Verse. 710 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

يٰۗاَيُّھَا الرَّسُوْلُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِيْنَ يُسَارِعُوْنَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِيْنَ قَالُوْۗا اٰمَنَّا بِاَفْوَاہِہِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوْبُہُمْ ۝۰ۚۛ وَمِنَ الَّذِيْنَ ہَادُوْا۝۰ۚۛ سَمّٰعُوْنَ لِلْكَذِبِ سَمّٰعُوْنَ لِقَوْمٍ اٰخَرِيْنَ۝۰ۙ لَمْ يَاْتُوْكَ۝۰ۭ يُحَرِّفُوْنَ الْكَلِمَ مِنْۢ بَعْدِ مَوَاضِعِہٖ۝۰ۚ يَقُوْلُوْنَ اِنْ اُوْتِيْتُمْ ہٰذَا فَخُذُوْہُ وَاِنْ لَّمْ تُؤْتَوْہُ فَاحْذَرُوْا۝۰ۭ وَمَنْ يُّرِدِ اللہُ فِتْنَتَہٗ فَلَنْ تَمْلِكَ لَہٗ مِنَ اللہِ شَـيْـــــًٔـا۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ لَمْ يُرِدِ اللہُ اَنْ يُّطَہِّرَ قُلُوْبَہُمْ۝۰ۭ لَہُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ۝۰ۚۖ وَّلَہُمْ فِي الْاٰخِرَۃِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ۝۴۱
Ya ayyuha alrrasoolu la yahzunka allatheena yusariAAoona fee alkufri mina allatheena qaloo amanna biafwahihim walam tumin quloobuhum wamina allatheena hadoo sammaAAoona lilkathibi sammaAAoona liqawmin akhareena lam yatooka yuharrifoona alkalima min baAAdi mawadiAAihi yaqooloona in ooteetum hatha fakhuthoohu wain lam tutawhu faihtharoo waman yuridi Allahu fitnatahu falan tamlika lahu mina Allahi shayan olaika allatheena lam yuridi Allahu an yutahhira quloobahum lahum fee alddunya khizyun walahum fee alakhirati AAathabun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الرسول لا يَحزنك» صنع «الذين يسارعون في الكفر» يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة «من» للبيان «الذين قالوا آمنا بأفوههم» بألسنتهم متعلق بقالوا «ولم تؤمن قلوبهم» وهم المنافقون «ومن الذين هادوا» قوم «سماعون للكذب» الذي افترته أحبارهم سماع قبول «سماعون» منك «لقوم» لأجل قوم «آخرين» من اليهود «لم يأتوك» وهم أهل خيبر زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما «يحرفون الكلم» الذي في التوراة كآية الرجم «من بعد مواضعه» التي وضعه الله عليها أي يبدِّلونه «يقولون» لمن أرسلوهم «إن أُوتيتم هذا» الحكم المحرف أي الجلد الذي أفتاكم به محمد «فخذوه» فاقبلوه «وإن لم تؤتوه» بل أفتاكم بخلافه «فاحذروا» أن تقبلوه «ومن يرد الله فتنته» إضلاله «فلن تملك له من الله شيئا» في دفعها «أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم» من الكفر ولو أراده لكان «لهم في الدنيا خزي» ذل بالفضيحة والجزية «ولهم في الآخرة عذاب عظيم».

41

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: { يأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ }. أنه تعالى لما بيّن بعض التكاليف والشرائع، وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك، فقال: { يأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: يا أيها النبي في مواضع كثيرة، وما خاطبه بقوله: يا أيها الرسول إلا في موضعين: أحدهما: ههنا، والثاني: قوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ }تفسير : [المائدة: 67] وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم. المسألة الثانية: قرىء {لاَ يَحْزُنكَ } بضم الياء، ويسرعون، والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم. يقال: أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعاً، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة، وقوله {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } فيه تقديم وتأخير، والتقدير: من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون. ثم قال تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكر الفرّاء والزجاج ههنا وجهين: الأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ } ثم يبتدأ الكلام منقوله {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ } وتقدير الكلام: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين. الوجه الثاني: أن الكلام تمّ عند قوله {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } ثم ابتدأ من قوله {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } وعلى هذا التقدير فقوله {سَمَّـٰعُونَ } صفة محذوف، والتقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، يعني هم سماعون. المسألة الثانية: ذكر الزجاج في قوله {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } وجهين: الأول: أن معناه قابلون للكذب، والسمع يستعمل ويراد منه القبول، كما يقال: لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه، ومنه «سمع الله لمن حمده»، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة، وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم. والوجه الثاني: أن المراد من قوله {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } نفس السماع، واللام في قوله {لِلْكَذِبِ } لام كي، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك. وأما قوله {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لم يأتوك} فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك، فعلى هذا التقدير قوله {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه. ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } أي من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرّم حرامه. قال المفسرون: إن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، وكان حد الزنا في التوراة الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فأرسلوا قوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا، وقالوا: إن أمركم بالجلد فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا، فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به، فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم «ابن صوريا» فقال الرسول: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض، فرضوا به حكماً، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنشدك الله الذي لا إلۤه إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن»؟ تفسير : قال ابن صوريا: نعم، فوثبت عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته، فقال ابن صوريا: أشهد أن إلۤه إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشّر به المرسلون، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده. إذا عرفت القصة فنقول: قوله {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } أي وضعوا الجلد مكان الرجم. وقوله تعالى: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ } أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا. واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم. قال: لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه، فإن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعاً في ديننا، ويدل عليه وجهان: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجباً، لقوله {أية : فَٱتَّبَعُوهُ } تفسير : [الأعراف: 58] والثاني: أن ما كان ثابتاً في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم، فوجب أن يكون باقياً، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } تفسير : [المائدة: 45] حكمه باق في شرعنا. ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً }. واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد، إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكوراً عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها، وعلى هذا التقدير فالمراد: ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه. ثم أكد تعالى هذا فقال: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ }. قال أصحابنا: دلّت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية. أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوهاً: أحدها: أن الفتنة هي العذاب، قال تعالى: {أية : عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ }تفسير : [الذاريات: 13] أي يعذبون، فالمراد ههنا: أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه، وثانيها: الفتنة الفضيحة، يعني ومن يرد الله فضيحته. الثالث: فتنته: إضلاله، والمراد من الاضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالاً، ورابعها: الفتنة الاختبار، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثواباً ولا نفعاً. وأما قوله {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم، وثانيها: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم، وثالثها: أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مراراً. ثم قال تعالى: {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم. {وَلَهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو الخلود في النار.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ} الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال: قيل: نزلت في بني قُرَيْظة والنَّضِير؛ قَتلَ قُرظِي نَضِيرياً وكان بنو النَّضِير إذا قَتلوا من بني قُرَيظة لم يُقِيدوهم، وإنما يعطونهم الدّية على ما يأتي بيانه، فتحاكموا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القُرَظيّ والنَّضِيريّ، فساءهم ذلك ولم يقبلوا. وقيل: إنها نزلت في شأن أبي لُبابة حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قُرَيظة فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح. وقيل: إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرّجم؛ وهذا أصح الأقوال؛ رواه الأئمة مالك والبخاريّ ومسلم والترمذيّ وأبو داود. قال أبو داود عن جابر بن عبد الله« حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «ٱئتوني بأعلم رجلين منكم» فجاؤوا بابني صُورِيَا فنَشدَهما الله تعالى «كيف تجدان أمر هذين في التوراة»؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأُوا ذكره في فرجها كالمِرود في المُكْحُلة رُجِما. قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما» قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأُوا ذكره في فرجها مثل المِيل في المُكْحُلة، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم برجمهما»تفسير : . وفي غير الصحيحين عن الشعبيّ عن جابر بن عبد الله قال: حديث : زنى رجل من أهل فَدَك، فكتب أهل فَدَك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سَلُوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه؛ فسألوه فدعا بٱبن صُورِيَا وكان عالمهم وكان أعور؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْشدك الله كيف تجدون حدّ الزاني في كتابكم» فقال ٱبن صُورِيَا: فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زَنْية، والاعتناق زَنْية، والقُبلة زَنْية، فإن شهد أربعة بأنهم رأُوا ذكره في فرجها مثل المِيل في المُكْحُلة فقد وجب الرّجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو ذاك» تفسير : . وفي صحيح مسلم عن البَرَاء بن عازِب قال: حديث : مُرَّ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديّ مُحمَّماً مجلوداً، فدعاهم فقال: «هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم» قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: «أنْشُدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم» قال: لا ـ ولولا أنك نشدتني بهذا لم أُخبرك ـ نجده الرّجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التَّحمِيم والجلد مكان الرجم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه»فأَمَر به فرجم تفسير : ؛ فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إلى قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} يقول: ٱئتوا محمداً، فإن أمركم بالتحمِيم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فأحذروا، فأنزل الله عز وجل: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} في الكفار كلها. هكذا في هذه الرواية «مُرَّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم» وفي حديث ابن عمر: أُتِي بيهوديّ ويهودية قد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، قال: « حديث : ما تجدون في التوراة على من زنى » تفسير : الحديث. وفي رواية؛ أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وٱمرأة قد زنيا. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر قال: أَتَى نفرٌ من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القُفِّ فأتاهم في بيت المِدراس فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلاً مِنا زنى بامرأة فٱحكم بيننا. ولا تَعارُض في شيء من هذا كله، وهي كلها قصة واحدة، وقد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال:حديث : زنى رجل من اليهود وٱمرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك؛ قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه؛ فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مِدْرَاسهم، فقام على الباب، فقال: «أَنْشُدْكُمْ بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن» فقالوا: يُحَمَّم وجهه ويُجبَّه ويُجْلد، والتَّجْبِية أن يُحمل الزانيان على حمار وتُقابَل أقفيتُهما ويطاف بهما؛ قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت أَلَظَّ به النَّشْدَة؛ فقال: اللهم إذ نَشَدْتنا فإنا نجد في التوراة الرّجم. وساق الحديث إلى أن قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فإني أحكم بما في التوراة» فأَمَر بهما فرُجِما.تفسير : الثانية ـ والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حَكَّمت النبي صلى الله عليه وسلم، فَحكَم عليهم بمقتضى ما في التوراة. واستند في ذلك إلى قول ابني صُورِيَا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان. فهذه مسائل أربع. فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام؛ فإن كان ما رفعوه ظلماً كالقتل والعدوان والغصب حَكَم بينهم، ومَنعهم منه بلا خلاف. وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخيّر في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي، غير أن مالكاً رأى الإعراض عنهم أُولى، فإن حَكَم حَكَم بينهم بحكم الإسلام. وقال الشافعي: لا يَحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يَحكم بينهم على كل حال، وهو قول الزُّهْريّ وعمر بن عبد العزيز والحَكَم، وروى عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي؛ لقوله تعالى: { أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 49] على ما يأتي بيانه بعد احتج مالك بقوله تعالى: { أية : فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 42] وهي نص في التخيير. قال ابن القاسم: إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير؛ لأن إنفاذ الحكم حق للأساقفة. والمخالف يقول: لا يلتفت إلى الأساقفة. قال ابن العربي: وهو الأصح؛ لأن مسلمين لو حَكَّما بينهما رجلاً لنفذ، ولم يُعتبر رضا الحاكم. فالكتابيون بذلك أولى. وقال عيسى عن ابن القاسم: لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب. قال ابن العربي: وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نَزَع به لما رواه الطَّبَريّ وغيره: أن الزانيين كانا من أهل خَيْبَر أو فَدَك، وكانوا حرباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. واسم المرأة الزانية بُسْرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم أسألوا محمداً عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه واقبلوه، وإن أفتاكم به فاحذروه؛ الحديثَ. قال ابن العربي: وهذا لو كان صحيحاً لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهداً وأماناً؛ وإن لم يكن عهدٌ وذمة ودار لكان له حُكم الكفّ عنهم والعدل فيهم؛ فلا حجة لرواية عيسى في هذا؛ وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} ولما حكّموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع؛ فكل من حكّم رجلاً في الدين وهي: الثالثة ـ فأصله هذه الآية. قال مالك: إذا حكّم رجل رجلاً فحكمه ماضٍ وإن رُفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جَوْراً بَيِّنا. وقال سُحْنون: يُمضيه إن رآه صواباً. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان؛ والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكَّم فيه؛ وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بَيْد أن الاسترسال على التحكيم خَرْمٌ لقاعدة الولاية، ومُؤدّ إلى تهارج الناس كتهارج الحُمُر، فلا بد من فاصِلٍ؛ فأَمَر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج؛ وأَذِن في التحكيم تخفيفاً عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة. وقال الشافعي وغيره: التحكيم جائز وإنما هو فتوى. وقال بعض العلماء: إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به؛ ألا ترى أنه قال: « حديث : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه » تفسير : وأن ذلك كان حين قدم المدينة، ولذلك ٱستثبت ابني صُورِيَا عن حكم التوراة وٱستحلفهما على ذلك. وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. وقد يحتمل أن يكون حصول طريق العلم بذلك الوحي، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صُورِيَا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجرداً؛ فبين له النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخبر بمشروعية الرجم، ومبدؤه ذلك الوقت، فيكون أفاد بما فَعله إقامة حكم التوراة، وبيّن أن ذلك حكم شريعته، وأن التوراة حكم الله سبحانه؛ لقوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} وهو من الأنبياء. وقد قال عنه أبو هريرة: « حديث : فإني أحكم بما في التوراة » تفسير : والله أعلم. الرابعة ـ والجمهور على ردّ شهادة الذمي؛ لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على مسلم ولا على كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة. فإن قيل: فقد حكم بشهادتهم ورجم الزانِيين: فالجواب؛ أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاماً للحجة عليهم، وإظهاراً لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذاً لا حاكماً. وهذا على التأويل الأول، وعلى ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصاً بتلك الواقعة، إذ لم يسمع في الصدر الأوّل مَن قَبِل شهادتهم في مثل ذلك. والله أعلم. الخامسة ـ قوله تعالى: {لاَ يَحْزُنكَ} قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي. والباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحُزْن والحَزَن خلاف السرور، وحَزِن الرجل بالكسر فهو حَزِنٌ وحَزِين، وأحْزَنَه غيره وحَزَنه أيضاً مثل أَسْلَكهُ وسَلَكه، ومحزون بني عليه. قال اليزيدي: حَزَنه لغة قريش، وأَحْزَنه لغة تميم، وقد قرىء بهما. وٱحْتَزَنَ وتَحَزَّن بمعنى. والمعنى في الآية تأنيسٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: أي لا يحزنك مسارعتهم إلى الكفر، فإن الله قد وعدك النصر عليهم. السادسة ـ قوله تعالى: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} وهم المنافقون {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نِطقت به ألسنتهم {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} يعني يهود المدينة ويكون هذا تمام الكلام، ثم ابتدأ فقال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي هم سمَاعون، ومثله { أية : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النور: 58]. وقيل الابتداء من قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هادُواْ} أي ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب، أي قابلون لكذب رؤسائهم من تحريف التوراة. وقيل: أي يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك، فكان فيهم من يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم، ويقبح صورته في أعينهم؛ وهو معنى قوله: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} وكان في المنافقين من يفعل هذا. قال الفرّاء: ويجوز سّماعين وطوّافين، كما قال: { أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ } تفسير : [الأحزاب: 61] وكما قال: { أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ } تفسير : [ الطور: 17] ثم قال: { أية : فَاكِهِينَ } تفسير : [الدخان: 27] { أية : آخِذِينَ } تفسير : [الذاريات: 16] وقال سفيان بن عُيَينَة: إن الله سبحانه ذكر الجاسوس في القرآن بقوله: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} ولم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم لهم مع علمه بهم؛ لأنه لم يكن حينئذ تقرّرت الأحكام ولا تمكّن الإسلام. وسيأتي حكم الجاسوس في «الممتحنة» إن شاء الله تعالى. السابعة ـ قوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي يتأوّلونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل؛ وبين أحكامه؛ فقالوا: شرعه ترك الرجم؛ وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييراً لحكم الله عز وجل. و {يُحَرِّفُونَ} في موضع الصفة لقوله: {سَمَّاعُونَ} وليس بحال من الضمير الذي في «يَأَتُوكَ» لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا، والتحريف إنما هو ممن يشهد ويسمع فيحرِّف. والمحرّفون من اليهود بعضهم لا كلّهم، ولذلك كان حمل المعنى على {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} فريق {سَمَّاعُونَ} أشبه. {يَقُولُونَ} في موضع الحال من المضمر في {يُحَرِّفُونَ}. {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} أي إن أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد فاقبلوا وإلا فلا. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة. {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي فلن تنفعه. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} بيان منه عز وجل أنه قضى عليهم بالكفر. ودلت الآية على أن الضلال بمشيئة الله تعالى رداً على من قال خلاف ذلك على ما تقدّم؛ أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثواباً لهم. {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم، ثم أحضرت التوراة فوجد فيها الرجم. وقيل: خزيهم في الدنيا أخذ الجِزية والذل. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {يا أَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} أي صنيع الذين يقعون في الكفر سريعاً أي في إظهاره إذا وجدوا منه فرصة. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي من المنافقين والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا والواو تحتمل الحال والعطف. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ} عطف على {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ} {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} خبر محذوف أي هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي ومن اليهود قوم سماعون واللام في للكذب، إما مزيدة للتأكيد أو لتضمين السماع معنى القبول أي؛ قابلون لما تفتريه الأحبار، أو للعلة والمفعول محذوف أي: سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه. {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي لجمع آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء، والمعنى على الوجهين أي مصغون لهم قابلون كلامهم، أو سماعون منك لأجلهم والإِنهاء إليهم، ويجوز أن تتعلق اللام بالكذب لأن سماعون الثاني مكرر للتأكيد أي: سماعون ليكذبوا لقوم آخرين. {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ} أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، إما لفظاً: بإهماله أو تغيير وضعه، وإما معنى: بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده، والجملة صفة أخرى لقوم أو صفة لسماعون أو حال من الضمير فيه أو استئناف لا موضع له، أو في موضع الرفع خبراً لمحذوف أي هم يحرفون وكذلك {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ } أي إن أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به. {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} بل أفتاكم محمد بخلافه {فَٱحْذَرُواْ} أي احذروا قبول ما أفتاكم به. روي (حديث : أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين فكرهوا رجمهما، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا، فأمرهم بالرجم فأبوا عنه، فجعل ابن صوريا حكماً بينه وبينهم، وقال له: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن، قال: نعم. فوثبوا عليه فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب المسجد). تفسير : {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} ضلالته أو فضيحته. {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} فلن تستطيع له من الله شيئاً في دفعها. {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } من الكفر وهو كما ترى نص على فساد قول المعتزلة. {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} هو أن بالجزية والخوف من المؤمنين. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو الخلود في النار، والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله ومن الذين وإلا فللفريقين.

