الأرض ينطبق عليه ما ينطبق على الأرض. ولذلك كانوا يُحرمون - قبل أن يوجد طيارون مسلمون - أن يُحَوِّم في جو الحرم طيار غير مسلم؛ لأن الطيار غير المسلم مُحرم عليه أن يدخل الكعبة والحرم. ومادام هناك إنسان ممنوع من دخول الكعبة فهو أيضا ممنوع من الطيران في جَوّ الكعبة. أن جَوّ المكان يأخذ قُدسية المكان أو حكمه؛ فالجَوّ من الأرض، ونعرف أن الغلاف الجوي يدور مع الأرض. ومن هذا نعرف العطاءات القرآنية من القائل لكلامه وهو سبحانه الخالق لكونه. ومادام القائل للقرآن هو الخالق للكون، إذن لا يوجد تضارب بين حقيقة كونية وحقيقة قرآنية. وإنما يوجد التضارب من أحد أمرين: إما أن نعتبر الأمر الذي لا يزال في طور النظرية حقيقة في حين أنها لم تصبح حقيقة بعد؛ وإما أن نفهم أن هذا حقيقة قرآنية، على الرغم من أنه ليس كذلك، فإذا كان الأمر هو حقيقة كونية بحق وحقيقة قرآنية بحق، فلا تضارب على الإطلاق. ودليل ذلك على سبيل المثال قول الحق سبحانه: {أية : وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} تفسير : [لقمان: 34] ويأتي العلم الحديث بالبحث والتحليل، ويقول بعض السطحيين: لا، إن العلم يعرف ما في الرّحم من ذكر أو أنثى. ونقول: نحن لا نناقش ذلك؛ لأنها حقيقة كونية وهي لا تتصادم مع الفهم الصحيح للحقيقة القرآنية؛ لكننا نسأل: متى يعرف العلماء ذلك؟ هم لا يعرفون هذا الأمر إلا بعد مُضي مُدة زمنية، ولكن الحق يعلمه قبل مرور أية مدة زمنية. ثم مَن قال: إن الحق يقصد بـ {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} ذكراً أو أنثى فحسب؟ وهل لمدلولها وجه واحد؟ لا، بل له وجوه متعددة فلن يعرف أحد أن ما في الرحم سيكون من بعد إنساناً طويلاً أو قصيراً؛ ذكيا أو غبيّاً؛ شقيّاً أو سعيداً؛ طويل العمر أو قصير العمر؛ حليماً أو غضوباً. فلماذا نحصر "ما" في مسألة الذكر والأنثى فقط؟ إنه هو سبحانه يعلم المستقبل أزلاً قبل أن يعلم أي عالم وقبل أن يحصل العالم على أية عينة. ثم هل تذهب كل حامل إلى الطبيب ليفحص معملياً ما الذي تحمله في بطنها؟ طبعاً لا، ونحن لا نعلم ماذا في بطنها ولكن الخالق الأعظم يعلم. ثم هل تذهب كل النساء الحوامل في العالم لطبيب واحد؟ بالطبع لا، ولكن الخالق الأعظم يعلم ما في كل الأرحام. إذن فالحقيقة القرآنية لم تصطدم بأية حقيقة كونية، لكن الصدام يحدث عندما نفهم فهما خطأ أن الحقيقة القرآنية في قوله الحق: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} مقصود به العلم بالذكر والأنثى فقط. ومثال آخر، يقول الحق: {أية : وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} تفسير : [الحجر: 19] ويُخطئ البعض الفهم عن الله فيظن أن المقصود بذلك أن الأرض بساط أمام الإنسان. وقد ثبتت للبشر حقيقة كونية هي ان الأرض كروية بالأدلة خلال رحلة ماجلان ثم بالقواعد الخاصة بوضع الأعمدة؛ وظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها وغير ذلك، ثم صارت في عصرنا مُشاهدة من الأقمار الصناعية. إذن هذه الحقيقة الكونية لا كلام فيها، وكان الخطأ هو فهم مدلول الحقيقة القرآنية والفهم الصواب في مدلول الحقيقة القرآنية الخاصة بقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا}؛إننا كلما وقفنا في مكان نجد أرضا، أي أن الأرض لا نهاية لها وليس لها حافة. إذن فسبحانه قد مَد الأرض أمام الإنسان بحيث إذا سار الإنسان في أي اتجاه؛ يجد أرضاً. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية. لهذا كان الخطأ في فهم مدلول الحقيقة القرآنية؛ لأن التضارب إنما ينشأ من فهم أنها حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة قرآنية على نحو خاطئ، إنهما لا تتعارضان، فالقائل هو الخالق عينه. ولهذا عرفنا متأخراً أن الجو من الأرض وأن الغلاف الجوي يدور مع الأرض، وكنا نقول: سرنا على الأرض لكنه سبحانه قال وهو العليم: {أية : سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 11] وهو سبحانه علم أزلاً أن الجو جزء من الأرض. فمهما سار الإنسان على اليابسة ففوقه الغلاف الجوي. إذن فالإنسان إنما يمشي في الأرض وليس على الأرض. أما إن سار الإنسان فوق الغلاف الجوي فهو يسير فوق الأرض. ونعود إلى قوله الحق: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} وقد عرفنا أن النفي هو الطرد والإبعاد، فأي أرض ينفون منها وإلى أي أرض؟ ولا يكون الطرد إلا لمستقر ولا الإبعاد إلا لثابت. وحتى في اللغة نعرف ما يسمى النفي والإثبات. وكل ذلك مأخوذ من شيء حِسي؛ فعندما نأخذ الماء من البئر نُنزل إلى قاع البئر دلواً، وكل دلو ينزل إلى البئر له "رِشاء" وهو الحبل الذي نُنزل بواسطته الدلو. إننا ساعة نُخرج الدلو من البئر، يكون قد أخذ من الماء على قدر سعته وحجمه. فهل لدينا حركة ثابتة نستطيع بها المحافظة على استطراق الماء إلى تمام حافة الدلو؟ طبعاً هذا أمر غير ممكن؛ بل نجد قليلا من الماء يتساقط من حوافي الدلو، وهذا الماء المتساقط يُسمى "النَّفِي"؛ لأننا لا نستطيع استخراج الدلو وهو ملآن لآخره بحركة ثابتة مستقرة بحيث تحافظ على استطراق الماء. إن الماء - كما نعلم - له استطراق دقيق إلى الدرجة التي جعلت البشر يصنعون منه ميزاناً للاستواء. ومن "النَفْي" تؤخذ معان كثيرة، فهناك "النفاية" وهي الشيء الزائد. إذن كيف يكون النفي من الأرض؟ وهل نأخذ الأرض بمفهومها العام أو بمعناها الخاص؟ أي الأرض التي حدث فيها قطع الطريق؟ إن أخذناها بالمعنى الخاص فالنفي يكون لأي أرض أخرى. وإن أخذنا الأرض بالمعنى العام فكيف يكون النفي؟ ونرى أن الحق سبحانه قد قال في موضع آخر من القرآن: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} تفسير : [الإسراء: 104] هم بلا جدال يسكنون في الأرض. وجاء هذا القول لمعنى مقصود ونعرف أننا لا نذكر السكن إلا ويكون المقصود تحييز مكان في الأرض، كأن يقول قائل: "اسكن ميت غمر" أو "اسكن الدقهلية" أو "اسكن طنطا"، وهذا تحديد لموقع من الأرض للاستقرار، والمعنى المقصود إذن أن الحق يبلغنا أنه سيقطعهم في الأرض تقطيعاً بحيث لا يستقرون في مكان أبدا. وذلك مصداقا لقول الله: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} تفسير : [الأعراف: 168] فليس لهم وطن خاص. وتمت بًعْثَرَتُهم في كل الأرض، وهذا هو الواقع الذي حدث في الكون. أَوُجِدَ لبني إسرائيل استقرار في أي وطن؟. لا. وحتى الوطن الذي أقاموه بسبب وعد بلفور لم يترك الحق أمره. بل أعطى وعده للمؤمنين بأن يدخلوا المسجد إذا ما أحسنوا العمل لاسترداده. ومازال اليهود بطبيعتهم شتاتاً في أنحاء الأرض. ولهم في كل وطن حيّ خاص بهم. وتحتفظ كل جماعة منهم في أي بلد بذاتيتهم ولا يذوبون في غيرهم: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} تفسير : [الإسراء: 104] وحين يأتي بهن الحق في الجولة الآخرة سيأتون لفيفاً أي مجتمعين؛ لأن الأُمّة المؤمنة حين يقوّيها الله لتضرب على هؤلاء القوم ضربة لا بد أن يكونوا مُجتمعين. وكأن الله قد أراد أن يكون هذا "الوطن القومي" حتى يتجمعوا فيه وبعد ذلك يرسل الضربة عليهم لأنه جاء بهم لفيفاً؛ لذلك لا نحزن لأنه قد صار لهم وطن، فقد جاء بهم لفيفاً. ونعود إلى الآية التي نحن بصددها. كيف يكون النفي من الأرض؟ حين يرد الله تَحييز مكان فهو يقول على سبيل المثال: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} تفسير : [المائدة: 21] إذن فقد نفى غيرها. وهو يقول أيضاً: {أية : يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} تفسير : [الأعراف: 110] وكان المقصود بها مصر. فإذا أخذنا الأرض بالمعنى العام فحكمها حُكم "اسكنوا الأرض". والنفي هو صورة من صور العقوبات للإفساد، والإفساد في الأرض ينقسم إلى أربعة أقسام؛ قتل، قتل وأخذ مال، أخذ مال فقط، ترويع. وقد زاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئاً وفعله في سيرته، فقد جاء بنا بأمر جديد في أمر الإفساد. وكان على العلماء أن ينتبهوا له، فأول نفي حصل في الإسلام كان نفي رسول الله الحَكَم بن أبي العاص من المدينة إلى الطائف؛ لأن الحكم - والعياذ بالله - كان يُقلّد مِشّيَة النبيّ باستهزاء، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما يَتَحدَّر من صَبَبٍ. فقد كانت مشية النبي مشية خاصة. وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحَكَمَ يقلد مِشيته في استهزاء والتفت النبي - ذات مرة - فجأة، فوجد الحكم يقلده في مِشيته فنفاه من المدينة إلى الطائف، وظل الحكم في الطائف طوال حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم. فلما جاءت خلافة أبي بكر الصديق، ذهب أهل الحَكَم إلى أبي بكر، فقال: - ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذهبوا إلى عمر بن الخطاب فلم يوافق. وعندما جاءت خلافة عثمان وكان رضي الله عنه حَيياً وخجولاً فقال: لقد أخذت كلمة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم تحمل شبهة الإفراج عنه. ويفرج عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأثناء حياة الحَكَم في الطائف كان يربي بعض شُويهات وبعض غُنيمات وكان يرعاها عند جبيلات الطائف. وكان لهذه المسألة آثار من بعد