Verse. 711 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

سَمّٰعُوْنَ لِلْكَذِبِ اَكّٰلُوْنَ لِلسُّحْتِ۝۰ۭ فَاِنْ جَاۗءُوْكَ فَاحْكُمْ بَيْنَہُمْ اَوْ اَعْرِضْ عَنْہُمْ۝۰ۚ وَاِنْ تُعْرِضْ عَنْہُمْ فَلَنْ يَّضُرُّوْكَ شَـيْـــًٔـا۝۰ۭ وَاِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَہُمْ بِالْقِسْطِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِيْنَ۝۴۲
SammaAAoona lilkathibi akkaloona lilssuhti fain jaooka faohkum baynahum aw aAArid AAanhum wain tuAArid AAanhum falan yadurrooka shayan wain hakamta faohkum baynahum bialqisti inna Allaha yuhibbu almuqsiteena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هم «سماعون للكذب أكالون للسُّحُت» بضم الحاء وسكونها أي الحرام كالرشا «فإن جاؤك» لتحكم بينهم «فاحكم بينهم أو أعرض عنهم» هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى (وأن احكم بينهم) الآية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا وهو أصح قولي الشافعي فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب إجماعا «وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت» بينهم «فاحكم بينهم بالقسط» بالعدل «إن الله يحب المقسطين» العادلين في الحكم أي يثيبهم.

42

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من: سحته، ونقل صاحب «الكشاف» السحت بفتحتين، والسحت بكسر السين وسكون الحاء، وكلها لغات. المسألة الثانية: ذكروا في لفظ السحت وجوهاً قال الزجاج: أصله من سحته إذا استأصله، قال تعالى: {أية : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } تفسير : [طه: 61] وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم، أو لأنه مسحوت البركة، قال تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } تفسير : [البقرة: 276] الثاني: قال الليث: إنه حرام يحصل منه العار، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها، والثالث: قال الفرّاء: أصل السحت شدة الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلقى إلا جائعاً أبداً، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة، وهذا أيضاً قريب من الأول، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه. إذا عرفت هذا فنقول: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية: روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم، ونقص بعضهم، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك، فكان سحتاً لا محالة. المسألة الثالثة: في قوله {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ } وجوه: الأول: قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت. الثاني: قال بعضهم: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم. الثالث: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله تعالى: {أية : وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا } تفسير : [النساء: 161]. ثم قال تعالى: {فإن جَاءوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } ثم إنه تعالى خيّره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم، واختلفوا فيه على قولين: الأول: أنه في أمر خاص، ثم اختلف هؤلاء، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم. الثاني: أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة، وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء. الثالث: أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم. القول الثاني: أن الآية عامة في كل من الكفار، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم، ومنهم من قال: إنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 49] وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين. ثم قال تعالى: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } والمعنى: أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف، كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له، فبيّن الله تعالى أنه لا تضره عداوتهم له. ثم قال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }. أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} كرره تأكيداً وتفخيماً، وقد تقدّم. الثانية ـ قوله تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} على التكثير. والسُّحْت في اللغة أصله الهلاك والشدّة؛ قال الله تعالى: { أية : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } تفسير : [طه: 61]. وقال الفرزدق: شعر : وعَضُّ زمان يا بنَ مَرْوان لم يَدعْ من المال إلاّ مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ تفسير : كذا الرواية. أو مُجلَّفُ بالرفع عطفاً على المعنى؛ لأن معنى لم يدع لم يبق. ويقال للحالق: أَسْحَتَ أي ٱسْتٱصلَ. وسُمي المال الحرام سُحْتا لأنه يَسْحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وقال الفرّاء: أصله كَلَب الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة أي أكُول؛ فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشَّرَه إلى ما يُعطَى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النَّهَم. وقيل: سُمي الحرام سُحْتا لأنه يَسحَت مروءة الإنسان. قلت: والقول الأوّل أولى؛ لأن بذهاب الدّين تذهب المروءة، ولا مروءة لمن لا دين له. قال ابن مسعود وغيره: السُّحت الرُّشا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رشوة الحاكم من السّحت. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : «كلّ لحم نبت بالسّحت فالنار أولى به» قالوا: يا رسول الله وما السحت؟ قال: «الرشوة في الحكم» تفسير : . وعن ابن مسعود أيضاً أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: من السّحت أن يأكل الرجل بجاهه، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها. ولا خلاف بين السّلف أَنّ أَخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سُحْت حرام. وقال أبو حنيفة: إذا ٱرتشى الحاكم ٱنعزل في الوقت وإن لم يعزل، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك. قلت: وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله؛ لأن أخذ الرشوة منه فسق، والفاسق لا يجوز حكمه. والله أعلم. وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : لعن الله الرّاشي والمرتشي » تفسير : . وعن علي رضي الله عنه أنه قال: السّحت الرّشوة وحلوان الكاهن والاستعجال في القضية وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: لا؛ إنما يكره من الرّشوة أن تُرشى لتُعطَى ما ليس لك، أو تدفع حقاً قد لزمك؛ فأما أن ترشى لتدفع عن دِينك ودمك ومالك فليس بحرام. قال أبو الليث السَّمَرْقَنْدي الفقيه: وبهذا نأخذ؛ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة. وهذا كما روى عن عبدالله بن مسعود أنه كان بالحبشة فَرَشا دينارين وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع؛ قال المهدوي: ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتاً فمعناه أنه يَسحَت مروءة آخذه. قلت: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب، ومن أخذ طيباً لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته. وقد روى مالك عن حُميد الطّويل عن أنس أنه قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخفّفوا عنه من خراجه؛ قال ٱبن عبدالبر: هذا يدل على أن كسب الحجام طيّب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمناً ولا جُعْلاً ولا عوضاً لشيء من الباطل. وحديث أنس هذا ناسخ لما حَرَّمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم، وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام. وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سُحْتاً لم يعطه. والسُّحُت والسُّحْت لغتان قرىء بهما؛ قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمتين، والباقون بضم السين وحدها. وروى العباس ابن الفضل عن خارجة بن مُصْعَب عن نافع {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} بفتح السين وإسكان الحاء وهذا مصدر من سحته؛ يقال: أَسْحت وسَحَت بمعنى واحد. وقال الزجاج: سَحَته ذهب به قليلاً قليلاً. قوله تعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} هذا تخيير من الله تعالى؛ ذكره القشيري؛ وتقدّم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود. ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا. فأما أهل الذّمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟ قولان للشافعي؛ وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم. قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي. وٱختلفوا في الذميين؛ فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخيّر؛ روى ذلك عن النَّخَعي والشَّعْبي وغيرهما، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، سوى ما روى عن مالك في ترك إقامة الحدّ على أهل الكتاب في الزنى؛ فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حدّ ولا حدّ عليها، فإن كان الزانيان ذميين فلا حدّ عليهما؛ وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما. وقد روى عن أبي حنيفة أيضاً أنه قال: يجلدان ولا يرجمان. وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وغيرهم: عليهما الحدّ أن أتيا راضيين بحكمنا. قال ٱبن خُوَيْزِ مَندَاد: ولا يرسل الإمام إليهم إذا استعدى بعضهم على بعض، ولا يُحضِر الخصمَ مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد كالقتل ونهب المنازل وأشباه ذلك، فأما الديون والطلاق وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم إلا بعد التراضي، والاختيار له ألا يحكم ويردّهم إلى حكامهم. فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام. وأما إجبارهم على حكم المسلمين فيما ينتشر منه الفساد فليس على الفساد عاهدناهم، وواجب قطع الفساد عنهم، منهم ومن غيرهم؛ لأن في ذلك حفظ أموالهم ودمائهم؛ ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه الفساد بيننا؛ ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهاراً وأن يظهروا الزنى وغير ذلك من القاذورات؛ لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين. وأما الحكم فيما يختص به دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم، وليس كذلك الديون والمعاملات؛ لأن فيها وجهاً من المظالم وقطع الفساد. والله أعلم. وفي الآية قول ثان: وهو ما روى عن عمر بن عبدالعزيز والنَّخَعي أيضاً أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: { أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 49] وأن على الحاكم أن يحكم بينهم؛ وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. وروى عن عِكرمة أنه قال: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسختها آية أُخرى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}. وقال مجاهد: لم يُنسَخ من «المائدة» إلا آيتان؛ قوله: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسختها {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}؛ وقوله: { أية : لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 2] نسختها { أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] وقال الزُّهْري: مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله. قال السَّمَرْقَنْدي: وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا. وقال النحاس في «الناسخ والمنسوخ» له قوله تعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} منسوخ؛ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردّوا إلى أحكامهم، فلما قوى الإسلام أنزل الله عز وجل {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}. وقاله ٱبن عباس ومجاهد وعِكرمة والزُّهري وعمر بن عبدالعزيز والسُّدي؛ وهو الصحيح من قول الشافعي؛ قال في كتاب الجزية: ولا خيار له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله عز وجل: { أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } تفسير : [التوبة: 29] قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردّوا إلى أحكامهم؛ فإذا وجب هذا فالآية منسوخة. وهو أيضاً قول الكوفيين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام أنه ليس له أن يعرض عنهم، غير أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم. وقال الباقون: يحكم؛ فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ٱبن عباس؛ ولو لم يأت الحديث عن ٱبن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة؛ لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب أذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة، وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركاً فرضاً، فاعلاً ما لا يحل له ولا يسعه. قال النحاس: ولمن قال بأنها منسوخة من الكوفيين قول آخر؛ منهم من يقول: على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حداً من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه ويحتج بأن قول الله عز وجل: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ} يحتمل أمرين: أحدهما ـ وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك. والآخر ـ وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك ـ إذا علمت ذلك منهم ـ قالوا: فوجدنا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا؛ فأما ما في كتاب الله فقوله تعالى: { أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ } تفسير : [النساء: 135]. وأما ما في السنة فحديث البَرَاء بن عازب قال: حديث : مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جُلِد وحُمِّم فقال: «أهكذا حدّ الزاني عندكم» فقالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: «سألتك بالله أهكذا حدّ الزاني فيكم» فقال: لاتفسير : . الحديث وقد تقدّم. قال النحاس: فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث. فإن قال قائل: ففي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ قيل له: ليس في حديث مالك أيضاً أن الذين زنيا رضِيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر: لو تدبر من ٱحتج بحديث البَرَاء لم يحتج؛ لأن في دَرْج الحديث تفسير قوله عز وجل: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} يقول: إن أفتاكم بالجلد والتّحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل على أنهم حكّموه. وذلك بيّن في حديث ابن عمر وغيره. فإن قال قائل: ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حَكَّما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه. قيل له: حدّ الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته. ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حَكَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. قوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} روى النسائي عن ابن عباس قال كان قُرَيْظة والنَّضير، وكان النَّضير أشرف من قُرَيظة وكان إذا قتل رجل من قُرَيظة رجلاً من النَّضير قُتِل به، وإذا قَتل رجل من النِّضير رجلاً من قُرَيظة ودي مائة وسقٍ من تَمر؛ فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتَل رجل من النَّضير رجلاً من قُرَيظة فقالوا: ادفعوه إلينا لنقتله؛ فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} النفس بالنفس، ونزلت { أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } تفسير : [المائدة: 50].