ابن كثير

تفسير : نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل؛ {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون؛ {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} أي: مستجيبون له، منفعلون عنه، {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، وينهونه إلى قوم آخرين؛ ممن لا يحضر عندك من أعدائك، {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَٰضِعِهِ} أي: يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ماعقلوه، وهم يعلمون، {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلاً، وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية، فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص، فلا تسمعوا منه، والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم، والإركاب على حمارين مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم، فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم، فلا تتبعوه في ذلك. وقد وردت الأحاديث في ذلك، فقال مالك: عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» تفسير : فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم؛ فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة، أخرجاه، وهذا لفظ البخاري. وفي لفظ له: فقال لليهود: «حديث : ما تصنعون بهما؟» تفسير : قالوا: نسخم وجوههما، ونخزيهما، قال: {أية : فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [آل عمران: 93] فجاؤوا بها فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، فقال: ارفع يدك، فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد، إن فيها آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما، فرجما. وعند مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاء يهود، فقال: «حديث : ما تجدون في التوراة على من زنى؟» تفسير : قالوا: نسود وجوههما ونحممهما، ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما. قال: {أية : فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [آل عمران: 93] قال: فجاؤوا بها، فقرؤوها، حتى إذا مر بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُره فليرفع يده، فرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا هشام بن سعد: أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى القف، فأتاهم في بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلاً منا زنى بامرأة، فاحكم. قال: ووضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة، فجلس عليها، ثم قال: «حديث : ائتوني بالتوراة، فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: «آمنت بك وبمن أنزلك» ثم قال: «ائتوني بأعلمكم» تفسير : فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع. وقال الزهري: سمعتُ رجلاً من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي، فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم، قبلناها، واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال: «حديث : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟» تفسير : قالوا: يحمم، ويجبه، ويجلد، والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما، قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، سكت، ألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟» تفسير : قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإني أحكم بما في التوراة»تفسير : فأمر بهما، فرجما، قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم، رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، وابن جرير. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن البراء ابن عازب، قال: مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال: «حديث : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» تفسير : فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: «حديث : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» تفسير : فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا، لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف، تركناه، وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» تفسير : قال: فأمر به، فرجم، قال: فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ} إلى قوله: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} أي: يقولون: ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} قال: في اليهود، إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} قال: في اليهود {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} قال: في الكفار كلها، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، وأبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به. وقال الإمام أبو بكر عبد الله ابن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة: أن سلوا محمداً عن ذلك، فإذا أمركم بالجلد، فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم، فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: «حديث : أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم»تفسير : فجاؤوا برجل أعور، يقال له: ابن صوريا، وآخر، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتما أعلم من قبلكما؟» تفسير : فقالا: قد دعانا قومنا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: «حديث : أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟» تفسير : قالا: بلى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم» تفسير : ؟ فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد، كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هو ذاك» تفسير : فأمر به، فرجم، فنزلت: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}. ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث مجالد به نحوه. ولفظ أبي داود: عن جابر، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: «حديث : ائتوني بأعلم رجلين منكم»تفسير : ، فأتوه بابني صوريا، فنشدهما: «حديث : كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟» تفسير : قالا: نجد إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رجما، قال: «حديث : فما يمنعكم أن ترجموهما؟» تفسير : قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، برجمهما، ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلاً، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود فشهدوا. فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عز وجل إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك؛ ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به. مع علمهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعُدولُهم إلى تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم، وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا} أي: الجلد والتحميم، {فَخُذُوهُ}، أي: اقبلوه، {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} أي: من قبوله واتباعه. وقال الله تعالى: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} أي: الباطل، {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ} أي: الحرام، وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود وغير واحد، أي: ومن كانت هذه صفته، كيف يطهر الله قلبه، وأنى يستجيب له؟ ثم قال لنبيه: {فَإِن جَآءُوكَ} أي: يتحاكمون إليك، {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما يوافق أهواءهم، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والحسن وغير واحد: هي منسوخة بقوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}، {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ} أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}. ثم قال تعالى منكراً عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة؛ في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبداً، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره؛ مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه، وعدم لزومه لهم، فقال: { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} أي: لا يخرجون عن حكمها، ولا يبدلونها، ولا يحرفونها، {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} أي: وكذلك الربانيون منهم، وهم العلماء العباد، والأحبار، وهم العلماء {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} أي: لا تخافوا منهم، وخافوا مني، {وَلاَ تَشْتَرُواْ بآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} فيه قولان سيأتي بيانهما. سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: إن الله أنزل: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ}، قال: قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا، وفرقاً منكم، فأما إذ قدم محمد، فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً منا، وقهراً لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه؛ إن أعطاكم ما تريدون، حكمتموه، وإن لم يعطكم، حذرتم، فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناساً من المنافقين ليخبروا لهم رأي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ} إلى قوله {ٱلْفَـٰسِقُونَ} ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى الله عز وجل. ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه بنحوه. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الآيات التي في المائدة قوله: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تؤدى لهم الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه. ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القرظي رجلاً من النضير، قتل به، وإذا قتل النضيري رجلاً من قريظة، ودي بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوا إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ}، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه، وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حبان وابن زيد وغير واحد. وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا؛ كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم، ولهذا قال بعد ذلك: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله سبحانه وتعالى أعلم، وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة، وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها، رواه ابن جرير. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت، فقالا: وفي الحكم، قال: ذاك الكفر، ثم تلا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} وقال السدي: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت، فتركه عمداً، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّ به، ولم يحكم به، فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب. أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب، وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي،: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}، قال: للمسلمين. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة عن ابن أبي السفر، عن الشعبي: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} قال: هذا في المسلمين {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} قال: هذا في اليهود {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} قال: هذا في النصارى، وكذا رواه هشيم والثوري، عن زكريا ابن أبي زائدة، عن الشعبي. وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم} الآية، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، رواه ابن جرير. وقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين،ولم يخرجاه.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يـَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ } صُنْعُ {ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة {مِنْ } للبيان {ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ } بألسنتهم متعلق بـ(قالوا) {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } وهم المنافقون {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ } قوم {سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ } الذي افترته أحبارهم سماع قبول {سَمَّٰعُونَ } منك {لِقَوْمٍ } لأجل قوم {ءاخَرِينَ } من اليهود {لَمْ يَأْتُوكَ } وهم أهل خيبر زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ } الذي في التوراة كآية الرجم {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } التي وضعه الله عليها أي يبدّلونه {يَقُولُونَ } لمن أرسلوهم {إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا } الحكم المحرف أي الجلد أي أفتاكم به محمد {فَخُذُوهُ } فاقبلوه {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ } بل أفتاكم بخلافه {فَٱحْذَرُواْ } أن تقبلوه {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ } إضلاله {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } في دفعها {أُوْلَئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } من الكفر ولو أراده لكان {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } ذل بالفضيحة والجزية {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله {لاَ يَحْزُنكَ } قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي، والحزن خلاف السرور، وحزن الرجل بالكسر، فهو حزن وحزين: وأحزنه غيره وحزنه. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم، وقد قرىء بهما. وفي الآية النهي له صلى الله عليه وسلم عن التأثر لمسارعة الكفرة في كفرهم تأثراً بليغاً، لأن الله سبحانه قد وعده في غير موطن بالنصر عليهم، والمسارعة إلى الشيء: الوقوع فيه بسرعة. والمراد هنا، وقوعهم في الكفر بسرعة عند وجود فرصة، وآثر لفظ "فِى" على لفظ "إلى" للدلالة على استقرارهم فيه، و"من" في قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ } بيانية، والجملة مبينة للمسارعين في الكفر، و"الباء" في {بِأَفْوٰهِهِم } متعلقة بـ {قالوا} لا بـ {آمنا}، وهؤلاء الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ } يعني اليهود، وهو معطوف على {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا } وهو تمام الكلام. والمعنى: أن المسارعين في الكفر طائفة المنافقين وطائفة اليهود. وقوله: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } خبر مبتدأ محذوف: أي هم سماعون للكذب، فهو راجع إلى الفريقين، أو إلى المسارعين، واللام في قوله: {لِلْكَذِبِ} للتقوية أو لتضمين السماع معنى القبول؛ وقيل إن قوله: {سَمَّـٰعُونَ } مبتدأ خبره {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } أي: ومن الذين هادوا قوم {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } أي: قابلون لكذب رؤسائهم المحرّفين للتوراة. قوله: {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} خبر ثان، واللام فيه كاللام في {للكذب}؛ وقيل اللام للتعليل في الموضعين، أي: سماعون لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل الكذب عليه، وسماعون لأجل قوم آخرين، وجهوهم عيوناً لهم لأجل أن يبلغوهم، ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: {لَمْ يَأْتُوكَ } صفة لقوم: أي لم يحضروا مجلسك وهم طائفة من اليهود، كانوا لا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبرا وتمرّداً؛ وقيل هم جماعة من المنافقين، كانوا يتجنبون مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفراء: ويجوز سماعين كما قال {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ }تفسير : [الأحزاب: 61]. قوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } من جملة صفات القوم المذكورين: أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، ويتأوّلونه على غير تأويله. والمحرّفون هم اليهود؛ وقيل: إن هذه الجملة خبر مبتدأ محذوف؛ وقيل في محل نصب على الحال من {لَمْ يَأْتُوكَ } وقيل: مستأنفة لا محل لها من الإعراب، لقصد تعداد معايبهم ومثالبهم. ومعنى: {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } من بعد كونه موضوعاً في مواضعه، أو من بعد وضعه في مواضعه التي وضعه الله فيها، من حيث لفظه، أو من حيث معناه. قوله: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ } جملة حالية، من ضمير يحرفون، أو مستأنفة، أو صفة لقوم، أو خبر مبتدأ محذوف، والإشارة بقولهم {هَـٰذَا } إلى الكلام المحرّف: أي إن أوتيتم من جهة محمد هذا الكلام الذي حرّفناه، فخذوه واعملوا به، وإن لم تؤتوه بل جاءكم بغيره، فاحذروا من قبوله والعمل به. قوله: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ } أي: ضلالته {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي: فلا تستطيع دفع ذلك عنه ولا تقدر على نفعه وهدايته، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، وظاهرها العموم ويدخل فيها هؤلاء الذين سياق الكلام معهم دخولاً أوّليا، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى من تقدم ذكرهم، من الذين قالوا آمنا بأفواههم ومن الذين هادوا، وهو مبتدأ وخبره الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم: أي لم يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق، كما طهّر قلوب المؤمنين {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } بظهور نفاق المنافقين، وبضرب الجزية على الكافرين، وظهور تحريفهم وكتمهم لما أنزل الله في التوراة. قوله: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } كرّره تأكيداً لقبحه، وليكون كالمقدّمة لما بعده، وهو: أكالون للسحت، وهما من جملة أخبار ذلك المبتدأ المقدّر سابقاً. والسحت، بضم السين وسكون الحاء: المال الحرام، وأصله الهلاك والشدّة، من سحته: إذا هلكه، ومنه {أية : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } تفسير : [طه: 61]، ومنه قول الفرزدق:شعر : وعضّ زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو مُجلَّفُ تفسير : ويقال للحالق اسحت: أي استأصل؛ وسمي الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات: أي يذهبها ويستأصلها، وقال الفراء: أصله كلب الجوع؛ وقيل هو الرشوة، والأوّل أولى، والرشوة تدخل في الحرام دخولاً أوّلياً. وقد فسره جماعة بنوع من أنواع الحرام خاص كالهدية لمن يقضى له حاجة، وحلوان الكاهن، والتعميم أولى بالصواب. قوله: {فَإِن جَاؤوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } فيه تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم. وقد استدلّ به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين. وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمى إذا ترافعا إليهم. واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم؛ فذهب قوم إلى التخيير، وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } وبه قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز والسديّ: وهو الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء. قوله: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } أي إن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم، فلا سبيل لهم عليك، لأن الله حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت الحكم بينهم {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ } أي بالعدل الذي أمرك الله به وأنزله عليك. قوله: {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ } فيه تعجيب له صلى الله عليه وسلم من تحكيمهم إياه، مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء به، مع أن ما يحكمونه فيه هو موجود عندهم في التوراة كالرجم، ونحوه، وإنما يأتون إليه صلى الله عليه وسلم ويحكمونه طمعاً منهم في أن يوافق تحريفهم، وما صنعوه بالتوراة من التغيير. قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ } عطف على يحكمونك {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي من بعد تحكيمهم لك. وجملة قوله: {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } لتقرير مضمون ما قبلها. وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } استئناف يتضمن تعظيم التوراة، وتفخيم شأنها وأن فيها الهدى والنور، وهو بيان الشرائع، والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه. قوله: {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ } هم أنبياء بني إسرائيل، والجملة إما مستأنفة أو حالية، و{ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } صفة مادحة للنبيين، وفيه إرغام لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقيل المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بلفظ الجمع تعظيماً. قوله: {لِلَّذِينَ هَادُواْ } متعلق بـ {يحكم}. والمعنى: أنه يحكم بها النبيون للذين هادوا وعليهم. والربانيون العلماء الحكماء، وقد سبق تفسيره، والأحبار العلماء، مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبرون العلم: أي يحسنونه. قال الجوهري: الحبر واحد أحبار اليهود بالفتح وبالكسر والكسر أفصح، وقال الفراء: هو بالكسر، وقال أبو عبيدة: هو بالفتح. قوله: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } الباء للسببية واستحفظوا أمروا بالحفظ: أي أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل، والجار والمجرور متعلق بيحكم: أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ، قوله: {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أي على كتاب الله والشهداء الرقباء، فهم يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة، والخطاب بقوله: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ } لرؤساء اليهود، وكذا في قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } والاشتراء الاستبدال، وقد تقدّم تحقيقه. قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } لفظ "مِنْ" من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة، بل بكل من ولي الحكم؛ وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب؛ وقيل بالكفار مطلقاً لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبير؛ وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله، وقع استخفافاً، أو استحلالاً، أو جحداً، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى من، والجمع باعتبار معناها، وكذلك ضمير الجماعة في قوله: {هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ }. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } قال: هم اليهود {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } قال: هم المنافقون. وأخرج أحمد، وأبو داود وابن جرير، وابن المنذر والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه عنه قال: إن الله أنزل: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ... ٱلظَّـٰلِمُونَ... ٱلْفَـٰسِقُونَ } أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من العزيزة، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، ودية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا وفرقاً منكم، فأما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم، فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ففكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد يعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً وقهراً لهم، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يخبر لكم رأيه، فإن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتموه ولم تحكموه؛ فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من المنافقين يختبرون لهم رأيه، فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله بأمرهم، كله وما أرادوا، فأنزل الله: {ياأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ } إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } ثم قال فيهم: "حديث : والله أنزلت وإياهم عني".تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة، قال: أوّل مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود زنى رجل منهم وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ، فإنه نبيّ بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبيّ من أنبيائك، قال: فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد وأصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، فلم يكلمهم حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: "حديث : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟"تفسير : قالوا: يحمم ويجبه ويجلد، والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما، وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ به النشدة فقال: اللهم إذ نشدتنا نجب فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : فما أوّل ما ارتخصتم أمر الله؟"تفسير : قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: والله لا ترجم صاحبنا حتى تجىء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإني أحكم بما في التوراة"تفسير : ، فأمر بهما فرجما. قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم. وأخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريق أخرى عن أبي هريرة، وذكر فيه أن الشاب المذكور هو عبد الله بن صوريا. وأخرج نحو حديث أبي هريرة أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمر: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تجدون في التوراة؟"تفسير : قالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم، قالوا صدق، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن جابر بن عبد الله في قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } قال: يهود المدينة {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك} قال: يهود فدك {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ } قال: يهود فدك يقولون ليهود المدينة {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا } الجلد {فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ } الرجم. وأخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، عنه قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمداً، وذكر القصة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ } قال: أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود قال: السحت الرشوة في الدين. قال سفيان: يعني في الحكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود أيضاً قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة أو يردّ عليه حقاً فأهدى له هدية فقبلها، فذلك السحت فقيل له: يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعدّ السحت الرشوة في الحكم، فقال ذلك الكفر {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وقد روي نحو هذا عنه من طرق، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: رشوة الحكام حرام. وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه. وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت قال: السحت الرشوة. وأخرج عبد بن حميد عن عليّ بن أبي طالب أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم؟ قال: ذاك الكفر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عمر قال: بابان من السحت يأكلهما الناس: الرشاء في الحكم، ومهر الزانية. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الرشوة ما هو معروف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من سورة المائدة: آية القلائد، وقوله: {فَإِن جَاؤوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ }، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى أحكامهم، فنزلت: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا. وأخرج نحوه في الآية الآخر عنه أبو عبيدة وابن المنذر، وابن مردويه. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس أن الآيات من المائدة التي قال فيها: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } إلى قوله: {ٱلْمُقْسِطِينَ } إنما نزلت في الدية من بني النضير وقريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يودون الدية كاملة، وأن بني قريظة كانوا يودون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء. وأخرج نحوه عنه ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ } يعني حدود الله فأخبره الله بحكمه في التوراة، قال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } إلى قوله: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } يعني النبي صلى الله عليه وسلم {لِلَّذِينَ هَادُواْ } يعني اليهود. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: الذين أسلموا النبي ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: الربانيون والأحبار الفقهاء والعلماء. وأخرج عن مجاهد قال: الربانيون العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الربانيون العباد، والأحبار العلماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الربانيون الفقهاء العلماء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: الربانيون هم المؤمنون، والأحبار هم القراء. وأخرج ابن جرير، عن السدي {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ } فتكتموا ما أنزلت {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } على أن تكتموا ما أنزلت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } قال: لا تأكلوا السحت على كتابي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم } يقول: من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } قال: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفره. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عطاء ابن أبي رباح في قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ... هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ... هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وأخرج سعيد ابن منصور، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما أنزل الله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} و {ٱلظَّـٰلِمُون} و {ٱلْفَـٰسِقُونَ} في اليهود خاصة. وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن حذيفة، أن هذه الآيات ذكرت عنده {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} و {ٱلظَّـٰلِمُون} و {ٱلْفَـٰسِقُونَ } فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرّة، كلا والله لتسلكنّ طريقهم قدّ الشراك. وأخرج ابن المنذر نحوه عن ابن عباس.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِن الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} يعني به المنافقين المظهرين للإِيمان المبطنين للكفر. {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ} يعني اليهود. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} ليكذبوا عليك عندهم إذا أتوا من بعدهم، وهذا قول الحسن، والزجاج. والثاني: أن معنى قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أى قائلون للكذب عليك. و {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} يعني فى قصة الزاني المحصن من اليهود الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكروه، وهذا قول ابن عباس. {يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضَعِهِ} فيه قولان: أحدهما: أنهم إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم غيروه بالكذب عليه، وهذا قول الحسن. والثاني: هو تغيير حكم الله تعالى في جَلْد الزاني بدلاً من رجمه، وقيل في إسقاط القود عند استحقاقه. {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ} فيه قولان: أحدهما: أنه يريد بذلك حين زنى رجل منهم بامرأة فأنفذوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم وقالوا: إن حكم عليكم بالجلد فاقبلوه وإن حكم عليكم بالرجم فلا تقبلوه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى مدارس توارتهم وفيها أحبارهم يتلون التوراة، فأتى عبد الله بن صوريا، وكان أعور، وهو من أعلمهم فقال له أسألك بالذي أنزل التوراة بطور سيناء على موسى بن عمران هل فى التوراة الرجم؟ فأمسك، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا، قال عبد الله: وكنت فيمن رجمه وأنه ليقيها الأحجار بنفسه حتى ماتت، ثم إن ابن صوريا أنكر وفيه أنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، والسدي، وابن زيد. والقول الثاني: أن ذلك في قتيل منهم، قال الكلبي: قتلت بنو النضير رجلاً من بني قريظة وكانوا يمتنعون بالاستطالة عليهم من القود بالدية، وإذا قتلت بنو قريظة منهم رجلاً لم يقنعوا إلا بالقود دون الدية، قالوا: إن أفتاكم بالدية فاقبلوه وإن أفتاكم بالقود فردوه، وهذا قول قتادة. {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} فيه ثلاث تأويلات. أحدها: عذابه، وهذا قول الحسن. والثاني: إضلاله، وهو قول السدي. والثالث: فضيحته، وهو قول الزجاج. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فيه قولان: أحدهما: لم يطهرها من الضيق والحرج عقوبة لهم. والثاني: لم يطهرها من الكفر. قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} فيه أربعة تأويلات. أحدهما: أن السحت الرشوة، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه الرشوة فى الحكم، وهو قول علي. والثالث: هو الاستعجال فى القضية، وهو قول أبي هريرة. والرابع: ما فيه الغارّ من الأثمان المحرمة: كثمن الكلب، والخنزير، والخمر وعسب افحل، وحلوان الكاهن. وأصل السحت الاستئصال، ومنه قوله تعالى: {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} أي يستأصلكم، وقال الفرزدق: شعر : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتاً أو مجلف تفسير : فسمي سحتاً لأنه يسحت الدين والمروءة. {فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَْعْرِضْ عَنْهُمْ} فيمن أريد بذلك قولان: أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والزهري. والثاني: أنها في نفسين من بني قريظة وبني النضير قتل أحدهما صاحبه فخّير رسول الله صلى الله عليه وسلم عند احتكامهما إليه بين أن يحكم بالقود أو يدع، وهذا قول قتادة. واختلفوا في التخيير في الحكم بينهم، هل هو ثابت أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أنه ثابت وأن كل حاكم من حكام المسلمين مخير فى الحكم بين أهل الذمة بين أن يحكم أو يدع، وهذا قول الشعبي، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم. والقول الثاني: أن ذلك منسوخ، وأن الحكم بينهم واجب على من تحاكموا إليه من حكام المسلمين، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعكرمة، وقد نسخه قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} قوله تعالى: {وَكَيفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ الْتَّورَاةُ فِيهَا حَكْمُ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم. والثاني: حكم الله بالقود. {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} فيه قولان: أحدهما: بعد حكم الله في التوراة. والثاني: بعد تحكيمك. {وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} فيه قولان: أحدهما: أي فى تحكيمك أنه من عند الله مع جحودهم نبوتك. والثاني: يعني فى توليهم عن حكم الله غير راضين به. قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} يعني بالهدى ادليل. وبالنور البيان. {يَحْكُمْ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} فيهم قولان: أحدهما: أنهم جماعة أنبياء منهم محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: المراد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده وإن ذكر بلفظ الجمع. وفي الذي يحكم به من التوراة قولان: أحدهما: أنه أراد رجم الزاني المحصن، والقود من القاتل العامد. والقول الثاني: أنه الحكم بجميع ما فيها من غير تخصيص ما لم يرد به نسخ. ثم قال تعالى: {لِلَّذِينَ هَادُوا} يعني على الذين هادوا، وهم اليهود، وفي جواز الحكم بها على غير وجهان: على اختلافهم فى التزامنا شرائع من قبلنا إذا لم يرد به نص ينسخ. ثم قال تعالى: {وَالرَّبَانُّيِونَ والأَحْبَارُ} واحد الأحبار حَبْر بالفتح، قال الفراء، أكثر ما سمعت حِبْر بالكسر، وهو العالم، سُمِّي بذلك اشتقاقاً من التحبير، وهو التحسين لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، ويحتمل أن يكون ذلك لأن العلم فى نفسه حسن. ثم قال تعالى: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: معناه يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله. والثاني: معناه والعلماء استحفظوا من كتاب الله. وفي {اسْتُحْفِظُواْ} تأويلان: أحدهما: استودعوا، وهو قول الأخفش. والثاني: العلم بما حفظوا، وهو قول الكلبي. {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} يعني على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة. {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} فيه قولان: أحدهما: فلا تخشوهم فى كتمان ما أنزلت، وهذا قول السدي. والثاني: في الحكم بما أنزلت. {وَلاَ تَشْتَرُوا بِأَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تأخذوا على كتمانها أجراً. والثاني: معناه لا تأخذوا على تعليمها أجراً. {وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، ثم قال تعالى: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ}، ثم قال تعالى: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وفي اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل: أحدها: أنها واردة في اليهود دون المسلمين، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والبراء، وعكرمة. الثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، وحكمها عام في جميع الناس، وهذا قول الحسن، وإبراهيم. والثالث: أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى، وهذا قول الشعبي. والرابع: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فهو كافر، ومن لم يحكم مقراً به فهو ظالم فاسق، وهذا قول ابن عباس.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور الناس "الكِلم" بفتح الكاف وكسر اللام، وقرأ بعض الناس "الكِلْم" بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة ضعيفة في كلمة، وقوله تعالى: {يحرفون الكلم} صفة لليهود فيما حرفوا من التوراة إذ ذاك أخطر أمر حرفوا فيه. ويحتمل أن يكون صفة لهم وللمنافقين فيما يحرفون من الأقوال عند كذبهم، لأن مبادىء كذبهم لا بد أن تكون من أشياء قيلت أو فعلت، وهذا هو الكذب المزين الذي يقرب قبوله، وأما الكذب الذي لا يرفد بمبدأ فقليل الأثر في النفس، وقوله: {من بعد مواضعه} أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة والإشارة بهذا قيل هي إلى التحميم والجلد في الزنا، وقيل:هي إلى قبول الدية في أمر القتل، وقيل إلى إبقاء عزة النضير على قريظة، وهذا بحسب الخلاف المتقدم في الآية، ثم قال تعالى لنبيه على جهة قطع الرجاء فيهم {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} أي لا تتبع نفسك أمرهم، والفتنة هنا المحنة بالكفر والتعذيب في الآخرة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سبق لهم في علم الله ألا "يطهر قلوبكم" وأن يكونوا مدنسين بالكفر، ثم قرر تعالى "الخزي في الدنيا". والمعنى بالذلة والمسكنة التي انضربت عليهم في أقطار الأرض وفي كل أمة، وقرر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم. وقوله: {سماعون للكذب} إن كان الأول في بني إسرائيل فهذا تكرار تأكيد ومبالغة، وإن كان الأول في المنافقين فهذا خبر أيضاً عن بني إسرائيل وقوله تعالى: {أكالون للسحت} فعالون مبالغة بناء أي يتكرر أكلهم له ويكثر. و "السحت" كل ما لا يحل كسبه من المال. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة " السحْت" ساكنة الحاء خفيفة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي "السحُت" مضمومة الحاء مثقلة. وروي عن خارجة بن مصعب عن نافع "السِّحْت" بكسر السين وسكون الحاء واللفظة مأخوذة من قولهم سحت وأسحت إذا استأصل وأذهب فمن الثلاثي قوله تعالى: {أية : فيسحتكم بعذاب} تفسير : [طه:61] ومن الرباعي قول الفرزدق: شعر : إلا مسحتاً أو مجلف تفسير : والسُّحْت والسُّحُت بضم السين وتخفيف الحاء وتثقيلها لغتان في اسم الشيء المسحوت، والسحْت بفتح السين وسكون الحاء المصدر، سمي به المسحوت كما سمي المصدي صيداً في قوله عز وجل {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} تفسير : [المائدة: 95] وكما سمي المرهون رهناً، وهذا كثير. قال القاضي أبو محمد: فسمي المال الحرام سحتاً لأنه يذهب وتستأصله النوب، كما قال عليه السلام "حديث : من جمع مالاً من تهاوش أذهبه الله في نهابير" تفسير : ، وقال مكي سمي المال الحرام سحتاً لأنه يذهب من حيث يسحت الطاعات أي يذهب بها قليل قليلاً، وقال المهدوي من حيث يسحت أديانهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود لأن السيئات لا تحبط الحسنات اللهم إلا أن يقدر أنه يشغل عن الطاعات فهو سحتها من حيث لا تعمل, وأما طاعة حاصلة فلا يقال هذا فيها، وقال المهدوي سمي أجر الحجام سحتاً لأنه يسحت مروءة آخذه. قال القاضي أبو محمد: وهذا أشبه، أصل السحت كلب الجوع، يقال فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يُلفى أبداً إلا جائعاً يذهب ما في معدته، فكان الذي يرتشي به من الشره ما بالجائع أبداً لا يشبع. قال القاضي أبو محمد: وذلك بأن الرشوة تنسحت، فالمعنى هو كما قدمناه، وفي عبارة الطبري بعض اضطراب لأن مسحوت المعدة هو مأخوذ من الاستئصال والذهاب، وليس كلب الغرث أصلاً للسحت، والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا، وقال أبو هريرة وعلي بن أبي طالب: مهر البغي سحت وعسب الفحل سحت وكسب الحجام سحت وثمن الكلب والخمر سحت، وقال ابن مسعود السحت أن يهدي لك من قد أعنته في حاجته أو حقه فتقبل، قيل لعبد الله ما كنا نعد السحت إلا الرشوة في الحكم قال: ذلك الكفر، وقد روي عن ابن مسعود وجماعة كثيرة أن السحت هو الرشوة في الحكم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم . تفسير : قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل، وقوله تعالى: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} تخير للنبي صلى الله عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم، وقال عكرمة والحسن: هذا التخيير منسوخ بقوله {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل} تفسير : [المائدة:49] وقال ابن عباس ومجاهد: نسخ من المائدة آيتان، قوله تعالى: {أية : ولا القلائد} تفسير : [المائدة:2] نسختها آية السيف وقوله: {أو أعرض عنهم} نسختها {أية : وأن احكم بينهما بما أنزل الله} تفسير : [المائدة:49]. قال القاضي أبو محمد: وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ويتسلط عليهم في تغييره وينقر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر وإنما هي دعاوي محتملة وطلب ما يحل ولا يحل وطلب المخرج من الإثم في الآخرة فهي التي هو الحاكم فيها مخير، وإذا رضي به الخصمان فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار، قاله ابن القاسم في العتبية، قال وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم. قال القاضي أبو محمد: وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكير فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار رد ذلك الحكم وهل تستوي النوازل في هذا كالرجم في زانيين والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر؟ وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضته؟ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراض عنهم وتركهم إلى دينهم وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: {فإن جاؤوك} يعني أهل نازلة الزانيين. قال القاضي أبو محمد: ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل والله علم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ} المنافقون. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} يسمعون كلامك ليكذبوا عليك {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ} ليكذبوا عليك عندهم إذا أتوا بعدهم، أو قابلون الكذب عليك {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ} في قصة الزاني المحصن من اليهود، حكم الرسول صلى الله عليه وسلم برجمه فأنكروه. {يُحَرِّفُونَ} كلام محمد صلى الله عليه وسلم إذا سمعوه غيَّروه أو تغيير حكم الزاني وإسقاط القَوَد عند وجوبه. {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} أي الجلد، أرسلت اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بزانيين منهم، وقالوا: إن حكم بالجلد فاقبلوه، وإن حكم بالرجم فلا تقبلوه. فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا هل في التوراة الرجم؟ فأمسك فلم يزل به حتى اعترف، فرجمهما الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أنكر ابن صوريا بعد ذلك فنزلت فيه هذه الآية، أوإن أوتيتم الدية، قتلت بنو النضير رجلاً من قريظة وكانوا يمتنعون من القَوَد بالدية إذا جنى النضيري، وإذا جنى القرظي لم يقنع النضيري إلاَّ بالقود، فقالت النضير: إن أفتاكم الرسول بالدية فاقبلوها وإن أفتى بالقود فردوه. {فِتْنَتَهُ} عذابه، أو ضلاله، أو فضيحته. {يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من الكفر، أو من الضيق والحرج عقوبة لهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {السحت} بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي. الباقون بسكون العين. {واخشوني} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل {والعين} وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في {والجروح} بالرفع. {والأذن} وبابه بسكون العين: نافع. {وليحكم} بالنصب: حمزة. الباقون بالجزم. الوقوف: {قلوبهم} ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت {ومن الذين هادوا} على {من الذين قالوا آمنا} ووقفت على {هادوا} واستأنفت بقوله {سماعون} راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود {آخرين} لا لأن ما بعده صفة لهم. {لم يأتوك} ط {مواضعه} ج لاحتمال ما بعده الحال والاسئناف {فاحذروا} ط {شيئاً} ط {قلوبهم} ط {عظيم} ه {للسحت} ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه {أعرض عنهم} ج {شيئاً} ط {بالقسط} ط {المقسطين} ه {ذلك} ط لتناهي الاستفهام {بالمؤمنين} ه {ونور} ج لاحتمال ما بعده/ الحال والاستئناف {شهداء} ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب {قليلاً} ط {الكافرون} ه {بالنفس} ط لمن قرأ {والعين} وما بعده بالرفع {بالسن} ط لمن قرأ {والجروح} بالرفع {قصاص} ط لابتداء الشرط {كفارة له} ط {الظالمون} ه {من التوراة} الأولى ص لطول الكلام {ونور} ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً. {للمتقين} ط لمن قرأ {وليحكم} بالنصب {فيه} ط {الفاسقون} ه. التفسير: خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {يا أيها النبي} في مواضع ولم يخاطبه بقوله: {يا أيها الرسول} إلا ههنا وفي قوله: {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} تفسير : [المائدة:67] ولا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي آخر السورة نزولاً حيث تحققت رسالته في الواقع. أما وجه النظم فهو أنه سبحانه لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا جرم صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ويكفيه شرهم. والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها. {آمنا بأفواههم} فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم آمنا {سماعون للكذب} قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه والطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من قولك: الملك يسمع كلام فلان أي يقبله {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي قابلون من الأحبار ومن الذين لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس السماع. واللام في {للكذب} لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك {يحرّفون الكلم} مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيوناً وجواسيس {من بعد مواضعه} أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات موضع {إن أوتيتم هذا} المحرّف المزال عن موضعه {فخذوه} واعلموا أنه الحق واعملوا به {وإن لم تؤتوه} وأفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بخلافه {فاحذروا} فهو الباطل. عن البراء بن عازب قال: مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فقال: حديث : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجمتفسير : فأنزل الله الآية إلى قوله: {إن أوتيتم هذا}/ يقولون ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، إن أفتاكم بالرجم فاحذروا. وفي رواية أخرى حديث : أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: إن أمركم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا. نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون. والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ قال: نعم. فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجدهتفسير : . قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المقصود، وإن كان مما ثبت في شريعة موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} حكمه باق في شرعنا {ومن يرد الله فتنته} ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر التي حكاها عن اليهود وغيرهم. والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك. ثم أكد هذا بقوله: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن. والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: {أية : يوم هم على النار يفتنون} تفسير : [الذاريات:13] أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالاً، أو المراد ومن يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها {فلن تملك له من الله} ثواباً ولا نفعاً. ثم قال: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} بالألطاف لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قولهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الحالة على كفره، أو هو استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله. ثم وصف اليهود بقوله: {سماعون للكذب أكالون للسحت} وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب. قال/ الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها. ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام. والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي رضي الله عنه وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة. قال الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت. وقيل: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت. وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله تعالى: {أية : وأخذهم الربا} تفسير : [النساء:161] {فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} خيره الله تعالى بين الحكم والإعراض. فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم. وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء. وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ. وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في في حق غير المعاهدين بقوله تعالى: {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله} تفسير : [المائدة:49] فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم. وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض صلى الله عليه وسلم عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم {وكيف يحكمونك} تعجيب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلاً، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد. والواو/ في قوله: {وعندهم} للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب. أما قوله: {فيها حكم الله} فإما أن ينتصب حالاً من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره {عندهم} وإما أن يرتفع خبراً عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله فيكون {عندهم} متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره. وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث. {ثم يتولون} عطف على {يحكمونك} و "ثم" لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم {وما أولئك بالمؤمنين} إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم. ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى} ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد. وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق. وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكراراً. وأيضاً إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلاً فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج. ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون. أما قوله: {الذين أسلموا} فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟ وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديماً وحديثاً لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوارة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله: {للذين هادوا} أي يحكمون لأجلهم. قال في الكشاف: قوله تعالى: {الذين أسلموا للذين هادوا} مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام. قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين. ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟ وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد صلى الله عليه وسلم كقوله: {أية : إن إبراهيم كان أمة} تفسير : [النحل:120] لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة. فمن الأنبياء من لم تكن/ شريعتهم شريعة موسى. والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران. والأحبار عن ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلاً حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضاً لقولهم: حسن الحبر بالكسر أيضاً. وفي الحديث: " حديث : يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره" تفسير : أي جماله وبهاؤه، وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب به لكون العالم صاحب كتب. قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة. ثم إن ذكر الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالاً من الأحبار فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء. وقوله: {بما استحفظوا} إما أن يكون من صلة {يحكم} أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه. و"من" في {من كتاب الله} للتبيين. وقد أخذ الله تعالى على العلماء أن يحفظوا كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه, وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير {استحفظوا} إلى النبيين وغيرهم جميعاً والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء. ثم نهى اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: {فلا تخشوا الناس واخشوني} وعن التغيير لرغبة فقال: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} وهو الرشوة وابتغاء الجاه. ثم عمم الحكم فقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر. وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول انها مختصة باليهود وردّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, ولا ريب أن لفظ "من" في معرض الشرط للعموم فلا وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في النص. وقال عطاء: هو كفر دون كفر. وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر بالله واليوم الآخر. فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق يراد به الكافر في الدين. وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه فعل فعلاً مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر. وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل فيخرج الفاسق لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفاً. واعترض بأن سبب النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: المحرّف داخل في الكل. وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله تعالى ولكنه تارك فلا تتناوله الآية. ثم إنه سبحانه لما بيّن أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود غيروه/ أراد ان يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدّلوه حيث فضلوا بني النضير على بني قريظة فقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأوّل بالرفع فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما لإجراء {كتبنا} مجرى "قلنا" وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت سورة "إن أنزلناه" وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير. فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا قتلتها بغير حق، والعين مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة. وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً وهي التي توضح العظم وتبدي وضحة وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف كالسمع والبصر والبطش. فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها في كتب الفقه. {فمن تصدق به فهو كفارة له} الضمير في {به} يعود إلى القصاص وفي {هو} إلى التصدق الدال عليه الفعل. وفي {له} وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما روى عبادة بن الصامت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه" تفسير : وعن عبد الله بن عمرو: " حديث : يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به" تفسير : والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو، وأما العافي فأجره على الله تعالى {وقفينا على آثارهم} أي على آثار النبيين {بعيسى ابن مريم} أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء. وقوله: {على آثارهم} يسدّ مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه {مصدّقاً لما بين يديه} أي مقراً بأن التوراة كتاب منزل من عند الله تعالى وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضاً لكونه مبشراً بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم كالتوراة. وأما النور فبيان الأحكام الشرعية وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لأن ذلك سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك. ومن قرأ {وليحكم} بالجزم فإما إخبار عما قيل لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم/ بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو مما لم يصر منسوخاً بالقرآن. ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون هدى وموعظة أيضاً غرضين معطوفين للحكم والله أعلم. أما قوله: {الكافرون} {الظالمون} {الفاسقون} فللمفسرين فيه خلاف. قال القفال: هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار. وقال آخرون: الأول من الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك. وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى. التأويل: سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها {سماعون لقوم آخرين} يسنون السنة السيئة لغيرهم {يحرفون} يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم {سماعون للكذب أكالون للسحت} لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية. فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري {فإن جاؤك فاحكم بينهم} مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} داوهم على ما يستحقون من دائهم {بما استحفظوا من كتاب الله} الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : [الحجر:9] {وكتبنا عليهم} كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك. {فمن تصدق} بهذا الإحياء {فهو كفارة له} فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين. {ومن لم يحكم} على نفسه {بما أنزل الله} في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...} الآية: تسليةٌ لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ وتقويةٌ لنفسه؛ بسبب ما كان يلقَىٰ من طوائف المنافقين واليهود، والمعنَىٰ: قد وعَدْناك النصْرَ والظهورَ عليهم، فلا يحزنْكَ ما يقعُ منهم، ومعنى المسارعة في الكُفْرِ: البِدَارُ إلى نَصْره، والسعْيُ في كيد الإسلام، وإطفاءِ نوره، قال مجاهدٌ وغيره: قوله تعالى: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} يراد به المنافقون. وقوله: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ}: يراد به اليهودُ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين؛ لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ، بعضَهُم مِنْ بعض، ويقبلونه؛ ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة؛ إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك. وقوله سبحانه: {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ}: يحتمل أنْ يريد: يَسْمَعُون منهم، وذكر الطبريُّ عن جابر؛ أن المراد بالقوم الآخرينَ يَهُودُ فَدَكَ، وقيل: يهود خَيْبَر، ويحتمل أنْ يكون معنى {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ} بمعنَىٰ: جواسيسَ مُسْتَرِقِينَ الكلامَ؛ لينقلوه لقوم آخرينَ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقُونَ ويهودُ المدينة، قلْتُ: وهذا هو الذي نَصَّ عليه ابنُ إسحاق في السِّيَرِ. قال: * ع *: وقيل لسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هل جرى للجاسُوسِ ذكْرٌ في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ؟ فقال: نعم، وتلا هذه الآية: {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ}. وقوله سبحانه: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ}: هذه صفةُ اليهود في معنَىٰ ما حرَّفوه من التوراةِ، وفيما يحرِّفونه من الأقوال عند كذبهم {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ}، أي: من بعد أن وُضِعَ مواضِعَهُ، وقصدت به وجوهه القويمة، يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه، روي أنَّ يهود فَدَك قالوا ليهودِ المدينةِ: ٱسْتَفْتُوا محمَّداً، فإن أفتاكم بما نَحْنُ عليه من الجَلْد والتَّجْبِيَةِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم، فٱحذروا الرجْمَ؛ قاله الشعبيُّ وغيره وقيل غير هذا من وقائعهم، فالإشارة بـ {هَـٰذَا} إلى التحميمِ والجَلْدِ في الزنا، علَىٰ قولٍ، ثم قال تعالَىٰ لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ؛ على جهة قَطْع الرجاء منهم: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} أي: محنَتَهُ بالكفر، {فلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}، ثم أخبر تعالَىٰ عنهم؛ أنهم الذين سَبَقَ لهم في علْمه ألاَّ يطهِّر قلوبَهُم، وأنْ يكونوا مُدَنَّسِينَ بالكُفْر، {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ}؛ بالذِّلَّة والمَسْكَنة الَّتي ضُرِبَتْ عليهم في أقطار الأرْضِ، وفي كلِّ أُمَّة. قال * ص *: {سَمَّـٰعُونَ}، أي: هم سمَّاعون، ومثله أكَّالون. انتهى. وقوله سبحانه: {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ}: فعَّالون؛ بناءُ مبالغة، أي: يتكرَّر أَكْلُهم، ويَكْثُر، والسُّحْت: كل ما لا يَحِلُّ كسبه من المال. وقوله تعالى: {فَإِن جَاءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}: تخييرٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولحكَّامِ أُمَّتِهِ بعده، وقال ابنُ عباس وغيره: هذا التخْييرُ منسوخٌ بقوله سبحانه: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة:49]، وقال كثيرٌ من العلماء: هي مُحْكَمَة، وهذا هو الأظهر؛ إن شاء اللَّه، وفِقْهُ هذه الآية أنَّ الأَمَّة مُجْمِعَة فيما علمتُ علَىٰ أنَّ حاكم المسلمين يحْكُمُ بيْنَ أهْل الذمَّة في تظالمهم، وأمَّا نوازل الأحْكَام التي لا تَظَالُمَ فيها، فالحاكمُ مخيَّر، وإذا رضي به الخَصْمان، فلا بد مِنْ رِضَا أساقِفَتِهِمْ أو أحبارهم؛ قاله ابن القاسِمِ في «العتبية»، قلت: وعبارة الداووديُّ قال مالك: ولا يَحْكُمُ بينهم، إذا ٱختار الحكم إلا في المظالمِ، فيحكم بينهما بما أنزل اللَّه، ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أنْ يعلنوه، فيعاقَبُونَ بسبب إعلانه، ثم يردُّون إلى أساقفتهم، قال مالك: وإنما رجم النبيُّ صلى الله عليه وسلم اليهودِيَّيْنِ قبل أنْ تكون لهم ذمَّة. انتهى. وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: إنما أَنْفَذَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحُكْمَ بينهم؛ ليحقِّق تحريفَهُم، وتبديلَهم، وكَذِبَهم، وكَتْمَهم مَا في التوراة، ومنْه صفتُهُ صلى الله عليه وسلم فيها، والرجْمُ علَىٰ زناتهم، وعنه أخبر اللَّه تعالَىٰ بقوله: {أية : يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [المائدة:15]؛ فيكون ذلك من آياته الباهرةِ، وحُجَجِهِ البيِّنة، وبراهينِهِ القاطعةِ الدَّامغة للأَمَّة المُخْزية اليهودية. انتهى. وقوله تعالى: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً}: أمَّنَ اللَّه سبحانَهُ نبيَّه من ضررهم، إذا أعْرَضَ عنهم، وحقَّر في ذلك شأنهم، {وَإِنْ حَكَمْتَ}، أي: ٱختَرْتَ الحكْمَ في نازلةٍ مَّا، {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ}، أيْ: بالعدل، ثم قال سبحانه: {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ} المعنى: وكيفَ يحكِّمونك بنيَّةٍ صادقةٍ، وهم قد خالفوا حُكْمَ التوراة التي يصدِّقون بها، وتولَّوْا عن حُكْمِ اللَّه فيها؛ فأنْتَ الذي لا يؤمِنُونَ بك ـــ أحْرَىٰ بأن يخالفوا حُكْمَك، وهذا بيِّن أنهم لا يحكِّمونه ـــ عليه السلام ـــ إلا رغبةً في ميله إلى أهوائهم. وقوله سبحانه: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ}، أي: مِنْ بعد كونِ حكمِ اللَّه في التوراة في الرجْمِ وما أشبهه. وقوله تعالى: {وَمَا أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني: بالتوراة وبموسَىٰ.

ابن عادل

تفسير : قد تقدم أنَّ "يَحْزُن" يُقْرأ بفتح الياءِ وضمِّها وأنهما لُغتانِ، وهل هما بمعنًى، أو بينهما فَرْقٌ. والنَّهْيُ للنبيّ في الظاهرِ، وهو مِنْ بابِ قوله: "لا أرَيَنَّك هاهُنَا"، أي: لا تَتَعَاطَ أسباباً يحصلُ لك بها حُزْنٌ من جهتِهم، وتقدم لك تحقيقُ ذلك مِرَاراً. وقولُ أبي البقاءِ في "يَحْزُنْكَ": "والجيدُ فتحُ الياءِ وضمُّ الزَّاي، ويُقْرأ بِضَمِّ الياءِ، وكسر الزَّاي مِنْ: أحْزَنَنِي وهي لغةٌ" - لَيْسَ بجيِّدٍ؛ لأنها قراءةٌ متواترةٌ، وقد تقدَّم دليلُها في آل عمران [الآية 76]. و"يسارعون" من المسارعة، و"فِي الكفر" متعلقٌ بالفعل قبلهُ، وقد تقدم نظيرُها في آل عمران. واعلمْ أنه تعالى خاطب النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} في مواضِعَ كثيرةٍ، ولم يخاطِبْهُ بقوله: "يا أيُّهَا الرسولُ" إلاّ في موضِعَيْنِ في هذه السورة. أحدهما: هاهُنا، والثانية: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ} تفسير : [المائدة: 67] وهذا خطابُ تشريفٍ وتعظيمٍ. واعلمْ أنه تعالى لما بيَّن بعضَ التكاليف والشرائعِ، وكان قد علم من بعضِ النَّاسِ المسارعةَ إلى الكفرِ لا جَرَمَ صبَّر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على تَحَمُّلِ ذلك، وأمرهُ بأنْ لا يَحْزنَ لأجلِ ذلك أيْ: لا تَهْتَمَّ ولا تُبَالِ بمسارعةِ المنافقينَ في الكفرانِ في موالاةِ الكُفارِ، فإنهم لَنْ يُعْجِزُوا اللَّه شيئاً. قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا} يجوزُ أنْ يكُون [حالاً من] الفاعل في "يسارِعُون" أيْ: يُسارعون حال كونهم بعضَ الذينَ قالُوا، ويجوزُ أنْ يكون حالاً من نفسِ الموصُول، وهو قريبٌ من مَعْنى الأولِ، ويجُوزُ أن يكُونَ "منْ" بياناً لجنسِ الموصُولِ الأولِ، وكذلك "من" الثانية، فتكون تَبْييناً وتَقْسِيماً للذين يُسارعون في الكُفْرِ، ويكون "سمَّاعُون" على هذا خَبَر مُبْتَدأ محذُوفٍ و"آمنَّا" منصوبٌ بـ "قالوا" [و"أفْواهِهمْ" متعلقٌ بـ "قالوا" لا بـ "آمَنَّا"] بمعنى أنه لم يُجاوزْ قولهم أفْواهَهُمْ، إنَّما نَطَقُوا بِهِ غير مُعْتقدِين له بقلوبهم. وقوله: {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُم} جملةٌ حاليَّةٌ. قال بعضُ المفسِّرين: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: مِنَ الذينَ قالُوا: آمَّنا بأفْواهِهمْ ولَمْ تُؤمِن قُلُوبُهُم، وهؤلاءِ هُم المنافِقُونَ. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} فيه وجهانِ: أحدهما: ما تقدَّم، وهو أنْ يكونَ مَعْطُوفاً على {مِنَ الذين قالوا} بَيَاناً وتَقْسِيماً. والثاني: أن يكونَ خبراً مُقَدماً، و"سمَّاعُونَ" مُبْتدأ، والتقديرُ: "ومِنَ الذين هادُوا قومٌ سمَّاعُون"، فتكونُ جملةً مستأنفة، إلاَّ أن الوجه الأول مُرجَّح بقراءةِ الضَّحَّاكِ: "سمَّاعِينَ" على الذَّمِّ بِفِعْلٍ محذوفٍ، فهذا يدلُّ على أن الكلام لَيْسَ جُملةً مُسْتقلةً، بل قوله: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا} عطفٌ على {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ}. وقوله "سماعُون" مِثالُ مُبالغَةٍ، و"للْكَذِب" فيهِ وجهانِ: أحدهما: أنَّ "اللامَ" زائدةٌ، و"الكَذِبِ" هو المفعولُ، أي: سمَّاعون الكذبَ، وزيادةُ اللام هُنا مُطَّردة لكوْنِ العامل فَرْعاً، فقوي باللام، ومثلُه {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 16]. والثاني: أنَّها على بابها مِنَ التعليلِ، ويكونُ مفعولُ "سمَّاعُونَ" مَحْذُوفاً، أيْ: سَمَّاعُون أخْبَارَكُم وأحَادِيثَكُمْ لِيَكْذِبُوا فيها بالزيادَةِ والنَّقْصِ والتَّبْديلِ، بأنْ يُرْجفُوا بِقَتْلِ المؤمنينِ في السَّرَايَا كما نقل من مخازيهم. وقوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ} يجوزُ أنْ تكون هذه تكْرِيراً للأولى، فعلى هذا يجوزُ أنْ يتعلَّق قوله: "لِقَومٍ" بنَفْس الكذبِ، أيْ: يَسْمَعُونَ ليَكْذبُوا لأجْل قوْم [ويجوزُ أن تتعلق اللامُ بنفس "سمَّاعون" أي: سمَّاعُونَ لأجل قومٍ لم يأتوك؛] لأنهم لبُغضِهِمْ لا يقربُونَ مَجْلِسكَ، وهم اليهودُ، و"لم يأتُوك" في محَلِّ جرٍّ؛ لأنَّها صفةٌ لـ "قوم". فصل ذكر الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ هاهُنَا وَجْهَيْنِ. الأول: أنَّ الكلامَ إنَّما يتمُّ عند قوله "ومِنَ الَّذِينَ" ثُم يُبْتَدأ الكلامُ من قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [وتقديرُ الكلامِ: لا يحْزُنْكَ الذين يُسارعُونَ في الكفر من المنافِقِينَ ومن اليهُود، ثم بعد ذلك وصفَ الكل بكونهم سمَّاعين لقوم آخرين]. الوجهُ الثاني: أن الكلام تَمَّ عند قوله: {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} ثم ابْتَدَأ فقال: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} وعلى هذا التقدير: فقوله: "سمَّاعُون" صفةُ محذوفٍ والتقديرُ: ومن الذين هادُوا قومٌ سماعُون، وقيل: خبرُ مُبتدأ محذوفٍ، تقديرُه: هُم سمَّاعُونَ. وحَكَى الزَّجَّاجُ في قوله تعالى "سمَّاعُون لِلْكذبِ" وجهين: الأوَّلُ: معناه: قَائِلُون لِلْكَذبِ، فالسمعُ يُستعملُ، والمراد منه القبولُ كما تقول: لا تَسْمعْ من فلانٍ، أيْ: لا تقبَلْ مِنْه، ومِنه: "سَمِعَ الله لِمَن حمدَهُ"، وذلك الكذبُ الذي يُقْبَلُونَهُ هو ما يقوله رؤساؤهُمْ من الأكاذِيبِ في دينِ الله تعالى، وفي تحريفِ التوراةِ، وفي الطعنِ في سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. والوجه الثَّانِي: أنَّ المرادَ مِنْ قوله "سَمَّاعُون" نَفْسُ السَّمَاعِ، واللامُ في قوله "لِلْكَذِبِ" لامُ كَيْ أي: يَسْمعُون مِنْك لِكَيْ يَكذِبُوا علَيْكَ، وذلك أنَّهُم كانوا يَسْمَعُون مِنَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ثُم يَخْرُجون ويقُولونَ: سمعْنَا منه كذا وكذا، ولم يَسْتَمِعُوا ذلك منه، وأمَّا {لقوم آخرينَ لم يأتوكَ} والمعنى أنهم أعْيُنٌ وجواسِيسُ لِقَوْمٍ آخرينِ لَمْ يأتُوك، ولم يحضرُوا عندَك لِيُبَلِّغُوا إليهم أخبارَك، وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِير. قوله تعالى: "يُحَرِّفُونَ" يجوزُ أن يكونَ صِفَة لِـ "سَمَّاعُون"، أيْ: سمَّاعون مُحَرِّفُونَ، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الضميرِ في "سماعون" ويجوزُ أن يكون مُسْتأنَفاً لا مَحَلَّ لَهُ. ويجوزُ أنْ يكونَ خَبَرَ مُبْتَدأ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمْ مُحَرِّفُونَ. ويجُوز أن يكُونَ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةً لـ "قَوْمٍ"، أيْ: لقوْمٍ مُحَرِّفِينَ. و{مِن بَعْدِ مواضِعِهِ} تقدم في النِّساءِ [الآية 46]. و"يَقُولُون" كـ "يُحَرِّفُونَ" ويجوزُ أنْ يكُونَ حالاً من ضمير "يُحرِّفُونَ"، والجملةُ شَرْطِيَّةٌ مِنْ قوله: "إنْ أوتيتُمْ" [مفعولة بالقول، و"هذا" مفعول ثان لـ "أوتيتم"] فالأول قائمُ مقامَ الفاعل، و"الفاء" جوابُ الشرطِ، وهي واجِبة لعدمِ صلاحيَّةِ الجزاءِ لأنْ يكونَ شَرْطاً، وكذلك الجملة من قوله: {وإن لم تؤتوه}. فصل في معنى الآية ومعنى {يُحرِّفون الكلم من بعد مواضعه} أي: من بعد أن وضعه اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - في مواضعه، أي فرض دينهُ، وأحلَّ حلالهُ وحرَّم حرامهُ. قال المفسرون: "حديث : إِنَّ رجُلاً وامرأةً من أشراف خيبر زنيا، وكان حدُّ الزِّنا في التوراة الرَّجم، فكرهت اليهودُ رجمهما لشرفهما، فأرسلوا قوماً إلى رسول اللَّهِ - صلى اللَّهُ عليه وعلى آله وسلم - عن حُكمه في الزَّانيين إذا أُحصنا وقالوا: إن أمركم بالجلد فاقبلوا، وإن أمركُم بالرَّجم فلا تقبلوا. فلمّا سألوا الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ - عن ذلك فنزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخُذُوا به، فقال جبريلُ: اجعل بينك وبينهم ابن صوريَّا ووصفه له. فقال لهم رسولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وآله وسلم -: [هل] تعرفون شاباً أمردَ أبيض أَعوَرَ يسكن فدك يقال له: ابنُ صوريَّا؟. قالُوا: نَعَمْ، قال: فأيُّ رَجُلٍ هو فيكُم قالوا: هو أعْلَمُ يَهُودِيٍّ بَقِيَ على وجه الأرضِ بما أنْزَل الله على موسى بن عمران في التَّوْرَاةِ قال: فأرْسلوا إليه. ففعلُوا فأتاهُمْ، فقال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أنْتَ ابنُ صُوريَّا قال: نَعَمْ، فقال له عليه الصلاة والسلامُ: "أنْشُدُك الله الذي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الذي أنْزَل التوراةَ على مُوسَى، وأخرجكم من مِصْرَ، وفلق لكم البحرَ، وأنجاكُمْ، وأغْرقَ آل فِرْعوْنَ، وظلل عليكم الغمامَ، وأنزلَ عليكُمُ المَنَّ والسَّلْوَى، ورفعَ فوْقَكُم الطُّور، وأنْزَلَ عَلَيْكُم كتابَهُ فيه حلالُه وحرامُه هل تجدُون في كتابِكُم الرَّجْمَ على مَنْ أحْصِن. قال ابن صُوريّا: نَعَمْ، والذي ذَكَّرْتَنِي به لَوْلاَ خشيةُ أنْ تحرقنِي التوراةُ إنْ كذبتُ أو غيَّرت [أو بدلتُ] ما اعترفتُ لك، ولكن كيفَ هي في كتابكم يا مُحمدُ؟ قال: إذا شَهِدَ أربعة رَهْطٍ عُدُول، أنَّهُ قد أدْخَلَ فيها ذكرهُ كما يدخُلُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ وجب عليه الرَّجْمُ، فقال ابنُ صوريَّا: والَّذِي أنزلَ التوراةَ على مُوسى هكذا أنزلَ الله التوراة على موسى فقال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فماذا كان] أوَّل ما تَرَخّصْتُم به أمر الله عزَّ وجلَّ قال: كُنَّا إذا أخذنَا الشريفَ تركْنَاهُ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدَّ: فكثُرَ الزِّنَا في أشْرَافِنَا حتى زَنَى ابنُ عَمِّ [مَلِكٍ] لنا فلم نَرْجُمْهُ، ثُم زَنَا رجلٌ آخرُ في أسوةٍ من النَّاس، فأراد ذلك الملكُ رَجْمَه، فقام دُونَه قَوْمُه، فقالوا: واللَّه لا نرجُمُه حتى نرجُم فُلاناً ابن عَمِّ الملكِ. فقُلْنا: تعالَوْا نَجْتَمِعُ فنضعَ شَيئاً دون الرجمِ يكونُ على الشَّريفِ والوضيعِ، فوضعْنَا الجلْدَ والتَّحْميمَ؛ وهو أنْ يُجْلَدَا أربعينَ جلْدةً بِحَبلٍ مَطْلِيٍّ بالقارِ، ثم يُسَوَّد وُجُوهُهُمَا، ثُمَّ يُحملا على حِمَاريْنِ وجوهُهُما من قبلِ دُبر الحمار، ويطافُ بِهَما، فجعلوا هذا مكان الرجم. فقال اليهودُ [لابن صوريا]: ما أسرع ما أخبرتَهُ به، وما [كُنتَ لما أثْنَيْنَا] عليك بأهل، ولكِنَّكَ كُنْتَ غائباً، فكرهنا أن نَغْتَابَك، فقال لهم ابن صوريا: إنَّه قد أنْشَدَني بالتوراةِ، ولولا خشيةُ التوراةِ أنْ تُهلكني لما أخبرته، فأمر بهما النبيُّ - صلى الله عليه وعلى وآله وسلم - فَرُجِمَا عند بابِ المسجدِ، وقال: اللهم، إنَّي أوَّلُ مَنْ أحْيَا أمرَكَ إذْ أمَاتُوهُ"تفسير : ، فأنزل الله عزَّ وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. فقولُه تعالى: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} جمع كَلِمَةٍ، وذكر الكِنايةَ رَدّاً على لَفظها الكلم {مِن بَعْدِ مواضِعِهِ} أيْ: وضعُوا الجلدَ مكان الرجمِ. وقيل: سببُ نزول هذه الآيةِ: أنَّ بَنِي النضير كان لهم فضلٌ على بَنِي قريظةَ، فقال بَنُوا قريظةَ: يا محمدُ إخْوَانُنا بنو النضير وأبُونا واحدٌ وديننا واحدٌ ونبينا واحدٌ، وإذا قتلُوا مِنَّا قتيلاً لم يقيدونَا، وأعطونا ديتَهُ سَبْعينَ وَسْقاً من تَمْرٍ. وإذا قتلنا منهم قتلُوا القاتلَ، وأخذوا مِنّا الضِّعْفَ مائةً وأربعين وسْقاً مِنْ تَمْرٍ. وإنْ كان القتيلُ امرأةً قتلُوا بها الرجُلَ مِنَّا، وبالرجل منهم الرجليْن مِنّا، وبالعبد حُراً مِنَّا، وجراحاتُهم على الضَّعْفِ مِنْ جراحاتِنَا فاقْضِ بَيْننا وبينهم، فأنزل الله هذه الآية، والأولُ أصحُ لأنَّ الآية في الرَّجْمِ. فصل قال القرطبي: الجمهورُ على ردِّ شهادةِ الذِّمِّيِّ؛ لأنَّهُ ليس مِنْ أهلِهَا فلا تقبلُ على مسلم، ولا على كافرٍ وقبِلَ شهادتهُم جماعة مِنَ الناسِ إذا لم يُوجدْ مسلمٌ، على ما يأتي في آخر السورة. فإنْ قِيل: قد حَكَمَ بشهادَتِهمْ ورجمَ الزَّانِيَيْنِ. فالجوابُ: أنَّهُ إنَّما تقدم عليهم بما علم أنَّهُ حكمُ التَّوْراةِ، وألزمهُم العملَ بِهِ على نحو ما عملت به بَنُو إسرائيلَ؛ إلْزَاماً للحجةِ عليهم، وإظْهَاراً لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذاً لا حَاكِماً. قوله تعالى: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} أيْ: إنْ أمرَكُم بحدِّ الجلدِ فاقبلوا، وإنْ أمركُم بالرجم فلا تقبلُوا. قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} "مَنْ" مفعولٌ مقدمٌ، وهي شرطيةٌ. وقوله: "فَلَنْ تَمْلِكَ" جوابُه، و"الفاء" أيضاً واجبةٌ لما تقدم. و"شيئاً" مفعولٌ به، أو مصدرٌ، و"مِنَ اللَّهِ" متعلقٌ بـ "تَمْلكَ". وقيل: هو حالٌ من "شَيْئاً"؛ لأنَّهُ صفتُه في الأصْلِ. فصل قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} أي: كفْرَهُ وضلالَهُ، وقال الضحاكُ: هلاكَهُ. وقال قتادةُ: عذابَهُ. ولمّا كان لفظُ الفتنةِ مُحتملٌ لجميعِ أنواعِ المفاسدِ، وكان هذا اللفظُ مذكُوراً عُقَيْبَ أنْواع كفرِهم التي شرحَها الله تعالى وجب أن يكُون المرادُ من هذه الفتنةِ تلك الكُفْرياتِ المذكُورة، ويكونُ المعنى: ومَنْ يُرد الله كفره وضلالتهُ، فلَنْ يقدِرَ أحدٌ على دفع ذلك عنه، ثُمَّ أكَّدَ ذلك بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}. قال أهلُ السُّنَّةِ: دلّت هذه الآيةُ على أن الله تعالى غيرَ مُريدِ إسلامِ الكافرِ، وأنَّه لم يُطهرْ قلبَهُ مِنَ الشِّرْكِ، ولوْ فعل ذلك لآمن. وذكر المعتزلةُ في تعبير هذه الفِتْنَة وجوهاً: أحدها: أنَّ الفتنة هي العذابُ. قال تعالى: {أية : عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} تفسير : [الذاريات: 13] أيْ: يُعَذَّبُونَ، فالمرادُ هنا: يُريد عذابَهُ لِكُفْره. وثانيها: ومَنْ يُردِ الله فضيحتَهُ. وثالثها: المرادُ الحكمُ بضلالهِ، وتَسْمِيتِهِ ضَالاًّ. ورابعها: الفتنَةُ: الاختبارُ؛ والمعنى: مَنْ يُردِ الله اختبارهُ [فِيمَا يَبْتَليه] من التكاليف فيتركُهَا ولا يقومُ بأدائِها، فلَنْ تملِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ثواباً ولا نفعاً. وأمَّا قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لم يردِ الله أنْ يهدي قلوبَهُم بالألطافِ؛ [لأنه تعالى عَلِم أنه لا فائدةَ في تلكَ الألطافِ لأنَّها لا تنجحُ في قُلُوبِهم]. ثانيها: لم يُرد الله أن يطهرَ قلوبَهُم مِنَ الحَرَجِ والغَمِّ والوحشةِ الدَّالةِ على كُفْرِهم. وثالثها: أنَّ هذه الاستعارةَ [عبارةٌ] عَنْ سُقوطِ وقْعَهِ عند الله، وأنَّه غيرُ مُلتفتٍ إلَيْهِ بسببِ قُبْحِ أفعالِهِ، وقد تقدم [الكلامُ] على هذه الوجوه. قوله تعالى: "أولَئِكَ": مبتدأ، و{لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ} جملةٌ فعليةٌ خبرُهُ. ثُم قال تعالى: {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} وخزيُ المُنافقينَ الفَضيحةُ، وهَتْكُ السَّتْرِ بإظْهَارِ نفاقِهمْ، وخَوفِهم مِن القتْلِ، وخزيُ اليهودِ: الجزْيَةُ، وفَضِيحتُهم، وظهورُ كذبِهِمْ، في كِتْمانِ نَصِّ الله تعالى في إيجابِ الرَّجْمِ. قوله تعالى {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو الخلودُ في النَّارِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏} ‏ قال‏:‏ هم اليهود ‏ {‏من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ هم المنافقون‏. وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"‏إن الله أنزل ‏{‏أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 44‏]‏ الظالمون، الفاسقون، أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا، على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فنزلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم، فقامت الذليلة فقالت‏:‏ وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، ودية بعضهم نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا وفرقاً منكم، فاما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهم، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ففكرت العزيزة فقالت‏:‏ والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً وقهراً لهم، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاخبر الله رسوله بأمرهم كله وماذا أرادوا، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ إلى قوله ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون‏}، ثم قال‏:‏ فيهم - والله - أنزلت‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عامر الشعبي في قوله ‏ {‏لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏} ‏ قال‏:‏ رجل من اليهود قتل رجلاً من أهل دينه، فقالوا لحلفائهم من المسلمين‏:‏ سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يقضي بالقتل لم نأته‏. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي هريرة ‏"‏أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زنى رجل بعد احصانه بامرأة من اليهود وقد أحصنت، فقالوا‏:‏ ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما، فإن حكم بعملكم من التجبية، والجلد بحبل من ليف مطلي بقار، ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمار، فاتبعوه فإنما هو ملك سيد القوم، وإن حكم فيهما بالنفي فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم‏. فأتوه فقالوا‏:‏ يا محمد‏.‏ هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال‏:‏ يا معشر يهود، أخرجوا إليَّ علماءكم، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا، وياسر بن أخطب، ووهب بن يهودا، فقالوا‏:‏ هؤلاء علماؤنا‏.‏ فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا‏:‏ هذا أعلم من بقي بالتوراة، فخلا رسول الله صلى الله عليه وسلم به وشدد المسألة وقال‏:‏ يا ابن صوريا، أنشدك الله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة‏؟‏ فقال‏:‏ اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعرفون أنك مرسل ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فرجما عند باب المسجد، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ الآية‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال ‏"‏أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود، زنى رجل منهم وامرأة، فقال بعضهم لبعض‏:‏ اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا‏:‏ فتيا نبي من أنبيائك‏.‏ قال‏:‏ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه، فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا‏؟‏ فلم يكلمه كلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال‏:‏ أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن‏؟‏ قالوا يحمم ويجبه ويجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار، ويقابل أقفيتهما، ويطاف بهما، وسكت شاب، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت، ألظ النشدة فقال‏:‏ اللهم نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، ثم زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا‏:‏ والله ما نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بهذه العقوبة بينهم‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما‏.‏ قال الزهري‏:‏ فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ‏{أية : ‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 44‏]‏ فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم‏"‏‏. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال‏:‏ ‏‏حديث : مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال‏:‏ "أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال‏: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى‏:‏ أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم‏؟ قال‏:‏ اللهم لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا‏:‏ تعالوا نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" تفسير : ، وأمر به فرجم، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏إن أوتيتم هذا فخذوه‏} ‏ وإن أفتاكم بالرجم ‏ {‏فاحذروا‏}‏ إلى قوله ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ قال في اليهود {‏أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 45‏]‏ قال‏:‏ في النصارى إلى قوله ‏{‏أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 47‏]‏ قال‏:‏ في الكفار كلها‏‏‏. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال‏:‏ حديث : إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ما تجدون في التوراة‏؟ قالوا‏:‏ نفضحهم ويجلدون‏.‏ قال عبد الله بن سلام‏:‏ كذبتم ان فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقال ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام‏:‏ ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم‏.‏ قالوا‏:‏ صدق، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما". ‏‏‏ تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه ‏‏حديث : عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا‏}‏ قال ‏"هم اليهود، زنت منهم امرأة وقد كان حكم الله في التوراة في الزنا الرجم، فنفسوا أن يرجموها وقالوا‏:‏ انطلقوا إلى محمد فعسى أن تكون عنده رخصة، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها، فأتوه فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم إن امرأة منا زنت، فما تقول فيها‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: فكيف حكم الله في التوراة في الزاني‏؟ قالوا‏:‏ دعنا مما في التوراة، ولكن ما عندك في ذلك‏؟‏ فقال‏: ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى‏. فقال لهم‏:‏ بالذي نجاكم من آل فرعون، وبالذي فلق لكم البحر فانجاكم وأغرق آل فرعون، إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني‏؟ قالوا‏:‏ حكمه الرجم، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت ‏‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله في قوله ‏ {‏من الذين هادوا سماعون للكذب‏} ‏ قال‏:‏ يهود المدينة ‏ {‏سماعون لقوم آخرين لم يأتوك‏} ‏ قال‏:‏ يهود فدك ‏ {‏يحرفون الكلم‏}‏ قال‏:‏ يهود فدك ‏ {‏يقولون‏} ‏ ليهود المدينة ‏ {إن أوتيتم هذا‏}‏ الجلد ‏ {‏فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا‏} ‏ الرجم‏. ‏ وأخرج الحميدي في مسنده وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ حديث : زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة اسألوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك فقال‏:‏ أرسلوا إليَّ أعلم رجلين منكم، فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما ‏"‏أليس عندكما التوراة فيها حكم الله‏؟ قالا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فانشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، ونجاكم من آل فرعون، وأنزل التوراة على موسى، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم‏؟ فقال أحدهما للآخر‏:‏ ما نشدت بمثله قط‏:‏ قالا‏:‏ نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: فهو كذلك، فأمر به فرجم، فنزلت ‏{‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم‏}‏ إلى قوله {‏يحب المقسطين} [‏المائدة: 42‏] ‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في رجل من الأنصار، زعموا أنه أبو لبابة أشارت اليه بنو قريظة يوم الحصار ما الأمر على ما ننزل، فأشار إليهم أنه الذبح‏. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏ومن الذين هادوا سماعون للكذب‏} ‏ قال‏:‏ هم أبو يسرة وأصحابه‏. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ‏{‏سماعون لقوم آخرين‏} ‏ قال‏:‏ يهود خيبر‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏سمَّاعون لقوم آخرين‏} ‏ قال‏:‏ هم أيضاً سماعون ليهود‏. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله ‏{‏أية : يحرِّفون الكلم عن مواضعه} ‏تفسير : [‏المائدة: 13‏]‏‏‏ قال‏:‏ كان يقول بني إسرائيل‏:‏ يا بني أحباري، فحرفوا ذلك فجعلوه يا بني أبكاري، فذلك قوله ‏ {‏يحرفون الكلم عن مواضعه‏} ‏ وكان إبراهيم يقرأها ‏"‏يحرفون الكلم من مواضعه‏". وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏يحرفون الكلم من بعد مواضعه‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن هذا كان في قتيل بني قريظة والنضير، إذ قتل رجل من قريظة قتله النضير، وكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم في أنفسهم تعوذاً، فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسألهم، فأرادوا ان يرفعوا ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم، فقال لهم رجل من المنافقين‏:‏ إن قتيلكم هذا قتيل عمد، وإنكم متى ترفعون أمره إلى محمد أخشى عليكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه وإلا فكونوا منهم على حذر‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه‏} ‏ قال‏:‏ إن وافقكم وإن لم يوافقكم ‏ {‏فاحذروه‏} ‏ يهود تقول‏:‏ للمنافقين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يحرفون الكلم‏} ‏ يعني حدود الله في التوراة‏.‏ وفي قوله ‏ {‏يقولون إن أوتيتم هذا‏} ‏ قال‏:‏ يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه‏.‏ وفي قوله ‏ {‏ومن يرد الله فتنته‏} ‏ قال‏:‏ ضلالته ‏ {‏فلن تملك له من الله شيئاً‏} ‏ يقول‏:‏ لن تغني عنه شيئا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏لهم في الدنيا خزي‏} ‏ قال‏:‏ أما خزيهم في الدنيا، فإنه إذا قام الهدى فتح القسطنطينية فقتلهم فذلك الخزي‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله ‏ {‏لهم في الدنيا خزي‏} ‏ مدينة تفتح بالروم فيسبون‏. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله ‏ {‏لهم في الدنيا خزي‏} ‏ قال‏:‏ يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون‏.

