٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : أحدهما: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تقبل منهم ولهم عذاب أليم} وفيه مسائل:المسأله الأولى:الجمله المذكورة مع كلمة {لو} خبر {إن} فإن قيل: لم وحد الراجع في قوله {لِيَفْتَدُواْ بِهِ } مع أن المذكور السابق بيان ما في الأرض جميعاً ومثله؟ قلنا: التقدير كأنه قيل: ليفتدوا بذلك المذكور. المسألة الثانية: قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يحتمل أن يكون في موضع الحال، ويحتمل أن يكون عطفاً على الخبر. المسألة الثالثة: المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت».تفسير : النوع الثاني: من الوعيد المذكور في هذه الآية. قوله {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إرادتهم الخروج تحتمل وجهين: الأول: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج منها كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } تفسير : [السجدة: 2]. قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج. وقيل: يكادون يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين، والثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله تعالى في موضع آخر {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } تفسير : [المؤمنون: 107] ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } بضم الياء. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذا الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال «لا إله إلا الله» على سبيل الإخلاص. قالوا: لأنه تعالى جعل هذا المعنى من تهديدات الكفار، وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى والله أعلم. ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وهذا يفيد الحصر، فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم، كما أن قوله {أية : لَكُمْ دِينَكُمْ }تفسير : [المائدة: 3] أي لكم لا لغيركم، فكذا ههنا.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} من صنوف الأموال. {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ} ليجعلوه فدية لأنفسهم. {مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} واللام متعلقة بمحذوف تستدعيه لو، إذ التقدير لو ثبت أن لهم ما في الأرض، وتوحيد الضمير في به والمذكور شيئان إما لإجرائه مجرى اسم الإشارة في نحو قوله تعالى: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ }تفسير : [البقرة: 68] أو لأن الواو ومثله بمعنى مع. {مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ} جواب، ولو بما في حيزه خبر إن والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تصريح بالمقصود منه، وكذلك قوله:
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ } ثبت {أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ}.
ابن عادل
تفسير : قد تقدم الكلام على "أنَّ" الواقعة بعد "لو" على أنَّ فيها مَذْهَبيْن. و"لَهُمْ" خبر لـ "أنَّ"، و{مَا فِي الأرْض} اسمها، و"جميعاً" توكيد لهُ، أو حال منه و"مِثلَه" في نَصْبِه وجهان: أحدهما: عطف على اسم "أن" وهو "مَا" الموصولة. والثاني: أنه منصُوب على المَعِيَّة، وهو رأي الزَّمخْشَرِي، وسيأتي ما يرد على ذلك والجوابُ عنه. و"معهُ" ظرف واقع موقع الحال. ["واللام"] متعلِّقة بالاستِقْرَار الذي تعلَّق به الخبر، وهو "لَهُمْ". و"به" و"مِنْ عذاب" متعلِّقان بالافْتِدَاء، والضَّمير في "بِهِ" عائدٌ على "مَا" الموصولة، وجيء بالضَّمِير مُفْرَداً وإن تقدَّمه شَيْئَان وهما {مَا فِي الأرْض} و"مِثْلَهُ"، إما لتلازُمهمَا فهما في حُكْم شيء واحد؛ وإما لأنَّه حذف من الثَّانِي لدلالة ما في الأوَّل عليه، كقوله رحمة الله عليه: [الطويل] شعر : 1960-...................... فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ تفسير : أي: لو أنَّ لهم ما في الأرض لِيَفْتَدُوا به، ومثله معه ليفْتَدُوا به وإما لإجراء الضمير مُجْرَى اسم الإشارة، كقوله: [الرجز] شعر : 1961-................... كَأنَّهُ فِي الجِلْدِ........... تفسير : وقال بعضهم: ليفْتَدُوا بذلك المَال. وقد تقدم في "البقرة". و"عذاب" بمعنى: تَعْذِيب بإضافته إلى "يَوْم" خرج "يَوْم" عن الظرفية، و"مَا" نَافِية وهي جواب "لَوْ"، وجاء على الأكْثَر من كونِ الجواب النَّفي بغير "لام"، والجملة الامْتِنَاعية في محل رفع خبراً لـ "إن"، وجعل الزَّمَخْشَرِيُّ توحيد الضَّمير في "بِهِ" لمَدْرك آخر، وهو أنَّ "الوَاو" في "ومِثْلَهُ" [واو "مع" قال بعد أن ذكر الوجهين المتقدمين: ويجُوزُ أن تكُونَ الواوُ في "ومِثله"] بمعنى "مَعَ" فيتوحد المَرْجُوع إليه. فإن قُلْتَ: فبم يُنْصب المَفْعُول معه؟. قلت: بما تسْتَدْعِيه "لَوْ" من الفعل؛ لأن التَّقدير: لو ثبت أنَّ لَهُمْ ما في الأرض، يعني: أنَّ حكم ما قبل المفعُول معه في الخَبَرِ والحَالِ، وعود الضَّمِير حكمه لو لم يكن بعده مفعول معه، تقول: "كُنْتُ وَزَيْدَاً كالأخِ" قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1962- فَكَانَ وَإيَّاهَا كَحَرَّانَ لَمْ يُفِقْ عَنِ المَاءِ إذْ لاَقَاهُ حَتَّى تَقَدَّدَا تفسير : فقال: "كَحَرَّان" بالإفْرَاد ولم يقُلْ: "كحرَّانَيْن"، وتقول: "جَاءَ زَيْدٌ وهنْداً ضاحِكاً في داره". وقد اختار الأخْفَشُ أن يُعطى حُكْم المُتَعَاطفين، يعني: فَيطَابق الخبر، والحَال، والضمير له ولما بَعْده، فتقول: "كُنْتُ وَزيْداً كالأخوين". قال بعضهم: والصَّحِيح جوازه على قِلِّة. وقد رد أبُو حيَّان على الزمخشري، وطوَّل معه. قال شهاب الدِّين: ولا بد من نَقْل نصِّه؛ قال: وقول الزمَخْشَرِي ويجُوزُ أن تكون "الواو" بمعنى "مع" ليس بِشَيْء؛ لأنَّه يصير التقدير: مع مثله معه، أي: مع مِثْل ما في الأرْضِ [مع ما في الأرض] إن جعلت الضَّمِير في "مَعَه" عائِداً على "مَا" يكون معه حَالاً من "مِثْله". وإذا كان مَا في الأرض مع مثله كان مثله معه ضرورة، فلا فائدة في ذكر "معه" لملازمة معيّة كل منهما للآخر. وإن جعلت الضمير عائداً على "مثله"، أي: مع مثله مع ذلك المثل، فيكون المعنى مع مِثْلَيْنِ، فالتَّعْبِير عن هذا المَعْنَى بتلك العِبَارة عَيِيٌّ؛ إذ الكلام المُنْتَظِم أن يكون التَّرْكيب إذا أُريد ذلك المعنى مع مِثْلَيْهِ. وقول الزَّمَخْشَرِي: "فإن قُلْت" إلى آخِر الجواب [هذا السؤال] لا يرد؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا فسادَ أن يكون "الوَاو" واو "مَعَ"، وعلى تقدِير وُرودِه فهذا بناء منه على أنَّ ["أن"] إذا جاءت بعد "لَوْ" كانت في مَحَلِّ رفع بالفاعليّة، فيكون التقدير على هذا لو ثَبَتَ كينونة ما في الأرْضِ مع مثله لهم لِيَفْتَدُوا به، فيكون الضَّمِير عائِداً على "مَا" فقط. وهذا الذي ذكره هو تَفْريعٌ منه على مذهَب المُبَرِّد في أنَّ "أن" بعد "لَوْ" في محل رفع على الفاعليَّة، وهو مذهب مرجُوحٌ، ومذهب سيبويه: أن "أنَّ" بعد "لَوْ" في محلِّ رفع مُبْتَدأ. والذي يظهر من كلام الزَّمخْشَرِي هنا وفي تصانيفه أنَّهُ ما وَقَفَ على مذهب سيبويْه في هذه المسألة. وعلى المفرع على مذهَب المُبَرِّد لا يجوز أن تكون "الوَاوُ" بمعنى "مَعْ" والعامِلَ فيها "ثَبَتَ" المقدَّرة لما تقدم من وجود لفظة "مَعَهُ"، وعلى تقديره سُقُوطها لا يصحُّ؛ لأن "ثَبَتَ" ليس رَافِعاً لـ "مَا" العائد عليها الضمير وإنما هو رَافِعٌ مصدراً مُنْسَبكاً من "أن" وما بعدها، وهُو كونُ؛ إذ التقدير لو ثَبَتَ كون ما في الأرض جَمِيعاً لهم ومِثْله معه لِيَفْتدُوا به، والضمير عَائِد على [ما] دُون الكوْنِ، فالرَّافِع الفاعِل غير النَّاصب للمفعُول معه، إذ لو كان إيَّاه للزم من ذلك وجود الثُّبُوت مُصَاحباً للمثل [والمعنى على كينونة ما في الأرض مُصاحباً للمثل، لا على ثُبُوت ذلك مُصَاحِباً للمثل،] وهذا فيه غُمُوض. وبيانُهُ: أنَّك إذا قلت: "يُعْجِبُني قيام زَيْد وعَمْراً"، جعلت "عمراً" مفعُولاً معه، والعامِلُ فيه "يُعْجُبني" [لزم] من ذلك أن "عَمْراً" لم يَقُمْ، وأعجبك القِيَامُ وعمرو. وإن جَعَلْتَ العامل فيه القِيَام: كان عمرو قَائِماً، وكان الإعْجَاب قد تعلَّق بالقيام مصاحباً لقيام عَمْرو. فإن قلت: هلاّ كان "ومِثْلَهُ مَعَهُ" مفعولاً معه، والعامِلُ فيه هو العَامِلُ في "لَهُمْ"؛ إذ المَعْنَى عليه؟. قلت: لا يَصِحُّ ذلك لِمَا ذكرْنَاه من وجود "مَعَهُ" في الجُمْلَة، وعلى تقديرِ سُقُوطِهَا لا يصحُّ؛ لأنَّهُم نَصُّوا على أنَّ قولك: "هَذَا لَكَ وأبَاك" ممنوع في الاختيار. قال سيبويْه: وأما "هَذَا لَكَ وأبَاك" فَقَبيحٌ؛ لأنَّه لم يذكر فِعْلاً ولا حَرْفاً فيه معنى فعل حتى يَصِير كأنَّه قد تكلَّم بالفعل، فأفْصَح سيبويه بأن اسْم الإشَارَة وحرف الجر المتضمن [المعنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه وقد أجاز بعض النحويين في حرف الجر والظرف أن يعملا] نحو "هذا لك وأباك". فقوله: "وأبَاكَ" يكون مفعُولاً مَعَهُ، والعَامِلُ الاستِقْرَار في "لَكَ". انتهى. ومع هذا الاعتراض الذي ذكره، فقد يَظْهر عنه جوابٌ، وهو أنَّا نقول: نختار أن يكون الضَّمِير في قوله: "مَعَهُ" عائداً على "مِثْله" ويَصِيرُ المعنى: مع مِثْلَين، وهو أبْلَغُ من أن يكون مع مِثْل واحد. وقوله: "تَرْكِيبٌ عَيِيٌّ" فَهْم قَاصِرُ، ولا بُدَّ من جُمْلَةٍ محذُوفَة قَبْل قوله: {ما تُقبِّلَ مِنْهُم} تقديره: وَبذَلُوه، أو وافْتَدُوا به، ليصِحَّ التَّرْتيب المذكُور؛ إذ لا يترتَّب على اسْتِقْرَار ما فِي الأرْض جَمِيعاً ومثله معه لهم عدم التَّقبُّل، إنما يترتَّب عدم التَّقَبُّل على البَذلِ والافْتِدَاء والعامَّة على "تُقُبِّل" مبنياً [للمفعول حذف فاعله لعظمته وللعلم به. وقرأ يزيد بن قطيب: "ما تقبَّل" مبنياً للفاعل] وهو ضميرُ البَارِي تبارك وتعالى. قوله [تعالى] "ولَهُمْ عَذابٌ" مبتدأ وخبرُهُ مُقَدَّمٌ عليه، و"ألِيمٌ" صفته بمعنى: مُؤلِمٌ، وهذه الجُمْلَة أجَازُوا فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون حالاً، وفيه ضَعْفٌ من حيث المعنى. المعنى الثاني: أن تكون في مَحَلِّ رفع عَطْفاً على خَبَرِ "أن" أخبر عن الذين كفروا بخبرين لو استقرَّ لَهُمْ جَمِيعُ ما في الأرضِ مع مثله فَبَذلُوه، لم يُتَقَبَّلْ مِنْهُم وأنَّ لهم عَذَاباً أليماً. الثالث: أن تكون مَعْطُوفة على الجُمْلَة من قوله: {إن الذين كفرُوا}، وعلى هذا فلا مَحَلَّ لها؛ لِعَطْفها على ما لا مَحَلَّ له. وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ} كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} تفسير : [النساء: 28] وقد تقدَّم. والجُمْهُور على "أن يَخرُجُوا" مَبْنيّاً للفاعل وقرأ يحيى بن وثَّاب، وإبْرَاهيم النَّخْعي "يُخْرجُوا" مبنياً للمفعُول وهما واضحتان، والمقصُود من هذا الكلام لُزُوم العذابِ لَهُمْ، وأنَّهُ لا سَبيلَ لهُمْ إلى الخلاصِ مِنْهُ وإرادتهم إلى الخُرُوجِ تحْتَمِلُ وجهيْن: الأوَّل: أنهم قصدوا وطلبُوا المخرج مِنْها، كقوله تعالى {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [السجدة: 20]. قيل: إذا [لَفَحَتْهُم] النَّار إلى فوق فهُنَاك يتمنُّون الخُرُوج. وقيل: يَكادُون أن يخْرُجُوا من النَّار؛ لِقُوَّة النَّارِ ورفعها للمُعَذَّبين. والثاني: أنهم يتمَنُّون ذلك ويريدُوه بِقُلُوبهم. فصل احتجَّ أهْلُ السُّنَّة بهذه الآية على أن الله تعالى يُخْرِج من النار من قال: لا إله إلا الله مُخْلِصاً؛ لأنَّه تعالى جعل هذا المعنى من تَهْديدات [الكُفَّار، وأنواع ما خَوَّفهم به، ولولا أنَّ هذا المعنى يختصُّ بالكفار وإلا لم يكن لِتخصيص] الكُفَّار به معنى، ويؤكده قوله {وَلَهُمْ عذابٌ مُقِيمٌ}، وهذا يفيد الحصر، فكان المعنى: ولهم عذابٌ مقيمٌ لا لِغَيْرهم كما أن قوله {لَكُم دينكُمْ} لا لغيركم، فهاهُنَا كذلك.
