Verse. 703 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِلَّا الَّذِيْنَ تَابُوْا مِنْ قَبْلِ اَنْ تَقْدِرُوْا عَلَيْہِمْ۝۰ۚ فَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۳۴ۧ
Illa allatheena taboo min qabli an taqdiroo AAalayhim faiAAlamoo anna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا الذين تابوا» من المحاربين والقطَّاع «من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور» لهم ما أتوه «رحيم» بهم عبر بذلك دون فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين كذا ظهر لي ولم أرَ من تعرض له والله أعلم فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع ولا يصلب وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قوليه أيضا.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : قال الشافعي رحمه الله تعالى: لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم. وضبط هذا الكلام أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه التوبة، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط، فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنساناً ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة، وإن أخذ مالاً وجب عليه رده ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل، وأما إذا تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه، وتقام الحدود عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يسقط كل حد الله بالتوبة، لأن ماعزاً لما رجم أظهر توبته، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : هلا تركتموه»، تفسير : أو لفظ هذا معناه، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} استثناء مخصوص بما هو حق الله سبحانه وتعالى ويدل عليه قوله تعالى: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أما القتل قصاصاً فإلى الأولياء يسقط بالتوبة وجوبه لا جوازه، وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب، وأن الآية في قطاع المسلمين لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } من المحاربين والقطَّاع {مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لهم ما أتوه {رَّحِيمٌ } بهم عَبَّرَ بذلك دون (فلا تحدّوهم) ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين كذا ظهر لي، ولم أرَ من تعرّض له والله أعلم فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع ولا يصلب وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئاً وهو أصح قوليه أيضا.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَابُواْ} من الشرك والفساد بإسلامهم، ولا يسقط حد المسلم بالتوبة قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو التائب من المسلمين من المحاربين بأمان الإمام دون التائب بغير أمان، أو من لحق بدار الحرب وإن كان مسلماً ثم جاء تائباً قبل القدرة عليه أو من كان في دار الإسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها قبلت توبته قبل القدرة وإن لم يكن له فئة فلا تضع توبته شيئاً من عقوبته، أو تسقط عنه حدود الله ـ تعالى ـ دون حقوق العباد، أو تسقط عنه سائر الحدود والحقوق سوى الدماء.

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} يعني لكن الذين تابوا من شركهم وحربهم لله ورسوله ومن السعي في الأرض بالفساد من قبل أن تقدروا عليهم. يعني فلا سبيل لكم عليهم بشيء من العقوبات المذكورة في الآية المتقدمة {فاعلموا أن الله غفور} يعني لمن تاب من الشرك {رحيم} يعني به إذا رجع عما يسخط الله عز وجل وهذا قول معظم أهل التفسير أن المراد بهذا الاستثناء المشرك المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله تعالى في هذه الاية وأنه لا يطالب بشيء مما أصاب من مال أو دم. قال أبو إسحاق: جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك داعياً لهم إلى الدخول في الإسلام، فهذا حكم المشرك المحارب إذا آمن وأصلح وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يطالب بشيء بالإجماع، وأما المسلم المحارب، إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه. فقال السدي: هو الكافر إذا آمن لم يطالب بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه فإنه يرده على أهله وهذا مذهب مالك والأوزاعي غير أن مالك قال يؤخذ بالدم إذا طلب به وليه، فأما ما أصاب من الدماء والأموال ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإمام بشيء من ذلك وهذا حكم علي بن أبي طالب في حارثة بن زيد وكان قد خرج محارباً فتاب قبل أن يقدر عليه فآمنه علي على نفسه وكذلك جاء رجل من مراد إلى أبي موسى الأشعري وهو على الكوفة في خلافة عثمان بعد ما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائز بك أنا فلان بن فلان المرادي كنت قد حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض بالفساد وإني قد تبت من قبل أن يقدر عليّ. فقام أبو موسى فقال: هذا فلان المرادي وأنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً وأنه قد تاب من قبل أن يقدر عليه فلا يتعرض له أحد إلا بخير. وقال الشافعي: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله ولا يسقط عنه بها ما كان من حقوق بني آدم من قصاص أو مظلمة من مال أو غيره وأما إذا تاب بعد القدرة عليه فظاهر الاية أن التوبة لا تنفعه وتقام عليه الحدود وقال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله عز وجل بالتوبة.