ابو السعود

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} خُوطب عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للتشريفِ والإشعارِ بما يوجب عدمَ الحزن، والمسارعةُ في الشيء الوقوعُ فيه بسرعة ورَغبةً، وإيثارُ كلمة (في) على كلمة (إلى) الواقعة في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } تفسير : [آل عمران، الآية:133] الخ للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرَحونه، وإنما ينتقِلون بالمسارعة عن بعض فنونِه وأحكامِه إلى بعضٍ آخرَ منها كإظهارِ موالاةِ المشركين، وإبرازِ آثارِ الكيدِ للإسلام ونحوِ ذلك، كما في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ }تفسير : [المؤمنون: 61] فإنهم مستمرون على الخير مسارعون في أنواعِه وأفرادِه، والتعبـيرُ عنهم بالموصول للإشارة بما في حيِّز صلتِه إلى مدار الحزن، وهذا وإن كان بحساب الظاهرِ نهياً للكَفَرة عن أن يُحزنوه عليه الصلاة والسلام بمسارعتهم في الكفر لكنه في الحقيقة نهيٌ له عليه الصلاة والسلام عن التأثر من ذلك والمبالاةِ بهم على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن النهيَ عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني، وقلعٌ له من أصله، وقد يوجَّه النهيُ إلى المسبَّبِ ويرادُ به النهيُ عن السبب، كما في قوله: لا أُرَينّك هٰهنا يريد نهْيَ مخاطَبه عن الحضور بـين يديه وقرىء (لا يُحزِنْك) من أحزنه منقولاً من حزِن بكسر الزاي وقرىء (يُسرعون) يقال: أسرع فيه الشيبُ أي وقع سريعاً أي لا تحزَنْ ولا تُبالِ بتهافتهم في الكفر بسرعة وقوله تعالى: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ} بـيان للمسارعين في الكفر، وقيل: متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل يسارعون، وقيل: من الموصول أي كائنين من الذين الخ، والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا وقوله تعالى: {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} جملةٌ حالية من ضمير (قالوا) وقيل: عطف على قالوا وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ} عطف على (من الذين قالوا) الخ، وبه يتم بـيانُ المسارعين في الكفر بتقسيمهم إلى قسمين: المنافقين واليهود، فقوله تعالى: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ راجعٍ إلى الفريقين أو إلى المسارعين، وأما رجوعُه إلى الذين هادوا فمُخِلٌّ بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل كما ستقف عليه، وكذا جُعل قولُه: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ} الخ، خبراً على أن قولَه سماعون صفةٌ لمبتدأ محذوف أي ومنهم قومٌ سماعون الخ، لأدائه إلى اختصاص ما عُدِّد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم، فالوجهُ ما ذُكِرَ أولاً أي هم سماعون، واللامُ إما لتقوية العمل وإما لتضمين السماعِ معنى القبول، وإما لامُ كي والمفعولُ محذوف والمعنى هم مبالغون في سماع الكذب، أو في قَبول ما يفتريه أحبارُهم من الكذب على الله سبحانه وتحريفِ كتابه، أو سماعون أخبارَكم وأحاديثَكم ليكذبوا عليكم بأن يمسَخوها بالزيادة والنقص والتبديل والتغيـير، أو أخبارَ الناس وأقاويلَهم الدائرة فيما بـينهم ليكذبوا فيها بأن يرجِعوا بقتل المؤمنين وانكسارِ سراياهم ونحو ذلك مما يُضَرُّ بهم، وأياً ما كان فالجملة مستأنفةٌ جارية مَجرى التعليل للنهي، فإن كونهم سماعين للكذب على الوجوه المذكورة وابتناءَ أمورهم على ما لا أصلَ له من الأباطيل والأراجيف مما يقتضي عدمَ المبالاة بهم وتركَ الاعتداد بما يأتون وما يذرون للقطع بظهور بطلان أكاذيبهم واختلالِ ما بَنَوْا عليها من الأفاعيل الفاسدة المؤدِّية إلى الخزيِ والعذاب كما سيأتي، وقرىء (سمّاعين) للكذب بالنصب على الذم، وقوله تعالى: {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِين} خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدر مقرِّرٌ للأول ومبـينٌ لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين، واللام مثلُ مَنْ في سمع الله لمن حمِده في الرجوع إلى معنى من أي قبِلَ منه حَمْدَه، والمعنى مبالِغون في قبول كلام قومٍ آخرين، وأما كونُها لامَ التعليل بمعنى سماعون منه عليه الصلاة والسلام لأجل قومٍ آخرين وجَّهوهم عُيوناً ليُبلِّغوهم ما سمعوا منه عليه الصلاة والسلام، أو كونُها متعلقةً بالكذب على أن سماعون الثانيَ مكررٌ للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقومٍ آخرين فلا يكاد يساعده النظمُ الكريم أصلاً وقوله تعالى: {لَمْ يَأْتُوكَ} صفة أخرى لقوم أي لم يُحضروا مجلسك وتجافَوْا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء، قيل: هم يهودُ خيبر والسماعون بنو قُريظة وقوله تعالى: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ} صفةٌ أخرى لقوم وصِفوا أولاً بمغايَرَتِهم للسماعين تنبـيهاً على استقلالهم وأصالتهم في الرأي والتدبـير، ثم بعدم حضورِهم مجلسَ الرسول عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكمال طغيانهم في الضلال، ثم باستمرارهم على التحريف بـياناً لإفراطهم في العتوِّ والمكابرةِ والاجتراء على الافتراء على الله تعالى وتعيـيناً للكذب الذي سمعه السماعون، أي يُميلونه ويُزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها إما لفظاً بإهمالِه أو تغيـيرِ وضعه، وإما معنى بحَمْلِه على غير المراد وإجرائِه في غير موردِه، وقيل: الجملةُ مستأنفة لا محل لها من الإعراب ناعيةٌ عليهم شنائعَهم. وقيل: خبرُ مبتدأ محذوفٍ راجع إلى القوم وقوله تعالى: {يَقُولُونَ} كالجملة السابقة في الوجوه المذكورة، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير (يحرفون) وأما تجويزُ كونها صفةً لسماعون أو حالاً من الضمير فيه فما لا سبـيل إليه أصلاً، كيف لا وإن مقولَ القول ناطقٌ بأن قائلَه ممن لا يحضرُ مجلسَ الرسول صلى الله عليه وسلم، والمخاطَب به ممن يحضُره فكيف يمكن أن يقوله السماعون المترددون عليه عليه الصلاة والسلام لمن يحومُ حوله قطعاً؟ وادعاءُ قولِ السماعين لأعقابهم المخالِطين للمسلمين تعسّفٌ ظاهرٌ مُخلٌّ بجزالة النظم الكريم، والحقُّ الذي لا محيد عنه أن المحرِّفين والقائلين هم القومُ الآخرون، أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند إلقائهم إليهم أقاويلَهم الباطلةَ مشيرين إلى كلامهم الباطل {إِنْ أُوتِيتُمْ} من جهة الرسولِ عليه الصلاة والسلام {هَـٰذَا فَخُذُوهُ} واعملوا بموجَبه فإنه الحق {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} بل أوتيتم غيرَه {فَٱحْذَرُواْ} أي فاحذروا قبولَه، وإياكم وإياه، وفي ترتيب الأمر بالحذَر على مجردِ عدمِ إيتاء المحرَّف من المبالغة في التحذير ما لا يخفى. رُوي (أن شريفاً من خَيْبرَ زنى بشريفةٍ وهما مُحصَنان وحدُّهما الرجمُ في التوراة فكرِهوا رجمَهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: إن أمرَكم بالجلد والتحميم فاقبَلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا الزانيَـيْن معهم فأمرهم بالرَّجْم فأَبوْا أن يأخُذوا به فقال جبريلُ عليه السلام: اجعل بـينك وبـينهم ابنَ صوريا ووصفه له فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : "هل تعرفون شاباً أبـيضَ أعورَ يسكن فَدَك يقال له ابن صوريا؟" قالوا: نعم، وهو أعلمُ يهوديٍّ على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بنِ عِمرانَ في التوراة، قال: "فأرسِلوا إليه" ففعلوا، فأتاهم، فقال له النبـي عليه الصلاة والسلام: "أنت ابن صوريا؟" قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: "وأنت أعلم اليهود؟" قال: كذلك يزعُمون، قال لهم: "أترضَوْن به حكماً؟" قالوا: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشُدك الله الذي لا إلٰه إلا هو الذي فلق البحرَ وأنجاكم وأغرق آلَ فرعون وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المنّ والسلوى ورفعَ فوقكم الطورَ وأنزل عليكم التوراةَ فيها حلالُه وحرامُه هل تجدون في كتابكم الرجْمَ على من أُحصِن؟" قال: نعم، والذي ذكرتني به لولا خشِيتُ أن تحرِقني التوراةُ إن كذبتُ أو غيَّرتُ ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال عليه الصلاة والسلام: "إذا شهد أربعةُ رهطٍ عدولٌ أنه أَدخَل فيها كما يُدخَلُ الميلُ في المُكحُلة وجب عليه الرجم" قال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فوثب عليه سَفَلةُ اليهود، فقال: خفتُ إن كذَبتُه أن ينزِل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ كان يعرِفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأنك رسول الله النبـيُّ الأمي العربـي الذي بشر به المرسلون. وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالزانيـين فرُجما عند باب المسجد»تفسير : . {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} أي ضلالته أو فضيحته كائناً من كان فيندرج فيه المذكورون اندراجاً أولياً، وعدمُ التصريح بكونهم كذلك للإشعار بكمال ظهورِه واستغنائه عن ذكره {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ} فلن تستطيع له {مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} في دفعها، والجملةُ مستأنفة مقرّرة لما قبلها ومبـينةٌ لعدم انفكاكِهم عن القبائح المذكورة أبداً {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين من المنافقين واليهود، وما في اسْم الإشارةِ من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلتهم في الفساد، وهو مبتدأ خبرُه قولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ} أي من رجْسِ الكفر وخَبَثِ الضلالة لأنهِماكِهم فيهما وإصرارِهم عليهما وإعراضِهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية بالكلية كما ينبىء عنه وصفُهم بالمسارعة في الكفر أولاً، وشرحُ فنونِ ضلالتهم آخراً، والجملة استئنافٌ مبـينٌ لكون إرادتِه تعالى لفتنتِهم مَنوطةً بسوء اختيارِهم وقُبح صنيعِهم الموجبِ لها لا واقعةً منه تعالى ابتداءً {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} أما المنافقون فخزيُهم فضيحتُهم وهتكُ سِترتِهم بظهور نفاقِهم فيما بـين المسلمين، وأما خزيُ اليهود فالذلُ والجزيةُ والافتضاحُ بظهور كَذِبهم في كِتمان نصِّ التوراة، وتنكيرُ (خزيٌ) للتفخيم وهو مبتدأ ولهم خبرُه وفي الدنيا متعلق بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار، وكذا الحال في قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي مع الخزي الدنيوي {عَذَابٌ عظِيمٌ} هو الخلودُ في النار، وضميرُ (لهم) في الجملتين للمنافقين واليهود جميعاً لا لليهود خاصة، كما قيل، وتكريرُ (لهم) مع اتحاد المرجِع لزيادة التقرير والتأكيد، والجملتان استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من تفصيل أفعالِهم وأحوالهم الموجبةِ للعقاب، كأنه قيل: فما لهم من العقوبة؟ فقيل لهم: في الدنيا..، الآية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [الآية: 41]. قال الخواص: من يُرِد افتراق أوقاته لم يملك جمعها له. قال ابن عطاء: من يحجبه الله عن فوائد أوقاته لن يقدر أحد أيضاً لها إليه. وقال أبو عثمان: أفتن الفتن اتباع الشهوات والغفلة فى الأوقات. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}. قال أبو عثمان: يطهر قلوبهم بالمراقبة والمراعاة. وقال فى موضع آخر: بالحياء من الله عز وجل. قال أبو بكر الوراق: طهارة القلب فى شيئين. إخراج الحسد والغش منه وحسن الظن بجماعة المسلمين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. مَنْ أقصاه الحقُّ عن محلِّ التقريب، وأرخى له عنان الإمهال وَكَلَه إلى مكره، ولبَّسَ عليه حاله وسِرَّه، فهو ينهمك في أودية حسبانه، وإنما يسعى في أمر نفسه فيعمل بما يعود إليه وبالُه، فأَمَرَ نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بترك المبالاة بأمثالهم، وقلة الاهتمام بأحوالهم، وعرَّفه أنهم بمعزلٍ عن رحمته؛ وإِنَّ مَنْ ردَّته القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال في الاستقبال، فقال: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} يعني إِنْ أَهَّلَه الله للحرمان، وقيّده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة، ولطائف القبول إليه غير موصولة. قوله جلّ ذكره: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}. أولئك الذين لم تعجن طينتُهم بماء السعادة فَجُبِلوا على نجاسة الشِرْك فإن عدم الطهارة الأصلية لا يتنقَّى بفنون المعاملات. ويقال: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ}: مَنْ أرسل عليه غاغة الهوى، وسلَّط عليه نوازع المنى، وأذلَّه (....) القضاء، فليس يلقى عليه غير الشقاء. قوله جلّ ذكره: {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وَرَدُوا من الهوان إلى الهوان، ووُعِدُوا بالفراق، وَرُدُّوا إلى الاحتراق، فلا تدري أي حالِهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم في الرد أم نهايتهم في الشِرْك والجحد؟

البقلي

تفسير : {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} قطع حبال اطماع الخليقة عن اضافة القدرة القديمة اليهم حيث اراد الفتنة بالفتتنين وفتنة بان يشغل الطالب بنفسه ويوقعه فى يد نفسه ويغربها الى الشهوات المحجبة القاطعة طريق للحق يغرس اشجاء الهوى فى قلبه ويسقيما من مياه الغفلة حتى خيرت حومان القلب بظلة الشهوات بيحث لا يدخل فيه نور البرهان والعرفان ثم زاد فى وصفهم وعلق الجميع بارادته وقال {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} قال الخواص فى قوله ومن يرد الله لن يقدر ابحد ايصاله اليه قال ابو عثمان اى بالمراقبة والمراعاة وقال ابو بكر الوراق طهارة القلب من فى اخراج الحسد والغش منه وحسن الظن بجماعة المسلمين. قوله تعالى {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وصف الله سبحانه اهل السالوس فى هذا الزمان يجلسون فى الزوايا ويظهرون والتقشق ويطرحون على اعناقهم الطيالسة يسمعون مدابح اهل الدنيا لهم مثلم ا قالوا ليس فى الدنيا مثلك --- كذا وكذا وهو يشترى غرورهم واقويلهم الباطلة وهم يمدحونه لاهل الشفاعة عند الا تراك وسيلة الا السلطان ويعطونه رشوة لاستجلاب مرادهم فهم يسمع الكذب وياكل السحت ظهرا الله --- منهم ووقانا من صحبتهم وسؤ افعالهم فانهم مرقوا من لالدين واكلوا الدنيا بالدين قال بعضهم سماعون بالطلة اكالون للسحت يعنى اكالون بدينهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الرسول} خاطبه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للتشريف {لا يحزنك الذين} اى صنع الذين فان الذوات مع قطع النظر عن العوارض لا توجب الحزن والفرح {يسارعون فى الكفر} اى يقعون فى الكفر سريعا فى اظهاره اذا وجدوا منه فرصة والمقصود نهيه عليه السلام عن ان يتحزن بصنيعهم بناء على انه تعالى ناصره عليهم والمعنى لا تحزن ولا تبال بتهافتهم فى الكفر سريعا {من الذين} بيان للمسارعين فى الكفر {قالوا آمنا بافواههم} متعلق بقالوا والفائدة فى بيان تعلقه بالافواه مع ان القول لا يكون الا بالفم واللسان الاشارة الى ان ألسنتهم ليست معبرة عما فى قلوبهم وان ما يجرون على ألسنتهم لا يجاوز افواههم وانما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم {ولم تؤمن قلوبهم} جملة حالية من ضمير قالوا جىء بها للتصريح بما اشار اليه بقوله بافواههم {ومن الذين هادوا} عطف على من الذين قالوا وبه يتم بيان المسارعين فى الكفر بتقسيمهم الى قسمين المنافقين واليهود {سماعون} خبر مبتدأ محذوف والتقدير هم اى المنافقون واليهود سماعون {للكذب} اللام اما لتقوية العمل واما لتضمن السماع معنى القبول واما لام كى والمفعول محذوف والمعنى هم مبالغون فى سماع الكذب او فى قبول ما تفتريه احبارهم من الكذب على الله سبحانه وتحريف كتابهم او سماعون اخباركم واحاديثكم ليكذبوا عليكم بالزيادة والنقص والتبديل فان منهم من يسمع من الرسول عليه السلام ثم يخرج ويقول سمعت منه كذا وكذا ولم يسمع ذلك منه {سماعون لقوم آخرين} خبر ثان للمبتدأ المقدر مقرر للاول ومبين لما هو المراد بالكذب على الوجهين الاولين واللام مثل اللام فى سمع الله لمن حمده فى الرجوع الى معنى من اى قبل منه حمده والمعنى مبالغون فى قبول كلام قوم آخرين {لم يأتوك} صفة اخرى لقوم اى لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وافراطا فى البغضاء قيل هم يهود خيبر والسماعون بنوا قريظة {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} صفة اخرى لقوم اى يميلونه ويزيلونه عن مواضعه بعد ان وضعه الله فيها اما لفظا باهماله او تغيير وصفه واما بحمله على غير المراد واجرائه فى غير مورده {يقولون} صفة اخرى لقوم اى يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند القائهم اليهم اقاويلهم الباطلة مشيرين الى كلامهم الباطل {ان اوتيتم} من جهة الرسول {هذا} المحرف {فخذوه} واعملوا بموجبه فانه الحق {وان لم تؤتوه} بل اوتيتم غيره {فاحذروا} قبوله واياكم واياه ـ روى ـ "حديث : ان شريفا من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين وحدهما الرجم فى التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فارسلوهما مع رهط منهم الى بنى قريظة فقدم الرهط حتى نزلوا على قريظة والنضير فقالوا لهم انكم خبير بهذا الرجل ومعه فى بلده وقد حدث فينا فلان وفلانة فجرا وقد احصنا فنحب ان تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه فقالت لهم قريظة والنضير اذا والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق قوم منهم كعب ابن الاشرف وكعب بن اسد وكنانة بن ابى الحقيق وغيرهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد اخبرنا عن الزانى والزانية اذا احصنا ما حدهما فى كتابك فقال "هل ترضون بقضائى" قالوا نعم فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فاخبرهم بذلك فابوا ان يأخذوا به فقال له جبريل اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال عليه السلام "هل تعرفون شابا امرد ابيض اعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا" قالوا نعم فقال "اى رجل هو فيكم" قالوا هو اعلم يهودى بقى على وجه الارض بما انزل الله على موسى فى التوراة قال "فارسلوا اليه" ففعلوا فاتاهم فقال عليه السلام "انت ابن صوريا" قال نعم قال "وأنت اعلم يهودى" قال كذلك يزعمون قال "أتجعلونه بينى وبينكم" قالوا نعم قال له النبى عليه السلام "انشدك بالله الذي لا اله الا هو الذى انزل التوراة على موسى واخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وانجاكم واغرق آل فرعون والذى ظلل عليكم الغمام وانزل عليكم المن والسلوى وانزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون فى كتابكم الرجم على من احصن" قال ابن صوريا نعم والذى ذكرتنى به لولا خشيت ان تحرقنى التوراة ان كذبت او غيرت ما اعترفت لك ولكن كيف هى فى كتابك يا محمد قال "اذا شهد اربعة رهط عدول انه قد ادخله فيها كما يدخل الميل فى المكحلة وجب عليه الرجم" فقال ابن صوريا والذى انزل التوراة على موسى هكذا انزل الله فى التوراة على موسى فقال له النبى عليه السلام "فماذا كان اول ما ترخصتم به فى امر الله تعالى" قال كنا اذا اخذنا الشريف تركناه واذا اخذنا الضعيف اقمنا عليه الحد فكثر الزنى فى اشرافنا حتى زنى ابن عم ملكنا فلم يرجم ثم زنى رجل آخر فى اسوة من الناس فاراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه وقالوا والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عمك فقلنا تعالوا نجتمع فلنضع شيئاً دون الرجم يكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو ان يجلد اربعين جلدة بحبل مطلى بالقار ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار يطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم فقالت اليهود لابن صوريا ما اسرع ما اخبرته به وما كنت لما اثنينا عليك باهل ولكن كنت غائبا فكرهنا ان نغتابك فقال لهم انه قد نشدنى بالتوراة ولولا خشية التوراة ان تهلكنى لما اخبرته فامر بهما النبى صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب المسجد وقال "اللهم انى اول من احيى امرك اذ أماتوه" " .تفسير : فانزل الله تعالى {يا ايها الرسول} الآية {ومن} شرطية {يرد الله فتنته} اى ضلالته او فضيحته كائنا من كان {فلن تملك له} فلن تستطيع له {من الله شيئاً} فى دفعها {اولئك} المنافقون واليهود {الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم} اى من رجس الكفر وخبث الضلالة لانهماكهم فيهما واصرارهم عليهما واعراضهم عن صرف اختيارهم الى تحصيل الهداية بالكلية {لهم} اى للمنافقين واليهود {فى الدنيا خزى} اما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم فيما بين المسلمين واما خزى اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم فى كتمان نص التوراة {ولهم فى الآخرة} اى مع الخزى الدنيوى {عذاب عظيم} هو الخلود فى النار.

