٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجهان: الأول: اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله أن قوماً من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم، فعند ذلك شرح للرسول شدة عتيهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم، وامتد الكلام إلى هذا الموضع، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال: { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } كأنه قيل: قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك، وكونوا متقين عن معاصي الله، متوسلين إلى الله بطاعات الله. الوجه الثاني في النظم: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] أي نحن أبناء أنبياء الله، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتقوا وابتغوا إليه الوسيلة، والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما: أحدهما: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وثانيهما: فعل المأمورات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } ولما كان ترك المنهيات مقدماً على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر. وإنما قلنا: إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي، والفعل هو الايقاع والتحصيل، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة. فإن قيل: ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى الله تعالى؟ قلنا: الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة، بل من دعاه داعي الشهوة إلى فعل قبيح، ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى، فهٰهنا يحصل الوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى، إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال، ولهذا قال المحققون: ترك الشيء عبارة عن فعل ضده. إذا عرفت هذا فنقول: إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال، فالذي يجب تركه هو المحرمات، والذي يجب فعله هو الواجبات، ومعتبران أيضاً في الأخلاق، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة، ومعتبران أيضاً في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوّة والمعاد، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات، ومعتبران أيضاً في مقام التجلي، فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى: وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية، وبالمحو والصحو، وبالنفي والاثبات، وبالفناء والبقاء، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الاثبات، ولذلك كان قولنا »لا إلۤه إلاّ الله« النفي مقدم فيه إلى الاثبات. المسألة الثالثة: الوسيلة فعيلة، من وسل إليه إذا تقرب إليه. قال لبيد الشاعر:شعر : أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ألاكل ذي لب إلى الله واسل تفسير : أي متوسل، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود. قالت التعليمية: دلت الآية على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته، ومرشد يرشدنا إلى العلم به، وذلك لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقاً، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد، فلا بدّ فيه من الوسيلة. وجوابنا: أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به، والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمراً بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان وبعد معرفته، فيمتنع أن يكون هذا أمراً بطلب الوسيلة إليه في معرفته، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات. ثم قال تعالى: {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } واعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وبفعل ما ينبغي، بقوله {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة، فإن النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة، والعقل لا يدعو إلا إلى خدمة الله وطاعته والاعراض عن المحسوسات، وكان بين الحالتين تضاد وتناف، ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين وبالضدين، وبالمشرق والمغرب، وبالليل والنهار، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تهالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلاً على الطبع، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف بقوله {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هٰهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر. والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ } أي من سبيل عبوديته وطريق الاخلاص في معرفته وخدمته. والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب. واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات، ومفاتح كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ولا سعادة إلا في هذه الدار، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ}. الوسيلة هي القربة؛ عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقَتَادة وعطاء والسّديّ وٱبن زيد وعبد الله بن كَثِير، وهي فَعِيلة من توسلت إليه أي تقرّبت؛ قال عنترة: شعر : إنّ الرجال لهم إليكِ وسِيلة أَنْ يأخذوكِ تَكَحَّلِي وتَخضَّبي تفسير : والجمع الوسائل؛ قال: شعر : إذا غَفَل الواشون عُدْنا لِوصلِنا وعَاد التَّصافِي بيننا والوسَائِلُ تفسير : ويقال: منه سِلتُ أسأل أي طلبت، وهما يَتَساوَلان أي يطلب كلّ واحد من صاحبه؛ فالأصل الطلب؛ والوسيلة القربة التي ينبغي أن يُطلَب بها، والوسيلة درجة في الجنة، وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : فمن سأل لي الوسِيلة حلت له الشفاعة ».
البيضاوي
تفسير : {يا َأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي، من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه وفي الحديث «حديث : الوسيلة منزلة في الجنة»تفسير : {وَجَـٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بالوصول إلى الله سبحانه وتعالى والفوز بكرامته.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته، كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} قال سفيان الثوري، عن طلحة عن عطاء، عن ابن عباس: أي: القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد. وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر:شعر : إذا غَفَل الواشونَ عُدْنا لِوَصْلِنا وعادَ التَّصافي بَيْنَنا والوَسائِلُ تفسير : والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضاً: عَلَم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة»تفسير : (حديث آخر) في صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة»تفسير : (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا صليتم علي، فسلوا لي الوسيلة»تفسير : . قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». ورواه الترمذي عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب قال: حدثني أبو هريرة، ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحداً روى عنه غير ليث بن أبي سليم. (حديث آخر) ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا ابن شهاب عن ليث، عن المعلى، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، رفعه، قال: «حديث : صلوا علي صلاتكم، وسلوا الله لي الوسيلة» تفسير : فسألوه، أو أخبرهم: أن الوسيلة درجة في الجنة، ليس ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون هو. (حديث آخر) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبدالملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا، إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة»تفسير : ، ثم قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين، كذا قال. وقد رواه ابن مردويه:حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى ابن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه. (حديث آخر) روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غزية، عن موسى بن وردان: أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه»تفسير : (حديث آخر) - روى ابن مردويه أيضاً من طريقين عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله، فسلوا لي الوسيلة» تفسير : قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: «حديث : علي وفاطمة والحسن والحسين» تفسير : هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن الدشتكي، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعيد بن طريف عن علي بن الحسين الأزدي مولى سالم بن ثوبان، قال: سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: يا أيها الناس، إن في الجنة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، أما البيضاء، فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك، هي لإبراهيم عليه السلام وأهل بيته، وهذا أثر غريب أيضاً. وقوله: {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح، والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا يبأس، ويحيا لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه. ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهباً، وبمثله؛ ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه، ما تقبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه، ولا محيص ولا مناص، ولهذا قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} كما قال تعالى: {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} الآية، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه؛ من شدته وأليم مسه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، وكلما رفعهم اللهب، فصاروا في أعلى جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم مستمر، لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها. وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له: يا بن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهباً؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار»تفسير : . رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه، وكذا رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة عن أنس به، وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني، واسمه عبد الملك بن حبيب، عن أنس بن مالك به، ورواه مطر الوراق عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه. ثم روى ابن مردويه من طريق المسعودي عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يخرج من النار قوم، فيدخلون الجنة» تفسير : قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا} قال: اتل أول الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ} الآية، ألا إنهم الذين كفروا. وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر عن يزيد الفقير، عن جابر، وهذا أبسط سياقاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير قال: جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدث، فحدث أن ناساً يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أن الله يخرج ناساً من النار، والله يقول: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا} الآية، فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم، فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار، فقرأ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} حتى بلغ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قد جمعته، قال: أليس الله يقول: { وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}؟ فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقواماً بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم، أخرجهم، قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به. ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمرو بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن عليّ، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها، يذكر الله فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يخرجون من النار بعدما دخلوا» تفسير : ونحن نقرأ كما قرأت.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } خافوا عقابه بأن تطيعوه {وَٱبْتَغُواْ } اطلبوا {إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } ما يقرّ بكم إليه من طاعته {وَجَٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ } لإِعلاء دينه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون.
الشوكاني
تفسير : . {ٱبْتَغَوُاْ } اطلبوا {إِلَيْهِ }: لا إلى غيره، {وَ ٱلْوَسِيلَةَ } فعيلة من توسلت إليه: إذا تقربت إليه. قال عنترة:شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي تفسير : وقال آخر:شعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصابي بيننا والوسائل تفسير : فالوسيلة: القربة التي ينبغي أن تطلب، وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد. وروي عن ابن عباس، وعطاء، وعبد الله بن كثير. قال ابن كثير في تفسيره: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة، لا خلاف بين المفسرين فيه. والوسيلة أيضاً درجة في الجنة مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال حين يسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة»تفسير : . وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة»تفسير : . وفي الباب أحاديث، وعطف {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } على {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } يفيد أن الوسيلة غير التقوى. وقيل هي التقوى، لأنها ملاك الأمر، وكل الخير، فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى. والظاهر أن الوسيلة: هي القربة تصدق على التقوى، وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها إلى ربهم {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ } من لم يقبل دينه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } كلام مبتدأ مسوق لزجر الكفار، وترغيب المسلمين في امتثال أوامر الله سبحانه {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأرْضِ } من أموالها ومنافعها؛ وقيل المراد لكل واحد منهم ليكون أشدّ تهويلاً، وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك، و{جَمِيعاً } تأكيد. وقوله {وَمِثْلَهُ } عطف على ما في الأرض، و{مَعَهُ } في محل نصب على الحال {لِيَفْتَدُواْ بِهِ }؛ ليجعلوه فدية لأنفسهم، وأفرد الضمير إما لكونه راجعاً إلى المذكور، أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة: أي ليفتدوا بذلك، و{مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } متعلق بالفعل المذكور {مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ } ذلك، وهذا هو جواب لو. قوله: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } هذا استئناف بياني، كأنه قيل: كيف حالهم فيما هم فيه من هذا العذاب الأليم؟ فقيل يريدون أن يخرجوا من النار. وقرىء "أَن يَخْرُجُواْ" من أخرج، ويضعف هذه القراءة {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا } ومحل هذه الجملة، أعني قوله: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا } النصب على الحال؛ وقيل إنها جملة اعتراضية. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } قال: الوسيلة القربة. وأخرج الحاكم وصححه، عن حذيفة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } قال: تقرّبوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه. وأخرج مسلم، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة»تفسير : قال: يزيد الفقير، فقلت لجابر يقول الله: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُمْ بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا } قال: اتل أوّل الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ } ألا إنهم الذين كفروا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: تزعم أن قوما يخرجون من النار، وقد قال الله تعالى: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا } فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها هذه للكفار. قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره لهذا: إنه مما لفقته المجبرة، ويا لله العجب من رجل لا يفرق بين أصحّ الصحيح، وبين أكذب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدري ما هو؟ قد تواترت الأحاديث تواتراً لا يخفى، على من له أدنى إلمام بعلم الرواية بأن عصاة الموحدين يخرجون من النار، فمن أنكر هذا فليس بأهل للمناظرة؛ لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة، اللهم غفراً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} وهي في قراءة عبد الله ابن مسعود: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما. إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر فى الزنى باطن، والثالث: أن فى قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله. وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة، فأمر الله تعالى بقطعه فى الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقال: "حديث : لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ ". تفسير : وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة. والقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه، فقال صفوان: قد عفوت عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟لاَ عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوتُ ". تفسير : وروي أن معاوية بن أبي سفيان أُتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال: شعر : يميني أمير المؤمنين أعيذها بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها يدي كانت الحسناء لو تم سبرها ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة إذا ما شمالي فارقتها يمينها تفسير : فقال معاوية: كيف أصنع وقد قطعت أصحابك، فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها، فَخَلَّى سبيله، فكان أول حد ترك في الإٍسلام. ولوجوب القطع مع ارتفاع الشبهة شرطان هما: الحرز والقدر، وقد اختلف الفقهاء فى قدر ما تقطع فيه اليد خلافاً، كُتُبُ الفقه أولى. واختلف أهل التأويل حينئذ لأجل استثناء القطع وشروطه عمن سرق من غير حرز أو سرق من القدر الذي تقطع فيه اليد في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} هل هو عام خُصّ؟ أو مجمل فُسِّر على وجهين. أحدهما: أنه العموم الذي خُصّ. والثاني: أنه المجمل الذي فُسِّر. ثم قال تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَسَبا} فاختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين: أحدهما: أنه لا غرم، وهذا قول أبي حنيفة. والثاني: يجب فيه الغرم، وهو مذهب الشافعي. وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت فى طعمة بن أبيرق سارق الدرع. قوله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} في التوبة ها هنا قولان: أحدهما: أنها كالتوبة من سائر المعاصي والندم على ما مضى والعزم على ترك المعاودة. والثاني: أنها الحد، وهو قول مجاهد. وقد روى عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حلياً فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى" تفسير : فقالت المرأة: هل لي من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ" تفسير : فأنزل الله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ}. قوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} فيه تأويلان: أحدهما: يغفر لمن تاب من كفره، ويعذب من مات على كفره، وهذا قول الكلبي. الثاني: يعذب من يشاء فى الدنيا على معاصيهم بالقتل والخسف والمسخ والآلام وغير ذلك من صنوف عذابه، ويغفر لمن يشاء منهم فى الدنيا بالتوبة واستنقاذهم بها من الهلكة وخلاصهم من العقوبة.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى وسمع أمر ممتحن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال، {ابتغوا} معناه اطلبوا، و {الوسيلة} القربة وسبب النجاح في المراد، ومن ذلك قول عنترة لامرأته: شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخضبي تفسير : وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فهي أيضاً من هذا، لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: شعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل تفسير : أنشده الطبري، وقوله تعالى: {وجاهدوا في سبيله} خص الجهاد بالذكر لوجهين، أحدهما نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، وقد دخل بالمعنى في قوله: {وابتغوا إليه الوسيلة} ولكن خصه تشريفاً، والوجه الآخر أنها العبادة التي تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو معدلها من حاله وسنه وقوته وشره نفسه، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق الله تعالى. واللام في قوله: {ليفتدوا} لام كي، وقرأ جمهور الناس "تُقُبل" بضم التاء والقاف على ما لم يسم فاعله، وقرأ يزيد بن قطيب "تَقَبل" بفتحها على معنى ما قبل الله. وقوله تعالى: {يريدون} إخبار عن أنهم يتمنون هذا في قلوبهم، وفي غير ما آية أنهم ينطقون عن هذه الإرادة، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا فارت بهم النار قربوا من حاشيتها فحينئذ يريدون الخروج ويطعمون به وذلك قوله تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار}. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقد تأول قوم هذه الإرادة أنها بمعنى يكادون على هذا القصص الذي حكى الحسن، وهذا لا ينبغي أن يتأول إلا فيما لا تتأتى منه الإرادة الحقيقة كقوله تعالى: {أية : يريد أن ينقض} تفسير : [الكهف:77] وأما في إرادة بني آدم فلا إلا على تجوز كثير، وقرأ جمهور الناس "يَخرُجوا" بفتح الياء وضم الراء وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي "يُخَرجوا" بضم الياء وفتح الراء، وأخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد، وحكى الطبري عن نافع بن الأزرق الخارجي أنه قال لابن عباس يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً "يخرجون من النار" وقد قال الله تعالى: {وما هم بخارجين منها} فقال له ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها، هذه الآية في الكفار.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي خافوا الله بترك المنهيات {وابتغوا إليه الوسيلة} يعني واطلبوا إليه القرب بطاعته والعمل بما يرضي وإنما قلنا ذلك، لأن مجامع التكاليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما. أحد النوعين: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله: اتقوا الله. والثاني: التقرب إلى الله تعالى بالطاعت وإليه الإشارة بقوله: وابتغوا إليه الوسيلة والوسيلة فعلية من وسل إليه إذا تقرب ومنه قول الشاعر: شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة تفسير : أي قربة. وقيل: معنى الوسيلة المحبة أي تحببوا إلى الله عز وجل {وجاهدوا في سبيله} أي وجاهدوا العدو في طاعته وابتغاء مرضاته {لعلكم تفلحون} يعني لكي تسعدوا بالخلود في جنته لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه والفوز بكل محبوب قوله عز وجل {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم} يعني: أن الكافر لو ملك الدنيا ودنيا أخرى مثلها معها ثم فدى نفسه من العذاب يوم القيامة لم يقبل منه ذلك الفداء {لهم عذاب أليم} المقصود من هذا أن العذاب لازم للكفار وأنه لا سبيل لهم إلا الخلاص منه بوجه من الوجوه (ق). عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا كلها أكنت مفتدياً بها فيقول نعم فيقول قد أردت منك أيسر من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة فأبيت إلا الشرك" تفسير : هذا لفظ مسلم. وفي رواية البخاري قال: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك أن لا تشرك بي {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} فيه وجهان: أحدهما أنهم يقصدون الخروج من النار ويطلبونه ولكن لا يستطيعون ذلك قيل إذا حملهم لهب النار إلى فوق طلبوا الخروج منها فلا يقدرون عليه. والوجه الثاني: أنهم يتمنون الخروج من النار بقلوبهم {ولهم عذاب مقيم} يعني ولهم عذاب دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبداً. قوله عز وجل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} قال ابن السائب نزلت في طعمة بن أبيرق وقدمنا قصته في سورة النساء وإنما سمي السارق سارق لأنه يأخذ الشيء الذي ليس له أخذه في خفاء ومنه استرق السمع مستخفياً والسارق هنا مرفوع بالابتداء لأنه لم يقصد واحد بعينه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده والمراد باليد المذكورة هنا اليمين. قاله الحسن والشعبي والسدي وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود: فاقطعوا أيمانهما. وإنما قال: أيديهما ولم يقل يديهما، لأنه أراد يميناً من هذا ويميناً من هذه فجمع فإنه ليس للإنسان إلا يمين واحدة وكل شيء موحد من أعضاء الإنسان إذا ذكر مضافاً إلى اثنين فصاعداً جمع والمراد باليد هنا الجارحة وحدها عند جمهور أهل اللغة من رؤوس الأصابع إلى الكوع فيجب قطعها في حد السرقة من الكوع. وقوله تعالى: {جزاء بما كسبا} يعني ذلك القطع جزاء على فعلهم {نكالاً من الله} يعني عقوبة من الله {والله عزيز} في انتقامه ممن عصاه {حكيم} يعني فيما أوجبه من قطع يد السارق. (فصل في بيان حكم الآية: وفيه مسائل) المسألة الأولى: اقتضت هذه وجوب القطع على كل سارق وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السرقة (ق). عن عائشة،حديث : أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" تفسير : وعن عائشة قالت: "حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعه فقالوا ما كنا نراك تبلغ به هذا قال لو كانت فاطمة لقطعتها" تفسير : أخرجه النسائي (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" تفسير : قال الأعمش: يرون أنه بيض الحديد وأن من الحبال ما يساوي دراهم أخرجه البخاري ومسلم، أما السارق الذي يجب عليه القطع، فهو البالغ، العاقل، العالم بتحريم السرقة، فلو كان حديث عهد بالإسلام ولا يعلم أن السرقة حرام، فلا قطع عليه. المسألة الثانية: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي يقطع به فذهب أكثر العلماء إلى أنه ربع دينار فإن سرق ربع دينار أو متاعاً قيمته ربع دينار يقطع، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبه قال عمر بن العزيز والأوزاعي والشافعي. ويدل عليه ما روي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً" تفسير : أخرجاه في الصحيحين وذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أنه ثلاثة دراهم أو قيمتها لما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم أخرجه الجماعة. المجن: الترس. ويروى عن أبي هريرة أن قدر النصاب الذي تقطع به اليد خمسة دراهم وبه قال ابن أبي ليلى لما روي عن أنس قال: قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم وفي رواية قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه النسائي. وقال: الرواية الأولى، أصح. وذهب قوم إلى أنه لا قطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم يروى ذلك عن ابن مسعود وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قطع في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم أخرجه أبو داود فإذا سرق نصاباً من المال من حرز لا شبهة له فيه قطعت يده اليمنى من الكوع ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن القدر غير معتبر فيجب القطع في القليل والكثير وكذا الحرز غير معتبر أيضاً عندهم وإليه ذهب داود الظاهري واحتجوا بعموم الآية فإن قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} يتناول القليل والكثير وسواء سرقة من حرز أو غير حرز. المسألة الثالثة: الحرز، هو ما جعل للسكنى وحفظ الأموال كالدور والمضارب والخيم التي يسكنها الناس ويحفظون أمتعتهم فيها فكل حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أو مغلق، فأما ما كان في غير بناء ولا خيمة فإنه ليس بحرز إلا أن يكون عنده من يحفظه أما نباش القبور، فإنه يقطع وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وقال ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وابو حنيفة: لا قطع عليه، فإن سرق شيئاً من غير حرز كثمر من بستان لا حارس له أو حيوان في برية ولا راعي له أو متاع في بيت منقطع عن البيوت فلا قطع عليه. عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بفيه منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وزاد فيه: ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة. ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة. قوله: غير متخذ الخبنة: بالخاء المعجمة وبعدها باء موحدة من تحت نون وهو ما يحمله الإنسان في حضنه. وقيل: وما يأخذه من خبنة ثوبه وهو ذيله وأسفله. والجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه مثل البيدر للحنطة. وروى مالك في الموطأ، عن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن تفسير : هكذا رواه مالك منقطعاً. وهو رواية من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم فإن هذه الرواية عن أبي حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص قوله: ولا في حريسة الجبل. من العلماء من يجعل الحريسة السرقة نفسها. يقال: حرس يحرس حرساً إذا سرق ومنهم من يجعلها المحروسة. ومعنى الحديث: أنه ليس فيما يحرس في الجبل إذا سرق قطع لأنه ليس بحرز. وقيل: حريسة الجبل هي الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل مأواها والمراح بضم الميم هو الموضع الذي تأوي إليه الماشية بالليل. عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس. قطع تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي. المسألة الرابعة: إذا سرق مالاً له فيه شبهة كالولد يسرق من مال والده والوالد يسرق من مال ابنه أو العبد يسرق من مال سيده أوالشريك يسرق من مال شريكه فلا قطع على أحد من هؤلاء فيه. المسألة الخامسة: إذا سرق أول مرة قطعت يده اليمنى من الكوع وإذا سرق ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم واختلفوا فيما إذا سرق مرة ثالثة فذهب أكثرهم إلى أن تقطع يده اليسرى فإن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى ثم إذا سرق بعد ذلك يعذَّر ويحبس حتى تظهر توبته. يروى عن هذا عن أبي بكر وهو قول قتادة وبه قال مالك والشافعي لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله" تفسير : ذكره البغوي بغير سند وذهب قوم إلى أنه "إن سرق بعد ما قطعت يده ورجله فلا قطع عليه بل يحبس" ويروى عن علي أنه قال: إني أستحي أن لا أدع له يداً يستنجي بها ولا رجلاً يمشي بها. وهذا قول الشعبي والنخعي والأوزاعي وبه قال أحمد وأصحاب الرأي.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ...} الآية: هذه الآية وعْظٌ من اللَّه تعالَىٰ بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعْظ؛ لأنه يرد على النفوس، وهي خائفةٌ وجِلَةٌ {وَٱبْتَغُواْ}: معناه: اطلبوا، و {ٱلْوَسِيلَةَ}: القُرْبَةُ، وأما الوسيلةُ المطلوبةُ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهي أيضاً من هذا؛ لأن الدعاء له بالوسيلةِ والفضيلةِ إنما هو أنْ يُؤْتَاهُما في الدنيا، ويتَّصف بهما، ويكونُ ثمرةُ ذلك في الآخرةِ التشفيعَ في المَقَامِ المحمودِ، قلْتُ: وفي كلامه هذا ما لا يخفَىٰ، وقد فسر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الوسيلةَ التي كان يَرْجُوها من ربه، «حديث : وأَنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ...» تفسير : الحديث، وخص سبحانه الجهادَ بالذكْر، وإن كان داخلاً في معنى الوسيلة تشريفاً له؛ إذ هو قاعدةُ الإسلام. وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}: إخبار بأنهم يتمنَّوْنَ هذا، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن: إذا فَارَتْ بهم النارُ، قَرُبُوا من حاشيتها، فحينئِذٍ يريدونَ الخُرُوجَ، ويطمعون به، وتأوَّل هو وغيره الآية علَىٰ هذا؛ قلْتُ: ويؤيِّده ما خرَّجه البخاريُّ في رؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ «حديث : حَيْثُ أَتَاهُ آتيَانِ، فَأَخَذَا بِيَدِهِ»تفسير : ، وفيه: «حديث : فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رمى الرجل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ»تفسير : ، وفيه أيضاً: «حديث : فَانْطَلَقْنَا إلَىٰ ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإذَا ٱقْتَرَبَ، ٱرْتَفَعُوا، فَإذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالاَ: ٱنْطَلَقَ» تفسير : الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاءِ الكفَّار؛ أنهم ليسوا بخارجين من النار، بل عذابهم فيها مقيمٌ مؤبَّد.
