٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا تعجيب من الله تعالى لنبيّه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني، ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكماً حقاً إلى ما يعتقدونه باطلاً طلباً للرخصة، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه: أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطن، والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه، فبيّن الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله، وههنا سؤالان: السؤال الأول: قوله {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ } ما موضعه من الاعراب؟ الجواب: إما أن ينصب حالاً من التوراة، وهي مبتدأ خبرها {عِندَهُمُ } وإما أن يرتفع خبراً عنها كقولك: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى، وإما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره؟ السؤال الثاني: لم أنث التوراة؟ والجواب: الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ. المسألة الثانية: احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه، لكن الشرع نهى عن النظر فيها. بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم. ثم قال تعالى: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } قوله {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ } معطوف على قوله {يُحَكّمُونَكَ } وقوله {ذٰلِكَ } إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة، ويجوز أن يعود إلى التحكيم. وقوله {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } فيه وجوه: الأول: أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها، والثاني: ما أولئك بالمؤمنين: إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي. الثالث: أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك، وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} قال الحسن: هو الرجم. وقال قتادة: هو القَود. ويقال: هل يدل قوله تعالى: {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} على أنه لم ينسخ؟ الجواب ـ قال أبو علي: نعم؛ لأنه لو نُسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وقوله: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بحكمك أنه من عند الله. وقال أبو علي: إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرض به فهو كافر؛ وهذه حالة اليهود.
البيضاوي
تفسير : {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم، و {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} حال من التوراة إن رفعتها بالظرف، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنث في كلامهم لفظاً كموماة ودوداة. {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم، وهو عطف على يحكمونك داخل في حكم التعجيب. {وَمَا أُوْلَٰـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} بكتابهم لإِعراضهم عنه أولاً وعما يوافقه ثانياً، أو بك وبه. {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى} يهدي إلى الحق. {وَنُورٌ} يكشف عما استبهم من الأحكام. {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} يعني أنبياء بني إسرائيل، أو موسى ومن بعده إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وبهذه الآية تمسك القائل به. {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} صفة أجريت على النبيين مدحاً لهم وتنويهاً بشأن المسلمين، وتعريضاً باليهود وأنهم بمعزل عن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واقتفاء هديهم. {لِلَّذِينَ هَادُواْ} متعلق بأنزل، أو بيحكم أي يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدل على أن النبيين أنبياؤهم. {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} بسبب أمر الله إياهم بأن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف، والراجع إلى ما محذوف ومن للنبيين. {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} رقباء لا يتركون أن يغير، أو شهداء يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريا. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو مراقبة كبير. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي} ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها. {ثَمَناً قَلِيلاً} هو الرشوة والجاه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} مستهيناً به منكراً له. {فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله {ٱلْكَـٰفِرُونَ} و {ٱلظَّـٰلِمُونَ} و {ٱلْفَـٰسِقُونَ}، فكفرهم لإِنكاره، وظلمهم بالحكم على خلافه، وفسقهم بالخروج عنه. ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها، أو لطائفة كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى. {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} وفرضنا على اليهود. {فِيهَا} في التوراة. {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} أي أن النفس تقتل بالنفس. {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسّنَّ بِٱلسِنّ} رفعها الكسائي على أنها جمل معطوفة على أن وما في حيزها باعتبار المعنى وكأنه قيل: وكتبنا عليهم النفس بالنفس، والعين بالعين، فإن الكتابة والقراءة تقعان على الجمل كالقول، أو مستأنفة ومعناها: وكذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، أو على أن المرفوع منها معطوف على المستكن في قوله بالنفس، وإنما ساغ لأنه في الأصل مفصول عنه بالطرف، والجار والمجرور حال مبينة للمعنى، وقرأ نافع {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ} وفي أذنيه بإسكان الذال حيث وقع. {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي ذات قصاص، وقرأة الكسائي أيضاً بالرفع ووافقه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر على أنه إجمال للحكم بعد التفضيل. {فَمَن تَصَدَّقَ} من المستحقين. {بِهِ} بالقصاص أي فمن عفا عنه. {فَهُوَ} فالتصدق. {كَفَّارَةٌ لَّهُ} للمتصدق يكفر الله به ذنوبه. وقيل للجاني يسقط عنه ما لزمه. وقرىء «فهو كفارته له» أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها بالتصدق له لا ينقص منها شيء. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} من القصاص وغيره. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}. {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم} أي وأتبعناهم على آثارهم، فحذف المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه، والضمير للنبيون. {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} مفعول ثان عدي إليه الفعل بالباء. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلإنجِيلَ} وقرىء بفتح الهمزة. {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} في موضع النصب بالحال. {وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } عطف عليه وكذا قوله: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ} ويجوز نصبهما على المفعول له عطفاً على محذوف أو تعلقاً به وعطف. {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} «عليه» في قراءة حمزة، وعلى الأول اللام متعلقة بمحذوف أي وآتيناه ليحكم، وقرىء: «وأن ليحكم» على أَنَّ أَنْ موصولة بالأمر كقولك: أمرتك بأن قم أي وأمرنا بأن ليحكم. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} عن حكمه، أو عن الإِيمان إن كان مستهيناً به، والآية تدل على أن الإِنجيل مشتمل على الأحكام وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه كان مستقلاً بالشرع وحملها على وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر. {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} أي القرآن. {مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} من جنس الكتب المنزلة، فاللام الأولى للعهد والثانية للجنس. {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} ورقيباً على سائر الكتب يحفظه عن التغيير ويشهد له بالصحة والثبات، وقرىء على بنية المفعول أي هومن عليه وحوفظ من التحريف والحافظ له هو الله سبحانه وتعالى، أو الحفاظ في كل عصر. {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي بما أنزل الله إليك. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ} بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه فعن صلة للاتتبع لتضمنه معنى لا تنحرف، أو حال من فاعله أي لا تتبع أهواءهم مائلاً عما جاءك. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} أيها الناس. {شِرْعَةً} شريعة وهي الطريق إلى الماء شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية. وقرىء بفتح الشين. {وَمِنْهَـاجاً} وطريقاً واضحاً في الدين من نهج الأمر إذا وضح. واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة. {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً} جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل، ومفعول لو شاء محذوف دل عليه الجواب، وقيل المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه. {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءَاتَـٰكُمْ} من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر وقرن، هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها بمقتضى الحكمة الإلهية، أم تزيغون عن الحق وتفرِّطون في العمل. {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} فابتدروها انتهازاً للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم. {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق ووعد ووعيد للمبادرين والمقصرين. {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعامل والمقصر. {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} عطف على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم، ويجوز أن يكون جملة بتقدير وأمرنا أن أحكم. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي أن يضلوك ويصرفوك عنه، وأن بصلته بدل من هم بدل الاشتمال أي احذر فتنتهم، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك. روي (حديث : أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم، إن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم)تفسير : فنزلت. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الحكم المنزل وأرادوا غيره. {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} يعني ذنب التولي عن حكم الله سبحانه وتعالى، فعبر عنه بذلك تنبيهاً على أن لهم ذنوباً كثيرة وهذا مع عظمه واحد منها معدود من جملتها، وفيه دلالة على التعظيم كما في التنكير ونظيره قول لبيد:شعر : أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُهَا تفسير : {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ} لمتمردون في الكفر معتدون فيه. {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} الذي هو الميل والمداهنة في الحكم، والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى. وقيل نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى. وقرىء برفع الحكم على أنه مبتدأ، و {يَبْغُونَ} خبره، والراجع محذوف حذفه في الصلة في قوله تعالى:{أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً }تفسير : [الفرقان: 41] واستضعف ذلك في غير الشَعر وقرىء أفحكم الجاهلية أي يبغون حاكماً كحكام الجاهلية يحكم بحسب شهيتهم. وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء على قل لهم أفحكم الجاهلية تبغون. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عندهم، واللام للبيان كما في قوله تعالى: {أية : هَيْتَ لَكَ }تفسير : [يوسف: 23] أي هذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكماً من الله سبحانه وتعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ } بالرجم استفهام تعجب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق بل ما هو أهون عليهم {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ } يُعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } التحكيم {وَمَا أُوْلَئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} بالرجم، أو بالقَوَد. {مِن بَعْدِ ذَلِكَ} بعد حكم التوراة، أو بعد حكمك. {وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} في تحكيمك أنه من عند الله ـ تعالى ـ مع جحدهم نبوتك، أو في توليهم عن حكم الله غير راضين به.