البيضاوي

تفسير : {سَمَّـٰعُونَ لِلكَذِبِ} كرره للتأكيد. {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ} أي الحرام كالرشا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب في المواضع الثلاثة بضمتين وهما لغتان كالعُنْق والعُنُق، وقرىء بفتح السين على لفظ المصدر. {فَإِن جَاءوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإِعراض ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذمياً لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقاً. {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} بأن يعادوك لإِعراضك عنهم فإن الله سبحانه وتعالى يعصمك من الناس. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل الذي أمر الله به. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} فيحفظهم ويعظم شأنهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : هم {سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ } بضم الحاء وسكونها أي الحرام كالرشا {فَان جَاءُوك} لتحكم بينهم {َ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } هذا التخيير منسوخ بقوله: (وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ ) الآية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا وهو أصح قولي الشافعي فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب إجماعاً {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ } بينهم {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } العادلين في الحكم أي يثيبهم.

ابن عطية

تفسير : أمن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من ضررهم إذا أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين {أية : لن يضروكم} تفسير : [آل عمران:111] ثم قال تعالى: {وإن حكمت} أي اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما {فاحكم بينهم بالقسط} أي بالعدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} تفسير : [الجن:15] ومحبة الله للمقسطين ما يظهر عليهم من نعمه. ثم ذكر الله تعالى بعد تحكيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص منهم ويبين بالقياس الصحيح أنهم لا يحكمونه إلا رغبة في ميله في هواهم وانحطاطه في شهواتهم، وذلك أنه قال: {وكيف يحكمونك} بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم الكتاب الذي يصدقون به وبنبوة الآتي به وتولوا عن حكم الله فيها؟ فأنت الذي لا يؤمنون بك ولا يصدقونك أحرى بأن يخالفوا حكمك، وقوله تعالى: {من بعد ذلك} أي من بعد حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر الله تعالى، وقوله تعالى: {وما أولئك بالمؤمنين} يعني بالتوراة وبموسى، وهذا إلزام لهم لأن من خالف حكم كتاب الله فدعواه الإيمان به قلقة. وهذه الآية تقوي أن قوله في صدر الآية {أية : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} تفسير : [المائدة: 41] أنه يراد به اليهود. وقوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة} الآية، قال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية، نحن اليوم نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان. و "الهدى": الإرشاد في المعتقد والشرائع، و "النور": ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، و {النبيون الذين أسلموا} هم من بعث من لدن موسى بن عمران إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، هذان طرفا هذه الجماعة المذكورة في هذه الآية و {أسلموا} معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله تعالى. وقوله تعالى: {للذين هادوا} متعلق بـ {يحكم} أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم. وقوله تعالى: {الربانيون} عطف على "النبيين" أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء، وفي البخاري قال "الرباني" الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل"الرباني" منسوب إلى الرب أي عنده العلم به وبدينه، وزيدت النون في "رباني" مبالغة كما قالوا منظراني ومخبراني وفي عظيم الرقبة رقباني، والأحبار أيضاً العلماء واحدهم حِبر بكسر الحاء، ويقال بفتحها وكثر استعمال الفتح فيه للفرق بينه وبين الحبر الذي يكتب به. وقال السدي المراد هنا "بالربانيين والأحبار" الذين يحكمون بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهم ربانياً والآخر حبراً. وكانوا قد أعطوا النبي صلى الله عليه وسلم عهداً أن لا يسألهما عن شيء من أمر التوراة إلا أخبراه به، فسألهما عن آية الرجم فأخبراه به على وجهه فنزلت الآية مشيرة إليهما. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والرواية الصحيحة أن ابني صوريا وغيرهم جحدوا أمر الرجم وفضحهم فيه عبد الله بن سلام، وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم فيما مضى من الزمان، وأما في مدة محمد صلى الله عليه وسلم فلو وجد لأسلم فلم يسم حبراً ولا ربانياً. وقوله تعالى: {بما استحفظوا} أي بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم أمر التوراة وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها وعرفهم ما فيها فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيعوا لما استحفظوا حتى تبدلت التوراة، والقرآن بخلاف هذا لقوله تعالى: {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : [الحجر:9] والحمد لله. وقوله تعالى: {فلا تخشوا الناسَ واخشون} حكاية ما قيل لعلماء بني إسرائيل. وقوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين. وهذا المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها ويحتمل أن يكون قوله فلا تخشوا الناس إلى آخر الآية خطاباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم واختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فقالت جماعة: المراد اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين، وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب. وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله. ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان. وقيل لحذيفة بن اليمان أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل؟ فقال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة لتسلكن طريقهم قد الشراك. وقال الشعبي: نزلت {الكافرون} في المسلمين و{الظالمون} في اليهود و {الفاسقون} في النصارى. قال القاضي أبو محمد: ولا أعلم بهذا التخصيص وجهاً إلا إن صح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه راعى من ذكر مع كل خبر من هذه الثلاثة فلا يترتب له ما ذكر في المسلمين إلا على أنهم خوطبوا بقوله: {فلا تخشوا الناس} وقال إبراهيم النخعي: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ثم رضي لهذه الأمة بها.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِلسُّحْتِ} الرشوة، أو رشوة الحكم، أو الاستعجال على المعاصي، أو ما فيه العار من الأثمان المحرمة كثمن الكلب والخنزير والخمر وعَسْب الفحل وحلوان الكاهن. والسحت من الاستئصال، لأنه يستأصل الدين والمروءة. {فَإِن جَآءُوكَ} اليهوديان الزانيان، خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن يحكم بينهما بالرجم، أو يدع، أو قرظي ونضيري قتل أحدهما الآخر فخير في الحكم بينهما بالقود والتخيير محكم، أو منسوخ بقوله ـ تعالىـ: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة: 49] قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما.