ابن عادل
تفسير : في كيفيَّة النَّظْمِ وجهان: أحدهما: أنَّه لما أخبر رسُولَه صلى الله عليه وسلم أن قوماً من اليَهُود هَمُّوا أن يَبْسُطُوا أيديهم إلى الرَّسُول وإلى أصحابه بالغدر والمكر، ومَنَعَهُم الله تعالى من مُرَادهم، وشرح للرَّسُول شدَّة تَعَصُّبِهم على الأنْبِيَاء وإصْرَارهم على إيذَائهم، وامتدَّ الكلامُ إلى هذا الموضع، فعند هذا رَجَع إلى المَقْصُود الأوَّل وقال {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ [وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ]}، كأنه قيل: قد عَرَفْتُمْ كمال جَسَارَةِ اليَهُودِ على المَعَاصِي والذُّنُوب، وبُعْدهم عن الطَّاعَات الَّتِي هي الوَسَائِلُ للعبد إلى الرَّبِّ، فكُونُوا يا أيُّها المُؤمِنُون بالضَّدِّ من ذلك فاتَّقوا معَاصِي اللَّه، وتوسَّلُوا إليه بالطَّاعات. والثاني: أنهم لما قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18]. أي: أبْنَاء أنبياء الله فكان افتخارهم بأعْمَال آبَائِهِم كأنَّه تعالى قال: "يا أيها الذين آمنوا [اتّقوا الله] ولتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة". في قوله تعالى: "إليه" ثلاثةُ أوجُه: أحدها: أنه مُتعلِّق بالفِعْل قبله. الثاني: أنه متعلِّق بنفس "الوَسيلَة". قال أبو البقاء: لأنَّها بمعنى المتوسَّل به، فلذلك عَمِلَت فيما قبلها. يعني: أنَّها ليست بِمَصْدَر، حتى يمتَنِع أن يتقدَّم مَعْمُولها عليها. الثالث: أنه مُتعلِّق بِمَحْذُوف على أنَّه حال من "الوَسِيلَة"، وليس بالقَوِي. و"الوسيلة" أي: القُرْبة، فَعِيلَة مِنْ توسَّل إليه فلانٍ بكذا إذا تقرَّب إليه، وجمعها: وَسَائِل. قال لبيد: [الطويل] شعر : 1959- أرى النَّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أمْرِهِمْ ألاَ كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى الله وَاسلُ تفسير : أي: متوسّل، فالوسِيلة هي التي يتوسَّلُ بها إلى المَقْصُودِ. فصل قال ابن الخطيب: التَّكْلِيفُ نوعان: ترك المَنْهِيَّات: وهو قوله تعالى "اتَّقُوا الله"، وفعل الطَّاعات: وهو قوله {وابْتَغُوا إليْهِ الوسِيلَة}، والتَّرك مُقَدَّم على الفِعْل بالذَّات؛ لأنه بَقَاء على العَدَم [الأصلي]، والفعل إيجاد وتَحْصِيل، والعَدَمُ سابق، ولذلك قُدِّمَت التَّقْوى فإن قيل: لِمَ اختصّت الوسِيلَة بالفعل، مع أنَّ ترك المَعَاصي قد يكون وَسِيلة؟ فالجوابُ: أن التَّرك بقاء على العدم، وذلك لا يُمْكِن التَّوَسُّل به، بل من دَعَتْهُ الشهْوة [إلى فعل القَبِيح]، فتركه مرضاة اللَّه حصل التَّوسُّل إلى اللَّه بذلك الامْتِنَاع، لكنَّه من باب الأفْعَال، ولذلك قال المُحَقِّقُون: تَرْك [الشَّيء] عبارة عن فعل ضِدِّه. ثم قال - تعالى -: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، لمّا أمر بِتَرْك ما لا يَنْبَغِي بقوله: "اتَّقُوا اللَّه" وفعل ما يَنْبَغِي بقوله {وابْتَغُوا إلَيه الوَسِيلة} وكل واحد منهما شاقٌّ ثَقِيل على النَّفْس فإن النَّفْس تَدْعُو إلى اللَّذَّات المَحْسُوسَة، والعَقْل يدعو إلى خِدْمَة اللَّه وطاعتهِ والإعْرَاض عن المَحسُوسَات؛ فكان بَيْن الحَالَتيْن تضَادٌّ وتناف، وإذا كان الأمْر كذلك فالانْقِيَادُ لقوله تعالى {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ} من أشقِّ الأشْيَاء على النَّفْس وأشدها ثقلا على الطَّبع، فلهذا أرْدَف ذلك التَّكْليف بقوله {وجاهدوا في سبيله الله لعلكم تفلحون}، ولمّا أرشد المُؤمِنِين في هذه الآية إلى معاقدِ الخَيْرَات ومَفَاتِح السَّعاداتِ، أتْبَعَهُ بشرح حَالِ الكُفَّار.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: القربة. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة في قوله {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: القربة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي وائل قال {الوسيلة} في الإيمان. وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله عز وجل {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عنترة وهو يقول: شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكللي وتخضبي
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} [الآية: 35]. قال جعفر: اطلبوا منه القربة. قال الواسطى رحمة الله عليه: فى أداء الفرائض واجتناب المحارم السلامة من النار، والوسيلة: القربة بآداب الإسلام إلى من وضعها وفرضها. وقال أيضاً: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} قال: لو كشف عنهم ما عاملهم به، لنسبق أوقاتهم وأوقات من يقتدى بهم. وقال أيضاً: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} قال: ما توسل به إليكم بقوله: { أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54]. وقال أيضاً: الوسيلة المشار إليها النعوت فمن توسل إلى من لا وسيلة إليه إلا به فلم يبتغ إليه الوسيلة. ومن توسل بما لا خطر له فى الملك خسر. وقال محمد بن على فى قوله {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} قال: هو الرضا بالقضية والصبر على الرزية والمجاهدة فى سبيله والصبر على عبادته. وقال ابن عطاء: الوسيلة: القربة بآداب الإسلام وأداء الفرائض لدخول الجنة والنجاة من النار. قال فارس: اتقوه واجعلوا تقواكم سبباً لقربكم إليه. قال الحسين: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} التى كانت لكم منى إلىَّ لا منكم إلىَّ، فالوسيلة منه إليك من غير سبب ولا سؤال. قال بعضهم: اتقوا الله فى المخالفات، وابتغوا إليه الوسيلة بالطاعات.
القشيري
تفسير : ابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمِنَّة. ويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه. ويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة. ويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل. ويقال الوسيلة خلوص (العقد) عن الشك. ويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق في الولاء إلى آخر العمر. ويقال ابتغاء الوسيلة تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن الإعجاب، وتخليص النَّفْسِ عن الحظوظ.