ابو السعود

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} استثناءٌ مخصوصٌ بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أما ما هو من حقوق الأولياءِ من القصاص ونحوِه فإليهم ذلك إن شاءوا عفَوْا وإن أحبوا استوفَوْا، وإنما يسقطُ بالتوبة وجوبُ استيفائِه لا جوازُه، وعن علي رضي الله عنه أن الحرثَ بن بدر جاءه تائباً بعد ما كان يقطع الطريقَ فقبِلَ توبته ودرأ عنه العقوبة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} لما ذُكِرَ عِظَمُ شأنِ القتلِ والفساد وبـيَّن حُكمَهما وأُشير في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب من جنايته أُمِرَ المؤمنون بأن يتقوه تعالى في كل ما يأتون وما يذرون بترك ما يجبُ اتقاؤُه من المعاصي التي من جُملتها ما ذُكر من القتل والفساد، وبفعل الطاعات التي من زُمرتها السعيُ في إحياء النفوس ودفعِ الفساد والمسارعة إلى التوبة والاستغفار {وَٱبْتَغُواْ} أي اطلُبوا لأنفسكم {إِلَيْهِ} أي إلى ثوابه والزُّلفىٰ منه {ٱلْوَسِيلَةَ} هي فعيلةٌ بمعنى ما يُتوسّل به ويُتقرَّب إلى الله تعالى من فعل الطاعات وتركِ المعاصي من وسَّل إلى كذا أي تقرّب إليه بشيء، و(إليه) متعلقٌ بها قُدّم عليها للاهتمام به، وليست بمصدرٍ حتى لا تعملَ فيما قبلها، ولعل المراد بها الاتقاءُ المأمورُ به فإنه مَلاكُ الأمر كلِّه كما أشير إليه، وذريعةٌ لنيل كلِّ خير ومنجاةٌ من كل ضَيْر، فالجملة حينئذ جاريةٌ مما قبلها مَجرىٰ البـيانِ والتأكيد. أو مطلقُ الوسيلة وهو داخل فيها دخولاً أولياً. وقيل: الجملةُ الأولى أمرٌ بترك المعاصي والثانية أمرٌ بفعل الطاعات، وحيث كان في كلَ من ترك المعاصي المشتهاةِ للنفس وفعلِ الطاعات المكروهة لها كُلفة ومشقة عقّب الأمرَ بهما بقوله تعالى: {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ} بمحاربة أعدائِه البارزةِ والكامنة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بنيلِ مرضاتِه والفوزِ بكراماته.

القشيري

تفسير : من أقلع عن معاصيه، وارتدع عن ارتكاب مساويه، قبل أن يهتك عنه ستر السداد لا تقام عليه - في الظاهر - حدودُ الشريعة لاشتباهها على الإمام، ولا يؤاخذه الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذاً بظاهرِ ما يثبت من حاله مَالَه في استيجاب السداد، فإذا بدا للإمام جُرْمُه أُقيم عليه الحدُّ وإنْ تقنَّع بنقاب التقوى. وكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة تقريب الحق - سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم} استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبىء عنه قوله تعالى {فاعلموا ان الله غفور رحيم} أما ما هو من حقوق الآدميين فانه لا يسقط بهذه التوبة فان قطاع الطريق ان قتلوا انسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قتلهم حدا وكان ولى الدم على حقه فى القصاص والعفو وان اخذوا مالا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قطع ايديهم وارجلهم من خلاف وكان حق صاحب المال باقيا فى ماله وجب عليهم رده واما اذا تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية ان التوبة لا تنفعه ويقام الحد عليه فى الدنيا كما يضمن حقوق العباد وان سقط عنه العذاب العظيم فى العقبى. والآية فى قطاع المسلمين لان توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها يعنى ان المشرك المحارب لو آمن بعد القدرة عليه فلا سبيل عليه بشىء من الحدود ولا يطالب بشىء مما اصاب فى حال الكفر من دم او مال كما لو آمن قبل القدرة عليه. واما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليه اى قبل ان يظفر به الامام سقطت عنه العقوبة التى وجبت حقا لله ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فان كان قد قتل فى قطع الطريق سقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ويبقى عليه القصاص لولى القتل ان شاء عفا عنه وان شاء استوفاه وان كان قد اخذ المال يسقط عنه القطع وان كان جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ويجب ضمان المال. وقال بعضهم اذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد تبعة فى دم ولا مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده على صاحبه. روى عن على رضى الله عنه ان الحارث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق ويسفك الدماء ويأخذ الاموال فقبل توبته ولم يجعل عليه تبعة اصلا واما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شىء من الحقوق. اعلم ان قطع الطريق واخافة المسافرين من اقبح السيآت كما ان دفع الاذى عن الطريق من احسن الصالحات وفى الحديث "حديث : عرضت على اعمال امتى حسنها وسيئها فوجدت فى محاسن اعمالها الاذى يماط عن الطريق ووجدت فى مساوى اعمالها النخاعة تكون فى المسجد لا تدفن ". تفسير : وفى الحديث "حديث : من اشار الى اخيه " .