Verse. 708 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

فَمَنْ تَابَ مِنْۢ بَعْدِ ظُلْمِہٖ وَاَصْلَحَ فَاِنَّ اللہَ يَتُوْبُ عَلَيْہِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۳۹
Faman taba min baAAdi thulmihi waaslaha fainna Allaha yatoobu AAalayhi inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فمن تاب من بعد ظلمه» رجع عن السرقة «وأصلح» عمله «فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم» في التعبير بهذا ما تقدم فلا يسقط بتوبته حق الآدمي من القطع ورد المال نعم بيَّنت السنة أنه إن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع وعليه الشافعي.

39

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلّت الآية على أن من تاب فإن الله يقبل توبته، فإن قيل: قوله {وَأَصْلَحَ } يدل على أن مجرّد التوبة غير مقبول. قلنا: المراد من قوله {وَأَصْلَحَ } أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض. المسألة الثانية: إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه، وهل يسقط عنه الحد؟ قال بعض العلماء التابعين: يسقط عنه الحد، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد، فظاهر الآية يقتضي سقوطها. وقال الجمهور: لا يسقط عنه هذا الحد، بل يقام عليه على سبيل الإمتحان. المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان، لا بأداء الواجبات.

البيضاوي

تفسير : {فَمَن تَابَ} من السراق. {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي بعد سرقته. {وَأَصْلَحَ} أمره بالتقصي عن التبعات والعزم على أن لا يعود إليها. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة. وأما القطع فلا يسقط بها عند الأكثرين لأن فيه حق المسروق منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } رجع عن السرقة {وَأَصْلَحَ } عمله {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في التعبير بهذا ما تقدم فلا يسقط بتوبته حق الآدمي من القطع وردّ المال، نعم بيَّنت السنة أنه إن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع وعليه الشافعي.