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة} هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فى تحكيم اليهود إياه مع علمهم بما فى التوراة تركهم قبول ذلك الحكم مع اعتقادهم صحته وعدولهم إلى حكم من يجحدون نبوته طلباً للرخصة لا جرم إن الله تعالى أظهر جهلهم وعنادهم لأنهم حكموا النبي صلى الله عليه وسلم فى أمر الزانيين ثم أعرضوا عن حكمه فى الآية لتقريع اليهود والمعنى وكيف يجعلونك حكماً بينهم ويرضون بحكمك وعندهم التوراة {فيها حكم الله} يعني الرجم الذي تحاكموا إليك من أجله {ثم يتولون من بعد ذلك} يعني ثم يعرضون عن حكمك الموافق لما في كتابهم {وما أولئك} يعني اليهود {بالمؤمنين} يعني بكتابهم كما يزعمون. وقيل: معناه وما أولئك بالمصدقين.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} كقوله: {أية : كَيْفَ تُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة: 260] وقد تقدم. [قولُه:] "وعنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ" "الواوُ" للحالِ، و"التوراة" يجوزُ أن تكون مُبْتدأ والظرفُ خَبَرُه، ويجوزُ أنْ يكونَ الظرفُ حالاً، و"التوراةُ" فاعلٌ بِهِ لاعتمادِهِ على ذِي الحالِ. والجملةُ الاسميَّةُ أو الفعليَّةُ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ. وقوله: {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ}، "فيها" خَبَرٌ مقدمٌ، و"حُكْمُ" مبتدأ، أو فاعِلٌ كما تقدم في "التوراةِ"، والجملةُ حالٌ من "التوراةِ"، أو الجار وحدَهُ، و"حُكْمُ" مصدرٌ مضافٌ لفاعلِهِ. وأجاز الزمخشريُّ: ألاَّ يكون لها مَحَل من الإعراب، بل هي مُبَيِّنةٌ؛ لأنَّ عندَهُم ما يُغنيهم عن التحكيمِ، كما تقولُ: "عندك زيدٌ يَنْصَحُك، ويُشيرُ عليك بالصَّوابِ، فما تصنعُ بِغَيْره؟". وقولُه تعالى: "ثُمَّ يَتولّونَ" معطوفٌ على "يُحَكِّمونَكَ"، فهو في سياقِ التعجُّب المفهُومِ مِن "كَيْفَ" وذلك إشارةٌ إلى حُكْمِ الله الذي في التوراة، ويجوزُ أن يَعُودَ إلى التحكيم والله أعلم. فصل هذا تعجُّبٌ من اللَّهِ لنبيه [عليه الصلاةُ والسلامُ] مِنْ تحكيمِ اليهُودِ إياهُ بعد علمهم بما في التوراةِ مِنْ حدِّ الزَّانِي، ثُم تركِهِمْ قبولَ ذلك الحُكْم فيتعدلُونَ عما يعتَقدُونَه حُكْماً [حقاً] إلى ما يعتقدُونه باطِلاً طلباً للرخْصةِ فظهر جهلهم وعنادهُم من وُجُوه: أحدُها: عُدُولهُمْ عن حُكْمِ كتابِهِم. والثاني: رجوعُهم إلى حكمِ مَنْ كانوا يعتقدون أنه مُبطلٌ. والثالث: إعراضُهم عن حكمه بعد أن حكَّموه، فبينَ الله تعالى حال جهلهم وعنادهم؛ لَئِلا يَغْتَرَّ مُغْترٌّ أنهم أهلُ كتابِ الله ومن المحافظِينَ على أمْر الله. ثُمَّ قال تعالى: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أيْ بالتوراةِ وإنْ كانوا يُظْهِرُون الإيمانَ بها، وقِيلَ: هذا إخبارٌ بأنهم لا يُؤمنونَ أبَداً، وهو خَبَرٌ عن المستأنفِ لا عَنِ الماضِي. وقِيلَ: إنَّهمَ وَإنْ طلبُوا الحكمَ مِنْك فما هُم بمؤمِنينَ بِكَ، ولا بالمعتقدينَ في صِحّةِ حُكْمكَ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال "حديث : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم قد جلد، فسألهم ما شأن هذا؟ قالوا: زنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود: ما تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا؛ نجد حده التحميم والجلد. فسألهم أيكم أعلم؟ فوركوا ذلك إلى رجل منهم، قالوا: فلان. فارسل إليه فسأله، قال: نجد التحميم والجلد، فناشده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: نجد الرجم، ولكنه كثر في عظمائنا، فامتنعوا منهم بقومهم ووقع الرجم على ضعفائنا، فقلنا نضع شيئاً يصلح بينهم حتى يستووا فيه، فجعلنا التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه "تفسير : ، فأمر به فرجم. قال: ووقع اليهود بذلك الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وشتموه، وقالوا: لو كنا نعلم أنك تقول هذا ما قلنا انك أعلمنا. قال: ثم جعلوا بعد ذلك يسألون النبي صلى الله عليه وسلم: ما تجد فيما أنزل إليك حد الزاني؟ فأنزل الله {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} يعني حدود الله، فأخبره الله بحكمه في التوراة قال {أية : وكتبنا عليهم فيها} تفسير : [المائدة:45] إلى قوله {أية : والجروح قصاص} تفسير : [المائدة: 45]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} يقول: عندهم بيان ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان في قوله {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} يقول: فيها الرجم للمحصن والمحصنة، والإيمان بمحمد والتصديق له {ثم يتولون} يعني عن الحق {من بعد ذلك} يعني بعد البيان {وما أولئك بالمؤمنين} يعني اليهود.
ابو السعود
تفسير : {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} تعجُّبٌ من تحكيمِهم لمن يؤمنون به وبكتابه والحالُ أن الحكم منصوصٌ عليه في كتابهم الذي يدّعون الإيمان به وتنبـيهٌ على أنهم ما قصَدوا بالتحكيم معرفةَ الحق وإقامةَ الشرع وإنما طلبوا به ما هو أهونُ عليهم وإن لم يكن ذلك حكمَ الله على زعمهم، فقوله تعالى: {وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ} حالٌ من فاعل يحكّمونك، وقوله تعالى: {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} حالٌ من التوراة إن جُعِلت مرتفعةً بالظرف، وإن جُعلت مبتدأ فهو حالٌ من ضميرها المستكنِّ في الخبر، وقيل: استئنافٌ مَسوقٌ لبـيانِ أن عندهم ما يُغنيهم عن التحكيم، وتأنيثها لكونها نظيرةَ المؤنث في كلامِهم كموماة ودوداة {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} عطفٌ على يحكمونك داخلٌ في حكم التعجيب، و(ثُم) للتراخي في الرتبة وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد ما حكّموك، تصريحٌ بما عُلم قطعاً بتأكيد الاستبعاد والتعجيب، أي ثم يُعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوُا بحكمك وقوله تعالى: {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لفحوىٰ ما قبله، ووضعُ اسمِ الإشارة موضعَ ضميرِهم للقصد إلى إحضارِهم في الذهن بما وُصفوا به من القبائح إيماءً إلى علة الحُكم وإلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكملَ تميـيز حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهَدة، و(ما) فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد درجتهم في العُتُوِّ والمكابرة أي وما أولئك الموصوفون بما ذكر بالمؤمنين أي بكتابهم، لإعراضهم عنه أولاً، وعن حُكمِك الموافقِ له ثانياً أو بهما، وقيل: وما أولئك بالكاملين في الإيمان تهكماً بهم. {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ} كلام مستأنفٌ سيق لبـيان علوِّ شأن التوراةِ ووجوبِ مراعاة أحكامِها وأنها لم تزل مَرْعيّةً فيما بـين الأنبـياء ومَنْ يقتدي بهم كابراً عن كابر، مقبولةً لكل أحد من الحكام والمتحاكمين محفوظةً عن المخالفة والتبديل تحقيقاً لما وُصف به المحرِّفون من عدم إيمانهم بها، وتقريراً لكفرهم وظلمهم، وقوله تعالى: {فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} حالٌ من التوراة، فإن ما فيها من الشرائع والأحكامِ ـ من حيث إرشادُها للناس إلى الحق الذي لا مَحيدَ عنه ـ هدىً ومن حيث إظهارُها وكشفُها نورُ ما استَبْهَم من الأحكام وما يتعلَّق بها من الأمور المستورةِ بظلمات الجهل، وقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} أي أنبـياءُ بني إسرائيلَ، وقيل: موسى ومَنْ بعده من الأنبـياء، جملةٌ مستأنفة مبـينةٌ لرِفعةِ رتبتِها وسُمُوِّ طبقتها، وقد جوَّز كونَه حالاً من التوراة فيكون حالاً مقدرة، أي يحكُمون بأحكامها ويحمِلون الناس عليها، وبه تمسك مَنْ ذهب إلى أن شريعةَ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا ما لم تُنْسَخْ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بشأن المقدَّم والتشويق إلى المؤخَّر، ولأن في المؤخَّر وما يتعلق به نوعَ طولٍ ربما يُخِلّ تقديمُه بتجاوُب أطرافِ النظم الكريم، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} صفة أجريت على النبـيـين على سبـيل المدح دون التخصيص والتوضيح، لكن لا