ذلك. فأنتم تعلمون أن معاوية رضي الله عنه أنجب يزيد الذي تولّى الخلافة من بعده. وانتقلت الخلافة بعد يزيد لآل مروان بن الحَكَم. وكان خالد بن يزيد الذي ترك الخلافة لمروان عالماً كبيراً في الكيمياء وله أخ اسمه عبد الله، وكان لعبد الله جياد يتسابق بها. وكان لولد من أولاد عبد الملك بن مروان جياد أيضاً، وجرت جياد عبد الله مع جياد ابن عبد الملك في مضمار سباق، فلما جاءت خيل عبد الله لتسبق.. حدث خلاف بين عبد الله وابن عبد الملك؛ فنهر ابن عبد الملك عبد الله، فذهب عبد الله واشتكى لأخيه خالد. وهنا ذهب خالد لعبد الملك بن مروان، وقال له: - لقد حدث من ابنك لأخي كذا وكذا. وكان عبد الملك فصيحاً في العرب وما جربوا عليه لحناً أبداً. وربّى أولاده على ألا يلحنوا في اللغة. وكان له ولد اسمه الوليد غير قادر على استيعاب النطق الصحيح للغة دون لحن. فلما دخل خالد إلى عبد الملك أراد أن يجد فيه شيئاً يعيبه به، قال عبد الملك لخالد: أتكلمني في عبد الله وقد دخل عليّ آنفاً فلم يخل لسانه من اللحن؟ وقال خالد - معرضا بالوليد -: والله يا عبد الملك لقد أعجبتني فصاحة الوليد. فقال عبد الملك: إن يكن الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا يلحن. فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالداً لا يلحن. فقال عبد الملك: اسكت يا هذا فلست في العيرٍ ولا في النفير. وأظن أن قصة العير والنفير معروفة. فالعير هي التي كانت مع أبي سفيان وعليها البضائع من الشام وتعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نجا بها أبو سفبان. والنفير هم الجماعة التي استنفزها أبو سفيان من مكة لأنه خاف من المسلمين وكانت زعامتهم لعتبة. فالعير كانت زعامته لأبي سفيان والنفير كانت زعامته لعتبة بن ربيعة، وكان عتبة هو جدّ خالد لأمه، وأبو سفيان هو جدّه لأبيه. فقال خالد: ومن أولى بالعير وبالنفير مني، جدّي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عُتّبة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات وشويهات وجبيلات وذكرت الطائف ورحم الله عثمان لكان أولى. وأسكته. إذن. فالنفي كان أول عقاب أنزله الرسول صلّى الله عليه وسلم، فهل ما فعله "الحَكَم" يُعتبر فساداً؟. ونقول: إن كل فساد غنما يترتب على الفساد الذي يمس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحَكَم يستهزئ بمِشية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يقول مُشرّع ما: إن السجن يقوم مقام النفي ونقول: لا، إن السجن الآن فيه الكثير من الرفاهية. فقد كان السجن قديماً أكثر قسوة. والهدف من السجن الإبعاد لتخفيف شرور المُفسِد وإن كان لا يبعده عن مستقره ووطنه. وذلك أمر متروك للحاكم يفعله كيف يشاء وخاصة إذا لم يكن هناك أرض إسلامية متعددة. بحيث يستطيع أن ينفيه من أرض إلى أرض أخرى. ويتبع الحق هذا بقوله: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهذا القول لاحق لعقاب محدد للمفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله وهو: {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}. وهذه العقوبات خزي لهم. إن كلمة "خزي" ترد في اللغة بمعنيين؛ مرة بمعنى الفضيحة، "خَزِيَ، يَخْزِي، خِزياً"، أي انفضح، ومرة ثانية هي "خَزِي، يَخْزَي، خَزاية وَخَزِّي" بمعنى استحى. والمعنيان يلتقيان، فمادام قد افتضح أمر عبدٍ فهو يستحي مما فعل. وتلك الأفعال خزي، كالذي قطع طريقاً على أناس آمنين، ونقول لمثل صاحب هذا الفعل: إن قوّتك ليست ذاتية بل قوّة اختلاسية؛ فلو كانت قُوّتك ذاتية لاستطعت أن تتأبّى لحظة أن يأخذوك ليقتلوك أو يصلبوك أو يقطعوا يدك ورجلك. فقد اجترأت على العُزَّل الذين ليست لهم استطاعة الدفاع عن أنفسهم، وفي هذا خزي لك. خصوصاً وأنت ترى من كانوا يخافونك وأنت تنال العقاب. وخزيك الآن هو مقدمة لعذاب آخر في الآخرة، فسوف تنال عذاباً عظيماً. {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وكل جزاء في الدنيا إنما يأتي على قدر طاقات البشر في العقاب، ولكن ماذا إذا وكُلُّوُا إلى طاقة الطاقات؟. ها هي ذي عدالة الحق تتجلّى فهو سبحانه وتعالى يفسح المجال للمُسرفين على أنفسهم؛ أولاً بالتوبة؛ لأن الله الرّحيم بعباده لو أخذ كل إنسان بجريرة فعلها أو عاقب كل صاحب ذنب بذنبه لاستشرى في الأرض فساد كل من ارتكب ذنباً لنه يئس من رحمة الله فتشتد ضرواته وقسوته. وسبحانه فتح باب التوبة لكل من الذين فعلوا ذلك استيقظ ضميره، فإن تاب قبل أن تقدروا عليه فهناك حُكْم، أما إن تاب بعد أن يقدر عليه المجتمع فلا توبة له. ويقول الحق: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ...}