النسفي

تفسير : {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ } كرر للتأكيد أي هم سماعون ومثله {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ } وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة، وفي الحديث «حديث : هو الرشوة في الحكم»تفسير : وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وبالتثقيل مكي وبصري وعلي {فَإِن جَاءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم. وقيل: نسخ التخيير بقوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } فلن يقدروا على الإضرار بك لأن الله تعالى يعصمك من الناس {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } العادلين. {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ } تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به. «فيها حكم الله» حال من التوراة وهي مبتدأ وخبره «عندهم» {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } عطف على «يحكمونك» أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } بك أو بكتابهم كما يدعون. {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى } يهدي للحق {وَنُورٌ } يبين ما استبهم من الأحكام {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } انقادوا لحكم الله في التوراة وهو صفة أجريت للنبيين على سبيل المدح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود لأنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم {لِلَّذِينَ هَادُواْ } تابوا من الكفر، واللام يتعلق بـ «يحكم» {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأحْبَارُ } معطوفان على «النبيون» أي الزهاد والعلماء {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ } استودعوا، قيل: ويجوز أن يكون بدلاً من «بها» في «يحكم بها» {مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } «من» للتبيين والضمير في «استحفظوا» للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه، أو لـ «الربانيون والأحبار» ويكون الاستحفاظ من الأنبياء {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } رقباء لئلا يبدل {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ } نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل خشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد {وَٱخْشَوْنِ } في مخالفة أمري وبالياء فيهما: سهل وافقه أبو عَمرو في الوصل {وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه {ثَمَناً قَلِيلاً} وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } مستهيناً به {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: من لم يحكم جاحداً فهو كافر، وإن لم يكن جاحداً فهو فاسق ظالم. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو عام في اليهود وغيرهم. {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } وفرضنا على اليهود في التوراة {أَنَّ ٱلنَّفْسَ } مأخوذة {بِٱلنَّفْسِ } مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق {وَٱلْعَيْنَ } مفقوءة {بِٱلْعَيْنِ وَٱلأنْفَ } مجدوع {بِٱلأنْفِ وَٱلأذُنَ } مقطوعة {بِٱلأذُنِ وَٱلسّنَّ } مقلوعة {بِٱلسِّنّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } أي ذات قصاص وهو المقاصة ومعناه ما يمكن فيه القصاص وإلا فحكومة عدل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت. وقوله «أن النفس بالنفس» يدل عى أن المسلم يقتل بالذمي والرجل بالمرأة والحر بالعبد. نصب نافع وعاصم وحمزة المعطوفات كلها للعطف على ما عملت فيه «أن». ورفعها عليٌّ للعطف على محل «أن النفس» لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس إجراء لـ «كتبنا» مجرى «قلنا»، ونصب الباقون الكل ورفعوا الجروح. والأذن بسكون الذال حيث كان: نافع. والباقون: بضمها وهما لغتان كالسحت والسحت {فَمَن تَصَدَّقَ } من أصحاب الحق{ به} بالقصاص وعفا عنه { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه قال عليه السلام « حديث : من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولدته أمه»تفسير : {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بالامتناع عن ذلك. {وَقَفَّيْنَا } معنى قفيت الشيء بالشيء جعلته في أثره كأنه جعل في قفاه يقال قفاه بقفوه إذا تبعه {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } عى آثار النبيين الذين أسلموا {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدّقاً } هوحال من «عيسى» {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وآتيناه الإِنجيل فيه هُدىً ونورٌ ومُصَدَّقاً لَّما بين يديه من التوراة } أي وآتيناه الإنجيل ثابتاً فيه هدى ونور ومصدقاً، فنصب «مصدقاً» بالعطف على ثابتاً الذي تعلق به فيه وقام مقامه فيه. وارتفع «هدى ونور» بثابتاً الذي قام مقامه فيه { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } انتصبا على الحال أي هادياً وواعظاً {لّلْمُتَّقِينَ } لأنهم ينتفعون به {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } وقلنا لهم احكموا بموجبه، فاللام لام الأمر وأصله الكسر، وإنما سكن استثقالاً لفتحة وكسرة وفتحة. «وليحكم» بكسر اللام وفتح الميم: حمزة على أنها لام كي أي وقفينا ليؤمنوا وليحكم. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } الخارجون عن الطاعة. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافراً ظالماً فاسقاً، لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر. وقيل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله. {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } أي القرآن فحرف التعريف فيه للعهد {بِٱلْحَقّ } بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ {مُصَدّقاً } حال من «الكتاب» {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما تقدمه نزولاً. وإنما قيل لما قبل الشيء هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } المراد به جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس، ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } تفسير : [الأنبياء: 25] {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } وشاهداً لأنه يشهد له بالصحة والثبات {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } أي بما في القرآن {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ } نهى أن يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتماداً على قولهم. ضمّن ولا تتبع معنى ولا تنحرف فلذا عدي بـ «من» فكأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم، أو التقدير عادلاً عما جاءك {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } أيها الناس {شِرْعَةً } شريعة {وَمِنْهَـٰجاً } وطريقاً واضحاً. واستدل به من قال إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا. ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام، ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام، ثم إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وبين أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به فقال في الأول «يحكم به النبيون» وفي الثاني «وليحكم أهل الإنجيل» وفي الثالث «فاحكم بينهم بما أنزل الله» {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } جماعة متفقة على شريعة واحدة {ولكن} أراد { لِيَبْلُوَكُمْ } ليعاملكم معاملة المختبر {فِى مآءتٰكُم } من الشرائع المختلفة فتعبّد كل أمة بما اقتضته الحكمة { فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرٰتِ } فابتدروها وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة. والمراد بالخيرات كل ما أمر الله تعالى به {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات {جَمِيعاً } حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه في تقدير: إليه ترجعون {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل. {وَأَنِ ٱحْكُم } معطوف على «بالحق» أي وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم {بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ } أي يصرفوك وهو مفعول له أي مخافة أن يفتنوك. وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم {عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع «ببعض ذنوبهم» موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي، وفيه تعظيم الذنوب فإن الذنوب بعضها مهلك فكيف بكلها! {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ } لخارجون عن أمر الله {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } يطلبون. وبالتاء شامي يخاطب بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : القتلى سواء»تفسير : فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية. وناصب «أفحكم الجاهلية يبغون» {وَمَنْ أَحْسَنُ } مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن {مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً } هو تمييز. واللام في {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للبيان كاللام في {أية : هَيْتَ لَكَ }تفسير : [يوسف: 23] أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام «لقوم يوقنون» فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه. وقال أبو علي: معنى لقوم عند قوم لأن اللام و«عند» يتقاربان في المعنى. ونزل نهياً عن موالاة أعداء الدين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {سماعون للكذب أكّالون للسحت} نزلت في حكام اليهود مثل كعب بن الأشرف ونظرائه كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه ثم يريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيسمع الكذب ويأكل الرشوة وهي السحت وأصل السحت الاستئصال يقال: سحته إذا استأصلته وسميت الرشوة في الحكم سحتاً، لأنها تستأصل دين المرتشي. والسحت كله حرام يحمل عليه شدة الشره وهو يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا تكون له بركة ولا لآخذه مروءة ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه لا محالة ومعلوم أن حالة الرشوة كذلك فلذلك حرمت الرشوة على الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الراشي والمرتشي في الحكم" تفسير : أخرجه الترمذي وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحسن: إنما ذلك في الحاكم إذا رشوته ليحق لك باطلاً أو يبطل عنك حقاً وقال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء فمن شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يدفع بها ظلماً فأهدى بها إليه فقبل فهو سحت. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم كفر قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. قوله عز وجل: {فإن جاؤوك} يعني اليهود {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك سيئاً} خيَّر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم فإن شاء حكم وإن شاء ترك قال الحسن ومجاهد والسدي نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وقال قتادة: نزلت في رجلين من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر. قال ابن زيد: كان حيي بن أخطب قد جعل للنضير ديتين وللقرظي دية واحدة لأنه كان من بني النضير فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حيي ونتحاكم إلى محمد فأنزل الله هذه الآية يخير نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم. (فصل) اختلف علماء التفسير في حكم هذه الآية على قولين: أحدهما أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيراً فإن شاء حكم بينهم وإن شاء عرض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله} تفسير : [المائدة: 49] فلزمه الحكم بينهم وزال التخير هذا القول مروي عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي. والقول الثاني: إنها محكمة وحكام المسلمين بالخيار إذا ترافعوا إليهم فإن شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا أعرضوا عنهم وهذا القول مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري وبه، قال أحمد: لأنه لا منافاة بين الآيتين. أما قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ففيه التخيير بين الحكم والإعراض. وأما قوله {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله} تفسير : [المائدة: 49] ففيه كيفية الحكم إذا حكم بينهم قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهب الشافعي، إنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه لأن إمضاء حكم الإسلام صغاراً لهم. فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك وهو التخيير المذكور في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين وأما إذا تحاكم مسلم وذمي وجب على الحاكم بينهم لا يختلف القول فيه لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة والله أعلم. قوله تعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} يعني بالعدل والاحتياط {إن الله يحب المقسطين} يعني العادلين فيما ولوا وحكموا فيه (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" تفسير : هذا من أحاديث الصفات فمن العلماء من قال فيه وفي أمثاله: نؤمن بها ولا نتكلم في تأويلها ولا نعرف معناها لكن نعتقد أن ظاهرها غير مراد وأن لها معنى يليق بالله. هذا مذهب جماهير السلف وطوائف من المتكلمين. ومنهم من قال: إنها تؤول بتأويل يليق بها وهذا قول أكثر المتكلمين. فعلى هذا قال القاضي عياض: المراد بكونه عن اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين وضده إلى اليسار قالوا واليمين مأخوذة من اليمن وقوله وكلتا يديه يمين مبني على أنه ليس المراد باليمين الجارحة تعالى الله عن ذلك فإنها مستحيلة في حقه تعالى وقوله {وما ولوا} بفتح الواو وضم اللام المخففة هكذا ذكره الشيخ محيي الدين في شرح مسلم. قال: ومعناه وما كانت له عليه ولاية وهذا الفضل لمن عدل فيما تقلده من الأحكام والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}: يجُوزُ أن يكُونَ مُكَرَّراً للتَّوْكيدِ إنْ كان مِنْ وصف المنافقينَ، وغَيْرَ مُكرَّرٍ إنْ كانَ مِنْ وصف بَنِي إسْرائيلِ. وإعْرَابُ مفرداتِهِ تقدَّم، ورفْعُه على خبرِ ابْتَداءٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هُمْ سمَّاعون. وكذلك "أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ" في "اللاَّمِ" الوجهانِ المذكورانِ في قوله: "لِلْكَذِبِ". و"السُّحْتُ" الحَرَامُ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُذْهِبُ البَرَكَةَ ويَمْحَقُها، يُقالُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ: أيْ: أهْلكهُ وأذهَبَهُ. قال الزَّجَّاجُ: أصلُهُ مِنْ: سَحَتُّهُ إذ اسْتَأصَلته، قال تعالى: {أية : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} تفسير : [طه: 62] أيْ: يَسْتأصلهمْ، أوْ لأنَّه مَسْحوتُ البَرَكَةِ. قال الله تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} تفسير : [البقرة: 276]. وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: إنَّهُ حرامٌ يحصلُ مِنْه العار. وعن الفرَّاءِ: "السُّحْتُ": شدَّةُ الجُوعِ، يُقال: رجلٌ مَسْحُوتُ المعدةِ إذا كان أكُولاً، لا يُلْفَى إلاَّ جائعاً أبداً وهو راجعٌ إلى الهلكة. وقد قُرِئ قوله تعالى: "فَيُسْحِتَكُمْ" بالوجهين: مهن سَحَتُّهُ، وأسْحَتُّهُ. وقال الفرزدقُ: [الطويل] شعر : 1968- وعَضُّ زَمَانٍ يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ تفسير : وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ: "السُّحْت" بضَمِّ السِّينِ وسكون الحاء، والباقون بضمهما، وزيد بن علي، وخارجة بن مصعب عن نافع بالفتح وسكون الحاء، وعبيد بن عمير بالكسر والسكون وقُرئ بفَتْحتيْنِ، فالضمتانِ: اسمٌ للشيء المسحُوتِ، والضمةُ والسكونُ تخفيفُ هذا الأصْلِ، والفتحتانِ والكَسْرِ والسُّكُونِ اسمٌ له أيضاً. وأمَّا المفتوحُ السينِ السَّاكن الحاءِ، فمصدرٌ أُريدَ بِهِ اسمُ المفعولِ، كالصَّيْد بمعنى المصيدِ، ويجوزُ أنْ يكُونَ تَخْفِيفاً مِنَ المَفتُوحِ، وهُوَ ضعيفٌ. والمرادُ بالسُّحْتِ: الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغِيّ، وعَسِيبُ الفَحْلِ، وكَسْبُ الحجامِ، وثَمنُ الكَلْبِ، وثمنُ الخمرِ، وثمنُ المَيْتَةِ، وحُلوانُ الكَاهِنِ، والاستعجالُ في المعصية، رُوِيَ ذلك عَنْ عُمَرَ وعَليٍّ وابن عباسٍ وأبِي هُريرةَ ومجاهدٍ، وزاد بعضهُم، ونقص بعضهم. وقال الأخْفَش: السُّحْتُ كُلُّ كَسْبٍ لا يَحقُّ. فصل قال الحسنُ: كان الحاكِمُ منهم إذا أتاهُ أحَدٌ برشْوَةٍ جعلها في كُمِّهِ، فَيُريها إيَّاهُ، وكان يَتَكلَّمُ بحاجتِهِ، فَيُسْمعُ مِنْه، ولا ينظرُ إلى خَصْمهِ، فَيَسْمَعُ الكذبَ، ويأكُلُ الرشْوَةَ. وقال أيضاً: إنَّما ذلك في الحُكْم إذا رشوتَهُ ليحقَّ لك باطلاً، أو يُبْطل عنك حقاً، فأمَّا أنْ يُعْطِيَ الرجلُ الوالِيَ يَخافُ ظُلْمَهُ لِيَدْرَأ به عَن نفسه فلا بأسَ، والسُّحْتُ هو الرَّشْوَةُ فِي الحكمِ على قول الحسن وسُفيانِ وقتادةَ والضَّحَّاكِ. وقال ابنُ مسعودٍ - رضي الله عنه - هو الرشوةُ في كُلِّ شيْءٍ، مَنْ يشفعُ شفاعَةً ليَرُدَّ بِهَا حَقًّا أو يدفَعَ بها ظُلْماً، فأهدي له فَقَبِلَ، فهو سُحْتٌ. فقيل له: يا أبَا عَبْد الرَّحْمنِ، ما كُنَّا نَرَى ذلك إلاَّ الأخْذَ على الحُكْمِ، فقال: الأخذُ على الحُكْمِ كُفْرٌ؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44]. وقال بَعْضُهُم: كان فقراؤهُم يأخُذُونَ مِنْ أغْنِيائِهم مالاً ليقيمُوا على ما هُمْ عليه من اليَهُوديَّة، فالفقراءُ كانُوا يسمعُونَ أكاذيبَ الأغنياءِ، ويأكُلُونَ السُّحْتَ الذي يأخذوه مِنْهُم. وقيل: سمَّاعُون للأكاذِيبِ التي كانوا يَنْسِبُونَها إلى التوراةِ، أكَّالُونَ لِلرِّبَا لقوله تعالى: {أية : وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [النساء: 161]. وقال عمرُ بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - رَشْوَةُ الحاكم من السُّحْتِ. وعن رسُولِ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه قال:" حديث : كُلُّ لَحْمٍ نبتَ بالسُّحْتِ فالنَّارُ أوْلَى به" قالُوا: يا رسولَ الله، ومَا السُّحْتُ؟ قال: "الرشوةُ في الحُكْمِ ". تفسير : وعن ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أيْضَاً أنَّهُ قال: السحتُ أنْ يَقْضِيَ الرجلُ لأخيه حَاجَةً، فيُهْدِي إلَيْهِ هديَّةً فَيَقْبَلهَا. وقال بعضُ العلماءِ: من السحتِ أنْ يأكلَ الرجلُ بجاهِهِ، بأنْ يكون للرجل حاجةٌ عند السلطانِ، فيسألَهُ أنْ يَقْضِيَها له، فلا يَقْضِيهَا له إلاَّ بِرشْوَةٍ يأخُذُها. انتهى. وقال أبُو حَنيفَةَ [- رضي الله عنه -]: إذا ارْتَشَى الحاكمُ انعزَلَ في الوقْتِ، وإنْ لم يُعزلْ بطلَ كُلُّ حُكْمٍ حَكَمَ به بَعْدَ ذلك. قال القرطُبي: وهذا لا يجوزُ أن يُخْتلفَ فيه إنْ شاء الله؛ لأنَّ أخْذَ الرشوة فِسْقٌ والفاسِقُ لا يَنْفُذُ حُكْمُهُ. قوله تعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}. خيَّره تعالى بَيْنَ الحُكْمِ وبَيْنَ الإعراضِ عنهم، واختلفُوا فيه على قولَيْنِ: الأولُ: أنَّهُ في أمرٍ خاصٍّ، ثُم اختلف هؤلاءِ. فقال ابنُ عباسٍ، والحسنُ، والزهريُّ - رضي الله عنهم -: إنَّهُ في أمر زنا المُحْصَنِ، وقيل: في قَتيلٍ قُتل من اليهودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِير كما تقدم، فتحاكمُوا إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فجعل الدِّيَّةَ سَواءً. وقيل: هذا التخييرُ مُخْتص بالمعاهدينَ الذين لا ذمَّةَ لهم، فإن شاء حكم بينهم، وإنْ شاء أعْرض عنْهُم. والقول الثاني: أنَّ الآيةَ عامةٌ في كل مَنْ جاء من الكُفار، ثم اختلفُوا: فمنهم من قال: إنَّ الحُكمَ ثابتٌ في سَائِرِ الأحكامَ غيرُ منسُوخٍ وهو قولُ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وقتادة، وعطاء، وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ. وحكامُ المسلمينِ بالخيارِ في الحُكم بين أهْل الكتابِ، ومنهم مَنْ قال: إنه منسوخٌ بقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 49] وهو قولُ ابن عباسٍ، والحسنِ، ومجاهد، وعكرِمَة [رضي الله عنهم]، ومذهبُ الشافعيِّ - رضي الله عنه - أنَّه يجبُ على حاكمِ المسلمينَ أنْ يحكمَ بينَ أهْل الذِّمَةِ إنْ تَحاكمُوا إليه، لأنَّ في إمضاء حُكْمِ الإسلام علَيْهم صَغَاراً لَهُم. فأمَّا المعاهدُ إلى مُدَّةٍ، فلا يجبُ على الحاكمِ أنْ يحكمَ بينهم، بل يتخيَّرُ في ذلك. قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: لم يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلاَّ آيتَانِ: قوله تعالى: {أية : لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 2] نسخَهَا قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5]. وقوله تعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسخها قوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 49] فأمَّا إذا تحاكَمَ مسلمٌ وذميٌّ يجبُ علينا الحكمُ بَيْنَهُمَا بلا خلافٍ، لأنَّهُ لا يجُوزُ للمسلم الانقيادُ لحكم أهْلِ الذِّمَّةِ. ثُمَّ قال: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} والمعنى أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا لم يحكم بينهم وأعرض عنهم شق عليهم، وصاروا أعداءً لَهُ، فبين تعالى أنَّهُ لا تَضره عداوتُهُمْ له. ثُمَّ قال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ} أيْ بالعَدْلِ: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أيْ: العادِلينَ.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر التحريف، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكرراً لوصفهم زيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم: {سمّاعون} أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم ذلك {للكذب أكّالون} أي على وجه المبالغة {للسحت} أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها، وهو كل ما لا يحل كسبه، وذلك أخذهم الرشى ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله، قال الشيخ أبو العباس المرسي: ومن آثر من الفقراء السماع لهواه، وأكل ما حرمه مولاه، فقد استهوته نزعة يهودية، فإن القوال يذكر العشق والمحبة والوجد وما عنده منها شيء. ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على من لعله يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا: ليس هذا في ديننا - طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، وحذره غوائل مكرهم، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب: {فإن جاءوك} أي طمعاً في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم {فاحكم بينهم} أي إن شئت بما أنزل الله عليك من الحق {أو أعرض عنهم} أي كذلك. ولما كان قوله: {وإن} دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير: فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم، قال: وإن {تعرض عنهم} أي الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين {فلن يضروك شيئاً} أي إعراضك عنهم واستهانتك بهم. ولما كان التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولاً، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك، علَّمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفاً على ما قدرته: {وإن حكمت} أي فيهم {فاحكم} أي أوقع الحكم {بينهم بالقسط} أي العدل الذي أراكه الله - على أن الآية ليست في أهل الذمة، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المقسطين} أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً. ولما كان التقدير: فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل، عطف عليه قوله معجباً منهم موبخاً لهم: {وكيف يحكمونك} أي في شيء من الأشياء {وعندهم} أي والحال أنه عندهم {التوراة} ثم استأنف قوله: {فيها حكم الله} أي الذي لا يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقرراً في شرعهم أنه لا يسوغ خلافه، فإن كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على زعمهم، وإن كانوا لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك كانوا قد آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيماً، وكان وقوعه ممن يدعي أنه مؤمن به بعيداً عظيماً شديداً، قال: {ثم يتولون} أي يكلفون أنفسهم الإعراض عنه سواء تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية، ولما كان المراد بالحكم الجنس، وكانوا يفعلون بعض أحكامها فلم يستغرق زمان توليهم زمان البعد، أدخل الجار لذلك فقال: {من بعد ذلك} أي الأمر العالي وهو الحكم الذي يعلمون أنه حكم الله، فلم يبق تحكيمهم لك من غير إيمان بك إلا تلاعباً. ولما كان التقدير: فما أولئك بالمريدين للحق في ترافعهم إليك، عطف عليه قوله: {وما أولئك} أي البعداء من الله {بالمؤمنين *} أي العريقين في صفة الإيمان بكتابهم ولا بغيره مما يستحق الإيمان به، لأنهم لو كانوا عريقين في ذلك آمنوا بك لأن كتابهم دعا إليك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت‏} ‏ وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت‏} ‏ قال‏:‏ تلك أحكام اليهود يسمع كذبه ويأخذ رشوته‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال‏:‏ السحت الرشوة في الدين‏.‏ قال سفيان‏:‏ يعني في الحكم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمته أو يرد عليه حقاً، فاهدى له هدية فقبلها فذلك السحت‏.‏ فقيل‏:‏ يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم، فقال عبد الله‏:‏ ذلك الكفر ‏{‏أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 44‏]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في سننه عن ابن عباس أنه سئل عن السحت فقال‏:‏ الرشا‏.‏ قيل‏:‏ في الحكم‏؟‏ قال‏:‏ ذلك الكفر، ثم قرأ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏} [‏المائدة: 44‏]. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود أنه سئل عن السحت، أهو الرشوة في الحكم‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ‏{أية : ‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 45‏]‏ الفاسقون، ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله، فذلك السحت‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال‏:‏ قلت لعمر بن الخطاب‏:‏ أرأيت الرشوة في الحكم، أمن السحت هي‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكن كفراً، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون إلى السلطان حاجة، فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : رشوة الحكام حرام، وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به‏. قيل‏:‏ يا رسول الله، وما السحت‏؟‏ قال‏: الرشوة في الحكم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت‏.‏ أنه سئل عن السحت فقال‏:‏ الرشوة‏. وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب‏.‏ أنه سئل عن السحت فقال‏:‏ الرشا‏.‏ فقيل له‏:‏ في الحكم‏؟‏ قال‏:‏ ذاك الكفر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر قال‏:‏ بابان من السحت يأكلهما الناس‏.‏ الرشا في الحكم، ومهر الزانية‏. وأخرج أبو الشيخ عن علي قال‏:‏ أبواب السحت ثمانية‏:‏ رأس السحت رشوة الحاكم، وكسب البغي، وعَسَبُ الفحل، وثمن الميتة، وثمن الخمر، وثمن الكلب، وكسب الحجام، وأجر الكاهن‏. وأخرج عبد الرزاق عن طريف قال‏:‏ مر علي برجل يحسب بين قوم بأجر، وفي لفظ‏:‏ يقسم بين ناس قسماً فقال له علي‏:‏ إنما تأكل سحتاً‏. وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ من السحت مهر الزانية، وثمن الكلب إلا كلب الصيد، وما أخذ من شيء في الحكم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏هدايا الأمراء سحت‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ست خصال من السحت‏:‏ رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله، وثمن الكلب، وعسب الفحل، ومهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن طاوس قال‏:‏ هدايا العمال سحت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال‏ ‏"‏حديث : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر أهدوا له فروة، فقال‏: سحت‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ‏"‏لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي‏"‏‏. وأخرج أحمد والبيهقي عن ثوبان قال‏:‏ ‏"‏لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش، يعني الذي يمشي بينهما‏"‏‏. وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به مغلولة يده، فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه، وإن حكم بغير ما أنزل الله ارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي في جهنم، فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ، والبخس بالصدقة، والسحت بالهدية، والقتل بالموعظة، يقتلون البريء لتوطى العامة لهم فيزدادوا إثماً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من السحت‏:‏ كسب الحجام، وثمن الكلب، وثمن القرد، وثمن الخنزير، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وثمن الدم، وعسب الفحل، وأجر النائحة، وأجر المغنية، وأجر الكاهن، وأجر الساحر، وأجر القائف، وثمن جلود السباع، وثمن جلود الميتة، فإذا دبغت فلا بأس بها، وأجر صور التماثيل، وهدية الشفاعة، وجعلة الغزو‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن شقيق قال‏:‏ هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ آيتان نسختا من هذه السورة - يعني من المائدة - آية القلائد، وقوله ‏{‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏} ‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم، فنزلت ‏{أية : ‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتَّبع أهواءهم‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 49‏]‏ قال‏:‏ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا‏"‏‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏} ‏ قال‏:‏ نسختها هذه الآية ‏{أية : ‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 49‏]‏‏. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة‏.‏ مثله‏. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن شهاب‏.‏ أن الآية التي في سورة المائدة ‏ {‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم‏}‏ كانت في شأن الرجم‏. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏"‏أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها ‏ {‏فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏المقسطين‏} ‏ إنما أنزلت في الدية من بني النضير وقريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يريدون الدية كاملة، وأن بني قريظة كانوا يريدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق، فجعل الدية سواء‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا‏:‏ ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا‏:‏ بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه، فنزلت ‏ {‏وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط‏}‏ والقسط‏.‏ النفس بالنفس، ثم نزلت ‏{أية : ‏أفحكم الجاهلية يبغون‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 50‏]‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏} ‏ قال‏:‏ يوم نزلت هذه الآية كان في سعة من أمره، إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، ثم قال ‏ {‏وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا‏ً} ‏ قال‏:‏ نسختها ‏{أية : ‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 49‏]‏. وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن الشعبي في قوله ‏{‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏} ‏ قال‏:‏ إن شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم والشعبي قالا‏:‏ إذا جاؤوا إلى حاكم من حكام المسلمين، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء في الآية قال‏:‏ هو مخيَّر‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في أهل الذمة يرتفعون إلى حكام المسلمين قال‏:‏ يحكم بينهم بما أنزل الله‏. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال‏:‏ أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى المسلمين حكم عليهم بحكم المسلمين‏. ‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن إبراهيم التيمي ‏ {‏وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط‏}‏ قال‏:‏ بالرجم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك في قوله ‏ {‏إن الله يحب المقسطين‏} ‏ قال‏:‏ المعدلين في القول والفعل‏. وأخرج عبد الرزاق عن الزهري في الآية قال‏:‏ مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه، فيحكم بينهم بكتاب الله، وقد قال لرسوله ‏ {‏وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط‏} ‏‏.