ابن عجيبة

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ...} قلت: الباء في: {بأفواههم} ـ متعلقة بقالوا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الرسول لا يحزنك} صنع المنافقين، {الذين يسارعون في الكفر} أي: يقعون فيه سريعًا، فيظهرونه إن وجدوا فرصة، ثم بينهم بقوله: {من الذين قالوا آمنا} قالوه {بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}، فلا يهولنّك شأنهم ولا تحتفل بكيدهم، فإن الله سيكفيك أمرهم. الإشارة: من شأن العارفين بالله تذكير عباد الله، ثم ينظرون إلى ما يفعل الله، فلا يحزنون على من لم تنفعه الموعظة، ولا يفرحون بسبب نجاح موعظتهم، إلا من حيث موافقة رضا ربهم، فهم في ذلك على قدم نبيهم، آخذين بوصية ربهم. والله تعالى أعلم. ثم رجع إلى عتاب اليهود، فقال: {... وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} قلت: {ومن الذين هادوا}: يُحتمل أن يكون عطفًا على {الذين قالوا} أي: لا يحزنك شأن المنافقين واليهود، و {سماعون}: خبر، أي: هم سماعون، ويحتمل أن يكون استئنافاً، فيكون {سماعون}: مبتدأ على حذف الموصوف، و {من}: خبر، أي: ومن الذين هادوا قوم سماعون، واللام في: {للكذب}: إما مزيدة للتأكيد، أو لتضمين السماع معنى القبول، وجملة {لم يأتوك}: صفة لقوم، وجملة {يحرّفون}: صفة أخرى له. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الذين هادوا} صنف {سماعون للكذب} أي: كثيروا السماع للكذب والقبول له، وهم يهود بني قريظة، {سماعون لقوم آخرين} وهم يهود خيبر، {لم يأتوك} أي: لم يحضروا مجلسك، تكبرًا وبغضًا، {يُحرفون الكلم من بعد مواضعه} أي: يميلونه عن مواضعه الذي وضعه الله فيها، إما لفظًا أو تأويلاً: {يقولون}: أي: الذين لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يهود خيبر: {إن أُوتيتم هذا فخذوه} أي: إن أوتيتم هذا المحرّف وأفتاكم محمد بما يوافقه فخذوه، {وإن لم تُؤتوه} بأن أفتاكم بغيره {فاحذروا} أن تقبلوا منه. وسبب نزولها: أن شريفًا مِن يهود خَيْبَرَ زنى بِشريفة منهم، وكانا مُحصنَين، وكرهوا رجمهما، فأرسلوا مع رَهطِ منهم إلى بَني قريظة ليسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم: إن أمَرَكُم بالجَلّد والتَّحمِيم فَاقبلُوا، وإن أمَرَكُم بالرَّجم فاحذروا أن تقبلوه منه، فأتوا رسولَ الله صلى عليه وسلم بالزَّانِيين، ومعَهما ابن صوريا، فاستفتوه صلى الله عليه وسلم، فقال لابن صوريا: أنشُدكَ اللهَ الذي لا إله إلا هُو، الذِي فَلَق البَحرَ لمُوسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكُم وأغْرَقَ آلَ فِرعَونَ، والذِي أنزل علَيكُم كِتَابه، وأحلَّ حَلاله وحرَّم حَرَامه، هل تجد فيه الرَّجمَ على من أحصن؟ فقال: نعم، فوثبوا عليه، فقال: خِفتُ إن كَذبتَه أن ينزل علينا العذاب، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالزَّانِيين فرُجِمَا عندَ باب المسجد، وفي رواية: دعاهم إلى التوراة فأتوا بها، فوضع ابن صوريا يده على آية الرجم، وقرأ ما حولها، فقال له عبدالله بن سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم تلوح، فرجما. وفي القصة اضطراب كثير. ولعل القضية تعددت. قال تعالى: {ومن يُرِد الله فتنته} أي: ضلالته أو فضيحته، {فلن تملك له من الله شيئًا} أي: تقدر على دفعها عنه، {أولئك الذين لم يُرد الله أن يُطهر قلوبهم} من الكفر والشرك، {لَهُم في الدُّنيَا خزيٌ} أي: هوان وذل؛ بضرب الجزية والخوف من المؤمنين، {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو الخلود في النيران. هم {سماعون للكذب}، كرر للتأكيد، وليرتب عليه قوله: {أكَّالون للسحت} أي: الحرام، كالرشا وغيرها، وسُمي سحتًا؛ لأنه يسحت البركة ويستأصل المال، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من جمع المال من نهاوش أذهبه الله في نهابر ". تفسير : ثم خيَّر نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحكم بينهم، فقال: {فإن جاءوك} متحاكمين إليك {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}، وقيل: نسخ بقوله: {أية : وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم } تفسير : [المَائدة:49]. والجمهور: أن ما كان من باب التظالم والتعدي فإن الحاكم يتعرض بهم ويبحث عنه، وأما النوازل التي لا ظلم فيها، وإنما هي دعاوي، فإن رضوا بحكمنا فالإمام مُخير، وإن لم يرضوا فلا نتعرض لهم، انظر ابن عطية، وقال البيضاوي: ولو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول الشافعي: والأصح: وجوبه؛ إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميًا، لأنا التزمنا الذب عنهم، ومذهب أبي حنيفة: يجب مطلقًا. هـ. {وإن تُعرض عنهم فلن يضروك شيئًا}؛ لأن الله عصمك من الناس، {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: العدل الذي أمر الله به {إن الله يحب المقسطين}، فيحفظهم ويعظم شأنهم. {وكيف يُحكِّمونك} وهم لا يؤمنون بك، {وعندهم التوارة فيها حكم الله} أي: والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم {ثم يتولون من بعد ذلك}، أو ثم يتولون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد التحكيم، وفيه تنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما قصدوا به ما يكون عونًا لهم على هواهم، وإن لم يكن حكم الله في زعمهم، {وما أولئك بالمؤمنين} بكتابهم ولا بكتابك؛ لإعراضهم عنه أولاً، وعنك ثانيًا، بل أولئك هم الفاسقون التابعون لأهوائهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تعرض للشيخوخة وادعى مقام التربية، وهو يأمر أصحابه باتباع رخص الشريعة، والبقاء مع العوائد، ويقول لهم: {إن أوتيتم هذا فخذوه} ويزعم أنه سنة، وإن لم تؤتوه، ولقيتم من يأمركم بقتل النفوس، وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد فاحذروه، فمن كان حاله هذا، فالآية تجر ذيلها عليه، لأنه تعرض لفتنة نفسه بحب الجاه وغرور أولاد الناس، {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} من الهوى، ولا بصيرتهم من شهود السِّوى؛ لأن تطهير القلوب مشروط بقتل النفوس، وقتل النفوس إنما يكون باتباع ما يثقل عليها من خرق عوائدها، كالذل والفقر وغير ذلك من الأعمال الشاقة عليها، ومن لم يطهر قلبه من الهوى يعش في الدنيا في ذل الحجاب مسجوناً بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، وله في الآخرة أشد العتاب، حيث تعرض لمقام الرجال وهو عنه بمعزل، ويقال لمن تبعه في اتباع الرخص: {سماعون للكذب أكالون للسحت}. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: من كان من فقراء الزمان يسمع الغناء، ويأكل أموال الظلمة، ففيه نزعة يهودية، قال تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت}. هـ. فإن جاءوك أيها العارف، يستخبرونك، ويخاصمونك في الأمر بخرق العوائد، ويزعمون أنهم موافقون للسنة، {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}، وهو الأخذ بكل ما يقتل النفوس، ويجهز عليها، {إن الله يحب المقسطين} وكيف يحكمونك أو يخاصمونك، وعندهم القرآن فيه حكم الله بذلك، قال تعالى: {أية : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العَنكبوت:69]، ولا يكون جهاد النفس إلا بمخالفتها، وقتلها بترك حظوظها وهواها. والله تعالى أعلم. ثم قرر صحة كتابه التوراة، ووبال من أعرض عنه من اليهود، فقال: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) نهاه الله أنه يحزنه الذين يسارعون في الكفر أي يبادرون فيه. و {يحزنك} - بفتح الياء وضمها - لغتان. وقد قرئ بهما. وقد قدمنا ذكره مستوفىً. من المنافقين {الذين قالوا آمنا} يعني صدقنا {بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} يعني لم تصدق قلوبهم {ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} وقف ها هنا. و {سماعون} فيه مبالغة من سامع مثل جابر وجبار. وقيل في رفع {سماعون} قولان: أحدهما - قال سيبويه رفع على الابتداء والخبر {من الذين هادوا} كما تقول من قومك عقلاء. الثاني - قال الزجاج: على أنه خبر الابتداء. وتقديره: المنافقون هم، واليهود سماعون للكذب. وقيل في معنى ذلك قولان: أحدهما - {سماعون} كلامك للكذب عليك سماعون كلامك {لقوم آخرين لم يأتوك} ليكذبوا عليك اذا رجعوا اليهم أي هم عيون عليك. وقيل انهم كانوا رسل أهل خيبر لم يحضروا. فلهذا جالسوك، هذا قول الحسن والزجاج وأبو علي. الثاني - قال أهل التفسير {سماعون للكذب} قابلون له كما يقال لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه، ومنه سمع الله لمن حمده {سماعون لقوم آخرين} ارسلوا بهم في قضية زان محصن. فقالوا لهم: إِن أفتاكم محمد (صلى الله عليه وسلم) بالجلد فخذوه وإِن أفتاكم بالرّجم فلا تقبلوه، لأنهم قد كانوا حرفوا حكم الجلد الذي في التوارة الى جلد أربعين، وتسويد الوجه والاشهار على حمار. هذا قول ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب والسدي، وابن زيد. وقال قتادة: إِنما كان ذلك في قتيل منهم قالوا: إِن أفتاكم بالدية فاقبلوه وإِن أفتاكم بالقود فاحذروه. وقال أبو جعفر (ع) نزلت الآية في أمر بني النضير وبني قريظة وقوله: {يحرفون الكلم} قيل في معنى (تحريفهم) قولان: أحدهما - تحريف كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد سماعه، للكذب {يقولون إِن أوتيتم هذا} أي دين اليهود فاقبلوه {وإِن لم تؤتوه فاحذروا} أن تقبلوا خلافه - في قول الحسن وابي علي. الثاني - جعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييراً لحكم الله - في قول المفسرين. وقوله: {من بعد مواضعه} لأن المعنى من بعد استقراره في مواضعه، ومضي الايام عليه. وقال الزجاج من بعد أن فرض فروضه، وأحلَّ حلاله، وحرم حرامه. ولو قال مكان {بعد مواضعه} عن مواضعه لجاز، لأن معناهما متقارب، هذا كما يقول القائل: أتيتك عن فراغي من الشغل، وبعد فراغي منه، ولا يجوز قياساً على ذلك أن تقول بدل قولك: رميت عن القوس، رميت بعد القوس، ولا في قولك: جاء زيد بعد عمرو، أن تقول: عن عمرو، لأن المعنى يختلف. وذلك أن (عن) لما عدا الشئ الذي هو كالسبب له، و (بعد) إِنما هي لما تأخر عن كون الشئ، فما صح معنى السبب ومعنى التأخر جاز فيه الأمران، وما لم يصح إلا أحد المعنيين لم يجز إلا أحد الحرفين. وقوله: {ومن يرد الله فتنته} في الفتنة ثلاثة أقوال: أحدها - قال الزجاج معناه من يرد فضيحته باظهار ما ينطوي عليه. الثاني - قال السدي من يرد الله هلاكه. الثالث - قال الحسن وأبو علي والبلخي من يرد الله عذابه من قوله {يوم هم على النار يفتنون} أي يعذبون. وقوله {ذوقوا فتنتكم} أي عذابكم. وقوله {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} يعني الذين عذَّبوا. وأصل الفتنة التخليص من قولهم: فتنت الذهب في النار أي خلصته من الغش والفتنة الاختبار تسمى بذلك لما فيها من تخليص الحال لمن أراد الاضلال. وإنما أراد الحكم عليه بذلك بايراد الحجج. ففيه تمييز وتخليص لحالهم من حال غيرهم من المؤمنين. ومن فسَّره على العذاب فلأنهم يحرقون كما يحرق خبث الذهب فهم خبث كلهم. ومن فسَّره على الفضيحة فلما فيها من الدلالة عليهم التي يتميزون بها من غيرهم. وقوله {أولئك لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبو علي وغيره لم يرد الله أن يطهرها من الحرج والضيق الدال على دنس الكفر عقوبة لهم. الثاني - قال البلخي وغيره: لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم بأنها بريئة منه ممدوحة بضده كما يطهر قلوب المؤمنين بذلك. ولا يجوز أن يكون المراد بذلك الذين لم يرد الله منهم الايمان، لأنه لو لم يكن مريداً منهم الايمان، لم يكن مكلفاً لهم، لأن التكليف هو إِرادة ما فيه المشقة والكلفة، ولأن الله أمرهم بالايمان - بلا خلاف - والأمر لا يكون أمراً إلا بارادة المأمور به على ما بين في غير موضع. وقوله: {لهم في الدنيا خزي} يعني لهؤلاء الكفار والمنافقين الذين ذكرهم في الآية، فبين أن لهم خزياً عن عذاب الله في الدنيا. وهو ما كان يفعله بهم من الذل والهوان، والبغض والزام الجزية على وجه الصغار {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} مضافاً الى عذاب الدنيا وخزيها. وقال أبو جعفر (ع) وجماعة من المفسرين ذكرنا أسماءهم: إِن امرأة من خيبر - في شرف منهم - زنت وهي محصنة فكرهوا رجمها، فأرسلوا الى يهود المدينة يسألون النبي (صلى الله عليه وسلم) طمعاً أن يكون أتى برخصة، فسألوه، فقال: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فأنزل الله عليه الرجم، فأبوه. فقال جبرائيل: سلهم عن إِبن صوريا، ثم اجعله بينك وبينهم، فقال: تعرفون شاباً أبيضاً أعوراً أمرداً يسكن فدكاً يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم هو أعلم يهودي على ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى. قال: فارسلوا اليه فأسلوا فأتى، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أنت عبد الله بن صوريا. قال: نعم. قال: أنت أعلم اليهود قال: كذلك يقولون. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فاني أناشدك الله الذي لا إِله إِلا هو القوي إِله بني اسرائيل الذي أخرجكم من أرض مصر، وفلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون، وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المنَّ والسلوى، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون في كتابكم الذي جاء به موسى الرجم على من أحصن؟ قال عبد الله بن صوريا: نعم، والذي ذكرتني لولا مخافتي من رب التوراة أن يهلكني إِن كتمت ما اعترفت لك به، فأنزل الله فيه {أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير } تفسير : فقام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير أمرت أن تعفو عنه، فأعرض النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك، ثم سأله ابن صوريا عن نومه وعن شبه الولد بأبيه واُمه وما حظّ الأب من أعضاء المولود؟ وما حَظّ الام؟ فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، والشبه يغلبه أي المائين علا، وللأب العظم والعصب والعروق، وللام اللحم والدم والشعر. فقال: أشهد أن أمرك أمر نبي، وأسلم، فشتمه اليهود. فقال المنافقون لليهود: إِن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه وإِن أمركم بالرجم فلا تقبلوا. وهو قوله: {يقولون إِن أوتيتم هذا فخذوه} يعني الجلد {وإن لم تؤتوه فاحذروا} وسلاه عن ذلك بقوله: {لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} فلما أرادوا الانصراف تعلقت قريظة بالنضير، فقالوا يا أبا القاسم - وكانوا يكرهون أن يقولوا يا محمد لئلا يوافق ذلك ما في كتابهم من ذكره - هؤلاء اخواننا بنوا النضير اذا قتلوا منا قتيلاً لا يعطونا القود وأعطونا سبعين وسقاً من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلاً أخذوا القود ومعه سبعون وسقاً من تمر، وإِن أخذوا الدية أخذوا منا مئة وأربعين وسقاً. وكذلك جراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فأنزل الله تعالى {أية : وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً، وإِن حكمت فاحكم بينهم بالقسط }تفسير : فحكم بينهم بالسواء، فقالوا: لا نرضى بقضائك، فأنزل الله {أية : أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون }. تفسير : ثم قال {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} شاهداً لك بما يخالفونك. ثم فسرما فيها من حكم الله فقال {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية {فإن تولوا} يعني بني النضير، لما قالوا لا نقبل حكمك {يصيبهم ببعض ذنوبهم} وهو إِجلاؤهم من ديارهم. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية. وقال السيدي نزلت في ابي لبابة الانصاري لقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبي (صلى الله عليه وسلم): إِنما هو الذبح فلا تنزلوا على حكم سعد. وقال عكرمة وعامر الشعبي: نزلت في رجل من اليهود قتل رجلا من أهل دينه فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين سلوا لي محمداً (صلى الله عليه وسلم) فان بعث بالدية اختصمنا اليه وان كان يأمرنا بالقتل لم نأته. وقال أبو هريرة: نزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتد بعد إِسلامه على ما وصفناه عن أبي جعفر (ع) وقال ابن جريج ومجاهد: نزلت في المنافقين وهم السماعون لقوم آخرين والأصح من هذه الأقوال أنها نزلت في ابن صوريا على ما قدمناه عن أبي جعفر (ع) وهو اختيار الطبري لأنه رواه أبو هريرة والبراء بن عازب وهما صحابيان.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}: مثل قوله تعالى: {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك} تفسير : وهما موضعان فى القرآن خاطب الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما بالرسالة تشريفاً له، واثباتا لما أنكره أعداؤه، وخاطبه بيا أيها النبى فى مواضع كثيرة تشريفاً واثباتا، كذلك شهد له بالنبوة والرسالة كما شهد لنفسه بالوحدانية. {لا يَحزْنُكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الكُفرِ}: أى لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر، بمسارعتهم فى الكفر، علم الله جل وعلا، أنهم يحزنونه بمسارعتهم فيه، فنهاه عن أن يبقى على الحزن، وأوجب عليه أن لا يحزن، ويجوز أن يقدر لا يحزنك مسارعة الذين يسارعون فى الكفر، أو لا يحزنك صنيع الذين يسارعون. ومعنى المسارعة فى الكفر: وقوعهم سريعاً فى اظهاره وأعلاه اذا وجدوا سبيلا الى ذلك، كما اذا خلا بعضهم الى بعض، كما اذا سمعوا بهزيمة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون، والمراد فى الآية المنافقون لقوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ}: حال من الذين أو من واو يسارعون. {قَالُوا آمَنَّا بِأَفوَاهِهِم وَلَمْ تُؤمِن قُلُوبُهُم}: فنفاقهم أسرار الشرك، فالنفاق تارة اضمار الشرك، وتارة مخالفة العمل للقول مع ثبوت أصل الايمان فى القلب، الباء متعلق بقالوا والواو فى قوله تعالى: {وَلَمْ تُؤمِن قُلُوبُهُم} حالية، وصاحب الحال واو قالوا، أو عاطفة على قالوا، وقال بأفواههم مع أن القول الحقيقى لا يكون لا باللسان للاشارة الى أن قولهم لا يجاوز أفواههم الى قلوبهم. {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ}: من الذين خبر مقدم، وسماعون مبتدأ فالوقف على قلوبهم، ويجوز أن يكون من الذين هادوا معطوفاً على من {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ} فالوقف على هادوا، فعلى هذا الوجه يكون المراد بالذين يسارعون فى الكفر المنافقين واليهود، فيكون سماعون خبراً لضمير المنافقين واليهود محذوفاً، أى هم سماعون أى المنافقون واليهود، سماعون للكذب، وهذا لا يصح الا على جعل يحرفون حالا لقوم، أو نعت له، ومن للبيان فى الوجه الثانى مثل الأولى، وأما على الوجه الأول فللتبعيض. ويجوز أن تكون من الأولى للتبعيض، على أن من المنافقين من لا يسارع فى الكفر، وكذا يجوز فى الثانية، ومعنى {هَادُوا} انتسبوا لليهودية، وليسوا على حقيقة اليهود الذين اتبعوا موسى، معنى {سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ} يسمعون الكذب سماعاً عظيماً أو كثيراً، سماع قبول، وذلك أنهم يسمعونه من رؤسائهم أو علمائهم فى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحرفونها وفى أحكام التوراة، وكذلك يسمع منهم المنافقون ويسمعون أخباراً يرجف بها المرجفون، كذا ظهر لى ثم رأيت بعضه لغيرى والحمد لله. واللام للتقوية وقيل المعنى: سماعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون سماع ما يقول لأجل أن يكذبوا عليه، يقولوا قال كذا وكذا وهو لم يقل، فاللام للتعليل، وهذا ضعيف لأنه لم يكثر حضور اليهود سماع رسول الله صلى الله عليه وسلم. {سَمَاعُونَ لِقَومٍ آخَرِينَ لَم يَأَتُوكَ}: اذا جعلنا سماعون الأول خبر المحذوف فهذا خبر ثان، أى هم سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين، واذا جعلنا سماعون الأول مبتدأ فالثانى نعت عند مجيز نعت الصفة، والمانع يقول له نعت ثان للمنعوت الأول، أى ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين، ومعنى سماعون لقوم آخرين أنهم حريصون على السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعاً لقوم آخرين، أو من أجلهم، وجملة لم يأتوك نعت ثان لقوم، واللام للتعدية، أو للتعليل وقيل أيضا: سماعون من قوم آخرين واللام بمعنى من، والسماعون قريظة والنضير، والقوم الآخرون أهل خبير، وقيل: أهل فدك، ومفعول يسمع محذوف، أى يسمعون كلامك يا محمد ليوصلوه لأهل خيبر. ومعنى لم يأتوك: لم يحضروا عندك كبراً ومبالغة فى البغضاء، أمرهم أهل خيبر أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم الزانى والزانية المحصنين، فيخبروهم بما سمعوا منه، ويأتى بيانه قريباً ان شاء الله عز وجل، ويجوز تعليق لقوم بالكذب، فيكون سماعون توكيد للأول. {يُحَرِّفُونَ الكَلِم مِن بَعدِ}: عن: {مَوَاضِعِهِ}: يغيرون كلمات التوراة من بعد مواضعها، وأفرد الضمير وذكره لأن ما واحدة بالتاء يجوز فيه ذلك كالنخل، ومعنى تحريفه من بعد مواضعه تغيره بالاقساط من التوراة من بعد ثبوت مواضعه فيها، وسواء فى اسقاط أن يقرأ ما قبله وما بعده لئلا يسمع، أو أن يمحى أو يخط عليه أو يترك كتابته أن يكتب بدله شىء آخر، أو معنى تحريفه من بعد مواضعه مطلق تغييره من بعد ثبوت مطلق موقعه، سواء بما ذكر أو بتفسيره بغير المراد، والجملة خبر بعد خبرين، فتلك ثلاثة أخبار، أى هم سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين، محرفون للكلم أو نعت لسماعون، أو لمنعوته المحذوف على حد ما مر فى سماعون الثانى، أو نعت ثانى لقوم، أو حال منه، أو من ضمير سماعون الثانى، أو مستأنفة أو خبر لمحذوف، أى يحرفون ذلك فى قوله: {يَقُولُونَ إِن أُوتِيتُم هَذا}: أى ان أتاكم محمد هذا الذى تحبونه وهو الجلد والتحميم للمحصنين. {فَخُذُوهُ}: اقبلوه منه. {وَإِن لَّمْ تُؤتَوهُ}: بل أفتاكم بالرجم. {فَاحذّرُوا}: قبول ما أفتاكم به، قيل لسفيان بن عيينه: هل جرى للجاسوس ذكر فى كتاب الله؟ قال: نعم، فتلا: {سَمَاعُونَ لِقَومٍ آخَرِينَ} الآية. روىحديث : أن رجلا وامرأة من أشراف يهود خيبر محصنين زنيا، وفى التوارة الرجم، وكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: ان هذا الرجل يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فى كتابه الرجم، ولكن الضرب، وهو نبى بعث بالتخفيف، فان أفتى بما دون الرجم قبلناه واحتججنا به عند الله، وقلنا فتيا نبى من الأنبياء، فأرسلوا الى اخوانكم بنى قريظة، فانهم جيرانه، ولهم معه سلم فليسألوه عن ذلك، فبعثوا رهط منهم مستخفين وقالوا: سلوا محمداً عن الزانيين اذا أحصنا فما حدهما، فان أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وان أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين. فقدم الرهط حتى نزلوا على بنى قريظة والنضير وقالوا لهم: انكم جيران هذا الرجل، ومعه فى بلده، وقد حدث فينا حدث، وذلك أن فلاناً وفلانة زنيا، قلت: واسم المرأة بسرة، وقد أحصنا فنحب أن تسألوه عن قضائه فى ذلك، فقال لهم بنو قريظة والنضير: اذن والله يأمركم بما تكرهون، ثم انطلق قوم منهم فيهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسعد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبى الحقيق، وشاس بن قيس، ويوسف بن عازوراء وغيرهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فى السنة الرابعة فى ذى القعدة، وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزانى والزانية اذا أحصنا ما حدهما فى كتابك؟ فقال: "هل ترضون بقضائى" قالوا: نعم، فنزل جبريل عليه السلام بآية الرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوه، فقال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدكا يقال له ابن صوريا؟" قالوا: نعم، فأى رجل هو فيكم؟ فقالوا: هو أعلم يهودى بقى على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى عليه السلام فى التوراة، قال: فأرسلوا اليه، ففعلوا ولما جاء قال له النبى صلى الله عليه وسلم: "أنت ابن صوريا؟" قال: نعم، قال: "أنت أعلم يهود؟" قال: كذلك يقولون، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لابن صوريا: "ناشدتك الله الذى لا إله إلا هو الذى أنزل التوراة على موسى، وأخرجكم من مصر، وفرق البحر، وأنجاكم وأغرق فرعون ومن معه، وبالذى ظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون فى كتابكم الرجم على المحصن؟. فقال ابن صوريا: اللهم نعم، والذى ذكرتنى به لولا أنى خشيت أن ينزل علينا العذاب ان كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هى عندك يا محمد؟ قال: "اذا شهد أربعة رهط عدول أنه أدخله فيها كما يدخل المرود فى المكحلة وجب عليهما الرجم" فقال ابن صوريا: والذى أنزل التوراة على موسى هكذا نزل فى التوارة على موسى . تفسير : قلت: والذى فى التوراة بالتعريب: المحصن والمحصنة اذا زنيا فقامت عليهما البينة رجما وان كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع حملها، وفى رواية: انا نجد فى التوراة اذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره فى فرجها مثل الميل فى المكحلة رجما، فان وجدوا الرجل مع المرأة فى بيت أو فى ثوب أو على بطنها فهى ريبة وفيها عقوبة. حديث : فقال صلى الله عليه وسلم: "ما كان أول ما ترخصتم به فى أمر الله تعالى؟" فقال ابن صوريا: كنا اذا أخذنا الشريف تركناه، واذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنى فى أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر بامرأة من قومه، فأراد الملك رجمه فقام قومه دونه وقالوا: والله لا نرجمه حتى ترجم فلانا لابن عم الملك، فقلنا تعالوا نجتمع فلنصنع شيئاً دون الرجم، يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، فهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلى بقار، ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ووجههما من قبل دبر الحمار، ويطاف بهما، ويجعلوا ذلك مكان الرجم، يعنى أخذت ذلك من مضى من أوائلهم. فقال اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت عندنا ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك، فقال لهم: انه أنشدنى بالتوراة، ولو لم أخش نزول العذاب علينا لم أخبره، وسأل ابن صوريا النبى صلى الله عليه وسلم كان يعرفها من العلامة، فقال: أشهد أن لا إله ألا الله وأنك رسول الله، النبى العربى الأمى الذى بشر به المرسلونتفسير : ، كذا حكى فى الكشاف،حديث : فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بهما فرجما عند باب المسجد وقال: اللهم انى أول من أحيا أمرك اذا ماتوا فنزلت الآية . تفسير : وعن عبد الله بن عمران: حديث : اليهود جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له رجلا منهم وامرأة زنيا، وفى رواية أبى هريرة فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى المسجد فى أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى فى رجل وامرأة منهم زنيا؟ قال أبو هريرة وابن عمر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون فى التوراة فى ثبات الرجم؟" فقالوا: نفضحهم ونجلدهم، قال عبد الله بن سلام: كذبتم ان فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرءوا ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فاذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم لكنها متكاتمة بيننا، فقال صلى الله عليه وسلم: "فما منعكم أن ترجموها؟" قالوا: ذهب سلطاننا أى قوتنا فكرهنا القتل، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما . تفسير : وفى رواية قريباً من موضع الجناية قرب باب المسجد، فرأيت الرجل يجنى على المرأة يقيها الحجارة، ومعنى نفضحهما نظهر أمرهما اذلالا لهما، أو بفضحهما بتسخيم وجوههما كما روى نافع عن ابن عمر، نسخم وجوههما ونحريهما وفى رواية نسود وجوههما ونحممهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، وظاهر هذه الرواية أنهما يحملان على حمار واحد، والذى وضع يده على آية رجم هو عبد الله بن صوريا. وفى رواية: خرجت آية الرجم تتلألأ، وفى رواية تلوح، وانما سألهم عما فى التوراة يفضحهم بكتمان ما فيها، وليطهر الحق، وعلم أن فيها الرجم بوحى من الله جل جلاله، أو باخبار من أسلم كعبد الله ابن سلام، والأحاديث دليل على أن المشرك المحصن يرجم، وقالت المالكية وجمهور الحنفية لا يرجم زاعمين أن ذلك حكم عليهم بما فى كتابهم ويرده، وان أحكم بينهم بما أنزل الله ولا رجم على العبد والأمة، ولو تزوجا بل خمسون جلدة. {وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتنَتَهُ}: فى الدين، أى صرفه عن الهدى الى الضلال بالخذلان، أو فتنته بالفضيحة. {فَلَن تَملِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيئًا}: ضمن تملك معنى تستطيع، ومن للابتداء تتعلق بتملك، أو بمحذوف حال من شيئاً، وشيئاً بمعنى الدفع وهو مفعول تملك، ويجوز ابقاء تملك على ظاهره، تقول ملكت لفلان من فلان شيئاً أى جلبته له بعوض أو بدونه، فصار ملكاً له أى لا تستطيع له، ولا تجلب له من الله رفع فتنة، ويجوز وقوع شىء على لطف أو توفيق، أى لن تملك له من لطف الله شيئاً. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَم يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِر قُلُوبَهُم}: قال ابن عباس: أن يخلص نياتهم، أى من الشك والكفر والشرك، كما قيل لم يرد الله أن يهديهم، وذلك أن الكفر والشك والشرك كالنجس، والشىء الخبيث، فمن آمن وأدى الفرض وترك المحرم قد طهر قلبه منه بلطف الله الذى منحه له. {لَهُم فِى الدُّنيَا خِزىٌ}: المنافقون بهتك أستارهم واظهار نفاقهم، واليهود بالقتل والسبى والاجلاء، المال الحرام الجزية. {وَلَهُم فِى الآخِرَةِ عَذّابٌ عَظِيمٌ}: دائم لا ينقطع، وفى متعلقة بما تعلق به لهم، وقيل: نزلت أن النضير قتلوا رجلا من قريظة عمداً، وكانوا يعطون الدية لا القود، واذا قتل قريظة أحداً من النضير لم يرضوا الا بالقود، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأراد والرفع اليه فى ذلك، فقال منافق: كونوا منه على حذر، فانه يوجب القتل فى العمد، وان قبلوا الدية فأعطوهم فنزل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزْنُكَ} الخ.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يحزُنْكَ الَّذِينَ بُسَرِعُونَ فى الكُفْرِ} لم يخاطب الله عز وجل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بلفظ الرسول فى القرآن إِلا فى موضعين من هذه السورة، وذلك تشريف له وتقوية لقلبه وتسلية له صلى الله عليه وسلم عما يوجب حزنه من قومه، ولا حكم للذوات بنفسها بل باعتبار عوارضها، فالمراد لا يحزنك كفر الذين يسارعون فى الكفر، ولا يحزنك مسارعة الذين يسارعون فأَجسام الكفار لا تورث حزنا ولا فرحاً بل يورث الحزن كفرهم أَو مسارعتهم، ولفظ الآية من نهى الغائبين وهو نهى الكفار عن إِحزانه والمراد نهى المخاطب صلى الله عليه وسلم، أَى لا تحزن بكفرهم ومسارعتهم فيه ولا تتأثر عن ذلك وتبالي به والأَحزان سبب للحزن فنهى عن السبب والمراد النهى عن المسبب قطعاً له من أَصله تأَكيداً، أَو كذا العكس كقولك لا أَراك هنا نهياً لنفسك عن أَن تراه هنا، والمراد نهيه عن الكون فيه الذى هو سبب رؤيتكه، ثم المراد إِظهار الكفر والمسارعة وإِلا فأَصل الكفر فيهم وهم منافقون فليسوا يجاهرون به ولكن إِذا وجدوا فرصة أَظهروه لمثلهم، أَو للمشركين الآخرين فذلك المسارعة، ويظهر أَيضاً كفرهم بظهور أَثره وأَيضاً يسارعون من كفر إِلى كفر {مِن الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بأَفْواهِهِمْ} متعلق بقالوا {وَلَمْ تُؤمِنْ قُلُوبُهُمْ} فمن للبيان أَو للتبعيض وسواء فيها علقنا بمحذوف حال من واو يسارعون أَو من الذين أَى هم الذين قالوا أَو بعض الذين قالوا اعتباراً لكون بعض المنافقين يسارع وبعض لا، والقول لا يكون إِلا بأَفواه فإِنما قالوا بأَفواههم تلويحاً بأَن قولهم قول فم لا نصيب فيه لاعتقادهم {ومِنَ الَّذِينَ هَادُوا} عطف على من الذين قالوا على حد ما مر فى من الذين قالوا فهم أَو بعضهم مسارعون فى الكفر كالمنافقين {سَمَّاعُونَ} أَى قوم سماعون {لِلْكّذِبِ} خبر لضمير الذين قالوا والذين هادوا أَى هم سماعون أَى هؤلاء الذين قالوا والذين هادوا سماعون، ويجوز جعل من الذين هادوا خبراً لسماعون ودون ذلك أَن تجعل خبرا لضمير الذين قالوا محذوفاً والأَول أَولى لعموم العقاب والغوائل، ويدل له قراءة سماعين بالياءِ فإِنها تعين العطف واللام لام التقوية أَى سماعون المكذب من الأَخبار على وجه القول أََو المراد بالسمع القبول كقولنا سمع الله لمن حمده واللام للتقوية لأَن القبول أَيضاً يتعدى بنفسه، والكذب تحريف التوراة لفظاً أَو تفسيراً والطعن فى نبوءَته صلى الله عليه وسلم، أَو اللام للتعليل فيقدر المفعول أَى سماعون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَو كلام الناس أَو كليهما ليكذبوا فى شأَنه عليه بالزييد والنقص والتبديل والإِرجاف والقول بإِنا سمعنا كذا وكذا ولم يسمعوا {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} اليهود وهم أَهل خيبر وقريظة والنضير والساعون الناقلون منافقوا المدينة، وحاصل الكلام هو هذا أَو أَن قوماً من اليهود يسمعون الكذب من أَحبارهم وينقلونها إِلى عوامهم وينقلون عنك إِلى أَحبارهم ليحرفوه. ويقال قريظة تنقل إِلى خيبر {لَمْ يَأْتُوكَ} سماعون كلامك لأَجل قوم آخرين أَو اللام للنفع خبر ثان أَو نعت لسماعون الأَول باعتبار منعوته، وصفهم أَولا بأَنهم يسمعون الكذب ويقبلونه أو يسمعون كلامك ليكذبوا فيه، وثانياً بأَنهم يسمعون كلامك ويوصلونه لقوم آخرين أَعداء لك لم يجيئوك استكبارا أَو لمزيد بغض حتى كأَنهم لا قدرة لهم على رؤيتك، وجملة لم يأْتوك نعت ثان لقوم أَو حال منه لنعته بآخرين أَو اللام للتقوية أَى سماعون كلام قوم آخرين يقدحون فى نبوتك وفى الدين كما قال {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ} التوراة أَو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أَو كلام الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وكلام الناس {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} من بعد تمكنه فى مواضعه فالجملة نعت ثالث لقوم أَو حال من واو يأَتوك أَو من المستتر فى سماعون، والكلم كلم التوراة يحرفونها بالزيادة فيها والنقص منها لفظاً وكتابة وتفسيراً بغير المراد وتبديلا كما بدلوا آية الرجم بالجلد والتحميم، وحمل كل واحد على حمار، وجهه إِلى دبر الحمار وتسويد وجهه مربوط بحبل من ليف، ولذلك العموم قال من بعد ولم يقل عن مواضعه، وقيل إِن من للابتداء وأِن لفظ بعد للإِشارة إِلى أَن التحريف مما بعد إِلى موضع أَبعد وذلك بليغ فى التشنيع ويبعد ما قيل أَن لفظ بعد للتنبيه على تنزيل الكلم منزلة هى أَدنى مما وضعت فيه لأَنه إِبطال النافع بالضار لا بالنافع أَو الأَنفع، فكأَنه وقف المحرف فى موضع هو أَدنى من موضع الكلمة يحرفها إِلى موضعه ويضعف تعليق القوم بالكذب وجعل سماعون توكيداً لفظياً {يَقُولُونَ} نعت رابع أَو حال آخر أَو من واو يحرفون {إِنْ أُوتِيتُمْ} آتاكم محمد صلى الله عليه وسلم فى سؤالكم له {هَذَا} أَى هذا الأَمر الذى حرفتم إِليه التوراة. كالتحميم والجلد بدل الرجم {فّخُذُوهُ} اقبلوه واعملوا به ونقول لله إِنا عملنا بفتوى نبى {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ} بأَن أَفتاكم بما فى اللتوراة كالرجم أَو بشىء عنده صعب {فَاحْذَرُوا} قبوله والعمل به، أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريفة وشريف زنى بها من اليهود وهما محصنان وحكمهما فى التوراة الرجم ومعهما رهط من اليهود بعثوهما إِلى قريظة ليسأَلوا النبى صلى الله عليه وسلم عنهما فأَمرهم بالرجم فأَبوا لشرفهما ولحسدهم أَهل الإِسلام فقال له جبريل اجعل بينك وبينهم ابن صوريا شابا أَبيض أعور أمرد يسكن فدك فسأَلهم عنه فقالوا نعم هو أَعلم يهودى على وجه الأَرض بما فى التوراة فأَمرهم باحضاره فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : أَنت ابن صورياتفسير : . قال: نعم. قال: حديث : وأَنت أَعلم اليهودتفسير : . قال: كذلك يزعمون. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أَترضون به حكماتفسير : ؟ قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أَنشدك الله الذى لا إِله إِلا هو فلق البحر لموسى وأََنزل عليكم المن والسلوى وأَنجاكم وأَغرق آل فرعون ورفع فوقكم الطور وأَنزل عليكم الحلال والحرام هل تجدون فى كتابكم الرجم على من أَحصنتفسير : . قال نعم والذى ذكرتنى به لولا أَنى خشيت أَن تحرقنى النار، ويروى الوراة أَن كذبت أَو غيرت ما اعترفت، فوثب عليه اليهود، ويروى سفلة اليهود فقال: خشيت إِن كذبت أَن ينزل على العذاب. ثم سأَل النبى صلى الله عليه وسلم عن أَشياءَ كان يعرفها من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم فقال أَشهد أَن لا إِله إِلا الله وأَنك رسول الله النبى الأُمى العربى ولكن حسدك اليهود وإِنك الذى بشر به المرسلون، ثم كفر فأَنزل الله تعالى يأَيها الرسول وأَمر بهما فرجما عند باب المسجد، وإِنما سأَل النبى صلى الله عليه وسلم تقريراً، وليس إِسلام ابن صوريا متفقاً عليه، وفى القصة رجم المحصن ولو مشركاً فليس الإِسلام شرطاً أَو شطرا للإِحصان عندنا، وقيل أَسلم وارتد. وقيل لم يسلم، وقيل لما سأَلوه وقد كان عنده الرجم أَتى أَحبارهم فى مدارسهم وقال أَخرجوا إِلى أَحباركم فأخرجوا إِليه ابن صوريا وأَبا ياسر بن أَخطب ووهب بن يهوذا وسأَلهم فأَخبروه، بما عندهم وقالوا إِن ابن صوريا أَعلمنا فسأَله وحده، وروى أَنه زنى رجل من فدك فأَرسلوا إِلى اليهود بالمدينة أَن يسأَلوه صلى الله عليه وسلم فسأَلوه فقال أَرسلوا إِلى رجلين منكم فجاءُوا بابن صوريا وآخر فأَنشدهما بما مر فقال أَحدهما للآخر ما أَنشدت بمثله قط، فقالا: نجد القبلة والاعتناق والنظرة ريبة وإِذا رأَينا الذكر فى الفرج كالميل فى المكحلة رجما فرجم الرجل وقيل، اقتتلت طائفة من اليهود من الجاهلية وجعلوا دية قتيل العزيزة مائة وسق والذليلة خمسين ولما جاءَ صلى الله عليه وسلم أَبت الذليلة إِلا مائة لأَن دينهم واحد، وقالت العزيزة: صدقوا، ومحمد يحكم لهم بما قالوا، ولكن إِن حكم بذلك فلا تأْخذوا به {وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ} فضيحته أَو صرفه عن الدين بالخلاف كهؤلاء الجاحدين للرجم وقيل عذابه. {فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا} لن تملك له شيئاً من توفيق تأْتى به من الله، ومن للابتداء تتعلق بتملك أَو بمحذوف حالا من شيئاَ وشيئاً بمعنى خيرا، وتوفيق مفعول به أَِو بمعنى ملكاً مفعول مطلق أَو تملك بمعنى تدفع وشيئاً بمعنى ضرا أَو دفعاً كذلك، وفى الآية أَن الله يريد كفر الكافر ومعصية العاصى ويشاء ذلك وإِنما الممنوع أَحبهما. ومنع المعتزلة ذلك وهم محجوجون بالآية وبأَنه يلزم أَن يكون فى ملكه ما لا يريد وذلك يستلزم الجهل والعجز والقهر ومن يحصل في ملكه ما لا يريد يجوز أَن يكون جاهلا به، وكذا الكلام فى أَنه لا يريد إِيمان الكافر ولا طاعة العاصى كما قال {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من الكفر، والإِشارة لليهود والمنافقين، وصيغة البعد لبعدهم عن الخير وأَهله أَو لبعد منزلتهم فى الكفر أَو لهما، وفسر على هذا مثله من القرآن، وفى الآيتين أَن الله آراد كفر الكافر وعصيان العاصى، وأَخطأَت المعتزلة فى قولهم إِن الله تعالى لم يرد من المكلف إِلا الخير والطاعة، ومما وقع من شرك أَو عصيان فعلى خلاف إِرادته وهذا كفر إِلا أََنهم تأَولوا فلم نحكم بشركهم {لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ} ذل بالفضيحة بمخالفة التوراة وقوة الإِسلام، وذل المنافقون بالافتضاح وهو أَنهم على المسلمين وقوة الإِسلام وخوف من المؤمنين وبالجزية فى أََهلها {وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فى القبر والحشر والنار.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} خوطب صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للتشريف والإشعار بما يوجب عدم الحزن، والمراد بالمسارعة في الشيء الوقوع فيه بسرعة ورغبة، وإيثار كلمة {فِى} على ـ إلى ـ للإيذان بأنهم مستقرون في الكفر لا يبرحون، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك. والتعبير عنهم بالموصول للإشارة بما في حيز صلته إلى مدار الحزن، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للكفرة عن أن يحزنوه صلى الله عليه وسلم بمسارعتهم في الكفر ـ لكنه في الحقيقة نهي له عليه الصلاة والسلام عن التأثر من ذلك والمبالاة، والغرض منه مجرد التسلية على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله. وقرىء {يَحْزُنكَ} بضم الياء وكسر الزاي من أحزن وهي لغة، وقرىء ـ يسرعون ـ يقال أسرع فيه الشيب أي وقع فيه سريعاً أي لا تحزن ولا تبال بتهافتهم في الكفر بسرعة حذراً ـ كما قيل ـ من شرهم وموالاتهم للمشركين / فإن الله تعالى ناصرك عليهم، أو شفقة عليهم حيث لم يوفقوا للهداية فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ} بيان للمسارعين في الكفر، وقال أبو البقاء: إنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل {يُسَـٰرِعُونَ} أو من الموصول أي كائنين من الذين الخ، والباء متعلقة ـ بقالوا ـ لا ـ بآمنا ـ لظهور فساده وتعلقها به على معنى ـ بذي أفواههم ـ أي يؤمنون بما يتفوهون به من غير أن تلتف به قلوبهم مما لا ينبغي أن يلتفت إليه من له أدنى تمييز {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} جملة حالية من ضمير {قَالُواْ}، وقيل: عطف على {قَالُواْ}. وقوله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ} عطف على {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ} وبه تم تقسيم المسارعين إلى قسمين: منافقين ويهود، فقوله سبحانه وتعالى: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} خبر مبتدأ محذوف أي هم سماعون والضمير للفريقين أو للذين يسارعون، وجوز أن يكون ـ للذين هادوا ـ واعترض بأنه مخل بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل ـ كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى ـ وكذا جعل غير واحد {وَمِنَ ٱلَّذِينَ} الخ خبراً على أن {سَمَّـٰعُونَ} صفة لمبتدأ محذوف، أي ومنهم قوم سماعون لأدائه إلى اختصاص ما عدد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم، على أنه قد قرىء ـ سماعين ـ بالنصب على الذم وهو ظاهر في أرجحية العطف، فالوجه ذلك، واللام للتقوية كما في قوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 16]، وقيل: لتضمين السماع معنى القبول أي قابلون لما يفتريه الأحبار من الكذب على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وتحريف كتابه، واعترضه الشهاب بأن هذا يقتضي أنه إنما فسر بالقبول ليعديه اللام. وقد قال الزجاج: يقال: لا تسمع من فلان أي لا تقبل، ومنه سمع الله لمن حمده أي تقبل منه حمده، وكلام الجوهري يخالفه أيضاً، ويقتضي أنه ليس مبنياً على التضمين، وقال عصام الملة: إن القبول أيضاً متعد بنفسه ففي «القاموس» قبله ـ كعمله ـ وتقبله بمعنى أخذه، نعم يتعدى السماع بمعنى القبول باللام بمعنى من، كما في ـ «سمع الله لمن حمده» ـ أي قبل الله تعالى ممن حمده، لكن هذه اللام تدخل على المسموع منه لا المسموع. وجوز أن تكون اللام للعلة، والمفعول محذوف أي سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه بأن يمسخوه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، أو كلام الناس الدائر فيما بينهم ليكذبوا بأن يرجفوا بقتل المؤمنين وانكسار سراياهم، أو نحو ذلك مما فيه ضرر بهم، وأياً ما كان فالجملة مستأنفة جارية ـ على ما قيل ـ مجرى التعليل للنهي، أو مسوقة لمجرد الذم كما يقتضيه قراءة النصب. وقوله تعالى شأنه: {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} خبر ثان للمبتدأ المقدر [مقرر] للأول، ومبين لما هو المراد بالكذب على تقدير التقوية والتضمين، واللام هنا مثلها في ـ سمع الله لمن حمده ـ والمعنى مبالغون في قبول كلام قوم آخرين، واختاره شيخ الإسلام. وجوز كونها لام التعليل أي سماعون كلامه صلى الله عليه وسلم الصادر منه ليكذبوا عليه لأجل قوم آخرين، والمراد أنهم عيون عليه عليه الصلاة والسلام لأولئك القوم، روي ذلك عن الحسن. والزجاج، واختاره أبو علي الجبائي، وليس في النظم ما يأباه ولا بعد فيه، نعم ما قيل: من أنه يجوز أن تتعلق اللام بالكذب على أن {سَمَّـٰعُونَ} الثاني مكرر للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين بعيد، و {ءاخَرِينَ} صفة {لِقَوْمٍ} وجملة {لَمْ يَأْتُوكَ} صفة أخرى، والمعنى لم يحضروا عندك، وقيل: هو كناية عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليك، وفيه دلالة على شدة بغضهم له صلى الله عليه وسلم وفرط عداوتهم، واحتمال كونها صفة / {سَمَّـٰعُونَ} أي سماعون لم يقصدوك بالإتيان بل قصدوا السماع للإنهاء إلى قوم آخرين مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. وقوله سبحانه وتعالى: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ} صفة أخرى لقوم وصفوا أولاً بمغايرتهم للسماعين تنبيهاً على استقلالهم وأصالتهم في الرأي، ثم بعدم حضورهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاناً بكمال طغيانهم في الضلال، أو بعدم قدرتهم على النظر إليه عليه الصلاة والسلام إيذاناً بما تقدم ثم باستمرارهم على التحريف بياناً لإفراطهم في العتو والمكابرة والاجتراء على الله تعالى، وتعييناً للكذب الذي سمعه السماعون على بعض الوجوه كما هو الظاهر، وقيل: الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ناعية عليهم شنائعهم، وقيل: خبر مبتدأ محذوف راجع إلى القوم، وقيل: إلى الفريقين، والمعنى يميلون ويزيلون التوراة، أو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أو كليهما أو مطلق الكلم في قول عن المواضع التي وضع ذلك فيها إما لفظاً بإهماله، أو تغيير وضعه، وإما معنى بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده. ومن هنا يعلم توجيه قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ} دون عن مواضعه، وقال عصام الملة: إن إدراج لفظ {بَعْدَ} للتنبيه على تنزيل الكلم منزلة هي أدنى مما وضعت فيه لأنه إبطال النافع بالضار لا بالنافع أو الأنفع، فكأن المحرف واقف في موضع هو أدنى من موضع الكلمة يحرفها إلى موضعه، ولا يخفى بعده، وقال بعضهم: إن {مِنْ} للابتداء، ولفظ {بَعْدَ} للإشارة إلى أن التحريف مما بعد إلى موضع أبعد، وفيه من المبالغة في التشنيع ما لا يخفى، وقرأ إبراهيم ـ يحرفون الكلام عن مواضعه ـ. وقوله سبحانه وتعالى: {يَقُولُونَ} كالجملة السابقة في الوجوه [المذكورة]، ويجوز أن تكون حالاً من ضمير {يُحَرّفُونَ} وجوز كونها كالتي قبلها صفة ـ لسماعون ـ أو حالاً من الضمير فيه، وتعقبه شيخ الإسلام بأنه مما لا سبيل إليه أصلاً كيف لا وأن مقول القول ناطق بأن قائله ممن لا يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والمخاطب به ممن يحضره، فكيف يمكن أن يقوله السماعون المترددون إليه عليه الصلاة والسلام لمن لا يحوم حول حضرته قطعاً، وادعاء قول السماعين لأعقابهم المخالطين للمسلمين تعسف ظاهر مخل بجزالة النظم الكريم، فالحق الذي لا محيد عنه ـ وعليه درج غالب المفسرين ـ أن المحرفين والقائلين هم القوم الآخرون أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم {إِنْ أُوتِيتُمْ} من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو الظاهر {هَـٰذَا فَخُذُوهُ} واعملوا بموجبه فإنه موافق للحق {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} من جهته بل أوتيتم غيره {فَٱحْذَرُواْ} قبوله وإياكم وإياه، أو فاحذروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف من المبالغة والتحذير ما لا يخفى، أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، وأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد. ونسبهما واحد. وبلدهما واحد، ودية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم / لنا وقوة منكم، فأما إذا قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ففكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيماً وقهراً لهم، فدسوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم من يخبر لكم رأيه فإن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكموه حذرتموه فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من المنافقين ليختبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام بأمرهم كله وماذا أرادوا فأنزل {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الآية، وعلى هذا يكون أمر التحريف غير ظاهر الدخول في القصة. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه حديث : أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة ـ وقد زنى رجل بعد إحصانه بامرأة من يهود وقد أحصنت ـ فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما، فإن عمل فيهما عملكم من التجبية ـ وهي الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ـ ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار فاتبعوه، فإنما هو ملك سيد قوم وإن حكم فيهما بغيره فإنه نبـي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم إياه، فأْتوه فقالوا: يا محمد هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما؛ فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال: «يا معشر يهود أخرجوا إليَّ علماءكم»؛ فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وأبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة، فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وكان غلاماً شاباً من أحدثهم سناً ـ فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة يقول: «يا ابن صوريا أنشدك الله تعالى وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل هل تعلم أن الله تعالى حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة»؟ فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبـي مرسل ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الخ تفسير : . وأخرج الحميدي في «مسنده». وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله أنه قال: «حديث : زنى رجل من أهل فدك فكتبوا إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك فقال: ارسلوا إليّ أعلم رجلين منكم، فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم لهما: أليس عندكما التوراة فيها حكم الله تعالى؟ قالا: بلى، قال: فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام ونجاكم من آل فرعون وأنزل التوراة على موسى عليه السلام وأنزل المنّ والسلوى على بني إسرائيل ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقال أحدهما للآخر: ما أنشدت بمثله قط قالا: نجد ترداد النظر ريبة والاعتناق ريبة والقبل ريبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم فهو كذلك فأمر به فرجم./ تفسير : وفي جريان الإحصان الشرعي الموجب للرجم في الكافر ما هو مذكور في الفروع، ولعل هذا عند من يشترط الإسلام ـ كالإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ـ كان على اعتبار شريعة موسى عليه الصلاة والسلام، أو كان قبل نزول الجزية فليتدبر. {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} أي عذابه كما روي عن الحسن وقتادة واختاره الجبائي وأبو مسلم، أو إهلاكه كما روي عن السدي والضحاك، أو خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه كما نقل عن الزجاج، أو اختياره بما يبتليه به من القيام بحدوده فيدفع ذلك ويحرفه ـ كما قيل ـ وليس بشيء، والمراد العموم ويندرج فيه المذكورون اندراجاً أولياً، وعدم التصريح بكونهم كذلك للإشعار بظهوره واستغنائه عن الذكر {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ} فلن تستطيع له {مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} في دفع تلك الفتنة، والفاء جوابية، و {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق ـ بتملك ـ أو بمحذوف وقع حالاً من {شَيْئاً} لأنه صفته في الأصل أي شيئاً كائناً من لطف الله تعالى؛ أو بدل الله عز اسمه، و {شَيْئاً} مفعول به ـ لتملك ـ وجوز بعض المعربين أن يكون مفعولاً مطلقاً، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، أو مبينة لعدم انفكاك أولئك عن القبائح المذكورة أبداً. {أُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون من المنافقين واليهود، و {مَا} في اسم الإشارة من معنى البعد لما مرت الإشارة إليه مراراً، وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ} من رجس الكفر وخبث الضلالة، والجملة استئنافية مبينة لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لها لا واقعة منه سبحانه ابتداءاً، وفيها ـ كالتي قبلها على أحد التفاسير ـ دليل على فساد قول المعتزلة: إن الشرور ليست بإرادة الله تعالى وإنما هي من العباد، وقول بعضهم: إن المراد لم يرد تطهير قلوبهم من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب، أو لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه ممدوحة بالإيمان ـ كما قال البلخي ـ لا يقدم عليه من له أدنى ذوق بأساليب الكلام. ومن العجيب أن الزمخشري لما رأى ما ذكر خلاف مذهبه قال:« معنى {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} من يرد تركه مفتوناً وخذلانه {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} فلن تستطيع له من لطف الله تعالى وتوفيقه شيئاً، ومعنى {لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ} لم يرد أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أن ذلك لا ينجع فيهم ولا ينفع» انتهى. وقد تعقبه ابن المنير بقوله: «كم يتلجلج والحق أبلج، هذه الآية كما تراها منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم المعتزلة من أن الله تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد الإيمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته سبحانه وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية وأمثالها لو أراد الله تعالى أن يطهر قلوبهم من وضر البدع {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} تفسير : [محمد: 24]، وما أبشع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد الله تعالى أن يمنحهم ألطافه لعلمه أن ألطافه لا تنجع، تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون، وإذا لم تنجع ألطاف الله تعالى ولم تنفع، فلطف من ينفع وإرادة من تنجع؟!.شعر : وليس وراء الله للعبد مطمع تفسير : » انتهى، وتفصيهم عن ذلك عسير. {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} أما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم بين المسلمين، وازدياد غمهم بمزيد انتشار الإسلام وقوة شوكته وعلو كلمته، وأما خزي اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة وإجلاء بني النضير من ديارهم، وتنكير {خِزْىٌ} للتفخيم وهو مبتدأ و {لَهُمْ} خبره، و {فِى ٱلدُّنْيَا} متعلق بما تعلق / به الخبر من الاستقرار، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من أحوالهم الموجبة للعقاب، كأنه قيل: فما لهم على ذلك من العقوبة؟ فقيل: لهم في الدنيا خزي وكذا الحال في قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ} أي مع الخزي الدنيوي {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادر قدره وهو الخلود في النار مع ما أعد لهم فيها، وضمير {لَهُمْ} في الجملتين ـ لأولئك ـ من المنافقين واليهود جميعاً، وقيل: لليهود خاصة، وقيل: {لَهُمْ} إن استأنفت بقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ} وإلا فللفريقين، والتكرير مع اتحاد المرجع لزيادة التقرير والتأكيد ولذلك كرر قوله سبحانه: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ}.

