٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة. قال الواحدي: الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع، ووجوب العذاب للعاصي على الله، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك. وأقول: فيه وجه آخر يبطل قولهم، وذلك لأنه تعالى ذكر أولاً قوله {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } ثم رتب عليه قوله {يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة، والمغفرة أخرى، لأنه مالك الخلق وربهم وإلۤههم، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون: إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكاً لجميع المحدثات، والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد: أما المعتزلة فإنهم يقولون: حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلۤهاً للخلق ومالكاً لهم، بل لأجل رعاية المصالح والمفاسد، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره؛ أي لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول قائل: نحن أبناء الله وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحدّ. وقيل: أي له أن يحكم بما يريد؛ فلهذا فرّق بين المحارب وبين السارق غير المحارب. وقد تقدّم نظائر هذه الآية والكلام فيها فلا معنى لإعادتها والله الموفق. هذا ما يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد. {يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قدم التعذيب على المغفرة إيتاء على ترتيب ما سبق، أو لأن استحقاق التعذيب مقدم أو لأن المراد به القطع وهو في الدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ } الاستفهام فيه للتقرير {أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } تعذيبه {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } المغفرة له {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومنه التعذيب والمغفرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُعَذِّبُ} من مات كافراً {وَيَغْفِرُ} لمن تاب من كفره، أو يعذب في الدنيا على الذنوب بالقتل والآلام والخسف وغير ذلك من العذاب، ويغفر لمن شاء في الدنيا بالتوبة.
البقاعي
تفسير : ولما كان معنى ذلك أنه لا اعتراض عليه سبحانه في شيء من ذلك ولا مانع، لأن قدرته تامة، ليس هو كمن يشاهد من الملوك الذين ربما يعجزون من اعتراض أتباعهم ورعاياهم عن تقريب بعض ما لم يباشر إساءة، وإبعاد بعض من لم يباشر إحساناً، فكيف بغير ذلك! قال تعالى مقرراً لذلك بتفرده في الملك: {ألم تعلم أن الله} أي الذي له جميع العز {له ملك السماوات} أي على علوها وارتفاع سمكها وانقطاع أسباب ما دونها منها {والأرض} أي أن الملك خالص له عن جميع الشوائب. ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة، وكان السياق لها لما تقدم من خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابنيّ آدم والسرقة والمحاربة وغير ذلك، قدم قوله معللاً لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من رعاية لمصالح أو غيرها: {يعذب من يشاء} أي من بني إسرائيل الذين ادعوا النبوة والمحبة وغيرهم وإن كان مطيعاً, أي له فعل ذلك, لآنه لا يقبح منه شيء {ويغفر لمن يشاء} أي وإن كان عمله موبقاً، لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه اعتراض. ولما كان التقدير: لأنه قادر على ذلك، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل كمال {على كل شيء} أي شيء {قدير *} أي ليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوه، وهذه القضية الضرورية ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام، وكرَّ بها على أتم انتظام إلى أوائل نقوض دعواهم في قوله {أية : بل أنتم بشر ممن خلق}تفسير : [المائدة: 18] -. ولما تقرر ذلك، كان من غير شك علةً لعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من أمر غيرهم ممن عصى شيئاً من هذه الأحكام، كما قال تعالى: {أية : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}تفسير : [الحديد: 22] إلى أن قال: {أية : لكيلا تأسوا على ما فاتكم}تفسير : [الحديد: 23]، فقوله: {يا أيها الرسول} أي المبلغ لما أرسل به - معلول لما قبله. وأدل دليل على ذلك قوله تعالى {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} {ولا يحزنك} أي لا يوقع عندك شيئاً من الحزن صنعُ {الذين يسارعون في الكفر} أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع فعلَ من يسابق غيره، وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة بإتمام النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم، وقدم أسوأ القسمين فقال: {من الذين قالوا آمنا}. ولما كان الكلام هو النفسي، أخرجه بتقييده بقوله: {بأفواههم} معبراً لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن القلب من اللسان، فهم إلى الحيوان أقرب منهم إلى الإنسان، وزاد ذلك بياناً بقوله: {ولم تؤمن قلوبهم}. ولما بين المسارعين بالمنافقين، عطف عليهم قسماً آخر هم أشد الناس مؤاخاة لهم فقال: {ومن الذين هادوا} أي الذين عرفت قلوبهم وكفرت ألسنتهم تبعاً لمخالفة قلوبهم لما تعرف عناداً وطغياناً، ثم أخبر عنهم بقوله: {سمّاعون} أي متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة {للكذب} أي من قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب {سمّاعون لقوم آخرين} أي الصدق، ثم وصفهم بقوله: {لم يأتوك} أي لعلة، وذكر الضمير لإرادة الكلام، لأن المقصود البغض على نفاقهم {يحرفون الكلم} أي الذي يسمعونه عنك على وجهة فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين: المغير والمغير إليه، واللفظين فلا يبعدوا به، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه إلى حد آخر قريب منه جداً، ولذلك، أثبت الجار فقال: {من بعد} أي يثبتون الإمالة من مكان قريب من {مواضعه} أي النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على غير تأويله، أو يثبتوا ألفاظاً غير ألفاظه قريبة منها, فلا يبعد منها المعنى جداً وهذا أدق مكراً مما في النساء, وهو من الحرف وهو الحد والطرف، وانحرف عن الشيء: مال عنه، قال الصغاني: وتحريف الكلام عن مواضعه: تغييره، وقال أبو عبد الله القزاز: والتحريف التفعيل، من: انحرف عن الشيء - إذا مال، فمعنى حرفت الكلام: أزلته عن حقيقة ما كان عليه في المعنى، وأبقيت له شبه اللفظ، ومنه قوله تعالى {يحرفون الكلم} ، وذلك أن اليهود كانت تغير معاني التوراة بالأشباه، وفي الحديث "حديث : يسلط عليهم طاعون يحرف القلوب" تفسير : أي يغيرها عن التوكل ويدعوهم إلى الانتقال عن تلك البلاد، وحكي: حرفته عن جهته - أي بالتخفيف - مثل: حرّفته، والمحارفة: المقايسة، من المحراف وهو الميل الذي يقاس به الجراح - انتهى. فالآية من الاحتباك: حذف منها أولاً الإتيان وأثبت عدمه ثانياً للدلالة عليه، وحذف منها ثانياً الصدق ودل عليه بإثبات ضده - الكذب - في الأولى. ولما كان كأنه قيل: ما غرضهم بإثبات الكذب وتحريف الصدق؟ قال: {يقولون} أي لمن يوافقهم {إن أوتيتم} أي من أيّ مؤت كان {هذا} أي المكذوب والمحرف {فخذوه} أي اعملوا به {وإن لم تؤتوه} أي بأن أوتيتم غيره أو سكت عنكم {فاحذروا} أي بأن تؤتوا غيره فتقبلوه. ولما كان التقدير: فأولئك الذين أراد الله فتنتهم، عطف عليه قوله: {ومن يرد الله} أي الذي له الأمر كله {فتنته} أي أن يحل به ما يميله عن وجه سعادته بالكفر حقيقة أو مجازاً {فلن تملك له من الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من الإسعاد، وإذا لم تملك ذلك أنت وأنت أقرب الخلق إلى الله فمن يمكله. ولما كان هذا، أنتج لا محالة قوله: {أولئك} أي البعداء من الهدى {الذين لم يرد الله} أي وهو الذي لا راد لما يريده، ولا فاعل لما يرده، فهذه أشد الآيات على المعتزلة {أن يطهر قلوبهم} أي بالإيمان، والجملة كالعلة لقوله {فلن تملك له من الله شيئاً}، ولما ثبت أن قلوبهم نجسة، أنتج ذلك قوله: {لهم في الدنيا خزي} أي بالذل والهوان، أما المنافقون فبإظهار الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار، وأما اليهود فببيان أنهم حرفوا وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار {ولهم في الآخرة} التي من خسرها فلا ربح له بوجه ما {عذاب عظيم *} أي لعظيم ما ارتكبوه من هذه المعاصي المتضاعفة.
القشيري
تفسير : بيَّنَ أنه لا يعذِّب مَنْ يعذِّبُ بِعَلَّة، ولا يرحم من يرحم بعلة، وإنما يتصرف في عبده بحق ملكه، وأنَّ الحكمَ حكمه، والأمرَ أمرُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تعلم ان الله له ملك السموات والارض} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع والاستفهام الانكارى لتقرير العلم والمراد بذلك الاستشهاد على قدرته تعالى على ما سيأتى من التعذيب والمغفرة على ابلغ وجه واتمه اى ألم تعلم ان الله له السلطان القادر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهما وفيما فيهما ايجادا واعداما واحياء واماتة الى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته {يعذب من يشاء} ان يعذبه ولو على الذنب الصغير وهو عدل منه {ويغفر لمن يشاء} ان يغفر له ولو