ابو السعود

تفسير : {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} خبرٌ آخرُ للمبتدأ المقدّر كُرِّر تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده من قوله تعالى: {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ} وهو أيضاً خبرٌ آخرُ للمقدَّر واردٌ على طريقة الذم، أو بناءً على أن المراد بالكذِب ما يفتعله الراشون عند الأكّالين، والسُحْت بضم السين وسكون الحاء في الأصل كلُّ ما لا يحِلُّ كسبُه، وقيل: هو الحرام مطلقاً من سَحَتَه إذا استأصله، سمي به لأنه مسحوتُ البركة، والمراد به هٰهنا إما الرِّشا التي كان يأخذها المحرِّفون على تحريفهم وسائرِ أحكامِهم الزائغة، وهو المشهور، أو ما كان يأخذه فقراؤهم من أغنيائهم من المال ليُقيموا على اليهودية كما قيل، وإما مطلقُ الحرام المنتظِمِ لما ذُكر انتظاماً أولياً، وقرىء (للسُحُت) بضم السين والحاء وبفتحهما وبفتح السين وسكون الحاء وبكسر السين وسكون الحاء، وعن النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : كلُّ لحمٍ أنبتَه السُّحْتُ فالنار أولى به"تفسير : . {فَإِن جَاءوكَ} لما بـيَّن تفاصيلَ أمورِهم الواهية وأحوالَهم المختلفةَ الموجبة لعدم المبالاة بهم وبأفاعيلهم حسبما أُمر به عليه الصلاة والسلام خوطب عليه الصلاة والسلام ببعض ما يُبتنىٰ عليه من الأحكام بطريق التفريع، والفاء فصيحة، أي وإذا كان حالُهم كما شُرح فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجَرَ بـينهم من الخصومات {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} غيرَ مبالٍ بهم ولا خائفٍ من جهتهم أصلاً، وهذا كما ترى تخيـيرٌ له عليه الصلاة والسلام بـين الأمرين، فقيل: هو في أمرٍ خاصّ هو ما ذُكر من زنا المحصَن، وقيل: في قتيل قُتل من اليهود في بني قُريظةَ والنضيرِ، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بنو قريظة: إخوانُنا بنو النضير، أبونا واحد ودينُنا واحد، وإذا قَتَلوا منا قتيلاً لم يرضَوْا بالقَوَد وأعطَوْنا سبعين وَسْقاً من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتلَ وأخذوا منا الضِّعفَ مائة وأربعين وسقاً من تمر، وإن كان القتيلُ امرأةً قتلوا بها الرجلَ منا وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبدِ منهم الحرَّ منا، فاقضِ بـيننا. فجعل عليه الصلاة والسلام الدية سواءً، وقيل: هو عام في جميع الحكومات، ثم اختلفوا فمن قائل إنه ثابت وهو المرويُّ عن عطاءٍ والنَخَعيِّ والشَعْبـيِّ وقَتادةَ وأبـي بكرٍ الأصمِّ وأبـي مسلم، وقائلٍ إنه منسوخ وهو قول ابنِ عباس والحسن ومجاهد وعِكْرِمة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يُنسخْ من المائدة إلا آيتان: قولُه تعالى: {أية : لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة، الآية 2] نسخَها قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [التوبة، الآية 5] وقوله تعالى: {فَإِن جَاءوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسخَها قوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة، الآية 49] وعليه مشايخُنا {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ} بـيانٌ لحال الأمرين إثْرَ تخيـيرِه عليه الصلاة والسلام بـينهما، وتقديمُ حالِ الإعراض للمسارعة إلى بـيانِ أن لا ضررَ فيه حيث كان مظِنةُ الضرر لِما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه عليه الصلاة والسلام إلا لطلبِ الأيسر والأهونِ عليهم، فإذا أعرض عنهم وأبىٰ الحكومةَ بـينهم شق ذلك عليهم، فتشتد عداوتُهم ومضارّتُهم له عليه الصلاة والسلام، فأمَّنه الله عز وجل بقوله: {فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} من الضرر فإن الله عاصمُك من الناس. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ} بالعدل الذي أُمرت به كما حكمت بالرجم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} ومن ضرورته أن يحفَظَهم عن كل مكروهٍ ومحذور.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [الآية: 42]. قال بعضهم: سمَّاعون للدعاوى الباطلة، أكَّالون للسحت يعنى: أكَّالون بدينهم.

القشيري

تفسير : يعني إنهم طرحوا حشمة الدِّين، وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا بالأعواض النذرة، فإذا تحاكموا إليك فأُحلِلْهم من حِلْمك على ما يستحق أمثالهم من الأزال، وأنت مُخيرٌ فيما تريد؛ فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار لك. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}: الإقساط الوقوف على حدِّ الأمر من غير (حَنَفِ) إلى الحظ.

اسماعيل حقي

تفسير : {سماعون للكذب} تكرير لما قبله {اكالون للسحت} اى الحرام كالرشى من سحته اذا استأصله لانه مسحوت البركة {فان جاؤك} الفاء فصيحة اى واذا كان حالهم كما شرح فان جاؤك متحاكمين اليك فيما شجر بينهم من الخصومات {فاحكم بينهم او اعرض عنهم وان تعرض عنهم} بيان لحال الامرين اثر التخيير {فلن يضروك شيأ} من الضرر بان يعادوك لاعراضك عنهم فان الله يعصمك من الناس {وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط} بالعدل الذى امرت به كما حكمت بالرجم {ان الله يحب المقسطين} العادلين فيحفظهم من كل مكروه ومحذور ويعظم شأنهم وفى الحديث "حديث : المقسطون عند الله على منابر من نور ".

الطوسي

تفسير : قرأ السحت - بضم السين والحاء - ابن كثير وأهل البصرة والكسائي وأبو جعفر (ع) الباقون باسكان الحاء. وقوله: {سماعون للكذب} وصف لهؤلاء اليهود الذين تقدم وصفهم. ورفعه كما رفع سماعون الأول سواء، لانه صفة بعد صفة. وقد يجوز النصب في الموضعين على القطع لكن لم يقرأ به، وقد فسرنا معنى الكذب. وقوله: {أكالون للسحت} معناه أنه يكثر أكلهم للسحت، وهو الحرام. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : السحت الرشوة في الحكم" تفسير : وفي السحت لغتان ضم الحاء وإِسكانها. وقد قرىء بهما على ما بيناه، فالسحت اسم للشئ المسحوت وليس بمصدر، والمصدر بفتح السين. وقال الحسن سمعوا كذبه وأكلوا رشوته. وقال ابن مسعود وقتادة وابراهيم ومجاهد والضحاك والسدي: السحت الرشى وروي عن علي (ع) أنه قال: (السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل، وكسب الحجّام، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن والاستعجال في المعصية). وروي عن ابي هريرة مثله. وقال مسروق سألت عبد الله عن الجور في الحكم قال: ذلك الكفر، وعن السحت فقال الرجل يقضي لغيره الحاجة فيهدي له الهدية. وأصل السحت الاستئصال اسحت الرَّجل إِسحاتاً وهو أن يستأصل كل شئ يقال: سحته وأسحته اذا استأصله. وأذهبه. قال الفرزدق: شعر : وعض زمان يابن مروان لم يدع من المال إِلا مسحتاً أو مجلف تفسير : ويقال للحالق: اسحت أي استأصل، ومنه قوله: {أية : فيسحتكم بعذاب } تفسير : أي يستأصلكم به وفلان مسحوت المعدة اذا كان أكولاً شرهاً. وقد اسحت ماله إِذا أفسده وأذهبه. ففي اشتقاق السحت أربعة أقوال: قال الزجاج لانه يعقب عذاب الاستئصال والبوار. وقال أبو علي هو حرام لا بركة فيه لأهله، لأنه يهلك هلاك الاستئصال، وقال الخليل هو القبيح الذي فيه العار نحو ثمن الكلب والخمر فعلى هذا يسحت مروَّة الانسان. وقال بعضهم حرام يحمل عليه الشره، فهو كشره المسحوت المعدة. وقوله: {فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن شهاب: خيره الله تعالى في الحكم بين اليهود في زناء المحصن، وفي رواية اخرى عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد أنه خيره في الحكم بينهم في قتيل قتل من اليهود. وكلا القولين قد رواه أصحابنا على ما قدمناه. وروي أن علياً (ع) دخل في بيت المال فأفرط فيه ثم قال لا أمسي وفيك درهم ثم أمر رجلا فقسمه بين الناس، فقيل له لو عوضته شيئاً، فقال إِن شاء لكنه سحت وفي اختيار الحكام، والأئمة الحكم بين أهل الذمة إِذا احتكموا اليهم قولان: أحدهما - قال ابراهيم الشعبي وقتادة وعطاء والزجاج، والطبري، وهو المروي عن علي (ع) والظاهر في رواياتنا أنه حكم ثابت والتخيير حاصل. وقال الحسن وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والحكم، وجعفر بن مبشر، واختاره الجبائي: أنه منسوخ بقوله {أية : وأن أحكم بينهم بما أنزل الله }تفسير : فنسخ الاختيار وأوجب الحكم بينهم بالقسط، وهو العدل يقال أقسط إِقساطاً إِذا عدل {إن الله يحب المقسطين} يعني العادلين، وقسط يقسط قسوطاً اذا جار. ومنه قوله: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً } تفسير : أي الجائرون وقوله: {وإِن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً} أي لا يقدرون لك على ضر في دين، ولا دنياً، فدع النظر ان شئت وإِن حكمت فاحكم بما أنزل الله.

اطفيش

تفسير : {سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ}: كرر للتأكيد أن جعلناه فى حق المنافقين واليهود ومنافقى اليهود، ولك أن تجعله مستأنفاً فى وصف اليهود، فلا تكرير ويدل قوله: {أَكَّالُونَ لِلسُّحتِ}: لأن المتبادر فى ذلك الزمان أن أكل السحت فعل اليهود، يأكلون المال على الرشوة والكتمان والتحريف، والسحت المال الحرام، سمى لأنه مسحوت البركة، ولأنه سحت الدين والمروءة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى ويعقوب، بضم الحاء والسين وهو لغة، قرىء بفتح السين والحاء وبفتحها مع اسكان الحاء والمعنى واحد، وقرىء بفتح السين واسكان الحاء على المصدرية، أى المال السحت، أو سمى المال الحرام باسم القطع وهو السحت بالفتح والاسكان مبالغة، كأنه نفس القطع. فالسحت بالضم المال الآتى بطريق الرشوة فى الحكم، وكتم الحق، والتحريف والشفاعة فى حدود الله وبالربا، وبوجه من وجوه الحرام كله كالزناء والكهانة والدلالة على نفس أو مال، وتحليل الحلال، وتحريم الحرام، وهما من التحريف. قال الحسن: كان الحاكم فى بنى اسرائيل اذا أتاه أحد برشوة جعلها فى كمه فأراها اياه، وتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر الى خصمه، فهو يسمع الكذب، ويأكل الرشوة يفسر بذلك سماعون للكذب، أكالون للسحت، ويلتحق بهؤلاء اليهود الفساق الفاعلون لذلك. كما روى أن عاملا قدم من علمه فجاءه قومه، فقدم اليه العراضة وجعل يحدثهم بما جرى له فى علمه، فقال أعرابى من قومه: نحن كما قال تعالى: {سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ أَكَالُونَ لِلسُّحتِ} وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به "تفسير : وفى الحديث: "حديث : لعن الله الراشى والمرتشى "تفسير : قال الحسن انما ذلك فى الحاكم اذا رشوته ليحق لك باطلا، أو يبطل حقاً، وقال ابن مسعود: الرشوة فى كل شىء ممن شفع شفاعة ليرد بها حقا، أو يدفع بها ظلماً، فأهدى اليه لذلك فقبل، فقيل يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك الا الأخذ على الحكم. {فَإِن جَآءُوكَ}: أى اليهود. {فَاحكُم بَيْنَهُم}: بالقرآن. {أَوْ أَعرِض عَنْهُم وَإِن تُعرِضْ عَنهُم فَلَن يَضُرُوكَ شَيئَا}: أى لن يضروك ضراً بقتال ولا ضرب، أو لن يضروك فى دينك ضراً أى ليس عليك فى الاعراض عنهم بشىء من الاثم، وغير اليهود من المشركين مثلهم، فان جاء مؤمن ومشرك وجب الحكم كما اذا جاء مؤمنان، وقيل ذلك فى غير أهل الذمة، وأما الذين كانوا فى الذمة يجب الحكم بينهم، أو وجب الذب عنهم، فذب بعضهم عن بعض، وذب عنهم غيرهم. وليست الآية فى أهل الذمة، والآية محكمة باقية الحكم لخبر: اذا جاءنا يهوديان حكمنا بينهما أو أعرضنا عنهما، ومثلهما نصرانيان وغيرهم من المشركين سواء من كان فى الذمة ومن لم يكن، ومثل هذا عن أحمد والنخعى والشعبى والحسن والزهرى، وذلك لأنهم ليسوا على دين الله، ولا حق لهم فى أمر الدين، ولو كانوا ذمة، وانما علينا رد الظلم عنهم اذا عاينا الظلم، وأقامت به البينة لا نصب الحكم بينهم، ليذكر كل منهم حجته. وقال الشافعى: يجب الحكم بين أهل الذمة لا بين المعاهدين الى مدة، وفى الحكم بين أهل الذمة اذلال لهم بامضاء حكم الاسلام، ويجيز فى المعاهد، وقيل: انه يجب الحكم بين أهل الكتاب كانوا فى الذمة أم لم يكونوا اذا ترافعوا الينا، وبه قال أبو حنيفة، وأن الآية منسوخة وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والسدى، والناسخ وأن احكم بينهم الآية، واعترض بأن قوله: {أية : وأن احكم بينهم } تفسير : بيان لكيفية الحكم أن احكم بينهم، واذا جاء مؤمن مع مشرك ذمى أو غيره وجب الحكم، لأن المؤمن لا يحاكم الى مشرك، ويجوز للحاكم أن يعرض عن المتحاكمين ممن يجب الحكم بينهم أو من غيرهم اذا كان أحد سواه يحكم بينهما، والقول بالنسخ هو قول أصحابنا فيما قيل. وعن مالك: لا يحكم بينهم فى غير المظالم كالرجم برضى أساقفتهم وأحبارهم، والحجازيون يقولون: لا تقام عليهم الحدود، لأنهم صولحوا على ما هو أعظم وهو الشرك، وأن الرجم المحكوم به عليهم قبل نزول الجزية. وعن الحسن ومجاهد والسدى: نزلت الآية فى اليهوديين اللذين زنيا، وقال قتادة: نزلت فى رجلين من قريظة والنضير قتل أحدهم الآخر، قال ابن زيد: جعل حيى بن أخطب دية النضيرى ديتين، ودية القريظى واحدة، وقيل كان النضير لا يقبلون عنهم الا القتل، ولكن ان رضوا بتركه فديتان، فقال قريظة: لا نرضى بذلك، بل نتحاكم الى محمد، فأنزل الله جل وعلا الآية تخييراً له صلى الله عليه وسلم. {وإِن حَكَمتَ}: بينهم أى أردت الحكم بينهم. {فَاحكُم بَينَهُم بِالقِسطِ}: بالعدل. {إِنَّ اللهَ يُحبُّ المُقسِطِينَ}: العادلين فيما لهم فيه ولاية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين يعدلون فى حكمهم وأهلهم وما ولو "تفسير : ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة، والعرب تذكر يمين فى الأمر الحسن، ودل لذلك قوله: "حديث : وكلتا يديه يمين "تفسير : والتأويل فى مثل ذلك هو الحق. وأما قول سلف الأشعرية فى مثل ذلك فانا نؤمن به وننزهه عن صفة الخلق، ونكل معناه الى الله ونقول: هو على معنى يليق به، وكذا طوائف من المتكلمين، فجمود وتعام عن الحق، ووافقنا متأخروهم فى التأويل، ومعنى ما ولوا ما لهم عليه ولاية بضم اللام والتخفيف من قولك: وليت الأمر اليه، وحب الله للعباد أن يفعل بهم لازم الحب فى الجملة، وهو أن يفعل بهم الخير فى الدنيا، ويعطيهم الجنة ويثنى عليهم ويعينهم ويحفظهم.

