٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : في اتصال الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، بيّـن في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضاً، والثاني: أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال: {أية : مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } تفسير : [المائدة: 32] ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام، فذكر أولاً: قطع الطريق، وثانياً: أمر السرقة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف النحويون في الرفع في قوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } على وجوه: الأول: وهو قول سيبويه والأخفش: أن قوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } مرفوعان بالابتداء، والخبر محذوف والتقدير: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، أي حكمهما كذا، وكذا القول في قوله {أية : والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} تفسير : [النور: 2] وفي قوله {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } تفسير : [النساء: 16] وقرأ عيسى بن عمر {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } بالنصب، ومثله {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } والاختيار عند سيبويه النصب في هذا. قال لأن قول القائل: زيداً فاضربه أحسن من قولك: زيد فاضربه، وأيضاً لا يجوز أن يكون {فاطعوا} خبر المبتدأ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء. والقول الثاني: وهو اختيار الفراء: أن الرفع أولى من النصب، لأن الألف واللام في قوله { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } يقومان مقام «الذي» فصار التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء، وأيضاً النصب إنما يحسن إذا أردت سارقاً بعينه أو سارقة بعينها، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد. ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه: الأول: أن الله تعالى صرّح بذلك وهو قوله {جَزَاء بِمَا كَسَبَا } وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط، والثاني: أن السرقة جناية، والقطع عقوبة، وربط العقوبة بالجناية مناسب، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم، والثالث: أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة، ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة، فكان الأول أولى. وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه طعن في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة، وذلك باطل قطعاً، فإن قال لا أقول: إن القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول: القراءة بالنصب أولى، فنقول: وهذا أيضاً رديء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود. والثاني: أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ (واللذين يأتيانها منكم) بالنصب، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول. الوجه الثالث: أنا إذا قلنا: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } مبتدأ، وخبره هو الذي نضمره، وهو قولنا فيما يتلى عليكم، فحينئذٍ قد تمت هذه الجملة بمتداها وخبرها، فبأي شيء تتعلق الفاء في قوله {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } فإن قال: الفاء تتعلق بالفعل الذي دلّ عليه قوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول: السارق والسارقة تقديره: من سرق، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته. والرابع: أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة علة لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى، ثم هذا المعنى متأكد بقوله {جَزَاء بِمَا كَسَبَا } فثبت أن القراءة بالرفع أولى. الخامس: أن سيبويه قال: هم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقاً على ذكر وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتلعق بحال السارق من حيث إنه سارق، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقاً، ومعلوم أنه ليس كذلك، فإن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعاً والله أعلم. المسألة الثانية: قال كثير من المفسرين الأصوليين: هذه الآية مجملة من وجوه: أحدها: أن الحكم معلق على السرقة، ومطلق السرقة غير موجب للقطع، بل لا بدّ وأن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال، وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت مجملة، وثانيها: أنه تعالى أوجب قطع الأيدي، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي الأيمان والشمائل، وبالاجماع لا يجب قطعهما معاً فكانت الآية مجملة، وثالثها: أن اليد اسم يتناول الأصابع فقط، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلاناً بيده فمسه بأصابعه فإنه يحنث في يمينه، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها، ويقع على الأصابع مع الكف، ويقع على الأصابع والكف والسعدين إلى المرفقين، ويقع على كل ذلك إلى المنكبين، وإذا كان لفظ اليد محتملاً لكل هذه الأقسام، والتعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة، ورابعها: أن قوله {فَٱقْطَعُواْ } خطاب مع قوم، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعاً على مجموع الأمة، وأن يكون واقعاً على طائفة مخصوصة منهم، وأن يكون واقعاً على شخص معين منهم، وهو إمام الزمان كما يذهب إليه الأكثرون، ولما لم يكن التعيين مذكوراً في الآية كانت الآية مجملة، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الإطلاق، هذا تقرير هذا المذهب. وقال قوم من المحققين: الآية ليست مجملة ألبتة، وذلك لأنا بينا أن الألف واللام في قوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } قائم مقام «الذي» والفاء في قوله {فَٱقْطَعُواْ } للجزاء، فكان التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، ثم تأكد هذا بقوله تعالى: {جَزَاء بِمَا كَسَبَا } وذلك الكسب لا بدّ وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره وهو السرقة، فصار هذا دليلاً على أن مناط الحكم ومتعلقه هو ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط، اللهم إلا إذا قام دليل منفصل يقتضي تخصيص هذا العام، وأما قوله «الأيدي» عامة فنقول: مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما انعقد الاجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً، ولا الاتبداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم. وأما قوله: لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول: لا نسلم، بل اليد اسم لهذا العضو إلى المنكب، ولهذا السبب قال تعالى: {أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } تفسير : [المائدة: 6] فلولا دخول العضدين في هذا الاسم وإلا لما احتيج إلى التقيد بقوله {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } فظاهر الآية يوجب قطع اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل. وأما قوله: رابعا: يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد، وأن يكون مع واحد معين. قلنا: ظاهره أنه خطاب مع كل أحد، ترك العمل به فيما صار مخصوصاً بدليل منفصل فيبقى معمولاً به في الباقي. والحاصل أنا نقول: الآية عامة، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض الصور فتبقى حجة فيما عداها، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال: إنها مجملة فلا تفيد فائدة أصلاً. المسألة الثالثة: قال جمهور الفقهاء: القطع لا يجب إلا عند شرطين: قدر النصاب، وأن تكون السرقة من الحرز، وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري: القدر غير معتبر، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير، والحرز أيضاً غير معتبر، وهو قول داود الأصفهاني، وقول الخوارج، وتمسكوا في المسألة بعموم الآية كما قررناه، فإن قوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } يتناول السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من الحرز أو من غير الحرز. إذا ثبت هذا فنقول: لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد، أو بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز، وحجة جمهور الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص، بل نقول: إن لفظ السرقة لفظة عربية، ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير، أو تبنة واحدة، أو كسرة صغيرة من خبز: إنه سرق ماله، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة، وأيضاً السرقة مشتقة من مسارقة عين المالك، وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمراً يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل، لأن ما لا يكون موضوعاً في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة. وقال داود: نحن لا نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة، ولا في سرقة التبنة الواحدة، بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة، وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فربما استحقر الملك الكبير آلافاً مؤلفة، وربما استعظم الفقير طسوجاً، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو قال لفلان على مال عظيم، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيماً عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالاً، وليس لقائل أن يستبعد ويقول: كيف يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة، لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعناً في الشريعة، فقالوا: اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، فكيف تقطع لأجل القليل من المال؟ ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة، وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن أيضاً مقبولاً منا في إيجاب القطع في القليل والكثير. قال: ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن ههنا بخبر الواحد، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه، فقال الشافعي رحمه لله: يجب القطع في ربع دينار، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا قطع إلا ربع دينار»تفسير : وقال أو حنيفة رحمه الله: لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا قطع إلا في ثمن المجن» تفسير : والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم. وقال مالك وأحمد وإسحاق: إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار. وقال ابن أبي ليلى: مقدر بخمسة دراهم، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن. قال: وليس لأحد أن يقول: إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين. قال: لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة، وكان يقول: احذر من قطع يدك بدرهم، ولو كان الاجماع منعقداً لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني. وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بدّ في وجوب القطع من القدر، ثم قال الشافعي رحمه الله: القطع في ربع دينار فصاعداً وهو نصاب السرقة، وسائر الأشياء تقوم به. وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة، ويقوم غيرها بها. وقال مالك رحمه الله: ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم. حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } يوجب القطع في القليل والكثير، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعداً على ظاهر النص، ثم أكد هذا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لا قطع إلا في ربع دينار».تفسير : وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا قطع إلا في ثمن المجن» تفسير : فهو ضعيف لوجهين: الأول: أن ثمن المجن مجهول، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز. الثاني: أنه إن كان ثمن المجن مقدراً بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا قطع إلا في ربع دينار» تفسير : فكان الترجيح لهذا الجانب. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: الرجل إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى، وفي الثانية رجله اليسرى، وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة. واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين: الأول: أن السرقة علة لوجوب القطع، وقد وجدت في المرة الثالثة، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضاً، إنما قلنا: إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } وقد بيّـنا أن المعنى: الذي سرق فاقطعوا يده، وأيضاً الفاء في قوله {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة، فالسرقة علة لوجوب القطع، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة، فلا بدّ وأن يترتب عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعاً آخر وهو المطلوب، والثاني: أنه تعالى قال: {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } ولفظ الأيدي لفظ جمع، وأقله ثلاثة، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولاً به عند السرقة الثالثة. فإن قالوا: إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما، فكان هذا الحكم مختصاً باليمين لا في مطلق الأيدي، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد. قلنا: القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضاً القراءة الشاذة ليست بحجة عندنا، لأنا نقطع أنها ليست قرآناً، إذ لو كانت قرآناً لكانت متواترة، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن، ولعلّه كان في القرآن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصاً، وما نقلت إلينا، ولعلّه كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلاً بأنه لو كان قرآناً لكان متواتراً، فلما لم يكن متواتراً قطعنا أنه ليس بقرآن، فثبت أن القراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: أغرم السارق ما سرق. وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق: لا يجمع بين القطع والغرم، فإن غرم فلا قطع، وإن قطع فلا غرم. وقال مالك رحمه لله: يقطع بكل حال، وأما الغرم فليزمه إن كان غنياً، ولا يلزمه إن كان فقيراً. حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : على اليد ما أخذت حتى تؤديه» تفسير : يوجب الضمان، وقد اجتمع الأمران في هذه السرقة فوجب أن يجب القطع والضمان، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة، وعليه الدليل، على أنا نقول: إن حد الله لا يمنع حق العباد، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، وبدليل أنه لو كان المسروق باقياً وجب رده بالإجماع، ويدل عليه أيضاً أن المسروق كان باقياً على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصراً على وقت القطع، أو مسنداً إلى أول زمان السرقة، والأول: لا يقول به الخصم، والثاني: يقتضي أن يقال: إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقاً على ذلك الوقت، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي. وهذا محال. حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء، والجزاء هو الكافي، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة، وإذا كان كافياً وجب أن لا يضم الغرم إليه. والجواب: لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائماً، والله أعلم بالصواب. المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: السيد يملك إقامة الحد على المماليك. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يملك. حجة الشافعي أن قوله {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } عام في حق الكل، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصاً بالبعض دون البعض، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضاً، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإمام والمولى. المسألة السابعة: احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماماً معيناً والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة، فلا بدّ من شخص يكون مخاطباً بهذا الخطاب، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام، فلما كان هذا التكليف تكليفاً جازماً ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام، وما لا يتأتى الواجب إلا به، وكان مقدوراً للمكلف، فهو واجب، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذٍ. المسألة الثامنة: قال المعتزلة: قوله {نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } يدل على أنه إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقاً للاستخفاف والذم والإهانة، ومتى كان لأمر كذلك امتنع أن يقال: إنه بقي مستحقاً للمدح والتعظيم، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات. وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى:{أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} تفسير : [البقرة: 264] فلا نعيدها ههنا. ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعاً على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضاً على سبيل التنكيل، بل تكون على سبيل الامتحان، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو. المسألة التاسعة: قالت المعتزلة: قوله {جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مّنَ الله} يدل على تعليل أحكام الله، فإن الباء في قوله {بِمَا كَسَبَا } صريح في أن القطع إنما وجب معللاً بالسرقة. وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ } تفسير : [المائدة: 32]. المسألة العاشرة: قوله {جَزَاء بِمَا كَسَبَا } قال الزجاج: جزاء نصب لأنه مفعول له، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم، وكذلك {نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دلّ عليه {فَٱقْطَعُواْ } والتقدير: جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالاً من الله. أما قوله {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فالمعنى: عزيز في انتقامه، حكيم في شرائعه وتكاليفه. قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي، فقرأت هذه الآية فقلت {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سهواً، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ فقلت كلام الله. قال أعد، فأعدت: والله غفورٌ رحيم، ثم تنبهت فقلت {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فقال: الآن أصبت، فقلت كيف عرفت؟ قال: يا هذا عزيزٌ حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه سبع وعشرون مسئلة: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} الآية. لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد، ذكر حكم السارق من غير حِراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب؛ وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب. وقد قُطِع السارق في الجاهلية، وأوّل من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المُغيِرة، فأمر الله بقطعه في الإسلام، فكان أوّل سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخِيَار بن عَديّ بن نوفل ابن عبد مناف، ومن النساء مُرَّة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكر يد اليمنيّ الذي سرق العِقْد؛ وقطع عمر يد ٱبن سَمُرة أخي عبد الرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه. وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك؛ لقوله عليه السلام: « حديث : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً » تفسير : فبين أنه إنما أراد بقوله: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} بعض السراق دون بعض؛ فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، أو فيما قيمته ربع دينار؛ وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليّ رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز والليث والشافعيّ وأبو ثور؛ وقال مالك: تُقطَع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما. والعُروضُ لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قَلّ الصرفُ أو كَثُر؛ فجعل مالك الذهب والورِق كل واحد منهما أصلاً بنفسه، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحاق: إن سرق ذهباً فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق. وهذا نحو ما صار إليه مالك في القول الآخر؛ والحجة للأوّل حديث ٱبن عمر: أن رجلاً سرق حَجَفَة، فأتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقوّمت بثلاثة دراهم. وجعل الشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلاً ردّ إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورُخْصه، وترك حديث ٱبن عمر لما رآه ـ والله أعلم ـ من ٱختلاف الصحابة في المَجنّ الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فٱبن عمر يقول: ثلاثة دراهم؛ وٱبن عباس يقول: عشرة دراهم؛ وأنس يقول: خمسة دراهم؛ وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه، ورفعه من يَجِب العملُ بقوله لحفظه وعدالته؛ قاله أبو عمر وغيره. وعلى هذا فإن بلغ العَرَض المسروق ربع دينار بالتقويم قُطع سارقه؛ وهو قول إسحاق؛ فقفْ على هذين الأصلين فهما عمدة الباب، وهما أصح ما قيل فيه. وقال أبو حنيفة وصاحباه والثَّوْريّ: لا تُقطَع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا، أو دينار ذهباً عيناً أو وزناً؛ ولا يُقطَع حتى يَخرج بالمتاع من ملك الرجل؛ وحجتهم حديث ابن عباس؛ قال: قُوّم المِجنّ الذي قَطَع فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم. ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: كان ثمن المجنّ يومئذ عشرة دراهم؛ أخرجهما الدَّارَقُطْنيّ وغيره. وفي المسألة قولٌ رابع، وهو ما رواه الدَّارَقُطْنيّ عن عمر قال: لا تُقطَع الخَمْس إلا في خَمْس؛ وبه قال سليمان بن يَسار وٱبن أبي ليلى وٱبن شُبْرُمة؛ وقال أنس بن مالك: قطع أبو بكر ـ رحمه الله ـ في مِجِنّ قيمته خمسة دراهم. وقول خامس: وهو أن اليد تُقطَع في أربعة دراهم فصاعداً؛ رُوي عن أبي هُريرة وأبي سعيد الخُدْريّ. وقول سادس: وهو أن اليد تُقطَع في درهم فما فوقه؛ قاله عثمان البَتّيّ. وذكر الطَّبَريّ أن عبد الله بن الزُّبير قَطَع في درهم. وقول سابع: وهو أن اليد تُقطَع في كل ماله قيمة على ظاهر الآية؛ هذا قول الخوارج، ورُوي عن الحسن البصريّ، وهي إحدى الروايات الثلاث عنه، والثانية كما رُوي عن عمر، والثالثة حكاها قَتَادة عنه أنه قال: تَذَاكَرْنا القطع في كَمْ يكون على عهد زياد؟ فاتفق رأينا على درهمين. وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدّمناه لك؛ فإن قيل: قد روَى البخاريّ ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لَعَن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحَبْل فتُقطَع يده » تفسير : . وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير؛ فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في مَعْرِض التّرغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام: « حديث : مَن بَنى لله مسجداً ولو مِثْل مَفْحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ». تفسير : وقيل: إن ذلك مجاز من وجه آخر؛ وذلك أنه إذا ضَري بسرقة القليل سَرَق الكثير فقطعت يده. وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال: كانوا يرون أنه بيْض الحديد، والحَبْلُ كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم. قلت: كحبال السفينة وشبه ذلك. والله أعلم. الثانية ـ ٱتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حِرْز ما يجب فيه القطع. وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا جمع الثياب في البيت قُطِع. وقال الحسن بن أبي الحسن أيضاً في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار ٱتفاقاً صحيحاً. والحمدلله. الثالثة ـ الحِرْز هو ما نُصِب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه. قال ابن المنذر ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم. وحُكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحِرْز. وفي الموطأ لمالك عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا قطع في ثَمَرٍ مُعَلق ولا في حَريسة جَبَل فإذا آواه المَرَاح أو الجَرِين فالقطع فيما بَلَغَ ثمن المِجَنّ » تفسير : قال أبو عمر: هذا حديث يتصل معناه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، وعبد الله هذا ثقة عند الجميع، وكان أحمد يُثْني عليه. وعن عبدالله بن عمرو حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن الثَّمَر المُعَلق فقال: «مَن أصاب منه من ذي حاجة غيرَ متخذ خُبْنَة فلا شيء عليه ومن خَرَج بشيء منه فعليه القطع ومن سَرَق دون ذلك فعليه غَرامةٌ مِثليه والعقوبة» تفسير : وفي رواية « حديث : وجلدَات نَكَالَ » تفسير : بدل «والعقوبة». قال العلماء: ثم نُسِخ الجَلْد وجُعِل مكانه القطع. قال أبو عمر: قوله « حديث : غرامة مثليه » تفسير : منسوخ لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطِب ٱبن أبي بلْتَعَة؛ خرّجه مالك؛ ورواية عن أحمد بن حَنْبَل. والذي عليه الناس من الغُرم بالمثل؛ لقوله تعالى: { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] ورَوى أبو داود عن صفوان بن أُمَيَّة قال: كنت نائماً في المسجد على خَمِيصة لي ثمن ثلاثين درهماً. فجاء رجل فاختلسها منِّي، فأُخذ الرجل فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؛ قال « حديث : فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به » تفسير : . ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مُهَيَّأة للإنتفاع بها للخلق أجمعين، ثم الحكمة الأوّلية حكمت فيها بالإختصاص الذي هو الملك شرعاً، وبقيت الأطماع متعلقة بها، والآمال مُحوَّمة عليها؛ فَتَكُفُّها المروءة والدّيانة في أقل الخلق، ويَكفُّها الصون والحِرْز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالكها فقد ٱجتمع فيها الصَّوْن والحِرْز الذي هو غاية الإمكان للإنسان؛ فإذا هُتكا فَحُشت الجريمة فعظمت العقوبة، وإذا هُتِك أحد الصَّوْنين وهو الملك وجب الضمان والأدب. الرابعة ـ فإذا ٱجتمع جماعة فٱشتركوا في إخراج نِصاب من حِرْزه فلا يخلو، إمّا أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه، أوْ لا إلاّ بتعاونهم، فإذا كان الأوّل فاختلف فيه علماؤنا على قولين: أحدهما يُقْطَع فيه، والثاني لا يُقطَع فيه؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ قالا: لا يُقطَع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حِصَّته نِصاب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تُقطع يَد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» تفسير : وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصاباً فلا قطعَ عليهم ووجه القطع في إحدىٰ الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالإشتراك في القتل؛ قال ٱبن العربيّ: وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء؛ لئلا يتعاون على سفكها الأعداء، فكذلك في الأموال مثله؛ لاسيما وقد ساعدنا الشافعيّ على أنَّ الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قُطِعوا ولا فرق بينهما. وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يُقطَع جميعهم بالاتفاق من العلماء؛ ذكره ٱبن العربي. الخامسة ـ فإن اشتركوا في السرقة بأن نَقَب واحد الحِرْز وأخرج آخر، فإن كانا متعاونين قُطِعاً. وإن ٱنفرد كل منهما بفعله دون اتفاق بينهما، بأن يجيء آخر فيُخْرِج فلا قطع على واحد، منهما. وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة؛ وقال الشافعي: لا قطع؛ لأن هذا نَقَب ولم يَسرق، والآخر سَرَق من حِرْز مهتوك الحُرمة. وقال أبو حنيفة: إن شارك في النّقب ودخل وأخذ قُطع. ولا يشترط في الإشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة؛ بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة. السادسة ـ ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحِرْز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه القطع، ويعاقب الأوّل؛ وقال أشهب: يُقطَعان. وإن وضعه خارج الحِرْز فعليه القطع لا على الآخذ، وإن وضعه في وسط النّقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في النقب قُطِعا جميعاً. السابعة ـ والقبر والمسجد حِرْز فيُقطَع النَّبَّاش عند الأكثر؛ وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأنه سرق من غير حِرْز مالاً معرّضاً للتلف لا مالك له: لأن الميت لا يملك. ومنهم من ينكر السرقة؛ لأنه ليس فيه ساكن، وإنما تكون السرقة بحيث تُتَّقى الأعين، ويتحفظُ من الناس؛ وعلى نفي السرقة عوّل أهل ما وراء النهر. وقال الجمهور: هو سارق لأنه تدرع الليل لباساً وٱتقى الأعين، وقصد وقتاً لا ناظر فيه ولا مارّ عليه، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد، وخلوّ البلد من جميعهم. وأما قولهم: إن القبر غير حِرْز فباطل؛ لأن حرْز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه. وأما قولهم: إن الميت لا يملك فباطل أيضاً؛ لأنه لا يجوز ترك الميت عارياً فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حِرْز. وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: { أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً }تفسير : [المرسلات:25] { أية : أَحْيَآءً وَأَمْواتاً } تفسير : [المرسلات: 26] ليسكن فيها حياً، ويدفن فيها ميتاً. وأما قولهم: إنه عُرْضة للتلف؛ فكل ما يلبَسه الحي أيضاً معرّض للتلف والإخلاق بلباسه، إلا أن أحد الأمرين أعجل من الثاني؛ وقد رَوى أبو داودحديث : عن أبي ذرّ قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كيف أنت إذا أصاب الناس موتٌ يكون البيت فيه بالوَصيف»، يعني القبر، قلت: الله ورسوله أعلم قال: «عليك بالصبر» تفسير : قال حماد: فبهذا قال من قال تقطع يد السارق؛ لأنه دخل على الميت بيته. وأما المسجد، فمن سرق حُصُره قُطِع؛ رواه عيسى عن ابن القاسم، وإن لم يكن للمسجد باب؛ ورآها مُحرزَة. وإن سرق الأبواب قطع أيضاً؛ ورُوي عن ابن القاسم أيضاً إن كانت سرقته للحُصُر نهاراً لم يُقطَع، وإن كان تسوّر عليها ليلاً قُطِع؛ وذكر عن سُحْنُون إن كانت حُصُره خيط بعضها إلى بعض قُطِع، وإلاّ لم يُقطَع. قال أَصْبَغ: يُقطع سارق حُصُر المسجد وقناديله وبلاطه، كما لو سرق بابه مُسْتَسِراً أو خشبة من سقفه أو من جَوَائزه. وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع في شيء من حُصُر المسجد وقناديله وبلاطه. الثامنة ـ وٱختلف العلماء هل يكون غُرمٌ مع القطع أو لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجتمع الغُرم مع القطع بحال، لأن الله سبحانه قال: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} ولم يذكر غُرْماً. وقال الشافعي: يَغرَم قيمة السرقة موسراً كان أو معسراً، وتكون دَيْناً عليه إذا أيسر أدّاه؛ وهو قول أحمد وإسحاق. وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا: إن كانت العين قائمة ردّها، وإن تَلِفت فإن كان موسراً غَرِم، وإن كان معسراً لم يُتْبع به دَيْناً ولم يكن عليه شيء؛ وروى مالك مثل ذلك عن الزُّهري؛ قال الشيخ أبو إسحاق: وقد قيل إنه يُتْبع بها دَيْناً مع القطع موسراً كان أو معسراً؛ قال: وهو قول غير واحد من علمائنا من أهل المدينة، وٱستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يُسْقِط أحدهما الآخر كالدّية والكفّارة، ثم قال: وبهذا أقول. واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا أُقيم على السارق الحدّ فلا ضمان عليه » تفسير : وأسنده في كتابه. وقال بعضهم: إن الإتباع بالغُرم عقوبة، والقطع عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان؛ وعليه عوّل القاضي عبدالوهاب. والصحيح قول الشافعي ومن وافقه؛ قال الشافعي: يَغرَم السارق ما سَرق موسراً كان أو معسراً؛ قُطِع أو لم يُقطَع، وكذلك إذا قَطَع الطريق؛ قال: ولا يُسقِط الحدُّ لله ما أتلِف للعباد، وأما ما اصبَحّ به علماؤنا من الحديث إذا كان معسراً فيه احتج الكوفيون وهو قول الطَّبري، ولا حجة فيه؛ رواه النسائي والدَّارَاقُطْنيّ عن عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عمر: هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة؛ وقال ابن العربي: وهذا حديث باطل، وقال الطبري: القياس أن عليه غَرْمُ ما استهلك ولكن تركنا ذلك ٱتباعاً للأَثَر في ذلك. قال أبو عمر: ترك القياس لضعيف الأَثر غير جائز؛ لأن الضعيف لا يوجب حُكْماً. التاسعة ـ وٱختلف في قطع يد من سَرق المال من الذي سرقه؛ فقال علماؤنا: يُقطع. وقال الشافعي: لا يقطع؛ لأنه سَرق من غير مالك ومن غير حِرْز. وقال علماؤنا: حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه، ويد السارق كَلاَيد، كالغاصِب لو سُرِق منه المال المغصوب قُطِع؛ فإن قيل: اجعلوا حِرزه كَلاَ حِرْز؛ قلنا: الحِرْز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز. العاشرة ـ وٱختلفوا إذ كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة؛ فقال الأكثر: يُقطَع. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه. وعموم القرآن يوجب عليه القطع، وهو يرد قوله. وقال أبو حنيفة أيضاً في السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع: فإنه لا يُقطَع، والله تعالى يقول: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} فإذا وجب القطع حقاً لله تعالى لم يسقطه شيء. الحادية عشرة ـ قرأ الجمهور «وَالْسَّارِقُ» بالرفع. قال سيبويه: المعنى وفيما فُرِض عليكم السارق والسارقة. وقيل: الرفع فيهما على الإبتداء والخبر {فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}. وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معيناً لوجب النصب؛ تقول: زيداً ٱضربه؛ بل هو كقولك: من سرق فاقطع يده. قال الزجاج: وهذا القول هو المختار. وقرىء «وَالسَّارِقَ» بالنصب فيهما على تقدير ٱقطعوا السارق والسارقة؛ وهو ٱختيار سيبويه لأن الفعل بالأمر أولى؛ قال سيبويه رحمه الله تعالى: الوجه في كلام العرب النصب كما تقول: زيداً ٱضربه؛ ولكن العامة أبت إلا الرفع؛ يعني عامة القراء وجُلّهم، فأنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين. وقرأ ابن مسعود «وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ» وهو يقوي قراءة الجماعة. والسَّرِق والسَّرِقَة بكسر الراء فيهما هو ٱسم الشيء المسروق، والمصدر من سَرق يَسرِق سَرَقاً بفتح الراء. قاله الجوهري. وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه ٱسترق السمع، وسارقه النظر. قال ابن عَرَفة: السارق عند العرب هو من جاء مستتراً إلى حِرْز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختِلس ومُستِلب ومُنتهِب ومُحتِرس، فإن تمنع بما في يده فهو غاصب. قلت: وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «وأسوأ السرقة الذي يَسرِق صلاته» قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» تفسير : أخرجه الموطأ وغيره، فسماه سارقاً وإن كان ليس سارقاً من حيث هو موضع الإشتقاق، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالباً. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {فَٱقْطَعُوۤاْ} القطع معناه الإبانة والإزالة، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته. فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف؛ وهي البلوغ والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه وِلاية، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال؛ لأن العبد وماله لسيده. ولم يُقطَع أحد بأخذ مال عبده لأنه آخذ لماله، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة: غلامكم سرق متاعكم. وذكر الدَّارَقُطْني عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي » تفسير : قال: لم يرفعه غير فهد بن سليمان، والصواب أنه موقوف. وذكر ابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنَشٍّ » تفسير : أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدّثنا أبو أسامة عن أبي عَوَانة عن عمر بن أبي سَلمَة عن أبيه عن أبي هُرَيرة؛ قال ٱبن ماجه: وحدّثنا جُبَارَة بن المُغَلَّس حدّثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مِهران عن ابن عباس:حديث : أن عبداً من رقيق الخُمس سرق من الخُمس، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه. وقال: «مالُ اللّهِ سَرَق بعضه بعضاً» تفسير : وجُبَارة بن المغَلِّس متروك؛ قاله أبو زُرْعَة الرَّازِي. ولا قطع على صبي ولا مجنون. ويجب على الذمي والمعاهد، والحربي إذا دخل بأمان. وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف؛ وهي النّصاب وقد مضى القول فيه. وأن يكون مما يُتمول ويتملك ويحل بيعه، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك وابن القاسم؛ وقيل: لاقطع عليه؛ وبه قال الشافعي وأبوحنيفة؛ لأنه ليس بمال. وقال علماؤنا: هو من أعظم المال؛ ولم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا، ففي ذلك اختلاف بين ٱبن القاسم وأشهب قال ابن القاسم: ولا يقطع سارق الكلب؛ وقال أشهب: ذلك في المنهيّ عن اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه. قال: ومن سرق لحم أْضْحِيَّة أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم. وقال ابن حبيب قال أَصَبَغ: إن سرق الأُضْحِيَّة قبل الذبح قُطِع، وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع. وإن كان مما يجوز إتخاذ أصله وبيعه، فصنع منه ما لا يجوز استعماله كالطُّنْبُور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر؛ فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع. وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز إستعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة. وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصاباً قطع فيه. الوصف الثالث؛ ألا يكون للسارق فيه ملك، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره، ولا شُبْهة مِلك، على إختلاف بين علماؤنا وغيرهم في مراعاة شُبهْة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال؛ لأن له فيه نصيباً. وروى عن علي رضي الله عنه أنه أتى برجل سَرَق مغفرا من الخُمْس فلم ير عليه قطعاً وقال: له فيه نصيب. وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال. وقيل يجب عليه القطع تعلقاً بعموم لفظ آية السرقة. وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير، لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه لا يقطع فيه. وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق. وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حِرْزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حِرْزه؛ فالدور والمنازل والحوانيت حِرْز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حِرْز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئاً. وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام، وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية؛ ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوماً دون قوم؛ ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه. وكذلك المغانم لا تخلو: أن تتعين بالقسمة؛ فهو ما ذكرناه في بيت المال؛ أو تتعين بنفس التناول لمن شهد الوقعة؛ فيجب أن يراعى قدر ما سرق، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع. الرابعة عشرة ـ وظهور الدواب حِرْز لما حملت، وأفنية الحوانيت حِرْز لما وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت، كان معه أهله أم لا؛ سرقت بليل أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها محرزة، كان معها أهلها أم لا؛ فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ؛ ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعاً مَرْبِطاً لدوابه فإنه حِرْز لها. والسفينة حِرْز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة؛ فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كان صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه فربطها حِرز؛ وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة، كالدابة بباب المسجد معها حافظ؛ إلا أن يَنزلوا بالسفينة في سفرهم منزلاً فيربطوها فهو حِرز لها كان صاحبها معها أم لا. الخامسة عشرة ـ ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار. ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئاً وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار؛ لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء، إلا أن تكون دابة في مَرْبطها أو ما يشبهها من المتاع. السادسة عشرة ـ ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما؛ لقوله عليه السلام: « حديث : أنت ومالك لأبيك » تفسير : . ويقطع في سرقة مالهما، لأنه لا شبهة له فيه. وقيل: لا يقطع؛ وهو قول ابن وهب وأشهب؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة، ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فلأن لا يقطع ابنه في ماله أولى. وٱختلفوا في الجدّ؛ فقال مالك وابن القاسم: لا يقطع. وقال أشهب: يقطع. وقول مالك أصح لأنه أب؛ قال مالك: أحب إلي ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة. قال ابن القاسم وأشهب: ويقطع من سواهما من القرابات. قال ابن القاسم: ولا يقطع من سرق من جوع أصابه. وقال أبو حنيفة: لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم؛ وهو قول الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقطع من سرق من هؤلاء. وقال أبو ثور: يقطع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد؛ إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع والله أعلم. السابعة عشرة ـ وأختلفوا في سارق المصحف؛ فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور: يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد؛ وبه قال ابن القاسم. وقال النعمان: لا يقطع من سرق مصحفاً. قال ابن المنذر: يقطع سارق المصحف. وٱختلفوا في الطّرار يَطُرّ النفقة من الكُمّ، فقالت طائفة: يقطع من طَرَّ من داخل الكُم أو من خارج؛ وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق: إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كُمّه فطَرَّها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكُمّ فأدخل يده فسرقها قطع. وقال الحسن: يقطع. قال ابن المنذر: يقطع على أي جهة طَرّ. الثامنة عشرة ـ واختلفوا في قطع اليد في السفر، وإقامة الحدود في أرض الحرب؛ فقال مالك والليث بن سعد: تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام. وقال الأُوزاعيّ: يقيم من غزا على جيش ـ وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار ـ الحدود في عسكره غير القطع. وقال أبو حنيفة: إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره. استدل الأُوزاعيّ ومن قال بقوله بحديث جُنادة بن أبي أُمية قال: كنا مع بُسْر بن أَرْطاة في البحر، فأُتِي بسارق يقال له مِصدر قد سرق بُخْتِية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : لا تقطع الأيدي في الغزو » تفسير : ولولا ذلك لقطعته. بُسْر هذا يقال وُلِد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت له أخبار سوء في جانب عليّ وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن العباس ففقدت أُمهما عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه عليّ رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى بن مَعِين: كان بُسْر بن أَرْطاة رجل سوء. استدل من قال بالقطع بعموم القرآن؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود: مخافة أن يلحق ذلك بالشرك. والله أعلم. التاسعة عشرة ـ فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع؟ فقال الكافة: تقطع من الرسغ والرجل من المَفْصِل، ويحسم الساق إذا قطع. وقال بعضهم: يقطع إلى المرفق. وقيل: إلى المَنْكِب، لأن ٱسم اليد يتناول ذلك. وقال عليّ رضي الله عنه: تقطع الرجل من شطر القدم ويترك له العِقب؛ وبه قال أحمد وأبو ثور. قال ابن المنذر: وقد روينا حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال: «ٱحسِموها» تفسير : وفي إسناده مقال؛ وٱستحب ذلك جماعة منهم الشافعيّ وأبو ثور وغيرهما، وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف. الموفية عشرين ـ لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولاً، ثم ٱختلفوا إن سرق ثانية؛ فقال مالك وأهل المدينة والشافعيّ وأبو ثور وغيرهم: تقطع رجله اليسرى، ثم في الثالثة يده اليسرى، ثم في الرابعة رجله اليمنى، ثم إن سرق خامسة يُعزّر ويُحبس. وقال أبو مُصْعَب من علمائنا: يقتل بعد الرابعة؛ واحتج بحديث خرّجه النسائيّ عن الحارث بن حاطب حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِي بلص فقال: «ٱقتلوه» فقالوا؛ يا رسول الله إنما سرق قال: «اقتلوه» قالوا: يا رسول إنما سرق قال: «ٱقطعوا يده» قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضاً الخامسة فقال أبو بكر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: « ٱقتلوه» ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه؛ منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أَمِّروني عليكم فأَمَّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوهتفسير : . وبحديث جابرحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال: «ٱقتلوه» قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم ٱجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارةتفسير : . رواه أبو داود وخرجه النسائيّ وقال: هذا حديث منكر وأحد رواته ليس بالقوي. ولا أعلم في هذا الباب حديثاً صحيحاً. قال ٱبن المنذر: ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. وقيل: تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر وحبِس؛ وروى عن عليّ ابن أبي طالب، وبه قال الزُّهْرِيّ وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل. قال الزهريّ: لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل. وقال عطاء: تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع: ذكره ٱبن العربي وقال: أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه. الحادية والعشرون ـ وٱختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره فقال قَتَادة: قد أُقيم عليه الحدّ ولا يزاد عليه؛ وبه قال مالك: إذا أخطأ القاطع فقطع شماله، وبه قال أصحاب الرأي ٱستحساناً. وقال أبو ثور: على الحزاز الدّية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع. قال ٱبن المنذر: ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين؛ إما أن يكون القاطع عَمَد ذلك فعليه القَود، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع؛ وقطع يمين السارق يجب، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدّي معتد أو خطأ مخطىء. وقال الثوريّ في الذي يقتص منه في يمينه فيقدّم شماله فتقطع؛ قال: تقطع يمينه أيضاً. قال ٱبن المنذر: وهذا صحيح. وقالت طائفة: تقطع يمينه إذا برىء؛ وذلك أنه هو أتلف يساره، ولا شيء على القاطع في قول أصحاب الرأي، وقياس قول الشافعي. وتقطع يمينه إذا برئت. وقال قَتَادة والشعبيّ: لا شيء على القاطع وحسبه ما قُطِع منه. الثانية والعشرون ـ وتعلق يد السارق في عنقه، قال عبد الله بن مُحَيْرِيز سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو؟ فقال: جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده، ثم أَمَر بها فعلقت في عنقه؛ أخرجه الترمذيّ ـ وقال: حديث حسن غريب ـ وأبو داود والنسائي. الثالثة والعشرون ـ إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلاً؛ فقال مالك: يقتل ويدخل القطع فيه. وقال الشافعي: يقطع ويقتل؛ لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وهو اختيار ابن العربي. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {أَيْدِيَهُمَا} لما قال «أَيْدِيَهُمَا» ولم يقل يديْهما تكلم علماء اللسان في ذلك ـ قال ٱبن العربي: وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن بهم ـ فقال الخليل بن أحمد والفرّاء: كل شيء يوجد من خلق الإنسان إذا أُضيف إلى ٱثنين جمع تقول: هشمت رؤوسهما وأشبعت بطونهما، و { أية : إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4] ولهذا قال: «فَٱقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» ولم يقل يديْهما. والمراد فاقطعوا يميناً من هذا ويميناً من هذا. ويجوز في اللغة؛ فاقطعوا يديهما وهو الأصل؛ وقد قال الشاعر فجمع بين اللغتين: شعر : ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنِ ظُهراهما مِثْلُ ظُهورِ التُّرْسَينِ تفسير : وقيل: فُعِل هذا لأنه لا يشكل. وقال سيبويه: إذا كان مفرداً قد يجمع إذا أردت به التثنية، وحكى عن العرب؛ وضعا رِحالهما. ويريد به رحلي راحِلتيهما؛ قال ابن العربي: وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك، بل تقطع الأيدي والأرجل، فيعود قوله «أيديهما» إلى أربعة وهي جمع في الاثنين، وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته، ولو قال: فاقطعوا أيديهم لكان وجهاً؛ لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة، وإنما هما ٱسما جنس يَعُمّان ما لا يحصى. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدراً وكذا {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} يقال: نكلتُ به إذا فعلت به ما يوجب أن يَنْكُل به عن ذلك الفعل. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} لا يغالب {حَكِيمٌ} فيما يفعله؛ وقد تقدّم. السادسة والعشرون ـ قوله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} شرط؛ وجوابه {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ}. ومعنى {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} من بعد السرقة؛ فإن الله يتجاوز عنه. والقطع لا يسقط بالتوبة. وقال عطاء وجماعة: يسقط بالتوبة قبل القدرة على السارق. وقاله بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولاً. وتعلقوا بقول الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} وذلك ٱستثناء من الوجوب، فوجب حمل جميع الحدود عليه. وقال علماؤنا: هذا بعينه دليلنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حدّ المحارب قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} وعطف عليه حدّ السارق وقال فيه: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} فلو كان مثله في الحكم ما غاير الحكم بينهما. قال ابن العربي: ويا معشر الشافعية سبحان الله! أين الدقائق الفقهية، والحكم الشرعية، التي تستنبطونها من غوامض المسائل؟ٰ ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه، المعتدي بسلاحه، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والرّكاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة ٱستنزالاً عن تلك الحالة، كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف ٱستئلافاً على الإسلام؛ فأما السارق والزاني وهما في قبضة المسلمين وتحت حكم الإمام، فما الذي يسقط عنهم حكم ما وجب عليهم؟ٰ أو كيف يجوز أن يقال: يقاس على المحارب وقد فرّقت بينهما الحكمة والحالة! هذا ما لا يليق بمثلكم يا معشر المحققين. وإذا ثبت أن الحدّ لا يسقط بالتوبة فالتوبة مقبولة والقطع كفارة له. «وَأَصْلَحَ» أي كما تاب عن السرقة تاب عن كل ذنب. وقيل: «وَأَصْلَحَ» أي ترك المعصية بالكلية، فأما من ترك السرقة بالزنى أو التهوّد بالتنصُّر فهذا ليس بتوبة، وتوبة الله على العبد أن يوفقه للتوبة. وقيل: أن تقبل منه التوبة. السابعة والعشرون ـ يقال: بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك؟ فالجواب أن يقال: لما كان حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في الموضعين؛ هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه في سورة «النور» من البداية بها على الزاني إن شاء الله. ثم جعل الله حدّ السرقة قطع اليد لتناول المال، ولم يجعل حدّ الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به لثلاثة معان: أحدها ـ أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن ٱنزجر بها ٱعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو ٱنزجر بقطعه. الثاني ـ أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر: وقطع الذكر في الزنى باطن. الثالث ـ أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطاله. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} جملتان عند سيبويه إذ التقدير فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، وجملة عند المبرد والفاء للسببية دخل الخبر لتضمنهما معنى الشرط إذ المعنى: والذي سرق والتي سرقت، وقرىء بالنصب وهو المختار في أمثاله لأن الإِنشاء لا يقع خبراً إلا بإضمار وتأويل. والسرقة: أخذ مال الغير في خفية، وإنما توجب القطع إذا كانت من حرز والمأخوذ ربع دينار أو ما يساويه لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : القطع في ربع دينار فصاعداً»تفسير : وللعلماء خلاف في ذلك لأحاديث وردت فيه وقد استقصيت الكلام فيه في شرح المصابيح، والمراد بالأيدي الإيمان ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه أيمانهما، ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4] اكتفاء بتثنية المضاف إليه، واليد اسم لتمام العضو ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب، والجمهور على أنه الرسغ لأنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه. {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ} منصوبان على المفعول له أو المصدر ودل على فعلهما فاقطعوا {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى حاكماً وآمراً بقطع يد السارق والسارقة، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي: أن ابن مسعود كان يقرؤها: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما} وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقاً لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر، وقد كان القطع معمولاً به في الجاهلية، فقرر في الإسلام، وزيدت شروط أخر؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال: إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلاً يقال له: دويك، مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم، فوضعوه عنده، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً، قطعت يده به، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لعموم هذه الآية: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} فلم يعتبروا نصاباً ولا حرزاً، بل أخذوا بمجرد السرقة. وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن عن نجدة الحنفي، قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} أخاص أم عام؟ فقال: بل عام، وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم. وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» تفسير : وأما الجمهور، فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة، فعند الإمام مالك بن أنس رحمه الله النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها، أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه، وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، أخرجاه في الصحيحين، قال مالك رحمه الله: وقطع عثمان رضي الله عنه في أترجة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك، وهذا الأثر عن عثمان رضي الله عنه قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن سارقاً سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تقوم، فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهماً، فقطع عثمان يده. قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار؛ خلافاً للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم؛ خلافاً لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، والله أعلم. وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار، أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعداً، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً»تفسير : ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» تفسير : قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار، لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم، لا ينافي هذا؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهماً، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، رحمهم الله. وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحداً منهما، أو ما يساويه، قطع؛ عملاً بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة رضي الله عنها، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك» تفسير : وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهماً. وفي لفظ للنسائي: «حديث : لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن»تفسير : . قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار، فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم. وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، رحمهم الله، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، حدثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم، ثم قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن» تفسير : وكان ثمن المجن عشرة دراهم، قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم، أو دينار، أو ما يبلغ قيمته واحداً منهما، يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى. وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس، أي: في خمسة دنانير، أو خمسين درهماً، وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله. وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: «حديث : يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» تفسير : بأجوبة (أحدها): أنه منسوخ بحديث عائشة، وفي هذا نظر؛ لأنه لا بد من بيان التاريخ. (والثاني): أنه مؤول ببيضة الحديد، وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه. (والثالث): أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية؛ حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعراً دل على جهله وقلة عقله، فقال:شعر : يَدٌ بِخَمْسِ مِئِيْنَ عسجد وُدِيَتْ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دينارِ تناقُضٌ مالنا إلا السُّكوتُ لَهُ وأَنْ نَعوذَ بِمَوْلانا مِنَ النارِ تفسير : ولما قال ذلك، واشتهر عنه، تطلبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أن قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت، هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة، وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار؛ لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: مجازاة على صنيعهما السيىء في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك نكالاً من الله، أي: تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك، {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} أي: في انتقامه، {حَكِيمٌ} أي: في أمره ونهيه، وشرعه وقدره. ثم قال تعالى: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: من تاب بعد سرقته، وأناب إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس، فلا بد من ردها إليهم، أو بدلها، عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: متى قطع، وقد تلفت في يده، فإنه لا يرد بدلها، وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: «حديث : ما إخاله سرق» تفسير : فقال السارق: بلى يا رسول الله، قال: «حديث : اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به» تفسير : فقطع، فأتي به، فقال: «حديث : تب إلى الله» تفسير : فقال: تبت إلى الله، فقال: «حديث : تاب الله عليك»تفسير : . وقد روي من وجه آخر مرسلاً، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة، رحمهما الله. وروى ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني سرقت جملاً لبني فلان، فطهرني، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا افتقدنا جملاً لنا، فأمر به، فقطعت يده، وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حلياً، فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقطعوا يدها اليمنى» تفسير : فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك»تفسير : ، قال: فأنزل الله عز وجل: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقطعوا يدها»تفسير : ، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: «حديث : اقطعوا يدها» تفسير : فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك»تفسير : ، فأنزل الله في سورة المائدة: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين من رواية الزهري عن عروة، عن عائشة: أن قريشاً أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة ابن زيد، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : أتشفع في حد من حدود الله عز وجل؟» تفسير : فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «حديث : أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها»تفسير : ، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لفظ مسلم. وفي لفظ له: عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعاً على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقطع يدها، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، وهذا لفظه، وفي لفظ له: أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس، ثم تمسكه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله، وترد ما تأخذ على القوم»تفسير : ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قم يا بلال فخذ بيدها، فاقطعها»تفسير : . وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة، ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه، الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد، {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } «أل» فيهما موصولة مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } أي يمين كل منهما من الكوع وبينت السنة أن الذي يقطع فيه ربع دينار فصاعداً، وإنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وبعد ذلك يعزّر {جَزَاء } نصب على المصدر {بِمَا كَسَبَا نَكَٰلاً } عقوبة لهما {مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } غالب على أمره {حَكِيمٌ } في خلقه.