كان الذنب عظيما وهو الفضل منه اى يعذب لمن توجب الحكمة تعذيبه ويغفر لمن توجب الحكمة مغفرته {والله على كل شىء قدير} فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة. قال ابن الشيخ انه تعالى لما اوجب قطع يد السارق وعقاب الآخرة لمن مات قبل التوبة ثم ذكر انه يقبل توبته ان تاب اردفه ببيان انه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء يحسن منه التعذيب تارة والمغفرة اخرى لانه مالك جميع المحدثات وربهم وإلٰههم والمالك له ان يتصرف فى ملكه كيف شاء واراد لا كما زعمت المعتزلة من ان حسن افعاله تعالى ليس لاجل كونه آلٰه للخلق ومالكا بل لاجل كونها على وفق مصالح الخلق ومتضمنة لرعاية ما هو الاصلح لهم انتهى. واعلم ان السرقة هى اخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة من حرز لا ملك له فيه ولا شبهته فاحترز بالمكلف عن اخذ صبى ومجنون وبالخفية وهو ركن السرقة عن الغصب وقطع الطريق. وقوله قدر عشرة دراهم اى عينا او قيمة وهذا نصباب السرقة فى حق القطع واما فى حق العيب فاخذ ما دون العشرة يعد سرقة ايضا شرعا ويعد عيبا حتى يرد العبد به على بائعه وعند الشافعى نصاب السرقة ربع دينار ولنا قوله عليه السلام "حديث : لا قطع الا فى ربع دينا او فى عشرة دراهم " .تفسير : والاخذ بالاكثر اولى احتيالا لدرء الحد والمعتبر فى هذه الدراهم ما يكون عشرة منها وزن سبعة مثاقيل واحترز بالمضروبة عما قيمته دونها حتى اذا سرق تبرا عشرة لا يساوى عشرة مضروبة لا يجب القطع وقوله من حرز اى من مال ممنوع من ان يصل اليه يد الغير سواء كان المانع بناء او حافظا. قال البغوى اذا سرق شيئاً من غير حرز كثمر فى حائط لا حارس له او حيوان فى برية لا حافظ له او متاع فى بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه وقيد بقوله ولا شبهته لانه لو كان له شبهة فى المسروق كما اذا سرق من بيت المال اوفى الحرز كما اذا سرق من بيت اذن للناس بالدخول فيه كالحمام والرباط لا يقطع لان القطع يندرىء بالشبهة وكذا لا قطع بسرقة مال سيده لوجود الاذن بالدخول عادة وكذا بسرقة مال زوجته او زوجها ولو من حرز خاص لآخر لا يسكنان فيه لان اليد المبسوطة لكل من الزوجين فى مال الآخر ثابتة وهو مانع عن القطع وكذا لا قطع بسرقة مال من بينهما قرابة ولاء لجريان الانبساط بين الاصول والفروع بالانتفاع فى المال والدخول فى الحرز ولا بسرقة من بيت ذى رحم محرم ولو كان المسروق مال غيره لعدم الحرز ويقطع يمين السارق من زنده وهو مفصل الذراع فى الكف ويحسم بان يدخل فى الدهن الحار بعد القطع لقطع الدم لانه لو لم يحسم لافضى الى التلف والحد زاجر لا متلف ولهذا لا يقطع فى الحر الشديد والبرد الشديد وان سرق ثانيا بعدما قطعت يده اليمنى تقطع رجله اليسرى من المفصل وان سرق ثالثا لا يقطع بل يحبس حتى يتوب ويظهر عليه سيما الصالحين والتائبين لقول على رضى الله عنه فيمن سرق ثلاث مرات انى لاستحيى من الله ان لا ادع له يدا يأكل بها ويستنجى ورجلا يمشى عليها وفى الحديث "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله " .تفسير : وفيه دليل على ان التوبة يعلم اثرها وتثبت السرقة بما يثبت به شرب الخمر اى بالشهادة او بالاقرار مرة ونصابها رجلان لان شهادة النساء غير مقبولة فى الحدود وطلب المسروق منه شرط القطع لان الخيانة على ملك الغير لا تظهر الا بخصومته ولا فرق فى القطع بين الشريف والوضيع. وعن عائشة رضى الله عنها قالت "حديث : سرقت امرأة مخزومية فاراد النبى صلى الله عليه وسلم ان يقطع يدها فاستشفع لها اسامة بن زيد وكان النبى عليه الصلاة والسلام يحبه فلم يقبل وقال "يا اسامة أتشفع فى حد من حدود الله انما اهلك الذين قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا شرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" " .تفسير : وفى الحديث نهى عن الشفاعة فى الحدود بعد بلوغ الامام ولهذا رد رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة اسامة واما قبله فالشفاعة من المجنى عليه جائزة والستر على الذنب مندوب اذا لم يكن صاحب شر واذى: قال السعدى شعر : بس برده بيند عملهاى بد هم او برده بوشد ببالاى خود تفسير : وفى الحديث ايضا دلالة على وجوب العدل فى الرعية واجراء الحكم على السوية. قال الامام ابو منصور فان قيل ما الحكمة فى قطع يد قيمتها الوف بسرقة عشرة دراهم فكيف يكون قطعها جزاء لفعل السارق وقد قال تعالى {أية : ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} تفسير : [الأنعام: 160]. قلنا جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء ولله تعالى