اطفيش

تفسير : {سَمَّاعُونَ لِلكَذِبِ} تأَكيد لما قبله وتمهيد لقوله: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} المال الحرام كالرشا لأَنه يسحت البركة من المال والعمر أي يقطعها وتنقطع منه، وقال الزجاج: لأَنه يعقبه الاستيصال، وقال الخليل لأَنه يسحت المروءَة عن صاحبه في حين كسبه قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل لحم نبت من سحت فالنار أَولى به: قيل: يا رسول الله ما السحت: قال الرشوة"تفسير : . قال جابر بن عبد الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هدايا الأُمراء سحت. قال صلى الله عليه وسلم: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشى بينهما" تفسير : ويجوز أَن يكون المعنى سماعون لكلام الخصم الراشي في الحكم فلا تأكيد لما قبله، ويناسبه ذكر أَكل السحت فتكون الآية في اليهود. قال الحسن: كثرت الرشوة في بني إِسرائيل حتى أَنه يجعل الخصم الرشوة في كمه فيريها الحاكم فيتكلم بحاجته ولا ينظر إِلى خصمه. وقيل ذكر تعليلاً لقوله تعالى:{أية : لهم في الدنيا خزى}تفسير : [البقرة: 114] وقيل الكذب هنا الدعوى الباطلة وفيما مر ما يفتريه الأحبار {فَإِنْ جَاءُوكَ} للحكم بينهم {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} بالقرآن {أَوْ أَعْرضْ عَنْهُمْ} زاد المحلى أَنك إِن أَعرضت عنهم فارددهم إِلى حاكم ملتهم، وإِن جاءَ كتابي موحد وجب الحكم، ثم نسخ ذلك التخيير بقوله تعالى: {أية : وأَن احكم بينهم} تفسير : [المائدة: 49] فيجب الحكم بين أَهل الكتاب إِذا تحاكموا إلينا لأَن لهم ذمة فيجب القيام بها، وكذا كتابي وغيره قياماً بحقه إِذ كان ذميا، وقيل غير منسوخ وهو قول للشافعي والراجح عنه عدم النسخ، وقيل الآية ليست في أهل الكتاب والصحيح أَنها فيهم لقوله تعالى{أية : وكيف يحكمونك وعندهم التوراة}تفسير : [المائدة: 43]. الخ. وعن أَبي حنيفة وجوب الحكم وأَن الآية فيهم وأَن التخيير منسوخ بأَن احكم بينهم، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، ومن لم يقل بالنسخ قال: المراد احكم بينهم بالحق لا بغيره إغراءً بالحق وإلهابا عليه، والظاهر بقاء التخيير ما لم يدخلوا تحت الذمة وإِذا دخلوا لم يلزمنا ما لم يترافعوا فيه إلينا ولزمنا ما ترافعوا فيه إِلينا ونحكم عليهم بأَحكام الإِسلام فيما يبطل به البيع والنكاح وما يصح به ونحو ذلك وقيل يتركون على بيع الخمر والخنزير {وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّكَ شَيْئاً} أَى ضرا لأن الله عصمك من الناس فهم وإِن ازدادوا عداوة لإِعراضك غير قادرين على مضرتك، قدم الإِعراض للمسارعة إِلا أَن لا يخاف مضرة منهم إِذ قد تتوقع {وَإِنْ حَكَمْتَ} أَردت الحكم بينهم {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} بالعدل الذي جاءَكَ من الله كالرجم أَو من اجتهادك إِن لم يكن وحى. {إنَّ اللهَ يُحِبُّ المقْسِطِينَ} يرضى حالهم فيحفظهم ويعظم شأَنهم ويثيبهم، يقال قسط واقسط بمعنى عدل ويقال قسط بمعنى جار وأَقسط ومقسط أَى أَزال القسط أَى الجور.