للقصد إلى مدحهم بذلك حقيقة، فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعاً، فيكون وصفُهم به بعد وصفِهم بها تنزلاً من الأعلى إلى الأدنى، بل لتنويه شأن الصفة فإن إبرازَ وصفٍ في معرِض مدح العظماء مُنبىءٌ عن عِظَم قدرْ الوصْفِ لا محالة كما في وصف الأنبـياءِ بالصلاحِ ووصفِ الملائكة بالإيمان عليهم السلام، ولذلك قيل: أوصافُ الأشراف أشرافُ الأوصاف، وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريضٌ باليهود وأنهم بمعزِل من الإسلام، والاقتداءُ بدين الأنبـياء عليهم السلام لا سيما مع ملاحظة ما وُصفوا به في قوله تعالى. {لِلَّذِينَ هَادُواْ} وهو متعلق (بـيحكم) أي يحكمون فيما بـينهم، واللام إما لبـيان اختصاصِ الحُكم بهم أعمَّ من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضاً بإسقاط التبعة عنه، وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادِهم له كأنه أمرٌ نافع لكلا الفريقين، ففيه تعريضٌ بالمحرِّفين، وقيل: التقديرُ للذين هادوا وعليهم فحُذِفَ ما حُذف لدلالة ما ذُكر عليه، وقيل: هو متعلق (بأنزلنا) وقيل: (بهدىً ونور) وفيه فصلٌ بـين المصدر ومفعولِه، وقيل: متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لهما أي هدى ونورٌ كائنان للذين هادوا {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} أي الزهاد والعلماءُ من وَلَد هارونَ الذين التزموا طريقة النبـيـين وجانبوا دينَ اليهود. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الربانيون الذين يسوسون الناسَ بالعلم ويربُّونهم بصغاره قبل كباره، والأحبارُ هم الفقهاءُ واحدُه حَِبْرٌ بالفتح والكسر والثاني أفصح، وهو رأي الفراء، مأخوذ من التحبـير والتحسين، فإنهم يُحبِّرون العلمَ ويزينونه ويُبـيِّنونه، وهو عطفٌ على (النبـيون) أي هم أيضاً يحكمُون بأحكامها، وتوسيطُ المحكومِ لهم بـين المعطوفين للإيذان بأن الأصلَ في الحُكم بها وحَمْلِ الناس على ما فيها هم النبـيون، وإنما الربانيون والأحبارُ خلفاءُ ونوابٌ لهم في ذلك كما يُنبىء عنه قوله تعالى: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} أي بالذي استُحفظوه من جهة النبـيـين وهو التوراة، حيث سألوهم أن يحفَظُوها من التغيـير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم السلام استخلافٌ لهم في إجراء أحكامِها من غير إخلالٍ بشيء منها، وفي إبهامها أولاً ثم بـيانِها ثانياً بقوله تعالى: {مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} من تفخيمها وإجلالِها ذاتاً وإضافةً، وتأكيدِ إيجاب حفظِها والعملِ بما فيها ما لا يَخْفى، وإيرادُها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظِها عن التغيـيرِ من جهة الكتابة، والباءُ الداخلة على الموصول متعلقةٌ (بـيحكم) لكن لا على أنها صلةٌ كالتي في قوله تعالى: {بِهَا}، ليلزَمَ تعلقُ حرفي جرٍ متحدَّيْ المعنى بفعلٍ واحد، بل على أنها سببـية أي ويحكم الربانيون والأحبارُ أيضاً بسبب ما حفِظوه من كتاب الله حسْبما وصاهم به أنبـياؤُهم وسألوهم أن يحفظوه، وليس المرادُ بسببـيته لحكمهم مُلكَ سببـيته من حيث الذاتُ بل من حيث كونُه محفوظاً، فإن تعليقَ حكمِهم بالموصول مُشعرٌ بسببـية الحفظِ المترتب لا محالة على ما في حيِّز الصلة من الاستحفاظ له، وقيل: الباء صلةٌ لفعلٍ مقدر معطوفٍ على قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} عطفَ جُملةٍ على جملة، أي ويحكم الربانيون والأحبارُ بحكم كتابِ الله الذي سألهم أنبـياؤهم أن يحفظوه من التغيـير. {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} أي رُقباءَ يحمُونه من أن يحوم حولَه التغيـيرُ والتبديلُ بوجه من الوجوه، فتغيـيرُ الأسلوب لما ذُكر من المزايا، وقيل: (بما استحفظوا) بدلٌ من قوله تعالى: {بِهَا} بإعادة العامل وهو بعيد، وكذا تجويزُ كونِ الضمير في استُحفظوا للأنبـياء والربانيـين والأحبارِ جميعاً على أن الاستحفاظَ من جنابِ الله عز وجل أي كلفهم الله تعالى أن يحفظوه ويكونوا عليه شهداء، وقوله تعالى وتقدَّسَ: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات، وأما حكامُ المسلمين فيتناوبُهم النهْيُ بطريق