البقاعي
تفسير : ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة: التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلاً للوصف الأول وهو الإيمان، ناسب كل المناسبة تحذيراً من تركها ذكرُ حال الكفار وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللاً لما قبله: {إن الذين كفروا} أي بترك ما في الآية السابقة، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة في التحذير {لو أن لهم ما في الأرض} وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق الظرف والمظروف فقال: {جميعاً} أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جداً منه، وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال، وزاد الأمر هولاً بقوله: {ومثله} ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرَّقاً قال {معه}. ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان عند الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون، والإفهام بأن المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال، أعاد الضمير على هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفرداً، فقال معبراً بالمضارع الدال على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين بالكفر والمحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض بالفساد، ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية: {ليفتدوا به} أي يجددوا الافتداء في كل لحظة، أي بما ذكر {من عذاب يوم القيامة}. ولما كان المراد تهويل الأمر بردّه، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الرادّ، قال: {ما تقبل منهم} بالبناء للمفعول، أي على حالة من الحالات وعلى يد من كان، لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق. ولما كان من النفوس ما هو سافل لا ينكّبه الرد، وكان الرد لأجل إمضاء المُعَدِّ من العذاب، قال مصرحاً بالمقصود: {ولهم} أي بعد ذلك {عذاب أليم *} أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم لما أظهروا من شموس البيان، وانتهكوا من حرمات الملك الديان. ثم علل شدة إيلامه بدوامه فقال: {يريدون أن يخرجوا} أي يكون لهم خروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً {من النار} ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد الشديد فقال: {وما هم} وأغرق في النفي بالجار واسم الفاعل فقال: {بخارجين منها} أي ما يثبت لهم خروج أصلاً، ولعله عبر في النفي بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير، فإن سمى أحد ذلك خروجاً فهو غير مرادهم. ولما كان المعذبون في دار ربما دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب قال: {ولهم} أي خاصة دون عصاة المؤمنين {عذاب} أي تارة بالحر وتارة بالبرد وتارة بغيرهما، دائم الإقامة لا يبرح ولا يتغير {مقيم *}. ولما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير متقٍ ولا متوسل، عقب بها فقال: {والسارق} الآخذ لما هو في حرز خفيةً لكونه لا يستحقه {والسارقة} أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، أو حكمهما فيما يتلى عليكم، سبب عنه قوله: {فاقطعوا} وال - قال المبرد - للتعريف بمعنى: الذي، والفاء للسبب كقولك: الذي يأتيني فله كذا كذا درهم {أيديهما} أي الأيامن من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه - كما بين جميع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم - ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: {جزاء بما كسبا} أي فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهواناً لها للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: {نكالاً} أي منعاً لهما كما يمنع القيد {من الله} أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب، وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عزيز} أي في انتقامه فلا يغالبه شيء {حكيم *} أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله، لأنه يضعه في أتقن مواضعه. ولما ختم بوصفي العزة والحكمة، سبب عنهما قوله: {فمن تاب} أي ندم وأقلع، ودل على كرمه بالقبول في أيّ وقت وقعت التوبة فيه ولو طال زمن المعصية بإثبات الجار فقال: {من بعد} وعدل عن أن يقول "سرقته" إلى {ظلمه} تعميماً للحكم في كل ظلم، فشمل ذلك فعل طعمة وما ذكر بعده مما تقدم في النساء وغير ذلك من كل ما يسمى ظلماً {وأصلح} أي أوجد الإصلاح وأوقعه بردّ الظلامة والثبات على الإقلاع {فإن الله} أي بما له من كمال العظمة {يتوب عليه} أي يقبل توبته ويرجع به إلى أتم ما كان عليه قبل الظلم من سقوط عذاب الآخرة دون عقاب الدنيا، رحمة من الله له ورفقاً به وبمن ظلمه وعدلاً بينهما، لا يقدر أحد أن يمنعه من ذلك ولا يحول بينه وبينه لحظة ما؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له الكمال كله أزلاً وأبداً {غفور رحيم *} أي بالغ المغفرة والرحمة، لا مانع له من ذلك ولا من شيء منه ولا من شيء يريد فعله، بل هو فعال لما يريد، والآية معطوفة على آية المحاربين, وإنما فصل بينهما بما تقدم لما ذكر من العلة الطالبة لمزيد العناية به.
السيوطي
تفسير : أخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة"تفسير : . قال يزيد بن الفقير: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} قال: اتل أول الآية {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة} ألا إنهم الذين كفروا. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في الشعب،حديث : عن طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيباً للشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار. قال: يا طلق، أتراك أَقْرَأ لِكِتابِ الله وأَعْلَم لِسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً ثم خرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال: صمتا ان لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يخرجون من النار بعدما دخلوا"تفسير : ونحن نقرأ كما قرأت. وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس {وما هم بخارجين منها} فقال ابن عباس: ويحك...! اقرأ ما فوقها، هذه للكفار. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن الله إذا فرغ من القضاء بين خلقه أخرج كتاباً من تحت عرشه فيه: رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين. قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلي أهل الجنة، مكتوب ههنا منهم - وأشار إلى نحره - عتقاء الله تعالى، فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله، فإن الله يقول {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} قال: ويلك..! أولئك هم أهلها الذين هم أهلها. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أشعث قال: قلت: أرأيت قول الله {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} فقال: إنك والله لا تسقط على شيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله تعالى. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: ما كان فيه عذاب مقيم، يعني دائم لا ينقطع.