البقلي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} اى اتقوا الله فى النظر الى غيره وابتغوا الوسيلة بنعت التقوى ولا يكون عندكم الوسيلة اليه شيئا دونه لانه الوسيلة اليه الا ترى الى قول الشاعر شعر : يا تجود معن ناج معنى بحاجتى فليس الى من سواه شفيع تفسير : وسيلته محتبه ومعرفته والاستعانة به عنه قال جعفر عليه السلام اطلبوا منه القربة قال الواسطى لو كشف لهم ما عاملهم به لفسدت اوقاتهم واوقاته من يفتدى بهم وقال ما يتوسل به اليكم لقوله كتب ربكم على نفسه الرحمة وقال الاستاد ابتغاء الوسيلة التبرئ من الحول والقوى والتحقق بشهود الطول والمنة ويقال ابتغاء الوسيلة التقربا ليه بما سبق اليك من احسانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله} اى اخشوا عذابه واحذروا معاصيه {وابتغوا} اى اطلبوا لانفسكم {اليه} اى الى ثوابه والزلفى منه {الوسيلة} اى القربة بالاعمال الصالحة قوله تعالى اليه متعلق بالوسيلة قدم عليها للاهتمام وليست بمصدر حتى يمتنع ان يتقدم معمولها عليها بل هى فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب الى الله تعالى من وسل الى كذا تقرب اليه والجمع الوسائل. وقال عطاء الوسيلة افضل درجات الجنة وفى الحديث "حديث : سلوا الله لى الوسيلة فانها درجة فى الجنة لا ينالها الا عبد واحد وأرجو من الله ان يكون هو انا ". تفسير : وفى الحديث "حديث : من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذى وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة " .تفسير : قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة اما الوسيلة فهى اعلى درجة فى جنة عدن وهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت له بدعاء امته فعل ذلك الحق سبحانه لحكمة اخفاها فانا بسببه نلنا السعادة من الله وبه كنا خير امة اخرجت للناس وبه ختم الله بنا الامم كما ختم به النبيين وهو صلى الله عليه وسلم مبشر كما امر ان يقول ولنا وجه خاص الى الله تعالى نناجيه منه ويناجينا وكذا كل مخلوق له وجه خاص الى ربه فامرنا عن امر الله ان ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها بدعاء امته وهذا من باب الغيرة الالهية انتهى {وجاهدوا فى سبيله} بمحاربة الاعداء الظاهرة والباطنة {لعلكم تفلحون} بالوصول الى الله والفوز بكرامته. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل الفلاح الحقيقى فى اربعة اشياء. احدها الايمان وهو اصابة رشاشة النور فى بدء الخلقة وبه يخلص العبد من حجب ظلمة الكفر. وثانيها التقوى وهو منشأ الاخلاق المرضية ومنبع الاعمال الشرعية وبه يخلص العبد من ظلمة المعاصى. وثالثها ابتغاء الوسيلة وهو فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوتية وبه يتخلص العبد من ظلمة اوصاف الوجود. ورابعها الجهاد فى سبيل الله وهو اضمحلال الانانية فى اثبات الهوية وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود ويظفر بنور الشهود فالمعنى الحقيقى {يا ايها الذين آمنوا} باصابة النور {اتقوا الله} بتبديل الاخلاق الذميمة {وابتغوا اليه الوسيلة} فى افناء الاوصاف {وجاهدوا فى سبيله} ببذل الوجود {لعلكم تفلحون} بنيل المقصود من المعبود كذا فى التأويلات النجمية. واعلم ان الآية الكريمة صرحت بالامر بابتغاء الوسيلة ولا بد منها البتة فان الوصول الى الله تعالى لا يحصل الا بالوسيلة وهى علماء الحقيقة ومشايخ الطريقة: قال الحافظ شعر : قطع اين مرحله بى همرهىء خضر مكن ظلماتست بترس از خطر كمراهى تفسير : والعمل بالنفس يزيد فى وجودها واما العمل وفق اشارة المرشد ودلالة الانبياء والاولياء فيخلصها من الوجود ويرفع الحجاب ويوصل الطالب الى رب الارباب. قال الشيخ ابو الحسن الشاذلى كنت انا وصاحب لى قد أوينا الى مغارة لطلب الدخول الى الله واقمنا فيها ونقول يفتح لنا غدا او بعد غد فدخل علينا يوما رجل ذو هيبة وعلمنا انه من اولياء الله فقلنا له كيف حالك فقال كيف يكون حال من يقول يفتح لنا غدا او بعد غد يا نفس لم لا تعبدين الله لله فتيقظنا وتبنا الى الله وبعد ذلك فتح علينا فلا بد من قطع التعلق من كل وجه لينكشف حقيقة الحال: قال الحافظ شعر : فداى دوست نكرديم عمر مال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد تفسير : وفى صحبة الاخيار والصلحاء شرف عظيم وسعادة عظمى ـ وحكى ـ ان خادم الشيخ ابى يزيد البسطامى كان رجلا مغربيا فجرى الحديث عنده فى سؤال منكر ونكير فقال المغربى والله ان يسألانى لأقولن لهما فقالوا له ومن اين يعلم ذلك فقال اقعدوا على قبرى حتى تسمعونى فلما انتقل المغربى جلسوا على قبره فسمعوا المسألة وسمعوه يقول أتسألوننى وقد حملت فروة ابى يزيد على عنقى فمضوا وتركوه ولا تستبعد امثال هذا فان جواب المجيب المدقق يذهب معه من هنا فحصل مثل هذا الزاد: وفى المثنوى شعر : كنج زرى كه جو خسبى زيرريك باتو باشد آن نباشد مرد ريك ييش بيش آن جنازت مىرود مونس كور وغريبى ميشود
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله}، ولا تسلكوا سبيل بني إسرائيل الذين جاءتهم الرسل، فعصوا وأفسدوا {وابتغوا إليه الوسيلة} أي: اطلبوا ما تتوسلون به إلى رضوانه، والقرب من جناب قدسه من الطاعات، وترك المخالفات، {وجاهدوا في سبيله} بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى الله والفوز بكرامته. الإشارة: لا وسيلة أقرب من صحبة العارفين، والجلوس بين أيديهم وخدمتهم، والتزام طاعتهم، فمن رام وسيلة توصله إلى الحضرة غير هذه فهو جاهل بعلم الطريق. قال أبو عمرو الزجّاجي رضي الله عنه: لو أن رجلاً كشف له عن الغيب، ولا يكون له استاذ لا يجيء منه شيء. وقال إبراهيم بن شيبان رضي الله عنه: لو أن رجلاً جمع العلوم كلها، وصحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة، من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ومن لا يأخذ أدبه من آمر له وناهٍ يريه عيوبَ أعماله ورُعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. هـ. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل من لا يكون له في هذا الطريق شيخ لا يفرح به. هـ. ولو كان وافر العقل منقاد النفس، واقتصر على ما يلقى إليه شيخ التعليم فقط، فلا يكمل كمال من تقيد بالشيخ المربي؛ لأن النفس أبدًا كثيفة الحجاب عظيمة الإشراك، فلا بد من بقاء شيء من الرعونات فيها، ولا يزول عنها ذلك، بالكلية، إلا بالانقياد للغير والدخول تحت الحكم والقهر، وكذلك لو كان سبقت إليه من الله عناية وأخذه الحق إليه، وجذبه إلى حضرته، لا يؤهل للمشيخة، ولو بلغ ما بلغ، والحاصل: أن الوسيلة العظمى، والفتح الكبير، إنما هو في التحكيم للشيخ، لأن الخضوع لمن هو من جنسك تأنفه النفس، ولا تخضع له إلا النفس المطمئنة، التي سبقت لها من الله العناية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضد أهل التقوى، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ}.
الطوسي
تفسير : خاطب الله في هذه الآية المؤمنين وأمرهم أن يتقوه ومعناه أن يتقوا معاصيه ويجتنبوها ويبتغوا اليه معناه يطلبون إِليه الوسيلة وهي القربة في قول الحسن ومجاهد وقتادة وعطا والسدي وابن زيد وعبد الله بن كثير وأبي وابل. وهي على وزن (فعيلة) من قولهم توسلت اليك أي تقربت قال عنترة ابن شداد: شعر : إِن الرجال لهم اليك وسيلة أن يأخذوك فلجلجي وتخضبي تفسير : وقال الآخر: شعر : اذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل تفسير : يقال منه سلت أسال أي طلبت وهما يتساولان أي يطلب كل واحد منهما من صاحبه. والأصل الطلب والوسيلة التي ينبغي أن يطلب مثلها. فان قيل كيف قال تعالى {اتقوا الله} وهو غاية التحذير مع أنه تعالى رغب في الدعاء إِليه وهما كالمتنافرين؟ قيل إِنما قال ذلك لئلا يكون المكلف على غرور من أمره بكثرة نعم الله عليه فيظن أنها موجبة للرضاء عنه فحقيقة الدعاء اليه باتقائه من جهة اجتناب معاصيه والعمل بطاعته. فان قيل هل يجوز أن يتقى المعاقب من أجل عقابه كما يحمد المحسن من أجل إِحسانه. قلنا: لا لأن أصل الاتقاء الحجز بين الشيئين لئلا يصل أحدهما الى الآخر من قولهم اتقاه بالترس. ومنه اتقاه بحقه، فالطاعة له تعالى حاجزة بين العقاب وبين العبد أن يصل إِليه. وأما حمد الانسان، فمجاز لأن المحمود في الحقيقة يستحق الولاية والكرامة. وقوله: {وجاهدوا في سبيله} أمر منه تعالى بالجهاد في دين الله، لأنه وصلة وطريق الى ثوابه. ويقال لكل شئ وسيلة الى غيره هو طريق إِليه فمن ذلك طاعة الله فهي طريق الى ثوابه. والدليل على الشئ طريق الى العلم به والتعرض للشئ طريق الى الوقوع فيه واللطف طريق الى طاعة الله والجهاد في سبيل الله قد يكون باللسان واليد والقلب والسيف والقول والكتاب. وقوله: {لعلكم تفلحون} يحتمل أمرين: أحدهما - اعملوا لتفلحوا ومعناه ويكون غرضكم الصلاح فهذا يصح مع اليقين. الثاني - اعملوه على رجاء الصلاح به فهذا مع الشك في خلوصه مما يحبطه وهذا الوجه لا يصح إِلا على مذهب من قال بالاحباط. فاما من لا يقول به فلا يصح ذلك فيه غير أنه يمكن أن يقال الشك فيه يجوز أن يكون في هل أوقعه على الوجه المأمور به أم لا؟ لأنه لا حال إِلا وهو يجوز أن يكون فرط فيما أمر به "والمفلحون" هم الفائزون بما فيه غاية صلاح أحوالهم.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عمّا يوجب تلك العقوبة {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} الّتى تسقط تلك العقوبة، ولمّا كان الخطاب للمؤمنين كان المراد بالوسيلة المعرفة باللاّم من يقبل التّوبة بعد الايمان بالرّسول (ص) والتّوبة على يده، وليس الاّ الامام الّذى يدعو بالدّعوة الباطنة الولويّة ولذلك فسّروها بأنفسهم {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} كأنّ فيه اشعاراً بانّ المجاهدة تكون بعد التّوسّل بالوسيلة، وامّا قبل الوسيلة فلا سبيل له حتّى يجاهد فيه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بهذه الوسيلة وهو فى موضع تعليل لابتغاء الوسيلة {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تمثيل للزوم العذاب وشدّته وانّ من ابتلى به لا خلاص له.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ}: خافوا عقابه بترك المحرمات. {وَابتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلَةَ}: ما تتوصلون به الى رضاه، وهو فعل المفروضات، وما دونها من الطاعات، اليه متعلق بحل محذوفة جوازاً أى مبلغة أو منهية اليه، وصاحب الحال الوسيلة متعلق بالوسيلة، لأنه ان كان بمعنى اسم المفعول، أى ما يتوسل به اليه، قال فيه بمنزلة ان الموصولة، وهى لا تتأخر عن معمول صلتها، وان أبقى على المصدر به فمعمول المصدر لا يتقدمه، وقيل بجواز وجهين، لأن المعمول مجرور بحرف، ولا سيما لا يلزم أن يكون حكم الشىء حكم ما كان منزلا منزلته، وتفسير الوسيلة بالمحبة تفسير بالسبب، لأن حبك الشىء سبب للتقرب اليه، والتوصل الى رضاه. ولو قيل: الوسيلة التحبب لكان أولى من هذا، ولفظ التوسل اذا استعمله أحد فى التحبب أولى من لفظ الوسيلة، وأما الوسيلة التى أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعوا بها فهى درجة فى الجنة، ولا تنبغى الا لعبد واحد من عباد الله رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكونه، ووعظ الله المؤمنين بالتقوى والابتغاء والجهاد ذكر العقوبات النازلة بالعصاة أبلغ، لأنه يرد على النفس وهى خائفة فيؤثر فيها. {وَجَاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ}: بقتال أعدائه المشركين والمنافقين من الانس، ودفاع النفس عما لا يرضى الله، وعما تدعوا اليه شياطين الانس والجن، وذلك كله أعداء لدين الله تعالى. {لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ}: تفوزون برضا الله والخلود فى الجنة والنجاة من النار.