الدلالة دون العبارة، والفاء لترتيبِ النهْيِ على ما فُصِّل من حال التوراة، وكونِها معتنىً بشأنها فيما بـين الأنبـياء عليهم السلام ومَنْ يُقتدىٰ بهم من الربانيـين والأحبار المتقدمين عملاً وحفظاً، فإن ذلك مما يوجبُ الاجتنابَ عن الإخلال بوظائف مراعاتِها والمحافظةِ عليها بأي وجهٍ كان فضلاً عن التحريف والتغيـير، ولمّا كان مدارُ جراءتهم على ذلك خشيةَ ذي سلطانٍ أو رغبةً في الحظوظ الدنيوية نُهوا عن كل منهما صريحاً، أي إذا كان شأنُهما كما ذكر فلا تخشوا الناسَ كائناً من كان واقتدوا في مراعاة أحكامها وحفظِها بمن قبلكم من الأنبـياء وأشياعِهم {وَٱخْشَوْنِ} في الإخلالِ بحقوقِ مراعاتها فكيف بالتعرُّض لها بسوء. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي} الاشتراء استبدالُ السلعة بالثمن أي أخذُها بدلاً منه لا بذلُ الثمن لتحصيلها كما قيل، ثم استُعير لأخذ شيءٍ بدلاً مما كان له، عَيْناً كان أو معنىً أخذاً منوطاً بالرغبة فيما أُخذ، والإعراضِ عما أُعطِيَ ونُبذ، كما فُصِّل في تفسير قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة، الآية 16و 175] فالمعنى لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن تُخرجوها منها أو تتركوا العملَ بها وتأخذوا لأنفسكم بدلاً منها {ثَمَناً قَلِيلاً} من الرِّشوة والجاهِ وسائرِ الحظوظ الدنيوية، فإنها ـ وإن جلّت ـ قليلةٌ مستَرْذَلةٌ في نفسها، لا سيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها، وإنما عبَّر عن المشترىٰ الذي هو العُمدةُ في عقود المعاوضة والمقصِدُ الأصليُّ بالثمن الذي شأنه أن يكونَ وسيلةً إلى تحصيله، وأُبرزَتِ الآياتُ التي حقُّها أن يتنافسَ فيها المتنافسون في معرِض الآلات والوسائطِ حيث قُرنت بالباء التي تصحَبُ الوسائلَ إيذاناً بمبالغتهم في التعكيس بأن جَعلوا المقصِدَ الأقصى وسيلةً والوسيلةَ الأدنى مقصِداً {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} كائناً من كان دون المخاطبـين خاصة فإنهم مندرجون فيه اندراجاً أولياً أي من لم يحكم بذلك مستهيناً به منكِراً كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاءً بـيناً {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى (من)، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظِها {هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لاستهانتهم به، و(هم) إما ضميرُ الفعل أو مبتدأ وما بعده خبره، والجملة لأولئك، وقد مر تفصيلُه في مطلع سورة البقرة، والجملة تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها أبلغَ تقريرٍ، وتحذيرٌ عن الإخلال به أشدَّ تحذير حيث علّق فيه الحكمَ بالكفر بمجرد ترك الحُكْم بما أنزل الله تعالى، فكيف وقد انضم إليه الحكمُ بخلافه، لا سيما مع مباشرة ما نُهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضِعَه، وادعاءِ أنه من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً؟
القشيري
تفسير : يعني أنهم قارفوا الجحد، وأصرُّوا على الغي، وتعودوا الإعراض عن الإيمان، فمتى تؤثِّر فيهم دعوتُكَ، وقد سُدَّت مسامعُهم عن القبول، وطُبعَ على قلوبهم سابقُ الحكم؟
اسماعيل حقي
تفسير : وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه والحال ان الحكم منصوص عليه فى كتابهم الذى يدعون الايمان به وتنبيه على انهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق واقامة الشرع وانما طلبوا به ما هو اهون عليهم وان لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم وفيها حكم الله حال من التوراة او رفعها بالظرف وان جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه {ثم يتولون} عطف على يحكمونك داخل فى حكم التعجب وثم للتراخى فى الرتبة {من بعد ذلك} اى من بعد ما حكموك وهو تصريح بما علم قطعا لتأكيد الاستبعاد والتعجب اى ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوا بحكمك {وما اولئك} الموصوفون بما ذكر {بالمؤمنين} اى بكتابهم لاعراضهم عنه اولا وعن حكمك الموافق لكتابهم ثانيا او بك وبه. وفى الآيات ذم للظلم ومدح للعدل وقدح فى الحرام والرشوة وفى الحديث "حديث : كل لحم انبته السحت فالنار اولى به " .