ابن عطية

تفسير : المعنى عند جمهور أهل العلم أن من {تاب} من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله {وأصلح} أيضاً في سائر أعماله وارتفع إلى فوق {فإن الله يتوب عليه} ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو في المشيئة مرجو له الوعد وليس تسقط عنه التوبة حكم الدنيا من القطع إن اعترف أو شهد عليه وقال مجاهد: التوبة والإصلاح هي أن يقام عليه الحد. قال القاضي أبو محمد: وهذا تشديد وقد جعل الله للخروج من الذنوب بابين أحدهما الحد والآخر التوبة، وقال الشافعي: إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياساً على توبة المحارب. وقوله: {ألم تعلم} الآية توقيف وتنبيه على العلة الموجبة لإنفاذ هذه الأوامر في المحاربين والسرقة والإخبار بهذا التعذيب لقوم والتوبة على آخرين وهي ملكه تعالى لجميع الأشياء، فهو بحق الملك لا معقب لحكمه ولا معترض عليه. وقوله تعالى: {يا أيها الرسول} الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل، والمعنى قد وعدناك النصر والظهور عليهم فـ {لا يحزنك} ما يقع منهم خلال بقائهم، وقرأ بعض القراء "يَحزُنك" بفتح الياء وضم الزاي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي وحزنته بفتحها وقرأ بعض القراء "يُحزِنك" بضم الياء وكسر الزاي لأن من العرب من يقول أحزنت الرجل بمعنى حزنته وجعلته ذا حزن، وقرأ الناس يسارعون. وقرأ الحر النحوي "يسرعون" دون ألف ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره وإقامة حججه والسعي في إطفاء الإسلام به واختلف المفسرون في ترتيب معنى الآية وفيمن المراد بقوله {بأفواههم} وفي سبب نزول الآية فأما سببها فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عباس وجماعة أنهم قالوا: نزلت هذه الآية بسبب الرجم. قال القاضي أبو محمد: وذلك أن يهودياً زنى بيهودية وكان في التوراة رجم الزناة، وكان بنو إسرائيل قد غيروا ذلك وردوه جلداً وتحميم وجوه، لأنهم لم يقيموا الرجم على أشرافهم وأقاموه على صغارهم في القدر فاستقبحوا ذلك وأحدثوا حكماً سووا فيه بين الشريف والمشروف، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زنى رجل من اليهود بامرأة فروي أن ذلك كان بالمدينة. وروي أنه كان في غير المدينة في يهود الحجاز، وبعثوا إلى يهود المدينة وإلى حلفائهم من المنافقين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النازلة وطمعوا بذلك أن يوافقهم على الجلد والتحميم فيشتد أمرهم بذلك. حديث : فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهض في جملة من أصحابه إلى بيت المدراس فجمع الأحبار هنالك وسألهم عما في التوراة فقالوا إنا لا نجد فيها الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيها الرجم فانشروها تفسير : فنشرت ووضع أحدهم يده على آية الرجم. فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالرجم وأنفذه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا الحديث اختلاف ألفاظ وروايات كثيرة، منها أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : مر عليه يهودي ويهودية زنيا وقد جلدا وحمما. فقال هكذا شرعكم يا معشر يهود؟ فقالوا نعم، فقال لا، ثم مشى إلى بيت المدراس وفضحهم وحكم في ذينك بالرجم، وقال: لأكونن أول من أحيا حكم التوراة حين أماتوهتفسير : . وروي أن الزانيين لم يكونا بالمدينة، وأن يهود فدك هم الذين قالوا ليهود المدينة استفتوا محمداً فإن أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبيه فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا الرجم، قاله الشعبي وغيره، وقال قتادة بن دعامة وغيره سبب الآية وذكر اليهود أن بني النضير كانوا غزوا بني قريظة فكان النضري إذا قتله قرظي قتل به وإذا قتل نضري قرظياً أعطي الدية، وقيل كانت دية القرظي على نصف دية النضري، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طلبت قريظة الاستواء إذ هم أبناء عم يرجعان إلى جد، وطلبت الحكومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت النضير بعضها لبعضٍ إن حكم بما كنا عليه فخذوه وإلا فاحذروا. قال القاضي أبو محمد: وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين، والروايات في هذا كثيرة ومختلفة، وقد وقع في بعض الطرق في حديث أبي هريرة أنه قال في قصة الرجم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدراسهم ومنا معه وهذا يقتضي أن الأمر كان في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم لأن أبا هريرة أسلم عام خبير في آخر سنة ست من الهجرة، وقد كانت النضير أجليت وقريظة وقريش قتلت، واليهود بالمدينة لا شيء، فكيف كان لهم بيت مدراس في ذلك الوقت أو إن كان لهم بيت على حال ذلة فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج مع ظهور دينه إلى محاجتهم تلك المحاجة؟ وظاهر حديث بيت المدراس أنه كان في حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها صلى الله عليه وسلم، وأما اختلاف الناس فيمن المراد بقوله: {الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} فقال السدي: نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة بن عبد المنذر أشارت إليه قريظة يوم حصرهم ما الأمر؟ وعلى ما نزل من الحكم؟ فأشار إلى حلقه أنه بمعنى الذبح. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان أشار بتلك الإشارة فإنه قال فوالله مازالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله عليها إشفاق ما على قوم كات بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة رضي الله عنه وعن جميع الصحابة، وقال الشعبي وغيره: نزلت الآية في قوم من اليهود أرادوا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جل منهم قتل آخر فكلفوا السؤال رجلاً من المسلمين وقالوا: إن أفتى بالدية قبلنا قوله وإن أفتى بالقتل لم نقبل. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو ما تقدم عن قتادة في أمر قتل النضير وقريظة، وقال عبد الله بن كثير ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} يراد به المنافقون. وقوله بعد ذلك {سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين} يراد به اليهود، وأما ترتيب معنى الآية بحسب هذه الأقوال. فيحتمل أن يكون المعنى يا أيها الرسول لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله: {سماعون} خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحزنك المسارعون في الكفر من اليهود ووصفهم بأنهم {قالو آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} إلزاماً منه ذلك لهم من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما كفر بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا، {أية : وما أولئك بالمؤمنين} تفسير : [المائدة: 42]، ويجيء على هذا التأويل قوله: {ومن الذين هادوا} كأنه قال ومنهم لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها. وقرأ جمهور الناس "سماعون"، وقرأ الضحاك "سماعين"، ووجهها عندي نصب على الذم على ترتيب من يقول لا يحزنك المسارعون من هؤلاء "سماعين"، وأما المعنى في قوله: {سماعون للكذب} فيحتمل أن يكون صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأن جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة، إذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع، وقوله تعالى: {للكذب} يحتمل أن يريد {سماعون للكذب} ويحتمل أن يريد "سماعون منك أقوالك" من أجل أن يكونوا عليك وينقلوا حديثك ويزيدوا مع الكلمة أضعافها كذباً، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر "للكِذْب" بكسر الكاف وسكون الذل، وقوله تعالى: {سماعون لقوم آخرين} يحتمل أن يريد يسمعون منهم، وذكر الطبري عن جابر أن المراد بالقوم الآخرين يهود فدك، وقيل يهود خيبر، وقيل أهل الزانيين، وقيل أهل الخصام في القتل والدية، وهؤلاء القوم الآخرون هم الموصوفون بأنهم لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون معنى {سماعون لقوم} بمعنى جواسيس مسترقين للكلام لينقلوه لقوم آخرين، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ويهود المدينة، وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب الله عز وجل، فقالوا نعم، وتلا هذه الآية: {سماعون لقوم آخرين}.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمَن تَابَ} التوبة الشرعية أو بقطع اليد.