سيد قطب

تفسير : يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية، والمنهج الإسلامي. ونظام الحكم والحياة في الإسلام.. وهي القضية التي عولجت في سورتي آل عمران والنساء من قبل.. ولكنها هنا في هذه السورة تتخذ شكلاً محدداً مؤكداً؛ يدل عليها النص بألفاظه وعباراته، لا بمفهومه وإيحائه.. إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي - ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والايمان - والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال: أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها أصحاب الديانات السماوية واحدة بعد الأخرى؛ وكتبها على الرسل، وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم؟ أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة، والمصالح التي لا ترجع الى أصل ثابت من شرع الله، والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟ وبتعبير آخر: أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟ الله - سبحانه - يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو. وإن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها؛ هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم، إليها الناس, وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام.. والله - سبحانه - يقول: إنه لا هوادة في هذا الأمر، ولا ترخص في شيء منه، ولا انحراف عن جانب ولو صغير. وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل، أو لما اصطلح عليه قبيل، مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثير! والله - سبحانه - يقول: إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر؛ أو إسلام أو جاهلية؛ وشرع أو هوى. وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله - لا يخرمون منه حرفاً ولا يبدلون منه شيئاً - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله. وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان. وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يإذن به الله، فهم الكافرون الظالمون الفاسقون. وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون.. وإلا فما هم بالمؤمنين.. ولا وسط بين هذا الطريق وذاك؛ ولا حجة ولا معذرة، ولا احتجاج بمصلحة. فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس؛ ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية. وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم أو شريعة. وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله، أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله.. فإن قالها - بلسانه أو بفعله - فقد خرج من نطاق الإيمان.. هذه هي القضية الخطيرة الكبيرة التي يعالجها هذا الدرس في نصوص تقريرية صريحة.. ذلك إلى جانب ما يصوره من حال اليهود في المدينة، ومناوراتهم ومؤامراتهم مع المنافقين: {من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}. وما يوجه به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمواجهة هذا الكيد الذي لم تكف عنه يهود، منذ أن قامت للإسلام دولة في المدينة.. والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولاً: توافي الديانات التي جاءت من عند الله كلها على تحتيم الحكم بما أنزله الله؛ وإقامة الحياة كلها على شريعة الله؛ وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر؛ وبين الإسلام والجاهلية؛ وبين الشرع والهوى.. فالتوراة أنزلها الله فيها هدى ونور: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء}.. {وعندهم التوارة فيها حكم الله}..{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس..الخ}.. والإنجيل آتاه الله عيسى بن مريم {مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه}.. والقرآن أنزله الله على رسوله {بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} وقال له: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق}.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}.. {أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟}.. وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر، ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام، سواء للمحكومين أو للحكام.. والمناط هو الحكم بما أنزل الله من الحكام، وقبول هذا الحكم من المحكومين، وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام.. والمسألة في هذا الوضع خطيرة؛ والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى أسباب لا بد خطيرة كذلك. فما هي يا ترى هذه الأسباب؟ إننا نحاول أن نتلمسها سواء في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله، فنجدها واضحة بارزة.. إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار.. ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام.. .. والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة.. إن الله هو الخالق.. خلق هذا الكون، وخلق هذا الإنسان. وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان.. وهو - سبحانه - متفرد بالخلق، لا شريك له في كثير منه أو قليل. وإن الله هو المالك.. بما أنه هو الخالق.. ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما.. فهو - سبحانه - متفرد بالملك. لا شريك له في كثير منه أو قليل. وإن الله هو الرازق.. فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئاً. لا من الكثير ولا من القليل.. وإن الله هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس.. بما أنه هو الخالق المالك الرازق.. وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر. وهو - سبحانه - المتفرد بالسلطان في هذا الوجود. والإيمان هو الإقرار لله - سبحانه - بهذه الخصائص. الألوهية، والملك، والسلطان... متفرداً بها لا يشاركه فيها أحد. والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص.. هو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله - وحياة الناس ضمناً - والاعتراف بسلطانه الممثل في قدَره؛ والممثل كذلك في شريعته. فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو - قبل كل شيء - الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو - قبل كل شيء - رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه.. ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول.. وهي من ثم قضية كفر أو إيمان؛ وجاهلية أو إسلام. ومن هنا يجيء هذا النص: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}..{الظالمون}.. {الفاسقون}. والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس.. هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس: {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟}.. والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله، في كل طور من أطوار الجماعة، وفي كل حالة من حالاتها.. هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان.. فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر، تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية.. ثم يدعي - بعد ذلك - أنه مؤمن بالله، وأنه من المسلمين.. إنه يدعي أنه أعلم من الله بحال الناس؛ وأحكم من الله في تدبير أمرهم. أو يدعي أن أحوالاً وحاجات جرت في حياة الناس، وكان الله - سبحانه - غير عالم بها وهو يشرع شريعته؛ أو كان عالماً بها ولكنه لم يشرع لها! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام. مهما قالها باللسان! فأما مظاهر هذه الأفضلية فيصعب إدراكها كلها. فإن حكمة شرائع الله لا تنكشف كلها للناس في جيل من الأجيال. والبعض الذي ينكشف يصعب التوسع في عرضه هنا.. في الظلال.. فنكتفي منه ببعض اللمسات: إن شريعة الله تمثل منهجاً شاملاً متكاملاً للحياة البشرية؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها.. وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني، والحاجات الإنسانية، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية.. ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة؛ ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمر بين أنواع النشاط الإنساني؛ ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية؛ إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق.. الأمر الذي لا يتوافر أبداً لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهراً من الأمر؛ وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة؛ ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني؛ ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض. والهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم. وهو منهج قائم على العدل المطلق.. أولاً.. لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق.. وثانياً.. لأنه - سبحانه - رب الجميع؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع؛ وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف - كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط - الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان، ذي الشهوات والميول، والضعف والهوى - فوق ما به من الجهل والقصور - سواء كان المشرع فرداً، أو طبقة، أو أمة، أو جيلاً من أجيال البشر.. فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها؛ فوق أن لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد.. وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله. لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله. صانع الكون وصانع الإنسان. فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني، له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه؛ بشرط السير على هداه، وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها.. ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه؛ وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعاً كونياً، ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب، ولا مع بني جنسه فحسب! ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض، الذي يعيش فيه، ولا يملك أن ينفذ منه، ولا بدَّ له من التعامل معه وفق منهاج سليم قويم. ثم.. إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان.. ففي كل منهج - غير المنهج الإسلامي - يتعبد الناس الناس. ويعبد الناس الناس. وفي المنهج الإسلامي - وحده - يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك.. إن أخص خصائص الألوهية - كما أسلفنا - هي الحاكمية.. والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها. فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله. والإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان. بل يعلن "ميلاد الإنسان".. فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله؛ وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعاً أمام رب الناس.. إن هذه القضية التي تعالجها نصوص هذا الدرس هي أخطر وأكبر قضايا العقيدة.. إنها قضية الألوهية والعبودية. قضية العدل والصلاح. قضية الحرية والمساواة. قضية تحرر الإنسان - بل ميلاد الإنسان - وهي من أجل هذا كله كانت قضية الكفر أو الإيمان، وقضية الجاهلية أو الإسلام.. والجاهلية ليست فترة تاريخية؛ إنما هي حاله توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام.. وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر، لا إلى منهج الله وشريعته للحياة. ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل من الناس.. فكلها.. ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله.. أهواء.. يشرع فرد لجماعة فإذا هي جاهلية. لأن هواه هو القانون.. أو رأيه هو القانون.. لا فرق إلا في العبارات! وتشرع طبقة لسائر الطبقات فإذا هي جاهلية. لأن مصالح تلك الطبقة هي القانون - أو رأي الأغلبية البرلمانية هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات! ويشرع ممثلوا جميع الطبقات وجميع القطاعات في الأمه لأنفسهم فإذا هي جاهلية.. لأن أهواء الناس الذين لا يتجردون أبداً من الأهواء، ولأن جهل الناس الذين لا يتجردون أبداً من الجهل، هو القانون - أو لأن رأي الشعب هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات! وتشرع مجموعة من الأمم للبشرية فإذا هي جاهلية. لأن أهدافها القومية هي القانون - أو رأي المجامع الدولية هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات! ويشرع خالق الأفراد، وخالق الجماعات، وخالق الأمم والأجيال، للجميع، فإذا هي شريعة الله التي لا محاباة فيها لأحد على حساب أحد. لا لفرد ولا لجماعة ولا لدولة، ولا لجيل من الأجيال. لأن الله رب الجميع والكل لديه سواء. ولأن الله يعلم حقيقة الجميع ومصلحة الجميع، فلا يفوته - سبحانه - أن يرعى مصالحهم وحاجاتهم بدون تفريط ولا إفراط. ويشرع غير الله للناس.. فإذا هم عبيد من يشرع لهم. كائناً من كان. فرداً أو طبقة أو أمة أو مجموعة من الأمم.. ويشرع الله للناس.. فإذا هم كلهم أحرار متساوون، لا يحنون جباههم إلا لله، ولا يعبدون إلا الله. ومن هنا خطورة هذه القضية في حياة بني الإنسان، وفي نظام الكون كله: {أية : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}تفسير : .. فالحكم بغير ما أنزل الله معناه الشر والفساد والخروج في النهاية عن نطاق الإيمان.. بنص القرآن.. {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا.. سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا. ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم. سماعون للكذب، أكالون للسحت. فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط. إن الله يحب المقسطين. وكيف يحكمونك - وعندهم التوراة فيها حكم الله - ثم يتولون من بعد ذلك؟ وما أولئك بالمؤمنين}.. هذه الآيات تشي بأنها مما نزل في السنوات الأولى للهجرة؛ حيث كان اليهود ما يزالون بالمدينة - أي قبل غزوة الأحزاب على الأقل وقبل التنكيل ببني قريظة إن لم يكن قبل ذلك، أيام أن كان هناك بنو النضير وبنو قينقاع، وأولاهما أجليت بعد أحد والثانيه أجليت قبلها - ففي هذه الفترة كان اليهود يقومون بمناوراتهم هذه؛ وكان المنافقون يأرزون إليهم كما تأرز الحية إلى الجحر! وكان هؤلاء وهؤلاء يسارعون في الكفر؛ ولو قال المنافقون بأفواههم: آمنا.. وكان فعلهم هذا يحزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويؤذيه.. والله - سبحانه - يعزي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويواسيه؛ ويهون عليه فعال القوم، ويكشف للجماعة المسلمة حقيقة المسارعين في الكفر من هؤلاء وهؤلاء؛ ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين؛ بعد ما يكشف له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: آمنا، بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا.. سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك. يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا...} روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقة.. وهي من جرائم الحدود في التوراة؛ ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها؛ لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر. ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير (كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان!).. فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - تآمروا على أن يستفتوه فيها.. فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيرية المخففة عملوا بها، وكانت هذه حجة لهم عند الله.. فقد أفتاهم بها رسول!.. وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه.. فدسوا بعضهم يستفتيه.. ومن هنا حكاية قولهم: {إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا}.. وهكذا بلغ منهم العبث، وبلغ منهم الاستهتار، وبلغ منهم الالتواء أيضاً في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المبلغ.. وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم؛ وتبرد فيها حرارة العقيدة، وتنطفئ شعلتها؛ ويصبح التفصي من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل؛ ويبحث له عن "الفتاوى" لعلها تجد مخرجاً وحيلة؛ أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون: {من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}! أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين؟ أليسوا يتمسحون بالدين أحياناً لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه.. {يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه؛ وإن لم تؤتوه فاحذروا}! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان الله - سبحانه - يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل، لتحذر منها أجيال "المسلمين" وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق. والله - سبحانه - يقول لرسوله في شأن هؤلاء المسارعين بالكفر، وفي شأن هؤلاء المتآمرين المبيتين لهذه الألاعيب: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر. فهم يسلكون سبيل الفتنة، وهم واقعون فيها، وليس لك من الأمر شيء، وما أنت بمستطيع أن تدفع عنهم الفتنة وقد سلكوا طريقها ولجوا فيها: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً}.. وهؤلاء دنست قلوبهم، فلم يرد الله أن يطهرها، وأصحابها يلجون في الدنس: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم}.. وسيجزيهم بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة: {لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.. فلا عليك منهم، ولا يحزنك كفرهم، ولا تحفل بأمرهم. فهو أمر مقضي فيه.. ثم يمضي في بيان حال القوم، وما انتهوا إليه من فساد في الخلق والسلوك، قبل أن يبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يتعامل معهم إذا جاءوا إليه متحاكمين: {سماعون للكذب، أكالون للسحت. فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين}.. كرر أنهم سماعون للكذب. مما يشي بأن هذه أصبحت خصلة لهم.. تهش نفوسهم لسماع الكذب والباطل، وتنقبض لسماع الحق والصدق.. وهذه طبيعة القلوب حين تفسد، وعادة الأرواح حين تنطمس.. ما أحب كلمة الباطل والزور في المجتمعات المنحرفة، وما أثقل كلمة الحق والصدق في هذه المجتمعات.. وما أروج الباطل في هذه الآونة وما أشد بوار الحق في هذه الفترات الملعونة! وهؤلاء: سماعون للكذب. أكالون للسحت.. والسحت كل مال حرام.. والربا والرشوة وثمن الكلمة والفتوى! في مقدمة ما كانوا يأكلون، وفي مقدمة ما تأكله المجتمعات التي تنحرف عن منهج الله في كل زمان! وسمي الحرام سحتاً لأنه يقطع البركة ويمحقها. وما أشد أنقطاع البركة وزوالها من المجتمعات المنحرفة. كما نرى ذلك بأعيننا في كل مجتمع شارد عن منهج الله وشريعة الله. ويجعل الله الأمر للرسول بالخيار في أمرهم إذا جاءوه يطلبون حكمه - فإن شاء أعرض عنهم - ولن يضروه شيئاً - وإن شاء حكم بينهم. فإذا اختار أن يحكم حكم بينهم بالقسط، غير متأثر بأهوائهم، وغير متأثر كذلك بمسارعتهم في الكفر ومؤامراتهم ومناوراتهم.. {إن الله يحب المقسطين}.. والرسول - صلى الله عليه وسلم - والحاكم المسلم، والقاضي المسلم، إنما يتعامل مع الله في هذا الشأن؛ وإنما يقوم بالقسط لله. لأن الله يحب المقسطين. فإذا ظلم الناس وإذا خانوا، وإذا انحرفوا، فالعدل فوق التأثر بكل ما يصدر منهم. لأنه ليس عدلاً لهم؛ وإنما هو لله.. وهذا هو الضمان الأكيد في شرع الإسلام وقضاء الإسلام، في كل مكان وفي كل زمان. وهذا التخيير في أمر هؤلاء اليهود يدل على نزول هذا الحكم في وقت مبكر. إذ أنه بعد ذلك أصبح الحكم والتقاضي لشريعة الإسلام حتمياً. فدار الإسلام لا تطبق فيها إلا شريعة الله. وأهلها جميعاً ملزمون بالتحاكم إلى هذه الشريعة. مع اعتبار المبدأ الإسلامي الخاص بأهل الكتاب في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ وهو ألا يجبروا إلا على ما هو وارد في شريعتهم من الأحكام؛ وعلى ما يختص بالنظام العام. فيباح لهم ما هو مباح في شرائعهم، كامتلاك الخنزير وأكله، وتملك الخمر وشربه دون بيعه للمسلم. ويحرم عليهم التعامل الربوي لأنه محرم عندهم. وتوقع عليهم حدود الزنا والسرقة لأنها واردة في كتابهم وهكذا. كما توقع عليهم عقوبات الخروج على النظام العام والإفساد في الأرض كالمسلمين سواء، لأن هذا ضروري لأمن دار الإسلام وأهلها جميعاً: مسلمين وغير مسلمين. فلا يتسامح فيها مع أحد من أهل دار الإسلام.. وفي تلك الفترة التي كان الحكم فيها على التخيير، كانوا يأتون ببعض قضاياهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ مثال ذلك ما رواه مالك، عن نافع، عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -: حديث : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟" فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبدالله بن سلام: كذبتم. إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال عبدالله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم! فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما. فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارةتفسير : .. (أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري) ومثال ذلك ما رواه الإمام أحمد - بإسناده - عن ابن عباس قال: "أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وَسق فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا، وفرقاً منكم. فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم! فكادت الحرب تهيج بينهما. ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكماً بينهم. ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً منا وقهراً لهم! فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه.. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه! فدسوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناساً من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر الله رسوله ص بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}، إلى قوله: {الفاسقون}.. ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى الله عز وجل.. (أخرجه أبو داود من حديث أبى الزناد عن أبيه).. وفي رواية لابن جرير عين فيها "العزيزة" وهي بنو النضير "والذليلة" وهي بنو قريظة.. مما يدل - كما قلنا - على أن هذه الآيات نزلت مبكرة قبل إجلائهم والتنكيل بهم.. وقد عقب السياق بسؤال استنكاري على موقف يهود - سواء كان في هذه القضية أو تلك فهو موقف عام منهم وتصرف مطرد - فقال: {وكيف يحكمونك - وعندهم التوارة فيها حكم الله - ثم يتولون من بعد ذلك؟}.. فهي كبيرة مستنكرة أن يحكموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيحكم بشريعة الله وحكم الله، وعندهم - إلى جانب هذا - التوراة فيها شريعة الله وحكمه؛ فيتطابق حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما عندهم في التوراة؛ مما جاء القرآن مصدقاً له ومهيمناً عليه.. ثم من بعد ذلك يتولون ويعرضون. سواء كان التولي بعدم التزام الحكم؛ أو بعدم الرضى به.. ولا يكتفي السياق بالاستنكار. ولكنه يقرر الحكم الإسلامي في مثل هذا الموقف: {وما أولئك بالمؤمنين}.. فما يمكن أن يجتمع الإيمان، وعدم تحكيم شريعة الله، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة. والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم "مؤمنون" ثم هم لا يحكمون شريعة الله في حياتهم، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم.. إنما يدعون دعوى كاذبة؛ وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع: {وما أولئك بالمؤمنين}. فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة الله من الحكام فحسب؛ بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم الله من المحكومين، يخرجهم من دائرة الإيمان، مهما ادعوه باللسان. وهذا النص هنا يطابق النص الآخر، في سورة النساء: {أية : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً}تفسير : فكلاهما يتعلق بالمحكومين لا بالحكام. وكلاهما يخرج من الإيمان، وينفي صفة الإيمان عمن لا يرضى بحكم الله ورسوله، ومن يتولى عنه ويرفض قبوله. ومرد الأمر كما قلنا في مطلع الحديث عن هذا الدرس.. أن القضية هي قضية الإقرار بألوهية الله - وحده - وربوبيته وقوامته على البشر. أو رفض هذا الإقرار. وأن قبول شريعة الله والرضى بحكمها هو مظهر الإقرار بألوهيته وربوبيته وقوامته؛ ورفضها والتولي عنها هو مظهر رفض هذا الإقرار. ذلك كان حكم الله على المحكومين الذين لا يقبلون حكم شريعة الله في حياتهم.. فالآن يجيء حكمه - تعالى - على الحاكمين، الذين لا يحكمون بما أنزل الله. الحكم الذي تتوافى جميع الديانات التي جاءت من عند الله عليه: ويبدأ بالتوراة: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور. يحكم بها النبيون الذين أسلموا، للذين هادوا، والربانيون والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء؛ فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. فمن تصدق به فهو كفارة له. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.. لقد جاء كل دين من عندالله ليكون منهج حياة. منهج حياة واقعية. جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية، وتنظيمها، وتوجيهها، وصيانتها. ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير؛ ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدى في الهيكل والمحراب. فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها؛ ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عملياً في حياة الناس؛ ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان؛ ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات. والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد؛ يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك. ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة. فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي.. حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع.. وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا.. حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين مختلفين.. وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} {أية : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} {أية : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } تفسير : من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة. وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى، أو لأمة من الأمم، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة، إلى جانب العقيدة التي تنشىء التصور الصحيح للحياة، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله.. وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله. حيثما جاء دين من عند الله.لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة. وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى، التي ربما جاءت لقرية من القرى، أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل، في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة.. وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى.. اليهودية، والنصرانية، والإسلام.. ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}: فالتوراة - كما أنزلها الله - كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى الله. وطريقهم في الحياة.. وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد. وتحمل شعائر تعبدية شتى. وتحمل كذلك شريعة: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا، للذين هادوا، والربانيون والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء}. أنزل الله التوراة لا لتكون هدى ونوراً للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب. ولكن كذلك لتكون هدى ونوراً بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج الله، وتحفظ هذه الحياة في إطار هذا المنهج. ويحكم بها النبيون الذين أسلموا أنفسهم لله؛ فليس لهم في أنفسهم شيء؛ إنما هي كلها لله؛ وليست لهم مشيئة ولا سلطة ولا دعوى في خصيصة من خصائص الألوهية - وهذا هو الإسلام في معناه الأصيل - يحكمون بها للذين هادوا - فهي شريعتهم الخاصة نزلت لهم في حدودهم هذه وبصفتهم هذه - كما يحكم بها لهم الربانيون والأحبار؛ وهم قضاتهم وعلماؤهم. وذلك بما أنهم قد كلفوا المحافظة على كتاب الله، وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء، فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم، بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته، كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم. وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة، يلتفت إلى الجماعة المسلمة، ليوجهها في شأن الحكم بكتاب الله عامة، وما قد يعترض هذا الحكم من شهوات الناس وعنادهم وحربهم وكفاحهم، وواجب كل من استحفظ على كتاب الله في مثل هذا الموقف، وجزاء نكوله أو مخالفته: {فلا تخشوا الناس واخشون؛ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.. ولقد علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه - في كل زمان وفي كل أمة - معارضة من بعض الناس؛ ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام.. ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث. ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه؛ ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله.. وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت. ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة.. وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال. ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها.. وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك؛ ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض. علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات؛ وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة؛ وإن يصمدوا لها، وإن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال.. فهو يناديهم: {فلا تخشوا الناس واخشون}.. فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة الله. سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله، ويرفضون الإقرار - من ثم - يتفرد الله - سبحانه - بالألوهية. أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه. أو تلك الجموع المضللة او المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها.. لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعاً ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة. فالله - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوه. والخشية لا تكون إلا لله.. كذلك علم الله - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين؛ قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا؛ وهم يجدون أصحاب السلطان، وأصحاب المال، وأصحاب الشهوات، لا يريدون حكم الله فيملقون شهوات هؤلاء جميعاً، طمعاً في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل؛ وكما كان ذلك واقعاً في علماء بني إسرائيل. فناداهم الله: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً}.. وذلك لقاء السكوت، أو لقاء التحريف، أو لقاء الفتاوى المدخولة! وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا.. فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقاباً ومصالح صغيرة؛ يباع بها الدين، وتشترى بها جهنم عن يقين؟! إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد. والذين يحملون عنوان: "رجال الدين" يخونون ويفرطون ويدلسون، فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.. بهذا الحسم الصارم الجازم. وبهذا التعميم الذي تحمله "من" الشرطية وجملة الجواب. بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان، وينطلق حكماً عاماً، على كل من لم يحكم بما أنزل الله، في أي جيل، ومن أي قبيل.. والعلة هي التي أسلفنا.. هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله، إنما يرفض ألوهية الله. فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية. ومن يحكم بغير ما أنزل الله، يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب، ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر.. وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، والعمل - وهو أقوى تعبيراً من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟! إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة. والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه.. وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد. وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين الله كله، يعود السياق، لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها الله ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا - بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء: {وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص}.. وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام، وأصبحت جزءاً من شريعة المسلمين، التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان. وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام، لاعتبارات عملية بحتة؛ حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام. وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها، بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة، للأزمان كافة، كما أرادها الله. وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له}.. ولم يكن ذلك في شريعة التوارة. إذ كان القصاص حتماً؛ لا تنازل فيه، ولا تصدق به، ومن ثم فلا كفارة.. ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال. أول ما تقرره شريعة الله في القصاص، هو مبدأ المساواة.. المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة.. ولم تكن شريعة أخرى - غير شريعة الله - تعترف بالمساواة بين النفوس، فتقتص للنفس بالنفس، وتقتص للجوارح بمثلها، على اختلاف المقامات والطبقات والأنساب والدماء والأجناس.. النفس بالنفس. والعين بالعين. والأنف بالأنف. والأذن بالأذن. والسن بالسن. والجروح قصاص.. لا تمييز. ولا عنصرية. ولا طبقية. ولا حاكم. ولا محكوم.. كلهم سواء أمام شريعة الله. فكلهم من نفس واحدة في خلقة الله. إن هذا المبدأ العظيم الذي جاءت به شريعة الله هو الإعلان الحقيقي الكامل لميلاد "الإنسان" الإنسان الذي يستمتع كل فرد فيه بحق المساواة.. أولاً في التحاكم إلى شريعة واحدة وقضاء واحد. وثانياً في المقاصة على أساس واحد وقيمة واحدة. وهو أول إعلان.. وقد تخلفت شرائع البشر الوضعية عشرات من القرون حتى ارتقت إلى بعض مستواه من ناحية النظريات القانونية، وإن ظلت دون هذا المستوى من ناحية التطبيق العملي. ولقد انجرف اليهود الذين ورد هذا المبدأ العظيم في كتابهم- التوراة عنه؛ لا فيما بينهم وبين الناس فحسب، حيث كانوا يقولون: {أية : ليس علينا في الأميين سبيل}تفسير : بل فيما بينهم هم أنفسهم. على نحو ما رأينا فيما كان بين بني قريظة الذليلة، وبني النضير العزيزة؛ حتى جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فردهم إلى شريعة الله - شريعة المساواة.. ورفع جباه الأذلاء منهم فساواها بجباه الأعزاء! والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو العقاب الرادع الذي يجعل من يتجه إلى الاعتداء على النفس بالقتل، أو الاعتداء عليها بالجرح والكسر، يفكر مرتين ومرات قبل أن يقدم على ما حدثته به نفسه، وما زينه له اندفاعه؛ وهو يعلم أنه مأخوذ بالقتل إن قتل - دون نظر إلى نسبه أو مركزه، أو طبقته، أو جنسه - وأنه مأخوذ بمثل ما أحدث من الإصابة. إذا قطع يداً أو رجلاً قطعت يده أو رجله؛ وإذا أتلف عيناً أو أذناً أو أنفاً أو سناً، أتلف من جسمه ما يقابل العضو الذي أتلفه.. وليس الأمر كذلك حين يعلم أن جزاءه هو السجن - طالت مدة السجن أو قصرت - فالألم في البدن، والنقص في الكيان، والتشويه في الخلقة شيء آخر غير الآم السجن.. على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة.. والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة؛ والذي يذهب بحزازات النفوس، وجراحات القلوب، والذي يسكن فورات الثأر الجامحة، التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية.. وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات. ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص.. وشرعُ الله في الإسلام يلحظ الفطرة - كما لحظها شرع الله في التوراة - حتى إذا ضمن لها القصاص المريح.. راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص: {فمن تصدق به فهو كفارة له} من تصدق بالقصاص متطوعاً.. سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل (والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص، أو بالتنازل عن الدم والدية معاً وهذا من حق الولي، إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تغزير القاتل بما يراه) أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروج كلها، فتنازل عن القصاص.. من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه؛ يحط بها الله عنه. وكثيراً ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو، وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته. نفوساً لا يغنيها العوض المالي؛ ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت.. فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد؟.. إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل، وتأمين الجماعة.. ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله.. روى الإمام أحمد. قال: حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: "كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال معاوية: سنرضيه.. فألح الأنصاري.. فقال معاويه: شأنك بصاحبك! - وأبو الدرداء جالس - "حديث : فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة، أو حط به عنه خطيئة" تفسير : .. فقال الأنصارى: فإني قد عفوت".. وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به التعويض.. وتلك شريعة الله العليم بخلقة؛ وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها؛ ويسكب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام. وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة، التي صارت طرفاً من شريعة القرآن، يعقب بالحكم العام: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.. والتعبير عام، ليس هناك ما يخصصه؛ ولكن الوصف الجديد هنا هو {الظالمون}. وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر. وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله. فهو كافر باعتباره رافضاً لألوهية الله - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم، الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة، وتعريضها لعقاب الكفر. وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد. وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}.. فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول؛ ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو "من" المطلق العام. ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة. {وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم، مصدقاً لما بين يديه من التوراة. وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}.. فقد آتى الله عيسى بن مريم الإنجيل، ليكون منهج حياة، وشريعة حكم.. ولم يتضمن الإنجيل في ذاته تشريعاً إلا تعديلات طفيفة في شريعة التوراة. وقد جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة، فاعتمد شريعتها - فيما عدا هذه التعديلات الطفيفة.. وجعل الله فيه هدى ونوراً، وهدى وموعظة.. ولكن لمن؟ {للمتقين}. فالمتقون هم الذين يجدون في كتب الله الهدى والنور والموعظة، هم الذين تتفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور؛ وهم الذين تتفتح لهم هذه الكتب عما فيها من الهدى والنور.. أما القلوب الجاسية الغليظة الصلدة، فلا تبلغ إليها الموعظة؛ ولا تجد في الكلمات معانيها؛ ولا تجد في التوجيهات روحها؛ ولا تجد في العقيدة مذاقها؛ ولا تنتفع من هذا الهدى ومن هذا النور بهداية ولا معرفة ولا تستجيب.. إن النور موجود، ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة، وإن الهدى موجود، ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة، وإن الموعظة موجودة، ولكن لا يلتقطها الا القلب الواعي. وقد جعل الله في الإنجيل هدى ونوراً وموعظة للمتقين، وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل.. أي إنه خاص بهم، فليس رسالة عامة للبشر - شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل رسول، قبل هذا الدين الأخير - ولكن ما طابق من شريعته - التي هي شريعة التوراة - حكم القرآن فهو من شريعة القرآن. كما مر بنا في شريعة القصاص. وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه}. فالقاعدة هي الحكم بما أنزل الله دون سواه. وهم واليهود كذلك لن يكونوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل - قبل الإسلام - وما أنزل إليهم من ربهم - بعد الإسلام - فكله شريعة واحدة، هم ملزمون بها، وشريعة الله الأخيرة هي الشريعة المعتمدة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}.. والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه.. وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل. وليست تعني قوماً جدداً ولا حالة جديدة منفصلة عن الحالة الأولى. إنما هي صفة زائدة على الصفتين قبلها، لاصقة بمن لم يحكم بما أنزل الله من أي جيل، ومن أي قبيل. الكفر برفض ألوهية الله ممثلاً هذا في رفض شريعته. والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله وإشاعة الفساد في حياتهم. والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه.. فهي صفات يتضمنها الفعل الأول، وتنطبق جميعها على الفاعل.. ويبوء بها جميعاً دون تفريق. وأخيراً يصل السياق إلى الرسالة الأخيرة؛ وإلى الشريعة الأخيرة.. إنها الرسالة التي جاءت تعرض "الإسلام" في صورته النهائية الأخيرة؛ ليكون دين البشرية كلها؛ ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعاً؛ ولتهيمن على كل ماكان قبلها وتكون هي المرجع النهائي؛ ولتقيم منهج الله لحياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها. المنهج الذي تقوم عليه الحياة في شتى شعبها ونشاطها؛ والشريعة التي تعيش الحياة في إطارها وتدور حول محورها؛ وتستمد منها تصورها الاعتقادي، ونظامها الاجتماعي، وآداب سلوكها الفردي والجماعي.. وقد جاءت كذلك ليحكم بها، لا لتعرف وتدرس، وتتحول إلى ثقافة في الكتب والدفاتر! وقد جاءت لتتبع بكل دقة، ولا يترك شيء منها ويستبدل به حكم آخر في صغيرة من شئون الحياة أو كبيرة.. فإما هذا وإما فهي الجاهلية والهوى. ولا يشفع في هذه المخالفة أن يقول أحد إنه يجمع بين الناس بالتساهل في الدين. فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة. إنما يريد الله أن تحكم شريعته، ثم يكون من أمر الناس ما يكون: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم. واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيراً من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون..} ويقف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير، وهذا الحسم في التقرير، وهذا الاحتياط البالغ لكل ما قد يهجس في الخاطر من مبررات لترك شيء - ولو قليل - من هذه الشريعة في بعض الملابسات والظروف.. يقف الإنسان أمام هذا كله، فيعجب كيف ساغ لمسلم - يدعي الإسلام - أن يترك شريعة الله كلها، بدعوى الملابسات والظروف! وكيف ساغ له أن يظل يدعي الإسلام بعد هذا الترك الكلي لشريعة الله! وكيف لا يزال الناس يسمون أنفسهم "مسلمين"؟! وقد خلعوا ربقة الإسلام من رقابهم، وهم يخلعون شريعة الله كلها؛ ويرفضون الإقرار له بالإلوهيه، في صورة رفضهم الإقرار بشريعته، وبصلاحية هذه الشريعه في جميع الملابسات والظروف، وبضرورة تطبيقها كلها في جميع الملابسات والظروف! {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق}.. يتمثل الحق في صدوره من جهة الألوهية، وهي الجهه التي تملك حق تنزيل الشرائع، وفرض القوانين.. ويتمثل الحق في محتوياته، وفي كل ما يعرض له من شئون العقيده والشريعه، وفي كل ما يقصه من خبر، وما يحمله من توجيه. {مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه}.. فهو الصوره الأخيره لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن، والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس، ونظام حياتهم، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل. ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه. سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماويه، أو في الشريعه التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيره. أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياه كله هو هذا الكتاب، ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير. وتترتب على هذه الحقيقه مقتضياتها المباشره: {فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق}.. والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يجيئون إليه متحاكمين. ولكنه ليس خاصاً بهذا السبب، بل هو عام.. وإلى آخر الزمان.. طالما أنه ليس هناك رسول جديد، ولا رساله جديدة، لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير! لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين. ورضيه الله لهم منهج حياه للناس أجمعين. ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى. وقد علم الله حين رضيه للناس، أنه يسع الناس جميعاً. وعلم الله حين رضيه مرجعاً أخيراً أنه يحقق الخير للناس جميعاً. وأنه يسع حياة الناس جميعاً، الى يوم الدين. وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة. يخرج صاحبه من هذا الدين. ولو قال باللسان ألف مرة: إنه من المسلمين! وقد علم الله أن معاذير كثيره يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين.. وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه، في بعض الملابسات والظروف. فحذر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه.. وأولى هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة، والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد. ومسايرة بعض رغباتهم عند ما تصطدم ببعض أحكام الشريعة، والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة، أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة! وقد روي أن اليهود عرضوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنوا له إذا تصالح معهم على التسامح في أحكام بعينها منها حكم الرجم. وأن هذا التحذير قد نزل بخصوص هذا العرض.. ولكن الأمر- كما هو ظاهر - أعم من حالة بعينها وعرض بعينه. فهو أمر يعرض في مناسبات شتى، ويتعرض له أصحاب هذه الشريعة في كل حين.. وقد شاء الله - سبحانه - أن يحسم في هذا الأمر، وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعاة للاعتبارات والظروف، وتأليفاً للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء. فقال لنبيه: إن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة؛ ولكنه جعل لكل منهم طريقاً ومنهاجاً؛ وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة، وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا. وأن كلاً منهم يسلك طريقه؛ ثم يرجعون كلهم إلى الله، فينبئهم بالحقيقة، ويحاسبهم على ما اتخذوا من منهج وطريق.. وأنه إذن لا يجوز أن يفكر في التساهل في شيء من الشريعة لتجميع المختلفين في المشارب والمناهج.. فهم لا يتجمعون: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم فيما آتاكم. فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعاً. فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون}. بذلك أغلق الله - سبحانه - مداخل الشيطان كلها؛ وبخاصة ما يبدو منها خيراً وتأليفاً للقلوب وتجميعاً للصفوف؛ بالتساهل في شيء من شريعة الله؛ في مقابل إرضاء الجميع! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف! إن شريعة الله أبقى وأغلى من أن يضحى بجزء منها في مقابل شيء قدر الله ألا يكون! فالناس قد خلقوا ولكل منهم استعداد، ولكل منهم مشرب، ولكل منهم منهج، ولكل منهم طريق. ولحكمة من حكم الله خلقوا هكذا مختلفين. وقد عرض الله عليهم الهدى؛ وتركهم يستبقون. وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه، وهم إليه راجعون؛ وإنها لتعلة باطلة إذن، ومحاولة فاشلة، أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة الله، أو بتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها. فالعدول أو التعديل في شريعة الله لا يعني شيئاً إلا الفساد في الأرض؛ وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم؛ وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر؛ وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض، واتخاذ بعضهم لبعض أرباباً من دون الله.. وهو شر عظيم وفساد عظيم..لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون؛ لأنها غير ما قدره الله في طبيعة البشر؛ ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع، والاتجاهات والمشارب.. وهو خالق الخلق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير. وإليه المرجع والمصير.. إن محاولة التساهل في شيء من شريعة الله، لمثل هذا الغرض، تبدو - في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة؛ لا مبرر لها من الواقع؛ ولا سند لها من إرادة الله؛ ولا قبول لها في حس المسلم، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة الله. فكيف وبعض من يسمون أنفسهم "مسلمين" يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر "السائحين"؟!!! أي والله هكذا يقولون! ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة، ويزيدها وضوحاً. فالنص الأول: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق}.. قد يعني النهي عن ترك شريعة الله كلها إلى أهوائهم! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}.. فالتحذير هنا أشد وأدق؛ وهو تصوير للأمر على حقيقته.. فهي فتنة يجب أن تحذر.. والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكماً بما أنزل الله كاملاً؛ أو أن يكون اتباعاً للهوى وفتنة يحذر الله منها. ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر؛ فيهون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام ديناً؛ أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة الله (في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتماً في دار الإسلام): {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. وإن كثيراً من الناس لفاسقون}. فإن تولوا فلا عليك منهم؛ ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم الله وشريعته. ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك.. فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن الله يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم. فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض: لا أنت ولا شريعة الله ودينه؛ ولا الصف المسلم المستمسك بدينه.. ثم إنها طبيعة البشر: {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} فهم يخرجون وينحرفون. لأنهم هكذا؛ ولا حيلة لك في هذا الأمر، ولا ذنب للشريعة! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق! وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة؛ ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة؛ لغرض من الأغراض؛ في ظرف من الظروف.. ثم يقفهم على مفرق الطريق.. فإنه إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية. ولا وسط بين الطرفين ولا بديل.. حكم الله يقوم في الأرض، وشريعة الله تنفذ في حياة الناس، ومنهج الله يقود حياة البشر.. أو أنه حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبودية.. فأيهما يريدون؟ {أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟}.. إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص. فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله.. إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان؛ ولكنها وضع من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غداً، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام. والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليماً، فهم إذن في دين الله. وإما إنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية؛ وهم في دين من يحكمون بشريعته، وليسوا بحال في دين الله. والذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية؛ والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية. وهذا مفرق الطريق، يقف الله الناس عليه. وهم بعد ذلك بالخيار! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية؛ وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله. {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟}.. وأجل! فمن أحسن من الله حكماً؟ ومن ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس، ويحكم فيهم، خيراً مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟ أيستطيع أن يقول: إن الله - سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير؛ ويجعل رسوله خاتم النبيين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد.. كان - سبحانه - يجهل أن أحوالاً ستطرأ وأن حاجات ستستجد، وأن ملابسات ستقع؛ فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان؟! ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية. وحكم الجاهلية؛ ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟ ما الذي يستطيع أن يقوله.. وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟! الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟.. ألم يكن هذا كله في علم الله؛ وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته، وأن يسيروا على منهجه، وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله؟ قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة، والأوضاع المتجددة، والاحوال المتغلبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله؛ وهو يشدد هذا التشديد، ويحذر هذا التحذير؟ يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء.. ولكن المسلم.. أو من يدعون الإسلام.. ما الذي يقولونه من هذا كله، ثم يبقون على شيء من الإسلام؟ أو يبقى لهم شيء من الإسلام؟ إنه مفرق الطريق، الذي لا معدى عنده من الاختيار؛ ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال.. إما إسلام وإما جاهلية. إما إيمان وإما كفر. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية.. والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون. والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين.. إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم؛ وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه؛ والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء! وما لم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية، فلن يستقيم له ميزان؛ ولن يتضح له منهج، ولن يفرق في ضميره بين الحق والباطل؛ ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح.. وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس؛ فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا "المسلمين" وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم..