ان يمتحن بما شاء ابتداء اى من غير ان يكون ذلك جزاء على كسب العبد ولان القطع ليس بجزاء ما اخذ من المال ولكن لما هتك من الحرمة ألا يرى انه قال جزاء بما كسبا فيجوز ان يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد وان قصر على العشرة علم ذلك لان مقادير العقوبات انما يعلمها من يعلم مقادير الجنايات واذا كان الامر كذلك فالحق التسليم والانقياد انتهى. ونعم ما قال يونس بن عبيد فى باب الترهيب لا تأمن من قطع فى خمسة دراهم خير عضو منك ان يكون عذابه هكذا غدا كما فى منهاج العابدين. فعلى العاقل ان يتوب عن الزلل وينقطع عن الحيل ويتوجه الى الله الاعلى الاجل: وفى المثنوى شعر : حيلهاو جارهاكر ازدهاست بيش الا الله آنها جمله لاست قفل زفتست وكشانيده خدا دست درتسليم زن اندر رضا تفسير : ثم ان الله تعالى انما بدأ بالسارق فى هذه الآية قبل السارقة وفى آية الزنى بدأ بالزانية لان السرقة تفعل بالقوة والرجل اقوى من المرأة والزنى يفعل بالشهوة والمرأة اكثر شهوة والمرأة ادعى من الرجل الى نفسها منه اليها ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها الا بمرادها ولهذا قيل قال الله تعالى {أية : وعصى آدم ربه فغوى} تفسير : [طه: 121]. ولم يقل وعصت حواء مع انها اكلت قبل آدم ودعته الى الاكل وقيل انما قطعت يد السارق لانها باشرت ولم يقطع ذكر الزانى للمباشرة خوفا لقطع النسل وتحصل ايضا لذة الزنى بجميع البدن. قال النيسابورى قطعت يد السارق لانها اخذت المال الذى هو يد الغنى وعماده كأنه اخذ يد انسان فجزوا يده لتناولها حق الغير وقيل قال الله تعالى {أية : ولله خزائن السموات والارض} تفسير : [المنافقون: 7]. فكل ما عند العبد من مال فهو خزانة الحق عنده والعبد خازنه فمهما تعدى خزانة مولاه بغير اجازة استحق السياسة بقطع آلة التعدى الى خيانة خزانته وهى اليد المتعدية. ثم ان السرقة كما تكون من المال كذلك تكون من العبادات وفى الحديث "حديث : اسوء الناس سرقة الذى يسرق من صلاته" قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال "لا يتم ركوعها ولا سجودها " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الرجل ليصلى ستين سنة وما تقبل له صلاة " .تفسير : لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع كذا فى الترغيب والترهيب فمثل هذا المصلى يقطع يمينه عن نيل الوصال فلا يصل الى مراده بل يبقى فى الهجران والقطيعة اذ هو اساء الادب بل قصر فيما امر الرب سبحانه وتعالى.
الطوسي
تفسير : قيل فيمن يتوجه هذا الخطاب اليه قولان: أحدهما - انه متوجه الى النبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به اُمته كما قال {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}. والثاني - أنه متوجه الى كل مكلف من الناس وتقديره: ألم تعلم يا انسان. واتصال هذا الخطاب بما قبله اتصال الحجاج والبيان عن صحة ما تقدم من الوعد والوعيد. وما ذكره من الأحكام. والمعنى ألم تعلم يا انسان {أن الله له ملك السماوات والأرض} يعني له التصرف فيهما من غير دافع ولا منازع {يعذب من يشاء} إذا كان مستحقاً العقاب {ويغفر لمن يشاء} إِذا عصاه ولم يتب، لانه إِذا تاب، فقد وعد بأنه لا يؤاخذ به بعد التوبة. وعند المخالفة يقبح مؤاخذته بعدها. فعلى الوجهين معاً لا يعلق ذلك بالمشيئة. وفي ذلك دلالة على أنه قادر على أن يعاقب على وجه الجزاء، لأنه لو لم يكن قادراً عليه لما كان فيه وجه مدْح {والله على كل شيء قدير} معناه ها هنا أن من ملك السموات والأرض وقدر على هذه الاجسام والاعراض التي يتصرف فيها ويديرها، فهو لا يعجزه شئ لقدرته على كل جنس من أجناس المعاني. وقوله {على كل شيء قدير} عام في كل ما يصح أن يكون مقدراً له تعالى. ولا يحتاج الى أن يقيد بذكر ما تصح القدرة عليه لأمرين: أحدهما - ظهور الدلالة عليه، فجاز ألا يذكر في اللفظ. والآخر - أن ذلك خارج فخرج المبالغة كما يقول القائل أتاني أهل الدنيا. ولعله لم يجئه الا خمسة فاستكثرهم.