النسفي

تفسير : {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } أي يديهما والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله بن مسعود، ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما. والاسم الموصول يضمن معنى الشرط، وبدأ بالرجل لأن السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر، وأخر الزاني لأن الزنا ينبعث من الشهوة وهي في النساء أوفر. وقطعت اليد لأنها آلة السرقة ولم تقطع آلة الزنا تفادياً عن قطع النسل. {جَزَاء بِمَا كَسَبَا } مفعول له {نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } أي عقوبة منه وهو بدل من «جزاء» {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } غالب لا يعارض في حكمه {حَكِيمٌ } فيما حكم من قطع يد السارق والسارقة {فَمَن تَابَ } من السرقة {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } سرقته {وَأَصْلَحَ } برد المسروق {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } يقبل توبته {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر ذنبه ويرحمه {أَلَمْ تَعْلَمْ } يا محمد أو يا مخاطب {أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذّبُ مَن يَشَاء } من مات على الكفر {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } لمن تاب عن الكفر {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء } من التعذيب والمغفرة وغيرهما {قَدِيرٌ } قادر. وقدم التعذيب على المغفرة هنا لتقدم السرقة على التوبة. { يأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } أي لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم. يقال أسرع فيه الشيب أي وقع سريعاً فكذلك مسارعتهم في الكفر وقوعهم فيه أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئووها {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ } تبيين لقوله: «الذين يسارعون في الكفر» {ءَامَنَّا} مفعول «قالوا» {بِأَفْوٰهِهِم } متعلق بـ «قالوا» أي قالوا بأفواههم آمنا {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } في محل النصب على الحال {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } معطوف على «من الذين قالوا» أي من المنافقين واليهود. ويرتفع {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم سماعون والضمير للفريقين، أو سماعون مبتدأ وخبره «من الذين هادوا»، وعلى هذا يوقف «على قلوبهم»، وعلى الأول «على هادوا». ومعنى سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لم يَأتُوك} أي سماعون منك لأجل قوم آخرين من اليهود وجّهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منك {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } أي يزيلونه ويميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا موضع. «يحرفون» صفة لقوم كقوله «لم يأتوك»، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم يحرفون، والضمير مردود على لفظ الكلم {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا } المحرف المزال عن مواضعه ويقولون مثل يحرفون. وجاز أن يكون حالاً من الضمير في «يحرفون» {فَخُذُوهُ } واعلموا أنه الحق واعملوا به {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ } وأفتاكم محمد بخلافه {فَٱحْذَرُواْ } فإياكم وإياه فهو الباطل. رُوي أن شريفاً زنى بشريفة بخيبر وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ } ضلالته وهو حجة على من يقول: يريد الله الإيمان ولا يريد الكفر {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } قطع رجاء محمد صلى الله عليه وسلم عن إيمان هؤلاء {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } عن الكفر لعلمه منهم اختيار الكفر وهو حجة لنا عليهم أيضاً {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } للمنافقين فضيحة ولليهود جزية {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي التخليد في النار.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه} يعني من بعد ما ظلم نفسه بالسرقة {وأصلح} يعني وأصلح العمل في المستقبل {فإن الله يتوب عليه} يعني فإن الله يغفر له ويتجاوز عنه {إن الله غفور} يعني لمن تاب {رحيم} به. (فصل) وهذه التوبة مقبولة فيما بينه وبين الله. فأما القطع، فلا يسقط عنه بالتوبة عند أكثر العلماء لأن الحد جزاء عن الجناية. ولا بد من التوبة بعد القطع وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل. عن أبي أمية المخزومي"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلصٍّ قد اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله: صلى الله عليه وسلم ما أخالك سرقت فقال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يعترف فأمر به فقطع. ثم جيء به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفر الله وتب إليه. فقال رجل: أستغفر الله وأتوب إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم تب عليه"تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي بمعناه وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم. وقال الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه فلو كان المسروق باقياً عنده يجب عليه أن يرده إلى صاحبه وتقطع يده لأن القطع حق الله والغرم حق الآدمي فلا يمتنع أحدهما بالآخر والله أعلم. قوله عز وجل: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به جميع الناس وقيل معناه، ألم تعلم أيها الإنسان فيكون الخطاب لكل فرد من الناس أن الله له ملك السموات والأرض، يعني أن الله مدبر أمره في السموات والأرض ومصرفه وخالق من فيها ومالكه لا يمتنع عليه شيء مما أراده فيهما لأن ذلك كله في ملكه وإليه أمره {يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء}. قال ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن يشاء على الكبيرة وقيل يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ذلك في الدنيا، ويغفر لمن يشاء بالتوبة عليه فينقذه من الهلكة والعذاب وإنما قدم التعذيب على المغفرة، لأنه في مقابلة قطع السرقة على التوبة. وهذه الآية فاضحة للقدرية والمعتزلة في قولهم بوجوب الرحمة للمطيع والعذاب للعاصي لأن الآية دالة على أن التعذيب والرحمة مفوضان إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك وجواب آخر وهو أنه تعالى أخبر أن له ملك السموات والأرض والمالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وأراد لا اعتراض لأحد عليه في ملكه يؤكد ذلك قوله {والله على شيء قدير} يعني أنه تعالى قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه وغفران ذنوب من أراد إسعاده وإنقاذه من الهلكة من خلقه، لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه. قوله تعالى: {يا أيها الرسول} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو خطاب تشريف وتكريم وتعظيم، وقد خاطبه الله عز وجل بيا أيها النبي في مواضع من كتابه وبيا أيها الرسول في موضعين: هذا أحدهما والآخر قوله تعالى: {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} تفسير : [المائدة: 67] وقوله {لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} يعني لا تهتم بموالاتهم الكفار ولا تبالِ بهم فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم {ومن الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} يعني المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان بالقول وكتموا الكفر وهذه صفة المنافقين {ومن الذين هادوا} أي وطائفة من اليهود قال الزجاج وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن الكلام تم عند قوله ومن الذين هادوا ثم ابتدأ الكلام بقوله: {سماعون للكذب} ويكون تقدير الكلام {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن الذين هادوا} ثم وصف الكل بكونهم سماعين للكذب. والوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله {ولم تؤمن قلوبهم} ثم ابتدأ فقال تعالى: {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} أي ومن {الذين هادوا قوم سماعون للكذب} والمعنى أنهم قائلون الكذب، أي يسمعون الكذب من رؤسائهم ويقبلونه منهم والسمع يستعمل والمراد منه القبول، كما تقول: لا تسمع من فلان أي، لا تقبل منه. وقيل: معناه سماعون لأجل أن يكذبوا عليك وذلك أنهم كانوا يسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون من عنده ويقولون سمعنا منه كذا وكذا ولم يسمعوا ذلك منه بل كذبوا عليه. وقوله تعالى: {سماعون} يعني بني قريظة يعني أنهم جواسيس وعيون {لقوم آخرون} وهم أهل خيبر {لم يأتوك} يعني أهل خيبر لم يأتوك ولم يحضروا