الالوسي

تفسير : {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ}، وقيل: إن الظاهر أنه تعليل لقوله تعالى: {أية : لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} تفسير : [المائدة: 41] الخ أو توطئة لما بعده، أو المراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة، وفيما مر ما يفتريه الأحبار، ويؤيده الفصل بينهما. {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ} أي الحرام من سحته إذا استأصلته، وسمي الحرام سحتاً ـ عند الزجاج ـ لأنه يعقب عذاب الاستئصال والبوار، وقال الجبائي: لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالباً، وقال الخليل: لأن في طريق كسبه عاراً فهو يسحت مروءة الإنسان، والمراد به هنا ـ على المشهور ـ: الرشوة في الحكم، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل: يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم»تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : هدايا الأمراء سحت»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال: لا ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية، وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم قال: ذاك الكفر، وأخرج البيهقي في «سننه» عن ابن مسعود نحو ذلك، وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبـي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ست خصال من السحت: رشوة الإمام ـ وهي أخبث ذلك كله ـ وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن»تفسير : ، وعدّ ابن عباس رضي الله تعالى عنه في رواية ابن منصور والبيهقي عنه أشياء أخر. قيل: ولعظم أمر الرشوة اقتصر عليها من اقتصر، وجاء من طرق حديث : عن النبـي صلى الله عليه وسلم «أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما»تفسير : . ولتفاقم الأمر في هذه الأزمان بالارتشاء صدر الأمر من حضرة مولانا ـ ظل الله تعالى على الخليقة ومجدد نظام رسوم الشريعة والحقيقة ـ السلطان العدلي محمود خان لا زال محاطاً بأمان الله تعالى ـ حيثما كان في السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والمائتين ـ بمؤاخذة المرتشي وأخويه على أتم وجه، وحد للهدية حداً لئلا يتوصل بها إلى الإرتشاء كما يفعله اليوم كثير من الأمراء، فقد أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ والنجش بالصدقة، والسحت بالهدية، والقتل بالموعظة يقتلون البرىء ليوطئوا العامة يملى لهم فيزدادوا إثماً»تفسير : . هذا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب {ٱلسُّحْتَ} بضمتين، وهما لغتان ـ كالعنق والعنق ـ./ وقرىء {ٱلسُّحْتَ} بفتح السين على لفظ المصدر أريد به المسحوت كالصيد بمعنى المصيد، و {ٱلسُّحْتَ} بفتحتين و {ٱلسُّحْتَ} بكسر السين. {فَإِن جَاءوكَ} خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، والفاء فصيحة أي إذا كان حالهم كما شرح فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ} بما أراك الله تعالى {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} غير مبال بهم ولا مكترث، وهذا كما ترى تخيير له صلى الله عليه وسلم بين الأمرين، وهو معارض لقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 49] وتحقيق المقام على ما ذكر الجصاص ـ في كتاب «الأحكام» ـ أن العلماء اختلفوا، فذهب قوم إلى أن التخيير منسوخ بالآية الأخرى وروي ذلك عن ابن عباس وإليه ذهب أكثر السلف، قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم كان أولاً مخيراً، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بإجراء الأحكام عليهم، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وقيل: إن هذه الآية فيمن لم يعقد له ذمة، والأخرى في أهل الذمة فلا نسخ، وأثبته بعضهم بمعنى التخصيص لأن من أخذت منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً. وقال أصحابنا: أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين، وخبر الرجم السابق سبق توجيهه، واختلف في مناكحتهم، فقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يقرون عليها، وخالفه ـ في بعض ذلك ـ محمد وزفر، وليس له عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا، فمتى تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم، وتمام التفصيل في الفروع. {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ} بيان لحال الأمرين بعد تخييره صلى الله عليه وسلم بينهما، وتقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه حيث كان مظنة لترتب العداوة المقتضية للتصدي للضرر، فمآل المعنى إن تعرض عنهم ولم تحكم بينهم فعادوك وقصدوا ضررك {فَلَن يَضُرُّوكَ} بسبب ذلك {شَيْئاً} من الضرر فإن الله تعالى يحفظك من ضررهم {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل الذي أمرت به، وهو ما تضمنه القرآن واشتملت عليه شريعة الإسلام، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه قال: ـ لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم ـ إن صح يراد منه لازم المعنى {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي العادلين فيحفظهم عن كل مكروه ويعظم شأنهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَمَّاعُونَ} {أَكَّالُونَ} (42) - وَأَعَادَ اللهُ تَعَالَى وَصْفَهُمْ بِكَثْرَةِ السَّمَاعِ لِلْكَذِبِ، فَقَالَ: وَهُمْ سَمَّاعُونَ لِلْبَاطِلِ، أكَّالُونَ لِلْمَالِ الحَرَامِ كَالرِّبا وَالرَّشْوَةِ (السُّحْتِ)، فَإذَا جَاؤُوكَ يَتَحَاكَمُونَ إلَيْكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ، فَلاَ عَلَيكَ أنْ لاَ تَحْكُمَ بَيْنَهُم لأنَّهُمْ لاَ يَقْصِدُونَ، بِمَجِيئِهِمْ إليكَ لِلتَّحَاكُمِ، اتِّبَاعَ الحَقِّ، بَلْ يُرِيدُونَ أنْ تَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يُوافِقُ أهْواءَهُمْ. (وَهَذا الحُكْمُ خَاصٌّ بِالمُعَاهِدِينَ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ، فَبِالنِّسْبَةِ لِلمُعَاهِدِينَ لاَ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَهُم (كَالأَجَانِبِ المُوجُودِينَ فِي بِلاَدِ المُسْلِمِينَ)، وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ، بَلِ المُسْلِمُونَ مُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ حَسْبَمَا يَرَوْنَ فِيهِ المَصْلَحَةَ. وَأمّا أهْلُ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ الحُكْمُ بَيْنَهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلى المُسْلِمِينَ، لأنَّ مَنْ أُخِذَتْ مِنُهُ الجِزْيَةُ تَجْرِي عَلَيهِ أحْكَامُ الإِسْلاَمِ، فِي البُيُوعِ وَالمَوَارِيثِ، وَالعُقُودِ، عَدَا بَيْعِ الخَمْرِ وَالخِنزِيرِ). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍِ هَذا الحُكْمُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِّيهِ صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا أرَدْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَاحْكُمْ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِينَ يَقْضُونَ بِالعَدْلِ (المُقْسِطِينَ). السُّحْتُ - المَالُ الحَرَامُ - كالرَّشْوَةِ وِالفَائِدَةِ وَالقِمَارِ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ. المُقْسِطِينَ - العَادِلِينَ فِي الحُكْمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي اللغة ألفاظ مفردة، مثال: "سجنجل" وتفتح القاموس فتجد معناها "البلور"، وكذلك الصفا والمروة؛ وعندما تبحث في القاموس عن كلمة "مروة" تعرف أن معنى اللفظ بعيد عن النسبة، فأول عمل للغة أن تعرف معنى الألفاظ بعيداً عن نسبتها. ومهمة القاموس أن يشرح لك معنى اللفظ بعيداً عن النسبة دون إثبات أو نفي، مثال ذلك "الجو" معناها هو ما يحيط بك من هواء أو غير ذلك، لكن القاموس لا يشرح هل الجو مُكفهر أو صافٍ أو باردٌ. وإن تقدمنا مرحلة أخرى وأخذنا اللفظ لنصنع له نسبته، كأن نقول: "الجو صحو"، هنا ننتقل من فهم معنى كلمة "جَوّ"، إلى أننا نسبنا الصحو إليه. والكلام المفيد يأتي في النِسب. ولا تأتي النِسب إلا بعد معرفة معاني الألفاظ. والنِسب تعني أن ننسب شيئا إلى شيء، كأن نقول: "محمد مجتهد" هنا نسبنا لمحمد الاجتهاد، وذلك بعد أن عرفنا معنى كلمة "محمد" بمفردها، ومعنى "مجتهد" بمفردها. إذن الكلام المفيد يتأتى في النسب. وقد تكون الإفادة بضميمة كلمة إلى ما سبقها، فعندما يسألك إنسان: "من عندك"؟ فتقول: "محمد"؛ هذا القول أفاد؛ لأنه انضم إلى كلمة أخرى فصار المعنى: "محمد عندي". إذن هناك نسب، والنسب هي أن تنسب حكماً إلى شيء إما إيجابا , وإما نفياً. والنسبة تنقسم إلى قسمين؛ نسبة واقعة، ونسبة غير واقعة. وإن كانت النسبة واقعة فهل تعتقدها؟ وهل تستطيع أن تقيم عليها دليلاً؟ إن كانت النسبة الواقعة ومقام عليها الدليل تكون علماً. وإن كانت نسبة وواقعة وأنت تعتقدها ولا تستطيع أن تدلل عليها، فهذا تقليد، مثل الطفل الذي يقلد أباه فيقول: "الله أَحد"، والطفل في هذه الحالة لا يستطيع أن يقيم على هذه النسبة دليلاً. إن العلم أعلى مراتب النسب لأنه نسبة معتقدة وواقعة وعليها دليل. أما إذا كانت نسبة معتقدة وغير واقعة، فهذا هو الجهل؛ لأن الجاهل هو الذي يعرف الشيء على غير وجهه الصحيح. أما الأمي فهو الذي لا يعرف شيئا ونجد صعوبة في الشرح للجاهل، مثال ذلك الذي يقول الأرض مبسوطة ويدافع عنها، إنه يقول نسبة يعتقدها، ولكنها غير الواقع لأنها كروية. والجهل - إذن - أن تعرف نسبة تعتقدها وهي غير واقعة. ولا يرهق الدنيا غير الجاهل، لا الأمي؛ لأن الأمي له عقل فارغ يكفي أن تقول له الحقيقة فيصدقها، أما الجاهل فيحتاج إلى أن نخلع من أفكاره الفكر الخاطئ ونضع له الفكر الصحيح. أما إن كانت النسبة غير واقعة. فالنفي فيها يساوي الإثبات، وهذا هو الشك. وإن كانت هناك نسبة راجحة فهو الظن. والنسبة المرجوحة هي الوهم. إذن هناك عدد من النسب: نسبة علم، نسبة تقليد، نسبة جهل، نسبة شك، نسبة ظن، نسبة وهم. وعلى ذلك يكون الكذب نسبة غير واقعة، فإن كنت تعتقدها فأنت من الجاهلين. ويقابل الكذب الصدق، وعندما يقول الحق: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}. فالنسبة هنا غير مطابقة للواقع. ويقتنص الملبِّسون بعض النسب التي تأتي في بعض من أسلوب القرآن ويقولون: في القرآن كلام لو مَحَّصناه لوجدناه غير دقيق. مثال ذلك: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} تفسير : [المنافقون: 1] كلام المنافقين هنا قد طابق كلام الله، ولكن لماذا يقول الحق من بعد ذلك: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] النسبة واحدة، لكن الله يكذب المنافقين. وإن فطنا إلى قول الله حكاية عنهم: {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 1] أي أن الله يُكذِّب شهادتهم، لأن محمداً رسول الله بالفعل، ولكنهم كاذبون لأنهم لا يعتقدون ذلك، فالشهادة هي ما يوافق اللسان ما في القلب. إذن قوله الحق: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي أن عملهم الاستماع للكذب، وأكل السُّحت وكأنهم يرهقون إن أكلوا حلالاً، وأكَّال صيغة للمبالغة؛ وتكون إما في الحدث، وإما في تكرار أنواع الحدث. فيقال: "فلان أكال"، و"فلان أكول" وهو الإنسان الذي يأكل بشراهة أو يأكل كثيراً، والمبالغة - إذن - إما أن تكون في الحدث وإما في تكرير الحدث. {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} ومادة "سَحت" تعني "استأصل ومحا"، ولكنها تزيد أنها استأصلته استئصالاً لم يبق له أثراً وتعدى الاستئصال إلى ظرفه. مثال ذلك عند ظهور بقعة من زيت أو طعام على ثوب، نستطيع استئصال البقعة، ونستطيع المبالغة في استصالها إلى أن تنحت من الثوب. والسُّحت استئصال مبالغ فيه لدرجة الجوْر على الأصل قليلاً. أي يستأصل الذي جاء ومعه بعض من الأصل أيضاً؛ لذلك جاء المفسرون إلى هذا المعنى في شرح الرِّبا لأن الله يصفه بالقول: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} تفسير : [البقرة: 276] والربا في مفهومنا أنه زيادة، ولكن الحق أوضح لنا أنه ليس بزيادة؛ لأنه يَدْخل ويستأصل ويأكل ويكحت أصل المال. وظاهر الرِّبا وباطنه محق واستئصال. أما الزكاة فظاهرها نقص، ولكنها نماء، وبذلك نرى اختلاف مقاييس الخلق عن مقاييس الحق. والمثل الواضح: أن النفس تلتفت دائماً إلى رزق الإيجاب، ولا تلتفت إلى رزق السلب. فرجل راتبه خمسمائة جنيه، وآخر راتبه مائة جنيه، صاحب الراتب البالغ الخمسمائة فتح الله عليه أبواباً تحتاج إلى ألفٍ من الجنيهات، والذي يأخذ مائة جنيه سَدَّ الحق عنه أبواباً لا تأخذ منه كل راتبه بل يتبقى له عشرة جنيهات. هناك - إذن - رزق إيجاب يزيد الدخل، ورزق سلب أن يسلب الحق عنك المصارف في المصائب والمهالك ويبارك لك فيما أعطاك. والسًّحْت هو كل شيء تأخذه من غير طريق الحلال؛ كالرشوة أو الربا أو السرقة أو الاختلاس أو الخطف. وكل أنواع المقامرة والمراهنة، كل ذلك اسمه سُحْت. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وهذا القول دليل على أن أُذَنَهُم اعتادت سماع الكذب ويقبلون عليه. وعندما نقول نحن في الصلاة: "سمع الله لمن حمده"، أي أننا ندعو الله أن يقبل الحمد. وهم سماعون للكذب أي يقبلون الكذب. والسماع جارحة، والأكل بناء ما به الجارحة لأنه مقوم لها. مثلما يأكل لينمو، وإن كان ناضجاً يحفظ له الطاقة والقدرة. فالنّمو - إذن - معناه أن يدخل جوفه أكثر مما يخرج منه. وبعد فترة يدخل إلى جسمه على قدر ما يخرج منه، ثم الشيخوخة نجد فيها أن ما يخرج أكثر مما يدخل. وماداموا سماعين للكذب أكَّالين للسُّحت، فهم في بوارٍ دائم، لأن أكل السُّحْت حيثية من حيثيات الاستماع المصدِّق للكذب؛ لأنهم قد بنوا ذرات أجسادهم من حرام، فكيف ترفض آذانهم الكذب؟ بل آذانهم تستدعي الكذب، وألسنتهم تحترفه. وعيونهم تستدعي المحارم، وأيديهم تستدعي السرقة، إنها الأبعاض التي بناها أصحابها من حرام. ولم يقل عنهم: "سامعون"، بل قال: "سماعون" أي جعلوا صناعتهم أن يتسمعوا، وهم الجواسيس، وإلا فإذا كان الأمر غير ذلك لكان كل من سمع كذبا يُعَد من هؤلاء. والقول مقصود به من جعل السماع صنعة له، ولا يجعل إنسان السماع صنعة له إلا إذا كان عينا لغيره، والعين للغير يتلصص على أمانة المجالس، ولكل مجلس أمانة. فإذا ما حضر إنسان مجلسا فليس له أن ينقل ما في ذلك المجلس إلى غيره إلا أن يكون ذلك هو صناعته، وتلك هي مهمته. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وهنا قضيتان. فعل السماع للكذب سببه أكل السُّحت، أم أكل السُّحت سببه السماع للكذب؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان من طينة الأرض وصوره على شكل آدم نفخ فيه من روحه، وحين صوره من طينة الأرض جعل كل مقومات حركة حياته من طبيعة طينة الأرض، فإذا ما أخذ الإنسان شيئاً من حِلٍّ، اعتدلت الذرات في نفسه على الهيئة التي خلقها الله. وإن تدخل فيها بحرام جعل في الذرات اختلالا تكوينيا. وهذا الاختلال التكويني هو الذي جعل آكل الحرام سماعا للكذب. ولو لم يكن فيه ذلك الاختلال التكويني الذي صنعه بنفسه لما سمع الكذب أبداً. أو أنه عندما أكل السُّحْت صار سماعا للكذب. أو سمع كذبا فصار أكَّالاً للسُّحْت. ولنلاحظ أن الحق لم يقل: "آكل للسُّحْت"، ولم يقل: "سامع للكذب"؛ ولكنه قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي أنهم تعودوا سماع الكذب وتعودوا أكل السُّحت، فالواحد منهم أخذ حراما من أول الأمر، وعندما صار أكالا وسمَّاعًا للكذب في آن واحد، اختلت ذرَّات تكوينه، ولم يعد في أعماقه نور ليرفض الكذب. بل أقبل عليه، ويغريه الكذب ثانية بأن يأكل السُّحْت، والأمر دائر بين سماع كذب وأكل سحت. وقضية الكذب هي قضية صراع الباطل مع الحق. ومادام الكذب غير مطابق لوازع كوني أو لواقع منهجي تكليفي فهذا يصنع خللاً في الكون. وحينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا المثل في ذلك جاء بالمثل في أمرٍ حسي حتى نراه جميعا: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد: 17] أي أن كل وادٍ تحمَّل على قدر طاقته. ومن بعد ذلك يقول الحق: {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} تفسير : [الرعد: 17] فقبل أن ينزل السيل من على الجبال إلى الوديان، يأخذ كل الأشياء التي تصادفه على الجبل من آثار الرياح، ومن أوراق النبات، فينزله إلى الوادي، وتلك هي الأشياء التي تصنع الزِّبَد ونقول عنه في لغتنا العامية: "الرَّغاوي". {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} تفسير : [الرعد: 17] و"رابياً" أي غائماً وعاليا وطافيا فوق المياه، لماذا؟ لأنه مادام زبداً ففيه فقاقيع هواء تجعل حجمه أكبر من وزنه. وتصبح كثافته أقل من المياه؛ لذلك يطفو فوقها. وماذا يكون الموقف بعد ذلك؟ {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} تفسير : [الرعد: 17] ومن العجيب أنه سبحانه جعل المثلين في الماء والمضاد له وهو النار، فالماء يأتي بزبد وغثاء يطفو على المياه، وكذلك النار حين ندخل فيها المعادن. ومن رأى الحداد ينفخ في كيره على قطعة من الحديد يرى الخبث، والمواد الغريبة الممتزجة بالحديد والتي تنفصل أثناء الصهر عن الحديد ليصير صافيا. إذن فهناك زبد في الحديد تخرجه النار عند صهره، وزبد يطفو فوق الماء. {أية : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الرعد: 17] ولهذا نرى الباطل وقد أتى عليه زمن ليطفو فوق السطح، ويخرج الخَبَث طافيا على أصيل الحديد. لكن أيظل الباطل كذلك؟ يُطمئِنُنا الحق أنه يحمي الحق فيقول: {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الرعد: 17] وحين نرى الباطل وقد طفا على السطح نفاجأ بعد وقت من الزمن أن الزبد ينتهي صافياً. فإذا رأينا الباطل مرة يعلو، فلنعلم أنه لا بقاء لهذا العُلو؛ لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض. ولماذا لا يُعلن الحق عن نفسه من البداية؟ أراد الله ذلك ليجعل الباطل من جنود الحق، ولو لم يَعَض الباطل الناس ويُتعبهم أيتجهون إلى الحق؟ لا؛ لذلك كان لا بد أن يأتي إليهم الباطل الناس ويُتعبهم ليبحثوا عن الحق. وهكذا نرى الباطل كجندي من جنود الحق. وضربنا المثل من قبل وعرفنا أن الألم عند المريض من جنود العافية، فلولا ذلك الألم لاستشرى الداء دون أن يشعر المريض، فكأن الألم يلفته إلى موضع الداء ويدفعه للبحث عن وسائل الشفاء. وبذلك يتعرف على حلاوة العافية. إذن فالباطل من جنود الحق والألم من جنود الشفاء؛ لأن أمور الحياة لو سارت على وتيرة واحدة لما عرف الإنسان أوجه الحياة، فلو لم يأتِ الألم إلى المريض لأكله المرض. فإذا كان الألم من جنود الشفاء، فالكفر أيضاً من جنود الإيمان؛ لأننا عندما نرى الكُفر ونشهد آثار الكُفر فساداً في المجتمع، نتساءل: ما الذي يخلِّصنا من ذلك؟ ونعرف أن الذي يخلصنا من الفساد هو الإيمان. وأُكرِّر دائماً: كلمة الكُفر بذاتها هي الدليل الأول على الإيمان؛ لأن الكُفر هو السَّتْر، ومادام الكفر هو السَّتر، والكافر يستر الإيمان، وظهور الكفر على السطح دليل وجود الإيمان في الأصل. ومادام الحق قد قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} فلا بد بعد هذا التشخيص أن يرسم لرسوله أسلوب التعامل معهم: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً}. فأنت يا رسول الله بالخيار بين أن تحكم بينهم في القضية التي جاءوا من أجلها أو تعرض عنهم، فليس عليك تجاههم إلزام ما؛ لأنهم السماعون للكذب الأكَّالون للسُّحْت. وهم حينما يأتونك يا رسول الله طلباً لحكم إنما يفعلون ذلك لا رغبة في معرفة الحق ولا هم يلتمسون العدل. بل جاءوك مظنة تيسير امر الباطل وأكل السُّحت لنفوسهم. وقد طلبوا الحكم في قضية الزِّنا وعندهم في التوراة كان الرَّجم عقاباً للزنا. لقد ذهبوا لرسول الله لأنهم أرادوا أن يستروا حكم الزِّنا في التوراة، والاكتفاء بالجلد وتسويد وجه الزاني وركوبه حماراً في الوضع العكسي بحيث يكون وجهه في اتجاه الذيل وقفاه في اتجاه رأس الحمار، وأن يطوفوا بالزاني وهو على هذه الهيئة حول البلدة. ولما لم يسمعوا ذلك الحكم من الرسول ابتعدوا عنه. إذن هم يطلبون التخفيف لأنهم كانوا سماعين للكذب واكَّالين للسُّحت. ولأن الذي سيطبق عليه الحد رجل له جاه وله مكانة وهم يريدون التقرب إليه بتخفيف العقاب عنه. وهل هناك تعارض بين قول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وبين قول الحق: {أية : فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 48] لا تعارض. والبعض يقول: إن في قوله الحق: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إلزاماً. ونقول: المعنى الواضح هو أنك يا رسول الله، إن رجحت جانب أن تحكم وتقضي بينهم فاحكم بما أنزل الله، ولننظر إلى الأداء القرآني لأن المتكلم إله وحكيم: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}. ونلحظ أن الأمر هنا جاء بطريقة تؤكد أن الإعراض ممكن؛ لأنهم أرادوا أن يحكم لهم رسول الله على هواهم، وطمأنه الله بأنه سيحميه من شرهم إن أعرض عنهم، وكأن الحق يقول لرسوله: إياك أن تفكر حين تعرض عنهم أنهم سينالونك بالشر لأنك لم تحقق لهم التيسير الذي ابتغوه عندك {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} وإياك أن تجعل الضرر منهم مُرجِّحاً للحكم؛ فأنت بالخيار؛ إما أن تحكم وإما أن تعرض. ولا تخش من شرهم لأن الذي أرسلك يحميك. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} والحكم في هذه الآية يأتي كالقوس في البداية وفي النهاية، والحكم بينهم يكون بالقسط؛ أي بالعدل. والعدل ليس كما يراه الهوى ولكن حسب ما أنزل الله. أي أن الله يحب الذين يزيلون الجوْر. ومادام الحكم بالعدل يأتي ليزيل الجور، فكأنه كان من قبل جوْرٌ مُقنن؛ إذن فـ "أقْسَط" أي أزال جوراً مقنناً وأعاد توازن الميزان ليعود الانسجام بين الإنسان والكون. والكون كله يسير بميزان؛ الأرض تدور والشمس تؤدي مهمتها، ولا كوكب يصطدم بكوكب آخر: {أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] فإن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية، فانظروا إلى الأمور الإجبارية التي حولكم، فإن كانت بنظام وميزان واعتدلت الأمور، اعدلوا - إذن - في إدارة شئونكم حتى تنسجموا كما انسجم الكون، ولذلك نقرأ قوله تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} تفسير : [الرحمن: 5-8] أمامكم الموازين العليا في الكون، ولا تستطيعون إفسادها لأنها تسير بنظام لا دخل لكم به؛ لذلك عليكم أن تتعلموا منها وأن تديروا أمور حياتكم بميزان حتى تستقيم أموركم الاختيارية. {أية : أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 8-9] فإن رأيت حولك كونا غير مُضطرب، وغير مُتصادم، ويؤدي حركته دون تعارض أو تصادم، فافهم أنه قائم على ميزان الحق، ووضع سبحانه لك ميزاناً في الأمور الاختيارية، والمرجحات الاختيارية هي أحكام التكليف من الله، فإن أردت أن تستقيم لك الأمور الاختيارية فسر بها على الميزان الذي وضعه الله. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} معناهُ للرُّشَى. تفسير : وقوله تعالى: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} معناه بالعَدلِ. فالمُقْسِطُ: العَادِلُ والقَاسِط: الجَائِرُ الكَافِرُ.