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لمّا صار المقام مظنّة خطور انّه لا ينبغى ان يسقط الحدّ الّذى ثبت عليه بمحاربته او سرقته بمحض توبته اجاب عنه بقوله، الم تعلم، والخطاب امّا عامّ لمن يتأتّى منه الخطاب او خاصّ بمحمّد (ص) من قبيل ايّاك اعنى واسمعى يا جارة {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} لمّا ذكر حال المحارب والمفسد فى العالم الكبير والعالم الصّغير، وذكر حال السّارق فى العالمين وعقوبتهم وما يسقط العقوبة عنهم من الوسيلة، صار الرّسول (ص) لكونه رحمةً للعالمين محزوناً على منافقى امّته الّذين انصرفوا من الوسيلة وكفروا به، كأنّهم سارقون صورة الاسلام وسارقون الكلم عن مواضعه وعلى اليهود الّذين سرقوا القول للحكاية لقومٍ آخرين وسرقوا الكلم عن مواضعه، على انّ الكلّ بوجه مفسدون فى الارض فناداه تسليةً له (ص) بقوله تعالى {لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} بالوسيلة {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمِْ} كأنّهم سرقوا الاسلام وأظهروه بلسانهم {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} بكثرة ما يقولون الكذب، فانّ التفوّه بالكذب مستلزم لسماعه او سماّعون لقولك ليكذبوا عليك؛ او سمّاعون للكذب لا الصّدق لسنخيّتهم للكذب {سَمَّاعُونَ} كلامك لينقلوه {لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} تكبّراً ومناعة او حنقاً وغيظاً {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} استيناف جواب سؤال مقدّرٍ لبيان حال المسارعين فى الكفر واليهود السمّاعين للكذب، او صفة لقوم آخرين لكنّ الاوّل اوفق واشمل والمراد بتحريف الكلم، امّا تغييره فى اللّفظ بزيادة او نقصان كما روى فى كثيرٍ من الآيات، وامّا صرفه عن مفهومه، وامّا صرفه عن مصداقه الّذى وضعه الله او الرّسول (ص) فيه، والمعنى يحرّفون الكلم عن مواضعه من بعد ثبوته فى مواضعه وكأنّ المنظور بهذا اللّفظ الاشارة الى كلم ولاية العهد من الله من قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} (الآية) فانّه لم يكن خلاف فى انّ موضعه علىّ (ع)، ومن الرّسول (ص) بقوله: من كنت مولاه فعلىّ مولاه، فانّه لم يكن خلاف فى انّه ولاية العهد ولعلىّ (ع) {يَقُولُونَ} اى المسارعون فى الكفر او القوم الآخرون {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} يعنى ان اوتيتم ايّها الموافقون فى طريقتنا هذا الّذى قلناه فخذوه {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} بل اوتيتم غيره {فَٱحْذَرُواْ} من قبوله، وقد ذكر فى سبب نزولها انّها نزلت فى محاكمة يهود خيبر الى النّبىّ (ص) ومحاكمة ابن صوريا للنّبىّ (ص) وقد ذكر ايضاً انّه كان بين بنى قريظة وبنى النّضير كتاب وعهد على انّه اذا قتل رجل من بنى قريظة رجلاً من بنى النّضير ادّوا القاتل اليهم ليقتل، والدية كاملة لانّ بنى النّضير كانوا اقوى حالاً واكثر مالاً من بنى قريظة، واذا قتل رجل من بنى النّضر رجلاً من بنى قريظة ادّوا القاتل اليهم ليركبوه على جملٍ ويولّى وجهه الى ذنبه ويلطخ وجهه بالحمأة ويدفع نصف الدّية اليهم، فقتل بعد مقدم النّبىّ (ص) رجل من بنى قريظة رجلاً من بنى النّضير فطلبوا القاتل والدّية على العهد الّذى كان بينهم، فابى بنو قريظة وقالوا: هذا محمّد (ص) بيننا وبينكم فهلمّوا نتحاكم اليه، فمشوا الى عبد الله بن ابىٍّ وكان حليفاً لبنى النّضير وقالوا له: سل محمّداً (ص) ان لا ينقض عهدنا على بنى قريظة، فذهب عبد الله بن ابىٍّ اليه وقال له مثل ما قالوا، فنزل جبرئيل وقال: يحرّفون الكلم الّذى فى التّوارة من بعد مواضعه، الآية {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} حتّى تقدر على منع فتنته واصلاحه {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من الارجاس الّتى هى سبب الكفر والعقوبة {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} بالقتل والاسر والجزية والاجلاء واظهار نفاق المناقق وتفضيحه وخوفهم جميعاً من المؤمنين {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} تكرار السّماع للكذب لابداء العلّة فى الخزى والعذاب، والسّحت كلّ حرام من الرّشى فى الحكم وكلّ ما لم يأذن الله فى طريق تحصيله من ثمن الميتة والخمر واجر البغيّة واجر الكهانة واكل مال اليتيم والرّبا بعد البيّنة وفى بعض الاخبار وامّا الرّشى فى الحكم فانّ ذلك الكفر بالله العظيم، وفى بعض الاخبار من ذلك قبول هديّة على قضاء حاجة اخيه المؤمن، وفى بعض الاخبار عدّ ما اخذ من حقّ بمحاكمة الطّاغوت سحتاً {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} يعنى اذا جاءك اليهود للمحاكمة فانت مخيّر بين قبول محاكمتهم والاعراض عنهم {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} يعنى ان حكمت بينهم فلا يكن محاكمتك عن خوف منهم واستمالة لهم لانّك ان تعرض عنه فلن يضرّوك شيئاً حتّى يكون اقبالك عليهم من خوف ضررٍ منهم {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} يعنى ينبغى ان يكون حكمك بما امرك الله به من القسط لا بما هم عليه من الكفر وعدم الحرمة {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} فى المؤمن والكافر.