عندك يا محمد. (ذكر القصة في ذلك) قال علماء التفسير: إن رجلاً وامرأة من أشراف يهود خيبر زنيا وكانا محصنين وكان حدهما الرجم عندهم في حكم التوراة فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل بيثرب يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوا إلى إخوانكم بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح معه فليسألوه عن ذلك، فبعثوا رهطاً منهم مستخفين وقالوا لهم: اسألوا محمداً عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالحد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه وأرسلوا معهم الزانيين. فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير وقالوا لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث فينا حدث وذلك أن فلان وفلانة قد زنيا وقد أحصنا فنحب أن تسألوه عن قضائه في ذلك فقال لهم بنو قريظة والنضير إذاً والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق قوم منهم فيهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصّيف وكنانة ابن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟ فقال هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم فنزل جبريل عليه السلام بآية الرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه لهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حديث : هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا نعم قال فأي رجل فيكم؟ فقالوا هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى عليه السلام في التوراة قال فأرسلوا إليه ففعلوا فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت ابن صوريا؟ قال نعم، قال: أنت أعلم يهودي؟ قال كذلك يقولون فقال النبي لليهود تجعلونه بيني وبينكم قالوا نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صوريا: "ناشدتك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وأخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون وبالذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على المحصن؟ فقال ابن صوريا: اللهم نعم والذي ذكرتني به لولا خشيت أن ينزل علينا العذاب إن كذبت وغير ما اعترفت لك ولكن كيف هي في كتابكم يا محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنه أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليهما الرجم. فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله تعالى؟ فقال ابن صوريا: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنى رجل آخر في امرأة من قومه فأراد الملك رجمه فقام قومه دونه وقالوا والله لا ترجمه حتى ترجم فلاناً لابن عم الملك، فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئاً دون الرجم يكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بقار ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما فجعلوا ذلك مكان الرجم. فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك. فقال لهم ابن صوريا: إنه قد ناشدني بالتوراة ولولا خشيت أن ينزل علينا العذاب ما أخبرته. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما عند باب المسجد وقال: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"تفسير : فأنزل الله هذه الآية (ق) عن ابن عمر قال حديث : إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما قال: فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها الحجارة. تفسير : وفي رواية أخرى لهما قال: "حديث : أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود قد زنيا فقال لليهود ما تصنعون بهما قال نفحم وجوههما ونخزيهما قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بها فقال لرجل ممن يرضون أعور اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليها فقال ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد إن فيها الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما فرجما فرأيته يحنى"تفسير : زاد في رواية أخرى: "حديث : فرجما قربياً موضع الجنائز قرب المسجد"تفسير : (م) عن البراء بن عازب قال: "حديث : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"تفسير : ، فأمر به فرجم فأنزل الله: يا أيها الرسول" لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، إلى قوله، إن أوتيتم هذا فخذوه. يقول: ائتوا محمداً فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه فأنزل الله تبارك وتعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" في الكفار كلها. التحميم هو تسويد الوجه بالحمم وهو الفحم وقوله ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قال العلماء: هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعقدونه في كتابهم. ولعله صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيّروا شيئاً منها أو أخبره بذلك من أسلم من أهل الكتاب وهو عبد الله بن سلام كما في حديث بن عمر المتفق عليه ولذلك لم يخف عليه صلى الله عليه وسلم حين كتموه. قوله تعالى: {يحرفون الكلم} يعني: يغيرون حدود الله التي أوجبها عليهم في التوراة وذلك أنهم بدلوا الرجم بالجلد والتحميم وقال الحسن إنهم يغيرون ما يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب عليه. وقال ابن جرير الطبري: يحرفون حكم الكلم فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين به {من بعد مواضعه} يعني من بعد أن وضعه الله مواضعه وفرض فروضه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه فإن قلت: قد قال الله عز وجل هنا يحرفون الكلم من بعد واضعه. وقال في موضع آخر: يحرفون الكلم عن مواضعه فهل من فرق بينهما؟ قلت نعم بينهما فرق وذلك أنّا إذا فسرنا يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويلات الباطلة فيكون معنى قوله يحرفون الكلم عن مواضعه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص وليس فيه بيان أنهم يحرفون تلك اللفظة من الكتاب. وأما قوله يحرفون الكلم من بعد مواضعه ففيه دلالة على أنهم جمعوا بين الأمرين يعني أنهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يحرفون اللفظة من الكتاب ففي قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه إشارة إلى التأويل الباطل وفي قوله من بعد مواضعه إشارة إلى إخراجه من الكتاب بالكلية وقوله تعالى: {يقولون} يعني اليهود {إن أوتيتم هذا فخذوه} يعني إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوامنه {وإن لم تؤتوه فاحذروا} يعني وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم فاحذروا أن تقبلوه {ومن يرد الله فتنته} يعني كفره وضلالته {فلن تملك له من الله شيئاً} يعني فلن تقدر على دفع أمر الله فيك {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} قال ابن عباس معناه أن يخلص نياتهم وقيل معناه لم يرد الله أن يهديهم وفي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى لم يرد إسلام الكافر وإنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل ذلك لآمن وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية {لهم في الدنيا خزي} يعني للمنافقين واليهود أما خزي المنافقين، فبالفضيحة وهتك ستارهم بإظهار نفاقهم وكفرهم وأما خزي اليهود فبأخذ الجزية والقتل والسبي والإجلاء من أرض الحجاز إلى غيرها {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} يعني الخلود في النار للمنافقين واليهود.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر ‏"‏حديث : أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها اليمنى‏.‏ فقالت‏:‏ هل لي من توبة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله في سورة المائدة ‏{‏فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم‏}‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{‏فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه‏} ‏ يقول‏:‏ الحد كفارته‏. وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل سرق شملة، فقال‏:‏ ما أخاله سرق أو سرقت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ اذهبوا به فاقطعوا يده ثم احسموها ثم ائتوني به، فأتوه به فقال‏:‏ تبت إلى الله‏؟‏ فقال‏:‏ إني أتوب إلى الله‏.‏ قال‏:‏ اللهم تب عليه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر ‏‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع رجلاً ثم أمر به فحسم وقال‏:‏ تب إلى الله، فقال أتوب إلى الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن السارق إذا قطعت يده وقعت في النار، فإن عاد تبعها، وإن تاب استشلاها، يقول‏:‏ استرجعها" ‏‏‏.