تفسير : اى اخيه المسلم والذمى فى حكمه "حديث : بحديدة" تفسير : اى بما هو آلة القتل لانه جاء فى رواية "حديث : بسلاح " .تفسير : مكان بحديدة "حديث : فان الملائكة تلعنه " .تفسير : يعنى تدعو عليه بالبعد عن الجنة اول الامر لانه خوف مسلما باشارته وهو حرام لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا يحل لمسلم ان يروع المسلم" .تفسير : او لانه قد يسبقه السلاح فيقتله كما صرح به فى رواية مسلم "حديث : لا يشر احدكم الى اخيه فانه لا يدرى لعل الشيطان ينزغ فى يده وان كان اخاه " .تفسير : اى المشير اخا المشار اليه "حديث : لابيه وامه " .تفسير : يعنى فان كان هازلا ولم يقصد ضربه كنى به عنه لان الاخ الشقيق لا يقصد قتل اخيه غالبا. والاشارة فى الآية ان محاربة الله ورسوله معاداة اولياء الله فان فى الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى "حديث : من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب وانى لأغضب لاوليائى كما يغضب الليث لجروه" تفسير : ألا يرى ان بلعم بن باعوراء فى زمن موسى عليه السلام كان بحيث اذا نظر رأى العرش فلما مال الى الدنيا واهلها ميلة واحدة ولم يترك لولى من اوليائه حرمة واحدة سلب الله معرفته وجعله بمنزلة الكلب المطرود فجزاء مثل هذا المحارب ان يقتل بسكين الخذلان او يصلب بحبل الهجران على جذع الحرمان او تقطع ايديه عن اذيال الوصال وارجله من خلاف عن الاختلاف او ينفى من ارض القربة والائتلاف فله فى الدنيا بعد وهوان وفى الآخرة عذاب القطيعة والهجران الا الذين تابوا الى الله واستغفروا واعتذروا عن اولياء الله من قبل ان تقدروا عليهم برد الولاية ايها الاولياء فان ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق وان مردود الولاية مفقود العناية: قال الحافظ شعر : كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مبادكس كه درين نكته شك وريب كند تفسير : وفى المثنوى شعر : لا جرم آنراه بر تو بسته شد جون دل اهل دل ازتوخسته شد زود شان درياب واستغفار كن همجو ابرى كريها وزار كن تاكلستان شان سوى توبشكفد ميو هاى بخته بر خود واكفد هم بران دركردكم ازسك مباش باسك كهف ارشدستى خواجه تاش

الطوسي

تفسير : قال الزجاج يحتمل الذين ان يكون في موضع الرفع بالابتداء وخبره فاعلموا ان الله غفور رحيم والمعنى غفور رحيم لهم والمعنى لكن التائبون من قبل القدرة عليهم فالله غفور رحيم. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالاستثناء من قوله {فاعلموا أن الله غفور رحيم}.. لما بين الله حكم المحارب - على ما فصلناه - استثنا من جملتهم من يتوب مما ارتكبه قبل أن يؤخذ، ويقدر عليه لأن توبته بعد حصوله في قبضة الامام، وقيام البينة عليه بذلك لا ينفعه، ووجب اقامة الحد عليه. واختلفوا فيمن تدرأ عنه التوبة الحدود: هل هو المشرك أو من كان مسلماً من أهل الصلوة؟ فقال الحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك: هو المشرك دون من كان مسلماً. فأما من أسلم، فانه لم يؤاخذ بما جناه إِلا أن يكون معه عين مال قائمة فانه يجب عليه ردها وما عداه يسقط. وأما علي (ع) فانه حكم بذلك فيمن كان مسلماً وهو حارثة بن بدر، لانه كان قد خرج محارباً ثم تاب فقبل علي (ع) توبته. وجعل له أماناً على يد سعيد بن قيس. وحكم به أبو موسى الاشعري في فلان المرادي جاء تائباً بعد كونه محارباً فقبل توبته. وأبو هريرة في علي الاسدي وبه قال السدي ومالك بن أنس إِلا أن مالكاً قال يؤخذ بالدم اذا طالب به وليه. وقال الليث بن سعيد لا يؤاخذ به وقال الشافعي تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب لمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم وهو مذهبنا، فعلى هذا إِن أسقط الآدمي حق نفسه ويكون ظهرت منه التوبة قبل ذلك لا يقاصَّ عليه الحد، وإِن لم يكن ظهرت منه التوبة أقيم الحد، لأنه محارب فيتحتم عليه الحد. وهو قول أبي علي. ولا خلاف أنه إِذا اصيب المال بعينه في يده أنه يرد الى أهله. فاما المشرك المحارب فمتى أسلم وتاب سقطت عنه الحدود، سواء كان ذلك منه قبل القدرة عليه أو بعدها بلا خلاف. فاما السارق إِذا قدر عليه بعد التوبة وتكون التوبة منه بعد قيام البينة فانه لا يسقط عنه الحد. وإِن كان قبل قيام البينة اسقطت عنه. وقال قوم: لا تسقط التوبة الحد عن السارق - ولم يفصل. وادعي في ذلك الاجماع. قالوا لأن الله جعل هذا الحكم للمحارب بالاستثناء بقوله: {فاعلموا أن الله غفور رحيم} ولم يكن غير المحارب في معناه فيقاص عليه، لأن ظاهر هذا التفرد وليس كذلك هو في المحارب الممتنع بفئة وفي الآية حجة على من قال لا تصح التوبة مع الاقامة على معصية أخرى يعلم صاحبها أنها معصية، لأنه تعالى علق بالتوبة حكماً لا يحل به الاقامة على معصية هي السكر أو شرب نبيذ التمر على غير التأويل باجماع المسلمين.