الأعقم
تفسير : {ألم تعلم} خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد به غيره، وقيل: خطاب لكل مكلف على تقدير ألم تعلم أيها السامع أو أيها الإِنسان {أن الله له ملك السموات والأرض} خلقاً وملكاً {يعذب من يشاء} من يجب في الحكمة تعذيبه {ويغفر لمن يشاء} من التائبين {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} الآية نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين حاصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بني قريظة فأرسل اليهم واستشاروه فقال: لا تنزلوا على حكم سعد فإنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه يعني لا تُبَالِ بمشارعة المنافقين في الكفر أي في إظهاره بما يلوح منهم في آثار الكيد للاعلام ومن موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم، يقال: أسرع الشيب فيه وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعاً فكذلك مسارعتهم في الكفر وقوعهم فيه أسرع شيء إذا وجدوا فرصة، قوله تعالى: {ومن الذين هادوا} أي من اليهود قوم {سمَّاعُون للكذب} يعني قائلون لما تفتريه الأخبار من الكذب على الله تعالى وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان ومنه سمع الله لمن حمده {سمَّاعُون لقوم آخرين لم يأتوك} يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شدة البغضاء والتبالغ في العداوة، وقيل: سماعون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل أن يكذبوا عليه بأن ينسخوا ما سمعوا عنه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، وقيل: سمَّاعون بني قريظة والقوم الآخرين قوم من اليهود يهود خيبر {يحرفون الكلم} يميلونه ويزيلونه {عن مواضعه} التي وضعه الله عليها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع، قوله تعالى: {يقولون أن أُوتيتم هذا فخذوه} قال جار الله: إن أُوتيتم هذا المُحَرَّف المُزال عن مواضعه فخذوه واعلموا أنه الحق واعملوا به {وإن لم تؤتوه} وأفتاكم محمد بخلافه {فاحذروا} يعني فإياكم وإياه فهو الضلال والباطل، "حديث : وروي أن شريفين من خيبر زنيا بشريفة وهم محصنان وحدّهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة يسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك وقالوا: إن أمركم بالجلد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا الزانيين معهم فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل (عليه السلام): اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "هل تعرفون شاباً أمرد أعور أبيض يسكن فدكاً يقال له ابن صوريا؟" قالوا: نعم هو أعلم يهودي على وجه الأرض، ورضوا به حكماً، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه هل تجدون الرجم على من أحصن؟" فقال: نعم فوثب عليه سفلة من اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي الذي بشَّر به المرسلون، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالزانيين فرجما عند باب المسجد" تفسير : {ومن يرد الله فتنته} تركه مفتوناً وخذلانه {فلن تملك له من الله شيئاً} فلن تستيطع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً، قوله تعالى: {أن يطهر قلوبهم} يعني يمنحهم من الألطاف ما يطهر قلوبهم به لأنهم ليسوا من أهلها {أكَّالون للسحت} كما لا يحل كسبه، وعن الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحد بالرشوة جعلها في كمه، فأراه إياها وتكلم بحاجته فسُمِع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به" تفسير : قوله تعالى: {فلن يضروك شيئاً} لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأبر والأهون عليهم كالجلد مكان الرجم، قوله: {بالقسط} أي بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم.