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي لتهوين تألّب المنافقين واليهود على الكذب والاضطراب في معاملة الرّسول صلى الله عليه وسلم وسوء طواياهم معه، بشرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم ممَّا عسى أن يحزنه من طيش اليهود واستخفافهم ونفاق المنافقين. وافتتح الخطاب بأشرف الصّفات وهي صفة الرّسالة عن الله. وسبب نزول هذه الآيات حدَث أثناء مدّة نزول هذه السّورة فعقّبت الآيات النّازلة قبلها بها. وسبب نزول هذه الآية وما أشارت إليه هو ما رواه أبو داوود، والواحدي في «أسباب النّزول»، والطبري في «تفسيره» ما محصّله: أنّ اليهود اختلفوا في حدّ الزاني (حين زنى فيهم رجل بامرأة من أهل خيبر أو أهل فَدَك)، بَين أن يُرجم وبين أن يجلد ويحمَّم اختلافاً ألجأهم إلى أن أرسلوا إلى يهود المدينة أن يحكِّموا رسول الله في شأن ذلك، وقالوا: إنْ حكم بالتّحميم قبِلْنا حكمَه وإن حكم بالرجم فلا تقبلوه، وأنّ رسول الله قال لأحبارهم بالمدينة: «حديث : ما تجدون في التّوراة على من زنى إذا أحْصن»تفسير : ، قالوا: يحمّم ويُجلد ويطاف به، وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كذّبهم وأعلمهم بأنّ حكم التّوراة هو الرّجم على من أحصَن، فأنكروا، فأمر بالتّوراة أن تنشر (أي تفتَح طيّاتها وكانوا يلفّونها على عود بشكل اصطواني) وجعَل بعضُهم يقرأها ويضع يده على آية الرجم (أي يقرؤها للّذين يفهمونها) فقال له رسول الله: ارفع يدك فرفع يده فإذا تحتها آية الرّجم، فقال رسول الله: «حديث : لأكونَن أوّل من أحيَى حُكم التّوراة»تفسير : . فحكم بأنّ يُرجم الرجل والمرأةُ. وفي روايات أبي داوود أنّ قوله تعالى: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} نزل في شأن ذلك، وكذلك روى الواحدي والطبري. ولم يذكروا شيئاً يدلّ على سبب الإشارة إلى ذكر المنافقين في صدر هذه الآية بقوله: {من الّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}. ولعلّ المنافقين ممّن يبطنون اليهوديّة كانوا مشاركين لليهود في هذه القضية، أو كانوا ينتظرون أن لا يوجد في التّوراة حكم رجم الزّاني فيتّخذوا ذلك عذراً لإظهار ما أبطنوه من الكفر بعلّة تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. وأحسب أنّ التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس لأنّهم يصدّقون برسالته ولا لأنّهم يعُدّون حكمهُ ترجيحاً في اختلافهم ولكن لأنّهم يَعدّونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها. ولهم في قواعد أعمالهم وتقادير أحْبارهم أن يطيعوا ولاة الحكم عَليهم من غير أهل ملّتهم. فلمّا اختلفوا في حكم دينهم جعلوا الحكم لغير المختلفين لأنّ حكم وليّ الأمر مطاع عندهم. فحكَم رسول الله حكماً جمع بين إلزامهم بموجب تحكيمهم وبين إظهار خَطَئهم في العدول عن حكم كتابهم، ولذلك سمّاه الله تعالى القسط في قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}. ويحتمل أن يكون ناشئاً عن رأي من يثبت منهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم ويقول: إنّه رسول للأميّين خاصّة. وهؤلاء هم اليهود العيسوية، فيكون حكمه مؤيّداً لهم، لأنّه يعدّ كالإخبار عن التّوراة، ويؤيّده ما رواه أبو داوود عن أبي هريرة أنّ يهودياً زنى بيهوديّة فقال بعضهم لبعض: اذهبُوا بنا إلى محمّد فإنّه بُعث بالتّخفيف، فإن أفتى بالجلد دون الرجم قِبلنا واحتججنا بها عند الله وقلنا فُتْيَا نبيء من أنبيائك، وإمّا أن يكون ذلك من نوع الاعتضاد بموافقة شريعة الإسلام فيكون ترجيح أحد التأويلين بموافقته لشرع آخر. ويؤيّده ما رواه أبو داوود والترمذي أنّهم قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل؛ وإمّا أن يكونوا قد عدلوا عن حكم شريعتهم توقّفاً عند التّعارض فمالوا إلى التّحكيم. ولعلّ ذلك مباح في شرعهم، ويؤيّده أنّه ورد في حديث البخاري وغيره أنّهم لمّا استفتوا النّبيء صلى الله عليه وسلم انطلق مع أصحابه حتّى جَاء المدارس ـــ وهو بيت تعليم اليهود ـــ وحاجَّهُم في حكم الرّجم، وأجابه حَبران منهم يُدعيان بابْنَي صوريا بالاعتراف بثبوت حكم الرجم، في التّوراة؛ وإمّا أن يكونوا حكّموا النّبيء صلى الله عليه وسلم قصداً لاختباره فيما يدّعي من العلم بالوحي، وكان حكم الرجم عندهم مكتوماً لا يعلمه إلاّ خاصّة أحبارهم، ومنسياً لا يذكر بين علمائهم، فلمّا حَكم عليهم به بهتوا، ويؤيّد ذلك ما ظهر من مرادهم في إنكارهم وجود حكم الرّجم. ففي «صحيح البخاري» أنّهم أنكروا أن يكون حكم الرجم في التّوراة وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم جاء المدراس فأمر بالتّوراة فنشرت فجعل قارئهم يقرأ ويضع يده على آية الرجم وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك فأمره أن يرفع يده وقرئت آية الرجم واعترف ابنَا صوريا بها. وأيّامّا كان فهذه الحادثة مؤذنة باختلال نظام الشّريعة بين اليهود يومئذٍ وضعف ثقتهم بعلومهم. ومعنى {لا يحزنك الّذين يسارعون} نهيه عن أن يحصل له إحزانٌ مسند إلى الّذين يسارعون في الكفر. والإحزانِ فِعل الّذين يسارعون في الكفر، والنّهي عن فعل الغير إنّما هو نهي عن أسبابه، أي لا تجعلْهم يحْزنونك، أي لا تهتمّ بما يفعلون ممّا شأنه أن يُدخِل الحزن على نفسك. وهذا استعمال شائع وهو من استعمال المركّب في معناه الكِنائي. ونظيره قولهم: لا أعرفَنَّك تفعل كذا، أي لا تفعل حتّى أعرفَه. وقولهم: لا أُلفينّك هَهنا، ولاَ أرَيَنّك هنا. وإسناد الإحزان إلى الّذين يسارعون في الكفر مجاز عقلي ليست له حقيقة لأنّ الّذين يسارعون سبب في الإحزان، وأمّا مثير الحزن في نفس المحزون فهو غير معروف في العرف؛ ولذلك فهو من المجاز الّذي ليست له حقيقة. وأمّا كون الله هو موجد الأشياء كُلّها فذلك ليس ممّا تترتّب عليه حقيقة ومجاز؛ إذ لو كان كذلك لكان غالب الإسناد مجازاً عقلياً، وليس كذلك، وهذا ممّا يغلط فيه كثير من النّاظرين في تعيين حقيقة عقليّة لبعض موارد المجاز العقلي. ولقد أجاد الشيخ عبد القاهر إذ قال في «دلائل الإعجاز» «اعلم أنّه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التّقدير إذا أنتَ نقلت الفعل إليه صار حقيقة فإنّك لا تجد في قولك: أقدمَني بَلَدَك حقّ لي على فلان، فاعلاً سوى الحقّ»، وكذلك في قوله:شعر : وصَيّرني هَوَاكِ وبِي لِحَيْني يُضرب المثَل تفسير : و ـــ يزيدك وجهه حُسناً. أنْ تزعم أن له فاعلاً قد نُقل عنه الفعل فجُعل للهوى وللوجه» اهــ. ولقد وَهِمَ الإمام الرازي في تبيين كلام عبد القاهر فطفق يجلب الشّواهد الدّالة على أنّ أفعالاً قد أسندت لفاعل مجازي مع أنّ فاعلها الحقيقي هو الله تعالى، فإنّ الشّيخ لا يعزب عنه ذلك ولكنّه يبحث عن الفاعل الّذي يسند إليه الفعل حقيقة في عرف النّاس من مؤمنين وكافرين. ويدلّ لذلك قوله: «إذا أنتَ نقلت الفعل إليه» أي أسندتَه إليه. ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة وفي كلّ فرصة، فشبّه إظهاره المتكرّرُ بإسراع الماشي إلى الشيء، كما يقال: أسرع إليه الشيب، وقوله: إذا نهي السفيه جرى إليه. وعدّي بفي الدالّة على الظرفية للدلالة على أنّ الإسراع مجاز بمعنى التوغّل، فيكون (في) قرينة المجاز، كقولهم: أسْرع الفساد في الشيء، وأسْرع الشيب في رأس فلان. فجعل الكفر بمنزلة الظّرف وجعل تخبّطهم فيه وشدّة ملابستهم إيّاه بمنزلة جولان الشّيء في الظرف جولاناً بنشاط وسرعة. ونظيره قوله {أية : يسارعون في الإثم}تفسير : [المائدة: 62]، وقوله: {أية : نسارع لهم في الخيرات}تفسير : [المؤمنون: 56]، {أية : أولئك يسارعون في الخيرات}تفسير : [المؤمنون: 61]. فهي استعارة متكرّرة في القرآن وكلام العرب. وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله: {أية : يسارعون فيهم}تفسير : [المائدة: 52]. وقوله: {من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم} إلخ بيان للّذين يسارعون في الكفر. والّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون. وقوله: {ومن الّذين هادوا} معطوف على قوله: {من الّذين قالوا آمنّا} والوقفُ على قوله: {ومن الّذين هادوا}. وقوله: {سمّاعون للكذب} خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم سمّاعون للكذب. والظاهر أنّ الضّمير المقدّر عائد على الفريقين: المنافقين واليهودِ، بقرينة الحديث عن الفريقين. وحذفُ المسند إليه في مثل هذا المقام حذف اتّبع فيه الاستعمال، وذلك بعد أن يذكروا متحدّثاً عنه أو بعدَ أن يصدر عن شيء أمر عجيب يأتون بأخبار عنه بجملة محذوففٍ المبتدأ منها، كقولهم للّذي يصيب بدون قصد «رَمْيَة من غير رَام»، وقول أبي الرقَيش:شعر : سريع إلى ابن العمّ يلطُمُ وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع تفسير : وقول بعض شعراء الحماسة:شعر : فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت تفسير : عقب قوله:شعر : سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيّتي أياديَ لم تُمنَنْ وإن هي جَلَّت تفسير : والسمَّاع: الكثيرُ السمع، أي الاستماعِ لما يقال له. والسَّمع مستعمل في حقيقته، أي أنّهم يُصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كَذِبا، أي أنّهم يحفلون بذلك ويتطلّبونه فيكثر سماعهم إيّاه. وفي هذا كناية عن تفشّي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق، لأنّ كثرة السمع تستلزم كثرة القول. والمراد بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أنّ حكم الزّنى في التّوراة التّحميمُ. وجملة {سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك} خبر ثان عن المبتدأ المحذوف. والمعنى أنّهم يقبلون ما يأمرهم به قوم آخرون من كَتم غرضهم عن النّبيء صلى الله عليه وسلم حتّى إن حكم بما يهوَون اتّبعوه وإن حكم بما يخالف هواهم عصَوه، أي هم أتباع لقوم متستّرين هم القوم الآخرون، وهم أهل خيبر وأهل فَدَك الّذين بعثوا بالمسألة ولم يأت أحد منهم النّبيء صلى الله عليه وسلم. واللام في {لِقوم} للتقوية لضعف اسم الفاعل عن العمل في المفعول. وجملة {يحرّفون الكلم} صفة ثانية {لقوم آخرين} أو حال، ولك أن تجعلها حالاً {من الّذين يسارعون في الكفر}. وتقدّم الكلام في تحريف الكلم عند قوله تعالى: {أية : من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه} تفسير : في سورة النّساء (46)، وأنّ التّحريف الميل إلى حرف، أي جانب، أي نقله من موضعه إلى طرف آخر. وقال هنا {مِن بعد مواضعه}، وفي سورة النساء (46) {عَن مواضعه}، لأنّ آية سورة النّساء في وصف اليهود كلّهم وتحريفهم في التّوراة. فهو تغيير كلام التّوراة بكلام آخر عن جهل أو قصد أو خطأ في تأويل معاني التّوراة أو في ألفاظها. فكان إبعاداً للكلام عن مواضعه، أي إزالة للكلام الأصلي سواء عوّض بغيره أو لم يعوّض. وأمّا هاته الآية ففي ذكر طائفة معيّنة أبطلوا العمل بكلام ثابتتٍ في التّوراة إذْ ألغوا حكم الرّجم الثّابت فيها دون تعويضه بغيره من الكلام، فهذا أشدّ جرأة من التّحريف الآخر، فكان قوله: {من بعد مواضعه} أبلغَ في تحريف الكلام، لأنّ لفظ (بعد) يقتضي أنّ مواضع الكلم مستقرّة وأنّه أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التّوراة. والإشارة الّتي في قوله: {إن أوتيتم هذا} إلى الكلم المحرّف. والإيتاء هنا: الإفادة كقوله: {أية : وآتاه الله المُلك والحكمة}تفسير : [البقرة: 251]. والأخذ: القبول، أي إن أُجبتم بمثل ما تهوَون فاقبلوه وإن لم تجَابوه فاحذروا قبوله. وإنّما قالوا: فاحذروا، لأنّه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم الّتي مَضَوْا عليها وفي حكّامهم الحاكمين بها. وإرادة الله فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل، وعلامة ذلك التّقدير عدم إجداء الموعظة والإرشاد فيه. فذلك معنى قوله: {فلَن تملك له من الله شيئاً}، أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك الله به من الدّعوة للنّاس كافّة. وهذا التّركيب يدلّ على كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر مّا. ومدلول مفرداته أنّك لا تملك، أي لا تقدر على أقلّ شيء من الله، أي لا تستطيع نيل شيء من تيسير الله لإزالة ضلالة هذا المفتون، لأنّ مادّة المِلك تدلّ على تمام القدرة، قال قَيْس بن الخطيم:شعر : مَلكتُ بها كَفِّي فأنْهَر فَتْقَهَا تفسير : أي شددت بالطعنة كفّي، أي ملكتها بكفّي، وقال النّبيء صلى الله عليه وسلم لعُيَينة بن حِصْن «حديث : أوَ أمْلِكُ لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة»تفسير : . وفي حديث دعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم عشيرته «حديث : فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئاً»تفسير : . و{شيئاً} منصوب على المفعولية. وتنكير {شيئاً} للتقليل والتّحقير، لأنّ الاستفهام لمّا كان بمعنى النّفي كان انتفاء ملك شيء قليللٍ مقتضياً انتفاءَ ملك الشيء الكثير بطريق الأولى. والقول في قوله: {أولئك الّذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم} كالقول في قوله: {ومن يرد الله فتنته}. والمراد بالتطهير التهيئة لقبول الإيمان والهدَى أو أراد بالتطهير نفس قبول الإيمان. والخزي تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إلاّ خزي} تفسير : في سورة البقرة (85)، وقوله: {أية : ربنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته} تفسير : في سورة آل عمران (192). وأعاد {سَمَّاعون للكذب} للتّأكيد وليرتّب عليه قوله {أكّالون للسحت}. ومعنى {أكَّالون للسحت} أخَّاذون له، لأنّ الأكل استعارة لتمام الانتفاع. والسحت ـــ بضمّ السين وسكون الحاء ـــ الشيء المسحوت، أي المستأصل. يقال: سحته إذا استأصَله وأتلفه. سمّي به الحرام لأنّه لا يُبارك فيه لصاحبه، فهو مسحوت وممحوق، أي مقدّر له ذلك، كقوله {أية : يمحق الله الرّبا}تفسير : [البقرة: 276]، قال الفرزدق:شعر : وعَضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدع من المال إلاّ مُسْحَت أو مجَنَّف تفسير : والسحت يشمل جميع المال الحرام، كالربا والرّشوة وأكل مال اليتيم والمغصوب. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر، وخلف «سحْت» ـــ بسكون الحاء ـــ وقرأه الباقون ـــ بضمّ الحاء ـــ إتْباعاً لضمّ السّين. تفريع على ما تضمّنه قوله تعالى: {سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك} وقوله: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه}، فإنّ ذلك دلّ على حِوار وقع بينهم في إيفاد نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحكيم في شأن من شئونهم مالت أهواؤهم إلى تغيير حكم التّوراة فيه بالتّأويل أو الكتمان، وأنكر عليهم منكرون أو طالبوهم بالاستظهار على تأويلهم فطمعوا أن يجدوا في تحكيم النّبيء صلى الله عليه وسلم ما يعتضدون به. وظاهر الشرط يقتضي أنّ الله أعلم رسوله باختلافهم في حكم حدّ الزّنا، وبعزمهم على تحكيمه قبل أن يصل إليه المستفتون. وقد قال بذلك بعض المفسّرين فتكون هذه الآية من دلائل النّبوءة. ويحتمل أنّ المراد: فإن جاؤوك مرّة أخرى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وقد خيّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض عنهم. ووجه التخيير تعارض السببين؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكمَ بينهم، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلاّ يعرّض الحكم النبوي للاستخفاف. وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشقّ المقتضي أنّه يحكم بينهم إشارة إلى أنّ الحكم بينهم أولى. ويؤيّده قوله بعد {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين} أي بالحقّ، وهو حكم الإسلام بالحدّ. وأمّا قوله: {وإن تُعرض عنهم فلن يضرّوك شيئاً} فذلك تطمين للنّبي صلى الله عليه وسلم لئلاّ يقول في نفسه: كيف أعرض عنهم، فيتّخذوا ذلك حجّة علينا. يقولون: ركنّا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنّا فلا نسمع دعوتكم من بعد. وهذا ممّا يهتمّ به النّبي صلى الله عليه وسلم لأنّه يؤول إلى تنفير رؤسائِهم دهماءَهم من دعوة الإسلام فطمّنه الله تعالى بأنّه إنْ فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرّة. ولعلّ في هذا التطمين إشعاراً بأنّهم لا طمع في إيمانهم في كلّ حال. وليس المراد بالضرّ ضرّ العداوة أو الأذى لأنّ ذلك لا يهتمّ به النّبي صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه منهم، خلافاً لما فسّر به المفسّرون هنا. وتنكير {شيئاً} للتحقير كما هو في أمثاله، مثل {فلَن تملك له من الله شيئاً} وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لأنّه في نية الإضافة إلى مصدر، أي شيئاً من الضرّ، فهو نائب عن المصدر. وقد تقدّم القول في موقع كلمة شيء عند قوله تعالى: {أية : ولنبلونَّكم بشيء من الخوف والجوع}تفسير : في سورة البقرة (155). والآية تقتضي تخيير حكّام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكّموهم؛ لأنّ إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكّام مساو إباحته للرسول. واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكّام المسلمين في خصومات غير المسلمين. وقد دلّ الاستقراء على أنّ الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكّام ملّتهم، فإذا تحاكموا إلى حكّام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكلّ ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنّه يجب الحكم بينهم (وعلى هذا فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع). وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات. فمن العلماء من قال: حكم هذا التخيير مُحْكم غير منسوخ، وقالوا: الآية نزلت في قصّة الرجم (الّتي رواها مالك في الموطأ والبخاري ومن بعده) وذلك أنّ يهودياً زنى بامرأة يهوديّة، فقال جميعهم: لنسأل محمّداً عن ذلك. فتحاكموا إليه، فخيّره الله تعالى. واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذٍ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلاً تحت ذمّة الإسلام، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم. وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فَدَك وهما يومئذٍ من دار الحرب في موادعة. وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضاً. وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي. قال مالك: الأعراض أولى. وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي. وقيل: التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله}تفسير : [المائدة: 49]، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة، والسديّ، وعمر بن عبد العزيز، والنخَعي، وعطاء، الخراساني، ويبعده أنّ سياق الآيات يقتضي أنّها نزلت في نسق واحد فيبعد أن يكون آخرها نسخاً لأوّلها. وقوله: {وإنْ حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط} أي بالعدل. والعدل: الحكم الموافق لشريعة الإسلام. وهذا يحتمل أنّ الله نهى رسوله عن أن يحكم بينهم بما في التّوراة لأنّها شريعة منسوخة بالإسلام. وهذا الّذي رواه مالك. وعلى هذا فالقصّة الّتي حكّموا فيها رسول الله لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ولكنّه قَصَر حكمه على أن بيّن لليهود حقيقة شرعهم في التّوراة، فاتّضح بطلان ما كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرْع الإسلام؛ فهو حُكم على اليهود بأنّهم كتموا. ويكون مَا وقع في حديث «الموطأ» والبخاري: أنّ الرجل والمرأة رُجما، إنّما هو بحكم أحبارهم. ويحتمل أنّ الله أمره أن يحكُم بينهم بما في التّوراة لأنّه يوافق حكم الإسلام؛ فقد حكم فيه بالرجم قبل حدوث هذه الحادثة أو بعدها. ويحتمل أنّ الله رخّص له أن يحكم بينهم بشرعهم حين حكَّموه. وبهذا قال بعض العلماء فيما حكاه القرطبي. وقائل هذا يقول: هذا نُسخ بقوله تعالى: {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله}تفسير : [المائدة: 49]، وهو قول جماعة من التّابعين. ولا داعي إلى دعوى النسخ، ولعلّهم أرادوا به ما يشمل البيان، كما سنذكره عند قوله: {أية : فاحكم بينهم بما أنزل الله}تفسير : [المائدة: 48]. والّذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم: أنّ الأمّة أجمعت على أنّ أهل الذمّة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأنّ عهود الذمّة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددتْ لهم شرائعهم. ولذلك فالأمور الّتي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأوّل: ما هو خاصّ بذات الذمّيّ من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها ممّا هو من الحلال والحرام. وهذا لا اختلاف بين العلماء في أنّ أيمّة المسلمين لا يتعرّضون لهم بتعطيله إلاّ إذا كان فيه فساد عامّ كقتل النّفس. القسم الثّاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال الّتي يستحلّونها ويحرّمها الإسلام. وهذه أيضاً يقرّون عليها، قال مالك: لا يقام حَدّ الزنا على الذميّين، فإن زنى مسلم بكتابية يحدّ المسلم ولا تحدّ الكتابية. قال ابن خُويز منداد: ولا يُرسل الإمام إليهم رسولاً ولا يُحضِر الخصمَ مجلسه. القسم الثّالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض. وقد أجمع علماء الأمّة على أنّ هذا القسم يجري على أحكام الإسلام، لأنّا لم نعاهدهم على الفسادِ، وقد قال تعالى: {أية : والله لا يحبّ الفساد}تفسير : [البقرة: 205]، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرّمات. القسم الرّابع: ما يجري بينهم من المعاملات الّتي فيها اعتداء بعضهم على بعض: كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين. فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرّض لهم، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين. فقال مالك: يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوباً، لأنّ في الاعتداء ضرباً من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمّد، وزفر. وقال أبو حنيفة: لا يَحكم بينهم حتّى يتراضى الخصمان معاً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ}. في هذا الآية الكريمة إجمال، لأن المشار إليه بقوله {هذا}، ومفسر الضمير في قوله: {فخذوه}، وقوله: {لم تؤتوه} لم يصرح به في الآية ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع أخر. اعلم أولاً أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية الذين زنيا بعد الإحصان، وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، واصطلحوا فيما بينهم على أن الزاني المحصَن الذي يعلمون أن حده في كتاب الله "التوراة" الرجم أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه والإركاب على حمار، فلما زنى المذكوران قالوا فيما بينهم تعالوا نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بقوله {هذا} وقوله: {فخذوه}، وقوله: {وإن لم تؤتوه} هوالحكم المحرف الذي هو الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا} يعني المحرف والمبدل الذي هو الجلد والتحميم {فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} بأن حكم بالحق الذي هو الرجم {فاحذروا} أن تقبلوه. وذكر تعالى هذا أيضاً في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّه} تفسير : [آل عمران: 23]، يعني التوراة ليحكم بينهم يعني في شأن الزانيين المذكورين {أية : ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُون} تفسير : [آل عمران: 23] أي عما في التوراة من حكم رجم الزاني المحصن، وقوله هنا: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُون} هو معنى قوله عنهم، {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إذ كنت موعودَ النَّصر عليهم، وهم المنافقون، وبان لهم ذلك بقوله: {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون} أَيْ: فريقٌ سمَّاعون {للكذب} يسمعون منك ليكذبوا عليك، فيقولون: سمعنا منه كذا وكذا لما لمْ يسمعوا {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أَيْ: هم عيونٌ لأولئك الغُيَّب ينقلون إليهم أخبارك {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} من بعد أن وضعه الله مواضعه. يعني: آية الرَّجم. {يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه} يعني: يهود خيبر بالجلد، وهم الذين ذكروا في قوله: {لقوم آخرين لم يأتوك} وذلك أنَّهم بعثوا إلى قريظة ليستفتوا محمداً صلى الله عليه وسلم في الزَّانيين المحصنين، وقالوا لهم: إنْ أفتى بالجلد فاقبلوا، وإن أفتى بالرَّجم فلا تقبلوا، فذلك قوله: {إن أوتيتم هذا} يعني: الجلد {فخذوه} فاقبلوه {وإن لم تؤتوه فاحذروا} أن تعملوا به {ومن يرد الله فتنته} ضلالته وكفره {فلن تملك له من الله شيئاً} لن تدفع عنه عذاب الله {أولئك الذين} أَيْ: مَنْ أراد الله فتنته فهم الذين {لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} أن يُخلِّص نيَّاتهم {لهم في الدنيا خزيٌ} بهتك ستورهم {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو النَّار. {سماعون للكذب أكالون للسحت} وهو الرِّشوة في الحكم. يعني: حكَّام اليهود، يسمعون الكذب ممَّنْ يأتيهم مُبطلاً، ويأخذون الرِّشوة منه فيأكلونها {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} خيَّر الله نبيَّه في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، ثمَّ نسخ ذلك بقوله: {وأن احكم بينهم...} الآية. {وكيف يحكمونك} عجَّب الله نبيَّه عليه السَّلام من تحكيم اليهود إيَّاه بعد علمهم بما في التَّوراة من حكم الزَّاني وحدِّه، وقوله: {فيها حكم الله} يعني: الرَّجم {ثمَّ يتولون من بعد ذلك} التَّحكيم فلا يقبلون حكمك بالرَّجم {وما أولئك} الذين يُعرِضون عن الرَّجم {بالمؤمنين}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 41- يا أيها الرسول لا يحزنك صنع الكافرين الذين ينتقلون فى مراتب الكفر من أدناها إلى أعلاها، مسارعين فيها، من هؤلاء المخادعين الذين قالوا: آمنا بألسنتهم ولم تذعن للحق قلوبهم، ومن اليهود الذين يكثرون الاستماع إلى مفتريات أحبارهم ويستجيبون لها، ويكثرون الاستماع والاستجابة لطائفة منهم ولم يحضروا مجلسك تكبراً وبغضاً، وهؤلاء يبدلون ويحرفون ما جاء فى التوراة من بعد أن أقامه الله وأحكمه فى مواضعه، ويقولون لأتباعهم: إن أوتيتم هذا الكلام المحرّف المبدّل فاقبلوه وأطيعوه، وإن لم يأتكم فاحذروا أن تقبلوا غيره، فلا تحزن، فمن يرد الله ضلاله لانغلاق قلبه فلن تستطيع أن تهديه أو أن تنفعه بشئ لم يرده الله له، وأولئك هم الذين أسرفوا فى الضلال والعناد لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من دنس الحقد والعناد والكفر، ولهم فى الدنيا ذل بالفضيحة والهزيمة، ولهم فى الآخرة عذاب شديد عظيم. 42- هم كثيرو الاستماع للافتراء، كثيرو الأكل للمال الحرام الذى لا بركة فيه، كالرشوة والربا وغيرهما، فإن جاءوك لتحكم بينهم فاحكم بينهم إذا رأيت المصلحة فى ذلك، أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك بأى قدر من الضرر، لأن الله عاصمك من الناس، وإن حكمت بينهم فاحكم بالعدل الذى أمر الله به، إن الله يحب العادلين فيحفظهم ويثيبهم. 43- عجباً لهم! كيف يطلبون حكمك، مع أن حكم الله منصوص عليه عندهم فى التوراة؟! والعجب من أمرهم أنهم يعرضون عن حكمك إذا لم يوافق هواهم، مع أنه الموافق لما فى كتابهم، وهؤلاء ليسوا من المؤمنين الذين يذعنون للحق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يحزنك: الحزن ألم نفس يسببه خوف فوات محبوب. يسارعون في الكفر: بمعنى يسرعون فيه إذ ما خرجوا منه كلما سنحت فرصة للكفر أظهروه. قالوا آمنا بأفواههم: هؤلاء هم المنافقون. ومن الذين هادوا: أي اليهود. سماعون للكذب: أي كثيروا الاستماع للكذب. يحرفون الكلم: يبدلون الكلام ويغيرونه ليوافق أهواءهم. إذا أوتيتم هذا: أي أعطيتم. فتنته: أي ضلاله لما سبق له من موجبات الضلال. أن يطهر قلوبهم: من الكفر والنفاق. خزي: ذل. أكالون للسحت: كثيروا الأكل للحرام كالرشوة والربا. أو أعرض عنهم: أي لا تحكم بينهم. بالقسط: أي بالعدل. وما أولئك بالمؤمنين: أي صدقاً وحقاً وإن ادعوه نطقاً. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ..} إلى قوله {.. عَذَابٌ عَظِيمٌ} في نهاية الآية نزل تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً مما كان يجده صلى الله عليه وسلم من ألم نفسي من جراء ما يسمع ويرى من المنافقين واليهود فناداه ربه تعالى بعنوان الرسالة التي كذب بها المنافقون واليهود معاً: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الحق، لينهاه عن الحزن الذي يضاعف ألمه: {لاَ يَحْزُنكَ} حال الذين {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} بتكذيبك فإنه ما خرجوا من الكفر بل هم فيه منغمسون فإذا سمعت منهم قول الكفر لا تحفل به حتى لا يسبب لك حزناً في نفسك. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي لا يحزنك كذلك حال اليهود الذين يكذبون بنبؤتك ويجحدون رسالتك، {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} سماعون ليهود آخرين لم يأتوك كيهود خيبر وفدك أي كثيروا السمع للكذب الذي يقوله أحبارهم لما فيه من الإساءة إليك سماعون لأهل قوم آخرين ينقلوبن إليهم أخبارك كوسائط وهم لم يأتوك وهم يهود خيبر إذ أوعزوا إليهم أن يسألوا لهم النبي صلى الله عليه وسلم عن حد الزنى {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}، أي يغيرون حكم الله الذي تضمنه الكلام، يقولون لهم إن أفتاكم في الزانين المحصنين بالجلد والتحميم بالفحم فاقبلوا ذلك وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبول ذلك. هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} وقال تعالى لرسوله، {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} إي إضلاله عن الحق لما اقترف من عظائم الذنوب وكبائر الآثام {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} إذا أراد الله إضلاله إذاً فلا يحزنك مسارعتهم في الكفر، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من الحسد والشرك والنفاق لسوابق الشر التي كانت لهم فحالت دون قبول الإِيمان والحق، {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي ذل وعار، {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} جزاء كفرهم وبغيهم. هذا ما دلت عليه الآية [41] أما الآية الثانية [42] فقد تضمنت وصف أولئك اليهود بصفة كثرة استماع الكذب مضافاً إليه كثرة أكلهم للسحت وهو المال الحرام أشد حرمة كالرشوة والربا، فقال تعالى عنهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ..} أي للتحاكم عندك فأنت مخير بين أن تحكم بينهم بحكم الله. أو تعرض عنهم وتتركهم لأحبارهم يحكمون بينهم كما شاءوا وإن تعرض عنهم فلم تحكم بينهم لن يضروك شيئاً أي من الضرر ولو قل، لأن الله تعالى وليك وناصرك، وإن حكمت بينهم فاحكم بينهم بالقسط أي بالعدل، لأن الله تبارك وتعالى يحب ذلك فافعله لأجله إنه يحب القسط والمقسطين، وقوله تعالى في الآية الثالثة [43] {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ}. أي إنه مما يتعجب منه أن يحكموك فتحكم بينهم برجم الزناة. وعندهم التوراة فيها نفس الحكم فرفضوه معرضين عنه اتّباعاً لأهوائهم، {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} لا بك ولا بحكمك ولا بحكم التوراة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحباب ترك الحزن باجتناب أسبابه ومثيراته. 2- حرمة سماع الكذب لغير حاجة تدعو إلى ذلك. 3- حرمة تحريف الكلام وتشويهه للإِفساد. 4- الحاكم المسلم مخير في الحكم بين أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أحالهم على علمائهم. 5- وجوب العدل في الحكم ولو كان المحكوم عليه غير مسلم. 6- تقرير كفر اليهود وعدم إيمانهم.