الهواري

تفسير : قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ذكروا أن هذه كانت في أهل الشرك خاصة. ذكروا عن مجاهد قال: {مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} على عهد الرسول. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ} أي القربة إليه. قال بعضهم: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. قال: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قد فسّرناه في سورة آل عمران.

اطفيش

تفسير : {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِم}: من المحاربين. {فَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: غفور رحيم لهم لا تقتلوهم ولا تصلبوهم، ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم، ولا تنفوهم. قال عمروس رحمه الله: ان جاء المحارب تائباً قبل أن يقدر عليه هدر عنه ما أصاب فى محاربته ان كان عليه مشركاً، ولا يهدر عن أحد من أهل الاقرار ما أصابه فى محاربته، فان طلبه الامام فامتنع فهو باغ لا يقارب ولا يترك حتى يسلم لحكم الله، ويقاتل على امتناعه، فأصاب فى امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه، ولا يؤخذ به، لأنه لا قصاص بينه وبين المسلمين، لا يقيدوه من أنفسهم فيما أصابوا منه، واذا نزل قوم منزلة لا نعطيهم معها القصاص من أنفسنا فيما أصبنا منهم، فكذلك لا نأخذهم بما أصابوا منا، ولا يستقيم أن يستحل قوما فنأخذ منهم القصاص، ولا نعطيهم مثل ذلك من أنفسنا انتهى. وقال الشافعى ومالك: يؤخذ المقر فيما فعل من قتل وجرح وضرب وأخذ مال، اذا تاب قبل أن يقدر عليه، وأمر ذلك الى الولى وصاحب المال والحق، فان شاء عفى، فان عفى فلا يعاقب عقاب المحارب القاطع للطريق، لأن هذا العقاب ساقط بتوبته قبل القدرة عليه. وزعموا أن الحارث بن بدر جاء تائبا بعد ما كان يقطع الطريق، فقبل علىّ توبته، وجاء رجل من مراد الى أبى موسى الأشعرى وهو على الكوفة فى خلافة عثمان بعد ما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادى، كنت قد حاربت الله ورسوله، وسعيت فى الأرض فساداً، وانى تبت قبل أن يقدر علىَّ فقام أبو موسى فقال: هذا فلان المرادى، وأنه قد حارب الله ورسوله وسعى فى الأرض فساداً، وأنه قد تاب من قبل أن يقدر عليه، فلا يتعرض له أحد الا بخير. وقال السدى: اذا تاب الموحد لم يطلب بشىء الا ان وجد عنده مال بعينه أصابه، فانه يرده، وانما هدر عن الشرك جميع ما فعل ان تاب قبل القدرة جلباً للاسلام، واختلفوا ان تاب وآمن بعد القدرة فقيل: يؤخذ بكل ما فعل للشرط فى الآية، وقيل لا اذ الاسلام جب لما قبله، وان تاب الموحد بعد القدرة فقيل لظاهر الآية يحكم عليه بحكم الآية، وقيل تقام عليه الحدود. وقال الشافعى: ويحتمل أن يسقط عنه كل شىء بالتوبة، وليس كذلك لقوله تعالى: {مِن قَبلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِم} وان تاب المشرك قبل القدرة ولم يسلم غرم ما أخذ من المال فقط، وان تاب بعدها ولم يؤمن أخذ بحكم الآية، وقيل بالحد والغرم فقط.