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأوامر السابقة وترغيبِ المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عز وجل قبل انقضاءِ أوانِه ببـيان استحالةِ توسُّلِ الكفار يومَ القيامة بأقوىٰ الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلاً عن نيلِ الثواب. {لَوْ أَنَّ لَهُمْ} أي لكل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} الخ، لا لجميعهم إذ ليس في ذلك هذه المرتبةُ من تهويل الأمر وتفظيعِ الحال {مَّا فِى ٱلأَرْضِ} أي من أصناف أموالِها وذخائرِها وسائرِ منافعِها قاطبةً وهو اسمُ أن ولهم خبرُها ومحلُّها الرفعُ بلا خلاف، خلا أنه عند سيبويه رفعٌ على الابتداء ولا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتِها على المُسنَدِ والمُسنَد إليه، وقد اختصَّتْ من بـين سائر ما يُؤوّل بالاسم بالوقوع بعد لو، وقيل: الخبرُ محذوفٌ ثم قيل: يُقدّر مقدّماً، أي لو ثابتٌ كونُ ما في الأرض لهم. وقيل: يقدر مؤخراً أي لو كونُ ما في الأرض لهم ثابتٌ، وعند المبرِّد والزجّاج والكوفيـين رُفعَ على الفاعلية والفعلُ مقدرٌ بعد لو أي لو ثبَتَ أن لهم ما في الأرض. وقوله تعالى: {جَمِيعاً} توكيد للموصول أو حال منه {وَمِثْلَهُ} بالنصب عطفٌ عليه وقوله تعالى: {مَعَهُ} ظرفٌ وقع حالاً من المعطوفِ، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول وفائدتُه التصريحُ بفرض كينونَتِهما لهم بطريق المعيّة لا بطريق التعاقُب تحقيقاً لكمال فظاعةِ الأمر مع ما فيه من نوع إشعارٍ بكونهما شيئاً واحداً وتمهيداً لإفراد الضمير الراجع إليهما، واللام في قوله تعالى: {لِيَفْتَدُواْ بِهِ} متعلقةٌ بما تعلق به خبرُ أن، أعني الاستقرارَ المقدَّرَ في (لهم) وبالخبر المقدّر عند من يرى تقديرَ الخبرِ مقدماً أو مؤخراً، وبالفعل المقدّر بعد لو على رأي المبرِّد ومن نحا نحوه، ولا ريب في أن مدارَ الافتداءِ بما ذُكر هو كونُه لهم لا ثبوتُ كونِه لهم وإن كان مستلزِماً له، والباء في (به) متعلقةٌ بالافتداء، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول و(مثله) معاً، وتوحيدُه إما لما أشير إليه، وإما لإجرائه مُجرى اسمِ الإشارة كأنه قيل بذلك كما في قوله: [الرجز] شعر : [فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ] كأنه في الجلد توليعُ البَهَقْ تفسير : أي كأن ذلك، وقيل: هو راجعٌ إلى الموصول، والعائدُ إلى المعطوف أعني (مثله) محذوفٌ، كما حُذف الخبرُ من قيارٌ في قوله [الطويل]: شعر : [فمن تكُ أَمْسَى بالمدينة رَحْلُهُ] فإني وقيارٌ بها لغريبُ تفسير : أي وقيار أيضاً غريبُ، وقد جوَّزَ أن يكون نُصب و(مثلَه) على أنه مفعولٌ معه ناصِبُه الفعلُ المقدر بعد لو تفريعاً على مذهب المبرد، ومن رأى رأيَه، وأنت خبـيرٌ بأنه يؤدِّي إلى كونِ الرافعِ للفاعل غيرَ الناصب للمفعول معه لأن المعنى على اعتبارِ المعيةِ بـين (ما في الأرض ومثله) في الكينونة لهم، لا في ثبوت تلك الكينونةِ وتحقُقِها، ولا مَساغَ لجعل ناصبِه الاستقرارَ المقدرَ في (لهم)، لِما أن سيبويهِ قد نصَّ على {أنَّ} اسمَ الإشارةِ وحرفَ الجر المتضمِّنَ للاستقرار لا يعمَلانِ في المفعول معه وأن قوله: هذا لك وأباك قبـيحٌ وإن جوزه بعضُ النحاة في الظروف وحرف الجر، وقولُه تعالى: {مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} متعلقٌ بالافتداء أيضاً، أي لو أن (ما في الأرض مثله) ثابتٌ لهم ليجعلوه فديةً لأنفسِهم من العذاب الواقعِ يومئذ. {مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ} ذلك، وهو جواب لو وترتيبُه على كون ذلك لهم لأجل افتدائِهم به من غير ذكرِ الافتداءِ بأن يقال: وافتدَوْا به مع أن الردَّ والقَبولَ إنما يترتب عليه لا على مباديه، للإيذانِ بأنه أمرٌ محقَّقُ الوقوع غنيٌّ عن الذكر، وإنما المحتاجُ إلى الفَرْض قدرتُهم على ما ذُكر أو للمبالغةِ في تحقيق الردِّ وتخيـيلِ أنه وقع قبل الافتداءِ على منهاج ما في قوله تعالى: {أية : أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه }تفسير : [النمل، الآية 40] حيث لم يقل: فأتىٰ به فلما رآه الخ، وما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } تفسير : [يوسف، الآية 31] من غير ذكر خروجِه عليه السلام عليهن ورؤيتِهن له. والجملة الامتناعية بحالها خبرُ إن الذين كفروا، والمرادُ تمثيلُ لزوم العذاب لهم واستحالةُ نجاتِهم منه بوجهٍ من الوجوه المحققةِ والمفروضة. وعن النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : يقالُ للكافر أرأيت لو كان لك ملءُ الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سُئلتَ أيسرَ من ذلك وهو كلمة الشهادة»تفسير : وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تصريحٌ بما أشير إليه بعدم قَبول فِديتِهم لزيادة تقريرِه وبـيانِ هَوْلِه وشدّتِه، قيل: محلُّه النصب على الحالية وقيل: الرفعُ عطفاً على خبر إِن، وقيل: عطفٌ على إن الذين فلا محلَّ له كالمعطوف عليه.
القشيري
تفسير : اليومَ - يقبل من الأحباب مثقال ذرة، وغداً - لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ذهباً، كذا يكون الأمر. ويقال إفراط العدو في التقرب موجِبٌ للمقت، وتستر الولي في التودد إحكامٌ لأسباب الحب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كفروا لو ان لهم} اى لكل واحد منهم {ما فى الارض} اى من اصناف اموالها وذخائرها وسائر منافعها وهو اسم ان ولهم خبرها {جميعا} توكيد للموصول او حال منه {ومثله} عطف على الموصول اى ضعفه {معه} ظرف وقع حالا من المعطوف والضمير راجع الى الموصول {ليفتدوا به} متعلق بما تعلق به خبر ان اعنى الاستقرار المقدر فى لهم وبه متعلق بالافتداء والضمير راجع الى الموصول ومثله معا وتوحيده لاجرائه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل بذلك {من عذاب يوم القيمة} متعلق بالافتداء ايضا اى لو ان ما فى الارض ومثله ثابت لهم لجعلوه فدية لانفسهم من العذاب الواقع يومئذ وافتدوا به {ما تقبل منهم} ذلك وهو جواب لو ولو بما فى حيزه خبر ان والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم واستحالة نجاتهم منه بوجه من الوجوه المحققة والمفروضة وفى الحديث "حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملىء الارض ذهبا أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقال له انك كنت سئلت ما هو الايسر من ذلك " .