القطان

تفسير : الحزن: ألمٌ يجده الإنسان عند فَوت ما يحب. سارعَ في كذا: أسرع فيه وهو داخل فيه، وهنا الكفّار داخلين في الكفر. الفتنة: الاختبار، كما يُفتن الذهب بالنار. السحت: ما خبُث من المكاسب وحرم. المقسِط: العادل. يا ايها الرسول: خطاب للنبي، وقد ورد الخطاب في جميع القرآن الكريم بعبارة "يا أيّها النبي" إلا هنا في هذه الآية، والآية 67 من هذه السورة {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}. وهذا الخطاب للتشريف والتعظيم، وتعليمٌ للمؤمنين ان يخاطبوه بهذا الوصف العظيم. أيها الرسول، لا تهتم بهؤلاء المنافقين الذين يتنقلون في مراتب الكفر من أدناها الى أَعلاها، ويسارعون في التحيز الى اعداء المؤمنين عندما يرون الفرصة سانحة، فالله يكفيك شرّهم، وينصرك عليهم وعلى من ناصرهم. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ...} ..أي الذين أدّعوا بألسنتهم ولم يؤمن قلوبهم. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ..}. ومن اليهود الذين يُكثرون الاستماعَ إلى ما يقوله رؤساؤهم وأحبارهم في النبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة لطائفة منهم، لم يحضروا مجلسَك تكبُّراً وبغضاً. فهم جواسيس بين المسلمين يبلّغون رؤساءَهم أعداءَ الاسلام كل ما يقفون عليه من أخبار، ويحرّفون ما يحرفون، ثم ينقلون تلك الأكاذيب الى الأحبار المتخلّفين عن الحضور. {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ..}. اي يحرّفون كلام التوراة بعد أن ثبّته الله في مواضعه المعّينة إما تحريفاً لفظياً بإبدال كلماته، أو باخفائه وكتمانه تسهيلاً لزيادةٍ فيه او النقص منه، وإما تحريفاً معنوياً بالالتواء في التفسير. روى الامام أحمد والبخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه قال: "حديث : ان اليهود أتوا النبي صلى لله عليه وسلم برجلٍ منهم وامرأةٍ قد زنيا فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نُسَخِّم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم ان فيها الرجم، فأتُوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتُم صادقين. فجاؤوا بالتوراة مع قارىء لهم أعور يقال له ابن صوريا. فقرأ، حتى اذا أتى الى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك. فرفع يده، فاذا هي تلوح "يعني آية الرجم"، فقالوا: يا محمد، إن فيها الرجم، ولكنّا كنّا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما رسول الله فرُجما ". تفسير : ومن قبيل ذلك ما قاله مارتن لوثر في كتابه: اليهود وأكاذيبهم. "هؤلاء هم الكاذبون الحقيقيون مصّاصو الدماء، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس وإفساده، من الدفة الى الدفة، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم... الخ" وهي كلمة طويلة. {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ...} يقول اولئك الرؤساء لأتباعهم الذين أرسلوهم ليسألوا النبيّ عن حكم الرجل والمرأة الزانيين إن اعطاكم محمد رخصة بالجَلد عوضاً عن الرجّم فخُذوها، وارضوا بها، وإن حكَمَ بالرَّجم فارفضوا ذلك. {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ...} ومن يُرد الله اختباره في دينه فيُظهره الاختبارُ ضلالَه وكفره، فلن تملِك له يا محمد شيئاً من الهداية. هؤلاء المنافقون والجاحدون من اليهود.. قد أظهرت فتنةُ الله لهم مقدارَ فسادهم، فهم يقبلون الكذب ويحرّفون كلام الله، اتباعاً لأهوائهم ومرضاة رؤسائهم. لا تحزن البتةَ على مسارعتهم في الكفر، ولا تطمع في جذبهم الى الايمان، ولا تخفْ عاقبة نفاقهم فإنما العاقبة للمتقين. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ...} إنّ الذين بلغت منهم الفتنة ذلك المبلغ هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق ـ فلن تستطيع ان تهديهم، لهم في الدنيا خِزي وذلّ ولهم في الآخرة عذاب شديد. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} اعاد الله وصفهم بكثرة السماع للكذب، للتأكيد، وبيان أن أمرهم كلَّه مبنيٌّ على الكذب. كما وصفهم بأنهم أكالون للسحت، أي الحرام، لأنه انتشر بينهم، كالرشوة والربا واختلاس الأموال. وكل ذلك شائع في مجتمعنا نحن الآن مع الأسف. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي ويعقوب السُّحُت بضمتين، وهما لغتان. {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ...} فإن جاؤوك لِتحكم بينهم فأنت مخيَّر بين الحكم بينهم والاعراض عنهم. فإن اخترتَ الإعراض عنهم فلن يضروك بأي شيء، لأن الله عاصمُك من الناس. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}. وإن اخترتَ ان تحكم بينهم فاحكم بالعدل الذي أمَر الله به، وهو ما تضمّنه القرآن واشتملت عليه شريعة الاسلام. ان الله يحب العادلين. {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}. عجباً لهم كيف يطلبون حكمك في قضاياهم مع ان حكم الله منصوص عليه عندهم في التوراة، هي شريعتهم، ثم يرفضون ما حكمتَ به لأنه لم يوافق هواهم!! ان أمرهم لمن أعجب العجب، وما سببُ ذلك إلا أنهم ليسوا مؤمنين لا بالتوراة ولا بك أيضا.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {يُسَارِعُونَ} {آمَنَّا} {بِأَفْوَاهِهِمْ} {سَمَّاعُونَ} {آخَرِينَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلآخِرَةِ} (41) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَالتِي بَعْدَهَا فِي المُنَافِقِينَ، الذِينَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَفِي أعْدَاءِ الإِسْلامِ مِنَ اليَهُودِ، الذِينَ كَانُوا كَثِيرِي الاسْتماعِ إلى كَلامِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَالإِخْبَارِ عَنْهُ، لأجْلِ الكَذِبِ عَلَيهِ بِالتَّحْرِيفِ وَاسْتِنْباطِ الشُّبُهَاتِ، فَهُمْ جَوَاسِيسُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لأعْدَائِهِمْ، مَهَمَّتُهُمْ إبْلاغُ رُؤُوسِ الكُفْرِ أعْداءِ الإِسْلاَمِ، كُلَّ مَا يَقِفُونَ عَلَيهِ لِيَكُونَ مَا يَفْتَرُونَهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمِينَ مِنْ كَذِبٍ مَقْبُولاً، لأنَّهُمْ يَرْوُونَ مَا يُقَالُ، وَيُحَرِّفُونَ فِيهِ، وَكَانَ هَؤُلاءِ يَأتُونَ إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِيَسْتَمِعُوا مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُلُونَ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْهُ إلى الرُّؤسَاءِ ذَوِي الكَيْدِ، الذِينَ لَمْ يَأْتُوا إِلَى النَّبِيِّ لِيَسْتَمِعُوا مِنْهُ بِآذَانِهِمْ، إمّا كِبْراً وَإِمَّا تَمَرُّداً. وَيَقُومُ الرُّؤسَاءُ الرُّوحِيُّونَ مِنَ اليَهُودِ بِتَحْرِيفِ كَلامِ التَّورَاةِ مِنْ بَعْدِ أنْ وَضَعَهُ اللهُ فِي مَوَاضِعِهِ، وَأَحْكَمَهُ، إمَّا تَحْريفاً لَفْظِيّاً، بِإبْدَالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ، وَإمّا بِإخْفَائِهِ وَكِتْمَانِهِ، وَإِما بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، أوْ بِالنَّقْصِ مِنْهُ، وَإمَّا تَحْرِيفاً مَعْنَويّاً، بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنى يَخْتَلِفُ عَنِ المَعْنَى الذِي قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ الحُكْمَ الذِي تُرِيدُونَ فَاقْبَلُوهُ، وَإنْ قَضَى بِغَيْرِهِ فلا تَسْتَمِعُوا إليهِ. (وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي يَهُودَيَّين زَنَيا بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ بِقَلِيلٍ، وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ تَخَلَّوْا عَنْ تَنْفِيذِ مَا شَرَّعَهُ اللهُ لَهُمْ فِي التَّورَاةِ مِنْ رَجْمِ الزُّنَاةِ المُحْصَنِينَ، فَحَرَّفُوا حُكْمَ اللهِ، وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى جَلْدِ الزَّانِي مِئَةَ جَلْدَةٍ مَعَ صَبْغِ الوَجْهِ بِالسَّوَادِ (وَيُسَمُّونَهُ التَّحْمِيمَ). فَلَمَّا وَقَعَتْ حَادِثَةُ الزِّنَى، قَالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ تَعَالَوا نَتَحَاكَمُ إلى مُحَمَّدٍ فَإِنْ حَكَمَ بِالجَلْدِ، وَصَبْغِ الوَجْهُ بِالسَّوَادِ، فَخُذُوا ذلِكَ عَنْهُ، وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ، وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أنبياءِ اللهِ قَدْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ، وَإنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلاَ تَتَّبِعُوهُ. فَلَمَّا جَاؤُوا إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم سَألَهُمْ عَمَّا فِي كِتَابِهِمْ فِي حُكْمِ الزُّنَاةِ، فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَّمٍ - وَكَانَ حَبْراً مِنْ أحْبَارِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمَ - : كَذَيْتُمْ إنَّ فِيهِ الرَّجْمَ). وَمَنْ أَرَادَ اللهُ أنْ يَخْتَبِرَهُ فِي دِينِهِ فَيُظْهِرَ الاخْتِبَارُ كُفْرَهُ وَضَلاَلَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ يَِا مُحَمَّدُ مِنَ اللهِ شَيْئاً، لأَِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ، وَلاَ أنْ يَهْدِيَهُ؛ وَلِهَذا الضَّالِّ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا، وَلَهُ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فَلا تَحْزَنْ يَِا مُحَمَّدُ بَعْدَ هَذَا عَلَى مُسَارَعَتِهِمْ فِي الكُفْرِ، وَلاَ تَطْمَعُ فِي هِدَايَتِهِمْ إِلى الإِيمَانِ، فَإِنَّكَ لاَ تَمْلِكُ لأَِحَدٍ نَفْعاً، وَإِنَّمَا عَلَيكَ البَلاَغُ. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ - يَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ فَيُحَرِّفُونَ فِيهِ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ. سَمَّاعُونَ لِقَومٍ آخَرِينَ - يَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ لِلتَّجَسُّسِ عَلَيكَ. يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ - يُبَدِّلُونَهُ أَوْ يُؤَوِّلُونَهُ بِالبَاطِلِ. خِزْيٌ - ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ. الفِتْنَةُ - هِيَ الاخْتِبَارُ وَالابْتِلاَءُ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} وقرأ السلمي يسارعون في الكفر أي في هؤلاء الكفار ومظاهرتهم فلم يعجزوا اللّه {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} وهم المنافقون نظيره، قوله {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 14] {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} يعني قوّالين به يعني بني قريضة {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} يعني يهود خيبر وذلك عين ما قاله أهل التفسير وذلك حديث : أن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، وإسم المرأة بسرة وكانت خيبر حرباً لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكان الزانيان محصنين، وكان حدّهما الرّجم في التوراة فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما فقالوا: إن هذا الرجل النبي بيثرب ليس في كتابه الرّجم ولكنه الضرب فأرسلوا إلى إخوانكم بني قريضة فإنهم صلح له وجيرانه، فليسألوه، فبعثوا رهطاً منهم مستخفين. فقالوا لهم: سلوا محمداً عن الزانيين إذا أحصنا أحدهما فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه وأرسلوا الزانين معهم فقدم الرهط حتى نزلوا على قريظة والنضير. فقال لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده، وقد حدث فينا حدث زنيا وقد أحصنا فيجب أن تسألوا لنا محمداً عن قضائه، فقال لهم بنو قريظة والنضير: إذاً واللّه يأمركم بما تكرهون من ذلك ثم إنطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وسعد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وعباس بن قيس وأبو نافع وأبو يوسف وعازار وسلول إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما وكيف تجد في كتابك؟ فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "وهل ترضون قضائي في ذلك؟" قالوا: نعم، فنزل جبرئيل بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به، فقال له جبرئيل: إجعل بينك وبينهم إبن صوريا ووصفه له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له إبن صوريا" قال: فأي رجل فيكم؟ قالوا: هو أعلم يهودي بقي على ظهر الأرض بما أنزل اللّه تعالى على موسى في التوراة، قال: أرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم عبد اللّه بن صوريا، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "أنت إبن صوريا؟ " قال: نعم، قال: "فأنت أعلم اليهود؟"، قال: كذلك يزعمون، قال: "أتجعلونه بيني وبينكم؟" قالوا: نعم قد رضينا به إذ رضيت به، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "فإني أنشدك باللّه الذي لا إله إلاّ هو القوي إله بني إسرائيل الذي أنزل التوراة على موسى الذي أخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي ضلل الغمام فأنزل عليكم المنّ والسلوى وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه فهل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن". قال إبن صوريا: نعم والذي ذكّرني به لولا خشيت أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت لك ولكن كيف هو في كتابك يا محمد؟ قال: "إذا شهد أربعة رهط عدول إنه قد أدخله فيهاكما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم".قال إبن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل اللّه في التوراة على موسى فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "فماذا كان أوّل ما ترخصتم به أمر اللّه"؟ قال: كنّا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا للضعيف أقمنا عليه الحد وكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا إبن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنا رجل آخر في أسوة من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه، فقال: واللّه لا ترجمون حتى يرجم فلاناً إبن عم الملك. فقال: تعالوا نجتمع فلنضع شيئاً دون الرجم يكون مكان الرجم فيكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسوّد وجوههما ثم يحملان على حمارين فحوّل وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم.قال اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به وما كنت لما اتهمتنا عليك بأهل، ولكنّك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك فقال لهم: نشد في التوراة لولا ضنيت التوراة أن تهلكني لما أخبرته به، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، وقال: "أنا أول من أحيا أمره إذ أماتوه ". تفسير : قال عبد اللّه بن عمر: شهدت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لما أمر برجم [اليهوديين فرأيته حنا عليهما ليقيهما بالحجارة] ونزلت {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] فلا يخبركم به حديث : فوضع ابن صوريا يده على ركبة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك باللّه وأُعيذك باللّه أن تخبرنا بالكثير الذي أمرت أن تعفو عنه فأعرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنه فقال له ابن صوريا: أخبرني عن ثلاث خصال أسألك عنهنّ، قال: ما هي؟ قال: أخبرني عن نومك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "تنام عيناي وقلبي يقظان" قال له: صدقت، فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبهه أمه شيء أو شبهه أمه فيه ليس فيه من شبهه أبيه شيء، قال: "أيّهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له" قال له: صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ قال: فأغمي على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم خلي عنه محمراً وجهه يفيض عرقاً فقال صلى الله عليه وسلم "اللحم والدّم والظفر والشعر للمرأة والعظم والعصاب والعروق للرجل" قال له: صدقت أمرك أمر نبي فأسلم ابن صوريا عند ذلك وقال: يا محمد من يأتيك من الملائكة؟ قال: جبرئيل. قال: صفه لي، فوصفه له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد إنه في التوراة كما قلت وإنّك رسول اللّه حقّاً فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير، فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير أبونا واحد وديننا واحد ونبيّنا واحد إذا قتلوا منا قتيلاً لم يفدونا وأعطونا ديته سبعين وسقاً من تمر وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقاً من تمر وإن كان القتيل إمرأة. يفدوا بها الرجل، وبالرجل منهم الرجلين منّا، وبالعبد منهم الحرّ منّا، وجراحتنا بالنصف من جراحتهم فأمعن بيننا وبينهم، فأنزل اللّه تعالى في الرجم والقصاص {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ} تفسير : رفع الخبر بحرف الصفة يعني ومن الذين هادوا فهم سمّاعون، وإن شئت جعلته خبر إبتداء مضمر أي فهم سمّاعون للكذب، وقيل: اللام بمعنى إلى. كان أبو حاتم يقول: اللام في الكذب لام كي يسمعون لكي يكذبوا عليك. واللام في قوله لام أجل من أجل قوم آخرين {لَمْ يَأْتُوكَ} وهم أهل خيبر {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} جمع الكلمة {مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي من بعد وضعه مواضعه كقوله {أية : ولَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [البقرة: 189]. وإنما ذكر الكتابة ردّاً إلى اللفظ وهو الكلم. وقرأ علي: يحرّفون الكلام من بعد مواضعه {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} أي إن أفتاكم محمد بالجلد والرجم فاقبلوه {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} كفره وضلالته. قال مجاهد: دليله قوله {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : الآية [البقرة: 193]، [الأنفال: 39]. وقال الضحّاك: هلاكه، قتادة: عذابه نظيره ولم يأمرهم على من يؤمنون {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أي بالهداية على القدرة {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} للمنافقين الفضيحة وهتك الستر وخوف القتل، ولليهود الجزية والقتل والسبي، [...........] عن محمد (عليه السلام) وأصحابه وفيهم ما يكرهون {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الخلود في النار. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} فيه أربع لغات: السُحت بضم السين والحاء وهي قراءة أهل الحجاز والبصرة، واختار الكسائي: سَحت مخففة وهي قراءة أهل الشام وعاصم وحمزة وخلف. والسَحت بفتح السين وجزم الحاء وهي رواية العباس عن نافع، والسحت بضم السين وجزم الحاء وهي قراءة عبيد بن عمير وهو الحرام. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به" تفسير : وأصله ما أشدّ أشدّه، وقال اللّه تعالى {أية : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} تفسير : [طه: 61]. قال الفرزدق: شعر : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلاّ مسحتاً أو مجلف تفسير : قال: من تخلّف إذا استأصل الشجر سحت. وقال الفرّاء: أصله كلب الجوع، فيقال: رجل سحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يُلقى أبداً إلاّ جائعاً، فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم. ونزلت هذه الآية في حكام اليهود، كعب بن الأشرف وأمثاله كانوا يرتشون ويفضلون لمن رشاهم. وروى أبو عقيل عن الحسن: في قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قال: تلك الحكام تسمع كذبه وتأكل رشوة. وعنه في غير هذه الرواية. قال: كان الحاكم منهما إذا أتى أحد برشوته جعلها [بين يديه فينظر إلى صاحبها ويتكلم معه] ويسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب، وعنه أيضاً قال: إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلاً أو يبطل عنك حقّاً فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه شيئاً ليدرأ به عن نفسه فلا بأس. والسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن. ومقاتل وقتادة والضحّاك والسدّي. وقال ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء. قال مسلم بن صبيح: صنع مسروق لرجل في حاجة فأهدى له جارية فغضب غضباً شديداً، وقال: لو علمت إنّك تفعل هذا ما كلّمت في حاجتك، ولا أكلم لما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: من يشفع شفاعة ليرد بها حقّاً أو ليدفع بها ظلماً فأهدي له فقيل فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنّا نرى ذلك إلاّ الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر. قال اللّه عز وجل{أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44]. وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم إنعزل في الوقت وإن لم يُعزل. وقال عمر وعلي وابن عباس رضي اللّه عنهم: السحت خمسة عشر: الرشوة في الحكم ومهر البغي وحلوان الكاهن، وثمن الكلب والقرد والخمر والخنزير والميتة والدم وعسيب الفحل وأجر النائحة والمغنية والقايدة والساحر وأجر صور التماثيل وهدية الشفاعة. وعن جعفر بن كيسان قال: سمعت الحسن يقول: إذا كان لك على رجل دين فما أكلت في بيته فهو سحت. وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعنة اللّه على الراشي والمرتشي ". تفسير : قال الأخفش: السحت كل كسب لا يحل. ثم قال {فَإِن جَآءُوكَ} يا محمد {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}. خير اللّه سحته بقوله في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك. واختلفوا في حكم هذه الآية هل هو ثابت وهل للحكّام اليوم من الخيار في الحكم من أهل الذّمة إذا اختلفوا إليهم، مثل ما جعل اللّه لنبيه صلى الله عليه وسلم أم هو منسوخ؟ فقال أكثر العلماء: هو حكم ثابت لم ينسخه شيء وحكام الإسلام بالخيار وذلك إن شاؤا بين أهل الكتاب وجميع أهل الذّمة، فإن شاؤا أعرضوا ولم يحكموا بينهم وإن حكموا يحكموا بحكم أهل الإسلام. هو قوله: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33] هو جريان حكمنا عليهم. وهذا قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة. وقال آخرون هو منسوخ نسخه قوله تعالى {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} وإليه ذهب الحسن ومجاهد وعكرمة والسدّي. وروى ذلك ابن عباس قال: لم ينسخ من المائدة إلاّ هاتان الآيتان وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} [المائدة: 2] نسختها {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] وقوله {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسختها {أَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 49]. فأما إقامة الحدود عليهم فأهل العراق يرون إقامة الحدود عليهم إلاّ إنهم لا يرون الرجم وقالوا: لأنهم غير محصنين وتأولوا رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين أنه رجمهما بكتابهم التوراة لما اتفقوا على رضاهم بحكم التوراة ثم أنكروا الرجم، فكان في التوراة فأخفوا وأظهر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من ذلك ما كتموه. وأهل الحجاز لا يرون إقامة الحدود عليهم ويظهرون إلى أنهم صولحوا على شركهم. وهو أعظم من الحدود التي يأتون وتأولوا رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين أن ذلك قبل أن يؤخذ عنهم الجزية إلاّ أن على الإمام أن يمنعهم من المظالم والفساد فأما إذا كان أحد الطرفين مسلماً مثل أن يزني رجل من أهل الذّمة بمسلمة أو سرق من مسلم أقيم عليه الحد وحكم عليه بحكم الإسلام {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} العاملين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نأتي في النِّداء بحرف الإقبال وهو "يا" وندخله على "المُنادى" أي أنك تطلب إقباله. فهل نطلب إقباله لمجرد الإقبال أو لشيء آخر؟ مثال ذلك قول الحق: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 151] إذن النِّداء هنا لتلاوة التكليف عليهم. وحين يُنادي الحق سبحانه وتعالى أشرف من ناداهم وهم رُسُله، ونجد أنه نادى كل الرُّسل بمُشخَّصاتِهم العَلَمِيّة. (يا آدم)، والمُشَخّص العَلمَي هو الاسم، وهو لا يعطي وصفاً إلا تشخيص الذات بدون صفاتها. وكذلك نادى الحق إبراهيم عليه السلام: {أية : يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ} تفسير : [الصافات: 104-105] وكذلك نادى الحق نوحاً: {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ} تفسير : [هود: 48] وكذلك نادى الحق موسى عليه السلام: {أية : يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [القصص: 30] وكذلك نادى الحق عيسى ابن مريم عليه السلام: {أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 116] كُل الرُّسُل ناداهم الحق بالمُشَخِّص العَلَمي الذي لا يعطي إلا التشخيص، ولكن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خاتم الرُّسُل ما ناداه الله باسمه أبداً، إنما ناداه الله بالوصف الزائد عن مُشَخَّصات الذات فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}، ويقول: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}. حقًّا إنّ الجميع رُسُل، ولكنه سبحانه يريد أن يبلغنا أن محمداً صلّى الله عليه وسلم هو الرسول الذي جاء ناسخاً ومؤمناً بالكُلّ، هو الذي يستحق النّداء بالوصف الزائد عن مُشَخّصات الذات: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}. وهو الرسول الذي تقوم عليه الساعة. ولذلك نجد خطاب الحق لرسوله دائما: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} أو: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، وهذا نوع من التكريم. والحق يقول هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. أي لا تحزن يا رسول الله من الذين يسارعون في الكفر. وحين يخاطب الحق رسوله في ألا يحزن، علينا أن نعرف على ماذا يكون الحزن؟ سبحانه يوضح لرسوله: إياك أن تحزن لأني معك فلن ينالك شر خصومك ولا يمكن أن أختارك رسولاً وأخْذُلَك، إنهم لن ينالوا منك شيئاً. وقد يكون حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً من لون آخر، اسمه الحزن المُتَسَامِي الذي قال فيه الحق: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] لأن الحق لو شاء أن يجعلهم مؤمنين لما جعل لديهم القدرة على الكفر. {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4] وهل الله يريد أعناقا؟ لا. بل يريد قلوباً؛ لأن سيطرة القُدرة بإمكانها أن تفعل ما تريد، بدليل أن السماء والأرض والجبال وكل الكائنات أتت للخالق طائعة. فلا يمكن أن يتأبّى الكون على خالقه. والقدرة أفادت القهر وأفادت السيطرة والعزة والغلبة في سائر الكون، ولكن الله أحَب أن يأتي عبده - وهو السيد - للإيمان مختاراً؛ لأن الإيمان الأول هو إيمان القهر والقدرة، ولكن الإيمان الثاني هو إيمان المحبة. وقد ضربنا من قبل المثل على ذلك ولنوضحه: هب أن عندك خادمين ربطت أحدهما في سلسلة لأنك إن تركته قليلاً يهرب، وعندما تريده تجذب السلسلة فيأتي، إنه يأتي لسيطرة قُدرتك عليه والقهر منك، أما الخادم الآخر فأنت تتركه حُرّاً ويأتيك من فور النداء. فأيهما أحب إليك؟ لا شك أنك تحب الذي يجيء عن حُب لا عن قهر. وكل أجناس الكون مُسخَّرة بالقدرة، وشاء الحق أن يجعل الإنسان مُختاراً لذلك قال: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} تفسير : [الأحزاب: 72] إذن فقد رفضت كل الأجناس حمل الأمانة. خوفا وإشفاقا من أنها قد لا تستطيع القيام بذلك. والحق يقول لرسوله: {لاَ يَحْزُنكَ} فأمّا إذا كان الحزن بسبب الخوف على المنهج منهم، فالحق ينصره ولن يمكنهم منه. وأما إن كان الخوف عليهم فلا؛ لأنه سبحانه خلق الإنسان مختاراً غير مقهور على القيام بتعاليم المنهج، وسبحانه يُحب أن يعرف من يأتيه حُباً وكرامة. ويقول الحق لرسوله محمد صلّى الله عليه وسلم: {لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. وهذه رُبوبية التعبير، فنحن نعلم أن السرعة تكون إلى الشيء، لا في الشيء كما قال الحق: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} تفسير : [آل عمران: 133] ولكن هنا نجده يقول: {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. ولو قال الحق: "يسارعون إلى الكفر" لكان قد ثبت لهم إيمان وبعد ذلك يذهبون إلى الكُفر، لا. الحق يريد أن يوضح لنا: أنهم يسارعون في دائرة الكفر. ويعلمنا أنهم في البداية في الكفر، ويسارعون إلى كفر أشد. ونعرف أن "في" في القرآن نستطيع أن نضع من أجلها المجلدات. فقد قلنا من قبل قال الله تعالى: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}. ولم يقل سبحانه سيروا على الأرض. والحق سبحانه: وتعالى يقول: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5] وهي ليست أموال المخاطبين، ولكنها في الأصل أموال السفهاء. ولكن سبحانه يبلغنا أن السُّفهاء غير مأمونين على المال، ولذلك يأتي الحق بالوصَيَّ والقيّن على المال ويأمره أن يعتبر المال ماله حتى يحافظ عليه. ويأمره بألا يخزن المال ليأكل منه السَّفيه؛ لأن المال إن أكل منه السَّفيه ودفع له الزكاة، قد ينضب وَينْفذ. لذلك قال الحق: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} تفسير : [النساء: 5] ومن بعد ذلك يقول الحق: {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 5] لم يقل ارزقوهم منها، ذلك أنه سبحانه شاء أن يعلمنا أن الرزق مطمور في رأس المال ويجب أن يتحرك رأس المال في الحياة حتى لا ينقص بالنفقة، وحتى لا تستهلكه الزكاة، وحتى يبلغ السَّفيه رُشده ويجد المال قد نما. هذه بعض من معطيات "في". وهنا آية الصَّلب: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] بعض المفسرين يقولون في هذه الآية: {لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} ونقول: إن الذين قالوا ذلك لم يُفسّروا هذه الآية وكان يجب أن يقولوا في تفسير ذلك: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليباً قوياً يدخل المصلوب في المصلوب فيه. ومثال ذلك لو جئنا بعدو ثقاب وربطناه على الأصبع بخيط رفيع وأوثقنا الربط، فعود الثقاب يغوص في الأصبع حتى يصير وكأنه داخل الأصبع. وعندما يقول الحق: {لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} فيجب ألا نفهم هذا القول إلا على أساس أنه تصليب على جذوع النخل تصليباً قوياً يُدْخِلُ المصلوب في المصلوب فيه. وتلك هي العِلّة في وجود "في" وعدم وجود "على". والحق يقول هنا: {لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} فكأن المسارعة إما أن تكون بـ "إلى" وإما أن تكون بـ "في". فإن كانت بـ "إلى" فهي انتقال إلى شيء لم يكن فيه ساعة بدْء السرعة، وإن كانت بـ "في" فهي انتقال إلى عمق الشيء الذي كان فيه قبل أن يبدأ المسارعة. {لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} فالإيمان محلّه القلب، والإسلام محلّه الجوارح؛ ولذلك قال سبحانه: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14] إنهم يسارعون إلى الصف الأول في الصلاة وهذا إسلام، أما الإيمان فمحلّه القلب. إذن فالذين قالوا بأفواههم آمنا، لهم أن يعرفوا أن منطقة الإيمان ليست الأفواه ولكنها القلوب. وهم قالوها بأفواههم وما مرّت على قلوبهم. وماداموا قد قالوا بأفواههم آمنا وما مرّت على قلوبهم فهؤلاء هم المنافقون، ومعنى ذلك أنهم في كل يوم ستظهر منهم أشياء تُدخِلهم في الكفر؛ لأنهم من البداية قد أبطنوا الكفر، وبعد ذلك يسارعون في مجال الكفر. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} هم إذن صنفان اثنان يسارعان في الكفر؛ المنافقون الذين قالوا بأفواههم آمنا، والذين هادوا. ويصفهم الحق بقوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} وساعة تسمع مادة "السين والميم والعين" فهذا يعني أن الأذن قد استقبلت صوتاً من مُصَوِّت، هذا المُصوِّت إما أن يكون مُتكلماً بالكلام الحقّ فيجذ من الأذن الإيمانية استماعاً بإنصات؛ ثم يتعدى الاستماع إلى القبول؛ فيقول المؤمن: أنا استمعت إلى فلان، لا يقصد أنه سمع منه فقط ولكن يقصد أنه سمع وقبل منه ما قال. إننا نعلم أن كثيراً من الورعين يسمعون كذباً، لكن الفيصل هو قبول الكذب أو رفضه. وليس المهم أن يكون الإنسان سامعاً فقط، ولكن أن يصدق ما يسمع. ونرى في الحياة اليومية إنساناً يريد أن يصلح شيئاً من أثاث منزله فيأتي بالأدوات اللازمة لذلك، ويقال هنا عن هذا الرجل: "نجر فهو ناجر" ولا يقال له: "نجّار"؛ لأن النجار هو من تكون حرفته النّجارة. إذن كلمة: سامع للكذب لا تؤدي المعنى، ولكن "سمّاع" تؤدي المعنى، أي أن صناعته هي التسمّع، وعندما يقول الحق: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي ألِفُوا أن يقبلوا الكذب. وكيف يكون مزاج من يقبل الكذب؟. لا بد أن يكون مزاجاً مريضاً بالفطرة. وما معنى الكذب هنا ومن هم السمّاعون؟ إما أن يكون المقصود بهم الأحبار والرهبان الذين قالوا لأتباعهم كلاماً غير ذي سندٍ من واقع من أجل الحفاظ على مراكزهم. وإما أن يكونوا سماعين للكذب لا لصالحهم هم، ولكن لصالح قوم آخرين. كأنهم يقومون بالتجسس. والتجسس - كما نعلم - يكون بالعين أو بالأذن. وتقدمت هذه الوسائل في زماننا حتى صار التجسس بالصوت والصورة. وكأن الحق يريد أن يبلغنا أنهم سماعون للكذب، أي أنهم يسمعون لحساب قوم آخرين. والقوم الآخرون الذي يسمعون لهم هم القوم الذين أصابهم الكبر والغرور واستكبروا أن يحضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم في الوقت نفسه لا يطيقون الانتظار ويريدون معرفة ماذا يقول رسول الله، لذلك يرسلون الجواسيس إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لينقلوا لهم. أولئك السماعون للكذب هم سماعون لحساب قوم آخرين لم يأتوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبُّراً. وهؤلاء المتكبرون هم كبار اليهود، وهم لا يذهبون إلى مجلس رسول الله حتى لا يضعف مركزهم أمام أتباعهم. وعندما يُنقَل إليهم الكلام يحاولون تصويره على الغرض الذي يريدون، ولذلك يقول عنهم الحق: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}. أي أنهم يُحرِّفون الكلام بعد أن استقر في مَواضعه ويستخرجونه منها فيهملونه ويزيلونه عن مواضعه بعد ان وضعه الله فيها وذلك بتغيير أحكام الله، وقال الحق فيها أيضاً من قبل ذلك: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} تفسير : [المائدة: 13] أي أنهم حَرَّفُوا الكلام قبل أن يستقر. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} وهم الذين يقولون لأتباعهم من جواسيس الاستماع إلى مجلس رسول الله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ}. فكأنهم أقبلوا على النبي بهذا، فإن أخذوا من رسول الله معنى يستطيعون تحريفه فعلوا. وإن لم يجدوا ما يحرفونه فعليهم الحذر. ومن دراسة تاريخ القوانين الوضعية نعرف معنى السلطة الزمنية. فالقوانين التي تواضع عليها بشر ليحكموا بها نظام الحياة تأخرت في الظهور إلى الواقع عن نظام الكهنة، فقد كان الكهنة يَدَّعُون أن لهم صلة بالسماء ولذلك كان الحكم لهم، أي أن التقنين في الأصل هو حكم السماء والذي جعل الناس تتجه إلى وضع قوانين خاصة بهم أنهم جربوا الكهنة فوجدوهم يحكمون في قضية ما حُكْماً. وفي القضية المشابهة يحكمون حُكْماً آخر. لقد كان كلام الكهنة مقبولا عندما ادعوا لأنفسهم الانتساب إلى أحكام السماء. لكن عندما تضاربت أحكامهم خرج الناس على أحكام الكهنة ورفضوها لأنفسهم قوانين أخرى. والحكاية التاريخية توضح لنا ذلك: فقد زَنَى أحد أتباع ملك في العصر القديم وحاولوا أن يقيموا عليه الحد الموجود بالتوراة. لكن الملك قال للكهنة لا أريد أن يُرجَم هذا الرجل وابحثوا عن حكم آخر. ورضخ الكهنة لأمر الملك وقالوا: نُحَمِّم وجه الزَّاني - أي نُسَوِّد وجْهه بالحُمم وهو الفحم - ونجعله يركب حماراً ووجه إلى الخلف ونطوف به بين الناس بدلاً من الرَّجم. وهكذا أعطت السلطة الزمنية السياسية الأمر للسلطة الزمنية الدينية ليُغيِّروا في القوانين. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حاولوا أن يستغلوا وجوده في استصدار أحكام فيها هوادة ولين. وعرضوا عليه بعضا من القضايا من أجل ذلك، فإن جاء الحكم بالتخفيف قبلوه، وإن كان الحكم مُشدّداً لم يقبلوه. وتكررت مسألة الزّنا. وحاولوا الحصول على حكم مخفف من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء رسول الله بالحكم الذي نزل من السماء وهو الرَّجم. ولكنهم قالوا للرَّجم لا. يكفي أن نجلده أربعين جلدة وأن نُسَود وجهه وأن نجعله يركب حماراً ووجهه للخلف ويُطاف به. وهنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس عندكم رجل صالح له علم بالكتاب؟ وهنا صمتوا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن " فدك" يقال له: "ابن صوريا". فقالوا: نعم، هو أعلم يهود على وجه الأرض. فأمر الرسول بإحضاره ليرى الحُكم النازل في الزِّنا بالتوراة، وجاء الرجل وناشده رسول الله بالذي لا إله إلا هو وبحق من أرسل موسى، وبحق من أنزَل التوراة على موسى، وبحق من فلق البحر، وبحق من أغرق فرعون، وبحق من ظللهم بالغمام. وأراد صلى الله عليه وسلم أن يُزلزل فيه كل باطل وأن يشحنه بالطاعة حتى ينطق الحق، فقال ابن صوريا: نعم نجد الرَّجم للزِّنا. وهنا سَبَّ اليهود الرجل الصالح. لقد أرادوا أن يحصلوا على حُكم مُخفف من رسول الله ليُنقذوا الزاني صاحب المقام العالي، وكذلك الزانية ذات الحسب والنسب؛ لذلك قال الحق على لسانهم: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا}. أي التخفيف المراد فخذوه، وإن وجدتم العقاب القاسي فاحذروه ولا تقبلوه. إذن فهم لم يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ابتغاء الحق ولكنهم يبتغون التخفيف. فإن وافق الحكم هواهم قالوا: إن محمداً هو الذي حَكَم، ومن العجيب أنهم أعداء لمحمد وكافرون به. وبرغم ذلك يُحكِّمونه. هذه الواقعة يرويها الإمام مسلم رضي الله عنه وهي: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى يهودي ويهودية قد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: ما تجدون في التوراة على مَنْ زنى؟ قالوا: نسوّد وجوههما ونحمّمهما ونحملهما ونخالف بين وجوههما، ويُطاف بهما، قال: (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) قال: فجاءوا بها، فقرأوها، حتى إذا مرّ بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرْهُ فليرفع يده، فرفع يده فاذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما، قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ". تفسير : إنهم يريدون الحُكم السهل الهين اللين. وقال البعض: إن سبب نزول هذه الآية هي قصة القَوَد. والقود هو القصاص. وقصة القود في إيجاز هي - كما رواها الامام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنه - أن طائفتين من اليهود هما بنو النضير وبنو قريظة كانتا قد تحاربتا في الجاهلية، فقهرت بنو النَّضير بني قريظة، فكانت النَّضير وهي العزيزة إذا قتلت أحداً من بني قُريظة وهي الذَّليلة لم يُقِيدوهم أي لم يعطوهم القاتل ليقتلوه بقتيلهم. إنما يعطونهم الديَّة. وكانت قُريظة إذا قَتَلت أحداً من بني النَّضير لم يرضُوا منهم إلا بالقود. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تحاكموا إليه في هذا الأمر فحَكَم بالتَّسوية بينهم، فسَاءَهم ذلك ولم يقبلوا. وأي قصة منها هي مؤكِّدة للمعنى. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} والفتنة هي التعذيب بالنار، وسبحانه يقول: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} تفسير : [الذاريات: 13] والفتنة أيضاً هي الابتلاء والاختبار، ويقال: "فتنت الذهب" أي وضعت الذهب في بوتقة وحوَّلته بالحرارة العالية من جسم صُلب إلى سائل حتى تستخلصه من المواد العالقة الشائبة التي فيه ليصير نقياً. والفتنة في ذاتها ليست مذمومة. ولكن المذموم منها هو النتيجة التي تصل إليها؛ اينجح الإنسان فيها أم يرسُب؛ لأن الاختبارات التي يمر بها الإنسان كلها هي فتنة، والذي ينجح تكون الفتنة بالنسبة إليه طيبة. والذي يرسُب ويفشل فالفتنة بالنسبة إليه سيئة. وعندما يريد الله فتنة بشر أي يرد اختبارهم: أيأتون طوعا واختياراً أم لا؟ ومادام الحق سبحانه وتعالى أعطى للإنسان قدرة الاختيار حتى يُثبت صفة المحبوبية فسبحانه أراد ذلك، ولا أحد بقادر أن يجعل الإنسان مقهوراً. وقد أراده الله مُختاراً وأن يبتلى وأن يختبر. أينجح أم يرسُب، أيكون مُؤمناً أم كافراً: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. وجعل سبحانه ذلك قانونا لخلقه بمنتهى الوضوح، وهناك جانب في الإنسان مُسَخَّر، وجانب آخر مُخيَّر. {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. أي أن أحداً لا يجرؤ أن يغير نواميس الكون ولن يغير الله نواميس الكون من أجل أي أحد؛ لأن النواميس لا بد أن تسير كما أرادها الله حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عرفنا ما حدث في أُحُد؛ عندما تخاذل الرُّماة ولم يستمعوا إلى نصيحة القائد الأعلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أَغَيَّر الله سُنَّته من أجل وجود حبيبه معهم؟ لا، وانهزموا على رغم وجود رسول الله معهم؛ لأن الله أراد للسُّنة الكونية أن تسير كما هي من أجل إصلاح الأمر. فلو فُرِض أنهم انتصروا من أجل خاطر النبي، ماذا يكون الموقف في أوامره صلى الله عليه وسلم فيما بعد؟ كان من الممكن أن يقول شخص منهم: "خالفناه وانتصرنا". إذن لا بد لسُنَّة الله أن تُنَفّذ. {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 41] لماذا لم يرد الله أن يُطهِّر قلوبهم؟ لأنهم منافقون. وفي قلب المنافق مرض. وعندما تأتي أحداث ينتفع بها المسلمون فالمنافق يزداد حِقداً ومَرضا لأنّ قلبه مُمتلئ بالغل، ولا يريد الله تطهير قلب إنسان إلا أن يقبل على الله ولذلك قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264] وقال سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [آل عمران: 86] فهل عدم هداية الله لهم نشأت أولاً، ثم نشأ الكُفر، أو نشأ الكُفر منهم فجاء عدم الهداية؟ نعلم أن عدم الهداية مرتبة على أنه ظالم أو كافر، وقلنا من قبل: إن هناك إرادة كونية وإرادة شرعية. والإرادة الكونية هي ما يحدث في كون الله. ولا شيء قد حدث في كون الله غصبا عن الله. والاختيار خلقه الله في الإنسان ليصير الإنسان مُخيراً بين الكُفر والإيمان. ومادام الحق قد خلق الإنسان مُختاراً لهذا أو لذلك إذن فهو سبحانه مُريد كَوْنِيًّا ما يصدر عن الإنسان اختياراً كفراً أو هدايةً. لكن أَمُريد هو سبحانه ذلك شرعاً؟ لا. إن الشرع أمر سماوي إما أن يُنفّذه العبد وإما أن يعصيه. ونعرف أن هناك أشياء مُرادة كونياً وأشياء مُرادة شرعيا. والمُراد الكوني هو الذي يكون: أما الإنسان فقد خلقه الله وله الاختيار، فالذي يسرق لا يسرق غصبا عن الله ولكن ما أعطاه له الله من اختيار ومن طاقة، إما أن يوجهها إلى الخير وإما إلى الشر. ونحن حين ننظر إلى الساعة التي نضعها حول المعصم وقد صنعها الصانع صالحة لأن يديرها الإنسان على توقيت أي بلد، فهل هذا يتم غصبا عن الصانع؟ لا. وكذلك جهاز "التليفزيون"؛ إن أذعنا فيه برامج دينية فهو صالح للهدف، وإن أذعنا فيه حفلة راقصة فهو صالح لذلك أيضا. والذي صنع التليفزيون جعله صالحاً لهذا ولذاك، المهم هو توجيه الطاقة وكذلك الإنسان. والإرادة الكونية هي كل ما يكون في ملك الله، والإرادة الشرعية هي كل ما يكون في شرع الله "افعل ولا تفعل". ومادام هناك أمرٌ كوني شرعي فالكون قد أوجده الله لخدمة المؤمن والكافر والعاصي، لكن الأمر الشرعي جعله الله للمؤمن. إذن فإيمان المؤمن أراده الله كونا؛ لأنه سبحانه قد وضع الإيمان منهجا، وأراد الله إيمان المؤمن شرعا. وكفر الكافر لم يتم غصبا عن الله. ولكن الإنسان بخلْقِه مختاراً. صار كُفره أمراً كونياً، ولكنه غير مُراد شرعاً, فكفر الكافر مُراد كونا غير مُراد شرعا. وإيمان الكافر غير مُراد كوناً وكفر المؤمن غير مُراد كونا. وبهذا نكون أمام أربعة أقسام في المُراد كونا وشرعا. وهذه هي القسمة العقلية. إذن من يُرِد الله فتنته كوناً فلا راد لإرادة الله؛ فإذا لم يطع الشرع، فذلك لأنه مخلوق صالح للطاعة وصالح للمعصية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الوالد يعطي لابنه جنيها ويقول له: أنت حُر في هذا المبلغ فإن اشتريت مصحفا أو كتاب دين أو شيئاً تأكله أنت وإخوتك فسأكافئك وأستأمنك على أشياء كثيرة. أما إن اشتريت ورق اللعب المُسمّى "كوتشينة" فسأغضب منك. وحين يذهب الولد ليشتري ورق اللعب المُسمّى "كوتشينة"، هل اشترى ذلك غصبا عن أبيه؟ لا. لكن الولد يصبح غير محبوب من أبيه. هذا هو الفارق بين المُراد كونا والمُراد شرعا. وبين المُراد كونا لا شرعا. والمُراد شرعا لا كونا. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} كان ذلك كونا؛ لأنه سبحانه خلقهم قابلين للتطهير وقابلين لغيره، فإن فعلوا أي شيء فهم لن يفعلوه غَصبا عن الله؛ لذلك يذيل الحق الآية: {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فكأن معنى ذلك أن في قلوبهم أشياء ضد الطهارة، ولهم في الدنيا خزي. والخزي يطلق على الفضيحة ويطلق على الاستحياء، والمعنيان يلتقيان. وهنا في مجال هذه الآية: أي خزي وأي فتنة؟ إنهما فئتنا؛ المنافقون واليهود. وكان المنافقون كلما فعلوا شيئا ينفضح. وعندما يبيِّتون أي شيء فإن الله يخبر رسوله بما يبيِّتون. {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30] وكذلك الذين هادوا: يأتيهم الخزي أي الافتضاح، أي أن يصيروا إلى المُسترذل بعد أن كانوا في المُستحسن. والرسول صلى الله عليه وسلم دخل المدينة واليهود سادة هذه البقعة؛ سادتها علما لأنهم أهل كتاب، أما الأوس والخزرج فأُميون لا يعرفون شيئا. وكان اقتصاد المدينة في أيدي اليهود، من مال وصنعة وزراعة. وعنجهية الجاه. وعندما يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يجدهم السادة، ثم ينفضح أمرهم وكذبهم، ويتم إجلاؤهم،وتُسبى نساؤهم ويُقتل بعضهم. وعندما يدبرون كيدا لرسول الله، يفضحهم الله، وكل ذلك خزي، وليس الخزي هو الجزاء الوحيد لهم، بل يلقون في الآخرة عذاباً أليماً. ويقول الحق من بعد ذلك: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} [الآية: 41]. قال: هم المنافقون. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} [الآية: 41]. قال المنافقون، يقول: هم سماعون لليهود. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [الآية: 41]. يعني: الرجم. وكان في التوراة الرجم. فكان إِذا زنى منهم حقير رجموه، وإِذ زنى منهم شريف حمموه وطافوا به، فاستفتوا النبي، صلى الله عليه وسلم فأَفتاهم بالرجم، وسأَلهم عما يجدونه في كتابهم، فكتموه إِلا رجل منهم، أَعور، فإِنه قال: كذبوك يا رسول الله، إِنه في التوراة الرجم. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [الآية: 42]. يعني به الرشوة في الحكم، وهم اليهود.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة ابني آدم وإِقدام الأخ على قتل أخيه بسبب البغي والحسد وذكر أحكام الحرابة والسرقة، أعقبه بذكر أمر المنافقين وأمر اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتربصهم به وبأصحابه الدوائر، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن لما يناله من أذى من أعداء الإِنسانية فالله سيعصمه من شرهم، وينجيه من مكرهم، ثم ذكر ما أنزل الله من أحكام نورانية في شريعة التوراة. اللغَة: {يَحْزُنكَ} الحُزْن والحَزَن خلاف السرور {السُّحْتِ}: الحرام سمي بذلك لأنه يسحتُ الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وأصل السحت: الهلاك قال تعالى {أية : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} تفسير : [طه: 61] أي يستأصلكم ويهلككم {ٱلأَحْبَارُ} جمع حَبْر وهو العالم مأخوذ من التحبير وهو التحسين {وَقَفَّيْنَا} أتبعنا {مُهَيْمِناً} المهيمن: الرقيب على الشيء الحافظ له، من هيمن عليه أي راقبه ويأتي بمعنى العالي والمرتفع على الشيء {شِرْعَةً} الشِّرعة: السُّنَّة والطريقة يقال: شرع لهم أي سنَّ لهم {مِنْهَاجاً} المنهاج: الطريق الواضح سَبَبُ النّزول: عن البراء بن عازب قال: حديث : مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمّماً مجلوداً فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا نعم فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إِذا أخذنا الشريف تركناه، وإِذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمعْ على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إِني أول من أحيا أمرك إِذ أماتوه فأمر به فرجم تفسير : فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إِلى قوله {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} يقولون: ائتوا محمداً فإِن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإِن أفتاكم بالرجم فاحذروا. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية أي لا تتأثر يا محمد ولا تحزن لصنيع الذين يتسابقون نحو الكفر ويقعون فيه بسرعة {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي من المنافقين الذين لم يُجاوز الإِيمان أفواههم يقولون بألسنتهم آمنا وقلوبهم كافرة {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي ومن اليهود {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي هم مبالغون في سماع الأكاذيب والأباطيل وفي قبول ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي مبالغون في قبول كلام قومٍ آخرين لم يحضروا مجلسك تكبراً وإِفراطاً في العداوة والبغضاء وهم يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي يُزيلونه ويُميلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها والمراد تحريف أحكام الله وتغييرها بأحكام أخرى قال ابن عباس: هي حدود الله في التوراة غيروا الرجم بالجلد والتحميم - يعني تسويد الوجه - {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} أي إِن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا وإِن أمركم بالرجم فلا تقبلوا قال تعالى ردّاً عليهم {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحدٌ على دفع ذلك عنه {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أي لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم من رجس الكفر وخبث الضلالة لقبح صنيعهم وسوء اختيارهم {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي ذلٌ وفضيحة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هو الخلود في نار جهنم قال أبو حيان: والآية جاءت تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر وقطعاً لرجائه من فلاحهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي الباطل كرره تأكيداً وتفخيماً {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي الحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي إِن تحاكموا إِليك يا محمد فيما شجر بينهم من الخصومات فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وبين أن تُعرض عنهم قال ابن كثير: أي إِن جاءوك يتحاكمون إِليك فلا عليك ألا تحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إِليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} أي لأن الله عاصمك وحافظك من الناس {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي فاحكم بينهم بالعدل والحق وإِن كانوا ظلمةً خارجين عن طريق العدل لأن الله يحب العادلين، ثم قال تعالى منكراً عليهم مخالفتهم لأحكام التوراة {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} أي كيف يحكّمك يا محمد هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به؟ قال الرازي: هذا تعجيبٌ من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إِيّاه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكماً حقاً إِلى ما يعتقدونه باطلاً طلباً للرخصة فظهر بذلك جهلهم وعنادهم {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد أن وضح لهم الحق وبان {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يؤمنون بكتابهم "التوراة" لإِعراضهم عنه وعن حكمك الموافق لما فيه قال في التسهيل: وهذا إِلزامٌ لهم لأن من خالف كتاب الله وبدّله فدعواه الإِيمان باطلة، ثم مدح تعالى التوراة بأنها نور وضياء فقال {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} أي أنزلنا التوراة على موسى فيها بيانٌ واضح ونور ساطع يكشف ما اشتبه من الأحكام {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} أي يحكم بالتوراة أنبياء بني إِسرائيل الذين انقادوا لحكم الله {لِلَّذِينَ هَادُواْ} أي يحكمون بالتوراة لليهود لا يخرجون عن حكمها ولا يُبدّلونها ولا يُحرّفونها {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} أي العلماء منهم والفقهاء {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} أي بسبب أمر الله إِياهم بحفظ كتابه من التحريف والتضييع {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} أي رقباء لئلا يُبدّل ويُغيّر {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} أي لا تخافوا يا علماء اليهود الناس في إِظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم بل خافوا مني في كتمان ذلك {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} أي ولا تستبدلوا بآياتي حطام الدنيا الفاني من الرشوة والجاه والعَرَض الخسيس {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} أي من لم يحكم بشرع الله كائناً من كان فقد كفر وقال الزمخشري: ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهيناً به فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون وصفٌ لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهزاء والاستهانة وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها قال أبو حيان: والآية وإِن كان الظاهر من سياقها أن الخطاب فيها لليهود إِلا أنها عامة في اليهود وغيرهم.. وكل آية وردت في الكفار تجرُّ بذيلها على عصاة المؤمنين {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} أي فرضنا على اليهود في التوراة أن النفس تُقتل بالنفس {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} أي تُفقأ بالعين إِذا فقئت بدون حق {وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ} أي يُجدع بالأنف إِذا قطع ظلماً {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ} أي تقطع بالأذن {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} أي يقلع بالسنِّ {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي يُقتص من جانيها بأن يُفعل به مثل ما فعله بالمجني عليه وهذا في الجراح التي يمكن فيها المماثلة ولا يُخاف على النفس منها {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال ابن عباس: أي فمن عفا عن الجاني وتصدَّق عليه فهو كفارةٌ للمطلوب وأجرٌ للطالب وقال الطبري: من تصدَّق من أصحاب الحق وعفا فهو كفارة له أي للمتصدِّق ويكفّر الله ذنوبه لعفوه وإِسقاطه حقه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المبالغون في الظلم لمخالفة شرع الله {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةَِ} أي أتبعنا على آثار النبيّين بعيسى بن مريم وأرسلناه عقيبهم مصدقاً لما تقدّمه من التوراة {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي أنزلنا عليه الإِنجيل فيه هدى إِلى الحق ونور يُستضاء به في إِزالة الشبهات {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} أي مُعترفاً بأنها من عند الله، والتكرير لزيادة التقرير {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي وهادياً وواعظاً للمتقين {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} أي وآتينا عيسى بن مريم الإِنجيل وأمرناه وأتباعه بالحكم به {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي المتمردون الخارجون عن الإِيمان وطاعة الله {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي وأنزلنا إِليك يا محمد القرآن بالعدل والصدق الذي لا ريب فيه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي مصدّقاً للكتب السماوية التي سبقته {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي مؤتمناً عليه وحاكماً على ما قبله من الكتب قال الزمخشري: أي رقيباً على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات قال ابن كثير: اسم المهيمن يتضمن ذلك فهو أمينٌ وشاهد وحاكم على كل كتابٍ قبله جمع الله فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات ما ليس في غيره {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل الله إِليك في هذا الكتاب العظيم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي لا توافقهم على أغراضهم الفاسدة عادلاً عمّا جاءك في هذا القرآن قال ابن كثير: أي لا تنصرفْ عن الحق الذي أمرك الله به إِلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أي لكل أمةٍ جعلنا شريعة وطريقاً بيناً واضحاً خاصاً بتلك الأمة قال أبو حيان: لليهود شرعةٌ ومنهاج وللنصارى كذلك والمراد في الأحكام وأما المعتقد فواحدٌ لجميع الناس توحيدٌ وإِيمان بالرسل وجميع الكتب وما تضمنته من المعاد والجزاء {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو أراد الله لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيءٌ منها الآخر {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} أي شرع الشرائع مختلفة ليختبر العباد هل يذعنون لحكم الله أم يُعرضون، فخالف بين الشرائع لينظر المطيع من العاصي {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي فسارعوا إِلى ما هو خيرٌ لكم من طاعة الله واتباع شرعه {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي معادكم ومصيركم أيها الناس إِلى الله يوم القيامة فيخبركم بما اختلفتم فيه من أمر الدين ويجازيكم بأعمالكم {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي أُحكم بين أهل الكتاب بهذا القرآن ولا تتّبع أهواءهم الزائفة {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي احذر هؤلاء الأعداء أن يصرفوك عن شريعة الله فإِنهم كذَبةٌ كفرةٌ خونة {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي فإِن أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله وأرادوا غيره فاعلم يا محمد أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض إِجرامهم {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} أي أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق منهمكون في المعاصي {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى أيتولون عن حكمك ويبتغون غير حكم الله وهو حكم الجاهلية؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي ومن أعدل من الله في حكمه، وأصدقُ في بيانه، وأحكم في تشريعه لقومٍ يصدّقون بالعليّ الحكيم!! البَلاَغَة: 1- {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الخطاب بلفظ الرسالة للتشريف والتعظيم. 2- {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إِيثار كلمة "في" على كلمة "إِلى" للإِيماء إِلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإِنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه إِلى بعضٍ آخر. 3- {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} صيغة فعّال للمبالغة أي مبالغون في سماع الكذب. 4- {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} تنكير الخزي للتفخيم وتكرير لهم {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} لزيادة التقرير والتأكيد وبين كلمتي "الدنيا والآخرة" طباقٌ. 5- {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} تعجيبٌ من تحكيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه. 6- {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} الإِشارة بالبعيد للإِيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة. 7- {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الإٍلتفات والأصل "فلا يخشوا". 8- {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي بادروا فعل الخيرات وفيه استعارة حيث شبهه بالمتسابقين على ظهور الخيل إِذ كل واحد ينافس صاحبه في السبق لبلوغ الغاية المقصودة. الفَوَائِد: قال الفخر الرازي: خاطب الله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} تفسير : [الأحزاب: 1] في مواضع كثيرة وما خاطبه بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} إِلا في موضعين أحدهما {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} والثاني في هذه السورة أيضاً وهو قوله {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} تفسير : [المائدة: 67] وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم. تنبيه: يقول شهيد الإِسلام "سيد قطب" طيَّب الله ثراه في تفسير الظلال ما نصه "إِن الجاهلية في ضوء هذا النص القرآني البليغ {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} هي حكم البشر للبشر وعبودية البشر للبشر ورفض أُلوهية الله والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنه مفرق الطريق فإما حكم الله، وإما حكم الجاهلية ولا وسط ولا بديل، إما أن تنفّذ شريعة الله في حياة الناس أو ينفّذ حكم الجاهلية وشريعة الهوى ومنهج العبودية لغير الله، والجاهلية ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع يوجد بالأمس واليوم وغداً والناسُ إما أنهم يحكمون بشريعة الله ويقبلونها ويسلمون بها تسليماً فهم إذاً مسلمون وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر فهم في جاهلية وهم خارجون عن شريعة الله".