ابو السعود

تفسير : {فَمَن تَابَ} أي من السُرّاق إلى الله تعالى {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} الذي هو سرِقتُه، والتصريحُ به مع أن التوبةَ لا تُتصوَّرُ قبلَه لبـيان عِظَم نعمتِه تعالى بتذكير عِظمِ جنايتِه {وَأَصْلَحَ} أي أمره بالتقصِّي عن تبعات ما باشرَه والعزمِ على ترك المعاودةِ إليها {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} أي يقبل توبتَه فلا يعذّبه في الآخرة، وأما القطعُ فلا تُسقطُه التوبةُ عندنا، لأن فيه حقَّ المسروقِ منه، وتُسقطُه عند الشافعيِّ في أحد قوليه: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبالِغٌ في المغفرة والرحمة ولذلك يَقبلُ توبتَه، وهو تعليلٌ لما قبلَه، وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعارِ بعِلَّة الحُكْم وتأيـيدِ استقلالِ الجملة وكذا في قوله عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإن عُنوانَ الألوهية مدارُ أحكامِ ملكوتِهما، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدّم، ومُلكُ السموات والأرض مبتدأ، والجملة خبرٌ لأنّ، وهي مع ما في حيِّزِها سادّةٌ مَسدَّ مفعوليْ (تعلم) عند الجمهور، وما فيه من تكريرِ الإسنادِ لتقويةِ الحُكْم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين. وقيل: لكل أحدٍ صالحٍ للخطاب، والاستفهامُ الإنكاريُّ لتقرير العلم، والمرادُ به الاستشهادُ بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرةِ على أبلغ وجهٍ وأتمِّه، أي ألم تعلم أن الله له السلطانُ القاهر والاستيلاء الباهرُ المستلزِمانِ للقدرة التامة على التصرُّفِ الكليِّ فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتةً إلى غير ذلك حسْبما تقتضيه مشيئتُه {يُعَذّبُ مَن يَشَاء} أن يعذِّبه {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} أن يغفرَ له من غير نِدٍّ يساهمُه ولا ضدَ يزاحمُه، وتقديمُ التعذيبِ على المغفرة لمراعاةِ ما بـين سببـيهما من الترتيب، والجملة إما تقريرٌ لكون ملكوتِ السموات والأرضِ له سبحانه، أو خبرٌ آخرُ لأن. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدِرُ على ما ذَكَر من التعذيب والمغفرة، والإظهارُ في موقع الإضمارِ لما مرَّ مراراً والجملة تذيـيلٌ مقرِّرٌ لما قبلها.