الشوكاني
. تفسير : لما ذكر سبحانه حكم من يأخذ المال جهاراً وهو المحارب، عقبه بذكر من يأخذ المال خفية، وهو السارق، وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان لأن غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع الأحكام. وقد اختلف أئمة النحو في خبر السارق والسارقة، هل هو مقدر أم هو فاقطعوا؟ فذهب إلى الأول سيبويه، وقال تقديره: فيما فرض عليكم أو فيما يتلى عليكم، السارق والسارقة: أي حكمهما. وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت، وقرىء: "وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ" بالنصب على تقدير اقطعوا، ورجح هذه القراءة سيبويه، قال: الوجه في كلام العرب النصب، كما تقول زيداً اضربه، ولكن العامة أبت إلا الرفع، يعنى عامة القراء، والسرقة بكسر الراء اسم الشيء المسروق، والمصدر من سرق يسرق سرقاً قاله الجوهري وهو أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه استرق السمع، وسارقه النظر. قوله: {فَٱقْطَعُواْ } القطع معناه الإبانة والإزالة، وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين تثنيتين، وقد بينت السنة المطهرة أن موضع القطع الرسغ. وقال قوم: يقطع من المرفق. وقال الخوارج: من المنكب. والسرقة لابد أن تكون ربع دينار فصاعداً، ولا بد أن تكون من حرز، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة. وقد ذهب إلى اعتبار الربع الدينار الجمهور. وذهب قوم إلى التقدير بعشرة دراهم. وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز. وقال الحسن البصري إذا جمع الثياب في البيت قطع. وقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه، وشرّاح الحديث، بما لا يأتي التطويل به ها هنا بكثير فائدة. قوله: {جَزَاء بِمَا كَسَبَا } مفعول له: أي فاقطعوا للجزاء، أو مصدر مؤكد لفعل محذوف: أي فجازوهما جزاء، والباء سببية، وما مصدرية أي بسبب كسبهما، أو موصولة أي جزاء بالذي كسباه من السرقة. وقوله: {نَكَـٰلاً } بدل من جزاء؛ وقيل هو علة للجزاء: والجزاء علة للقطع، يقال نكلت به: إذا فعلت به ما يجب أن ينكل به عن ذلك الفعل. قوله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ } السياق يفيد أن المراد بالظلم هنا السرقة، أي فمن تاب من بعد سرقته، وأصلح أمره {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } ولكن اللفظ عام، فيشمل السارق وغيره من المذنبين، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد استدلّ بهذا عطاء، وجماعة، على أن القطع يسقط بالتوبة، وليس هذا الاستدلال بصحيح، لأن هذه الجملة الشرطية لا تفيد إلا مجرد قبول التوبة، وإن الله يتوب على من تاب، وليس فيها ما يفيد أنه لا قطع على التائب. وقد كان في زمن النبوّة يأتي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجب عليه حدّ تائباً عن الذنب الذي ارتكبه، طالباً لتطهيره بالحدّ، فيحدّه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للسارق بعد قطعه: «حديث : تب إلى الله" تفسير : ثم قال "حديث : تاب الله عليك»تفسير : . أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد وغيره، أن هذه الآية نزلت في المرأة التي كانت تسرق المتاع، لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم بعد قطعها، هل لي من توبة. وقد ورد في السنة ما يدلّ على أن الحدود إذا رفعت إلى الأئمة وجبت وامتنع إسقاطها. قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } هذا الاستفهام للإنكار مع تقرير العلم، وهو كالعنوان لقوله: {يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أي: من كان له ملك السموات والأرض، فهو قادر على هذا التعذيب الموكول إلى المشيئة والمغفرة الموكولة إليها. وقد أخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } قال: لا ترثوا لهم فيه فإنه أمر الله الذي أمر به. قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اشتدوا على الفساق، واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } يقول: الحدّ كفارته. والأحاديث في قدر نصاب السرقة، وفي سائر ما يتعلق بتفاصيل هذا الحدّ مذكورة في كتب الحديث، فلا نطيل بذلك.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور القراء "والسارقُ والسارقةُ" بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة "والسارقَ والسارقَةَ" بالنصب، قال سيبويه رحمه الله الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيداً اضربه، ولكن أبت العامة إلا الرفع يعني عامة القراء وجلهم، قال سيبويه الرفع في هذا وفي قوله: {أية : الزانية والزاني} تفسير : [النور:2] وفي قول الله: {أية : واللذان يأتيانها منكم} تفسير : [النساء:16] هو على معنى فيما فرض عليكم. والفاء في قوله تعالى: {فاقطعوا} ردت المستقل غير مستقل، لأن قوله فيما فرض عليكم السارق جملة حقها وظاهرها الاستقلال، لكن المعنى المقصود ليس إلا في قوله: {فاقطعوا} فهذه الفاء هي التي ربطت الكلام الثاني بالأول وأظهرت الأول هنا غير مستقل، وقال أبو العباس المبرد وهو قول جماعة من البصريين، اختار أن يكون "والسارقُ والسارقةُ" رفعاً بالابتداء لأن القصد ليس إلى واحد بعينه فليس هو مثل قولك، زيداً فاضربه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده، قال الزجاج وهذا القول هو المختار. قال القاضي أبو محمد: أنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين، وقرأ عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم"، وقال الخفاف: وجدت في مصحف أبي بن كعب "والسُّرَّق والسُّرَّقة" هكذا ضبطا بضم السين المشددة وفتح الراء المشددة فيهما هكذا ضبطهما أبو عمرو. قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط لأن قراءة الجماعة إذا كتب "السارق" بغير ألف وافقت في الخط هذه، وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه، فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال لخبث هذا المنزع وقلة العذر فيه، وحاط الله تعالى البشر على لسان نبيه بأن القطع لا يكون إلا بقرائن، منها الإخراج من حرز، ومنه القدر المسروق على اختلاف أهل العلم فيه، ومنها أن يعلم السارق بتحريم السرقة، وأن تكون السرقة فيما يحل ملكه، فلفظ {السارق} في الآية عموم معناه الخصوص، فأما القدر المسروق فقالت طائفة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً, قال به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وعائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور، وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : القطع في ربع دينار فصاعداً تفسير : وقال مالك رحمه الله: تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهي ربع دينار لانحطاط الصرف لم يقطع وكذلك العروض لا يقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قطع فيها قل الصرف أو كثر، وفي القطع قول رابع وهو أن لا قطع إلا في خمسة دراهم أو قيمتها، روي هذا عن عمر، وبه قال سليمان بن يسار وابن ابي ليلى وابن شبرمة، ومنه قول أنس بن مالك: قطع أبو بكر في مجنّ قيمته خسمة دراهم. قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا على أن الخمسة حد وقال أبو حنيفة وأصحابه وعطاء: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري: لا تقطع اليد في أقل من أربعة دراهم، وقال عثمان البتي: تقطع اليد في درهمين فما فوقه، وحكى الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: تقطع اليد في كل ما له قيمة قل أو كثر على ظاهر الآية. وقد حكى الطبري نحوه عن ابن عباس، وهو قول أهل الظاهر وقول الخوارج، وروي عن الحسن أيضاً أنه قال: تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد فاتفق رأينا على درهمين وأكثر العلماء على أن التوبة لا تسقط عن السارق القطع، وروي عن الشافعي أنه إذا تاب قبل أن يقدر عليه وتمتد إليه يد الأحكام فإن القطع يسقط عنه قياساً على المحارب، وجمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا جمع الثياب في البيت قطع وإن لم يخرجها، وقوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} جمع الأيدي من حيث كان لكل سارق يمين واحدة وهي المعرضة للقطع في السرقة أولاً فجاءت للسراق أيد وللسارقات أيد، فكأنه قال اقطعوا أَيمان النوعين فالتثنية في الضمير إنما هي للنوعين. قال الزجاج عن بعض النحويين، إنما جعل تثنية ما في الإنسان منه واحد جمعاً كقوله: {أية : صغت قلوبكما} تفسير : [التحريم:4] لأن أكثر أعضائه فيه منه اثنان فحمل ما كان فيه الواحد على مثال ذلك قال أبو إسحاق: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على لفظ الجمع لأن الإضافة تبينه. فإذا قلت أشبعت بطونهما علم أن للاثنين بطنين. قال القاضي أبو محمد: كأنهم كرهوا اجتماع تثنيتين في كلمة. واختلف العلماء في ترتيب القطع، فمذهب مالك رحمه الله وجمهور الناس أن تقطع اليمنى من يد السارق ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عزر وحبس، وقال علي بن أبي طالب والزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل: تقطع يده اليمنى ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى ثم إن سرق عزر وحبس. وروي عن عطاء بن أبي رباح: لا تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط ثم إن سرق عزر وحبس. قال القاضي أبو محمد: وهذا تمسك بظاهر الآية، والقول شاذ فيلزم على ظاهر الآية أن تقطع اليد ثم اليد. ومذهب جمهور الفقهاء أن القطع في اليد من الرسغ وفي الرجل من الفصل، وروي عن علي بن أبي طالب أن القطع في اليد من الأصابع وفي الرجل من نصف القدم. وقوله تعالى: {جزاء بما كسبا} نصبه على المصدر، وقال الزجاج مفعول من أجله. وكذلك: {نكالاً من الله} والنكال العذاب، والنكل القيد، وسائر معنى الآية بيّن وفيه بعض الإعراب حكاية.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالسَّارِقُ} قدم السارق على السارقة والزانية على الزاني لأن الرجل أحرص على المال من المرأة والمرأة أحرص على الاستمتاع منه، وقطعت يد السارق لوقوع السرقة بها، ولم يقطع الذكر وإن وقعت الخيانة به لأن في قطعه فوات النسل، أو لأن الزجر لا يحصل به لخفائه بخلاف اليد فإنها ظاهرة، أو لأن السارق إذا انزجر بقي له مثل يده بخلاف الزاني إذا انزجر فإنه لا يبقى له ذكر آخر. قيل نزلت في طعمة بن أبيرق وفي وجوب الغرم مع القطع مذهبان.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا...} الآيةَ: قلت: المسروقُ: مال أو غيره. فشرط المال: أنْ يكون نصاباً، بعد خروجه، مملوكاً لغير السارقِ، ملكاً محترماً, تامًّا، لا شُبهة له فيه، مُحْرَزاً، مُخْرَجاً منه إلَىٰ ما ليس بِحِرْزٍ له، ٱستسراراً. فالنصاب: ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوِي ثلاثة دراهمَ، وقوله: {أَيْدِيَهُمَا} يعني: أَيْمانَ النوعَيْن، والنَّكَال: العذابُ، والنِّكْل: القَيْد. وقوله سبحانه: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ...} الآية: جمهورُ العلماءِ علَىٰ أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ: إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع؛ قياساً علَىٰ توبة المُحَارِبِ. وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} أي: فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو.
ابن عادل
تفسير : "و" في اتِّصالها وجهان: الأوَّل: أنه لما أوْجَبَ في الآية المتقدِّمة قَطْع الأيْدي والأرْجُل عند أخذ المالِ على سبيل [المحاربة، بيَّن في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل] السَّرِقَة يُوجبُ قطع الأيدي، والأرجُل أيضاً. الثاني: أنَّهُ لما ذكر تَعْظِيم أمْر القَتْلِ حيث قال: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَو فسادٍ في الأرض] فكأنما قتل النَّاس جميعاً ومنْ أحيَاها فكأنَّما أحْيَا النَّاس جميعاً} ذكره بعد الجنايات التي تُبيحُ القَتْلَ والإيلام فذكر: أولاً: قطع الطريق. وثانياً: من السَّرقة. قوله تعالى: "والسَّارقُ والسَّارقَةُ" قرأ الجمهور بالرفع. وعيسى بن عُمَر وابن أبي عبلة بالنَّصْبِ. ونقل عن أبيّ: "والسُّرَّق والسُّرَّقة" بضم السِّين وفتح الرَّاء مُشَدَّدَتَيْن؛ قال الخَفَّاف: "وجدته في مُصْحَفِ أبَيّ كذلك". وممن ضبطهما بما ذكرت أبو عمرو، إلاَّ أن ابن عطيَّة جعل هذه القِراءة تَصْحيفاً [فإنَّه قال: "ويُشبهُ أنْ يكُون هذا تَصْحِيفاً] من الضابط". لأن قراءة الجماعة إذا كتبت: "والسّرق": بغير ألف وافقت في الخط هذه، قلت: ويمكن توجيه هذا القِرَاءة بأنَّ "السرق" جمع "سَارِق"، فإنَّ فُعَّلاً يَطّرد جَمْعاً لفاعِل صِفَةً، نحو ضارِب وضُرَّب. والدَّليل على أنَّ المراد الجمع قراءة عبد الله "والسَّارقون والسَّارقَات" بصيغتي جمع السلامة، فدلَّ على أنَّ المُرَاد الجَمْع، إلا أنه يَشْكُل في أنّ "فُعَّلا" يكُون من جمع: فاعِل وفاعلة تقول: نِسَاءٌ ضُرَّب، كما تقول: رِجَالٌ ضُرَّب، ولا يُدْخِلُون عليه تاء التَّأنِيث حيث يُرادُ به الإنَاثُ، والسُّرَّقة هنا - كما رأيت - في هذه القراءة بِتَاءِ التَّأنيث، حيث أُرِيد بـ "فُعَّل" جمع فاعلة، فهو مُشْكِلٌ من هذه الجِهَة لا يقال: إن هذه التَّاء يجوز أن تكُون لِتَأكِيد الجمع؛ لأنَّ ذلك محفُوظٌ لا يُقَاس عليه نحو: "حِجَارة" وأمَّا قِرَاءَةُ الجُمْهُور فَفِيهَا وجهان: أحدهما: هو مذهَبُ سيبَوَيْه، والمشهُور من أقوال البَصريِّين أن "السَّارِق" مبتدأ مَحْذُوف الخَبَر تقديرُهُ: {فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُم} أو فيما فَرَضَ - "السَّارِق" و"السَّارِقَة" أي: حُكم السَّارِق، وكذا قوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2]. ويكون قوله: "فَاقْطَعُوا" بياناً لذلك الحُكم المقدَّر، فما بعد الفاء مُرْتَبِطٌ بما قَبْلَها، ولذلك أتى بها فيه؛ لأنَّهُ هُوَ المَقْصُود. ولو لم يَأتِ بالفَاءِ لَتوهّم أنه أجْنَبِيّ والكلامُ على هذا جُملتان: الأولى: خَبَريَّة، والثَّانية: أمْرِيَّة. والثاني: وهو مذهب الأخْفَش، ونُقِلَ عن المُبَرِّد وجماعة كثيرة أنَّهُ مُبْتَدأ أيضاً، والخبر الجُمْلَةُ الأمْرِية من قوله: "فاقْطَعُوا"، وإنَّما دخلت الفاء في الخَبَر؛ لأنه يُشْبِهُ الشَّرْط؛ إذ الألِفُ واللاَّم فيه موصُولة، بمعنى "الَّذِي" و"الَّتِي" والصفَةُ صلتُهَا، فهي في قُوَّةِ قولك: "والذي سرق والتي سَرَقَت فاقْطَعُوا"، وهو اختيار الزَّجَّاج. وما يدلُّ على أنَّ المراد من الآيَة الشَّرْط والجزاء وُجُوه: الأوَّل: أنه تعالى صَرَّح بذلك في قوله تعالى {جَزَاء بما كَسَبَا}. وهذا يدلُّ على أنَّ القَطْع جزاءٌ على فِعْل السَّرِقة، فوجَبَ أن يَعُمَّ الجَزَاء لعُموم الشَّرط. والثاني: أن السَّرِقة جناية، والقطع عُقُوبة، فربط العُقُوبة بالجناية مناسب، وذكر الحُكم عَقِيب الوَصْف المُنَاسب يدلُّ على أنَّ الوصْفَ عِلَّة لذلك الحُكم. الثالث: أنّا إذا حملنا الآيَة على هذا الوجه كانت [الآية] مُفِيدة، ولوْ حملْنَاها على سَارِقٍ مُعَيَّن صَارَت مُجْمَلة غير مفيدة، فالأوَّل أوْلى. وأجاز الزمَخْشَري الوجهَيْن، ونسب الأوَّل لسيبَويه، ولم يَنْسِبِ الثَّانِي، بل قال: وَوَجْهٌ آخر، وهو أن يَرْتفعَا بالابْتداء، والخبر: "فَاقْطَعُوا". وإنما اخْتَارَ سيبوَيْه أنَّ خبره مَحْذوف كما تقدَّم تقديرُه دون الجُمْلَة الطَّلَبِيَّة بعده لوجْهَيْن: أحدهما: النَّصْب في مثله هو الوجه في كلام العرب، نحو: "زَيْداً فاضْرِبْهُ" لأجل الأمْرِ بعده. قال سيبويه في هذه الآية: الوجْهُ في كلام العرب النَّصب، كما تقول "زَيْداً فاضْرِبْه"، ولكن أبتِ العَامَّةُ إلاَّ الرَّفع. والثاني: دخول الفَاءِ في خَبَره، وعنده أنَّ "الفَاء" لا تدخل إلا في خبر الموصُول الصَّرِيح كـ "الذي"، و"من"، بشُرُوط أخر مذكورة في كُتُبِ النَّحْو، وذلك لأنَّ الفَاء إنَّما دَخَلَتْ لِشَبَهِ المُبْتَدأ بالشَّرْط، واشْتَرَطُوا أن تَصْلُح لأداة الشَّرْط من كَوْنِهَا جُمْلَة فعلية مستقبلة المَعْنَى، أو ما يقوم مقامَها من ظَرْفٍ وشِبْهِهِ، ولذلك إذا لم تَصْلُح لأداة الشَّرْط، لم يَجُزْ دخول الفَاء في [الخبر، وصِلَةُ "أل" لا تَصْلُح لِمُبَاشرة أدَاةِ الشَّرْط فلذلك لا تدخل الفاء في] خبرها، وأيضاً فـ "ألْ" وصلَتُها في حكم اسْمٍ واحدٍ، ولذلك تَخَطَّاهَا الإعْرَاب. وأما قِرَاءة عِيسى بن عمر، وإبراهيم: فالنَّصْب بفعل مُضْمَرٍ يُفَسِّره العَامِل في سببيهما نحو: "زَيْداً فأكْرِمْ أخاهُ"، والتقدير: "فعاقِبُوا السَّارِق والسَّارِقَة" تقدِّره فِعْلاً من معناه، نحو "زَيْداً ضَرْبتُ غُلامه"، أي: "أهَنْتُ زَيْداً". ويجُوز أن يقدَّر العامِل موافقاً لَفْظاً؛ لأنَّه يُسَاغ أن يُقَال: قطعت السَّارِق وهذه قراءة واضِحَة لمكان الأمر بعد الاسم المُشْتَغِل عَنْهُ. قال الزَّمَخْشَرّيُّ: وفَضَّلها سيبوَيْه على قِرَاءَة العامَّة؛ لأجل الأمْر؛ لأن "زَيْداً فاضْرِبْه" أحْسَن من "زيدٌ فاضْرِبه". وفي نقله تَفْضيل النَّصْب على قراءة العامَّة نظر، ويظهر ذلك بنصِّ سيبويه. قال سيبويه: الوجْهُ في كلام العرب النَّصْب، [كما تقُول: "زيداً اضْرِبْه"؛ ولكن أبت العامَّة إلا الرَّفع، وليس في هذا ما يَقْتَضِي تَفْضِيل النَّصْب بل مَعْنى] كلامه أن هذه الآية لَيْسَتْ من الاشتِغَال في شَيْء؛ إذ لو كان من باب الاشْتِغَال لكانَ الوَجْهُ النَّصب، ولكن لم يقْرَأها الجُمْهُور إلا بالرَّفْع، فَدَلَّ على أنَّ الآيَة محمولة على كلامين كما تقدَّم، لا على كلامٍ واحد، وهذا ظَاهِرٌ. وقد رد ابن الخَطِيب على سيبويه بِخَمْسَةِ أوْجُه، وذلك أنه فهم كما فهم الزَّمَخْشَرِيُّ من تفضيل النًّصْب، فقال: الذي ذهب إليه سيبويه ليس بِشَيْء، ويدل على فَسَادِه وُجُوه: الأول: أنه طعنٌ في القِرَاءة المُتَوَاتِرَة المَنْقُولة عن الرَّسُول وعن أعْلام الأمَّة، وذلك بَاطِلٌ قَطْعاً، فإن قال سيبويه: لا أقُول: إنَّ القراءة بالرَّفْع غير جَائِزة، ولكنِّي أقُول: قِرَاءة النَّصْب أوْلَى، فنقول: رَدِيءٌ أيْضاً؛ لأن تَرْجِيح قِرَاءة لم يَقْرَأ بِها إلاَّ عيسَى بن عمر على قِرَاءة الرَّسُول وجميع الأمَّة في عَهْد الصَّحابة والتَّابعين أمر مُنْكَر، وكلام مَرْدُودٌ. الثاني: لو كانت القراءة بالنَّصْب أوْلَى، لَوَجَبَ أنْ يكون في القُرَّاء من يَقْرأ: {واللّذين يَأتيَانها مِنكُمْ فآذُوهُمَا} [النساء: 16]، بالنَّصْب، ولمَّا لم يوجد في القُرَّاء من يقرأ كذلك، عَلِمْنا سقوط هذا القَوْل. الثالث: أنَّا إذا جَعَلْنَا "السَّارِق والسَّارِقة" مُبْتَدأ، وخبره مُضمَر وهو الذي يقدِّره "فيما يُتلَى عليْكُم" بقي شيءٌ آخر يتعلَّق به الفاء في قوله: "فَاقْطَعُوا". فإن قال: الفاء تتعلَّق بالفعل الذي دلَّ عليه قوله: {والسَّارِق والسَّارِقَةُ}، يعني: أنَّه إذا أتى بالسَّرِقة فاقْطَعُوا يَدَهُ. فنقول: إذا احْتجت في آخِر الأمْر أنْ تَقُول: السَّارِق والسَّارِقة تقديره: "مَنْ سَرَقَ"، فاذكر هذا أوَّلاً، حتى لا تَحْتَاج إلى الإضْمَار الذي ذكرته. الرابع: أنا إذا اخْتَرْنَا القراءة [بالنصب لم يَدُلَّ ذلك على أنَّ السَّرِقة علةٌ لوجُوب القَطْع، وإذا اخْتَرْنَا القِرَاءة بالرَّفْع] أفادتِ الآيةُ هذا المَعْنَى ثم إنَّ هذا المعنى مُتأكد بقوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا}، فثَبَت أنَّ القراءة بالرَّفْعِ أوْلَى. الخامس: أنَّ سيبويه قال: "وَهُم يُقَدِّمُون الأهَمَّ، والذي هم بِبَيَانه أعْنَى" فالقِرَاءة بالرَّفْع تَقْتَضِي تقْديم ذكر كَوْنه سَارِقاً على ذِكْرِ وُجُوبِ القَطْع، وهذا يَقْتَضِي أن يكُون أكبر العِنَايَةِ مَصْرُوفاً إلى شَرْح ما يتعلَّق بِحَال السَّارِق مِنْ حَيْثُ إنَّه سَارِقٌ. وأمَّا قراءة النَّصْبِ، فإنها تَقْتَضِي أنْ تكُون العِنَايَةُ بِبَيانِ القَطْع أتم من العِنايَة بكونه سَارِقاً، ومَعْلُوم أنَّه لَيْسَ كذلك، فإنَّ المَقصُود في هذه الآية تَقْبِيحُ السَّرِقَة، والمُبَالَغة في الزَّجْر عنها، فثبت أنَّ القراءة بالرَّفْع هي المُتعينَة. انتهى ما زعَم أنه رَدّ على إمَام الصِّنَاعة، والجواب عن الوجْهِ الأوَّل ما تقدَّم جواباً عمَّا قالهُ الزَّمَخْشَرِي [وقد تقدَّم]، ويُؤيِّدُه نصُّ سيبويه، فإنَّه قال: وقد يَحْسُن ويستَقِيمُ: "عَبْدُ الله فاضْرِبْه"، إذا كان مَبْنِيّاً على مُبْتدأ مُظْهر أو مُضْمَر. فأمَّا في المُظْهَر، فقوله: "هَذَا زَيْدٌ فاضْرِبْه" وإن شِئْتَ لم تُظْهِر هذا، ويعمل كعملِهِ إذا كان مُظْهراً، [وذلك] قولُك: "الهِلال والله فانْظُرْ إليه"، فَكَأنَّك قُلْت: "هذا الهِلالُ"، ثُمَّ جِئْت بالأمْر. ومن ذلك قول الشَّاعِر: [الطويل] شعر : 1963- وقَائِلَةٍ: خَوْلانُ فَانِكحْ فَتَاتَهُمْ وَأكْرُومةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا تفسير : هكذا سُمِعَ من العربِ تُنْشِدُهُ، يعني بِرَفْعِ "خَوْلان"، فمع قوله: "يَحْسُن ويستقيم" كيف [يكون] طاعِناً في الرَّفْع؟. وقوله: "وإن قَالَ سيبويه..." الخ فسِيبَويْه لا يقول ذَلِكَ، وكَيْفَ يَقُولُهُ، وقد رَجح الرَّفع بما أوْضَحْتُهُ. وقوله: "لَمْ يَقْرأ بها إلاَّ عيسى" لَيْس كما زَعَمَ بل قَرَأ بها جماعةٌ كإبْراهيم بن أبي عَبْلَة. وأيضاً فهؤلاء لم يَقْرءُوهَا من تِلْقَاءِ أنْفُسِهِم، بل نَقَلُوهَا إلى أنْ تَتّصل بالرَّسُول صلى الله عليه وسلم، غاية ما في البَابِ أنَّها لَيْسَت في شُهْرَةِ الأولى. وعن الثاني: أنَّ سيبويه لم يَدَّعِ تَرْجيحَ النَّصْب حتى يُلْزَم بما قَاله، بل خَرَّج قراءة العامَّة على جُملتَيْن، لما ذكرت لَكَ فيما تقدَّم من دُخُول الفاءِ، ولذلك لمَّا مثَّل سيبويه جُمْلَة الأمْرِ والنَّهْي بعد الاسْمِ مثلهما عاريَتَيْن من الفَاء، قال: وذلِكَ قولك: "زَيْداً اضْربْه" و"عَمْراً امْرُر به". [وعن] الثالث: ما تقدَّم من الحِكْمَة المُقْتَضِيَة للْمَجِيء بالفاء، وكونها رَابِطَةٌ للحكم بما قَبْلَه. وعن الرابع: بالمنع أن يكون بَيْن الرَّفْع والنَّصب فَرْق، بأنَّ الرَّفع يَقْتَضِي العِلَّة، والنَّصْب لا يَقْتَضِيه، وذلك أنَّ الآيَة من باب التَّعْلِيل بالوَصْفِ المرتَّب عليه الحُكْم، ألا ترى أن قولك: "اقطع السَّارق" يفيد العِلَّة، [أي: إنَّه] جعل عِلَّة القَطْع اتِّصافه بالسَّرِقة، فهذا يُشْعِر بالعِلَّة مع التصريح بالنصب. الخامس: أنهم يُقَدِّمون الأهَمَّ، حيث اخْتَلَفَتِ النِّسْبَةُ الإسْنَادية كالفاعل مع المفعول، ولنسرد نصّ سيبويه ليتبين ما ذكرْنَاه. قال سيبَوَيْه: فإن قدَّمْت المَفْعُول، وأخَّرْت الفاعل جرى اللَّفظ كما جَرَى في "الأوَّل"، يعني في "ضَرَب عَبْدُ الله زَيْداً" قال: "وذلك: ضَرَبَ زيداً عبد الله لأنَّك إنَّما أردت به مُؤخَّراً ما أرَدْت به مُقَدَّماً، ولم تُرِدْ أن يَشْتَغِل الفِعْل بأوَّل منه، وإن كان مُؤخَّراً في اللَّفْظ، فمن ثَمَّ كان حَدُّ اللَّفْظِ أن يكون فيه مُقَدَّماً، وهو عربي جيد كثير، لأنهم يُقَدِّمُون الذي بَيَانُه أهَمُّ لهم، وهم ببيانهِ أعْنَى، وإن كانا جَمِيعاً يُهِمَّانِهم ويعنيانهم". والآيَةُ الكَريمَةُ لَيْسَت من ذلك. قوله: "أيْدِيهمَا" جمع واقعٌ موقِع التَّثْنِية: لأمْن اللَّبْس، لأنَّهُ معلُوم أنَّه يقطع من كل سَارِق يَمِينه، فهو من باب {أية : صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]، ويدلُّ على ذلك قراءة عبد الله: "فاقْطَعُوا أيْمَانَهُمَا" واشْتَرَط النَّحْوِيُّون في وُقُوع الجَمْعِ موقع التَّثْنِية شُرُوطاً، من جملتها: أنْ يكون ذلك الجُزْء المُضَاف مُفْرَداً من صاحِبِه نحو: "قُلُوبكما" و"رُوس الكَبْشَيْنِ" لأمْنِ الإلْبَاس، بخلافِ العَيْنَيْنِ واليَدين والرِّجليْن، لو قلت: "فَقَأت أعينهما"، وأنت تعني عينيهما، و"كتَّفْت أيديهمَا"، وأنت تعني "يديهما" لم يَجُزْ للَّبْسِ، فلوْلاَ أنَّ الدَّلِيل دَلَّ على أنّ المُرَاد اليَدَان اليُمْنَيَان لما ساغَ ذلك، وهذا مُسْتَفِيض في لِسانِهم - أعني وُقُوع الجَمْع مَوْقِع التَّثْنِيَة بِشُرُوطه - قال تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]، ولنذكر المسْألة، فنقول: كُلُّ جزْأين أضيفا إلى كِليْهِما لفظاً أو تقديراً، وكانا مُفْرَدَيْن من صَاحبيْهِمَا جاز فيهما ثلاثة أوجُه: الأحسن: الجمع، ويليه الإفْرَاد عند بَعْضِهم، ويليه التَّثْنِية، وقال بعضهم: الأحْسَنُ الجَمْع، ثم التَّثْنِية، ثم الإفْرَاد، نحو: "قَطَعْتُ رُءُوس الكَبْشَيْن، ورَأس الكَبْشَيْن ورَأسَي الكَبْشَين". وقال سامَحَهُ اللَّهُ وعَفَا عَنْهُ: [السريع أو الرجز] شعر : 1964- ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ تفسير : فقولنا: "جزآن" تَحَرُّز من الشَّيئين المُنْفَصِلَيْن، لو قلت: "قَبَضت دَرَاهِمكُمَا" تعني: دِرْهَمَيْكُما لم يَجُزْ لِلَّبْسِ، فلو أمِنَ جَازَ، كقوله: "اضْرِبَاه بِأسْيَافِكُمَا" "إلى مَضَاجِعِكُمَا"، وقولنا: "أُضِيفَا" تحرُّز من تفرُّقِهِمَا، كقوله: {أية : عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } تفسير : [المائدة: 78]، وقولنا: "لَفْظاً"، تقدَّم مِثَاله، فإنَّ الإضافَة فيه لَفْظِيَّة. وقولُنا: "أو تَقْدِيراً" نحو قوله: [الطويل] شعر : 1965- رَأيْتُ بَنِي البَكْرِيِّ فِي حَوْمَةِ الوَغَى كَفَاغِرَي الأفْوَاهِ عِنْدَ عَرينِ تفسير : فإن تقديره: كَفَاغِرين أفَواهَهُمَا. وقولنا: "مُفَرَدَيْن" تحرُّز من العَيْنَيْن ونحوهما، وإنما اخْتِير الجَمْعُ على التَّثْنِية، وإن كان الأصْل لاسْتِثْقَال تَوَالي تَثْنِيَتَيْنِ، وكان الجَمْع أوْلَى من المُفْرَد لِمُشَارَكَة التَّثْنِيةِ في الضَّمِّ، وبعده المُفْرد لعدم الثِّقَلِ، هذا عِنْد بَعْضِهِم قال: لأنَّ التَّثْنِيَة لم ترد إلا ضرورةً، كقوله - رحمةُ الله عليه - [الطويل] شعر : 1966- هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ مِنْ فَمَويْهمَا عَلَى النَّابحِ العَاوِي أشَدَّ رِجَامِ تفسير : بخلاف الإفْرَاد فإنَّه ورد في فَصِيح الكلام، ومنه: "مَسَحَ أذنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وبَاطِنَهُمَا". وقال بعضهم: الأحسنُ الجَمْعُ، ثم التَّثْنِيَة، ثُمَّ الإفراد كقوله: [الطويل] شعر : 1967- حَمَامَةَ بَطْنِ الوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي سَقاكِ مِنَ الغُرِّ الغَوَادِي مَطِيرُهَا تفسير : وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْدِيَهُمَا: يَدَيْهُمَا، ونحوُهُ: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] اكْتَفَى بتثنيةِ المضافِ إليه عَنْ تَثنيةِ المضافِ، وأُريد باليدين اليُمْنَيَان بدليلِ قراءةِ عبد الله: "والسَّارِقُونَ والسَّارِقَاتُ فاقْطَعُوا أيْمَانَهُمْ" وردَّ عليه أبو حيَّان بأنهما لَيْسا بِشَيْئَيْنِ، فإن النوعَ الأوَّلَ مُطّرد فيه وضْعُ الجمعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، بخلافِ الثاني فإنه لا يَنْقَاسُ، لأن المتبادر إلى الذِّهْنِ من قولك: "قَطَعْتُ آذانَ الزَّيْدَيْن": "أربعة الآذان" وهذا الردّ ليس بشيء؛ لأنَّ الدليل دَلَّ على أنَّ المرادَ اليمنيان. فصل من أول من قطع في حد السرقة؟ قال القُرْطُبي: أولُ مَنْ حُكم بقطع [اليد] في الجاهليةِ ابنُ المُغِيرةِ، فأمر الله بقطعِهِ في الإسلام، فكان أول سارقٍ قطعه رسولُ الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الإسلامِ، مِنَ الرِّجَالِ الخِيَارَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَاف ومن النساء مُرَّة بنت سُفْيَانَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وقطع أبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدَ الْفَتَى الذي سَرَقَ العِقْد، وقطع عُمَرُ - رضي الله عنه - يدَ ابن سَمُرَة أخِي عَبْد الرَّحْمن بن سَمُرَة. فصل لماذا بدأ الله بالسارق في الآية؟ قال القرطبيّ: بَدَأ الله بالسارقِ في هذه الآيةِ قَبْلَ السَّارقةِ، وفي الزِّنَا بدأ بالزانيةِ، والحكمةُ في ذلك أنْ يُقالَ: لما كان حُبُّ المالِ على الرجالِ أغلبُ، وشهوةُ الاستمتاعِ على النساءِ أغْلَبُ بدأ بهما في الموضعين. قوله تعالى: "جَزَاءً" فيه أرْبعةُ أوجُهٍ: أحدُها: أنه منصوب على المصدر بفعلٍ مُقدَّرٍ، أيْ: جازُوهما جزاء. الثاني: أنَّهُ مصدرٌ [أيضاً] لكنه منصوبٌ على معنى نوعِ المصدرِ؛ لأنَّ قوله: "فاقْطَعُوا" في قُوَّةِ: جَازُوهما بقطع الأيْدِي جَزَاءً. الثالث: أنَّه منصوبٌ على الحالِ، وهذه الحال يحتملُ أن تكونَ من الفاعل، أي: مجازين لهما بالقطع بسبب كسبهما، وأنْ تكون من المضافِ إليه في "أيْدِيَهُمَا"، أي: في حال كونهما مُجَازَيْن، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه، لأنَّ المضاف جُزْؤهُ، كقوله: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} تفسير : [الحجر: 47]. الرابع: أنَّهُ [مفعولٌ] مِنْ أجْلِهِ، أيْ: لأجْلِ الجزاءِ، وشروطُ النصب موجودة. و"نَكَالاً" منصوبٌ كما نُصِب "جَزَاءً" ولم يذكر الزمخْشريُّ فيهما غيرَ المفعولِ مِنْ أجْلِهِ. قال أبُو حيان: "تبع في ذلك الزَّجَّاج"، ثم قال: "وليس بجيِّدٍ إلاَّ إذا كان الجزاءُ هو النَّكالَ، فيكون ذلك على طريقِ البدلِ، وأمّا إذا كانا مُتَبَاينين، فلا يجوزُ ذلك إلا بوَسَاطَةِ حَرْفِ العطفِ". قال شهابُ الدِّين: النَّكالُ: نَوْعٌ من الجزاء فهو بدلٌ منه، على أنّ الذي يَنْبغي أن يُقَال هنا إنَّ "جَزَاءً" مفعول من أجله، العامل فيه "فاقْطَعُوا"، فالجزاءُ عِلةٌ للأمر بالقطع، و"نَكَالاً" مفعولٌ مِن أجْله أيضاً العامل فيه "جَزَاءً"، والنَّكَالُ عِلّةٌ للجزاءِ، فتكون العلةُ مُعَلَّلةً بِشَيْءٍ آخرٍ، فتكون كالحال المتداخِلَةِ، كما تقول: "ضربتُه تَأدِيباً له إحْسَاناً إلَيْه"، فالتأدِيبُ علَّة للضرب، والإحسانُ علة للتأديب، وكلامُ الزمخشريِّ والزَّجاج لا يُنَافِي ما ذكرنا فإنَّه لا منافاة بين هذا وبين قولهما: "جزاءً" مفعولٌ مِنْ أجلْه، وكذلك "نَكَالاً" فتأمّله، فإنه وجه حسنٌ، فطاح الاعتراض على الزمخشري والزَّجَّاج، والتفصيلُ المذكورُ في قوله: "إلا إذا كان الجزاءُ هو النَّكَالَ"، ثم ظفرتُ بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن ينْصِبَ مَفْعُولاً آخر يكون علَّةً فيه، وذلك أنَ المعربين أجازوا في قوله تعالى: {أية : أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً} تفسير : [البقرة: 90] أن يكون "بَغْياً" مفعولاً له، ثم ذكروا في قوله: {أن يُنزِّل الله} أنه مفعولٌ له ناصبُه "بَغْياً"، فهو علةٌ له، صَرَّحُوا بذلك فَظَهَرَ ما قلت ولله الحمد. و"بما" متعلق بـ "جَزَاءً"، و"ما" يجوزُ أنْ تكونَ مصدرية، أي: بكسبهما، وأنْ تكونَ بمعنى "الذي"، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ أي: بالذي كسباه، والباءُ سَبَبِيَّةٌ. فصل قال بعضُ الأصُوليِّين: هذه الآيةُ مُجْمَلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ: أحدها: أنَّ الحكمَ مُعلّق على السرقةِ، ومطلقُ السرقَةِ غيرُ مُوجِب القطع، بَلْ لا بد أنْ تكونَ هذه السرقةُ سرقَةً لمقدارٍ مَخْصُوصٍ من المالِ، وذلك القَدْرُ مذكورٌ في الآية، فكانت الآيةُ مُجْملةً. وثانيها: أنَّهُ تعالى أوْجب قطع الأيمانِ والشمائِلِ وبالإجماع لا يجبُ قطعُهما معاً فكانت الآيةُ مجملةً. وثالثها: أن اليدَ اسمٌ يتناولُ الأصابعَ وحدها، ويقعُ على الأصابع مع الكفِّ، والسَّاعِدِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ويقعُ على كل ذلك إلى المنْكِبينِ، وإذا كانَ لَفْظُ اليدِ مُحْتَمِلاً لِكُلِّ هذه الأقسامِ والتعيينُ غَيْر مذكورٍ في هذهِ الآيةِ فكانتْ مُجْمَلةً. ورابعها: أن قوله: "فاقْطَعُوا" خطابٌ مع قومٍ، فيحتملُ أنْ يكونَ هذا التكليفُ واقِعاً على مَجْموعِ الأمَّةِ، وأنْ يكونَ واقعاً على طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ منهم، وأنْ يكونَ على شَخْصٍ مُعَين منهم، وهو إمامُ الزمانِ كما ذهب إلَيْه الأكثرُون، ولمّا لم يكن التعيينُ مَذْكوراً في الآية كانتْ مُجْملةً، فثبتَ بهذه الوجُوهِ أنَّ هذه الآية مُجملةٌ على الإطلاقِ. وقال قومٌ من المُحَقِّقِين: إنَّ الآية ليستْ مُجْمَلةً ألْبَتَة، وذلك لأنَّا بَيَّنَّا أنَّ الألفَ واللامَ في قوله تعالى "والسارقُ والسارقةُ" قائمانِ مقام "الذي" والفاءُ في قوله "فاقْطَعُوا" للجزاءِ، وكما أنَّ التقدير: الذي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ تأكّدَ هذا بقوله تعالى: {جَزاءً بما كَسَبَا} وذلك أنَّ الكَسْبَ لا بُدَّ وأنْ يكونَ المرادُ به ما تقدم ذِكرُهُ، وهو السَّرِقَةُ، فصار هذا الدليلُ على مَنَاطِ الحُكم [ومتعلقه] هو ماهية السرقة، ومقتضاهُ أنْ يَعُمَّ الجزاءُ أينما حصل الشرطُ. اللهَّم إلاَ إذا قام دليلٌ مُنْفصِلٌ يَقْتَضِي تخصيصَ هذا العامِّ، وأمّا قوله: "الأيْدِي" عامَّة، فنقول: مُقْتضاه قطعُ الأيدي، لكنَّه لما انعقَدَ الإجماعُ على أنه لا يجبُ قطعهُما معاً، ولا الابتداءُ [باليد] اليُسْرى، أخرجناه مِنَ الْعُمُومِ. وأمَّا قوله: "لفظُ اليَدِ دَائرٌ بَيْنَ أشياء". فنقولُ: لا نُسَلِّمُ، بل اليَدُ اسمٌ لهذا العُضْو إلى المنْكِبِ ولهذا السَّبَبِ قال تعالى: {أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} تفسير : [المائدة: 6] ولولا دخولُ العَضُديْنِ في هذا الاسم، وإلاَّ لما احتيج إلى التَّقييدِ بقوله "إلى المرَافِقِ". فظاهرُ الآيةِ: يُوجِبُ قَطْعَ اليديْنِ من المنكِبَيْنِ كما هو قولُ الخوارج: إلاَّ أنَّا تركنا ذلكِ لدليلٍ مُنْفصل وأما قوله "رَابِعاً" يَحْتَمِلُ أن يكُونَ الخطابُ مع واحدٍ مُعَيَّنٍ. قُلْنا: ظاهِرُه أنَّهُ خطابٌ مع [كُل أحدٍ]، تُرِكَ العملُ بِهِ، فلما صار مَخْصُوصاً بدليلٍ مُنْفَصِل فَيَبْقَى مَعمولاً به في الْبَاقِي فالحاصلُ أنَّا نقُولُ: الآيةُ عامةٌ صارت مَخْصُوصَةً بدلائِلَ مُنْفَصِلَة في بعضِ الصُّوَرِ، فيبقى حُجَّةً فيما عداهَا، وهذا القولُ أوْلَى من القول بأنها مُجْملة لا تُفِيدُ فائدَةً أصْلاً. فصل لماذا لم يحد الزاني بقطع ذكره؟ قال القُرطبي: جعل الله حدَّ السرقةِ قطعَ اليدِ لتناوُلها المالَ، ولم يجعلْ حدَّ الزِّنَا قطعَ الذَّكرِ مع مُوافقَةِ الفاحشة به لأمورٍ: أحدها: أن للسارقِ مثلَ يدِهِ التي قُطِعت، فإن انْزَجَرَ بِها اعتاضَ بالباقية، وليس للزَّانِي مثلُ ذكره، إذا قُطِعَ ولم يعتض بغيره لو انْزَجَرَ بقطعِهِ. الثاني: أنَّ الحدَّ زجرٌ للمحدودِ ولغيره، وقطعُ يدِ السَّارقِ ظاهرٌ، وقطعُ الذكرِ في الزنا باطنٌ. الثالث: أنَّ قطع الذكرِ إبطال للنَّسْلِ وليس في قطع اليد إبطالٌ للنسلِ. فصل قال جمهورُ الفقهاءِ: لا يجبُ القطعُ إلا بشرطيْن: قدرُ النصابِ، وأنْ تكونَ السرقةُ من حِرْزٍ. قال ابن عباسٍ وابنُ الزُّبيْرِ والحسنُ البصريُّ - رضي الله عنهم - القدرُ غيرُ مُعْتبرٍ، والقطعُ واجبٌ في القليلِ والكثيرِ، والحرزُ أيضاً غَيْرُ مُعْتبرٍ، وهذا قولُ داود الأصْفهاني وقولُ الخوارجِ، وتمسكوا بعمومِ الآيةِ، فإنَّه لم يُذْكَرْ فيها النصابُ ولا الحرزُ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القرآنِ بخبرِ الواحدِ، وبالقياسِ غيرُ جائزٍ، واحتج الجمهورُ بأنه لا حاجة إلى القول بالتخصيصِ، بل نقولُ إنَّ لفظ السرقةِ لفظٌ عربيٌّ، ونحنُ بالضرورة، نعلمُ أنَّ أهْلَ اللغَةِ لا يقُولُونَ لِمَنْ أخذَ حَبَّةً مِنْ حِنْطَة الغَيْرِ أو تبنةً واحدةً أو كِسْرةً صغيرةً أنَّهُ سرق مالهُ، فعلمنا أنَّ أخذ مالِ الغيْرِ كيفما كان لا يُسَمَّى سرقَةً، وأيْضاً فالسرقةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ مُسارقَةِ عيْنِ المالِكِ [وإنَّما يُحْتَاجُ إلى مُسارقةِ عيْنِ المالِكِ] لَوْ كان المسروقُ أمْراً يتعلقُ به الرغبةُ في مَحَلّ الشُّحِّ والضِّنَّةِ حتَّى يَرْغَب السارقُ في أخذِهِ ويتضَايَقُ المسروقُ مِنْه فِي دَفْعِهِ إلى الغَيْرِ، ولهذا الطريق اعتبرنا في وُجوبِ القطعِ أخْذ المالِ مِنْ حِرْزِ المثل، لأنَّ مَا لا يكُونُ موضُوعاً في الْحِرْزِ لا يُحْتَاجُ في أخْذِهِ إلى مُسَارقَة الأعْيُنِ، فلا يُسَمَّى أخْذُه سَرِقَةً. قال داودُ: نحن لا نُوجِبُ القطعَ في سرقة الجبَّةِ الواحدةِ، بل في أقَلِّ شَيْءٍ يُسَمَّى مالاً، وفي أقَلِّ شَيْءٍ يجري فيه الشُّحُّ والضِّنَّةُ، وذلك لأن مقاديرَ القِلَّةِ والكثْرة غيرُ مَضْبُوطَةٍ، فربَّما اسْتَحْقَر الملكُ الكبيرُ آلافاً مُؤلَّفَةً، وربما اسْتَعْظَمَ الفقيرُ طسُّوجاً، ولهذا قال الشافِعِيُّ - رضي الله عنه -: لو قال: لِفُلانٍ عليَّ مالٌ عَظِيمٌ، ثم فسره بالحبةِ، يقبل قوله فيه لاحتمالِ أنَّه كان عظيماً في نظره، أو كان عظيماً عنده لغاية فَقرِهِ وشدةِ احتياجِهِ إليه، ولما كانت مقاديرُ القِلَّةِ والكَثْرةِ غيْرَ مَضْبُوطةٍ، وَجَبَ بِنَاءُ الحكمِ على أقل ما يُسَمَّى مالاً. وليس لقائلٍ أنْ يَسْتَبْعِدَ ويقُولَ: كيف يجوزُ [القطعُ في سرقةِ] الطسوجة الواحدةِ، فإنَّ الملحد قد جعلَ هذا طَعْناً في الشريعةِ فقال: اليدُ لما كانت قيمَتُها خَمسمائَةِ دينارٍ من الذَّهَبِ، فكيف تُقْطَعُ لأجل القليلِ من المالِ؟ ثُم إنْ أجَبْنَا عن هذا الطعنِ، بأنَّ الشرعَ إنما قطعَ يدهُ بسبب أنه تَحمَّل الدناءَةَ والخساسَةَ في سرقَةِ ذلك القدرِ القليلِ، فلا يَبْعُدُ أنْ يعاقبه الشرعُ بسبب تلك الدناءَةِ بهذه العُقُوبةِ العظيمةِ، وإذاً كَانَ هذا الجوابُ مَقْبُولاً مِنَّا في إيجابِ القطْعِ في القليلِ والكثيرِ، قال: ومِمَّا يدلُ على أنَّهُ لا يجوزُ تخصيصُ عمومِ القرآنِ هَاهُنَا بخبرِ الواحدِ، وذلك لأن القائلينَ بتخصيصِ هذا العمومِ اختلفُوا على وجوهٍ: قال الشافعيُّ: يجبُ القطعُ في رُبْعِ دينارٍ، وروى فيه قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا قَطْعَ إلاَّ في رُبْعِ دينارٍ" تفسير : وقال أبُو حنيفَةَ: لا يجبُ إلاَّ في عشرةِ دراهم مضرُوبة، وروى قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا قطع إلا في ثَمنِ المجَنِّ" تفسير : قال: والظاهر أنَّ ثمن المجَنّ لا يكون أقلَّ من عشرة دراهم. وقال مالكٌ وأحْمدُ وإسحاقُ: يُقدر بثلاثةِ دراهم أو رُبْعِ دينار وقال ابنُ أبِي لَيْلَى: مُقَدَّرٌ بخمسةِ دراهمَ، وكلُّ واحدٍ من هؤلاءِ المجتهدين يطعنُ في الخبرِ الذي يرويه الآخرُ، فعلى هذا التقدير: فهذهِ المُخَصصَاتُ صارتْ متعارِضةً، فوجب ألاَّ يُلْتَفَتَ إلى شَيْءٍ مِنْها: ويُرْجع في معرفةِ حُكْمِ الله تعالى إلى ظاهرِ القرآنِ. قال: وليس لأحدٍ أنْ يقول: إن الصحابة أجْمَعُوا على أنَّه لا يجبُ القطعُ إلاّ في مقدار مُعَيَّنٍ، قال: لأنَّ الحسنَ البصريَّ كان يُوجِبُ القطعَ بمجردِ السَّرِقَةِ، وكان يقولُ: احذر من قطع درهم، ولو كان الإجماعُ مُنْعَقِداً لما خالف الحسنُ البصري فيه مع قربه من زمنِ الصحابةِ - رضي الله عنهم -، وشدةِ احتياطِهِ فيما يتعلقُ بالدينِ، فهذا تقريرُ مذهَبِ الحسنِ البصْرِيِّ ومذهبِ داوُدَ الأصْفَهانِي، وأمَّا الفقهاءُ فقالوا: لا بُدَّ فِي وجوبِ القطعِ مِنَ الْقَدْرِ. فقال الشافعيُّ: القطعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِداً وهو نِصابُ السرقةِ، وسائِرُ الأشياءِ تُقَوَّمُ بِهِ، وقال أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ لاَ يَجِبُ القطعُ في أقَل مِنْ عَشَرةِ دراهم مَضْرُوبة. ويُقَوَّم غيرُها به، وقال مالكٌ وأحمدُ: رُبْعُ دينارٍ [أو] ثلاثةُ دَرَاهِمَ، وقال ابنُ أبِي لَيْلَى: خَمْسةُ دراهِم، وحجةُ الشافعي - رضي الله عنه - ما رُوِي عن عائشةَ - رضي الله عنها - أن رسولَ الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم قال: "حديث : القَطْعُ فِي رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِداً ". تفسير : وحُجَّةُ مالكٍ - رضي الله عنه - ما رُوِيَ عَنْ نافعٍ عن ابن عُمَرَ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَطَعَ سارِقاً في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثلاثةُ دَرَاهِمَ. ورُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رضي الله عنه - أنَّهُ قطعَ السارقَ في أتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بثلاثةِ دراهِمَ من صرف اثني عشر دينار، واحْتَجّ أبو حَنيفَةَ - رضي الله عنه - بأنَّه قول ابن مسعُودٍ - رضي الله عنه -، وبأن المجَنّ قيمتُهُ عَشَرةُ دراهِمَ، واحتج ابنُ أبِي لَيْلَى - رحمه الله - بِما روى أبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: "حديث : لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدهُ ". تفسير : قال الأعْمَشُ: كانوا يَرَوْنَ أنَّهُ بيضُ الحديد والحبلُ، يرون أنه منها تُساوِي ثلاثةَ دراهم، ويحتج بهذا مَنْ يرى القطع في الشيء القليلِ، وعند الأكثرينَ محمولٌ على ما قاله الأعْمَشُ لحديثِ عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -. فإنْ قيل: إذا سرَقَ المالَ مِنَ السَّارِقِ، فقال الشافِعيُّ: لا يُقْطَعُ لأنَّهُ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ مالكٍ ومِنْ غَيْرِ حِرْزٍ. وقال أصحابُ مالكٍ: حُرْمةُ المالِكِ عليه لم تَنْقَطِعْ عنه، وَيَدُ السارقِ كلا يد كالغاصب إذا سُرِقَ منه المالُ المغصُوب قُطع، فإنْ قيل: حِرْزُهُ كَلاَ حِرْزٍ. فالجوابُ: الحرْزُ قائمٌ والمالِكُ قائمٌ، ولم يَبْطُلِ الملك فيه. فصل المذاهب فيما إذا كرر السارق السرقة قال الشافعي: الرجل إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى، وفي الثانية رجله اليسرى وإذا سرق في الثالثة تقطع يده اليسرى، وفي الرابعة: رِجْلُهُ اليُمْنَى؛ لأنَّ السرقةَ عِلّةُ القطعِ وقد وُجدت وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - وأحْمَدُ والثَّوْرِيُّ - رضي الله عنهم -: لا يُقْطَع في الثالثةِ والرابعةِ، بلْ يُحْبَسُ. فصل قال أبُو حَنِيفَة والثَّوْرِيُّ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ القَطْعِ والغُرْمِ، فإن غُرّم فلا قَطْعَ، وإن قُطِعَ سَقَطَ الغُرْمُ، وقال الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - يُغرّم إنْ تلف المسروقُ، وإنْ كان بَاقِياً رَدَّهُ. وقال مَالِكٌ: يُقْطَعُ بِكُلِّ حالٍ، ويُغرّم إنْ كان غَنِياً، ولا يَلْزَمُه إن كان فقيراً، واستدل الشافعي بقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : على الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤدِّيَهُ"تفسير : ، ولأنَّ المسروقَ لَوْ كان بَاقِياً وَجَبَ رَدُّهُ بالإجْماعِ، ولأنَّ حق الله لا يَمْنَعُ حَقَّ العبادِ، بِدليلِ اجتماع الجزاءِ والقِيمةِ في الصَّيْدِ المَمْلُوكِ، ولأنَّه بَاقٍ على مُلْكِ مالِكِه إلى وقْتِ القطع. فإنْ قيل: الحِرْزُ عادة ما نُصِبَ لِحفْظِ الأموالِ، وهو يَخْتَلِفُ في كُلِّ شَيْءٍ بحسبِ عَادَتِهِ. قال ابنُ المُنْذرِ: لَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ ثَابتٌ. فالجوابُ: وإنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لا قَطْعَ لقولِهِ عليه الصلاةُ والسلامُ: "حديث : لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلاَ فِي حريسة جَبَلٍ، وإذَا آواها المراحُ والحرزُ فالقطعُ فيما بلغ ثمنَ المجَنّ" تفسير : وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: "حديث : ليسَ على خائنٍ ولا مُنْتَهبٍ ولا مُخْتلِس قطعٌ ". تفسير : وإذا سَرَقَ من مالٍ فيه شُبْهَةٌ، كالعبدِ المسروقِ في مالِ سَيِّده، والولدِ من مال والدِهِ، والوالدِ من مالِ ولدِهِ، وأحدِ الشريكيْنِ من مالِ المشتركِ لا قَطْعَ عليه. فصل فيما إذا اشترك جماعة في سرقة إذا اشترك جماعةٌ في سرقَة نصابٍ مِنْ حِرْزٍ، فلا يَخْلُو: إمَّا أنَّ بعضهم يَقْدِرُ على إخراجه أوْ لا يَقْدِرُ إلا بمعاونِتِهم، فإنْ كان الأول فَقِيل: يُقْطَعُ، وقيل: لا يُقطعُ، وهو قولُ أبِي حَنيفَةَ والشافعي، فإذا نَقَبَ واحدٌ الحِرْزَ وأخَذَ الآخرُ، فإنْ كانَ انفردَ كل واحدٍ بِفعلِهِ دُونَ اتفاقٍ منهما، فلا قطْع على واحدٍ منهما، وإنْ تفاوتَا في النَّقْبِ وانفردَ أحدهما بالإخراجِ خاصةً، فإنْ دخل أحدُهما وأخرجَ المتاعَ إلى باب الحرْزِ فأدخل الآخرُ يدَهُ فأخذه، فعليه القطعُ ويُعاقبُ الأولُ، وقيل: يُقْطعانِ وإنْ وضعه خارج الحِرْز فعليه القطعُ لا على الآخذِ. فصل في حكم النبّاش والقبرُ والمسجدُ حِرْزٌ فَيُقْطَعُ النَّباشُ عند الجمهور، وقال أبُو حنيفةَ: لا يقطعُ؛ لأنَّه سرق مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ مالاً مُعَرَّضاً لِلتَّلفِ لا مالِكَ لَهُ؛ لأنَّ الميِّتَ لا يملِكُ. فصل قال الشافعي: - رضي الله عنه - لِلْمَوْلى إقَامةُ الحدِّ على ممَالِيكِه، وقال أبُو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يَمْلِكُ ذلكَ. فصل في وجوب نصب إمام احْتَجُّوا بهذه الآيةِ على أنَّهُ يجبُ على الأمَّة أن يُنَصِّبوا لأنفسهم إماماً مُعَيَّناً، لأنَّهُ تعالى أوْجبَ بهذه الآيَة إقامَةَ الحدِّ على السُّرَّاق والزُّنَاةِ فلا بُدَّ مِنْ شَخْصٍ يكُونُ مُخَاطَباً بهذا الخطابِ، وأجْمعتِ الأمةُ على أنَّه ليسَ لآحادِ الرعيَّةِ إقامةُ الحدودِ على الأحْرارِ الجُنَاةِ إلاَّ الإمامَ، فلمَّا كان هذا تَكْلِيفاً جازِماً، ولا يمكنُ الخروجُ مِنْ عُهْدَتِه، إلا بِوُجودِ الإمام وجبَ نَصْبُهُ؛ لأنَّ ما لا يَأتي الواجبُ إلا به، وكانَ مقدوراً للمُكلَّفِ فهو واجبٌ. فصل قالتِ المعتزلةُ: قوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} يَدُلُّ على تَعْلِيلِ أحْكامِ الله تعالى؛ لأنَّه صَريحٌ في أنَّ القطعَ إنَّما وجبَ مُعَلَّلاً بالسرقَةِ. وجوابُهُ ما تقدمَ في قوله {مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا}. قوله تعالى {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} والمعنى: عَزيزٌ في انْتِقامِهِ، حكِيمٌ في شرائِعهِ وتكالِيفِه، قال الأصْمَعِيُّ: كنتُ أقرأُ سورةَ المائدة ومعي أعرابيٌّ. فقرأتُ هذه الآيَةَ فقلْتُ: واللَّه غفورٌ رحيمٌ، سَهْواً فقال الأعرابيُّ: كلامُ من هذا، فقلتُ: كلامُ الله، فقال: أعِدْ، فأعَدْتُ: والله غفور رحيمٌ ثُمَّ تَنَبَّهْتُ فقلتُ: "والله عزيزٌ حكيمٌ" فقال: الآنَ أصَبْتَ. قُلْتُ: كيف عرفتَ؟ فقال: يا هذا، عَزَّ فحكم فأمر بالقطْعِ، فلَوْ غَفر ورحِمَ لما أمر بالقَطْعِ. قوله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} الجارُّ [والمجرور في قوله: {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ}] متعلِّقُ بـ "تاب" و"ظُلْم" مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، أيْ: مِنْ بعد أنْ ظلمَ غَيْرَهُ بأخْذِ ماله. وأجاز بعضُهم أنْ يكونَ مُضافاً للمفعولِ، أيْ: مِنْ بعد أنْ ظلم نَفْسَهُ، وفي جوازِ هذا نَظَرٌ؛ إذْ يصيرُ التقديرُ: مِنْ بَعْد أنْ ظلمه، ولو صرَّحَ بهذا الأصل لم يجز؛ لأنَّهُ يؤدِّي إلى تَعَدِّي فعل المضمرِ إلى ضَمِيره المتصلِ، وذلك لا يجوزُ إلا في بابِ: "ظَنّ وفَقَدَ وعدِمَ"، كذلك قاله أبُو حيان. وفي نظرِه نَظَرٌ؛ لأنَّا إذا حللنا المصدر لحرفٍ مَصْدرِيٍّ وفِعْلٍ، فإنَّما يأتِي بعد الفعلِ بما يَصِحُّ تقديرُه، وهو لفظُ النَّفْسِ، أيْ: مِنْ بَعْد أنْ ظَلَمَ نَفْسه. انتهى. فصل في معنى الآية المعنى: {فَمَن تَابَ منْ بَعْد} سرقته "وَأصْلَحَ" العملَ، "فإنَّ اللَّهَ" تعالى {يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} هذا فيما بينَهُ وبَيْنَ الله تعالى، فأمَّا القطعُ فلا يَسْقُطُ بالتَّوْبةِ عند الأكْثرينَ. قال مُجاهِدٌ: السارقُ لا توبة له، فإذا قُطِعَ حصلتِ التوبةُ، والصحيحُ: أن القطعَ جزاءٌ على الجِنايةِ لقوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} فلا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدُ، وتوبَتُه الندمُ على ما مضَى والعزمُ على تركِهِ في المستقبلِ، وهذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ مَنْ تاب من بعد ظلمه وأصْلح، فإنَّ الله تعالى يقبلُ توبَتَهُ. فإن قيل: قوله "وأصْلَحَ" يدلُّ على أنَّ مجردَ التوبةِ غيرُ مقبولٍ. فالجوابُ: المرادُ وأصلح التوبة بنيةٍ صادقةٍ وعزيمةٍ صحيحةٍ خاليةٍ عن سائرِ الأغْرَاضِ. فصل في أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى دَلَّتِ الآيةُ على أنَّ قبولَ التوبة غيرُ واجبٍ على الله تعالى، لأنَّهُ يُمْدحُ بقبول التوبةِ، والتمدُّحُ إنما يكونُ بفعل التَّفَضُّلِ والإحْسَانِ لا بأدَاءِ الوَاجِباتِ. قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لما ذكر عقابَ السَّارِقِ، ثُمَّ ذَكرَ أنَّهُ يقبلُ توبتَهُ إنْ تاب أرْدَفَهُ ببيان أنه يفعلُ ما يشاء ويَحْكُم ما يريدُ فيُعَذبُ من يشاءُ، ويغفرُ لِمَنْ يشاءُ وإنَّما قدم التعذيبَ على المغفرةِ، لأنَّهُ في مقابلةِ السرقةِ، والسرقةُ مقدمةٌ على التوبةِ. قال السديُّ والكَلْبِيُّ: يعذبُ مَنْ يشاءُ ممَّنْ ماتَ على كُفْرِهِ، وقال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما -: يعذبُ مَنْ يشاءُ على الصَّغيرةِ، ويغفرُ لِمَنْ يشاءُ الكبيرةَ والله غفورٌ رحيمٌ. قال القُرْطُبِيُّ: هذه الآيةُ خطابٌ للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أيْ: لا قرابة لأحدٍ بينه وبين الله تُوجِبُ المحاباةَ حتى يقول قائلٌ: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18]، والحدودُ تقامُ على كُلِّ مَنْ قارف حدًّا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أخاص أم عام؟ قال: بل عام. وأخرج عبد بن حميد عن نجدة بن نفيع قال: سألت ابن عباس عن قوله {والسارق والسارقة..} الآية. قال: ما كان من الرجال والنساء قطع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق، عن ابن مسعود أنه قرأ "فاقطعوا أيمانهما". وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي. أنه قال: في قراءتنا، وربما قال: في قراءة عبد الله "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم". وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {جزاءً بما كسبا نكالاً من الله} قال: لا ترثوا لهم فيه، فإنه أمر الله الذي أمر به قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اشتدوا على الفساق واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال "حديث : إن أول حد أقيم في الإسلام لرجل أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم سرق فشهدوا عليه، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع، فلما حف الرجل نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما سفى فيه الرماد، فقالوا: يا رسول الله، كأنه اشتد عليك قطع هذا!.. قال: وما يمنعني وأنتم أعون للشيطان على أخيكم! قالوا: فأرسله. قال: فهلا قبل أن تأتوني به، إن الإمام إذا أتى بحد لم يسغ له أن يعطله ".
القشيري
تفسير : لو أنَّ ولياً من الأولياء سرق نصاباً من جرذ، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم عليه الحدُّ كما يقام على المتهتك، ولا يَسْقُطُ الحدُّ لصلاحه. والإشارة فيه أن أَمْرَ الملك مُقَابَلٌ بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبةً فَخَطَرُه أتمُّ وأخفى، والمطالبةُ عليه أشدُّ. فلا يَسْتَخِفَنَّ أحدٌ الإلمام بزلة {أية : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ}تفسير : [النور: 15].
اسماعيل حقي
تفسير : {والسارق والسارقة} وهو مبتدأ محذوف الخبر اى حكم السارق والسارقة ثابت فيما يتلى عليكم فقوله تعالى {فاقطعوا ايديهما} بيان لذلك الحكم المقدر فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ولذلك اتى بها فيه لانه هو المقصود مما قبلها ولو لم يأت بالفاء لتوهم انه اجنبى وانما قدر الخبر لان الامر انشاء لا يقع خبرا الا باضمار وتأويل والمراد بايديهما ايمانهما ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما فى قوله تعالى {أية : فقد صغت قلوبكما} تفسير : [التحريم: 4]. اكتفاء بتثنية المضاف اليه وتفضيل ما يتعلق بالسرقة سيجىء فى آخر المجلس {جزاء بما كسبا نكالا من الله} منصوبان على المفعول له والمعنى فاقطعوهما مكافاة لهما على ما فعلا من فعل السرقة وعقوبة رادعة لهما من العود ولغيرهما من الاقتداء بهما وبما متعلق بجزاء ومن الله صفة نكالا اى نكالا كائنا منه تعالى. والنكال اسم بمعنى التنكيل مأخوذ من النكول وهو الامتناع {والله عزيز} غالب على امره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه {حكيم} فى شرائعه لا يحكم الا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم والمصالح.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {السارق}: مبتدأ والخبر محذوف عند سيبويه، وهو الجار والمجرور، أي: مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، وقال المبرد: الخبر هو جملة: {فاقطعوا}، ودخلت الفاء لمعنى الشرط؛ لأن الموصول ـ وهو " ألـ"ـ فيه معنى الشرط، ومثله: { أية : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَأجْلِدُواْ} تفسير : [النُّور: 2]، قلت: وهو أظهر، فإن قلت: ما الحكمة في تقديم المُذكر في هذه الآية، وفي أية الزنا قدم المؤنث، فقال: {أية : الزَّانِيَهُ وَالزَّانِى }تفسير : ؟ فالجواب: أن السرقة في الرجال أكثر، والزنى في النساء أكثر، فقدّم الأكثر وقوعًا. وقدّم العذاب هنا على المغفرة، لأنه قابل بذلك تقدم السرقة على التوبة، أو لأن المراد به القطع، وهو مقدم في الدنيا، و {جزاء} و {نكالاً}: علة أو مصدر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أي: أيمانهما من الرسغ، بشروط، منها: ألاَّ يكون مضطرًا بالجوع، على قول مالك، فيقدم السرقة على الميتة، إن عُلِم تصديقه. ومنها: ألاَّ يكون السارق أبًا أو عبدًا سرق مال ولده أو سيده. ومنها: أن يكون سرق من حرز، وأن يكون نِصَابًا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساويهما عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال عثمان البَتى: يُقطع في درهم فما فوق. وفي السرقة أحكام مبسوطة في كتب الفقه. وعلة القطع: الزجر، ولذلك قال: {جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم}. فإن قلت: ما الحكمة في قطعها في ربع دينار، مع أن دِيتَهَا أن قطعت، خمسمائة دينار؟ قلت: ذل الخيانة أسقطت حرمتها بعد عز الصيانة. فافهم حكمة الباري. {فمن تاب من بعد ظلمه} أي: بعد سرقته، كقوله في سورة يوسف: {أية : كَذَلِكَ نَجْزِي الَّظالِمِينَ } تفسير : [يُوسُف:75] أي: السارقين، {وأصلح} بأن ردّ ما سرق، وتخلص من التبعات ما استطاع، وعزم ألا يعود {فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم}، فيتقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة، وأما القطع: فهل يسقط، وهو مذهب الشافعي لظاهر الآية، أو لا يسقط، وهو مذهب مالك، لأن الحدود لا تسقط عنده بالتوبة إلا عن المحارب؟... قاله ابن جزي، تبعًا لابن عطية، وفيه نظر، فإن مشهور مذهب الشافعي موافق لمالك، ولعله تصحف عنده الشافعي بالشعبي، كما نقل الثعلبي عنه. والله أعلم. {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} يتصرف فيهما كيف شاء، فالخطاب للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو لكل أحد، {يُعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} قال السدي: يُعذب من مات على كفره، ويغفر لمن تاب من كفره. وقال الكلبي: {يُعذب من يشاء} على الصغيرة إذا أقام عليها {ويغفر لمن يشاء} على الكبيرة إذا نزع منها، {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء. الإشارة: كما أمر الحق ـ جل جلاله ـ بقطع سارق الأموال، أمر بقطع سارق القلوب، وهو الشيطان، وجنوده؛ الخواطر الردية؛ فإن القلب بيت كنز السر ـ أي: سر الربوبية ـ لأن القلب بيت الرب، والبصيرة حارسة له، فإذا طرقه الشيطان بجنوده، فإن وجد البصيرة متيقظة دفعته وأحرقته بأنوار ذكرها، وأن وجدها نائمة؛ فإن كان نومها خفيفًا اختلس منها وفطنت له، وإن كان نومها ثقيلاً؛ بتراكم الغفلات، خرب البيت ولم تفطن له، فيسكن فيه بجنوده الخواطر وهي نائمة. فالواجب على الإنسان حفظ قلبه، قبل أن يسكنه الشيطان، فيصعب دفعه، وحفظه بدوام ذكر الله القلبي، فإن لم يستطع فبدوام اللسان، فإن لم يستطع فبالنية الصالحة. وربنا المستعان. ثم تكلم على ما يتعلق باللسان، وهو الأمر الخامس مما تضمنته السورة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ}.
الطوسي
تفسير : وقوله {والسارق والسارقة} قال سيبويه الأجود فيه النصب ومثله {الزانية والزاني}. وبالنصب قرأ عيسى بن عمر وهو بخلاف ما عليه القراء لا يجوز أن يقرأ به والوجه الرفع. ومثله {اللذان يأتيانها منكم فآذوهما}. ويحتمل رفعهما شيئين: أحدهما - قال سيبويه إِنه على تفسير فرض فيما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة. ومنه { أية : واللذان يأتيانها منكم }. تفسير : الثاني - قال المبرد والفراء لأن معناه الجزاء وتقديره من سرق فاقطعوه، وله صدر الكلام. وقال الفراء ولو أردت سارقاً بعينه لكان النصب الوجه ويفارق ذلك قولهم زيداً فاضربه، لأنه ليس فيه معنى الجزاء. وظاهر قوله {والسارق والسارقة} يقتضي عموم وجوب القطع على كل من يكون سارقاً أوسارقة، لأن الألف واللام إِذا دخلا على الاسماء المشتقة أفادا الاستغراق إِذا لم يكونا للعهد دون تعريف الجنس - على ما ذهب اليه قوم -. وقد دللنا على ذلك في أصول الفقه. فأما من قال القطع لا يجب إلا على من كان سارقاً مخصوصاً من مكان مخصوص مقداراً مخصوصاً وظاهر الآية لا ينبئ عن تلك الشروط، فيجب أن تكون الآية مجملة مفتقرة الى بيان، فقوله فاسد لأن ظاهر الآية يقتضي وجوب القطع على كل من يسمى سارقاً وإِنما يحتاج الى معرفة الشروط ليخرج من جملتهم من لا يجب قطعه فأما من يجب فانا نقطعه بالظاهر، فالآية مجملة فيمن لا يجب قطعه دون من يجب قطعه فسقط ما قالوه. وقوله {فاقطعوا أيديهما} أمر من الله بقطع أيدي السارق والسارقة. والمعنى ايمانهما. وإنما جمعت أيدي لأن كل شيء من شيئين، فتثنيته بلفظ الجمع كما قال - عز وجل -: {أية : فقد صغت بكما }تفسير : وقال الفراء كلما كان في البدن منه واحد فتثنيته بلفظ الجمع لأن أكثر أعضائه فيه منه اثنان، فحمل ما كان فيه الواحد على مثل ذلك، فقيل قلوبهما وظهورهما. كما قيل عيونهما وأيديهما. وقال الفراء إِنما فعلوا ذلك للفصل بين ما في البدن منه واحد وبين ما في البدن منه اثنان، فجعل ما في البدن منه واحد تثنيته وجمعه بلفظ واحد ولم يثن أصلا، لأن الاضافة تدل عليه، ولأن التثنية جمع، لأنه ضم شئ الى شئ. وإِن ثني جاز قال الشاعر: شعر : ظهراهما مثل ظهور الترسين تفسير : فجمع بين الأمرين. وإنما اعتبرنا قطع الايمان، لاجماع المفسرين على ذلك. كالحسن والسدي والشعبي وغيرهم. وفي قراءة ابن مسعود {والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما} والنصاب الذي يتعلق القطع به قيل فيه ستة أقوال: أولها - على مذهبنا، وهو ربع دينار. وبه قال الاوزاعي والشافعي، لما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال القطع في ربع دينار. الثاني - ثلاثة دراهم وهو قيمة المجن. ذهب اليه مالك بن أنس. الثالث - خمسة دراهم روي ذلك عن علي (ع) وعن عمر، وانهما قالا: لا يقطع الخمس إِلا في خمسة دراهم وهو اختيار أبي علي، قال: لأنه بمنزلة من منع خمسة دراهم من الزكوة في أنه فاسق. الرابع - قال الحسن: يقطع في درهم، لأن ما دونه تافه. الخامس - عشرة دراهم ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه لما رووا أنه كان قيمة المجن عشرة دراهم. السادس - قال أصحاب الظاهر وابن الزبير يقطع في القليل والكثير. ولا يقطع إلا من سرق من حرز. والحرز يختلف، فلكل شئ حرز يعتبر فيه حرز مثله في العادة. وحدَّه أصحابنا بأنه كل موضع لم يكن لغيره الدخول اليه والتصرف فيه إلا باذنه فهو حرز. وقال أبو علي الجبائي الحرز أن يكون في بيت أو دار مغلق عليه وله من يراعيه ويحفظه. ومن سرق من غير حرز لا يجب عليه القطع. قال الرماني، لأنه لا يسمى سارقاً حقيقة وإنما يقال ذلك مجازاً كما يقال سرق كلمة أو معنى في شعر لأنه لا يطلق على هذا اسم سارق على كل حال. وقال داود: يقطع اذا سرق من غير حرز. وكيفية القطع عندنا يجب من أصول الأصابع الأربعة ويترك الابهام والكف - وهو المشهور عن علي (ع): وقال أكثر الفقهاء: إِنه يقطع من الرسغ. وهو المفصل بين الكف والساعد. وقالت الخوارج يقطع من الكتف. وأما الرِّجل فعندنا تقطع الأصابع الأربعة من مشط القدم ويترك الابهام والعقب. دليلنا أن ماقلناه مجمع على وجوب قطعه. وما قالوه ليس عليه دليل. ولفظ اليد يطلق على جميع اليد الى الكتف ولا يجب قطعه - بلا خلاف إِلا ما حكيناه عمن لا يعتد به. وقد استدل قوم من أصحابنا على صحة ما قلناه بقوله {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } تفسير : وإنما يكتبونه بالاصابع. - والمعتمد ما قلناه - وعليه اجماع الفرقة المحقة. ومتى تاب السارق قبل أن يرفع الى الامام. وظهر ذلك منه ثم قامت عليه البينة، فانه لا يقطع. غير أنه يطالب بالسرقة وإِن تاب بعد قيام البينة عليه وجب قطعه على كل حال. وقال الفقهاء يجب قطعه على كل حال. فان كان تاب كان قطعه امتحاناً، وان لم يكن تاب كان عقوبة وجزاء. ومتى قطع فانه لا يسقط عنه رد السرقة سواء كانت باقية أو هالكة، فان كانت باقية ردها - بلا خلاف - وإن كانت هالكة رد عندنا قيمتها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجمع عليه القطع والغرامة معاً، فان قطع سقطت الغرامة وان غرم سقط القطع. وقد دللنا على صحة ما قلناه - في مسائل الخلاف - ومتى سرق بعد قطع اليد دفعة ثانية قطعت رجله اليسرى حتى يكون من خلاف. فان سرق ثالثة حبس عندنا. وبه قال الحسن. وقال أبو علي تقطع اليد الاخرى، فان سرق في الحبس قتل عندنا. ولا يعتبر ذلك أحد من الفقهاء. وظاهر الآية يقتضي وجوب قطع العبد والأمة إِذا سرقا لتناول اسم السارق والسارقة لهما. وقوله: {جزاءً بما كسبا} معناه استحقاقاً على فعلهما {نكالاً من الله} أي عقوبة على ما فعلاه. قال زهير: شعر : ولولا أن ينال أبا طريفٍ عذاب من خزيمة أو نكال تفسير : أي عقوبة. ونصبه يحتمل أمرين: أحدهما - مفعول له وتقديره لجزاء فعلهما. الثاني - نصب على المصدر الذي دل عليه فاقطعوا لأن معنى فاقطعوا: جازوهم ونكلوا بهم. وقال الازهري معناه لينكل غيره نكالاً عن مثل فعله يقال نكل ينكل إِذا جبن، فهو ناكل {والله عزيز حكيمٌ} أي مقتدر لا يغالب {حكيم} فيما يأمر به من قطع السارق والسارقة، وفي غيره من الافعال.