الصابوني
تفسير : [3] حد السرقة وقطع الطريق التحليل اللفظي {يُحَارِبُونَ}: المحاربة من الحرب ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال، والمراد بها في الآية محاربة أولياء الله وأولياء رسوله. {فَسَاداً}: الفساد ضد الصلاح، وكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً نافعاً يقال إنه فسد، والمراد بالإفساد في الأرض إخافة السبيل، والقتل والجراح وسلب الأموال. {يُقَتَّلُوۤاْ}: التقتيل: المبالغة في القتل بحيث يكون حتماً لا هوادة فيه ولا عفو من ولي الدم. {يُصَلَّبُوۤاْ}: التصليب: المبالغة في الصلب، أو تكرار الصلب كما قال الشافعي، ومعنى الصلب أن يُربط على خشبة منتصب القامة، ممدود اليدين، وربما طعنوه ليعجلوا قتله. {مِّنْ خِلافٍ}: معنى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف أن تقطع اليد اليمنى وتقطع الرجل اليسرى وبالعكس. {يُنفَوْاْ}: النفي أصله الإهلاك، ومنه النّفاية لرديء المتاع، والنفي من الأرض هو النفي من بلد إلى بلد، لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً، وقيل: المراد بالنفي الحبسُ. {خِزْيٌ}: الخزي الذي والفضيحة يقال أخزاه الله أي فضحه وأذلّه. {ٱلْوَسِيلَةَ}: كل ما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. {نَكَالاً}: أي عقوبة قال في "المصباح": نكل به ينكل من باب قتل نكلة قبيحة أصابه بنازلة، ونكّل به بالتشديد مبالغة، والاسم النَّكال. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا جزاء للمفسدين في الأرض إلاّ القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض عقوبة لهم وخزياً، ذلك العذاب المذكور هو المعجّل لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم هو عذاب النار، إلاّ الذين تابوا من قطاع الطريق من قبل أن تتمكنوا منهم فاعلموا أنه غفور رحيم يغفر الذنب ويرحم العبد. ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه سبحانه، والتقرب إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، والجهاد في سبيله لإعلاء دينه ليفوزا بالدرجات الرفيعة، ويكونوا من السعداء المفلحين. ثم أخبر تعالى أن الذين كفروا بآياته ورسله لو أنّ لأحدهم ملك الدنيا بأجمعه وأضعافه معه، ثم أراد أن يقدمه فداءً وعوضاً ليخلّص نفسه من عذاب الله، ما تقبلّه الله منه، لأن الله تعالى حكم بالخلود في عذاب جهنم على كل كافر، وأن هؤلاء يتمنون أن يخرجوا من النار، ولكن لا سبيل لهم إلى النجاة بوجه من الوجوه، فهم في عذاب مستمر دائم. ثم ذكر تعالى عقاب كل من السارق والسارقة، وأمر بقطع أيمانهما عند توفر الشروط، وبيّن أن تلك العقوبة جزاء ما كسباه من السرقة، عقوبة من الله لهما لإقدامهما على هذه الجريمة المنكرة، وليكون هذا العقاب الصارم عبرة للناس حتى يرتدع أهل البغي والفساد، ويأمن الناس على أموالهم وأرواحهم، وهذا التشريع هو تشريع العزيز في سلطانه الحكيم في أمره ونهيه، الذي لا تخفى عليه مصالح العباد، ومن ضمن حكمته أن يعفو عمن تاب وأناب، وأصلح عمله، وسلك طريق الأخيار {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82]. سبب النزول روي أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، وارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمّر أعينهم، وألقاهم بالحرة حتى ماتوا فنزلت هذه الآية {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} الآية. وجه الارتباط بالآيات السابقة بعد أن ذكر تبارك وتعالى قصة (قابيل وهابيل) ابني آدم عليه السلام، وأبان فظاعة جُرم القتل، وشدّد في تبعة القاتل فذكر أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ذكر تعالى هنا العقاب الذي يؤخذ به المفسدون في الأرض، حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم، وأوضح عقوبة السارق أيضاً لأنها نوع من إخلال الأمن في الأرض، وضربٌ من ضروب الإفساد، وقد شرع الله جل وعلا الحدود لتكون زواجر للناس عن ارتكاب الجرائم، فناسب ذكر (حد السرقة) و(حد قطع الطريق) بعد ذكر جريمة القتل. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذكرُ المحاربة لله عزّ وجل {يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} مجاز، إذ الله سبحانه وتعالى لا يُحارب ولا يُغالب، لما له من صفات الكمال، وتنزهه عن الأضداد والأنداد، فالكلام على (حذف مضاف) أي يحاربون أولياء الله، فعبّر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لإذايتهم، كما عبّر بنفسه عن الفقراء والضعفاء في قوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245] حثاً على الاستعطاف عليهم، ومثله ما ورد في صحيح السنة "حديث : ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ". تفسير : اللطيفة الثانية: النفي من الأرض كما يكون بالطرد والإبعاد، يكون بالحبس، فقد روي عن مالك أنه قال: النفي السجن، ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فكأنه إذا سجن نفي من الأرض، لأنه لا يرى أحبابه، ولا ينتفع بشيء من لذائذ الدنيا وطيباتها. قال الإمام الفخر: ولما حبسوا (صالح بن عبد القدوس) في حبس ضيّق على تهمة الزندقة وطال مكثه أنشد: شعر : خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجّان يوماً لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا تفسير : اللطيفة الثالثة: قال الزمخشري: قوله تعالى: {لِيَفْتَدُواْ بِهِ} هذا تمثيلٌ للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يقال للكافر يوم القيامة: أرأيتَ لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك، ألا تشرك بي شيئاً فأبيت ". تفسير : اللطيفة الرابعة: قدّم السارق على السارقة هنا {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} وأمّا في آية الزنا فقد قدم الزانية على الزاني {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] والسرّ في ذلك أن الرجل على السرقة أجرأ، والزنى من المرأة أقبح وأشنع، فناسب كلاً منهما المقامُ. اللطيفة الخامسة: قال الأصمعي: قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت: (والله غفور رحيم) سهواً، فقال الأعرابي: كلامُ مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد فاعدت: والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله فتنبهّتُ فقلت {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فقال: أصبتَ، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمتَ أني أخطأتُ؟ فقال: يا هذا، عزّ، فحكم، فقطع، ولو غفر، ورحم لما قطع" أقول: هذا يدل على ذكاء الأعرابي وشدة الترابط والانسجام بين صدر الآية وآخرها. اللطيفة السادسة: قال بعض الملحدين في الاعتراض على الشريعة الغراء بقطع اليد بسرقة القليل، ونظم ذلك شعراً: شعر : يدٌ بخمس مئينَ عَسْجَدٍ ودُيتْ ما بالُها قُطِعتُ في ربع دينار تحكّمٌ ما لنا إلا السكوتُ له وأنْ نَعوذَ بمولانا من النّار تفسير : فأجابه بعض الحكماء بقوله: شعر : عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانةِ فافهم حكمة الباري تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: من هو المحارب الذي تجري عليه أحكام قطاع الطريق؟ دلت الآية الكريمة على حكم المحاربة والإفساد في الأرض، وقد حكم الله تعالى على المحاربين بالقتل، أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض وقد اختلف الفقهاء فيمن يستحق اسم المحاربة. ا - فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح وأخافهم في مصرٍ أو برية. ب - وقال أبو حنيفة: المحارب الذي تجري عليه أحكام قطّاع الطريق من حمل السلاح في صحراء أو برية، وأمّا في المصر فلا يكون قاطعاً لأن المجني عليه يلحقه الغوث. جـ - وقال الشافعي: من كابر في المصر باللصوصية كان محارباً وسواء في ذلك المنازل، والطرق، وديار أهل البادية، والقرى حكمها واحد. قال ابن المنذر: الكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوماً بغير حجة، لأن كلاً يقع عليه اسم المحاربة. أقول: ولعلّ هذا هو الأرجح لعموم الآية الكريمة، وربما كانت هناك عصابة في البلد تخيف الناس في أموالهم وأرواحهم أكثر من قطّاع الطريق في الصحراء. الحكم الثاني: هل الأحكام الواردة في الآية على التخيير؟ قال بعض العلماء الإمام مخيّر في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل، أو الصلب، أو القطع، أو النفي لظاهر الآية الكريمة {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} وهذا قول مجاهد، والضحاك والنخعي، وهو مذهب المالكية. قال ابن عباس: ما كان في القرآن بلفظ (أو) فصاحبه بالخيار. وقال قوم من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على الجنايات، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي من الأرض، وهذا مذهب الشافعية والصاحبين من الحنفية وهو مروي عن ابن عباس. وأبو حنيفة يحمل الآية على التخيير، لكن لا في مطلق المحارب، بل في محارب خاص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال فالإمام مخير في أمور أربعة: أ - إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم. ب - وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم. جـ - وإن شاء صلبهم فقط دون قطع الأيدي والأرجل. د - وإن شاء قتلهم فقط حسب ما تقتضيه المصلحة. ولا بد عنده من انضمام القتل أو الصلب إلى قطع الأيدي، لأن الجناية كانت بالقتل وأخذ المال، والقتلُ وحده عقوبته القتل، وأخذُ المال وحده عقوبته القطع، ففيهما مع الإخافة والإزعاج لا يعقل أن يكون القطع وحده، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة. الحكم الثالث: كيف تكون عقوبة الصلب؟ جمهور الفقهاء على أن الإمام مخيّر على ظاهر الآية، وأنه يجوز له صلب المجرم المحارب لقوله تعالى: {أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} وكيفية الصلب أن يصلب حيّاً على الطريق العام يوماً واحداً، أو ثلاثة أيام لينزجر الأشقياء، ثم يطعن برمح حتى يموت وهو مذهب المالكية والحنفية وقال قوم: لا ينبغي أن يُصلب قبل القتل ولكن بعده لئلا يحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب، فيقتل أولاً ثم يُصلّى عليه ثم يصلب، وهو مذهب الشافعية. قال الإمام الشافعي رحمه الله: أكره أن يُقتل مصلوباً لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة. وقال الألوسي: "والصلبُ قبل القتل بأن يُصلبوا أحياء وتبعج بطونهم برمح حتى يموتوا". الحكم الرابع: متى تقطع يد السارق، وما هي الشروط في حد السرقة؟ السرقة في اللغة أخذ المال في خفاء وحيلة، وأما في الشرع فقد عرفها الفقهاء بأنها (أخذ العاقل البالغ مقداراً مخصوصاً من المال خفية من حرزٍ معلوم بدون حق ولا شبهة). والسارق إنما سمي سارقاً لأنه يأخذ الشيء في خفاء، واسترق السمع: إذا تسمّع مستخفياً، فقطعُ اليد لا يكون في مطلق السرقة، بل في سرقة شخص معين، مقداراً معيناً، من حرز مثله، بهذا ورد الشرع الحنيف. أما العقل والبلوغ فلأن السرقة جناية، وهي لا تتحقق بدونهما، والمجنون والصغير غير مكلفين، فما يصدر منهما لا يدخل في دائرة التكليف الذي يعاقب عليه الفاعل، وإن كانت السرقة من الصغير لا قطع فيها إلا أنها تدخل في باب التعزير. وأما المقدار الذي تقطع فيه اليد فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال أبو حنيفة والثوري: لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعداً أو قيمتها من غيرها. وقال مالك والشافعي: لا قطع إلا في ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. حجة الحنفية: أ - ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا قطع فيما دون عشرة دراهم ". تفسير : ب - ما نقل عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وعطاء أنهم قالوا: لا قطع إلا في عشرة دراهم. حجة المالكية والشافعية: أ - ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً ). تفسير : ب - ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجنّ ثمنة ثلاثة دراهم. جـ - ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً" تفسير : وهذا القول منقول عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. قال فضيلة الشيخ السايس: "وإذا لوحظ أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأن الاحتياط أمر لا يجوز الإغضاء عنه، وأن الحظر مقدّم على الإباحة، أمكن ترجيح (مذهب الحنفية) لأن المجنّ المسروق في عهده عليه السلام الذي قطعت فيه يد السارق، قدّره بعضهم بثلاثة دراهم، وبعضهم بأربعة، وبعضهم بخمسة، وبعضهم بربع دينار، وبعضهم بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر أرجح، لأن الأقل فيه شبهة عدم الجناية، والحدود تدرأ بالشبهات ولأن التقدير بالأقل يبيح الحد في أقل من العشرة، والتقدير بالعشرة يحظر الحد فيما هو أقل منها، والحاظر مقدم على المبيح. وأما اعتبار الحرز فلقوله عليه السلام: "حديث : لا قطع في ثَمَر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المُرَاحُ أو الجرينُ فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ". تفسير : والحرز هو ما نصب عادةً لحفظ أموال الناس كالدور والخيم والفسطاط، التي يسكنها الناس ويحفظون أمتعتهم بها، وقد يكون الحرز بالحافظ الذي يجلس ليحفظ متاعه، فإذا كان الحافظ قطع لما روي عن (صفوان بن أمية) أنه قال: كنت نائماً في المسجد على خميصة (عباءة أو ما أشبهها) لي ثمن ثلاثين درهماً، فجاء رجلٌ فاختلسها مني، فأخذت الرجل فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، فقلت: اتقطعه من أجل ثلاثين درهماً؟ أنا أبيعه وأُنْسئه ثمنها، قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به"؟ وأما اعتبار عدم الشبهة فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أدرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"تفسير : وقد اشتهر هذا فأصبح كالمعلوم بالضرورة، فلا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، ولا الأب من مال ابنه، ولا الشريك من شريكه، ولا الدائن من مدينه لوجود الشبهة. الحكم الخامس: من أين تقطع يد السارق؟ دل قوله تعالى: {فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} على وجوب قطع اليد في السرقة، وقد أجمع الفقهاء على أن اليد التي تقطع هي (اليمنى) لقراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما). ثم اختلفوا من أين تقطع اليد فقال فقهاء الأمصار تقطع من المفصل (مفصل الكف) لا من المرفق، ولا من المنكب، وقال الخوارج: تقطع إلى المنكب، وقال قوم: تقطع الأصابع فقط. حجة الجمهور ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق من الرسغ، وكذلك ثبت عن (علي) و(عمر بن الخطاب) أنهما كانا يقطعان يد السارق من مفصل الرسغ، فكان هو المعول عليه. وإذا عاد إلى السرقة ثانياً قطعت رجله اليسرى باتفاق الفقهاء لما رواه (الدارقطني) عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إذا عاد فاقطعوا رجله اليسرى"تفسير : ولفعل (علي) و(عمر) من قطع يد سارق ثم قطع رجله، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد فكان ذلك إجماعاً. وأما إذا عاد إلى السرقة ثالثاً فلا قطع عند الحنفية والحنابلة، ولكنّه يضمن المسروق ويسجن حتى يتوب، وقال المالكية والشافعية: إذا سرق تقطع يده اليسرى، وإن عاد إلى السرقة رابعاً تقطع رجله اليمنى. ويروى أن أبا حنيفة قال: "إني استحيي من الله أن أدعه بلا يدٍ يأكل بها، وبلا رجل يمشي عليها" وهذا القول مروي عن (علي) و(عمر) وغيرهما من الصحابة. خاتمة البحث حكمة التشريع صان الإسلام بتشريعه الخالد كرامة الإنسان، وجعل الاعتداء على النفس أو المال أو العرض جريمة خطيرة، تستوجب أشد أنواع العقوبات، فالبغي في الأرض بالقتل والسلب، والاعتداء على الآمنين بسرقة الأموال، كل هذه جرائم ينبغي معالجتها بشدّة وصرامة، حتى لا يعيث المجرمون في الأرض فساداً، ولا يكون هناك ما يُخل بأمن الأفراد والمجتمعات. وقد وضع الإسلام للمحارب الباغي أنواعاً من العقوبات (القتل، الصلب، تقطيع الأيدي والأرجل، النفي من الأرض) كما وضع للسارق عقوبة (قطع اليد) وهذه العقوبات تعتبر بحقٍ رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الجريمة في مهدها وتجعل الناس في أمنٍ، وطمأنينة، واستقرار. وأعداء الإنسانية يستعظمون قتل القاتل، وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يَحْظَوا بعطف المجتمع، لأنهم مرضى بمرضٍ نفساني، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر يسعى لحياة سعيدة كريمة إنهم يرحمون المجرم من المجتمع، ولا يرحمون المجتمع من المجرم الأثيم الذي سلب الناس أمنهم واستقرارهم، وأقلق مضاجعهم، وجعلهم مهدّدين بين كل لحظة ولحظة في الأنفس والأموال والأرواح. وقد كان من أثر هذه النظريات التي لا تستند على عقل ولا منطق سليم، أن أصبح في كثير من البلاد (عصابات) للقتل وسفك الدماء وسلب الأموال، وزادت الجرائم، واختل الأمن، وفسد المجتمع، وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطّاع الطريق. والعجيب أن هؤلاء الغربيين الذين يرون في الحدود الإسلامية شدة وقسوة لا تليق بعصرنا المتحضّر، والذين يدعون إلى إلغاء عقوبة (القتل والزنى وقطع يد السارق) إلخ هم أنفسهم يفعلون ما تشيب له الرؤوس، وتنخلع لهوله الأفئدة، فالحروب الهمجية التي يثيرونها، والأعمال الوحشية التي يقومون بها من قتل الأبرياء، والاعتداء على الأطفال والنساء، وتهديم المنازل على من فيها، لا تعتبر في نظرهم وحشية، ولقد أحسن الشاعر حين صور منطق هؤلاء الغربيين بقوله: شعر : قتلُ امرىءٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألة فيها نظر تفسير : نعم إن الإسلام شرع عقوبة قطع يد السارق، وهي عقوبة صارمة ولكنه أمّن الناس على أموالهم وأرواحهم، وهذه اليد الخائنة التي قطعت إنما هي عضو أشل تأصل فيها الداء والمرض، وليس من المصلحة أن نتركها حتى يسري المرض إلى جميع الجسد، ولكنّ الرحمة أن نبترها ليسلم سائر البدن، ويدٌ واحدة تقطع كفيلة بردع المجرمين، وكف عدوانهم وتأمين الأمن والاستقرار للمجتمع، فأين تشريع هؤلاء من تشريع الحكيم العليم، الذي صان به النفوس والأموال والأرواح!!