اطفيش
تفسير : {أَلَم تَعلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلكُ السَّماوَاتِ والأَرضِ}: مدبرهما وخالقهما مع ما فيهما، لا يعجزه الثواب والعقاب لمن يستحقهما، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، ويدخل غيره بالتبع وحكم التبليغ، أو لكل من يصلح له على عموم البدل، وهذا الوجه يقويه قوله تعالى: {أية : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما }تفسير : ، فانه صلى الله عليه وسلم لم يدرك والديه، الا أن يقال هذا لظهوره مصروف عنه، وغير مصروف اليه لأن خطابه فى الأحكام وغيرها هو الأصل. {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءَ}: تعذيبه لخذلانه على اختياره. {وَيَغفِرُ لِمَن يَشَآءَ}: الغفران له لتوفيقه، ومعنى قول ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة، أنه يعذب من يشاء خذلانه على الصغيرة، لأن الشقى يعذب على الصغير كما يعذب على الكبيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة على التوفيق للتوبة، ويدل لذلك أن الصغيرة معفو عنها لمن اجتنب الكبائر، فليس المراد مطلق التعذيب على الصغيرة، وحديث: "حديث : هلك المصرون " تفسير : واذا فهمت ذلك علمت أن الآية ليست على التفويض، بل على التقييد، وقيل: المراد بالتعذيب تعذيب الدنيا بالقتل على الكفر، وبالقطع وغير ذلك، وبالمغفرة مغفرة الآخرة، وقدم التعذيب لتقدمه فيما مضى، ولاتصاله بما اتصل بالقطع، أو لأنه القطع فى الدنيا. {واللهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ}: فلا يعجز عن تعذيب من أراد تعذيبه، أو مغفرة من أراد مغفرته.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السَّمَاوات والأَرضِ} تقرير بما بعد النفى أَو نفى للنفى، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم أَو لكل من يصلح له، وتقرير لما مر من الوعد والوعيد واستشهاد على قدرته على التعذيب والمغفرة فى قوله {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} تعذيبه أَو خذلانه والمقام دليل {وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُِ} المغفرة له وتوفيقه، وقدم التعذيب مع أَن رحمته سبقت غضبه مراعاة لترتيب ما سبق، ولأَن استحقاق التعذيب مقدم والمغفرة إنما هى بعد التوبة عما يوجب التعذيب، وإن أَريد بالتعذيب القطع فتقديمه لأَنه فى الدنيا وهو غير متبادر وداع إلى تفسير يغفر لمن يشاء بعدم القطع بأَن يستر، أَو قدم لأَن المقام للوعيد أَو لأَن المراد وصفه تعالى بالقدرة وهى فى التعذيب أَظهر لأَنه مما يتغاضى عنه فى الجملة {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ} يعنى أَنه تعالى قادر على تعذيب من أَراد تعذيبه من خلقه وغفران ذنوب من أَراد إِسعاده وإِنقاذه من الهلكة من خلقه لأَن الخلق كلهم عبيده.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد يصلح له، واتصاله بما قبله على ما قاله الطبرسي: «اتصال الحجاج والبيان عن صحة ما تقدم من الوعد والوعيد». وقال شيخ الإسلام: المراد به الاستشهاد بذلك على قدرته تعالى ـ على ما سيأتي ـ من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه أي ألم تعلم أن الله تعالى له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما وفيما اشتملا عليه إيجاداً وإعداماً إحياءاً وإماتة إلى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته، والجار والمجرور خبر مقدم، و {مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} مبتدأ، والجملة خبر {إِنَّ} وهي مع ما في حيزها سادّ مسدّ مفعولي {تَعْلَمْ} عند الجمهور؛ وتكرير الإسناد لتقوية الحكم. وقوله تعالى: {يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} إما تقرير لكون ملكوت السماوات والأرض له سبحانه، وإما خبر آخر ـ لأن ـ وكان الظاهر لحديث «حديث : سبقت رحمتي غضبـي» تفسير : تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا لأن التعذيب للمصر على السرقة، والمغفرة للتائب منها، وقد قدمت السرقة في الآية أولاً ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق، أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله تعالى، والأول: في الدنيا، والثاني: في الآخرة، فجيء به على ترتيب الوجود، أو لأن المقام مقام الوعيد، أو لأن المقصود وصفه تعالى بالقدرة، والقدرة في تعذيب من يشاء أظهر من القدرة في مغفرته لأنه لا إباء في المغفرة من المغفور، وفي التعذيب إباء بين {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها، ووجه الإظهار كالنهار.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني، جواب لمن يسأل عن انقلاب حال السارق من العقاب إلى المغفرة بعد التّوبة مع عظم جرمه بأنّ الله هو المتصرّف في السماوات والأرض وما فيهما، فهو العليم بمواضع العقاب ومواضع العفو.