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ} احذروا عقابه بترك موجبه وهو الكبائر. {وَابْتَغُوا إِليْهِ} اطلبوا، ضمن ابتغوا معنى توجهوا فعدى بإِلى أَو معناه باق فيتعلق بقوله {الوَسِيلةَ} لأَنه اسم مفعول فليس مصدرا فلم يمنع تقدم معموله عليه لكن تكون أل موصولة فتمنع التقدم فالأَولى أَنه حال أَو يبقى مصدراً فيعلق به ما قدم عليه لأَنه ليس منحلا إِلى الفعل وحرف المصدر، أَو يعلق بما بعد الموصول لأَنه غير مفعول صريح والحروف يتوسع فيها، والمعنى الخصلة الموصول بها إِليه، أَى المتوصل به إِليه أَو الأَمر الموسول به إِليه، وعلى هذا فالتاء للنقل، وهى طاعته ولا تفسير فى الآية بالدرجة المخصوصة التى قال فيها صلى الله عليه وسلم حديث : إِنها لواحد من عباد الله فى الجنة اسألوا أَن تكون لى تفسير : لأَنه صلى الله عليه وسلم أَمرنا أَن ندعو بها له لا لنا، ودعوى أَن المعنى ابتغوا إِليه الوسيلة لرسولكم تكلف لا يناسبه ما قبل وما بعد، وعن ابن عباس: الوسيلة الحاجة أَى اطلبوا حوائجكم متوجهين إِليه، وقيل هى الاتقاء المذكور لأَن التقوى ملاك الأَمر كله والذريعة إِلى كل خير والمنجاة من كل شر، ولا يقسم على الله بأَهل الصلاح ولا بأَهل القبور ولا يتوسل بهم إِلا النبى صلى الله عليه وسلم لأَنه أَفضل الخلق فيجوز أَن يتوسل به إِلى الله كما قال لضرير شكا إِليه: حديث : توضأ وتوجه إِلى الله تعالى بى فى رد بصركتفسير : ، ومنع بعض هذا أَيضاً وأَجاز لعضهم ذلك بأَولياءِ الله قياساً عليه صلى الله عليه وسلم، وفى البخارى عن أَنس عن عمر: كنا نستسقى بنبيك فتسقينا وإِنا نتوسل إِليك بعمه فاسقنا، قال فيسقون، وتأَويل هذا بأَنهم يطلبون الدعاءَ من العباس غير ظاهر، نعم يجوز الجمع بين التوسل به ودعائه، وطلب الدعاء من الحى جائز ولو مفضولا كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه حديث : لا تنسنا من دعائكتفسير : ، وذلك فى عمرة استأَذنه فيها. وطلب من أَوس أَن يستغفر له وأَمرنا أَن نطلب له الوسيلة، ولم يصح ما روى مرفوعاً إِذا "حديث : أَعيتكم الأُمور فاستغيثوا بأَهل القبور" تفسير : وفى ابن ماجه عن أَبى سعيد مرفوعاً أَنه يقول الخارج إِلى الصلاة: اللهم إِنى أَسأَلك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا فإِنى لم أَخرج أَشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت اتقاءَ سخطك وابتغاءَ مرضاتك أَن تنقذنى من النار، وأَن تدخلنى الجنة، وفى سنده رجل ضعيف، مع أَن فيه عليك، ولا واجب على الله تعالى فيؤول، وكان ابن عمر إِذا دخل مسجد المدينة قال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أَبا بكر السلام عليك يا أَبت ولا يحل أَن يقال لميت أَغثنى أَو افعل لى كذا، ويجوز ادع الله لى {وَجَاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ} نفوسكم عن المعاصى والشهوات وأَهل الشرك لإِعلاء دين الله عز وجل {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزون بالثواب والفضل.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} لما ذكر سبحانه جزاء المحارب وعظم جنايته ـ وأشار في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب ـ أمر المؤمنين بتقواه عز وجل في كل ما يأتون ويذرون بترك ما يجب اتقاؤه من المعاصي التي من جملتها المحاربة والفساد، وبفعل الطاعة التي من عدادها التوبة والاستغفار ودفع الفساد {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ} أي اطلبوا لأنفسكم إلى ثوابه والزلفى منه {ٱلْوَسِيلَةَ} هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله عز وجل من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أي تقرب إليه بشيء، والظرف متعلق بها وقدم عليها للاهتمام وهي صفة لا مصدر حتى يمتنع تقدم معموله عليه، وقيل: متعلق بالفعل قبله، وقيل: بمحذوف وقع حالاً منها أي كائنة إليه، ولعل المراد بها الاتقاء المأمور به كما يشير إليه كلام قتادة، فإنه ملاك الأمر كله. والذريعة لكل خير والمنجاة من كل ضير، والجملة حينئذٍ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد، وقيل: الجملة الأولى أمر بترك المعاصي، والثانية أمر بفعل الطاعات، وأخرج ابن الأنباري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الوسيلة الحاجة، وأنشد له قول عنترة:شعر : إن الرجال لهم إليك (وسيلة) إن يأخذوك تكحلي وتخضبـي تفسير : وكأن المعنى حينئذٍ اطلبوا متوجهين إليه حاجتكم فإن بيده عز شأنه مقاليد السموات والأرض ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة، وفسر بعضهم ـ الوسيلة ـ بمنزلة في الجنة، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر لاختصاصها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بناءاً على ما رواه مسلم وغيره «حديث : إنها منزلة في الجنة جعلها الله تعالى لعبد من عباده وأرجو أن أكون أنا فاسألوا لي الوسيلة»تفسير : وكون الطلب هنا للنبـي صلى الله عليه وسلم مما لا يكاد يذهب إليه ذهن سليم، وعليه يمتنع تعلق الظرف بها كما لا يخفى. واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد والقسم على الله تعالى / بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا، ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: يا فلان ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا، ويزعمون أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة، ويروون عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال ـ إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، أو فاستغيثوا بأهل القبور ـ وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل. وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حياً ولا يتوقف على أفضليته من الطالب بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه لما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» تفسير : وأمره أيضاً أن يطلب من أويس القرنـي رحمة الله تعالى عليه أن يستغفر له، وأمر أمته صلى الله عليه وسلم بطلب الوسيلة له كما مر آنفاً وبأن يصلوا عليه، وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً أو غائباً فلا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة؛ فقد صح حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون يرحم الله تعالى المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم»تفسير : ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ـ وهم أحرص الخلق على كل خير ـ أنه طلب من ميت شيئاً، بل قد صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائراً: السلام عليك يا رسول الله؛ السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك ولا يطلب من سيد العالمين صلى الله عليه وسلم أو من ضجيعيه المكرمين رضي الله تعالى عنهما شيئاً ـ وهم أكرم من ضمته البسيطة وأرفع قدراً من سائر من أحاطت به الأفلاك المحيطة ـ نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة والروضة المعظمة أمر مشروع فقد كانت الصحابة تدعوا الله تعالى هناك مستقبلين القبلة ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش، واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، فعن أبـي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل بل يستدبر ويستقبل القبلة، وقال بعضهم: يستقبل وقت السلام، وتستقبل القبلة ويستدبر وقت الدعاء، والصحيح المعول عليه أنه يستقبل وقت السلام وعند الدعاء تستقبل القبلة، ويجعل القبر المكرم عن اليمين أو اليسار، فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة وعلة الإيجاد على الحقيقة صلى الله عليه وسلم، فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته عليه الصلاة والسلام ليزاد فيها ما يزاد، أو يطلب من المزور بها ما ليس من وظيفة العباد؟؟! وأما القسم على الله تعالى بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إني أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في النبـي صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وقد نقل ذلك عنه المناوي في «شرحه الكبير للجامع الصغير»، ودليله في ذلك ما رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه حديث : أن رجلاً ضرير البصر أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء «اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك صلى الله عليه وسلم نبـي الرحمة يا رسول الله / إني توجهت بك إلى ربـي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في»تفسير : ، ونقل عن أحمد مثل ذلك. ومن الناس من منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقاً وهو الذي يرشح به كلام المجد ابن تيمية؛ ونقله عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأبـي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام، وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاف أي بدعاء أو شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم، ففيه جعل الدعاء وسيلة ـ وهو جائز ـ بل مندوب، والدليل على هذا التقدير قوله في آخر الحديث: «اللهم فشفعه في» بل في أوله أيضاً ما يدل على ذلك، وقد شنع التاج السبكي ـ كما هو عادته ـ على المجد، فقال: ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبـي صلى الله عليه وسلم إلى ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم وصار بين الأنام مثلة انتهى. وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة ليس فيها التوسل بالذات المكرمة صلى الله عليه وسلم، ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤل بتقدير مضاف كما سمعت؛ أو نحو ذلك ـ كما تسمع إن شاء الله تعالى ـ ومن ادعى النص فعليه البيان، وما رواه أبو داود في «سننه» وغيره من «حديث : أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه، فقال: ويحك أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى لا يشفع به على أحد من خلقه شأن الله تعالى أعظم من ذلك» تفسير : لا يصلح دليلاً على ما نحن فيه حيث أنكر عليه قوله: «إنا نستشفع بالله تعالى عليك» ولم ينكر عليه الصلاة والسلام قوله: «نستشفع بك إلى الله تعالى» لأن معنى الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه، وليس معناه الإقسام به على الله تعالى، ولو كان الإقسام معنى للاستشفاع فلم أنكر النبـي صلى الله عليه وسلم مضمون الجملة الثانية دون الأولى؟ وعلى هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله دليلاً لمن ادعى جواز الإقسام بذاته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقاً قياساً عليه عليه الصلاة والسلام بجامع الكرامة وإن تفاوت قوة وضعفاً، وذلك لأن ما في الخبر الثاني استشفاع لا إقسام، وما في الخبر الأول ليس نصاً في محل النزاع، وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام بالحي والتوسل به، وتساوي حالتي حياته ووفاته صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه، ففي «صحيح البخاري» عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ـ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنه، فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون» ـ فإنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنـى مساغ لذلك، فعدولهم هذا ـ مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق ـ دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره. وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه صلى الله عليه وسلم مع التفاوت في الكرامة / ـ الذي لا ينكره إلا منافق ـ مما لا يكاد يسلم، على أنك قد علمت أن الإقسام به عليه الصلاة والسلام على ربه عز شأنه حياً وميتاً مما لم يقم النص عليه لا يقال: إن في خبر البخاري دلالة على صحة الإقسام به صلى الله عليه وسلم حياً وكذا بغيره كذلك، أما الأول فلقول عمر رضي الله تعالى عنه فيه: كنا نتوسل بنبيك صلى الله عليه وسلم، وأما الثاني فلقوله: إنا نتوسل بعم نبيك لما قيل: إن هذا التوسل ليس من باب الإقسام بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته، ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمّنون لدعائه حتى سقوا، وقد ذكر المجد أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه إليه وبه فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته، وذلك مما لا محذور فيه، وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه ـ وهذا هو محل النزاع ـ وقد علمت الكلام فيه. وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل ـ اللهم أسألك بجاه فلان ـ فإنه لم يرد عن أحد من السلف أنه دعا كذلك، وقال: إنما يقسم به تعالى وبأسمائه وصفاته فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا الله، المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك الحديث، ونحو ذلك من الأدعية المأثورة، وما ذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألو الله تعالى بجاهي فإن جاهي عند الله تعالى عظيم»تفسير : لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو شيء في كتب الحديث، وما رواه القشيري عن معروف الكرخي قدس سره ـ أنه قال لتلامذته: إن كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فأقسموا عليه بـي فإني الواسطة بينكم وبينه جل جلاله ـ الآن لا يوجد له سند يعول عليه عند المحدثين، وأما ما رواه ابن ماجه عن أبـي سعيد الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة «حديث : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة»تفسير : ، ففي سنده العوفي ـ وفيه ضعف ـ وعلى تقدير أن يكون من كلام النبـي صلى