القشيري

تفسير : من استوفى أحكام التوبة فتَدَاركَ ما ضَيَّعه، وندم على ما صنعه، وأصلح من أمره ما أفسده - أقبل الله عليه بفضله فَغَفَره، وعاد إليه باللطف فَجَبَرَهُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {فمن تاب} من السراق الى الله تعالى {من بعد ظلمه} اى من بعد ان ظلم غيره باخذ ماله والتصريح به مع ان التوبة لا تتصور قبله لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته {واصلح} اى امره بالتفصى عن تبعات ما باشره والعزم على ان لا يعود الى السرقة {فان الله يتوب عليه} اى يقبل توبته فلا يعذبه فى الآخرة واما القطع فلا تسقطه التوبة عندنا لان فيه حق المسروق منه. قال الحدادى لا تقطع يده اذا رد المال قبل المرافعة الى الحاكم واما اذا رفع الى الحاكم ثم تاب فالقطع واجب فان كانت توبته حقيقة كان ذلك زيادة درجات له كما ان الله تعالى ابتلى الصالحين والانبياء بالبلايا والمحن والامراض زيادة لهم فى درجاتهم وان لم تكن توبته حقيقة كان الحد عقوبة له على ذنبه وهو مؤاخذ فى الآخرة ان لم يتب {ان الله غفور رحيم} مبالغ فى المغفرة والرحمة ولذلك يقبل التوبة.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى أن من تاب وأقلع وندم على ما كان منه من فعل الظلم بالسرقة وغيرهما وفعل الفعل الجميل الصالح {فإن الله يتوب عليه} ومعناه يقبل توبته باسقاط العقاب بها عن المعصية التي تاب منها. ووصف الله تعالى بانه يتوب على التائب فيه فائدة عظيمة، لأن في ذلك ترغيباً للعاصي في فعل التوبة، ولذلك قال تعالى واصفاً نفسه بأنه تواب رحيم. ووصف العبد بأنه تواب معناه أواب وهي صفة مدح من أجل المدح على التوبة التي يسقط العقاب عندها. ولا خلاف في سقوطه عندها وهي الندم على ما مضى من القبيح أو الاخلال بالواجب والعزم على ترك الرجوع الى مثله في القبح. وفي الناس من قال يكفي الندم مع العزم على ترك المعاودة. والذي ذكرناه أولى، لأن سقوط العذاب عنده مجمع عليه. وان اختلفوا هل هو واجب أو تفضل؟ وما قالوه فيه خلاف. ويمكن التوبة من الحسن إِلا أن حسنه لا يدعو الى التوبة منه كما يدعو قبح القبيح الى التوبة منه لكن قد يتوب الانسان منه لقبحه فيما يتوهمه أو لمضرة تلحقه به. ولا يجوز التوبة من الحسن كيف تصرفت الحال لانه تحريم لما ليس بحرام، وتقبيح لما ليس بقبيح. ويمكن أن تكون التوبة من القبيح معصية لله كالذي يتوب من الالحاد ويدخل في النصرانية. وقال مجاهد: ان الحدَّ كفارة. وهذا غير صحيح، لأن الله تعالى دل على معنى الأمر بالتوبة. وإنما يتوب المذنب من ذنبه. والحد من فعل غيره. وأيضاً فمتى كان مُصراً كان اقامة الحد عليه عقوبة. والعقوبة لا تكفر الخطيئة. كما لا يستحق بها الثواب. وقوله {إن الله غفور رحيم} يدل على ما نذهب اليه من أن قبول التوبة واسقاط العقاب عندنا تفضل من الله، فلذلك صح وصفه بأنه غفور رحيم. ولو كان الغفران واجباً عند التوبة لم يلق به غفور رحيم.

الهواري

تفسير : قوله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي من بعد سرقته {وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وفي هذه الآية دليل على أنه ظلم دون ظلم وظلم فوق ظلم، وكذلك الكفر كفر دون كفر وكفر فوق كفر. ذكروا حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فأقر عنده أن سرق؛ فقال له النبي: ما أخالك سرقت. قال: بلى يا رسول الله. فأمر بقطعه، فقطع. ثم قال له النبي: قل: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: أستغفر الله وأتوب إليه؛ فقال النبي: اللهم تب عليه . تفسير : ذكر عن بعضهم أنه قال في السارق إذا قطع أنه لا يغرم ما سرق، إلا أن توجد السرقة بعينها. قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي إنك قد علمت أن الله له ملك السماوات والأرض {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} أي الكافر {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} أي: للمؤمن {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْْءٍ} يريده {قَدِيرٌ}. قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} وهم المنافقون. يقول: لا يحزنك كفرهم، فإن ذلك لا يضرّك، إنما ضرّه عليهم. ثم قال: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} وهم اليهود {يَقُولُونَ} أي يقول الذين لم يأتوك {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. ذكر بعضهم قال: كان قتيل من بني قريظة قتلته النضير، وكان قتيل عمد. وكانت النضير إذا قتلت من قريظة قتيلاً لم يعطوهم القود ويعطونهم الدية. وإذا قتلت قريظة من النضير قتيلاً لم يرضوا دون القود، فكانوا على ذلك حتى قدم نبي الله المدينة على تفئة قتيلهم؛ فأرادوا أن يرفعوا ذلك إليه ليحكم بينهم. فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، ومتى ترفعوه إلى محمد أخشى عليكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه على حذر. فأنزل الله هذه الآية ثم قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي الرشى، يعني اليهود {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}. ذكروا عن الحسن في قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قال: كان أحدهم يجيء مع خصمه إلى القاضي ويجيء برشوته في يده ليراها القاضي فلا يسمع القاضي إلا لها ولا ينظر إلا إليها. وأما قوله: {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}... الآية فإنه كان رخص له في هذه الآية إن جاءوا أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم إن شاء، ثم نسخ ذلك بعد فقال: (أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ) تفسير : [المائدة:48] فنسخت هذه الآيةُ الآيةَ الأولى.