اطفيش
تفسير : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا أيدِيَهُمَا}: اذ نزلت فى طعيمة بن أبيرق، وليس بمشرك لما ناسبت السرقة المحاربة وسائر الكفر، ذكرها بعد، والسارق مبتدأ خبره محذوف على حذف مضاف، أى مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، وقيل: السارق مبتدأ خبره اقطعوا أيديهما على الاخبار بجملة الطلب، وقرن بالفاء لشبه المبتدأ مع أل باسم الشرط وفعل الشرط، كأنه قيل: من سرق ومن سرقت، ويجوز كون الفاء فى جواب أما أى وأما السارق فاقطعوا، وعديد هذا ما مر من حكم المحارب، وقرأ عيسى بن عمير السارق والسارقة بالنصب على الاشتغال، وقرن المشغول بالفاء للتأكيد، ولشبه أل بأداة الشرط، لأنها موصول للعموم، ولم يرد به الخصوص، ولو خص سبب النزول، وذلك أنه لما ناب المشغول عن الشاغل صار السارق كأنه منصوب بالمشغول متصل، فكأنه اسم شرط مفعول مقدم لجوابه كذا ظهر لى. والنصب على الاشتغال راجع على الابتداء اذا كان الاخبار بالطلب، ولذا اختار سيبويه قراءة النصب والسرقة أخذ الانسان مال غيره فى خفية، بحيث لا يجوز له أخذه، وانما يوجب القطع اذا كانت من حرز وكان المسروق ربع دينار أو ما يساويه فصاعداً. قالت عائشة رضى الله عنها: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع يد السارق الا فى ربع دينار"تفسير : ودينار الدماء عندنا كأرش الجروح ودية الأعضاء، ودية الانسان والنكاح أثنى عشر درهماً، فربع الدينار ثلاثة دراهم، فالقطع فى ثلاثة دراهم، وبعض أصحابنا يجعله من ستة عشر درهماً، فربعه ربعه وكذا فعل الشيخ عامر فى الايضاح، وأكثر أصحابنا على الأول، وبه قال مالك وأحمد واسحاق، فالقولان متفقان فى أن القطع فى ربع دينار، وهو مذهب الجمهور أبى بكر وعمر وعثمان، وعلى وجابر بن زيد، وأصحابنا، وعمر بن عبد العزيز والأوزاعى والشافعى، الا أنهم اختلفوا فى الدينار بعد ما ورد أن القطع فى ربعه. واحتج من قال بالثلاثة برواية عمر رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً فى مجن قيمته ثلاثة دراهم، ففسروا الدينار باثنى عشر درهما اذ لم يروا أنه قطع صلى الله عليه وسلم فيما دون، ولا قائل أن ربع الدينار أقل من ثلاثة والمجن الترس، وعن أبى هريرة أن قدر النصاب الذى تقطع به اليد خمسة دراهم، وعن عمر لا تقطع لخمس الا فى الخمسة، وبه قال ابن أبى ليلى لما روى عن أنس أنه قطع أبو بكر فى مجن قيمته خمسة دراهم. وفى رواية عن أنس أنه قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجن قيمته خمسة دراهم، والصحيح أن أنس قال: قطع أبو بكر فى مجن قيمته خمسة دراهم، وعن أبى هريرة: القطع فى أربعة دراهم، وكذا عن أبى سعيد. وقال الحسن البصرى: القطع فى درهم فصاعداً، ومن مواعظه: احذر من قطع يدك فى درهم، وعن أبى حنيفة لا قطع فيما دون عشرة دراهم، وعنه وعن ابن مسعود وسفيان الثورى: لا قطع فى أقل من دينار، أو عشرة دراهم، لما روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قطع فى مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم، وفى رواية عن الحسن، وابن عباس، وابن الزبير: القدر غير معتبر، فيجب القطع فى القليل والكثير، وهو قول الظاهرية لعموم ظاهر الآية، وكذا لم تشترط الظاهرية الحرز لعموم ظاهر الآية، والحق أن الآية مخصصة بالحديث فى المقدار والحرز، نعم ورد فى الحديث ما يوهم أن القطع لا مقدار فيه للمسروق، وذلك أنه روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله السارق ليسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الخيل فتقطع يده" تفسير : فقيل: بيضة الدجاجة ومطلق الخيل، فلا حد لما يقطع فيه، وقال الأعمش: يرون أن بيضة الحديد، وأن من الخيال ما تساوى دراهم، وهذا التأويل هو الراجح لورود التحديد فى الحديث. وأما حديث: لم تقطع يد السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا فى ثمن مجن حجفة أو ترس بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون آلة الاجتنان أى الاستتار والحجفة بدل منه، والترس معطوف على حجفه، والحجفة بفتح الحاء والجيم الدرقة وهى من خشب أو عظم، وتغلف بجلد أو غيره، والترس مثله، لكن يطابق فيه بين جلدين وقيل هما بمعنى، وأو على الثانى للشك من الراوى، هل ذكر هذا اللفظ، وهل ذكر هذا اللفظ. وعلى الأول فقيل للشك والأولى أنه عليه للتفصيل، وأما فى قول دينار أو عشرة دراهم، وقد مر فللشك، واستثنى الحنفية ما يسرع اليه الفساد، وما أصله الاباحة كالحجارة واللبن والخشب والملح والتراب والكلأ والطير، وفيه رواية عند الحنابلة، والراجح عندهم فى مثل السرجين القطع، لأنهم أجازوا بيعه وهو الزبل. وانما كان القطع فى ربع دينار مع أن اليد أو الرجل ديتهما نصف الدية التامة، لأن الدية لليد أو للرجل لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدى، ولو كان نصاب القطع خمسمائة لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة فى الجانبين، وصيانتهما جانب العضو وجانب المال، هذا ما حكى أو ستة غر بن حجر فى تفسير بيت عبد الوهاب المالكى: شعر : صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة البارى تفسير : وفى رواية: شعر : عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فانظر حكمة البارى تفسير : خالفوا عبد الوهاب جواباً لما قيل عن أبى العلاء المعرى: شعر : يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت فى ربع دينار تفسير : قيل: شرط الحرز مأخوذ من الآية، لأن لفظ السرقة معناه الأخذ خفية، وفيه أنه قد يختفى بغير الحرز، والحرز الدار والبيت من بناء أو نحو شعر، سكن أو لم يسكن، فما جعل لسكنى أو لحفظ المال أو القبر، وسواء وضع شىء فيما ظهر منه كعرصة الدار، أو فيما خفى، سواء أغلق الباب أو فتح، وما ليس فى بناء ولا بيت نحو شعر فلا قطع فيه. قال النخعى: لا قطع على من دخل بيتاً باذن، والمذهب قطع السارق من القبر، وهو مسكن الميت، وبه قال مالك والشافعى وأحمد، وقال ابن أبى ليلى، والثورى وأبو حنيفة: لا قطع عليه فان سرق شيئاً من غير حرز كثمر من بستان لا حارس له، وحيوان فى برية لا راعى لها، قيل أو فى بيت منقطع عن البيوت، فلا قطع عليه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التمر المعلق فقال: "من أصاب فى فيه من ذى حجة غير متخذ خبينته فلا شىء عليه"تفسير : أى لا غرم ولا عقوبة، وذلك على عرف البلد، ومن خرج بشىء منه فعليه غرم مثله، والعقوبة أى الأدب أو فوقه لا القطع. ومن سرق منه قدر المحجن فعليه القطع، والخبنة بضم الخاء المعجمة واسكان الباء الموحدة بعدها نون ما يؤخذ فى الخص، أو فى أسفل الثوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا قطع فى ثمر معلق"تفسير : أى لم يخرج بقدر محجن فان لم يخرج ولكن أكل فى فيه فلا قطع، ولو أكل قدر قيمة المحجن كذا ظهر. قال: ولا فى حريسة الجبل، فاذا واراه الجرير أو المراج فالقطع فيما بلغ المحجن، والحريسة السرقة أى سرقة شاة مثلا من الجبل وقيل الحريس شاة يدركها الليل قبل أن تصل مأواها، والمراح بالضم الموضع الذى تأوى اليه الماشية بالليل. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس على خائن أو مختلس قطع"تفسير : ويقطع العبد والحر الا ان سرق من مال سيده، أو الشريك من مال الشركة، أو الأب أو الأم من مال ولدهما للشبهة، ويقطع السارق من مال أبيه وأمه، وقيل لا للشبهة، ويقطع حديث عهد بالاسلام لا يعلم أن السارق يقطع، وقيل لا يقطع. والقطع من الرسغ فى اليد أو المفصل من الرجال كما مر، وحكى فيه بضع أصحابنا رحمهم الله وغيرهم الاجماع، وقيل عن قوم خوارج: تقطع من المنكب، وزعم بعض أن علياً كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى، ويقول: أستحى من الله أن أتركه بلا عمل. ويرده أنه لا يسمى مقطوع اليد، ولا يعتد بما روى أنه صلى الله عليه وسلم قطع يمين السارق من الرسغ، والمراد بالأيدى فى الآية الأيدى اليمنى وقرأ عبد الله بن عباس: فاقطعوا أيمانهما. والمراد بالسارق والسارقة الجنس، وانما ثنى الضمير فى أيديهما مراعاة للفظهما، وجمع اليد مع أن المراد يدان يمين هذا ويمين هذه ليلا تجتمع تثنيتان لا مراعاة للمعنى، لأنه قد روعى اللفظ بعدهما، والأصل أن لا يراعى اللفظ بعد مراعاة المعنى وانما يبدأ القطع من اليد اليمنى، وان قطعت الشمال فعلى قاطعها نصف الدية التامة، وذلك جناية، وان تعمد فان شاء المقطوع اقتص، وان شاء فنصف الدية، وتقطع يمين المقطوع بعد ذلك أيضا فى حد السرقة، وهذا مذهبنا، وقيل لا تقطع يمينه بعد، ونسب لقتادة وكذا قال مالك الا أنه قال: ان قطعت خطأ أجزأت عن السارق وله نصف الدية، وكذا قال أبو حنيفة، والقولان عن أحمد والشافعى. واذا سرق فقطعت يمناه ثم سرق قطعت رجله اليسرى، ثم ان سرق قطعت يده اليسرى، وان سرق فرجله اليمنى، لآية المحاربة، وفعل الصحابة، ولأن الآية فى المرة الواحدة فاذا أعاد السرقة وكرر أعيد القطع الى أن لا يبقى له ما يقطع، وان سرق سجن وعزر هذا قول أصحابنا والجمهور، ونسب ذلك لقتادة ومالك والشافعى، وقال الزهرى المدنى صاحب مالك: يقتل فى الخامسة، وقيل تقطع يده اليمنى، فيده اليسرى، فرجله اليمنى فاليسرى، نقل هذا عن أبى بكر وعمر، ولم يصح النقل، وقيل اليد اليمنى فالرجل اليسرى، ثم لا قطع. قال النخعى: لا يترك ابن آدم لا يقدر يستنجى ويأكل كالبهيمة بها، وروى أن عمر أراد القطع فى الثالثة فقال له على: أضربه واحبسه ففعل، قال على: أستحيى من الله أن لا أترك له يداً يستنجى بها، ورجلا يمشى بها، وهذا قول النخعى والشعبى، وأحمد والأوزعى، وأصحاب الرأى. وقالت الظاهرية لا قطع للرجلين، واستدل الجمهور بما رواه ابن عباس رضى الله عنهما ان سرق فاقطعوا يده، ثم ان سرق فاقطعوا رجله، فأطلق اليد والرجل، فعلمنا أنه أراد تكرير القطع بتكرير السرقة الى أن لا يبقى ما تسمى يداً ورجلا، والبدء باليد اليمنى، ويجوز أن يحسم السارق بعد القطع، والقطع واجب لأن الأمر المجرد للوجوب ولقوله تعالى: {جَزَآءَ بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: فان الجزاء واجب، فانه تعذيب من الله يردع به الناس عن السرقة أو الجزاء ردع من الله تعالى لهم عنها، وهو عزيز لا يرد ما فعل، ولا عما أراد فعله، حكيم فى الحكم بالقطع وغيره، ولما روى عن عائشة رضى الله عنها،حديث : أن قريشا أهمتهم شأن المخزومية التى سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يتجرىء عليه الا أسامه بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع فى حد من حدود الله" ثم خطب وقال: "انما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطعت يدها ". تفسير : وقالت عائشة رضى الله عنها: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسارق فقطعه، فقالوا: ما كنا نراك تبلغ به هذا؟ فقال: "لو كانت فاطمة لقطعتها"تفسير : وجزاء مفعول لأجله ناصبه اقطعوا، ونكالا بدل من جزاء بدل مطابق، أو مفعول لأجله ناصبه جزاء، أو مفعولان مطلقان، أى جازوهما جزاء ونكلوهما نكالا، وعامل كل مستأنف مقدر كما رأيت وهما اسما صدرين، المجازاة والتنكيل وذلك الجزاء والتنكيل، ولو كان فعلين للمخلوق لكنهما مأمور بهما من الله، ومخلوقان لله تعالى، وصح أن يكون من الله نعتاً لنكالا، وما وافقه على القطع أى جزاء بالقطع الذى كسباه، لأن السرقة كسب له، أو على السرقة فتكون للتعليل أى جزاء بالقطع لما كسبا وهو السرقة.
اطفيش
تفسير : {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ} لربع دينار وما يساويه قيمة عندنا وعند الشافعى ومالك، وقيل أَو أَقل، وبسطت الأَقوال فى الفروع ومنها قول أَبى حنيفة عشرة دراهم، وقول الحسن بدرهم وعنه عن ابن الزبير وابن عباس فى القليل والكثير بلا حد، وبه قال الخوارج، وقيل لا تقطع الخمس إِلا بخمسة دراهم والخلاف لأَحاديث ومنها لا قطع إِلا فى ربع دينار. وذلك من حرز. ولم يعتبر ابن عباس وابن الزبير والحسن والخوارج الحرز وقدم السارق على السارقة لأَن الرجل أميل إِلى السرقة وأَقوى، والزانية على الزانى لأَنها أَميل إِلى الزنى حتى أَن الرجل إِليها كإِبرة فى الطين ولأَنه لولا رضى المرأَة غالبا ما زنى بها رجل إِذ لو صاحت أَو أَنكرت من جدها لذل الرجل وذهب، وهما مبتدأ على حذف مضاف والخبر محذوف، أَى مما يتلى عليكم أَو مما فرض عليكم حكم السارق والسارقة، وقوله تعالى {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} بيان لذلك الحكم أَو هو الخبر فالفاء فيه لشبه المبتدأ باسم الشرط فى العموم مع ما أَشبه الفعل وهو الوصف، والإِخبار بالطلب جائز والمراد بالأَيدى الأَكف اليمنى وإِن عادوا فاليسرى وإِن عادوا فالقدم اليمنى من مفصلها وإِن عادوا فاليسرى، ويعزر بعد ذلك إِن عاد بما يرى الإِمام، وقد قطع صلى الله عليه وسلم يمنى سارق من الرسغ، رواه الحارث بن أَبى عبدالله بن أَبى ربيعة كما ذكره أَبو نعيم، وذلك مذهب الجمهور وهو مذهبنا، وقالت الإِمامية: يقطع من أَصول الأَصابع ويترك له الإبهام والكف، وزعمت الصفرية أَن القطع من المنكب وزعم بعض أَن المراد الأَصابع من اليمنى لأَن القبض بها غالباً ولم يقطع الأَئمة إِلا من الرسغ فصار إِجماعاً، والحمع لكراهة تثنيتين ولو ثنى فقيل يديهما لجاز ولو أَفرد فقيل يدهما لإِرادة الحقيقة لجاز، ويختار الجمع {جَزَاءً} اقطعوا أَيديهما حال كونكم مجازين أَو ذوي جزاء، أَو أَيديهما حال كونهما مجازين بفتح الزاى أَو ذوى جزاءِ بفتح الواو ولأَجل الجزاءَ. أَو جاز وهما جزاء أَو اعتبر الجزاء فى اقطعوا. {بِمَا كَسَبَا} بما كسباه وهو السرقة أَو يكسبهما وهو هى {نَكَالاً} تعليلا لجزاء أَو بدل منه على أَنه نوع منه وهو العذاب أَو الإِصابة بنازلة أَو تعليل لاقطعوا، أَو لو جعلنا جزاءً تعليلا له لجواز تعليل شىء واحد بعلتين بطريق التبعية كالبدل هنا وأَجازه بعضهم ولو بلا تبعية ولا بأس بتعليل علة ومعلولها {مِنَ اللهِ}فلا بد من التوبة بالندم وبالعزم على عدم العود وبالضمان لأَن ذلك جزاء لا كفارة وما جاءَ فى الحديث أَنه كفارة محمول على من تاب {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فى إِيجاب القطع وفى انتقامه منه ومن العصاة وفى فرائضه وحدوده فالقطع حكمة لا تحكم، لعن الله المعرى إِذ قال: شعر : يـد بخمــس مئيـــن عسجـــد وديــــت ما بالها قطعـــــت فــى ربـع دينـــار تحكـــم مــالنـــا إِلا السكــــوت لـــــــه وأَن نعـــــوذ بمــولانــــا مـــن النــار تفسير : قلت: شعر : يـاليـت كلـب المعــرة الـذى نبحـا بـذا الكــــلام وأَبــدى مضمـــر العــار عــــن نطقــــه سـاكـت فـإِن حكمتـه سبحانه وتعــالى عــز مـــن جـــار عــــز الأَمــانة أَغـــلاهـا وأَرخصــها ذل الخيــــانة للحــــرز والـــــدار تفسير : وإِن أَراد بالتحكم مجرد أَنه لا بد لنا من الحكم به قلنا قبحه الله لسوء عبارته. ويدل على أَنه لا يكون القطع كفارة بلا توبة قوله تعالى.
الالوسي
تفسير : {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى، وقد تقدم بيان اقتضاء الحال لإيراد ما توسط بينهما من المقال، والكلام جملتان ـ عند سيبويه ـ إذ التقدير / فيما يتلى عليكم ـ السارق والسارقة ـ أي حكمهما، وجملة عند المبرد، وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر ـ لأن زيداً فأضربه أحسن من زيد فأضربه ـ قاله الزمخشري، واتبعه من تبعه ومنهم ابن الحاجب. وتعقبه العلامة أحمد في «الانتصاف» بكلام كله محاسن فلا بأس في نقله برمته، فنقول. قال فيه: «المستقرأ من وجوه القراآت أن العامة لا تتفق فيها أبداً على العدول عن الأفصح، وجدير بالقرآن أن (يحرز) أفصح الوجوه وأن لا يخلو من الأفصح و [ما] يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد منهم إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها، وسيبويه يحاشى من اعتقاد عراء القرآن عن الأفصح واشتمال الشاذ الذي لا يعدّ من القرآن عليه، ونحن نورد الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل، قال سيبويه في ترجمة باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب وملخصها: أنه متى بني الاسم على فعل الأمر فذاك موضع اختيار النصب، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار (فيه) النصب: وأما قوله عز وجل: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} وقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله عز وجل: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : ثم قال سبحانه بعد: {أية : فِيهَا أَنْهَارٌ} تفسير : [محمد: 15] منها كذا، يريد سيبويه تمييز هذه الآي عن المواضع التي بين اختيار النصب فيها، ووجه التمييز أن الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم فيه مبنياً على الفعل، وأما في هذه الآي فليس بمبني عليه فلا يلزم فيه اختيار النصب، ثم قال: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده فذكر أخباراً وقصصاً، فكأنه قال: ومن القصص ـ مثل الجنة ـ فهو محمول على هذا الإضمار والله تعالى أعلم، وكذلك الزانية والزاني لما قال جل ثناؤه: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا} تفسير : [النور: 1] قال جل وعلا في جملة الفرائض: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى} ثم جاء {أية : فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] بعد أن مضى فيهما الرفع ـ يريد سيبويه ـ لم يكن الاسم مبنياً على الفعل المذكور بعد، بل بني على محذوف متقدم، وجاء الفعل طارئاً، ثم قال: كما جاء ـ وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم، فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر، وكذلك {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} [كأنه قال] فيما فرض عليكم السارق والسارقة وإنما (دخلت هذه الأسماء) بعد قصص وأحاديث، وقد قرأ أناس {وَٱلسَّارِقَ وَٱلسَّارِقَةَ} بالنصب وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع، يريد إن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنياً على الفعل غير معتمد على متقدم، فكان النصب قوياً بالنسبة إلى الرفع، حيث يبنى الاسم على الفعل لا على متقدم، وليس يعني أنه قوي بالنسبة إلى الرفع، حيث يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، فإنه قد بين أن ذلك يخرجه عن الباب الذي يختار فيه النصب، فكيف يفهم عنه ترجيحه عليه، والباب مع (القرائن) مختلف، وإنما يقع الترجيح بعد التساوي في الباب، فالنصب أرجح من الرفع حيث يبنى الاسم على الفعل، والرفع متعين ـ لا أقول أرجح ـ حيث يبنى الاسم على كلام متقدم، وإنما التبس على الزمخشري كلام سيبويه من حيث اعتقد أنه باب واحد عنده، ألا ترى إلى قوله: لأن زيداً فأضربه أحسن من زيد فأضربه، كيف رجح النصب على الرفع، حيث يبنى الكلام في الوجهين على الفعل، وقد صرح سيبويه بأن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، ثم حقق [سيبويه] هذا المقدار بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار، ولو كان كما ظنه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير، بل كان يرفعه على الابتداء، ويجعل الأمر خبره ـ كما أعربه الزمخشري ـ فالملخص ـ على / هذا ـ أن النصب على وجه واحد، وهو بناء الاسم على فعل الأمر، والرفع على وجهين، أحدهما: ضعيف وهو الابتداء، وبناء الكلام على الفعل، والآخر: قوي بالغ كوجه النصب، وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دل عليه السياق، وإذا تعارض لنا وجهان في الرفع، أحدهما قوي والآخر ضعيف تعين حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه رحمه الله تعالى ورضي عنه» انتهى. والفاء إذا بني الكلام على جملتين سببية لا عاطفة، وقيل: زائدة وكذا على الوجه الضعيف، فإن المبتدأ متضمن معنى الشرط إذ المعنى والذي سرق والتي سرقت، وزعم بعض المحققين أن مثل هذا التركيب لا يتوجه إلا بأحد أمرين: زيادة الفاء كما نقل عن الأخفش، أو تقدير إما لأن دخول الفاء في خبر المبتدأ إما لتضمنه معنى الشرط، وإما لوقوع المبتدأ بعد أما، ولما لم يكن الأول وجب الثاني ولا يخفى ما فيه، وعلى قراءة عيسى بن عمر يكون النصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، والفاء أيضاً ـ كما قال ابن جني ـ لما في الكلام من معنى الشرط، ولذا حسنت مع الأمر لأنه بمعناه، ألا تراه جزم جوابه لذلك إذ معنى أسلم تدخل الجنة إن تسلم تدخل الجنة، والمراد كما يشير إليه بعض شروح «الكشاف» إذ أردتم حكم السارق والسارقة فاقطعوا الخ، ولذا لم يجز زيداً فضربته لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط إذا كان ماضياً، وتقديره إن أردتم معرفة الخ أحسن من تقديره إن قطعتم لأنه لا يدل على الوجوب المراد، وقال أبو حيان: إن الفاء في جواب أمر مقدر أي تنبه لحكمهما فاقطعوا، وقيل: إنما دخلت الفاء لأن حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى: {أية : فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54] وليس بشيء، وبما ذكر صاحب «الانتصاف» يعلم فساد ما قيل: إن سبب الخلاف السابق في مثل هذا التركيب أن سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولاً بما يقبل مباشرة أداة الشرط، وغيرهما لا يشترط ذلك، والظاهر أن سبب هذا عدم الوقوف على المقصود فليحفظ. والسرقة أخذ مال الغير خفية، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز، والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها، مع شروط تكفلت ببيانها الفروع، ومذهب الشافعي والأوزاعي وأبـي ثور والإمامية رضي الله تعالى عنهم أن القطع فيما يساوي ربع دينار فصاعداً، وقال بعضهم: لا تقطع الخمس إلا بخمسة دراهم، واختاره أبو علي الجبائي، قيل: يجب القطع في القليل والكثير ـ وإليه ذهب الخوارج ـ والمراد بالأيدي الأيمان ـ كما روي عن ابن عباس والحسن والسدي وعامة التابعين رضوان الله عليهم أجمعين ـ ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ـ أيمانهما ـ ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] اكتفاءاً بتثنية المضاف إليه كذا قالوا قال الزجاج: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن، ولفظ به على الجمع لأن الإضافة تبينه، فإذا قلت: أشبعت بطونهما علم أن للإثنين بطنين فقط. وفرع الطيبـي عليه عدم استقامة تشبيه ما في الآية هنا بما في الآية الأخرى لأن لكل من السارق يدين فيجوز الجمع، وأن تقطع الأيدي كلها من حيث ظاهر اللغة وكذا قال أبو حيان، وفيه نظر لأن الدليل قد دل على أن المراد من اليد يد مخصوصة وهي اليمين فجرت مجرى القلب والظهر؛ واليد اسم لتمام العضو، ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقْطع هو المنكب، والإمامية على أنه يقطع من أصول الأصابع ويترك له الإبهام والكف، ورووه عن علي كرم الله تعالى وجهه، واستدلوا عليه أيضاً بقوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 79] إذ لا شك في أنهم إنما يكتبونه بالأصابع، وأنت تعلم أن هذا لا يتم به الاستدلال على ذلك المدعي، وحال روايتهم / أظهر من أن تخفى، والجمهور على أن المقطع هو الرسغ، فقد أخرج البغوي وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» من حديث الحرث بن أبـي عبد الله بن أبـي ربيعة «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه»تفسير : والمخاطب بقوله سبحانه: {فَٱقْطَعُواْ} على ما في «البحر» الرسول صلى الله عليه وسلم أو ولاة الأمور كالسلطان ومن أذن له في إقامة الحدود، أو القضاة والحكام، أو المؤمنون أقوال أربعة، ولم تدرج السارقة في السارق تغليباً كما هو المعروف في أمثاله لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر. {جَزَآءً} نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء، أو على أنه مصدر ـ لاقطعوا ـ من معناه، أو لفعل مقدر من لفظه، وجوز أن يكون حالاً من فاعل ـ اقطعوا ـ مجازين لهما {بِمَا كَسَبَا } بسبب كسبهما، أو ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي وقوله تعالى: {نَكَـٰلاً} مفعول له أيضاً ـ كما قال أكثر المعربين ـ وقال السمين: منصوب كما نصب {جَزَآءً}، واعترض الوجه الأول بأنه ليس بجيد لأن المفعول له لا يتعدد بدون عطف واتباع لأنه على معنى اللام، فيكون كتعلق حرفي جر بمعنى بعامل واحد وهو ممنوع، ودفع بأن النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه، وقال الحلبـي وبعض المحققين: إنه إنما ترك العطف إشعاراً بأن القطع للجزاء والجزاء للنكال والمنع عن المعاودة، وعليه يكون مفعولاً له متداخلاً كالحال المتداخلة، وبه أيضاً يندفع الاعتراض وهو حسن، وقال عصام الملة: إنما لم يعطف لأن العلة مجموعهما ـ كما في هذا حلو حامض ـ والجزاء إشارة إلى أن فيه حق العبد، والنكال إشارة إلى أن فيه حق الله تعالى، ولا يخفى ما فيه فتأمل، ونقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدد المفعول له بلا اتباع وحينئذ لا يرد السؤال رأساً، وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع صفة لنكالاً أي نكالاً كائناً منه تعالى {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} في شرع الردع {حَكِيمٌ} في إيجاب القطع، أو عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي حكيم في فرائضه وحدوده، والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير مرة. ومن الغريب أنه نقل عن أبيّ رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ـ والسرق والسرقة ـ بترك الألف وتشديد الراء، فقال ابن عطية: إن هذه القراءة تصحيف لأن السارق والسارقة قد كتبا في المصحف بدون الألف، وقيل: في توجيهها أنهما جمع سارق وسارقة، لكن قيل: إنه لم ينقل هذا الجمع في جمع المؤنث؛ فلو قيل: إنهما صيغة مبالغة لكان أقرب، واعترض ـ الملحد ـ المعري على وجوب قطع اليد بسرقة القليل فقال:شعر : يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تحكم ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار تفسير : فأجابه ـ ولله دره ـ علم الدين السخاوي بقوله:شعر : عز الأمانة: أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري تفسير : وفي «الأحكام» لابن عربـي [2/ 618] «أنه كان جزاء السارق في شرع من قبلنا استرقاقه، وقيل: كان ذلك إلى زمن موسى عليه الصلاة والسلام ونسخ، فعلى الأول: شرعنا ناسخ لما قبله، وعلى الثاني: مؤكد للنسخ».