الله عليه وسلم يقال فيه: إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم، وحق الماشين في طاعته أن يثيبهم، والحق بمعنى الوعد الثابت المتحقق الوقوع فضلاً لا وجوباً كما في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47]، وفي «الصحيح» من حديث معاذ «حديث : حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم»تفسير : فالسؤال حينئذٍ بالإثابة والإجابة وهما من صفات الله تعالى الفعلية، والسؤال بها مما لا نزاع فيه فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» تفسير : فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثابته وإجابته. وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم، على أن التوسل بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولا كذلك ذوات الأشخاص أنفسها، والناس قد أفرطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى، فأقسموا عليه عز شأنه بمن ليس في العير ولا النفير وليس عنده من الجاه قدر قطمير، وأعظم من ذلك أنهم يطلبون من أصحاب القبور نحو إشفاء المريض وإغناء الفقير ورد الضالة وتيسير كل عسير، وتوحي إليهم شياطينهم خبر ـ «إذا أعيتكم الأمور» ـ الخ، وهو حديث مفترى / على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبـي صلى الله عليه وسلم: عن ـ اتخاذ القبور مساجد ولعن على ذلك ـ فكيف يتصور منه عليه الصلاة والسلام الأمر بالاستغاثة والطلب من أصحابها؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. وعن أبـي يزيد البسطامي قدس سره أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، ومن كلام السجاد رضي الله تعالى عنه أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله، ومن دعاء موسى عليه السلام ـ وبك المستغاث ـ وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «حديث : إذا استعنت فاستعن بالله تعالى»تفسير : الخبر، وقال تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تفسير : [الفاتحة: 5]. وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبـي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى حياً وميتاً، ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول القائل: إلٰهي أتوسل بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي لي حاجتي، إلٰهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا وقولك: إلٰهي أتوسل برحمتك أن تفعل كذا إذ معناه أيضاً إلٰهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا، بل لا أرى بأساً أيضاً بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه، ولا يجري ذلك ـ في التوسل والإقسام بالذات ـ البحت، نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك ـ وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام ـ شيء، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين، وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في «الصحيح»، وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار من دعوى تضليلهم ـ كما يزعمه البعض ـ في التوسل بجاه عريض الجاه صلى الله عليه وسلم لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في أن ما علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ودرج عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وتلقاه من بعدهم بالقبول أفضل وأجمع وأنفع وأسلم، فقد قيل ما قيل إن حقاً وإن كذباً. بقي هٰهنا أمران: الأول: إن التوسل بجاه غير النبـي صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضاً إن كان المتوسل بجاهه مما علم أن له جاهاً عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز شأنه، وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى، الثاني: إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركاً وأن لا يكنه، فهو قريب منه ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في «معجمه» من أنه كان في زمن النبـي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي / الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاءوا إليه، فقال: «حديث : إنه لا يستغاث بـي إنما يستغاث بالله تعالى»تفسير : لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور ـ الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه ـ أمر يجب اجتنابه ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته وتنجح طلبته فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه عز وجل، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزين له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك. {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ} مع أعدائكم بما أمكنكم. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بنيل نعيم الأبد والخلاص من كل نكد.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بين آيات وعيد المحاربين وأحكام جزائهم وبين ما بعده من قوله: {أية : إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [المائدة: 36] الآية. خاطب المؤمنين بالتّرغيب بعد أن حذّرهم من المفاسد، على عادة القرآن في تخلّل الأغراض بالموعظة والتّرغيب والتّرهيب، وهي طريقة من الخطابة لاصطياد النّفوس، كما قال الحريري: «فلمّا دَفنوا الميْتْ، وفاتَ قول ليتْ، أقبل شَيخ من رِباوَة، متأبّطاً لهراوة،. فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، إلخ. فعُقّب حكم المحاربين من أهل الكفر بأمر المؤمنين بالتّقوى وطلب ما يوصلهم إلى مرضاة الله. وقابل قتالاً مذموماً بقتال يحمد فاعله عاجلاً وآجلاً». والوسيلة: كالوصيلة. وفعل وَسَل قريب من فعل وَصَلَ، فالوسيلة: القُربة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، أي متوسّل بها أي اتبعوا التقرّب إليه، أي بالطاعة. و{إليه} متعلّق بــ {الوسيلة} أي الوسيلة إلى الله تعالى. فالوسيلة أريد بها ما يبلغ به إلى الله، وقد علم المسلمون أنّ البلوغ إلى الله ليس بلوغ مسافة ولكنّه بلوغ زلفى ورضى. فالتّعريف في الوسيلة تعريف الجنس، أي كلّ ما تعلمون أنّه يقرّبكم إلى الله، أي ينيلكم رضاه وقبول أعمالكم لديه. فالوسيلة ما يقرّب العبد من الله بالعمل بأوامره ونواهيه. وفي الحديث القُدسي: «حديث : ما تَقَرّب إلَيّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه»تفسير : الحديث. والمجرور في قوله: {وابتغوا إليه الوسيلة} متعلّق بــ {ابتغوا}. ويجوز تعلّقه بــ {الوسيلة}، وقدم على متعلّقه للحصر، أي لا تتوسّلوا إلاّ إليه لا إلى غيره فيكون تعريضاً بالمشركين لأنّ المسلمين لا يظنّ بهم ما يقتضي هذا الحصر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} الآية. اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة. وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء، لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جداً كقوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا} تفسير : [الحشر: 7]، وكقوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} تفسير : [آل عمران: 31]، وقوله: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النور: 54]، إلى غير ذلك من الآيات. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالوسيلة الحاجة، ولما سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك؟ أنشد له بيت عنترة: شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضَّبي تفسير : قال: يعني لهم إليك حاجة، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس، فالمعنى: {وابتغوا إليه الوسيلة}، واطلبوا حاجتكم من الله، لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوه} تفسير : [العنكبوت: 17] الآية، وقوله: {أية : وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِه} تفسير : [النساء: 32] الآية، وفي الحديث "حديث : إذا سألت فسأل الله ". تفسير : قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفسير ابن عباس داخل في هذا، لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته. وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهَّال المدعين للتصوُّف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] وقوله: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [يونس: 18]، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل، {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123]، الآية. والظاهر أن الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرب أيضاً إلى المحبوب، لأنه وسيلة لنيل المقصود منه، ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير، والقرطبي وغيرهما لهذا المعنى الذي ذكرنا وجمع الوسيلة: الوسائل، ومنه قول الشاعر: شعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل تفسير : وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَب} تفسير : [الإسراء: 57] الآية، وليس بالمراد بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها، لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اتقوا الله: خافوا عذابه فامتثلوا أمره وأمر رسوله واجتنبوا نهيهما. وابتغوا: إطلبوا. الوسيلة: تقربوا إليه بفعل محابه وترك مساخطه تظفروا بالقرب منه. وجاهدوا في سبيله: أنفسكم بحملها على أن تتعلم وتعمل وتعلِم، وأَعْدَاءَهُ بدعوتهم إلى الإِسلام وقتالهم على ذلك. تُفْلِحُون: تنجون من النار وتدخلون الجنة. عذاب مقيم: دائم لا يبرح ولا يزول. معنى الآيتين: ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليرشدهم إلى ما ينجيهم من العذاب فيجتنبوه، وإلى ما يدنيهم من الرحمة فيعملوه فيقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ومعنى اتقوا الله خافوا عذابه فأطيعوه بفعل أوامره وأوامر رسوله واجتناب نواهيهما فإن عذاب الله لا يتقى إلا بالتقوى. ومعنى {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} اطلبوا إليه القربة، أي تقربوا إليه بفعل ما يحب وترك ما يكره تفوزوا بالقرب منه. ومعنى {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} جاهدوا أنفسكم في طاعته والشيطان في معصيته، والكفار في الإِسلام إليه والدخول في دينه باذلين كل ما في وسعكم من جهد وطاقة، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [35] أما الآية الثانية [36] وهي قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ ..} الخ فإنها علة لما دعت إليه الآية الأولى من الأمر بالتقوى وطلب القرب من الله تعالى وذلك بالإِيمان وصالح الأعمال، لأن العذاب الذي أمروا باتقائه بالتقوى عذاب لا يطاق أبداً ناهيكم أن الذين كفروا {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} من مال صامت وناطق {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} وقبل منهم فداء لأنفسهم من ذلك العذاب لقدموه سخية به نفوسهم، إنه عذاب أليم موجع أشد الوجع ومؤلم أشد الألم إنهم يتمنون بكل قلوبهم أن يخرجوا من النار {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دائم لا يبرح ولا يزول. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب تقوى الله عز وجل وطلب القربة إليه والجهاد في سبيله. 2- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإِيمان وصالح الأعمال. 3- عظم عذاب يوم القيامة وشدته غير المتناهية. 4- لا فدية يوم القيامة ولا شفاعة تنفع الكافر فيخرج بها من النار. 5- حسن التعليل للأمر والنهي بما يشجع على الامتثال والترك.
القطان
تفسير : تقوى الله: طاعته واجتناب ما نهى عنه الشرع. الوسيلة: ما يتوسل به الانسانُ إلى ثواب الله، والفعل (وسل) بمعنى تقرَّب، واسمٌ لأعلى منزلة في الجنة. الجهاد: من الجهد والمشقة. سبيل الله: كل عمل في طريق الخير والفضيلة وفي الدفاع عن العقيدة والوطن، فكل عمل في هذه الأمور هو جهاد في سبيل الله. بعد أن ذكَر الله تعالى ان اليهود قد هموا ببسْط أيديهم الى الرسول الكريم حسداً منهم له، وغروراً بدينهم وأنفسهم ـ أمر المؤمنين ان يتّقوا ربهم. وذلك باجتناب نواهيه، والتقرب الى ثوابه ومرضاته بالايمان والعمل الصالح. ثم أمرهم ان يجاهدوا في سبيله بإعلاء كلمته، ومحاربة اعدائه، كل ذلك للفوز بالفلاح. اما الوسيلة التي هي منزلة من اعلى منازل الجنة فقد وردت في الأحاديث الصحيحة عن عدد من الصحابة الكرام. روى البخاري وأحمد وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ان النبي عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : من قال حين يسمع الأذان: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلّت له شفاعتي يوم القيامة ".