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} فالفِتْنَةُ: الأَمرُ والإِرَادَةُ والاختِبارُ.

الأندلسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الآية، سبب نزولها أن يهودياً زنا بيهودية فرفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم فأنكر اليهود ذلك وزعموا أن التوراة ليس فيها الرجم فأتي بها فوجد فيها الرجم فافتضحوا. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} الآية، هم المنافقون. و{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} يراد به اليهود. والمعنى على هذا لا تهتم بمسارعة المنافقين في الكفر واليهود أي بإِظهار ما يلوح له من آثار الكفر وهو كيدهم للإِسلام وأهله فإِن الله ناصرك عليهم ومسارعتهم في الكفر وقوعهم وتهافتهم فيه أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها وتكون من الأولى والثانية على هذا تبييناً وتقسيماً للذين يسارعون في الكفر، فيكون قوله: ومن الذين هادوا. معطوفاً على قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ}. ويجوز أن يكون ومن الذين هادوا، استئناف كلام فلا يكون معطوفاً على قوله: من الذين قالوا. وسماعون مبتدأ أي قوم سماعون، ومن الذين هادوا خبره. {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} قيل: انهم أهل فدك كانت اليهود تستمع منهم. وقيل: غيرهم. {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} أي يزيلونه ويميلونه عن مواضعة التي وصفها الله فيها. قال ابن عباس والجمهور: هي حدود الله في التوراة وذلك أنهم غيّروا الرجم أي وضعوا الجلد مكان الرجم. {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا} إشارة إلى ما حرفوه من تبديل الرجم بالتحميم والجلد، أي إن حكم عليكم بهذا فخذوه أي فاقبلوه وإن لم تعطوا ما تحكمون به من التحميم والجلد فاحذروا أي فلا تقبلوا. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} تأكيد لما قبله. {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي الرشا وهو المال الذي يأخذونه على تبديل أحكام الله تعالى وتحريفها. {فَإِن جَآءُوكَ} الآية، يعني للحكم بينهم فخير الله تعالى نبيه بين الحكم بينهم والإِعراض عن الحكم. {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} الآية، هذا تعجيب من تحكيمهم إياه مع أنهم لا يؤمنون به ولا بكتابه وفي كتابهم الذين يدعون الإِيمان به حكم الله نص جلي فليسوا قاصدين حكم الله حقيقة وإنما قصدوا بذلك أن يكون عنده صلى الله عليه وسلم رخصة فيما تحاكموا إليه فيه اتباعاً لأهوائهم وانهماكاً في شهواتهم، ومن عدل عن حكم الله في كتابه الذي يدعي أنه مؤمن به إلى تحكيم من لم يؤمن به ولا بكتابه فهو لا يحكم إلا رغبة فيما يقصده من مخالفة كتابه. وإذا خالفوا كتابهم لكونه ليس على وفق شهواتهم فلأن يخالفوك إذا لم توافقهم أولى وأحرى والواو في "وعندهم" للحال وعندهم التوراة مبتدأ وخبر وفيها حال من التوراة وارتفع حكم على الفاعلية بالجار والمجرور أي كائناً فيها حكم الله. {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} قال ابن عطية: أي من بعد كون حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمره تعالى. "انتهى". وهذه الجملة مستأنفة أي ثم هم يتولون بعد ذلك وهي أخبار من الله تعالى بتوليهم على عادتهم في أنهم إذا وضح لهم الحق أعرضوا عنه. {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من ترك حكم كتابه وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منتف عنه الإِيمان حقيقة. وانتصاب كيف على الحال وهو استفهام لا يراد به حقيقته بل التعجب من حالهم كيف علموا حكم الله في كتابهم وحكم الرسول عليه السلام.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} البعوث بالحق على كافة الخلق بشيراً ونذيراً {لاَ يَحْزُنكَ} صنيع الفرق {ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} أي: يسرعون إليه عند الفرصة؛ لكون جبلتهم عليه وميلهم بالطبع نحوه {مِنَ} المداهنين المنافقين {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} حفظاً لدمائهم وأموالهم: {آمَنَّا} قولاً مجرداً {بِأَفْوَاهِهِمْ وَ} الحال أنه { لَمْ تُؤْمِن} ولم تذعن {قُلُوبُهُمْ} بل ختم عليها بالكفر. {وَ} علامة كفرهم أنهم من غاية نفاقهم معك ومع من تبعك {مِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي: للكذب المفترى بالتورية، بأنك لست النبي الموعود فيها ومصدقون لها من الذين هادوا، قدم الاختصاص؛ إذ لا مصاحبة للمنافقين مع المؤمنين خصوصاً في خلواتهم، بل مع أحبار اليهود، وهم من أعدى عدوك، وأشدهم غيظاً وبغضاً، ومع ذلك {سَمَّاعُونَ} أيضاً {لِقَوْمٍ آخَرِينَ} ممن آمن بك من أقاربهم وعشائرهم؛ لضلوهم عن طريق الحق، ومن لم يؤمن لك يميلون بقلوبهم إلى الإيمان ليقعدوهم، وليصرفوهم عمَّا نووا في نفوسهم، وكيف لا يكون أحبار اليهود من أعدى عدوك يا أكمل الرسل، وهم من غاية بغضهم معك {لَمْ يَأْتُوكَ}؟. ومع عدم إتيانهم {يُحَرِّفُونَ} ويغيرون {ٱلْكَلِمَ} المنزلة في التوراة بيان بعثتك ووصفك وحليتك، ومنشأتك وحسبك ونسبك وعلو شأنك، ووضوح برهانك وتكملتك أمر النبوة والرسالة، ونسخك جمع الأديان {مِن بَعْدِ} كونه مثبتاً عن {مَوَاضِعِهِ} بوضع إلهي، وهم أيضاً من غاية بغضهم معك {يَقُولُونَ} لإخوانهم حينما حكموك في أمر؛ لشهرة أمانتك، ووثوقهم برأيك وعزيمتك في قطع الخصومات: {إِنْ أُوتِيتُمْ} وحكمتم طبق {هَـٰذَا} أي: المحرف {فَخُذُوهُ} واقبلوه، وامضوا عليه، وارضوا به {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} موافقاً له {فَٱحْذَرُواْ} منه، وأعرضوا عنه. ثم قال سبحانه؛ تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ} كفره وظلمته وقساوته {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ} البعداء عن نهج الرشاد من الكفارين {ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ} ولم يتعلق مشيئته {أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من خباثة الكفر الشرك {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} هوان وصغار وجزية وذلة ومسكنة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41] هو الخلود في نار الحرمان عن مرتبة الإنسان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عمن جعله مظهر قهره بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ اْ} [المائدة: 41]، والإشارة أن الله تعالى لما أقصى الكفار وأهل الشقاوة عن محل القرب وأرخى لهم عنان الإمهال للتعذيب حتى يسارعوا في بوادي البوار، وما هو في أودية الضلالة أمر رسوله بترك المبالاة بأمثالهم وقلة الاهتمام، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41]، يعني: الذين دخلت كلمة الإيمان في أفواههم ولم يدخل نور الإيمان في قلوبهم ولم تخرج ظلمة الكفر منها {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُو} [المائدة: 41]، أي: تابوا ظاهراً {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41]، أي: يصفون كذبات النفس في هواجسها {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [المائدة: 41]؛ أي: يسمعون هذه الكذبات ويعملون ويسنون السنن السيئة لقوم آخرين من أمتك لم يأتوك بعد {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41]، يغيرون قوانين الشريعة ويبدلونها بتمويهات الطبيعة {يَقُولُونَ} [المائدة: 41]، لرفقائهم من أهل الطبيعة ومن أضلهم عن جادة الشريعة {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} [المائدة: 41]؛ يعني: إن أوتيتم أرباب الشريعة مثل مقالاتنا ومعتقداتنا تناسب محالاتنا، فاقبلوا وإلا فاحذروا، وعما تقولوا من القرآن والأحاديث هذا حال أرباب الدعاوى العواري عن المعاني من المتفلسفة والإباحية، فقد أزلهم الشيطان عن الصراط المستقيم وأضلهم عن الدين القويم، وأوقعهم في الزلات والشبهات، فيؤولون القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ويقرون بآرائهم فعرف الله تعالى نبيه أنهم معزولون عن رحمته محتجبون بعزته، وإن من رؤية القسمة الأزلية والعزة الصمدية لا يفيده اهتمام المهتمين ولن ينفعه الشافعون. {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [المائدة: 42]، يعني: من أوثقه الله تعالى بالخذلان وأغرقه في الحرمان فليس إلى الأغيار حياته، ولا إلى الأغيار نجاته {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 42]، يعني: أولئك الذين جبلوا على نجاسة الشرك، وما اقتضت الإرادة الأزلية والحكمة الإلهية أن يطهروا بماء إصابة النور إذا رش عليهم في بدء الخلقة من نجاسة ظلمة الشرك قلوبهم، ويقال من يروا الله فتنته من أرسل إليه غائمة الهوى، وسلط عليه نوازع المنى فأنى له بسوط القضاء فليس بلقاء غير الشقاء {لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} [المائدة: 42]، أي: في بدء الأمر من إخطاء النور المرشش {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 42]، من لقاء العلي العظيم فلا يدري أي: حالتيهم أقرب إلى استجلاب الذل وبدايتهم في الخذلان أم نهايتهم في الحرمان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء. فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير. إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا، وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان -إذا خالطت بشاشته القلوب- لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا. { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أي: اليهود { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي. وهؤلاء الرؤساء المتبعون { لَمْ يَأْتُوكَ } بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم. فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به. { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا } أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى. يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس. { وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } كقوله تعالى: { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } . { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } أي: فلذلك صدر منهم ما صدر. فدل ذلك على أن من كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن حكم له رضي، وإن لم يحكم له سخط، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه، كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع ورضي به، وافق هواه أو خالفه، فإنه من طهارة القلب، ودل على أن طهارة القلب، سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد. { لَهُم فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي: فضيحة وعار { وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هو: النار وسخط الجبار. { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } والسمع هاهنا سمع استجابة، أي: من قلة دينهم وعقلهم، أن استجابوا لمن دعاهم إلى القول الكذب. { أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } أي: المال الحرام، بما يأخذونه على سفلتهم وعوامهم من المعلومات والرواتب، التي بغير الحق، فجمعوا بين اتباع الكذب وأكل الحرام. { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } فأنت مخير في ذلك. وليست هذه منسوخة، فإنه-عند تحاكم هذا الصنف إليه- يخير بين أن يحكم بينهم، أو يعرض عن الحكم بينهم، بسبب أنه لا قصد لهم في الحكم الشرعي إلا أن يكون موافقا لأهوائهم، وعلى هذا فكل مستفت ومتحاكم إلى عالم، يعلم من حاله أنه إن حكم عليه لم يرض، لم يجب الحكم ولا الإفتاء لهم، فإن حكم بينهم وجب أن يحكم بالقسط، ولهذا قال: { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } حتى ولو كانوا ظلمة وأعداء، فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم. وفي هذا بيان فضيلة العدل والقسط في الحكم بين الناس، وأن الله تعالى يحبه. ثم قال متعجبا لهم { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } فإنهم -لو كانوا مؤمنين عاملين بما يقتضيه الإيمان ويوجبه- لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة التي بين أيديهم، لعلهم أن يجدوا عندك ما يوافق أهواءهم. وحين حكمت بينهم بحكم الله الموافق لما عندهم أيضا، لم يرضوا بذلك بل أعرضوا عنه، فلم يرتضوه أيضا. قال تعالى: { وَمَا أُولَئِكَ } الذين هذا صنيعهم { بِالْمُؤْمِنِينَ } أي: ليس هذا دأب المؤمنين، وليسوا حريين بالإيمان. لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم، وجعلوا أحكام الإيمان تابعة لأهوائهم. { إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ } على موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام. { فِيهَا هُدًى } يهدي إلى الإيمان والحق، ويعصم من الضلالة { وَنُورٌ } يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك، والشبهات والشهوات، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } { يَحْكُمُ بِهَا } بين الذين هادوا، أي: اليهود في القضايا والفتاوى { النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } لله وانقادوا لأوامره، الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم، وهم صفوة الله من العباد. فإذا كان هؤلاء النبيون الكرام والسادة للأنام قد اقتدوا بها وائتموا ومشوا خلفها، فما الذي منع هؤلاء الأراذل من اليهود من الاقتداء بها؟ وما الذي أوجب لهم أن ينبذوا أشرف ما فيها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا يقبل عمل ظاهر وباطن، إلا بتلك العقيدة؟ هل لهم إمام في ذلك؟ نعم لهم أئمة دأبهم التحريف، وإقامة رياستهم ومناصبهم بين الناس، والتأكل بكتمان الحق، وإظهار الباطل، أولئك أئمة الضلال الذين يدعون إلى النار. وقوله: { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ } أي: وكذلك يحكم بالتوراة للذين هادوا أئمة الدين من الربانيين، أي: العلماء العاملين المعلمين الذين يربون الناس بأحسن تربية، ويسلكون معهم مسلك الأنبياء المشفقين. والأحبار أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم، وترمق آثارهم، ولهم لسان الصدق بين أممهم. وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق { بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه. وهم شهداء عليه، بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه، فالله تعالى قد حمل أهل العلم، ما لم يحمله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حملوا. وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا. وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصا الأمور الأصولية والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم، ولهذا قال: { فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } فتكتمون الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل، وهذه الآفات إذا سلم منها العالم فهو من توفيقه وسعادته، بأن يكون همه الاجتهاد في العلم والتعليم، ويعلم أن الله قد استحفظه ما أودعه من العلم واستشهده عليه، وأن يكون خائفا من ربه، ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم من القيام بما هو لازم له، وأن لا يؤثر الدنيا على الدين. كما أن علامة شقاوة العالم أن يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة. فهذا قد من الله عليه بمنة عظيمة، كفرها ودفع حظا جسيما، محروما منه غيره، فنسألك اللهم علما نافعا، وعملا متقبلا وأن ترزقنا العفو والعافية من كل بلاء يا كريم. { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ } من الحق المبين، وحكم بالباطل الذي يعلمه، لغرض من أغراضه الفاسدة { فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد.

النسائي

تفسير : قوله تعالى:{يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي / ٱلْكُفْرِ} [41] 164- أنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البراء بن عازب قال: حديث : مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمَّم مجلود، فدعاهم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشُدُك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" فقال: لا، ولوا ما نشدتني لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرَّجم، ولكنه ظهر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الرجل الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نُقيمُه على الشريف الوضيع، فاجتمعنا على التحمُّم والجلد، وتركنا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: : "إني أول من أحيا أمرك إذ أماتُوه". فأمر به فرُجم،تفسير : فأنزل الله عز وجل {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي / ٱلْكُفْرِ} إلى {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} يقول: ائْتُوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أفتاكم بالتَّحمم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجم فاحذروا إلى قوله {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [44] في اليهود، وإلى قوله {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [45] في اليهود، إلى قوله {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [47] قال في الكفار كلها - يعني الآية.