ابن عاشور
تفسير : جملة معطوفة على جملة {أية : إنّما جزاء الّذين يحاربون}تفسير : [المائدة: 33]. {والسارق} مبتدأ والخبر محذوف عند سيبويه. والتّقدير: ممّا يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. وقال المبرّد: الخبر هو جملة {فاقطعوا أيديهما}، ودخلت الفاء في الخبر لتضمّن المبتدأ معنى الشرط؛ لأنّ تقديره: والّذي سرق والّتي سرقت. والمصول إذا أريد منه التّعميم ينزّل منزلة الشرط ـــ أي يجعل (أَلْ) فيها اسم موصول فيكون كقوله تعالى {أية : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم}تفسير : [النساء: 15]، قوله: {أية : واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما}تفسير : [النساء: 16]. قال سيبويه: وهذا إذا كان في الكلام ما يدلّ على أنّ المبتدأ ذكر في معرض القصص أو الحُكم أو الفرائض نحو {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدواواللذان يأتيانها منكم فآذوهما} {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} إذ التّقدير في جميع ذلك: وحكم اللاتي يأتين، أو وجَزاء السارق والسّارقة. ولقد ذكرها ابن الحاجب في «الكافية» واختصرها بقوله: «والفاء للشرط عند المبرّد وجملتان عند سيبويه، يعني: وأمّا عند المبرّد فهي جملة شرط وجوابه فكأنّها جملة واحدة وإلاّ فالمختار النصب». أشار إلى قراءة عيسى بن عمر {والسارقَ والسارقَة} ـــ بالنصب ـــ، وهي قراءة شاذّة لا يعتدّ بها فلا يخرّج القرآن عليها. وقد غلط ابن الحاجب في قوله: فالمختار النصب. وقوله: {فاقطعوا أيديهما} ضمير الخطاب لِوُلاة الأمور بقرينة المقام، كقوله: {أية : الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة}تفسير : [النور: 2]. وليس الضّمير عائداً على الّذين آمنوا في قوله {أية : يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله}تفسير : [النساء: 35]. وجُمع الأيدي باعتبار أفراد نوع السارق. وثنيّ الضمير باعتبار الصنفين الذكر والأنثى؛ فالجمع هنا مراد منه التّثنية كقوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4]. ووجه ذكر السارقة مع السارق دفعُ توهّم أن يكون صيغة التذكير في السارق قيداً بحيث لا يجري حدّ السرقة إلاّ على الرجال، وقد كانت العرب لا يقيمون للمرأة وزناً فلا يجرون عليها الحدود، وهو الدّاعي إلى ذكر الأنثى في قوله تعالى في سورة البقرة: (178) {أية : الحُرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}تفسير : . وقد سرقت المخزوميّة في زمن رسول الله فأمر بقطع يدها وعظم ذلك على قريش، فقالوا: من يشفع لها عند رسول الله إلاّ زيد بن حارثة، فلمّا شفع لها أنكر عليه وقال: أتشفع في حدّ من حدود الله، وخطب فقال: إنّما أهلك الّذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه وإذا سرق الضّعيف قطعوه، والله لو أنّ فاطمة سرقت لقطعت يدها. وفي تحقيق معنى السرقة ونصاب المقدار المسروق الموجب للحدّ وكيفية القطع مجال لأهل الاجتهاد من علماء السلف وأيّمة المذاهب وليس من غرض المفسّر. وليس من عادة القرآن تحديد المعاني الشّرعية وتفاصيلها ولكنّه يؤصّل تأوصيلها ويحيل ما وراء ذلك إلى متعارف أهل اللّسان من معرفة حقائقها وتمييزها عمّا يشابهها. فالسارق: المتّصف بالسرقة. والسرقة معروفة عند العرب مميّزة عن الغارة والغصْب والاغتصاب والخلسة، والمؤاخذة بها ترجع إلى اعتبار الشيء المسروق ممّا يشِحّ به معظم النّاس. فالسرقة: أخذ أحد شيئاً ما يملكه خُفية عن مالكه مخُرجاً إيّاه من موضعِ هو حرِزُ مثلِه لم يؤذن آخِذُه بالدخول إليه. والمسروق: مَا لهُ منفعة لا يتسامح النّاس في إضاعته. وقد أخذ العلماء تحديده بالرجوع إلى قيمة أقلّ شيء حكم النّبيء بقطع يد من سَرَقَه. وقد ثبت في الصّحيح أنّه حكم بقطع يد سارق حَجَفَة بحاء مهملة فجيم مفتوحتين (ترس بن جلد) تساوي ربع دينار في قول الجمهور، وتساوي ديناراً في قول أبي حنيفة، والثوري، وابننِ عبّاس، وتساوي نصفَ دينار في قول بعض الفقهاء. ولم يذكر القرآن في عقوبة السارق سوى قطع اليد. وقد كان قطع يد السارق حكماً من عهد الجاهليّة، قضى به الوليدُ بن المغيرة فأقرّه الإسلام كما في الآية. ولم يرد في السنّة خبر صحيح إلاّ بقطع اليد. وأوّل رَجُل قطعت يده في الإسلام الخيارُ بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأوّل امرأة قطعت يَدها المخزوميةُ مُرّةُ بنتُ سفيان. فاتّفق الفقهاء على أنّ أوّل ما يبدأ به في عقوبة السارق أن تقطع يده. فقال الجمهور: اليد اليمنى، وقال فريق: اليد اليسرى، فإن سرق ثانية، فقال جمهور الأيمّة: تقطع رجله المخالفة ليده المقطوعة. وقال عليّ بن أبي طالب: لا يقطع ولكن يحبس ويضرب. وقضى بذلك عمر بن الخطّاب، وهو قول أبي حنيفة. فقال عليّ: إنّي لأستحيي أن أقطع يده الأخرى فبأي شيء يأكُل وَيَسْتَنْجِي أو رِجْلَه فعلى أي شيء يعتمد؛ فإن سرق الثّالثة والرّابعة فقال مالك والشّافعي: تقطع يده الأخرى ورجلُه الأخرى، وقال الزهري: لم يبلغنا في السنّة إلاّ قطع اليد والرّجل لا يزاد على ذلك، وبه قال أحمد بن حنبل، والثّوري، وحمَّاد بن سلمة. ويجب القضاء بقول أبي حنيفة، فإنّ الحدود تُدرأ بالشبهات وأيّ شبهة أعظم من اختلاف أيمّة الفقه المعتبرين. والجزاء: المكافأة على العمل بما يناسب ذلك العملَ من خير أو شرّ، قال تعالى: {أية : إنّ للمتّقين مفازاً} تفسير : النبأ (31) إلى قوله {أية : جزاءً من ربّك عطاءً حسابا} تفسير : في سورة النبأ (31)، وقال تعالى: {أية : وجزاء سيئة مثلها} تفسير : في سورة الشورى (40). والنكال: العقاب الشّديد الّذي من شأنه أن يصدّ المعاقب عن العود إلى مثل عمله الّذي عوقب عليه، وهو مشتقّ من النكول عن الشيء، أي النكوص عنه والخوف منه. فالنكال ضرب من جزاء السّوء، وهو أشدّه، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فجعلناها نكالاً}تفسير : الآية في سورة البقرة (66). وانتصب {جزاء} على الحال أو المفعول لأجله، وانتصب {نكالاً} على البدل من {جزاء} بدل اشتمال. فحكمة مشروعيّة القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود، أي جزاء ليس بانتقام ولكنّه استصلاح. وضَلّ من حسب القطع تعويضاً عن المسروق، فقال من بيتين ينسبان إلى المعرّي (وليسا في «السقط» ولا في «اللّزوميات»):شعر : يد بخمسِ مِئينَ عسجَدا وُديتْ ما بالها قُطعت في رُبع دينار تفسير : ونسب جوابه لعلم الدّين السَّخَاوي:شعر : عِزّ الأمَانة أغلاهَا؛ وأرخصها ذُلّ الخيانة فافهَمْ حكمة الباري تفسير : وقوله: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه} أي من تاب من السارقين من بعد السرقة تاب الله عليْه، أي قبلت توبته. وقد تقدّم معناه عند قوله تعالى: {أية : فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه} تفسير : في سورة البقرة (37). وليس في الآية ما يدلّ على إسقاط عقوبة السرقة عن السارق إن تاب قبل عقابه، لأنّ ظاهر (تاب وتاب الله عليْه) أنّه فيما بين العبد وبين ربّه في جزاء الآخرة؛ فقوله: {فمن تاب من بعد ظلمه} ترغيب لهؤلاء العصاة في التّوبة وبشارة لهم. ولا دليل في الآية على إبطال حكم العقوبة في بعض الأحوال كما في آية المحاربين، فلذلك قال جمهور العلماء: توبة السارق لا تسقط القطع ولو جاء تائباً قبل القدْرة عليه. ويدلّ لصحّة قولهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد المخزومية ولا شكّ أنّها تائبة. قال ابن العربي: لأنّ المحارب مستبدّ بنفسه معتصم بقوّته لا يناله الإمام إلاّ بالإيجاف بالخيل والركاب فأسقط إجزاؤه بالتّوبة استنزالاً من تلك الحالة كما فُعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافاً على الإسلام. وأمّا السارق والزاني فهما في قبضة المسلمين، اهـــ. وقال عطاء: إن جاء السارق تائباً قبل القدرة عليه سقط عنه القطع، ونقل هذا عن الشّافعي، وهو من حمل المطلق على المقيّد حملاً على حكم المحارب، وهذا يشبه أن يكون من متّحد السبب مختلف الحكم. والتّحقيق أنّ آية الحرابة ليست من المقيّد بل هي حكم مستفاد استقلالاً وأنّ الحرابة والسرقة ليسا سبباً واحداً فليست المسألة من متّحد السبب ولا من قبيل المطلق الّذي قابَله مقيّد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: السارق: الذي أخذ مالاً من حرز خفية يقدر بربع دينار فأكثر. السارقة: التي أخذت مالاً من حرز خفية يقدر بربع دينا فأكثر. فاقطعوا أيديهما: أي اقطعوا من سرق منهما يده من الكوع. نكالاً: عقوبة من الله تجعل غيره ينكل أن يسرق. عزيز حكيم: عزيز: غالب لا يحال بينه وبين مراده، حكيم: في تدبيره وقضائه. بعد ظلمه: بعد ظلمه لنفسه بمعصية الله تعالى بأخذ أموال الناس. وأصلح: أي نفسه بتزكيتها بالتوبة والعمل الصالح. فإن الله يتوب عليه: أي يقبل توبته، ويغفر له ويرحمه إن شاء. له ملك السماوات والأرض: خلقاً وملكاً وتدبيراً. يعذب من يشاء: أي تعذيبه لأنه مات عاصياً لأمره كافراً بحقه. ويغفر لمن يشاء: ممن تاب من ذنبه وأناب إليه سبحانه تعالى. معنى الآيات: يخبر تعالى مقرراً حكماً من أحكام شرعه وهو أن الذي يسرق مالاً يقدر بربع دينار فأكثر من حرز مثله خفية وهو عاقل بالغ، ورفع إلى الحاكم، والسارقة كذلك فالحكم أن تقطع يد السارق اليمنى من الكوع وكذا يد السارقة مجازاة لهما على ظلمهما بالاعتداء على أموال غيرهما، {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي عقوبة من الله تعالى لهما تجعل غيرهما لا يقدم على أخذ أموال الناس بطريق السرقة المحرمة، {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} غالب على أمره حكيم في قضائه وحكمه. هذا معنى قوله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} من الإِثم {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وقوله تعالى في الآية الثانية [39] {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي تاب من السرقة بعد أن ظلم نفسه بذلك {وَأَصْلَحَ} نفسه بالتوبة ومن ذلك رد المال المسروق {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} لأنه تعالى غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، وقوله تعالى في الآية الثالثة [40] {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يخاطب تعالى رسوله وكل من هو أهل للتلقي والفهم من الله تعالى فيقول مقرراً المخاطب {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} والجواب بلى، وإذاً فالحكم له تعالى لا ينازع فيه فلذا هو يعذب ويقطع يد السارق والسارقة ويغفر لمن تاب من السرقة وأصلح. وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم حد السرقة وهو قطع يد السارق والسارقة. 2- بيان أن التائب من السراق إذا أصلح يتوب الله عليه أن يقبل توبته. 3- إذا لم يرفع السارق إلى الحاكم تصح توبته ولو لم تقطع يده، وإن رفع فلا توبة له إلا بالقطع فإذا قطعت يده خرج من ذنبه كأن لم يذنب. 4- وجوب التسليم لقضاء الله تعالى والرضا بحكمه لأنه عزيز حكيم.
القطان
تفسير : النكال: العقاب. او العبرة، {أية : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}تفسير : [البقرة:66]. بعد أن بيّن سبحانه عقاب الذين "يحاربون الله ورسوله"، وأمر بتقوى الله، وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله ـ ذكّرنا بعقاب اللصوص السارقين. وقد جمع في هذه الآيات الكريمة بين الوازع الداخلي وهو الايمان والصلاح، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال. يا ولاة الأمور، اقطعوا يد من يسرق مِن الكف الى الرسغ. وذلك لأن السرقة تحصل بالكف مباشرة. وتُقطع اليد اليمنى أولاً لأن التناول يكون بها في الغالب. والسرقة هي أخذُ مال الغير المحرَزِ خفيةً، فلا بد ان يكون المسروق مالاً مقوَّما. والمبلغ المتفق بينَ فقهاء المسلمين على عقوبة سرقته هو ربعُ دينار. ولا بد أن يكون هذا المالُ محفوظاً في دار او مخزن, وان يأخذه السارق من هناك. فلا قطع مثلاً على المؤتمن على مالٍ إذا سرقه او أنكره. وكذلك الخادم المأذون له بدخول البيت لا يُقطع فيما يسرق. ولا على المستعير اذا جَحَد العارية. ولا على سارق الثمار في الحقل. ولا على المال خارج البيت او الصندوق المعد لصيانته. ولا قطْع حين يسرق الشريكُ من مال شريكه، ولا على الذي يسرق من بيت مال المسلمين. وعقوبة هؤلاء هي التعزير او الحبس او ما يراه القاضي. والشُبهة تَدرأ الحدَّ، فشبهة الجوع والحاجة تدرأه، وشبهة الشركة في المال تدرأه، ورجوع المعترف وتوبته تدرأ. وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : إدرأوا الحُدودَ بالشُبُهات"تفسير : وفي ذلك يقول سيدنا عمر بن الخطاب: "لأَنْ أَعطِّلَ الحدودَ بالشُبهاتِ أحبُّ إليَّ من أن أقيمَها بالشُبُهات". والعقوبة هنا على السرقة الصريحة، أمّا السرقة الضمنية، كالالتواء في التجارة وسرقة أقوات الشعب بتهريب الأموال الى خارج دار الاسلام ـ فلها أحكام أخرى. والاسلام يكفل حق كل فرد من الحصول على ضرورات الحياة، فمن حق كل فرد (حتى غير المسلم) الحصولُ على ضرورات الحياة، أن يأكل ويشرب ويلبس ويكون له بيت يؤويه، وان يوفَّر له العمل ما دام قادراً. فإذا تعطَّل لعدم وجود العمل، او لعدم قدرته على العمل ـ فله الحق بأن تؤمِّن له الدولة الضروري من العيش. فاذا سرق وهو مكفيّ الحاجة، فإنه لا يُعذر، ولا ينبغي لأحد ان يرأف به. فأما حين توجد شُبهة من حاجة أو غيرها، فالمبدأ العام في الاسلام هو درءُ الحدود بالشُبهات. ولذلك لم يوجِب سيدنا عمر القطعَ في عام الرّمادَة حيث عمَتِ المجاعة. كذلك لم يقطع عندما سرق غلمانُ حاطبٍ بن أَبي بلتعة ناقةً رجل من مزينة ثم تبين للخليفة ان سيِّدهم يتركهم جياعاً. هكذا يجب ان نفهم الحدودَ في الاسلام: يضع الضمانات للجميع، ويتخذ أسباب الوقاية قبل العقوبة. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز في انتقامه من السارق وغيره من اهل المعاصي، حكيم في وضعه الحدود والعقوبات بما تقتضي المصلحة. قال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي، فقرأت هذه الآية فقلت "والله غفور رحيم" سهواً. فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعِد، فأعدت. ثم تنبّهت فقلت "والله عزيز حكيم". فقال: الآن أصبت فقلت: كيف عرفت؟ قال: يا هذا "عزيز حكيم" فأمَرَ بالقطع، ولو غفر ورحم لما أمر به. فقد فهم الاعرابي ان مقتضى العزة والحكمة غير مقتضى المغفرة والرحمة. {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ...}. فمن تاب عن السرقة بعد ظلمه لنفسه باقترافها، وأصلح إيمانه بفعل الخير ـ فإن الله يقبل توبته ويغفر به. ولا يسقط الحد عن التائب، ولا تصحّ التوبة الا بإعادة المال المسروق بعينه ان كان باقيا أو دفعِ قيمته إن هلك. ثم بيّن الشارع أن عقاب السراق والعفَو عن التائبين جاء وفق الحكمة والعدل والرحمة فقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} يدبّره بحكمته وعدله. ومن حكمته ان وضَع هذا العقاب لمن يسرق، كما وضع العقاب للمحاربين المفسدين في الأرض، وأنه يغفر للتائبين من هؤلاء وهؤلاء اذا صدقوا التوبة. انه يعذّب العاصي تربية له، وتأميناً للعباد من أذاه وشره. كما يرحم التائب بالغفران ترغيباً له.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَكَالاً} (38) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، وَكَانَ القَطْعُ مَعْمَولاً بِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّرَهُ الإِسْلاَمُ، وَجُعِلَتْ لَهُ شُرُوطٌ: - الإِمامُ مَالِكٌ جَعَلَ النِّصَابَ الذِي يَسْتَوجِبُ قَطْعَ اليَدِ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، مَتَى سَرَقَهَا أوْ سَرَقَ مَا يَبْلُغُهَا ثَمَناً وَجَبَ القَطْعُ. - الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ جَعَلَ النِّصَابَ رُبعَ دِينارٍ أوْ مَا يُسَاوِيهِ. - الإِمَامِ أحْمَدُ يَرَى أنَّ كلاً مِنَ الدَّرَاهِمِ الثَّلاثَةِ وَرُبْعِ الدِّينَارِ مَرَدٌّ شَرْعِيٌّ فَمَنْ سَرَقَ وَاحداً مِنْهُمَا أوْ مَا يُسَاوِيهِ قُطِعَ. - الإِمَامُ أبُو حَنيفَةَ وَزُفَرٌ جَعَلاَ النِّصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ غَيْرَ مَغْشُوشَةٍ لأنَّ التَرْسَ التِي قَطَعَ النَّبيُّ يَدَ سَارِقِها كَانَ ثَمَنُهَا عَشرةَ دَرَاهِمَ. وَجَعَلَ اللهُ عُقُوبَةَ القَطْعِ وَسِيلَةً تَرْدَعُ مَنْ فَكَّرَ فِي السَّرِقَةِ عَنِ الإِقْدَامِ عَلَيْهَا (نَكَالاً مِنَ اللهِ)، وَجَزَاءً لِلسَّارِقِ عَلَى ارْتِكَابِ فِعْلِ السَّرِقَةِ. وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ، حَكِيمٌ فِي أمْرِهِ وَنَهْيهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ، فَمَا أمَرَ بِأَمْرٍ إِلاَّ وَهُوَ صَلاحٌ، وَلاَ نَهَى عَنْ أَمْرٍ إِلا وَهُوَ فَسَادٌ. نَكَالاً - عُقُوبَةً رَادِعَةً تَجْعَلُ مَنْ أَرَادَ الإِقْدَامَ عَلَى الجُرْمِ يَنْكلُ عَنْ ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : جاء الحق من قبل بعقاب قطاع الطريق والمفسدين في الأرض، وهنا يأتي بقضية أخرى يريد أن يصون بها ثمرة حركة المؤمن في مجتمعه؛ لأن الإيمان يحب من المؤمن أن يتحرك، وحتى يتحرك الإنسان لا بد أن يضمن الإنسان ثمرة حركته. أما إن تحرك الإنسان وجاءت الثمرة ثم جاء من يأخذها فلا بد أن يزهذ المتحرك في الحركة، وحين يزهد الإنسان في الحركة يتوقف تقدم الوجود؛ لذلك من حظنا أن تستمر حركة الحياة، ولا تستمر حركة الحياة إلا إذا أمن الإنسان على حركته، وأن تكون حركته فيما شرع الله. وحين يتحرك الإنسان فيما شرع الله ويكسب من حلال؛ فليس لأحد دخل؛ لأن حركة هذا الإنسان تفيد المجتمع سواء أكان ذلك في باله أم لم يكن. وقلنا من قبل: إن الرجل الذي يملك مالاً يكتنزه يجد الحق يأمره بأن يستثمر هذا المال؛ لأنه سبحانه أمر بفتح أبواب الخير لمن يجد المال، فيدفع بخاطر بناء عمارة شاهقة في قلب صاحب المال، فيقول الرجل لنفسه: إن المال عندي مكتنز فلأبني لنفسي عمارة، ويزين له الحق هذا الأمر. ويفكر الرجل في أن يبني عمارة من عشرة طوابق وفي كل طابق أربع شقق، وليكن إيجار كل شقة مائة جنيه. وهو حصيلة شهرية لا بأس بها. لقد حسب الرجل المسألة وهو لا يدري أن الله سبحانه وتعالى يقذف في باله الخواطر، فيُسرع ليشتري قطعة الأرض. وبعد ذلك يأتي بمن يُصمّم بنيان العمارة ومن يقوم بالبناء، وتخرج النقود المكتنزة. وهكذا نرى أن الثرى قبل أن ينتفع بعمارته كان غيره قد انتفع بماله حتى أكثر طبقات المجتمع فقرا. ويحدث كل ذلك بمجرد الخاطر. ولكل إنسان خواطره، فالبخيل له من يسرف في ماله، والكريم له من يكتنز من ماله. وإياك أن تظن أن هناك حركة في الوجود خارجة عن إرادة الله. فالحق يقول: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} تفسير : [آل عمران: 89] وهم يفعلون ذلك لأن الذنوب تطاردهم، فيعوضون ذلك بإصلاح أعمالهم. ولذلك نجد أن الخير إنما يأتي من المسرفين على أنفسهم فيريدون إصلاح أمورهم وليس هناك من يستطيع أن يأخذ شيئاً من وراء الله. {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114] كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما يريد. نعم. فهو غيب قيّوم؛ ولذلك يكون تدبيره في الكون غيباً. وفي قرانا يخصّصون يوماً للسّوق ونرى ساحته في اليوم المُخصص ونتأملها فنتعجب من إبداع مُحرّك الكون؛ ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيّهم ولا يحملون شيئاً. وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه، وآخرون يسوقون أمامهم العجول أو الحمير، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم. ونرى نساء تحمل كل واحدة منهُن صنفاً من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق. ونرى أخريات يحملن سِلالاً فارغة، ونعرف أن كلاً منهن ذاهبة للشراء. وفي آخر النهار نرى المسألة معكوسة، من كان يحمل في الصباح شيئاً حمله غيره، فمن الذي هيّج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع؟ من الذي حرّك الشاري للشراء؟ هو الحق سبحانه يحقق للرّاغب في البيع أن يوجد المشتري، ويحقق للراغب في الشراء أن يوجد البائع. إنه ترتيب الحيّ القيّوم. ونسمع من يقول: لقد أنزلنا في السوق اليوم عشرين طناً من الطماطم وأربعين طناً من الكوسة. وغيرها من الأطنان. ونجد آخر النهار أن كل شيء قد بيع. إنها خواطر الله المتوازنة في الناس والتي توازن المجتمع. إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المُتحرّك. ويُريد أيضاً ألاّ يقتات الإنسان أو يتمتّع بغير مجهود؛ لأن من يسرق إنما يأخذ مجهود غيره. وهذا الفعل يُزَهِّدُ الغير في العمل. إن في الإسلام قاعدة هي: عندما تكثر البطالة يقال لك لا تتصدق على الناس بنقود من ملكك، ولكن افتح أي مشروع ولو لم تكن في حاجة إليه كأن تحفز بئراً وتردمها بعد ذلك وأعط الأجير أجره حتى لا يتعوّد الإنسان على الكسل، بل يجب تعويده على العمل، ومن لا يقدر على العمل فلا بد له من ضمان. فضمان الإنسان لقوته يكون من عمله أولاً، فإن لم يكن قادراً على العمل، فضمانه من أسرته وقرابته، فإن لم توجد له أسرة أو قرابة، فأهل محلّته مسئولون عنه، وإن لم يستطع أهل القرية أو المحلّة أن يوفّروا له ذلك، فبيت المال عليه أن يتكفّل بالفقراء. إذن فالأرضية الإيمانية تَحثُّنا على أن نضمن للإنسان العمل، أو نعوله ونقوم بما يحتاج إليه إن كان عاجزاً. ولكن الآفة أن بعضاً من الناس يحبُّون عملاً بذاته، فهذا يرغب في التوظّف في وظيفة لا عمل فيها، ونقول له: في العالم المعاصر أزمة عمالة زائدة فتعلّم أي مهارة؛ فما ضنت الحياة أبداً على طالب قوت من عمل. ولنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأُسْوَة حين أقام أول مزادٍ في الإسلام. عندما جاء له رجلٌ من الأنصار يسأله، فقال له: (حديث : أما في بيتك شيء. قال الرجل: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ - أي قدح - نشرب فيه من الماء. قال: إيتني بهما. فأتاه بهما. فأخذهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: من يزيد على درهم؟ - مرتين أو ثلاثا - ثال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فنبذه - أي أَلْقِهِ - إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُوماً فائتني به ). تفسير : إذن أشار النبي صلّى الله عليه وسلم على الرجل وأمره بأن يحضر الحِلْس الذي ينام عليه والقدح الذي يشرب فيه، حتى يعرف الرجل أنه تَاجَر في شيء يملكه، لا في عطاء من أحد. وجاء الرجل إلى حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ووجد أن النبي قد سوّى له يداً لقدوم وقال للرجل: (حديث : اذهب فاحتطب وبعْ، ولا أرينَّك خمسة عشر يوماً ). تفسير : وذهب الرجل يحتطب ويبيع امتثالاً لأمر النبي صلّى الله عليه وسلم وجاء بعد خمسة عشر يوماً وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً. فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (حديث : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة ). تفسير : هذه هي التربية. إذن فالغرض الأساسي أن يحمي الإسلام أفراد المجحتمع، فالذي لا يجد قُوتَه نساعده بالرأي وبالعلم والقدرة والقوة. والخير أن نعلّمهم أن يعملوا لأنفسهم. ولذلك جاء الحق لنا بقصة ذي القرنين المليئة بالعِبَر: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} تفسير : [الكهف:93] أي أنه لا توجد صلة للتفاهم. ولكنهم قالوا: {أية : قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} تفسير : [الكهف: 94] وها هو ذو القرنين يعلن أنه في غير حاجة إليهم، ولكن يكلفهم بعمل حتى يحقق لهم مُرادهم: {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} تفسير : [الكهف: 96] ومن العجيب أن القرآن عندما يحكي أمراً فهو لا يحكيه إلا لهدف، هم طلبوا من ذي القرنين أن يبني سدّاً، لكنه اقترح أن يجعل لهم رَدماً، ما الفرق؟ لقد تبين من العلم الحديث أن السَدّ قد تحدث له هزّة من أي جانب فينهدم كله، أما الرّدْم فإن حدثت له هزّة يزددْ تماسكاً. ولم يعمل ذو القرنين لهم، ولكن علّمهم كيف يصنعون الرَّدْم، وذلك حتى لا يعيشوا مع الإحساس بالعجز. وهكذا يُعلّمنا القرآن أن الإنسان لا بد له من عمل. لكن ماذا إن سَرَق؟. أولاً ما هي السَّرقة؟ إنها أَخذُ مالٍ مقوّم خفية. فإن لم يكن الأخذ خفية فهو اغتصاب، ومرة أخرى يكون خطفاً، ومرة رابعة يكون اختلاساً. فالأَخْذُ له أنواع مُتعددة؛ فالتاجر الذي يقف في دكانه ليبيع أي شيء، وجاء طفلٌ صغير وخطف قطعةً من الحلوى وجرى ولا يستطيع التاجر أن يطول الطفل أو أن يقدر على الإمساك به، هذا خَطْف. أما الذي يغتصب فهو الذي قهر صاحب الشيء على أن يتركه له. أما الاختلاس فهو أن يكون هناك إنسان أمين على مال فيأخذ منه، أما السرقة فهي أخذ لمال مقوَّم خفية وأن يكون في حرز مثله؛ أي يكون في مكان لا يمكن لغير المالك أن يدخله أو يتصرف فيه إلا بإذنه. أما الذي يترك بابه مفتوحاً أو يترك بضاعته في الشارع فهو المُقصّر، فكما يأمرنا الشرع بألا يسرق أحد أحداً، كذلك يأمر بعد الإهمال، بل لابد للإنسان أن يعقل أشياءه ويتوكَّل. وسبحانه هو المُشرّع العَدْل الذي يُقيم اليقظة علىالجانبين. حدّد الشّرع السرقة بما قيمته ربع دينار. وربع الدينار في ذلك الزمن كان كفي لأن يأكل إنسان هو وعياله ويزيد، بل إن الدرهم كان يكفي أن يقيم أود أسرة في ذلك الوقت. وكيف نقوِّم ربع الدينار في زماننا؟. لإن كان لا يكفي لمعيشة، فيجب أن ترفع النصاب إلى ما يُعيش، ومادام الدينار كان في ذلك الزمان ذهباً؛ فربع الدينار ترتفع قيمته. وقديماً كان الجنيه الذهب يساوي سبعة وتسعين قرشاً ونصف القرش. أما الجنيه الذهب حاليا فهو يساوي أكثر من مائتين وسبعين جنيهاً، وقد يكون هناك إنسان يسرق لأنه محتاج أو جائع، ولذلك وضع الشرع له قدرا لا يتجاوزه المحتاج لحفظ حياته وحياة من يعول هو الدرهم. وسرقة الدرهم لا حد فيها كما لا إثم فيها، وذلك إذا استنفذ كل الطرق المشروعة في الحصول على القوت، ونعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الدرهم للرجل وقال: (حديث : اشتر طعاماً لك ولأسرتك ). تفسير : وكان الدرهم - كما قلنا - يكفي في ذلك الزمن. والدرهم جزء من اثني عشر جزءا من الدينار، فربع الدينار ثلاثة دراهم، والدرهم يساوي في زمننا هذا أكثر من عشرين جنيها. والسطحيون يقولون: إن سيدنا عمر ألغى حَدّ السّرقة في عام الرّمادة؛ ونقول لهم: لا، لم يسقط عمر بن الخطاب الحد، فالحد باقٍ ولكنه لم يدخل الحادثة التي حصلت فيما يوجب الحد. والحادثة التي حدثت في عام الرمادة أو عام الجوع هي وجود الشبهة. وبفطنته كأول أمير للمؤمنين، لم يدخل الحوادث فيما يوجب الحد. وفي مسألة عبدالرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. عندما سرق غلمانه، فماذا حدث؟ قال الغلمان لعمر: كنا جوعى ولم يكن ابن أبي بلتعة يعطينا الطعام. ودرأ سيدنا عمر الحَدَّ بالشُّبهة. إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك وثمرة حركة المتحرك.، لكن بعض السطحيين في الفهم يقولون مثل ما قال المعرّي: شعر : يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ ما بالها قطعت في ربع دينار تناقضْ ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار تفسير : وهنا ردّ عليه العالِم المؤمن فقال: أنت تعترض لأننا نعطي ديِة اليَد خمسمائة دينار، وعندما يسرق إنسان. نقطع يد السارق لأنها أخذت ربع دينار. وقال العالم المؤمن: شعر : عِز الأمانة أغلاها وأرخصها ذُل الخيانة فافهم حكمة الباري تفسير : ونلاحظ أن التشريعات الجنائية وتشريعات العقوبات ليست تشريعات بشرية، لكنها تشريعات في منتهى الدقة. بالله لو أن مُقنّنا يقنن للسارق أو السارقة، ويُقَنّن للزاني والزانية ماذا يكون الموقف؟ إن الذي يتكلم هو رب العالمين، فقال هنا: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. والسرقة عادة ما تكون رغبة في الحاجة وهي غالبا ما تكون من عمل الرجل. أما في الزاني والزانية، فلو أن الرجل لم يُهّيج ويستثر بجمال امرأة لما فكر في الزِّنا. إذن فهي صاحبة البداية. وينص سبحَانه على العقوبة وجاء بالحكمة. وعندما يُشرع للقصاص وهي الحالة التي يغلي فيها دم أقارب القتيل، فيقول: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} تفسير : [البقرة: 178] ولنر الحَنانَ الموجود في كلمة "أخيه". ولا نجد تقنينا يدخل التحنين بين سطوره، إلا تقنين الرَّب الذي خلق الإنسان وهو أعلم به. {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}. هذا ما انتهى إليه حَد السّرقة في تشريعات السماء، وحتى في زمن سيدنا موسى كان السّارق يُستَرَق بسرقته؛ أي يتحوَّل الحُرّ إلى عَبد نتيجة سرقته. ولذلك نلاحظ ونحن نقرأ سورة سيدنا يوسف: {أية : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} تفسير : [يوسف: 70] و"السقاية" هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وكان اسمها "صواع الملك" وأخذوها ليكيلوا بها. وبعد أن جعل السقاية في رحل أخيه، ماذا حدث؟ {أية : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} تفسير : [يوسف: 70-72] وهنا قال إخوة يوسف بأنهم لم يأتوا ليفسدوا في الأرض، لذلك ترك لهم يوسف الأسلوب في تحديد الجزاء، ولم يحاكمهم بشرع الملك: {أية : قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [يوسف: 75] لقد جعلهم يعترفون، ويحاكمهم حسب شريعتهم لأن شرع الملك أن من يسرق شيئا عليه أن يغرم ضعفي ما أخذ. وهذا ما يوضح معنى قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 76] أي أنها حياة ليستبقي يوسف أخاه معه. ولو استعمل قانون مصر في ذلك الزمن لما أخذ أخاه معه. وهذا كيد لصالح يوسف؛ لأن "اللام" تفيد الملكية أو النفعية. وأضاف إخوة يوسف قائلين: {أية : قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ} تفسير : [يوسف: 77] ولماذا قالوا ذلك؟ أصل هذه المسألة أن يوسف كان يحيا عند عمته. وعندما كبر وأرادوا أن يأخذوه أرادات العمة أن تستبقيه فدست في متاعه تمثالاً. أو منطقة كانت لها من أبيها إسحاق وادعت أنها فقدت ذلك؛ ففتشوا الولد فعثروا معه على الشيء الذي ادعت عمته سرقته فاستبقته بشرع بني إسرائيل. وكان جزاء السرقة في الشريعة هو الاسترقاق. ونُسِخ هذا الشرع وجاءت آية حد السرقة تأكيداً للنسخ. وإن لم يكن قد نُسخ فهذه الآية هي بداية للنسخ. {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. والسُّنة هي التي تبين لنا كيفية القطع، وكان القطع لليد اليمنى؛ لأنها عادة التي تباشر مثل ذلك العمل. وفي إحدى رحلاتي إلى أمريكا، حدثني أخ مسلم ضمن جماعة تحضر إحدى محاضراتي وقال: إن التَّيَمُّن يجب أن يكون في كل شيء، فلماذا يأكل البعض بيده اليسرى؟ قلت: إن هذه مسألة تكوينية بدليل أن بعض الناس أجهزتها تختلف، فليست المسألة ميكانيكية. وأضفت: إن من خيبة بعض الاختراعات البشرية أنها لا تخطئ كالحاسب الآلي. ولو كان ينتقي ويختار لأمكن أن يخطئ، أما العقل فهو يعرف الانتقاء. وقلن: إنني أطلب من السائل أن يقف. فلما وقف طلبت منه أن يتقدم جهتي فلما تقدم جهتي مَد رجله اليمنى، فقلت تعليقا على هذا: "إنه تكوين خلقي". ولذلك فالذي عنده ولد تتأبى عليه يمينه فإياك أن تُرغِمه على ذلك لأن مثل هذه العملية أرادها الخالق لتَشُذّ في الخبق، ولتظهر قدرة الخالق. فلا داعي لقهر الابن الذي تتأبَى عليه يَمينه؛ لأن العلماء قالوا إن مراكز السيطرة ليست في اليد ولكن في المخ. وقد أوجد الحق تلك الأمور في الكون حتى نفهم أن خالق الكون لم يخلق الكون وتركه بسننه، لا. أنه يخرق السنن كلما أراد. لكن لو تأبى إنسان على استعمال اليد اليمنى في الأكل مثلا وهو قادر على ذلك فإنه يكون مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومجافيا للفطرة. {فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً} وإذا سمعنا كلمة "كسب" فهي تعني الأخذ لأكثر من رأس المال. والسارق يكسب السيئة لأنه أخذ ما فوق الضرورة. والنكال: العقاب أو هو العبرة المانعة من وقوع الجرم سواءً لمن ارتكب الجريمة وكذلك لمن يراها. والحق يقول عن بعض الأمور: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2] وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤَثِّم من أجل الاعتبار والعظة، فالتشريع ليس من بشر لبشر، إنما تشريع خالق لمخلوق. والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة. والشريعة لا تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي، بل تريد أن تمنع قطع الأيادي. وإن ظل التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد. والذين قالوا "قطع الأيدي فعل وحشي"، نقول لهم: إن يداً واحدة قطعت في السعودية فامتنعت كل سرقة. وإذا كان القتل أنفى للقتل؛ فالقطع أنفى للقطع، أما عن مسألة التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عدداً من الناس وكذلك حادثة انفجار لأنبوبة "بوتوجاز" تفعل أكثر من ذلك. فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع. وإبطاء القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات ينسي المجتمع بشاعة الجريمة الأولى، وعندما يحين وقت محاكمة المُجرم تكون الرحمة موجودة. لكن إن وُقِّعَ العقاب سَاعَة الجُرم تنته المسألة. وساعة يسمع اللصوص أننا سنقطع يد السارق، سيفكر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب الجُرم؛ لأن المُراد من الجزاء العبرة والعِظة ومقصد من مقاصد التربية وتذكرة للإنسان بمطلوبات الله عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و"نكولا" وهو الرجوع عن فعل الذنب أي العبرة المانعة من وقوع الجُرم. فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة. أو أن يحافظ الذي قُطعت يده على ما تبقى من جوارحه الباقية؛ لأنه قد قُطِعت يمينه وإن عاد قُطِعت يساره، فإن عاد قُطِعت رجله اليمنى ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ويكون النكال لمنع الرجوع للجريمة، وهو إما رجوع ممن رأى العقوبة تقع على السارق أو الرجوع من السارق نفسه إن رأى أي جارحة من جوارحه قد نقصت. فيحرص أن تظل الجوارح الباقية له. ويعامل الحق خلقه بسُنة كونية هي: أن من يأخذ غير حقِّه يُحَرم من حَقه. ومثال ذلك قوم من بني إسرائيل قال الله حكما فيهم: لقد استحللتم ما حرمته عليكم فلا جزاء لكم إلا أن أضيق عليكم وأحرم عليكم ما أحللت لكم. فقال: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] إذن ليس في قدرة أحد أن يضحك على الله أو أن يخدع الله أو أن يأخذ ما ليس حقا له. فإن أسرف الإنسان في تعاطي أشياء حرمها الله عليه فسيأتي وقت يحرمه الله فيه من أشياء حللها له كالذي أسرف في شُرب الخمر أو في تناول المواد المخدِّرة التي تغيب عن الوعي، يبتليه الحق بما يجعله محروماً من مُتع أخرى كانت حلالا. وإن أسرف الإنسان مثلا في تناول الحلوى. فإن المرض يأتيه، ويحرم الله عليه أشياء كثيرة. ولو قاس المسرف على نفسه ما أحله لنفسه بما حرمه الله عليه لوجد الصفقة بالنسبة له خاسرة. فالذي أسرف بغير حق في أن يأكل مال احد، يرى ماله وهو يضيع أمام عينيه. ولنا في ذلك المثل. كان السادة في الريف - قديما - يقومون بتنقية الدقيق إلى درجة عالية حتى يصبح في تمام النقاء من "الردة". ويسمون هذا النوع من الدقيق "الدقيق العَلاَمَة" وكانوا يأكلون منه ويتركون البقية من الدقيق مختلطا بالردة ليأكله الخدم أو الفقراء، فتأتي فترة يُحرم الأطباء عليهم هذا الدقيق الأبيض، ولا يجد الواحد منهم طعاما إلا الدقيق "السِّن" الذي كان يرفضه قديما فعلينا - إذن - أن ننظر إليها كقضية سائدة في الكون كله، ولنجعل قول الله أمامنا: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] فأنت إن أخذت كسب يد واحدة يحرمك الحق من يدٍ لا من كسب. فإن زدت حرمك الله من جارحة أخرى، وهكذا. وتلك سُنَّة كونية تعدل نظام الكون بالنسبة للناس، وخصوصا من يستبطئون جزاء الآخرة، ومن يُغْريهم ويَغُرهم ويطمعهم حِلْم الله عليهم. وأنت إذا ما نظرت وصنعت لنفسك رُقعة جغرافية في البيئة التي تعيش فيها في أسرتك، أو حيك، أو بلدك أو أمتك، فأنت تجد قوما قد حرموا بأنفسهم من غير أن يحرم عليهم أحد، فتجد واحداً مصاباً - والعياذ بالله - بالبولينا: ولا يقدر أن يأكل قطعة من اللحم، أو آخر مصابا بمرض السكر؛ وتراه غير قادر على أن يأكل قطعة من الحلوى، أو ملعقة من العسل. لأن أحداً لن يستطيع أن يأخذ شيئا بدون علم الله. وصنع الله ذلك لأنه عزيز لا يُغلَب. فإياك أن تظن أن بإمكانك أخذ شيء من وراء شرع الله أو تظن انك خدعت شَرع الله، فهو سبحانه عزيز لا يُغلَب أبداً. ونرى في حياتنا الذين يأخذون أموالاً بغير حق رشوة أو سرقةً أو اختلاساً، نرى مصارف هذه الأشياء أو الرشاوي أو الأموال قد ذهبت وأنفقت في مهالك ومصائب؛ إننا نجدها قد أخذت ما أخذوه من حرام، ومالت وجارت على ما كسبوه من حلال. وأريد من المسرفين على أنفسهم أن يضعوا لأنفسهم كشف حساب، فيكتبوا في ناحية القرش الذي كسبوه من حرام، ويكتبوا في ناحية أخرى كل قرش كسبوه من حلال. وليشاهد كل مسرف على نفسه في أكل حقوق الناس المصائب التي سيبتليه الله بها، ولسوف يجد أنه قد صرف لمواجهة المصائب كل الحرام وبعضا من الحلال. ولذلك قال الأثر الصالح: "من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر". وكنت أعرف اثنين من الناس، ولكل واحد منهما ولد في التعليم. وكنت أجد أحدهما يعطي ولده خمسة قروش. فيقول الابن لأبيه: معي مصروف الأمس". وكان الآخر يعطي ولده عشرة قروش فيقول الابن له: "إنها لا تكفي شيئاً". وشاء الحق أن يجمعنا نحن الثلاثة في مكتب وزارة الري بالزقازيق، فلما جئنا لنخرج إذا برئيس كتاب تلك المصلحة يأتي بظرف أصفر كبير به أشياء كثيرة ويناوله لواحد منهما، فسألته: ما هذا؟ فقال: بعض من الورق الأبيض وبعض من ورق النشاف وعدد من الأقلام حتى يكتب الأولاد واجبهم المدرسي. فقلت له: هذا سر خيبة أولادك الدراسية وإسرافهم والدروس الخصوصية التي تدفع فيها فوق ما تطيق وسر قول ابنك لك: إن القروش العشرة لا تكفي شيئا. أما الشخص الآخر فابنه يقول له: لا أريد مصروف يد اليوم لأن معي خمسة قروش هي مصروف أمس ولا أريد أن آخذ دروسا خصوصية لأني أحب الاعتماد على نفسي. وسبحانه الحق القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. ويقول لنا بلاغا: قال أبو الجلد: "أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي؟ إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم قَلِمَ تجعلونني أهون الناظرين إليكم". إذن قوله الحق: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} واضح تماما، ويردف الحق قوله هذا: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وسبحانه عزيز لا يغلبه أحد، حتى الذي يسرق، إنما يسرق الرزق المكتوب له؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الشيء المسروق رزق أيضا لأنه يُنتفَع به. ووالله لو صبر لجاءه وطرق عليه بابه. فإياكم أن تحتالوا على قدر الله؛ لأنه حكيم في تقديره. وكلمة "حكيم" لها في حياتنا قصة، كنا ونحن في مقتبل حياتنا التعليمية نحب الأدب والشعر والشعراء، وبعد أن قرأنا للمعري وجدنا عنده بعضا من الشعر يؤول إلى الإلحاد، فزهدنا فيه وخصوصا عندما قرأنا قوله في قصيدته: شعر : تحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك تفسير : وأخذنا من ذلك القول أنّه ينكر البعث؛ فقلنا: يغنينا الله عنه. ولكن صديقنا الشيخ فهمي عبداللطيف - رحمه الله - رأى المعري في الرؤيا وكان مولعا بالمعري، فجاء إلى ذات صباح ونحن في الزقازيق وقال لي: يا شيخ لقد رأيت المعري الليلة في الرؤيا وهو غاضب منك أنت لأنك جفوته. فقلت: أنا جفوته لكذا وكذا وأنت تعلم السبب في ذلك. وقال الشيخ فهمي عبداللطيف: هذا ما حصل. وقلت لنفسي: يجب أن أعيد حسابي مع المعري، وجئنا بدواوينه "سقط الزند" و"لزوم ما لا يلزم". ووجدنا أن للرجل عُذراً في أن يعتب علينا؛ لأن آفة الناس الذين يسجلون خواطر أصحاب الفكر أنهم لا ينظرون إلى تأريخ مقولاتهم، وقد قال المعري قوله الذي أنكره عليه وقت أن كان شابا مفتونا بفكره وعندما نضج قال عكسه. وكثير من المفكرين يمرون بذلك، مثل طه حسين والعقاد، بدأ كل منهما الحياة بكلام قد يؤول إلى الإلحاد ولكنهما كتبا بعد النضج ما يحمل عطر الإيمان الصحيح؛ لذلك لا يصح لمن يحكم عليهم أن يأخذهم بأوليات خواطرهم التي بدأوها بالشَّك حتى يصلوا إلى اليقين. وجلست أبحث في المعري الذي قال: شعر : تحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك تفسير : فوجدته هو نفسه الذي قال بعد أن ذهبت عنه المراهقة الفكرية: شعر : زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما تفسير : كأنه عاد إلى حظيرة الإيمان: وكذلك قال المعري: شعر : يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ ما بالها قُطِعَت في ربع دينار تفسير : وقال بعد ذلك: شعر : تناقض مالنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار تفسير : وقلت للشيخ فهمي عبداللطيف: للمعري حق في العتاب وسأحاول أن أعاود قراءة شعره، والأبيات التي أرى فيها خروجا سأعد لها قليلا. وعندما جئت إلى ذلك البيت. قلت: لو أنه قال - وأنا أستأذنه -: شعر : لحكمةٍ ما لنا إلا الرضاء بها وأن نعوذ بمولانا من النار تفسير : فَلكل شيء حكمة. وحين نرى طبيباً يمسك طفلا قلبه لا يتحمل المُرِقد - أي البنج - أثناء إجراء عملية جراحية، فهل يظن ظان أن الطبيب ينتقم من هذا الطفل؟ طبعا لا، إذن فلكل شيء حكمة، ويجب أن ننظر إلى الشيء وأن نربطه بحكمته. والله عزيز أي لا يغلبه أحد ولا يحتال عليه أحد. وهو حكيم فيما يضع من عقوبات للجرائم؛ لأنه يزن المجتمع نفسه بميزان العدالة. ومن بعد ذلك يفتح الحق سبحانه باب التوبة رحمة لمن يتوب ورحمة للمجتمع؛ لذلك يقول الحق: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} معناهُ عُقُوبةٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلسَّارِقُ} المتجاوز عن حدود الله {وَٱلسَّارِقَةُ} المتجاوزة عنها {فَٱقْطَعُوۤاْ} أيها الحكام {أَيْدِيَهُمَا} أي: يمينها إن أخرجا المسروق من الحرز المتعارف {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} معهما {نَكَالاً} عقوبة وتعذيباً {مِّنَ ٱللَّهِ} لتصرفهم في ملك الغير {وَٱللَّهُ} المتصرف المستقل في ملكه {عَزِيزٌ} غالب، قادر على الانتقام {حَكِيمٌ} [المائدة: 38] متقن في مقداره وتعيينه. {فَمَن تَابَ} ورجع إلى الله مخلصاً، خائفاً {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} وخروجه عن حدود الله {وَأَصْلَحَ} بالتوبة ما أفسد على نفسه من مجاوزة حكم الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {يَتُوبُ عَلَيْهِ} ويقبل توبته بعدما وفقه {إِنَّ ٱللَّهَ} الميسر لأمور عباده {غَفُورٌ} لذنوبهم {رَّحِيمٌ} [المائدة: 39] لهم بعدما رجعوا إليه، راجين عفوهز {أَلَمْ تَعْلَمْ} أيها الداعي للخلق إلى الحق {أَنَّ ٱللَّهَ} المتوحد، المستقل بالألوهية والتصرف {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الكائنات والفاسدات {وَٱلأَرْضِ} وما يتكون عليها، وكذا ما بينهما من بدائع الكوائن {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} من أهل التكاليف على ما صدر عنهم من الجرائم؛ عدلاً منه {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} فضلاً منه {وَٱللَّهُ} المتصرف بالاستقلال في ملكه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الإنعام والانتقام {قَدِيرٌ} [المائدة: 40] له الإرادة والاختيار، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه. وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في قراءة بعض الصحابة. وحد اليد عند الإطلاق من الكوع، فإذا سرق قطعت يده من الكوع، وحسمت في زيت لتنسد العروق فيقف الدم، ولكن السنة قيدت عموم هذه الآية من عدة أوجه: منها: الحرز، فإنه لا بد أن تكون السرقة من حرز، وحرز كل مال: ما يحفظ به عادة. فلو سرق من غير حرز فلا قطع عليه. ومنها: أنه لا بد أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، فلو سرق دون ذلك فلا قطع عليه. ولعل هذا يؤخذ من لفظ السرقة ومعناها، فإن لفظ"السرقة" أخذ الشيء على وجه لا يمكن الاحتراز منه، وذلك أن يكون المال محرزا، فلو كان غير محرز لم يكن ذلك سرقة شرعية. ومن الحكمة أيضا أن لا تقطع اليد في الشيء النزر التافه، فلما كان لا بد من التقدير، كان التقدير الشرعي مخصصا للكتاب. والحكمة في قطع اليد في السرقة، أن ذلك حفظ للأموال، واحتياط لها، وليقطع العضو الذي صدرت منه الجناية، فإن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد، فقيل: تقطع يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت. وقوله: { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } أي: ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس. { نَكَالا مِّنَ اللَّهِ } أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا. { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: عَزَّ وحكم فقطع السارق. { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب. وذلك أن لله (1) ملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):