تفسير : اى ما هو أسهل من الافتداء المذكور وهو ترك الاشراك بالله تعالى واتيان كلمة الشهادة {ولهم عذاب اليم} وجيع يخلص وجعه الى قلوبهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لو أن لهم}: الجار متعلق بالاستقرار، لأنه خبر "إن" مقدمًا، والضمير في {به}: يعود على ما ومثله، ووحده باعتبار ما ذكر كقوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ }تفسير : [البَقَرَة:68]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين كفروا} حين يشاهدون العذاب يتمنون الفداء، فلو {أن لهم ما في الأرض جميعًا} من الأموال والعقار {ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقبل منهم} ولا ينفعهم {ولهم عذاب مقيم} لا خلاص لهم منه، وهذا كما ترى في الكفار، وأما عصاة المؤمنين فيخرجون منها بشفاعة نبيهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولا حجة للمعتزلة في الآية، خلافًا لجهالة الزمخشري. الإشارة: كل من مات تحت قهر الحجاب، ونكّبته المشيئة عن دخول الحضرة مع الأحباب، حصل له الندم يوم القيامة، فلو رام أن يفتدى منه بملء الأرض ذهبًا ما تقبل منه، بل يبقى مقيمًا في غم الحجاب، معزولاً عن رؤية الأحباب، يتسلى عنهم بالحور والولدان، وتفوته نظرة الشهود والعيان في كل حين وأوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم ذكر حكم السارق الذي تقدم ذكره في قضية طعمة بن أبيرق؛ لما تقدم أن هذه السورة مكملة لما قبلها، فقال: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه} وافتدوا بجميع ذلك من العذاب الذي يستحقونه على كفرهم {ما تقبل منهم}. والذين في موضع نصب بان وخبر (ان) الجملة في (لو) وجوابها. وقوله: {ولهم عذاب أليم} يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون في موضع الحال. والثاني - أن يكون عطفاً على الخبر، ولا يجوز أن يكون خبراً من {يريدون} أن يخرجوا من النار، وما هم بخارجين منها. و (لو) في موضع الحال كما تقول مررت بزيد لو رآه عدوه لرحمه، لأنه في موضع معتمد الفائدة مع أن الثاني في استئناف (إِنه) ولا يحكم بقطع الخبر، وإِنما اجيبت (لو) بـ (ما) ولم يجز أن يجاب (أن) بـ (ما) لأن (ما) لها صدر الكلام وجواب (لو) لا يخرجها من هذا المعنى كما لا يخرجها جواب القسم، لأنه غير عامل. و (أن) عاملة فلذلك صلح أن يجاب بـ (لا) ولم يصلح بـ (ما) كقولك إِن تأتي لا يلحقك سوء، ولا يجوز (ما) لأن (لا) تنفي عما بعدها ما وجب لما قبلها في أصل موضوعها كقولك قام زيد لا عمرو و (ما) تنفي عما بعدها ما لم يجب لغيرها، فلذلك كان لها صدر الكلام. وإِنما نفى الله أن يقبل منهم فدية من غير تقييد بالتوبة، لأمرين: أحدهما لأنهم لا يستحقون هذه الصفة لو وقعت منهم التوبة مع البيان عن أن الآخرة لا تقبل فيها توبة. الثاني ان ذلك مقيد بدليل العقل والسمع الذي دل على وجوب اسقاط العقاب عند التوبة كقوله {أية : غافر الذنب وقابل التوب } تفسير : وعندنا أنه لم يقيده بالتوبة لأن التوبة لا يجب اسقاط العقاب عندها عندنا. وإِنما يتفضل الله بذلك عند التوبة فأراد الله أن يبين أن الخلاص من عقابه الذي استحق على الكفر به ومعاصيه لا يستحق على وجه. وإِنما يكون ذلك تفضلا على كل حال. واللام في قوله: {ولهم عذاب أليم} لام الملك لأن حقيقتها الاضافة على معنى الاختصاص غير أنها إذا اضيفت تصح أن يكون فعلاً إِلى ما يصح أن يكون فاعلاً فالاضافة بمعنى اضافة الفعل الى الفاعل نحو "إِن قام زيد" ويجوز أن يكون على معنى المفعول بقرينة ككلام زيد ونحوه. وقوله: {لو أن لهم ما في الأرض جميعاً} يدل على أنه ليس لهم ما في الارض جميعاً، لأنه لو كان لهم لكان الأبلغ أن يقال يسلبون النعمة به من غير فدية تسقط عنهم شيئاً من العقوبة. وقوله: {يريدون أن يخرجوا من النار} في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبو علي معناه يتمنون أن يخرجوا منها فجعل الارادة ها هنا تمنياً. وقال الحسن معناه الارادة على الحقيقة، لأنه قال كلما رفعتهم النار بلهبها رجوا أن يخرجوا منها، وهو قوله: {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها اعيدوا فيها } تفسير : . وقال بعضهم معناه يكادون أن يخرجوا منها، إِذا رفعتهم بلهبها كما قال - عز وجل - {أية : جداراً يريد أن ينقض } تفسير : أي يكاد ويقارب. فان قيل كيف يجوز أن يريدوا الخروج من النار مع علمهم بأنهم لا يخرجون؟ قلنا: لأن العلم بأن الشئ لا يكون لا يصرف عن إِرادته. كما أن العلم بأنه يكون لا يصرف عن إِرادته وإنما يدعو إلى الارادة حسنها أو الحاجة اليها كما أن المراد بهذه المنزلة. فان قيل: هل يجوز أن يطمعوا في الخروج من النار كما قال الحسن قلنا الخروج منها الى غير عذاب يجري مجرى عذابها فلا يجوز لعلمهم بأن العذاب دائم لا يفتر عنهم فان كان معه العلم بأنهم لا يخرجون منها لم يجز أن يطمعوا في الخروج، لأن العلم ينافي الطمع ولا ينافي الارادة كما لا يطمع العاقل في أن يعود في الدنيا شاباً كما كان. وقال أبو علي: إِنما يتمنون الخلاص منها قبل دخولها، لما في التمني من التروح، وليس ذلك من صفة أهلها. ولا يجوز أن يقال في الكلام يريدون أن يستخرجون من النار كما جاز {أية : علم أن سيكون منكم مرضى}تفسير : لأن أن المخففة من الشديدة لتحقيق كائن في الحال أو الماضي أو المستقبل، وليس في الارادة تحقيق وقوع المراد لا محالة، كما ليس في الأمر تحقيق وقوع المأمور به، فلذلك لم يجز أمرته أن سيقوم، وجاز أمرته أن يقوم. قوله {وما هم بخارجين منها} يعني من جهنم {ولهم عذاب مقيم} أي دائم ثابت لا يزول ولا يحول، كما قال الشاعر: شعر : فان لكم بيوم الشعب مني عذاباً دائماً لكم مقيماً تفسير : وروي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس يا أعمى القلب يا أعمى البصر تزعم ان قوماً يخرجون من النار وقد قال الله تعالى: {وما هم بخارجين منها}! فقال ابن عباس ويحك أو ما فقهت هذه للكفار؟!.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}: بفسق أو شرك وماتوا على الكفر. {لَو أَنَّ لَهُم مَّا فِى الأَرضِ جَمِيعًا}: من الأموال أى لو ثبت أن لهم ما فى الأرض جميعاً، وقيل: المصدر مبتدأ بلا خبر، وجميعاً حال من الضمير فى المستتر لهم أو فى قوله: {فِى الأَرضِ} وأجاز بعض أن يكون حالا من ما وبعض أن يكون توكيداً. {وَمِثْلَهُ مَعَهُ}: مثله معطوف على ما، وخبره محذوف تقديره: ومثله معه لهم عطفاً على معمولى عاملين، ومعه متعلق بمحذوف نعث لمثله، لأن مثل لا تتعرف بالاضافة، وليس فى له المذكور فى الآية ضمير مثل مستكناً، ويجوز أن يكون معه متعلقاً بمحذوف حالا من المستكن فى لهم المحذوف، وان عطفت مثله على ما بلا تقدير خبر كان فى لهم ضمير مستتر يستكن فيه ضمير واحد له، وأما فعلى الحالية يكون مع حالا حصة مثل فى ذلك الضمير، وجميعاً حالا من حصة ما فيه. {لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذّابِ يَومِ القِيَامةِ}: اللام متعلق بثبت فى قوله: {لَو أَنَّ لَهُم} أى لو ثبت لهم للفداء بأن أعطاهم اياه ليتعاطوا به الفداء، وكان الفداء يتقبل أو ساوى ما يفتدون منه. {مَا تُقُبِلَ مِنهُم}: لقلته وعدم مساواته ما ترتب عليهم من عذاب يوم القيامة، وجملة ما تقبل منهم جواب لو، ولو وشرطها وجوابها خبران، وأفرد الضمير فى تقبل، وفى به مع تقدم شيئين ما فى الأرض، ومثله لتأويل المذكور، ويضعف أن يقال: أفرد لأن الواو فى قوله: {وَمِثْلَهُ} للمعية، لأن واو المعية يتكرر معها لفظ معه فيتكلف له أن قوله: {مَعَهُ} حال مؤكدة لا لعاملها ولا لصاحبها الا ان قلنا ناصب المفعول معه الواو، فتكون مؤكدة لعملها وهو الواو، لكن كون الناصب الواو ضعيف، قد كان الكلام فى غنى عن ذلك التكلف. {وَلَهُم عَذّابٌ أَلِيمٌ}: عذاب النار لفقد ما يتخلصون به عنه، اذ لا يعادله ما فى الأرض ومثله، فهو لازم لهم، قال أنس: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك مثل الأرض ذهباً أكنت تفتدى به فيقول: نعم فيقال له: لقد كنت سئلت أيسر من ذلك أن لا تشرك بى ".