اطفيش

تفسير : {فَمَن تَابَ مِن بَعدِ ظُلمِهِ}: نفسه وصاحب المال بسرقته. {وَأَصلَحَ}: غرم ما سرق أو رده ان وجد لعينه وعزم أن لا يعود. {فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ}: يقبل توبته. {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: له ولكل من تاب، سبحانه يغفر ذنب التائب ولا يقتصر على الغفران، بل يتفضل عليه بالجنة، فلو لم يرد ما سرق أو مثله أو قيمته ان تلف لم يتب عليه ولم يغفر له ولم يرحمه ولو قطع، الا ان جعله صاحبه فى حل، هذا ما اعتقدوا فيهم، لأن حق صاحب المال لا يسقط بالحق الذى هو لله وهو القطع، ولو قال صاحب المال لا تقطعوه، أو قال قد جعلته فى حل مما لى عليه لم يسقط وجوب القطع. وفى الضياء لبعض أصحابنا عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذا قطع السارق فلا ضمان عليه "تفسير : وافتى أبو هريرة فيما روى عنه بأنه يلزمه ضمان ما سرق، فقال أبو حنيفة قبل حديثه الذى رواه فى زوال الضمان بالقطع، وأرد فتياه بوجوب الضمان. وقال أبو حنيفة فى روايته فى غسل الاناء الذى ولغ فيه الكلب سبعاً، وافتاه باجزاء الثلاث: أقبل فتياه لعله حفظ نسخاً للسبع، وأورد روايته عكس ما ذكر فى السرقة، وقبل الشافعى خبره لا فتياه فى الغسل لعله نسى فى فتياه، ولم يذكر الشافعى هذا فى السرقة ولا عكسه، ولعله يقول فيها مثل هذا. وتعجب صاحب الضياء من اختلاف مذهب أبى حنيفة فى المسألتين وحكمهما واحد، والذى عندى العمل بالرواية لا بالافتاء الا أن روى نسخاً أو ترخيصاً عنه صلى الله عليه وسلم، وما ذكرته من وجوب الغرم مطلقاً على السارق هو الصحيح قطع أو لم يقطع، وجد ما سرق أو فقد. وقال الثورى وأصحاب الراى: ان قطع وقد تلف ما سرق فلا غرم عليه، وان لم يقطع فعليه الغرم. وعن قتادة: أن قطع فلا رد عليه لما سرق ولو لم يتلف، وان لم يقطع فعليه رده ان وجد ومثله أو قيمته ان تلف. وقيل عن الشافعى: اذا تاب السارق قبل أن يلتبس الحاكم بأخذ ما سرق فتوبته تدفع عنه القطع قياساً على المحارب اذا تاب قبل أن يقدر عليه. وقال أبو حنيفة: لا تدفعه، والصحيح أن توبته قبل ذلك لا تدفع القطع لاطلاق القطع فى الآية والأحاديث، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ألم بمعصية فليستتر بستر الله ومن أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد "تفسير : لا لما رواه قومنا، والشيخ هود حديث : من أنه صلى الله عليه وسلم أتى بلص قد اعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أخالك سرقت؟" فقال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يعترف، فأمر به فقطع ثم جىء به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استغفر الله وتب اليه" فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب اليه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "اللهم تب عليه "تفسير : لأنه لا دليل على أن اعترافه بالسرقة قبل المجىء به الى النبى صلى لله عليه وسلم توبة، بل الظاهر أنه اقرار فقط.