الجيلاني

تفسير : وما هو إلا أنهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} المذكور، معتقدون صدقها ومطابتها للواقع ومسمعونهم أيضاً، وهم؛ أي: الأحبار {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي: الحرام الذين يرتشون منهم؛ بسبب تحريفهم نعتك يا أكمل الرسل من كتابهم؛ لتبقى رئاستهم وجاههم فأعرض عنهم وعن إيمانهم {فَإِن جَآءُوكَ} ليحكموك، إن شئب {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} وعن حكمهم، فلك الخيار. {وَ} لا تبال بهم وبعداوتهم {إِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ} فإنهم وإن عادوك أشد عداوة وبغضاً {فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} من المكروه، فإن الله يعصمك ويكفيك من شرورهم {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} والعدل الذي هو أمر الحق ونطق به الفرقان {إِنَّ ٱللَّهَ} المستوي باسم الرحمن على عروش الذرائر معتدلاً بلا تفاوت {يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] المتعدلين من عباده، المائلين عن كلا طرفي الإفراط والتفريط، المنتهين إلى قعر الجحيم، وليس غرضهم من تحكيمك الإطاعة بك وبحكمك، والوثوق لأمانتك ووقوفك، بل ليس غرضهم إلا التسهيل والتيسير، والإعراض عن بعض الأحكام مداهنةً. {وَ} إلا {كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} مع عدم إيمانهم بك وبكتابك {وَ} الحال أنه {عِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} على التفصيل، وم يدعون العلم بها {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} وينصرفون {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي: بعدما حكمت فيما حكموك فيه مع أنه مطالق لكتابهم {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] أي: وما إعراض أولئك المؤمنين بكتابهم، الموقنين فيه حتى يحكموك مع كونهم عالمين بحكمك فيه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42]، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، والأخلاق نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} [المائدة: 42]، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} [المائدة: 42]؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ. ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} [المائدة: 43]، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [النساء: 65]، ثم قال {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} [المائدة: 43]، كما أرسلناك هادياً تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نوراً، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} [المائدة: 43]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئاً من القرآن: {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} [المائدة: 43]، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} [المائدة: 43]، فإن الخلق تحت أحكام القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد مؤمنين {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} [المائدة: 43]، بمعجزاتي مع الأنبياء وبكرامات مع الأولياء {ثَمَناً قَلِيلاً} [المائدة: 43]، من حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب خسارة الأخرى والأولى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [المائدة: 43]؛ لأن من اتخذ حكماً غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليماً، فلا يخلوا عن شرك خاطر قلبه وكفر قاهر عقله.

همام الصنعاني

تفسير : 711- عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن السّدي عن عِكْرِمة قال: نسخت هذه الآية: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}: [الآية: 42] قوله: {أية : فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}تفسير : [الآية: 48].