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ} من أَموالها الحاضرة والماضية والآتية المتشخصة والكامنة من خافيات ومعادن ومنافع، ولفظ المعية زيادة فى تفظيع أَمرهم {لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ} أَى بما ذكر فيها، ومثله أَو يقدر ليفتدوا به بعد جميعاً أَو هذا له ويقدر مثله لقوله مثله معه أَو الواو للمعية فيكونان كواحد واللام متعلق بثبت المقدر بعد لو أَو بلهم لنيابته عن كان أَو كائن أَو بكان أَو كائن وهو للتعليل أَو للعاقبة على دعواهم لا عند الله لأَنه قال {مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} وما أَثبته الله للفداء لا بد أَن يكون فداء مقبولا إِلا على معنى أَنه لو ملك الله لهم ذلك على أَن يفتدوا به وصح أَن يفتدوا به لم يتقبل لقلته وبخسه فى مقابلة النجاة، وفى الآية حذف أَى ليفتدوا به فافتدوا به، أَو ما تقبل منهم إِن افتدوا به أَو الآية تمثيل بأَن شبه حال الكفار فى عدم خلاصه عن العذاب بعد إِتيانه بجميع ما ظن أَنه مخلص بحال شخص وقع فى بلية ثم افتدى بما فى الأَرض وبمثله لو كان له ولم يتقبل منه وقوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تصريح بالمقصود من الجملة الأولى وزيادة تقريرها وبيان الهول، وبيان أَنه كما لا يدفع عذابهم لا يخفف بل لهم عذاب شديد، ومن صحة الشرطية الامتناعية من حيث امتناعها وكذا يقرر عدم انفكاك العذاب بقوله: {يُرِيدُونَ} يتمنون، وقيل المراد أَنه يرفعهم لهبها فيقربوا للخروج فيريدون الخروج، وقيل المراد يكادون يخرجون وإِنما يتمنون الخروج أَو يريدونه مع علمهم بالخلود لأَنهم ينسونه، أَو ذلك للطبيعة والعلم بعدم حصول الشىء لا يمنع من إِرادته لأَن الداعى إِلى إِرادة الشىء حسنة والحاجة إِليه {أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} إِذا دخلوها يوم القيامة ـ والمراد دوامها معهم لا يفنون ولا تفنى هى ويذهبون هم ومقابل قوله أَن يخرجوا أَن يقال وما يخرجون لكن يجىء بجملة اسمية مسندها اسم تأكيدا {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} دائم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كلام مبتدأ مسوق لتأكيد وجوب الامتثال بالأوامر السابقة، وترغيب المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عز شأنه قبل انقضاء أوانه، ببيان استحالة توسل الكفار يوم القيامة بما هو من أقوى الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلاً عن نيل الثواب {لَوْ أَنَّ لَهُمْ} أي لكل واحد منهم كقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} تفسير : [يونس: 54] الخ، وفيه من تهويل الأمر وتفظيع الحال ما ليس في قولنا لجميعهم {مَّا فِى ٱلأَرْضِ} أي من أصناف أموالها وذخائرها وسائر منافعها قاطبة، وهو اسم {أَنَّ} و {لَهُمْ} خبرها ومحلها الرفع (عندهم) خلا أنه عند سيبويه رفع على الابتداء [و] لا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، وقد اختصت من بين سائر ما يؤول بالاسم بالوقوع بعد {لَوْ}، وقيل: الخبر محذوف ويقدر مقدماً أو مؤخراً قولان، وعند الزجاج والمبرد والكوفيين رفع على الفاعلية أي لو ثبت [أن] لهم ما في الأرض، وقوله تعالى: {جَمِيعاً} توكيد للموصول أو حال منه، وقوله سبحانه: {وَمِثْلَهُ} بالنصب عطف عليه، وقوله عز وجل: {مَعَهُ} ظرف وقع حالاً من المعطوف، والضمير راجع إلى الموصول، وفائدته التصريح بفرض كينونتهما لهم بطريق المعية لا بطريق التعاقب تحقيقاً لكمال فظاعة الأمر. واللام في قوله تعالى: {لِيَفْتَدُواْ بِهِ} متعلقة بما تعلق به خبر {أَنَّ} وهو الاستقرار المقدر في {لَهُمْ} وبالخبر المقدر عند من يراه، وبالفعل المقدر بعد {لَوْ} عند الزجاج ومن نحا نحوه، قيل: ولا ريب في أن مدار الإفتداء بما ذكر هو كونه لهم لا ثبوت كونه لهم وإن كان مستلزماً له، والباء في {بِهِ} متعلقة بالافتداء، والضمير راجع إلى الموصول {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} وتوحيده لكونهما بالمعية شيئاً واحداً، أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة كما مرت الإشارة إلى ذلك، وقيل: هو راجع إلى الموصول، والعائد إلى المعطوف ـ أعني مثله ـ مثله، وهو محذوف كما حذف الخبر من قيار في قوله:شعر : ومن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب تفسير : وقد جوز أن يكون نصب، ومثله على أنه مفعول {مَعَهُ} ناصبه الفعل المقدر بعد {لَوْ} تفريعاً على رأي الزجاج / ومن رأى رأيه، وأمر توحيد الضمير حينئذ ظاهر إذ حكم الضمير بعد المفعول معه الإفراد، وأجاز الأخفش أن يعطى حكم المتعاطفين فيثني الضمير، وقال بعض النحاة: الصحيح جوازه على قلة. واعترض هذا الوجه أبو حيان بأنه يصير التقدير: مع مثله معه وإذا كان ما في الأرض مع مثله كان مثله معه ضرورة، فلا فائدة في ذكر {مَعَهُ} معه لملازمة معية كل منهما للآخر، وأجاب الطيبـي بأن {مَعَهُ} على هذا تأكيد، وقال السفاقسي: جوابه أن التقدير ليس كالتصريح، و ـ الواو ـ متضمنة معنى مع، وإنما يقبح لو صرح ـ بمع ـ وكثيراً ما يكون التقدير بخلاف التصريح، كقولهم: رب شاة وسخلتها، ولو صرحت ـ برب ـ فقلت: ورب سخلتها لم يجز، وأجاب الحلبـي بأن الضمير في {مَعَهُ} عائد على {مِثْلَهُ} ويصير المعنى مع مثلين وهو أبلغ من أن يكون مع مثل واحد، نعم إن كون العامل ثبت ليس بصحيح لأن العامل في المفعول معه هو العامل في المصاحب له كما صرحوا به، وهو هنا {مَا} أو ضميرها، وشيء منهما ليس عاملاً فيه ثبت المقدر، وأما صحته على تقدير جعله لهم، أو متعلقه على ما قيل، فممتنع أيضاً على ما نقل عن سيبويه أنه قال: وأما هذا لك وأباك فقبيح، لأنه لم يذكر فعل ولا حرف فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل، فإن فيه تصريحاً بأن اسم الإشارة وحرف الجرف والظرف لا تعمل في المفعول معه، وقوله تعالى: {مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} متعلق بالافتداء أيضاً أي لو أن ما في الأرض ومثله ثابت لهم ليجعلوه فدية لأنفسهم من العذاب الواقع ذلك اليوم. {مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ} ذلك، وهو جواب {لَوْ} وترتيبه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ على [كون] ذلك لهم لأجل افتدائهم به من غير ذكر الافتداء بأن يقال: وافتدوا به، مع أن الرد والقبول إنما يترتب عليه لا على مباديه للإيذان بأنه أمر محقق الوقوع غني عن الذكر، وإنما المحتاج إلى الفرض قدرتهم على ما ذكر، أو للمبالغة في تحقق الرد، وتخييل أنه وقع قبل الإفتداء على منهاج ما في قوله تعالى: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} تفسير : [النمل: 40] حيث لم