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {وَجَاهِدُواْ} (35) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ حَقّاً وَصِدْقاً، وَاتِّقَاءِ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ، وَذَلِكَ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ شَرْعِهِ، وَالانْكِفَافِ عَنْ إتْيانِ مَحَارِمِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَبِأنْ يَتَقَرَّبُوا إليهِ بَطَاعَتِهِ، وَبِالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ (وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ). ثُمَّ أمَرَهُمْ بِجِهَادِ أعْدائِهِمْ، وَأعْدَاءِ اللهِ، الخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وَرَغَّبَهُمْ تَعَالَى فِي الجِهَادِ، بِأنْ أبَانَ لَهُمْ مَا أعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ القَيَامَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ، وَكَرِيمِ المَنْزِلَةِ، فَلَعَلَّهُمْ، إنْ قَامُوا بِأمْرِ رَبِّهِمْ، أنْ يُفْلِحُوا بِالفَوْزِ بِرِضَى اللهِ وَجَنَّتِهِ. (وَيَشْمُلُ الجِهَادُ كُلَّ جَهْدٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الحَقِّ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التِزَامِهِ، كَمَا يَشْمُلُ جِهَادَ النَّفْسِ بِكَفِّهَا عَنْ أهْوائِها، وَحَمْلِها عَلَى العَدْلِ وَالإِنْصَافِ فِي جَمِيعِ الأحْوالِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد أخرجنا من جَوٍّ صارمٍ وحديث في عقوبات إلى تقوى الله. والتقوى - كما نعرف - أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية. وعرفنا أن الحق سبحانه الذي يقول {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} هو بعينه الذي يقول "اتقوا النار"، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله. بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية. وإن قال قائل: إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائماً في معيَّته. فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه. ومن عقابه النار. إذن فقوله الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده. وقوله سبحانه: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} أي نبحث عن الوُصْلة التي تُوصّلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبّته. وها هناك وسيلة إلا ما شرَّعه الله سبحانه وتعالى؟ وهل يتقرَّب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يُحبّه؟. وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل: ماذا يُحب فلان؟. فيقال له: فلان يُحب ربطات العنق؛ فيُهديه عدداً من ربطات العُنق. ويقال أيضاً: فلان يحب المسبحة الجيدة، فيحضر له مسبحة رائعة. إذن كل إنسان يتقرّب إلى أي كائن بما يُحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟. وما يُحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي: (حديث : من عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أَحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ). تفسير : فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد، فيقول سبحانه في الحديث القدسي: (حديث : ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل ). تفسير : أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه، فلا ابتكار في العبادات. إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في "افعل" و"لاتفعل". والوسيلة عندنا أيضاً هي منزلة من منازل الجنة. والرسول صلّى الله عليه وسلم طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال: (حديث : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ فإنه من صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة ). تفسير : ولا نريد أن ندخل هنا في مجال التوسل بالنبي أو الأولياء؛ لأنها مسألة لا يصح أن تكون مثار خلاف من أحد. فبعضهم يحكم بكفر هؤلاء. ونقول لمن يكفر المتوسلين بالنبي أو الولي: هذِّبوا هذا القول قليلاً؛ إنّ حدوث مثل هذا القول هو نتيجة عدم الفهم، فالذي يتوسل إلى النبي أو الولي هو يعتقد أن له منزلة عند الله. وهل يعتقد أحد أن الوليّ يجامله ليعطيه ما ليس له عند الله؟. طبعا لا. وهناك من قال: إن الوسيلة بالأحياء مُمكنة، وأن الوسيلة بالأموات ممنوعة. ونقول له: أنت تضيق أمراً مُتسعاً؛ لأن حياة الحي لا مدخل لها بالتوسل، فإن جاء التوسل بحضرته صلّى الله عليه وسلم إلى الله، فإنك قد جعلت التوسل بحبك لمن علمت أنه أقرب منك إلى الله؛ فحُبك له هو الذي يشفع. وإياك أن تظن أنه سيأتي لك بما لا تستحق. والجماعة التي تقول: لا يصح أن نتوسل بالنبي؛ لأن النبي انتقل إلى الرفيق الأعلى، نقول لهم: انتظروا قليلاً وانتبهوا إلى ما قال سيدنا عُمر - رضوان الله عليه -؛ قال: كنا في عهد رسول الله إذا امتنع المطر نتوسل برسول الله ونستسقي به. ولما انتقل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، توسل بعمه العباس. وقالوا: لو كان التوسل برسول الله جائزاً بعد انتقاله لما عدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن التوسل بالنبي بعد انتقاله، وذهب إلى التوسل بعم النبي. ونسأل: أقال عمر "كنا نتوسَّل بنبيك والآن نتوسَّل إليك بالعباس؟ أم قال: والآن نتوسل إليك بعم نبيك"؟. ولذلك فالذين يمنعون ذلك يوسعون الشقة على أنفسهم؛ لأن التوسُّل لا يكون بالنبي فقط ولكن التوسل أيضاً بمن يمت بصلة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم. فساعة يتوسل واحد إلى غيره يعني أنه يعتقد أن الذي توسل به لا يقدر على شيء، إنني أتوسل به إلى الغير لأني أعرف أنه لا يستطيع أن ينفذ لي مطلوبي. إذن فلنبعد مسألة الشرك بالله عن هذا المجال، ونقول: نحن نتوسل به إلى غيره لأننا نعلم أن المتوسل إليه هو القادر وأن المتوسل به عاجز. وهذا هو منتهى اليقين ومنتهى الإيمان. ولكن المتوسِّل به قد ينتفع وقد لا ينتفع، وعندما توسَّل سيدنا عمر بالعباس عَمّ النبي كان يفعل ذلك من أجل المطر. والمطر في هذه الحالة لا ينتفع به رسول الله لذلك جاء بواحدٍ من آل البيت وكأنه قال: "يا ربُّ عمُّ نبيك عطشان فمن أجله نريد المطر". إذن فتوسُّل عمر بن الخطاب بعم النبي دليل ضد الذين يمنعون التوسل بالنبي بعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى. وحتى نخرج من الخلاف. نقول: إن العمل الصالح المتمثل في "افعل كذا" و"لا تفعل كذا" هو الوسيلة الخالصة. وبذلك نخلص من الخلاف ولا ندخل في متاهات. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ولنر الإيثار الإيماني الذي يريد الحق أن يُربّيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي تتمثل في الابتعاد عن مَحارِمه، وابتغاء الوسيلة إلى الله في اتباع أوامرِه. إن الدِّين لم يأتِكَ من أَجل نفسك فحسب، ولكن إيمانك لن يصبح كاملاً إلا أن تُحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون على المنهج فاحرص جيداً على أن يكون ذلك لإخوانك أيضاً. وإخوانك المؤمنون ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ذلك. ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله. وهكذا تتّسع الهِمَّةُ الإيمانية، فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن. ولذلك يضع لنا الحق الطريق المستقيم ويوضحه ويبيّنه لنا. وكانت بداية الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بان لله نعيماً وجزاءً في الآخرة هو خير مما يعيشه قدَّم دمه واستشهد؛ لذلك قال صحابي جليل: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة. لا بد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها؛ ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر، بل طل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يُرَبِّيَ من يحملون الدعوة. فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية. وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابياً يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص، وأن خالد بن الوليد قد هرب. وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادّخر خالداً وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد. وكذلك عمرو بن العاص قد ادَّخره الله إلى نصرٍ آخر للإسلام. إذن فالجهاد في سبيل الله ضمانٌ للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصولاً إلى أن تقوم الساعة، وذلك لا يتأَتّى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله. والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار الإيماني. وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتُحب أن توصّله إلى غيرها، ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمناً، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة، فالناس إذا كانوا أخياراً استفاد الإنسان من خيرهم كله، وإذا كانوا أشراراً يناله من شرِّهم شيء. إذن فمن مصلحة الخيِّر أن يشيع خيره في الناس؛ لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره؛ لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر. لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان؛ لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم. أما إن بقي الناس على شرِّهم وبقي الإنسان الطيب على خيره، فسيظل خير الطيب مبذولاً لهم ويظل شرُّهم مبذولاً للطيب. إذن من حكمة الإيمان أن "يعدّي" الإنسان الخير للغير. وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله، ومن أجل انتشار منهج الله لا بد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك؛ فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة المعركة لا بد من حُسْنِ الإعداد. وعندما يعدّ المؤمن نفسه يجد أن حركة الحياة كلها تكون معه؛ لأن الدعوة إلى الله تقتضي سُلوكاً طيباً، والسُلوك الطيب ينتشر بين البشر، وهنا يقوى معسكر الإيمان، فيرتقي سلوكاً وعملاً، وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري. والحق يقول: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] سبحانه أنزل القرآن وأنزل الحديد، ويتبع ذلك: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الحديد: 25] وجاء معنى البأس من أجل ذلك، وهذا هو السبب الثاني الذي أوصانا به الحق: إياكم أن تأخذوا منهج الله فقط الذي ينحصر في "افعل ولا تفعل" ولكن خذوا منهج الله بما يحمي منهج الله وهو التقدم العلمي باستخراج كنوز الأرض وتصنيعها كالحديد مثلاً، فسبحانه كما أنزل القرآن يحمل المنهج، فقد أنزل الحديد وعلى الإنسان مهمة استنباط الحديد والمواد الخام التي تُسَهّل لنا صناعة الأجهزة العلمية ونقيم المصانع التي تنتج لنا من الحديد فولاذاً، ونحوِّل الفولاذ إلى دروع، ونصنع أدق الأجهزة التي تُهِّيئ للمقاتل فُرصة النصر. وكذلك نَدّخر المواد الغذائية لتكفي في أيام الحرب. إذن حركة الحياة كلها جهاد، وإياك أن تقصر فكرة الجهاد عندك على ساحة المعركة، ولكن أعدّ نفسك للمعركة؛ أنك إن أعددت نفسك جيّداً وعلم خصمك أنك أعددت له، ربما امتنع عن أن يحاربك. والذي يمنع العالم الآن من معركة ساخنة تدمره هو الخوف من قِبَل الكتل المتوازنة لأن كل دولة تُعدّ نفسها للحرب. ولو أن قوة واحدة في الكون لهدمت الدنيا. وقول الحق: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} نأخذه على أنه جهاد في سبيل منهج الله؛ وندرس هذا المنهج ونفهمه وبعد ذلك نجاهد فيه باللسان وبالسِّنان، ونجاهد فيه بالكتاب ونجاهد فيه بالكتيبة. إذن فقوله الحق: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} يصنع أمة إيمانية مُتحضرة، حتى لا تترك الفرصة للكافر بالله ليأخذ أسباب الله وأسراره في الكون. فمن يعبد الإله الواحد أولى بسرّ الله في الوجود، ولو فرضنا أنه لن تقوم حرب، لكننا نملك المصانع التي تنتج، وعندنا الزراعة التي تكفي حاجات الناس، عندئذ سنحقق الكفاية. وما لا تستعمله في الحرب سيعود على السلام. ويجب أن تفهموا أن كل اختراعات الحياة التقدمية تنشأ أولأً لقصد الحرب، وبعد ذلك تهدأ النفوس وتأخذ البشرية هذه الإنجازات لصالح السلام. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} معناهُ اطلبُوا إِليهِ القُربةَ. والوَسيلةُ: الحَاجةُ.