اطفيش

تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} من محاربة الله ورسوله والسعى فسادا {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} فأَسقطوا عنهم ما كان حقاً لله من تصليب وقطع من خلاف وقتل حدًّا أَو نفى من الأَرض فلا يقتلون حدا، فإِن شاءَ ولى الدم قتل قصاصاً أَو أَخذ الدية أَو عفا وله القصاص فيما دون القتل أَو الأرش وله أَخذ ما أُفْسِد من ماله أَو أخذ {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ} من شأَنه الغفران والرحمة، فدخلوا فى ذلك وإِن تابوا بعد القبض عليهم لم يسقط عنهم ذلك إِلا المشرك فيسقط عنه بالتوحيد ولو وحد بعد القدرة عليه، ولا يطالب بمال ولا نفس وقيل لا يطالب الموحد بمال ولا نفس إِن تاب قبل القدرة عليه إِلا إِن وجد مال بعينه لمعلوم وبهذا حكم على فى حارثة بن بدر إِذ خرج محارباً مفسداً وتاب قبل القدرة وقبل توبته وكتب له الأَمان وبه قال السدى، وإِن تاب المشرك قبل القدرة عليه عن السعى فسادا ولم يوحد لم يحكم عليه بتلك الأَحكام المذكورة فى الآية بل يحكم عليه بما استحقه من جزية أَو قتل أَو إِنذار إِن لم يبلغه فلا تدل الآية بقيد القبلية على أَنها فى الموحدين من حيث إِن الموحد يدفع عنه توحيده القتل مطلقاً، والغفران يعم عدم الجزاء فتلك الأَحكام فى الدنيا والرحمة تعمه دنيا، أَوهما له فى الآخرة إِن تاب عن ذلك ووحد ولو وحد قبل القدرة ولم يتب عن ذلك السعى فهو كغيره من القطاع إِن عاود السعى بعد التوحيد، ثم المفهوم إِذا كان فيه تفصيل لا ينقص عموم الكلام.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وأما ما هو من حقوق العباد ـ كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه ـ فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدّاً، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصاً، فانهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا. وقال ناصر الدين البيضاوي: إن القتل قصاصاً يسقط بالتوبة وجوبه لا جوازه، وشنع عليه لضيق عبارة العلامة ابن حجر في كتابه «التحفة»، وأفرد له تنبيهاً فقال ـ بعد نقله ـ وهو عجيب، أعجب منه سكوت شيخنا عليه في «حاشيته» / مع ظهور فساده لأن التوبة لا دخل لها في القصاص أصلاً إذ لا يتصور بقيد كونه قصاصاً حالتا وجوب وجواز لأنا إن نظرنا إلى الولي فطلبه جائز له ولا واجب مطلقاً، أو للإمام فإن طلبه منه الولي وجب وإلا لم يجب من حيث كونه قصاصاً، وإن جاز أو وجب من حيث كونه حداً فتأمله انتهى. وتعقبه ابن قاسم فقال: ادعاؤه الفساد ظاهر الفساد فإنه لم يدع ما ذكر وإنما ادعى أن لها دخلاً في صفة القتل قصاصاً وهي وجوبه، وقوله: إذ لا يتصور الخ قلنا: لم يدع أن له حالتي وجوب وجواز بهذا القيد بل ادعى أن له حالتين في نفسه ـ وهو صحيح ـ على أنه يمكن أن يكون له حالتان بذلك القيد لكن باعتبارين، اعتبار الولي واعتبار الإمام إذا طلب منه، وقوله: لأنا إذا نظرنا الخ كلام ساقط، ولا شك أن النظر إليهما يقتضي ثبوت الحالتين قصاصاً، وقوله: فتأمله تأملنا فوجدنا كلامه ناشئاً من قلة التأمل انتهى. وجعل مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله تعالى الحيدري منشأ تشنيع العلامة ما يتبادر من العبارة من كونها بياناً لتفويض القصاص إلى الأولياء أما لو جعلت بياناً لسقوط الحد في قتل قاطع الطريق بالتوبة قبل القدرة دون القتل قصاصاً فلا يرد التشنيع فتدبر، وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب، وذهب أناس إلى أن الآية في المرتدين لا غير لأن محاربة الله تعالى ورسوله إنما تستعمل في الكفار، وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أنس «أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم النبـي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النبـي صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَٰؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، وأنت تعلم أن القول بالتخصيص قول ساقط مخالف لإجماع من يعتد به من السلف والخلف، ويدل على أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} الخ، ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة، وقد فرق الله تعالى بين توبتهم قبل القدرة وبعدها، وأيضاً إن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه. وأيضاً ليست عقوبة المرتدين كذلك، ودعوى أن المحاربة إنما تستعمل في الكفار يردها أنه ورد في الأحاديث إطلاقها على أهل المعاصي أيضاً، وسبب النزول لا يصلح مخصصاً فإن العبرة ـ كما تقرر ـ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد أخرج ابن أبـي شيبة وابن أبـي حاتم وغيرهما عن الشعبـي قال: كان حارثة بن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ويسعون في الأرض الفساد؟ قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر، فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن؟ قال: نعم، فجاء به إليه فبايعه، وقبل ذلك منه وكتب له أماناً، وروي عن أبـي موسى الأشعري ما هو بمعناه، ثم إن السمل الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله في غير أولئك، وأخرج مسلم والبيهقي عن أنس أنه قال: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء، وأخرج ابن جرير / عن الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك وعلمه صلى الله عليه وسلم عقوبة مثلهم من القتل والصلب والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم، قال: وكان هذا القول ذكره لأبـي عمر فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت تلك عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنهم السمل. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء} أي ألزمناهم ذلك لتخالف دواعي قواهم باحتجابهم عن نور التوحيد وبعدهم عن العالم القدسي {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي إلى وقت قيامهم بظهور نور الروح، أو القيامة الكبرى بظهور نور التوحيد {أية : وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [المائدة: 14] وذلك عند الموت وظهور الخسران بظهور الهيئات القبيحة المؤذية الراسخة فيهم {يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ} بحسب الدواعي والمقتضيات {كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ} عن الناس في أنفسكم {مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} إذا لم تدع إليه داعية {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} أبرزته العناية الإلۤهية من مكامن العماء {أية : وَكِتَـٰبٌ} تفسير : [المائدة: 15] خطه قلم الباري في صحائف الإمكان جامعاً لكل كمال، وهما إشارة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، ولذلك وحد الضمير في قوله سبحانه: {يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ} أي بواسطته {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} أي من أراد ذلك {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ} وهي الطرق الموصلة إليه عز وجل. وقد قال بعض العارفين: الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على من اتبع النبـي صلى الله عليه وسلم {وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ} وهي ظلمات الشك والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية {إِلَى ٱلنُّورِ} وهو نور الرضا والتسليم {أية : وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة: 16] وهو طريق الترقي في المقامات العلية، وقد يقال: الجملة الأولى: إشارة إلى توحيد الأفعال، والثانية: إلى توحيد الصفات، والثالثة: إلى توحيد الذات {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} فحصروا الألوهية فيه وقيدوا الإله بتعينه ـ وهو الوجود المطلق ـ حتى عن قيد الإطلاق {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} فإن كل ذلك من التعينات والشؤون والله من ورائهم محيط {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي عالم الأرواح وعالم الأجساد وعالم الصور {أية : يَخْلُقُ مَا يَشَاء} تفسير : [المائدة: 17] ويظهر ما أراد من الشؤون {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} فادّعوا بنوة الإسرار والقرب من حضرة نور الأنوار، وقد قال ذلك قوم من المتقدمين كما مرت الإشارة إليه، وقال ما يقرب من ذلك بعض المتأخرين، فقال الواسطي: ابن الأزل والأبد لكن هؤلاء القوم لم يعرفوا الحقائق ولم يذوقوا طعم الدقائق فرد الله تعالى دعواهم بقوله سبحانه: {قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم} والأبناء والأحباب لا يذنبون فيعذبون، أو لا يمتحنون إذ قد خرجوا من محل الامتحان من حيث الأشباح {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} كسائر عباد الله تعالى لا امتياز لكم عليهم بشيء كما تزعمون {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} منهم فضلاً {أية : وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} تفسير : [المائدة: 18] منهم عدلاً {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} بالولاية ومعرفة الصفات، أو بسلطنة الوجد وقوة الحال وعزة علم المعرفة، أو مالكين أنفسكم بمنعها عن غير طاعتي، والملوك عندنا الأحرار من رق الكونين وما فيه {أية : وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ } تفسير : [المائدة: 20] أي عالمي زمانكم، ومنه اجتلاء نور التجلي من وجه موسى عليه السلام {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} وهي حضرة القلب / {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} في القضاء السابق حسب الاستعداد {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ} في الميل إلى مدينة البدن، والإقبال عليه بتحصيل لذاته {أية : فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 21] لتفويتكم أنوار القلب وطيباته {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ أَنِ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} وهي صفات النفس {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} بأن يصرفهم الله تعالى بلا رياضة منا ولا مجاهدة، أو يضعفوا عن الاستيلاء بالطبع {أية : فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دٰخِلُونَ} تفسير : [المائدة: 22] حينئذٍ {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} سوء عاقبة ملازمة الجسم {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالهداية إلى الصراط السوي ـ وهما العقل النظري والعقل العملي ـ {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} أي باب قرية القلب ـ وهو التوكل بتجلي الأفعال ـ كما أن باب قرية الروح هو الرضا {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ} بخروجكم عن أفعالكم وحولكم، ويدل على أن الباب هو التوكل قوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 23] بالحقيقة وهو الإيمان عن حضور، وأقل درجاته تجلي الأفعال {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} أولئك الجبارين عنا وأزيلاهم لتخلو لنا الأرض {أية : إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] أي ملازمون مكاننا في مقام النفس معتكفون على الهوى واللذات {أية : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [المائدة: 26] أي أرض الطبيعة، وذلك مدة بقائهم في مقام النفس، وكان ينزل عليهم من سماء الروح نور عقد المعاش فينتفعون بضوئه {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءادَمَ} القلب اللذين هما هابيل العقل؛ وقابيل الوهم {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً} وذلك كما قال بعض العارفين: إن توأمة العقل البوذا العاقلة العملية المدبرة لأمر المعاش والمعاد بالآراء الصالحة المقتضية للأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة المستنبطة لأنواع الصناعات والسياسات، وتوأمة الوهم إقليميا القوة المتخيلة المتصرفة في المحسوسات والمعاني الجزئية لتحصيل الآراء الشيطانية، فأمر آدم القلب بتزوج الوهم توأمة العقل لتدبره بالرياضات الإذعانية والسياسات الروحانية وتصاحبه بالقياسات العقلية البرهانية فتسخره للعقل، وتزويج لعقل توأمة الوهم ليجعلها صالحة ويمنعها عن شهوات التخيلات الفاسدة وأحاديث النفس الكاذبة ويستعمل فيما ينفع فيستريح أبوها وينتفع، فحسد قابيل الوهم هابيل العقل لكون توأمته أجمل عنده وأحب إليه لمناسبتها إياه فأمرا عند ذلك بالقربان، فقربا قرباناً {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا} وهو هابيل العقل بأن نزلت نار من السماء فأكلته، والمراد بها العقل الفعال النازل من سماء عالم الأرواح، وأكله إفاضته النتيجة على الصورة القياسية التي هي قربان العقل وعمله الذي يتقرب به إلى الله تعالى {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} وهو قابيل الوهم إذ يمتنع قبول الصورة الوهمية لأنها لا تطابق ما في نفس الأمر {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} لمزيد حسده بزيادة قرب العقل من الله تعالى وبعده عن رتبة الوهم في مدركاته وتصرفاته، وقتله إياه إشارة إلى منعه عن فعله وقطع مدد الروح ونور الهداية الإلۤهية ـ الذي به الحياة ـ عنه بإيراد التشكيكات الوهمية والمعارضات في تحصيل المطالب النظرية {أية : قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27] الذين يتخذون الله تعالى وقاية، أو يحذرون الهيئات المظلمة البدنية والأهواء المردية والتسويلات المهلكة {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ} أي إني لا أبطل أعمالك التي هي سديدة في مواضعها {أية : إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [المائدة: 28] أي لأني أعرف الله سبحانه فأعلم أنه خلقك لشأن وأوجدك لحكمة، ومن جملة ذلك أن أسباب المعاش لا تحصل إلا بالوهم ولولا الأمل بطل العمل {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} أي بإثم قتلي وإثم عملك من الآراء الباطلة {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} وهي نار الحجاب والحرمان {أية : وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [المائدة: 29] الواضعين للأشياء في غير موضعها كما وضع الأحكام الحسية موضع المعقولات {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} بمنعه عن أفعاله الخاصة / وحجبه عن نور الهداية {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 30] لتضرره باستيلائه على العقل فإن الوهم إذا انقطع عن معاضده العقل حمل النفس على أمور تتضرر منها {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً} وهو غراب الحرص {يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض النفس {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ} وهو العقل المنقطع عن حياة الروح المشوب بالوهم والهوى المحجوب عن عالمه في ظلمات أرض النفس {قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} بإخفائها في ظلمة النفس فأنتفع بها {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} تفسير : [المائدة: 31] عند ظهور الخسران وحصول الحرمان {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 32] لأن الواحد مشتمل على ما يشتمل عليه جميع أفراد النوع، وقيام النوع بالواحد كقيامه بالجميع في الخارج، ولا اعتبار بالعدد فإن حقيقة النوع لا تزيد بزيادة الأفراد ولا تنقص بنقصها، ويقال في جانب الأحياء مثل ذلك {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي أولياءهما {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً} بتثبيط السالكين {أَن يُقَتَّلُواْ} بسيف الخذلان {أَوْ يُصَلَّبُواْ} بحبل الهجران على جذع الحرمان {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ} عن أذيال الوصال {وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ} عن الاختلاف والتردد إلى السالكين {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي أرض القربة والائتلاف فلا يلتفت إليهم السالك ولا يتوجه لهم {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ} وهوان {أية : فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 33] لعظم جنايتهم، وقد جاء ـ أن الله تعالى يغضب لأوليائه كما يغضب الليث الحرب، ومن آذى ولياً فقد آذنته بالمحاربة ـ نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : (34) - فَإِذا تَابَ الجُنَاةُ المُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ قَبْل أنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِمْ السُّلْطَةُ فِي البَلَدِ، سَقَطَ عَنْهُمُ العِقَابُ المَفْرُوضُ (وَهُوَ القَتْلُ أَوِ الصَّلْبُ أَوْ قَطْعُ اليَدَينِ ..) وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنْ تَابَ، وَهُوَ مُخْلِصٌ فِيهَا، لأَِنَّ تَوْبَتَهُمْ وَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ خَالِصَةً للهِ، صَادِرَةً عَنْ اعْتِقَادٍ بِقُبْحِ الذَّنْبِ، وَالعَزْمِ عَلَى تَرْكِ العَوْدَةِ إِلى فِعْلِ مِثْلِهِ (وَلَكِنْ تَبْقَى عَلَيهِمْ حُقُوقُ العِبَادِ). قَبْلَ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ - قَبْلَ وُقُوعِهِمْ بِيَدِ السُّلْطَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومادام الإنسان قد تاب وقام بتسليم نفسه دون أن يقدر عليه المجتمع فقبول التوبة حَقٌّ له، ويجب أن نأخذ {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} في نطاق ما جعله الله لنفسه، أما ما جعله الله لأولياء المُعتدى عليهم فلا بد من العقاب للمعتدي إن طلبه أصحابه. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والقرآن يجعل من المنهج الإيماني عجينة واحدة. لذلك يُقسّم المسائل إلى فصول كالتقنيات البشرية التي تُبوّب؛ لذلك نجد القرآن يعامل الأقضية وكأنها فُرص استيقاظ للنفس؛ لذلك يأخذ النفس إلى أمرٍ توجيهي بالطاعة. وضربنا من قبل المثل حينما تكلم القرآن عن مسائل الأسرة في سورة البقرة: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [البقرة: 237] ومن بعد ذلك يأتي إلى أمر الصلاة: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 238 - 239] وضع الله - إذن - الصلاة بين أمرين من أمور الأسرة، حيث قال من بعد أمره بالحفاظ على الصلاة حتى أثناء القتال: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 240] وجاء بأمر الحفاظ على الصلاة بين المشكلات الأسرية، وذلك ليجعل الدين لبنة واحدة، وأيضاً لأن النفس المشحونة بالبغضاء وزِحام أمور الزواج والوصيّة والطلاق؛ هذه النفس عندما تقوم إلى الصلاة لله فهي تهدأ. ولنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلم أُسوةٌ حسنة. فقد كان إذا حَزَبَه أمرٌ واشتد عليه قام إلى الصلاة. إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يأتي بأمور الدين كأبواب منفصلة، باب الصلاة، وآخر للصوم، وثالث للزكاة، لا. بل يمزج كل ذلك في عجينة واحدة. ولذلك فعندما أنزل بالمفسدين المحاربين لله عقاب التقتيل والتصليب والتقطيع والنفي. كان ذلك لتربية مهابة الرُّعب في النفس البشرية. وساعة يستيقظ الرُّعب في النفس البشرية يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الجيلاني

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} ورجعوا إلى الله عمَّا كانوا عليه مخلصين، نادمين، خائفين من بطشه، راجين من عفوه وجوده {مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} أي: غرماؤهم، وتأخذوهم مطالبين القصاص عنهم، يسقط عنهم حق الله بالتوبة إن أخلصوا فيها {فَٱعْلَمُواْ} أيها المؤمنون {أَنَّ ٱللَّهَ} الموفق لهم على التوبة {غَفُورٌ} لهم، يغفر ذنوبهم { رَّحِيمٌ} [المائدة: 34] يقبل توبتهم. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم التقوى عن محارم الله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن ارتكاب ما حرم عليكم، ونهاكم عنه {وَٱبْتَغُوۤاْ} واطلبوا {إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} المقربة إلى ذاته لتتوسلوا به إلى توحيده {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} لقطع العلائق، ورفع الموانع مع القوى البشرية الشاغلة عن التوجه نحوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35] تفوزون بفضاء توحيده، وصفاء تجريده وتفريده. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته من تعقب الوعد بالوعيد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيد الله، وأصرُّوا على ما هم عليه من الكفر والشقاق {لَوْ} تحقق وثبت {أَنَّ لَهُمْ} ملك {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} من الزخارف والكنوز {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} بل أضعاف أمثاله {لِيَفْتَدُواْ بِهِ} فدية، ويخلصوا {مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ونكالها المترتبة على كفرهم {مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} لعظم جرمهم وإصرارهم عليه، بل {وَلَهُمْ} فيها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36] مؤبد، لا يرجى نجاتهم أصلاً. {يُرِيدُونَ} متميناً {أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَ} الحال أنه {مَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا} لاستحالة الخروج من ذلك لزوم النكال {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37] دائم، متجدد متلون؛ لئلا يعتادوا بنوع منه.