يقل فأتى به [فرآه] فلما رآه الخ، وما في قوله سبحانه: {أية : وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} تفسير : [يوسف: 31] من غير ذكر خروجه عليه السلام عليهن ورؤيتهن له، وقال بعض الأفاضل: إنما لم يكتف بقوله: إن الذين كفروا لو يفتدون بما في الأرض جميعاً من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم، لأن ما في النظم الكريم يفيد أنهم لو حصلوا ما في الأرض ومثله معه لهذه الفائدة وكانوا خائفين من الله تعالى وحفظوا الفدية وتفكروا في الافتداء ورعاية أسبابه ـ كما هو شأن من هو بصدد أمر ـ ما تقبل منهم فضلاً عن أن يكونوا غافلين عن تحصيل الفدية وقصدوا الفدية فجأة، ولهذا لم يقل لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ويفتدون به ما تقبل الخ، والجملة الامتناعية بحالها خبر {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهي كناية عن لزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه، فإن لزوم العذاب من لوازمه أن ما في الأرض جميعاً ومثله معه لو افتدوا به لم يتقبل منهم، فلما كانت هذه الجملة، بل هذه الملازمة لازمة للزوم العذاب عبر عنها بها، وأطلق بعضهم على هذه الجملة تمثيلاً، ولعل مراده ـ على ما ذكره القطب ـ ما ذكره، وقال بعض المحققين: لا يريد به الاستعارة التمثيلية بل إيراد مثال وحكم يفهم منه لزوم العذاب لهم، أي لم يقصد بهذا الكلام إثبات هذه الشرطية بل انتقال الذهن منه إلى هذا المعنى، وبهذا الاعتبار يقال له: كناية، ويمكن تنزيله على التمثيل الإصطلاحي بأن يقال: إن حالهم في حال التفصي عن العذاب بمنزلة حال من يكون له ذلك الأمر الجسيم ويحاول به التخلص من العذاب فلا يتقبل منه ولا يتخلص . / {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل: محله النصب على الحالية، وقيل: الرفع عطفاً على خبر {أَنَّ} وقيل: إنه معطوف على {إِنَّ ٱلَّذِينَ} فلا محل له من الإعراب مثله، وفائدة الجملة التصريح بالمقصود من الجملة الأولى لزيادة تقريره وبيان هوله وشدته، وقيل: إن المقصود بها الإيذان بأنه كما لا يندفع بذلك عذابهم لا يخفف بل لهم بعد عذاب في كمال الإيلام، وكذلك قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أنّ هذه الجملة متّصلة بجملة {أية : ولهم في الآخرة عذاب عظيم}تفسير : [المائدة: 33] اتّصال البيان؛ فهي مبيّنة للجملة السابقة تهويلاً للعذاب الّذي توعّدهم الله به في قوله: {أية : ذلك لهم خزي في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}تفسير : [المائدة: 33] فإنّ أولئك المحاربين الّذين نزلت تلك الآية في جزائهم كانوا قد كفروا بعد إسلامهم وحاربوا الله ورسوله، فلمّا ذكر جزاؤهم عقّب بذكر جزاء يَشملهم ويشمل أمثالهم من الّذين كفروا وذلك لا يناكد كون الآية للسابقة مراداً بها ما يشتمل أهل الحرابة من المسلمين. والشرط في قوله: {لَوْ أنّ لَهُمْ مَا في الأرض} مقدّر بفعل دلّت عليه (أنّ)، إذ التّقدير: لو ثبت ما في الأرض مِلكاً لهم؛ فإنّ (لَوْ) لاختصاصها بالفعل صحّ الاستغناء عن ذكره بعدها إذا وردت (أنّ) بعدها. وقوله {ومثلَه معه} معطوف على {ما في الأرض}، ولا حاجة إلى جعله مفعولاً معه للاستغناء عن ذلك بقوله {معه}. واللام في {ليفتدوا به} لتعليل الفعل المقدّر، أي لو ثبت لهم ما في الأرض لأجل الافتداء به لا لأجل أن يكنزوه أو يهبوه. وأفرد الضمير في قوله: {به} مع أنّ المذكور شيئان هما: {ما في الأرض} {ومثلَه}: إمّا على اعتبار الضّمير راجعاً إلى {ما في الأرض} فقط، ويكون قوله {ومثلَه معه} معطوفاً مقدّماً من تأخير. وأصل الكلام لو أنّ لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثلَه معه. ودلّ على اعتباره مقدّماً من تأخير إفراد الضّمير المجرور بالباء. ونكتة التّقديم تعجيل اليأس من الافتداء إليهم ولو بمضاعفة ما في الأرض. وإمَّا، وهو الظاهر عندي، أن يكون الضّمير عائداً إلى {مثله معه}، لأنّ ذلك المثل شمل ما في الأرض وزيادة فلم تبق جدوى لفرض الافتداء بما في الأرض لأنّه قد اندرج في مثله الذي معه. ويجوز أن يُجرى الضّمير مجرى اسم الإشارة في صحّة استعماله مفرداً مع كونه عائداً إلى متعدّد على تأويله بالمذكور؛ وهذا شائع في اسم الإشارة كقوله تعالى: {أية : عوان بين ذلك}تفسير : [البقرة: 68] أي بين الفارض والبكر، وقوله: {أية : ومن يفعل ذلك يَلْق أثاماً}تفسير : [الفرقان: 68] إشارة ما ذكر من قوله: {أية : والّذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ ولا يزنون}تفسير : [الفرقان: 68]، لأنّ الإشارة صالحة للشيء وللأشياء، وهو قليل في الضّمير، لأنّ صيغ الضّمائر كثيرة مناسبة لِما تعود إليه فخروجها عن ذلك عدول عن أصل الوضع، وهو قليل ولكنّه فصيح، ومنه قوله تعالى: {أية : قُلْ أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم مَن إله غير الله يأتيكم به}تفسير : [الأنعام: 46] أي بالمذكور. وقد جعله في «الكشاف» محمولاً على اسم الإشارة، وكذلك تأوّله رؤبة لمّا أنشد قولَه:شعر : فيها خُطوط من سوادِ وبَلَق كأنّه في الجلد توليعُ البَهَق تفسير : فقال أبو عبيدة: قلت: لرؤبة إن أردت الخطوط فقُل: كأنَّها، وإن أردتَ السوادَ فقل: كأنّهما، فقال: أردتُ كأنّ ذلكَ وَيْلَكَ. ومنه في الضّمير قوله تعالى: {أية : وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً}تفسير : [النساء: 4]. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : عوان بين ذلك} تفسير : في سورة البقرة (68). وقوله: {ولهم عذاب مقيم} أي دائم تأكيد لقوله: {وما هم بخارجين منها}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 36- إن الذين كفروا لو كان عندهم ما فى الأرض جميعاً من صنوف الأموال وغيرها من مظاهر الحياة، وكان لهم مثل ما فى الأرض فوق ما فيها، وأرادوا أن يجعلوه فدية لأنفسهم من عذاب الله. يوم القيامة على كفرهم ما نفعهم الافتداء بهذا كله، ولا قبل الله منهم ذلك، فلا سبيل إلى خلاصهم من العقاب، ولهم عذاب مؤلم شديد. 37- يتمنى هؤلاء الكافرون أن يخرجوا من النار، وهم لن يخرجوا منها، ولهم عذاب دائم مستمر. 38- والذى يسرق، والتى تسرق، اقطعوا أيديهما جزاء بما ارتكبا، عقوبة لهما، وزجراً وردعاً لغيرهما. وذلك الحكم لهما من الله، والله غالب على أمره، حكيم فى تشريعه، يضع لكل جريمة ما تستحق من عقاب رادع مانع من شيوعها. 39- فمن تاب من بعد اعتدائه وأصلح عمله واستقام، فإن الله يتقبل توبته، إن الله واسع المغفرة والرحمة. 40- اعلم - أيها المكلف - علماً يقينياً أن الله - وحده - له كل ما فى السموات والأرض، يعذب من يشاء تعذيبه بحكمته وقدرته، ويغفر لمن يشاء أن يغفر له بحكمته ورحمته، والله على كل شئ قدير.