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} معناه يُعَادُونهُ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} معناه يُطردوا. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: تُقطَعُ يَدُهُ اليمنَى ورِجْلُهُ اليُسرى، يُخَالفُ بَينَ قَطْعِهَا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن جزاء المخالفين والمحاربين بقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33]، إلى قوله {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 34] والإشارة فيها أن جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - يعني بمعاداة أولياء الله - فإن الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى "حديث : من عاد إليّ ولياً فقد بارزني بالحرب وأني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده"تفسير : {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ} [المائدة: 33]، بعاداتهم {فَسَاداً} [المائدة: 33]، يظهر أثره في البر والبحر كقوله تعالى: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ}تفسير : [الروم: 41]. {أَن يُقَتَّلُوۤاْ} [المائدة: 33]، بسكين الخذلان {أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} [المائدة: 33]، بحبل الهجران على جذع الهجران {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 33]، عن أذيال الوصال {وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ} [المائدة: 33]، عن الاختلاف {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ} [المائدة: 33]، بُعد وهوان {فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، الفرقة والقطيعة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} [المائدة: 34]، وأنابوا إلى الله واستغفروا واعتذروا عن أولياء الله {مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، برؤية الولاية أيها الأولياء فإن ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق، وإن مردود الولاية مقصود العناية {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [المائدة: 34]، لمن تاب ورجع إلى الله {رَّحِيمٌ} [المائدة: 34]، بهم أن يقبل توبتهم ويغفر حوبتهم. ثم أخبر عن حقيقة التقوى أنها ابتغاء الوسيلة والقربى بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]، إلى قوله: {أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}تفسير : [التوبة: 68]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء، أحدها: الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدء الخلقة، وبه تخلص العبد من حجب ظلمة الكفر، وثانيها: التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية، ويخلص العبد من ظلمة المعاصي، وثالثها: ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، وبه يتخلص العبد من ظلمة أوصاف الوجود، ورابعها: الجهاد في سبيل الله وهو اضمحلال الأنانية في إثبات الهوية، وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود، ويظفر بنور الشهود، والمعنى الحقيقي يا أيها الذين أمنوا بإصابة النور اتقوا الله بتبديل الأخلاق الذميمة، وابتغوا إليه الوسيلة في إفناء الأوصاف {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} [المائدة: 35]، بتبديل الوجود {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، بنيل المقصود من المعبود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل. والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك. فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور. واختلف المفسرون: هل ذلك على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة؟ وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالا تحتم قتلُهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم. وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل. { ذَلِكَ } النكال { لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا } أي: فضيحة وعار { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله. وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض. { إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } أي: من هؤلاء المحاربين، { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال. ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة. وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى.
النسائي
تفسير : قوله جل ثناؤه: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [33] 163- أنا عمرو بن عثمان بن سعيد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أنس، حديث : أن نفرا من عُكْل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واجتَووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها، وألبانها، فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافَّة، فأتُي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ولم يحْمِسهم، وتركهم حتى ماتوا، تفسير : فأنزل الله عز وجل {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية.
همام الصنعاني
تفسير : 703- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة، والكلبي، وعطاء الخراساني، في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ}: [الآية: 33]، قال: هذا اللص الذي يقطع الطرق فهُوَ مُحَارِبٌ، قالوا: فإن قتل وأخَذَ مالاً [صلب، وإن] قتل ولم يأخذ مالاً قُتِل، وإن أخذ مالاً ولم يقتل قُطِعَت يده ورجله، وإن أخذ قبل أن يفعل شيئاً من ذلك نُفِي. وأما قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ}: [الآية: 34]، فهذه لأهل الشرك خاصة. فمن أصاب من المشركين شيئاً من المسلمين وهو لهم حربٌ وأخذ مالاً وأصاب دِماءَ ثم تاب من قبل أن يُقدر عليه: أُهْدِرَ عنه ما مَضى. 704- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، في قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}: [الآية: 33]، قال: نَفْيُهُ أن يطلب فلا يقدر عليه، كلما سمع به في أرْض طُلِبَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):