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (40) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ مَا فِيهِما، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَادِرٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويستخدم الحق سبحانه من أساليب البيان ما يخرجنا عن الغفلة، فلم يقل: "الله له ملك السمٰوات والأرض"، ولو كان قد قال ذلك لكان الأمر خَبَراً من المتكلم وهو الله، ولكنه يريد أن يكون الخبر من المُخَاطَب إقراراً من العبد. ولا يخرج الخَبَر مَخرج الاستفهام إلا وقائل الخبر واثِقٌ من أن جواب الاستفهام في صالحه؛ والمثال على هذا هو أن يأتيك إنسان ويقول: "انت تهملني". فتقول: أنا أحسنت إليك. ولكن إن أردت أن تستخرج الخَبَر منه فأنت تقول: ألم أُحْسِن إليك؟ وبذلك تستفهم منه، والاستفهام يريد جوابا. فكأن المسئول حين يجيب عليه أن يدير ذهنه في كل مجال ولا يجد إلا أن يقول: نعم أنت أحسنت إليّ. ولو جاء ذلك من المتكلم لكانت دعوى، لكن إن جاءت من المُخاطَب فهي إقرار، ومثال ذلك قول الحق: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] إنه خَبرٌ من المتكلم والإقرار من المتلقي. وقد يقول قائل ولماذا لم يقل الحق: "أشرحنا لك صدرك"؟ كان من الممكن ذلك، ولكن الحق لم يقلها حتى لا يكون في السؤال إيحاء بجواب الإثبات بل جاءت بالنفي. وفي قوله الحق: {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [المائدة: 40] نجد منطوق الآية ليس دعوى من الحق، ولكنه استفهام للخلق ليديروا الجواب على هذا، فلا يجدوا جواباً إلا أن يقولوا: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وهذا أسلوب لإثبات الحجة والإقرار من العباد، لا إخباراً من الحق: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، وقد يقول إنسان: إن هناك أجزاء من الأرض ملكا للبشر. ونقول: صحيح أن في الأرض أجزاء هي ملك للبشر، ولكن هناك فرق بين أن يملك إنسان ما لا يقدر على الاحتفاظ به.. كملك البيت والأرض، إنه مِلْك - بكسر الميم - لمالك. وهناك "مُلْك" - بضم الميم - لِمَلِكٍ هو الله. وفي الدنيا نجد أن لكل إنسان ملكية ما. ولكن المَلِك في الأرض يملك القرار في أملاك شعبه، وهذا في دنيا الأسلوب، أما في الآخرة فالأسباب كلها تمتنع: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] فلا أحد له مُلكٌ يوم القيامة. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} والقارئ بإمعان للقرآن يجد فيه عبارات تجمع بين أمرين أحدهما يتقدم، والآخر يتأخر. ويأتي الأمر في أحيان أخرى بالعكس. ولكن هذا القول هو الوحيد في القرآن الذي يأتي على هذا النسق، فكل ما جاء في القرآن يكون الغفران مقدّماً على العذاب؛ لأن الحق سبحانه قال في الحديث القدسي: (حديث : إن رَحمتي سبقت غَضبي ). تفسير : فلماذا جاء العذاب في هذه الآية مقدماً على الغُفران: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} هل السبب هو التَّفنَّن في الأساليب؟ لا؛ لأن جمهرة الآيات تأتي بالغفران أولاً، ثم بالوعيد بالعذاب لمن يشاء سبحانه. ولننظر إلى السّياق. جاء الحديث أولاً عن السارق والسارقة، وبعد ذلك عمّن تاب. فالسرقة إذن تقتضي التعذيب، والتوبة تقتضي المغفرة، إذن فالترتيب هنا منطقي. ونلحظ أن هذا القول قد جاء بعد آية السرقة وبعد آية الإعلام بأن له مُلْكَ السمٰوات والأرض. ولذلك كان لا بد من تذييل يخدم الاثنين معاً. ليؤكد سيطرة القدرة. وحين يريد الحق أن يرحم واحداً. فليس في قدرة المرحوم أن يقول: "لا أريد الرحمة". وحين يعذب واحداً لن يقول المعذَّب - بفتح الذال -: "لا داعي للعذاب". فسيطرة القدرة تؤكد أنه لا قدرة لأحد على رَدِّ العذاب أو الرحمة. إذن فالآية قد جاءت لتخدم أغراضاً مُتعددة. فإن حسبناها في ميزان الأحداث فللحق كل القدرة. وإن حسبناها في ميزان الزمن، فكيف يكون الأمر؟. نعرف أن التعذيب للسّرقة قسمان.. تعذيب بإقامة الحَدّ، وفي الآخرة تكون المغفرة. إذن فالكلام منطقي مُتَّسق. إنني أقول دائماً: إياكم أن تُخدَعوا بأن الكافر يكفر، والعاصي يعصى دون أن ينال عقابه؛ لأن من تعوَّد أن يتأبَى على منهج الله، فيكفر أو يعصي لا بد له من عقاب. لقد تمرَّدَ على المنهج، ولكنه لا يجرؤ على التَمرُّد على الله. إن الإنسان قد يتمرد على المنهج فلا يؤمن أو لا يقيم الصلاة، لكن لا قدرة لإنسان أن يتمرد على الله، لأنه لا أحد يقدر على أن يقف في مواجهة الموت، وهو بعضٌ من قُدْرةِ الله. وسبحانه وتعالى يحكم ما يريد. وقد أراد أن يوجِد للإنسان اختياراً في أشياء، وأن يقهر الإنسان على أشياء، فيا من مرَّنت نفسك على التمرّد على منهج الله عليك أن تحاول أن تتمرّد على صاحب المنهج وهو الله. ولن تستطيع لا في شكلك ولا لونك ولا صحتك ولا ميعاد موتك. وليفتح كل مُتَمرِّد أذنيه، وليعرف أنه لن يقدر على أن يَتمرَّد على صاحب المنهج وهو الله. إذن صدق قول الله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ومن بعد ذلك يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):