الأندلسي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر جزاء المحاربين أمر المؤمنين بتقوى الله وابتغاء القربات إليه فإِن ذلك هو المنجي من المحاربة والعقاب المعد للمحاربين والوسيلة القربة أمر المؤمنين بأوصاف خالف فيها المحارب إذ لم يتق الله تعالى ولا ابتغى قربة إليه، وجعل الحرابة عوض الجهاد في سبيل الله فاستحق بذلك العقاب العظيم في الدنيا والعذاب في الآخرة، ورتب هنا رجاء الفلاح على الاتصاف بهذه الأوصاف التي في هذه الآية من التقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية لما ذكر حال المؤمن ورجاء الفلاح له ذكر حال الكافر وما يقول إليه. وخبر إن هو لو، وجوابها ومثله معطوف على ما من قوله: ما في الأرض، أي الذي في الأرض، وجواب لو جاء منفياً وهو قوله: ما تقبل منهم، وجاء على الفصيح من ترك اللام إذ يجوز في الكلام لو جاء زيد لما جاء عمرو، فتدخل اللام على ما النافية. وقال به فأفرد الضمير وإن كان تقدمه شيآن ما الموصولة ومثله لتلازمهما، كما قالت العرب: رب يوم وليلة مربّي، تريد مر أبي فأفرد الضمير لتلازم اليوم والليلة. (قال الزمخشري: ويجوز أن تكون الواو في ومثله معه بمعنى مع فيتوحد المرجوع إليه، فإِن قلت: فيم ينتصب المفعول معه؟ قلت: بما تستدعيه لو من الفعل لأن التقدير لو ثبت أن لهم ما في الأرض جميعاً. "انتهى". إنما توحّد الضمير لأن حكم ما قبل المفعول معه في الخبر والحال وعود الضمير متأخراً حكمه متقدماً تقول الماء والخشبة استوا كما تقول الماء استوى والخشبة. وقد أجاز الأخفش في ذلك أن يعطي حكم المعطوف فتقول: الماء والخشبة استويا ومنع ذلك ابن كيسان، وقول الزمخشري: ويجوز أن تكون الواو في ومثله بمعنى مع ليس بشيء لأنه يصير التقدير مع مثله معه أي مع مثل ما في الأرض إن جعلت الضمير في معه عائداً على ما فيكون معه حالاً من مثله، وإذا كان ما في الأرض مع مثله كان مثله معه ضرورة فلا فائدة في ذكر معه لملازمة معية كل منهما للآخر. وإن جعلت الضمير عائداً على مثله أي مع مثله مع ذلك المثل فيكون المعنى مع مثلين فالتعبير عن هذا المعنى بتلك العبارة عن إذا الكلام المنتظم أن يكون التركيب إذا أريد ذلك المعنى مع مثله. وقول الزمخشري: فإِن قلت: إلى آخر الجواب هذا السؤال لا يرد لأنا قد بينا فساد أن تكون الواو واو مع وعلى تقدير وروده فهذا بناء منه على أن أنْ إذا جاءت بعد لو كانت في موضع رفع على الفاء عليه فيكون التقدير على هذا لو ثبت كينونة ما في الأرض مع مثله لهم ليقتدوا به فيكون الضمير عائداً على ما فقط وهذا الذي ذكره وهو تقريع منه على مذهب المبرد في أنّ أن بعد لو في موضع رفع على الفاعلية وهو مذهب مرجوح. ومذهب سيبويه أن إن بعد لو في موضع رفع على الابتداء والزمخشري لا يظهر من كلامه في هذا الكتاب وفي تصانيفه أنه وقف على مذهب سيبويه في هذه المسألة وعلى التقريع على مذهب المبرد لا يصح أن يكون، ومثله مفعولاً معه، ويكون العامل فيه ما ذكر من الفعل وهو ثبت بوساطة الواو فيه. ولما تقدم من وجود لفظه معه وعلى تقدير سقوطها لا يصح لأن ثبت ليست رافعة ما العائد عليها الضمير وإنما هي رافعة مصدر انسبكا من ان وما بعدها وهو كون إذ التقدير لو ثبت كون ما في الأرض جميعاً لهم ومثله معه ليقتدوا به، والضمير عائد على ما دون الكون فالرافع للفاعل غير الناصب للمفعول معه إذ لو كان إياه للزم من ذلك وجود الثبوت مصاحباً للمثل، والمعنى كينونة ما في الأرض مصاحباً للمثل لا على ثبوت ذلك مصاحباً للمثل وهذا فيه غموض، وبيانه أنك إذا قلت: يعجبني قيام زيد وعمراً، وجعلت عمراً مفعولاً معه، والعامل فيه يعجبني لزم من ذلك أن عمراً لم يقم وأنه أعجبك القيام وعمرو وال جعلت العامل فيه القيام كان عمرو قائماً، وكان الإِعجاب قد تعلق بالقيام مصاحباً القيام عمرو. فإِن قلت: هلا كان ومثله معه مفعولاً معه والعامل فيه هو العامل في لهم، إذ المعنى عليه؟ قلت: لا يصح ذلك لما ذكرناه من وجود معه في الجملة. وعلى تقدير سقوطها لا يصح لأنهم نصوا على أن قولك: هذا لك وأباك ممنوع في الاختيار. وقال سيبويه واما هذا لك وأباك فقبيح لأنه لم يذكر فعلاً ولا حرفاً فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل. "انتهى". فأفصح سيبويه بأن اسم الإِشارة وحرف الجر المتضمن معنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه ولو كان أحدهما يجوز أن ينصب المفعول معه لخير بين أن ينسب العمل لإِسم الإِشارة أو لحرف الجر. وقد أجاز بعض النحويين أنه يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر، فعلى هذا المذهب يجوز لو كانت الجملة خالية من قوله معه أن يكون ومثله مفعولاً على أن العامل هو العامل في لهم. {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} الآية، قال السائب: نزلت في طعمة بن أبيرق ومضت قصته في سورة النساء ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر جزاء المحاربين بالعقوبات التي منها قطع الأيدي والأرجل من خلاف، ثم أمر بالتقوى لئلا يقع الإِنسان في شيء من الحرابة ثم ذكر حال الكفار ذكر حكم السرقة لأن فيها قطع الأيدي بالقرآن، والأرجل بالسنة، على ما يأتي ذكره. وهي أيضاً حرابة من حيث المعنى لأن فيها سعياً بالفساد إلا أن تلك على سبيل الشوكة والظهور والسرقة على سبيل الاختفاء والتستر. والظاهر عموم السارق والسارقة فيمن سرق قليلاً أو كثيراً، واختلفوا فيما يقطع فيه السارق فقيل: يقطع في القليل والكثير كما دل عليه ظاهر العموم وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو مذهب داود والخوارج. قال داود ومن وافقه: لا يقطع في سرقة حبة واحدة ولا تمرة واحدة بل في أقل شيء يسمى مالاً وفي أقل شيء يخرج الشح والفئة. وقيل: النصاب الذي تقطع فيه اليد عشرة دراهم فصاعداً أو قيمتها من غيرها وهو قول بعض الصحابة والتابعين وبه قال أبو حنيفة والثوري. وقيل: ربع دينار فصاعداً أو قيمتها من غيرها وهو قول الصحابة وبعض التابعين وهو قول الأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور. وقيل: خمسة دراهم وهو قول أنس وعروة وسليمان بن يسار والزهري. وقيل: أربعة دراهم وهو مروي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة. وقيل: ثلاث دراهم وهو قول ابن عمر وبه قال مالك وإسحاق وأحمد إلا أن كان ذهباً فلا يقطع إلا في ربع دينار. وقيل: درهم فما فوقه وبه قال عثمان الليثي وقطع عبد الله ابن الزبير في درهم. وللسرقة التي تقطع فيها اليد شروط ذكرت في الفقه. وقرأ الجمهور "والسارق والسارقة" بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، ولا يجيز سيبويه أن يكون الخبر قوله: {فَٱقْطَعُوۤاْ}، لأن الفاء لا تدخل إلا في خبر المبتدأ موصول بظرف أو مجرور أو جملة صالحة لأداة الشرط الموصول هنا أل وصلتها اسم فاعل أو إسم مفعول وما كان هكذا لا تدخل الفاء في خبره عند سيبويه وقد أجاز ذلك جماعة من البصريين أعني أن يكون والسارق والسارقة مبتدأ والخبر جملة الأمر. اجرَوْا أل وصلتها مجرى الموصول المذكور لأن المعنى فيه على العموم إذ معناه الذي سرق والتي سرقت. وقد تجاسر الفخر الرازي وأساء الأدب على سيبويه وتكلمنا معه بما يوقف عليه في البحر الملخص منه هذا الكتاب. وقرىء شاذاً والسارق والسارقة بالنصب على الاشتغال أي اقطعوا السارق والسارقة، كما تقول: زيداً فاضربه أي اضرب زيداً فاضربه. وللزمخشري في هذه القراءة كلام غريب فهمه عن تحرير كلام سيبويه ورددناه عليه في البحر. والمخاطب بقوله: فاقطعوا، هو في تولي أمور المسلمين ممن يكون له إقامة الحدود عليهم. والظاهر من قوله: أيديهما، أنه يقطع من السارق يداه الثنتان لكن الإِجماع على خلاف هذا الظاهر، وإنما يقطع من السارق يمناه ومن السارقة يمناها. قال الزمخشري: أيديهما يديهما ونحوه فقد صغت قلوبكما النفي بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وأريد باليدين اليمينان بدليل قراءة عبد الله: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم. "انتهى". وسوى الزمخشري بين أيديهما وقلوبكما وليسا بشيئين لأن باب صغت قلوبكما يطرد فيه وضع الجمع موضع التثنية وهو ما كان اثنين من شيئين كالقلب والأنف والوجه والظهر، وأما إن كان في كل شيء منهما اثنان كاليدين والأذنين والفخذين فإِن وضع الجمع موضع التثنية لا يطرد وإنما يحفظ ولا يقاس عليه. ولم تتعرض الآية في قطع الرجل في السرقة، وفي ذلك خلاف، ذكر في مسائل الخلاف وظاهر قطع اليد أنه يكون من المنكب وهو مذهب الخوارج. ومذهب الجمهور أنه من الرسغ وفي الرجل من المفصل. وروى عن علي أنه في اليد من الأصابع وفي الرجل من نصف القدم وهو معقد الشراك. والظاهر أن المترتب على السرقة هو قطع اليد فقط فإِن كان المال قائماً بعينه أخذه صاحبه وإن كان السارق استهلكه فلا ضمان عليه، وبه قال مكحول وجماعة من التابعين. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: يضمن ويغرم. وقال مالك: إن كان موسراً ضمن أو معسراً فلا شيء عليه. {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} الآية، قال الكسائي انتصب جزاء على الحال وقال قطرب على المصدر أي جزاء وهما جزاء. وقال الجمهور على المفعول من أجله وبما يتعلق بجزاء وما موصولة أي بالذي كسباه، ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي جزاء بكسبهما وانتصاب نكالاً على المصدر أو على أنه مفعول من أجله والنكال: العذاب. والنكل: القيد. وتقدم الكلام عليه عند فجعلناها نكالاً. وقال الزمخشري: جزاء ونكالاً مفعول لهما. "انتهى". وتبع في ذلك الزجاج وقال الزجاج هو مفعول من أجله يعني جزاء، قال وكذلك نكالاً من الله. "انتهى". وهذا ليس بجيد إلا إذا كان الجزاء هو النكال فيكون ذلك على طريق البدل واما إذا كانا متباينين فلا يجوز أن يكونا مفعولين لهما إلا بواسطة حرف العطف. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعصية، حكيم في فرائضه وحدوده. وروي أن بعض الأعراب سمع قارئاً يقرأ هذه الآية، وختمها بقوله: {ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فقال: ما هذا كلام فصيح. فقيل له: ليست التلاوة كذلك وإنما هي: والله عزيز حكيم. فقال: بخ بخ عز فحكم فقطع. {فَمَن تَابَ} هذا عام في كل تائب من جراءته وسرقة وغيرهما، وقوله: ظلمه، هو مصدر مضاف للفاعل أي من بعد أن ظلم غيره أو نفسه بالمعصية. وقوله: وأصلح عطف على تاب فلم يقتصر على توبته وإصلاحه هو تنصله من التبعات، ومعنى يتوب عليه، أي يتجاوز عنه. {أَلَمْ تَعْلَمْ} خطاب للسامع، وهو تقرير معناه الإِثبات أي قد علمت وقدم يعذب هنا على يغفر لأنه تقدم ما يصنع بالمحارب من العذاب وبالسارق من القطع فذكر التعذيب أولاً أردع له وأطلق التعذيب فجاز أن يراد به التعذيب في الدنيا أو في الآخرة أو كليهما. ومفعول يشاء محذوف تقديره من يشاء تعذيبه وكذلك قوله: ويغفر لمن يشاء. أي يشاء غفران ذنبه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا أمر من الله لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله والحذر من سخطه وغضبه، وذلك بأن يجتهد العبد، ويبذل غاية ما يمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخطه الله، من معاصي القلب واللسان والجوارح، الظاهرة والباطنة. ويستعين بالله على تركها، لينجو بذلك من سخط الله وعذابه. { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي: القرب منه، والحظوة لديه، والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية، كالحب له وفيه، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل. والبدنية: كالزكاة والحج. والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها، من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء. ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات. ولأن من قام به، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إذا اتقيتم الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته. والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم.
همام الصنعاني
تفسير : 705- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الحسن في قوله تعالى: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ}: [الآية: 35]، قال: القُرْبَة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):