اطفيش

تفسير : {فَمَنْ تَابَ} عن السرقة بالندم والعزم على عدم العود {مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} غيره بأَخذ ماله خفية ومثله الجهر {وأَصْلَحَ} ما أَفسد برد ما سرق إِلى صاحبه فإِن القطع لا يجزيه عن الرد على الصحيح، وإِن جهل صاحبه أَو أَيس منه أَنفقه على فقير أَو متعدد وإِن علم بعض أَصحابه ولم يعلم حصته أَعطاه الفقراءِ كذلك، وإِن كان فقيراً أَعطاه إِياه ويجزى إِعطاء غيره إن جهل حصته، ومن إِصلاحه استقامته على الهدى بعد {فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْه} يقبل توبته إِذ ندم وعزم على ترك العود ورد المال إِلا إِن تركه له صاحبه، وكذا إِن لم يرفع إِلى الإِمام سقط القطع وإِن ترك صاحب المال للسارق ما سرق ثم رفع السارق للإِمام قطعه عندنا خلافاً للشافعى فى قول له أَن توبته تسقط القطع، ولو وقعت بعد الرفع ولو بلا عفو من صاحب المال عن ماله {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

الالوسي

تفسير : {فَمَن تَابَ} من السرّاق إلى الله تعالى {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} الذي هو سرقته، والتصريح بذلك لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته {وَأَصْلَحَ} أمره بالتفصي عن التبعات بأن يرد مال السرقة إن أمكن. أو يستحل لنفسه من مالكه / أو ينفقه في سبيل الله تعالى إن جهله، وقيل: المعنى وفعل الفعل الصالح الجميل بأن استقام على التوبة كما هو المطلوب منه {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة، وأما القطع فلا يسقطه التوبة عندنا لأن فيه حق المسروق منه، ويسقطه عند الشافعي رضي الله تعالى عنه في أحد قوليه، ولا يخفى ما في هذه الجملة من ترغيب العاصي بالتوبة، وأكد ذلك بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهو في موضع التعليل لما قبله، وفيه إشارة إلى أن قبول التوبة تفضل منه تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (39) - فَمَنْ تَابَ مِنَ السَّارِقِينَ، بَعْدَ سَرِقَتِهِ، وَأنَابَ إلَى اللهِ، فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ... أمَّا أمْوَالُ النَّاسِ فَلاَ بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إلَيْهِمْ، أَوْ رَدِّ بَدَلِهَا. وَيَقُولُ أبو حَنِيفَةَ: مَتَى قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ، فَإنَّهُ لاَ يَرُدُّ بَدَلَ المَالِ المَسْرُوقِ إلى صَاحِبِهِ إذا هَلَكَ المَسْرُوقُ فِي يَدِهِ. وَتَثْبُتُ السَّرِقَةِ بِالإِقْرَارِ أوِ البَيِّنَةِ، وَيَسْقُطُ الحَدَّ بِالعَفْوِ عَنِ السَّارِقِ قَبْلَ رَفْعِ أمْرِهِ إلَى الإِمَامِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسارق ظالم؛ لأنه أخذ حق غيره، فإن تاب أي ندم على الفعل وعزم على ألا يعود شريطة ألا تكون التوبة بالكلام فقط، بل يصلح ما أفسده، هنا تُقبَل التوبة. ولكن كيف يفعل ذلك؟ إذا كان الشيء المسروق في حوزته فعليه أن يرده إلى صاحبه. وإن كان قد تصرف فيه فعليه أن يأتي لصاحب الشيء ويستحله ويقول له: كنت في غفلة نفسي وفي زهوة الشيطان مني ففعلت كذا وكذا. وأعتقد أن أي إنسان سرق من إنسان آخر وبعد فترة اعترف له وطلب العفو منه فأنا أقسم بالله أنه سيعفو عنه راضيا. وبذلك يستحل الشيء الذي أخذه. لكن ماذا إن كان السارق لا يعرف صاحب الشيء المسروق. كلص "الأتوبيسات"؟ إن كان قد سرق محفظة نقود من شخص ووجد العنوان يستطيع أن يرد الشيء المسروق بحوالة بريدية من مجهول تحمل قيمة المبلغ المسروق ويطلب فيها السماح عن السرقة. وإن لم يعرف من سرقة فعليه أن يقول: الله أعلم بصاحب هذا المبلغ وأنا سأتصدق به في سبيل الله وأقول: يا رب ثوابه لصاحبه. إذن فوجوه الإصلاح كثيرة. وإن كان يخجل من رد الشيء المسروق فليقل: فُضُوح الدنيا أهون من فُضُوح الآخرة. وفي القرآن تأتي آيات كثيرة عن التوبة: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 118] كأن توبة الله مكتوبة أولا؛ ثم يتوب العبد من بعد ذلك. وسبحانه يقول: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} تفسير : [طه: 82] وللتوبة - كما نعلم - ثلاث مراحل. فالحق حين شرع التوبة كان ذلك إذناً بها. وبعد ذلك يتوب العبد، فيتوب الله عليه ويمحو عنه الذنب ويكون الغفران بقبول الله للتوبة. ولذلك يقول الحق: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وَصِفَةُ المغفرة وصِفَةُ الرحمة كل في مطلقها تَكُون لله وحده، وهي توبة للجاني ورحمة للمجني عليه. وكلمة {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} توضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في أن يغفر وأن يرحم. فإياك أن تقول: إن فلانا لا يستحق المغفرة والرحمة؛ لأنه سبحانه مالك السماء والأرض، وهو الذي أعطى للبشر ما يستحقون بالحق الذي أوجبه على نفسه، وله طلاقة القدرة في الكون؛ ولذلك يقول الحق من بعد ذلك: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ...}