القطان
تفسير : ان الذين جحدوا ربوبية ربهم، وعبدوا غيره، وماتوا على كفرهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم أبداً، فلو ملكوا ما في الأرض كلها وضِعفه معه وأرادوا ان يجعلوه فدية لأنفسهم من عذاب يوم القيامة ـ لما قََبل منهم ذلك، ولا أخرجهم من النار. فلا سبيل الى خلاصهم من العقاب. روى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: "حديث : يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال: هل تفتدي بتراب الأرض ذهباً؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تعالى: كذبتَ، سألتُك أقلَّ من ذلك لم تفعل، فيؤمر به الى النار ".
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (36) - إِنَّ الذِينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ، وَعَبَدُوا غَيْرَهُ، أوْ أشْرَكُوا مَعَهُ فِي الألُوهِيَّةِ غَيْرَهُ، وَمَاتوا قَبْلَ أنْ يَتُوبُوا، فَإِنَّهُم لاَ نَجَاةَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَلَوْ أنَّ أحَدَهُمْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَباً، وَمِثْلِهِ مَعَهُ، لِيَفْتَدِيَ بِذَلِكَ الذَّهَبِ مِنْ عَذابِ اللهِ الذِي قَدْ أحَاطَ بِهِ، لَمَا تُقُبِّلَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلاَ مَنْدُوحَةَ عَنْ عَذَابِهِ، وَلا مَحِيصَ لَهُ مِنْ أنْ يُلاَقِيَ جَزَاءَهُ العَادِلَ مِنَ العَذَابِ، وَهُوَ عَذَابٌ مُوجِعٌ ألِيمٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه تحدث من قبل عن العقوبات والقصاص والتقتيل والتقطيع، ثم ينقلنا من هذا الجو إلى أن نتقي الله ونبتغي إليه الوسيلة ونجاهد في سبيله حتى نفلح، وكان لا بد أن يأتي لنا الحق بالمقابل، فالعقاب الذي جاء من قبل كقصاص وقتل هو عقاب دنيوي. ولكن ما سيأتي في الآخرة أدهى وأمرّ. {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [المائدة: 36] ولنا أن نتصور الجماعة الكافرة التي تتكبر في الدنيا ويعتلون ويرتفعون بالجبروت، فماذا عن موقفهم يوم القيامة؟. لقد اقمتم الجبروت بقوَّتكم على غيركم، وها هي ذي القُوّة تضيع وتفلت. لقد كانت القوة تعيش معكم في الدنيا بالأسباب الممنوحة من الله لكم. ولم تَضنّ عليكم سُننْ الله أن ترتقوا، وسبحانه قد خلق السُنَن ومن يبحث في أسباب الله، ينلْ نتيجة ما بذل من جهد، لكن ها هوذا يوم القيامة، وها أنتم أولاء تعرفون أن الأسباب ليست ذاتية. وأن قوَّتكم لم تكن إلا عطاءٌ من الله. ها أنتم أولاء أمام المشهد الحيّ، فلو أن ما في الدنيا جميعاً معكم وحتى ولو كان ضعف ما في الدنيا وتريدون أن تقدِّموه فِدْيَةً لكم من عذاب جهنم فالله لا يتقبله، وتلك قِمِّة الخِزْي، ولن يستطيعوا تخليص أنفسهم من عذاب جهنم. وهذا المشهد يجعل النفس تستشعر أن المسألة ليست لعباً ولا هزلاً، ولكن هي جِدّ في منتهى الجِدّ. وعلى الإنسان أن يقدِّر العقوبة قبل أن يستلذّ بالجريمة. والذي يجعل النس تستَشري في الإسراف على أنفسهم، أن الواحد منهم يعزل الجريمة عن عقوبة الجريمة. ولو قارن الإنسان قبل أن يسرف على نفسه العقوبة بالجريمة لما ارتكبها. وكذلك الذي يكسل عن الطاعة؛ لو يقارن الطاعة بجزائها لأسرع إليها. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نفترض أن إنساناً في صحراء نظر إلى أعلى الجيل ورأى شجرة تفاح، واسْتَدَلّ على التفاح بأن رأى تُفاحة عَطبة واقعة على الأرض، وقال الرجل لنفسه: هأنذا أرى مصارع الناس؛ فهذا يصعد إلى الجبل فيقع من على حافته. وذلك تهاجمه الذئاب. وثالث يتوه عن الطريق. كل ذلك على أمل أن في الشجرة ثماراً. ولا بد لي من أن أختار الطريق السليم إلى الثمار. والطريق إلى ثمار الدنيا الطاعة لمنهج الله، وهو الطريق إلى ثمار الآخرة. وأيضاً: الطالب المجتهد الذي يتغلب على النعاس ويتوضأ ويًصلّي ويخرج إلى مدرسته في برد الشتاء ليحصل الدروس. ويعود إلى المنزل لتقدّم له أمه الطعام، ولكنه مشغول بالدرس. إن هذا الشاب يستحضر نتيجة هذا الجُهد؛ لذلك فكل تعب في سبيل التعلُّم صار سهلاً عليه، ولو أهمل ونام ولم يقم مبكراً إلى المدرسة، وإن استيقظ وخرج من المنزل ليتسكع في الطرقات مع أمثاله؛ يكون في مثل هذه الحالة غير مُقدِّر للنتيجة التي تقوده إليها الصَّعْلَكة. والعيب في البشر أنهم يعزلون العمل عن نتيجته، ويفصلون بين الجريمة وعقوبته، والطاعة عن ثوابها. إنّنا لو وضعنا النتيجة مقابل العمل لما ارتكب أحد معصية ولا أهمل أحد في طاعة. ولنا أن نتصور مشهد الجبارين في الدنيا وهم في نار الآخرة، عم بطشوا في الدنيا ونهبوا، ولنفترض أن الواحد منهم قد امتلك كل ما في الدنيا - على الرغم من أنّ هذا مستحيل - وفوق ذلك أخذ مثل ما في الدنيا معه ويريد أن يقدمه افتداء لنفسه من عذاب جهنم فيرفضه الحق منه {مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وتلك هي قمة الخزي التي يجب أن يبتعد عنها الإنسان. وبعد ذلك يقول الحق: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} [المائدة: 36]، بإخطاء النور {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم، {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [المائدة: 27] لا من الكافرين {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} [المائدة: 37]، الخذلان {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيداً. ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، إلى قوله {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 40]، والإشارة فيهما أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما اليوم {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38]، الآن في عالم القوة {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} [المائدة: 38]، تقديراً في الأزل وإخطاء لرشاش النور {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا فعل له إلا الصواب]، {حَكِيمٌ} [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل بإصابة النور {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} [المائدة: 39]، فيه إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها {وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39]، بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص على الدنيا {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39]، يعني: ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [المائدة: 39]، لرياضات النور هناك {رَّحِيمٌ} [المائدة: 39]، به بأن تاب عليه. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ} [المائدة: 40]، هو الذي {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [المائدة: 40]، وليس في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهاراً للطفه ومشيئته {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر {قَدِيرٌ} [المائدة: 40].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن شناعة حال الكافرين بالله يوم القيامة ومآلهم الفظيع، وأنهم لو افتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه ما تقبل منهم، ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات، ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):