تفسير : وفيه "حديث : لعن الله الراشى والمرتشى والرائش " .تفسير : واراد بالرائش الذى يمشى بينهما: وفى المنثوى شعر : اى بسا مرغى برنده دانه جو كه بريده حلق اوهم حلق او اى بسا ماهىدرآب دور دست كشته ازحرص كلو مأخوذ شست اى بسا مستور دربرده بده شومى فرج وكلو رس اشده اى بسا قاضىء حبر نيك خو ازكلوى رشوتى اوزرد رو بلكه درهاروت وماروت آن شراب ازعروج جر خشان شد سد باب تفسير : ذكر فى ادب القاضى للخصاف الرشوة على اربعة اوجه اما ان يرشوه لانه قد خوفه فيعطيه الرشوة ليدفع الخوف عن نفسه او يرشوه ليسوى امره بينه وبين السلطان او يرشوه ليتقلد القضاء من السلطان او يرشو القاضى ليقضى له. ففى الوجه الاول لا يحل الاخذ لان الكف عن التخويف كف عن الظلم وانه واجب حقا للشرع فلا يحل اخذه لذلك ويحل للمعطى الاعطاء لانه جعل المال وقاية للنفس وهذا جائز موافق للشرع. وفى الوجه الثانى ايضا لا يحل الاخذ لان القيام بامور المسلمين واجب بدون المال فلا يحل له الاخذ. وفى الوجه الثالث لا يحل له الاخذ والاعطاء واما الرابع فحرام الاخذ سواء كان القضاء بحق او ظلم. اما الظلم فلوجهين. احدهما انه رشوة. والثانى انه سبب للقضاء بالجور. واما الحق فلوجه واحد وهو انه اخذ المال لاقامة الواجب. واما العطاء فان كان بجور لا يجوز وان كان بحق جاز. قال ابن مسعود رضى الله عنه من شفع شفاعة يرد بها حقا او يدفع بها ظلما فاهدى له فقبل فهو سحت. وفى نصاب الاحتساب ان المحتسب او القاضى اذا اهدى اليه ممن يعلم انه يهدى لاحتياجه الى القضاء والحسبة لا يقبل ولو قبل كان رشوة واما ممن يعرف انه يهدى للتودد والتحبب لا للقضاء والحسبة فلا بأس به وكان الصحابة رضى الله عنهم يتوسعون فى قبول الهدايا بينهم وهذا لان الهدية كانت عادتهم وكانوا لا يلتمسون منهم شيئاً وانما كانوا يهدون لاجل التودد والتحبب وكانوا يستوحشون برد هداياهم فلا يكون فيه معنى الرشوة فلهذا كانوا يقبلونها. قال قوم ان صلات السلاطين نحل للغنى والفقير اذا لم يتحقق انها حرام وانما التبعة على المعطى قالوا لان النبى صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس ملك الاسكندرية واستقرض من اليهود مع قوله الله تعالى {أية : أكالون للسحت} تفسير : [المائدة: 42]. واما حال السوق فمتى علمت ان الحرام هو الاكثر فلا تشتر الا بعد التفتيش وان كان كثيرا وليس بالاكثر فلك السؤال ولقد كان النبى عليه الصلاة والسلام واصحابه يشترون من الاسواق مع علمهم بان فيهم اهل الربا والغصب والغلول. قال الحدادى ومن السحت ثمن الخمر والخنزير والميتة وعسب الفحل واجرة النائحة والمغنية والساحر وهدية الشفاعة ومهر البغى وحلوان الكاهن هكذا. قال عمر وعلى وابن عباس رضى الله عنهم قالوا والمال الذى يأخذه المغنى والقوال ونحوهما حكم ذلك اخف من الرشوة فان صاحب المال اعطاه عن غير اختيار بغير عقد. قال ابن كيسان سمعت الحسن يقول اذا كان لك على رجل دين فاكلت فى بيته فهو سحت. فعليك ايها المؤمن المتقى بالاحتياط فى امورك حتى لا تقع فى الشبهات بل فى الحرام وانما تحصل التصفية للقلب باكل الغذاء الحلال: قال الحافظ شعر : صوفى شهربين كه جون لقمه شبهه ميخورد باردمش درازباد اين حيوان خوش علف تفسير : والمقصود من البيت تشبيه الذى لا يحترز عن الشبهات بالحيوان فى الاكل من كل ما يجده من غير تفرقة ولان تناول الشبهات من كمال الحرص لانه لو لم يكن له حرص لكان له قناعة بالحلال ولو قليلا والحيوان يعظم من كثرة الاكل والشرب والنوم وهى حكم الطبيعة.
الطوسي
تفسير : المعنى كيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم، فيرضوا بك حكماً، وعندهم التوراة فيها حكم الله التي أنزلها على موسى التي يقرون بها أنها كتابي وجه التعجب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وفيه تقريع لليهود الذين نزلت فيهم فكأنه قال الذي أنزلته على نبيي وإِنه الحق وإِن ما فيه حكم من حكمي لا يتناكرونه ويعلمونه، وهم مع ذلك يتولون: أي يتركون الحكم به جرأة علي كيف تقرون أيها اليهود بحكم نبيي محمد مع جحدكم نبوته، وتكذيبكم إِياه وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه واجب وأنه حق من عند الله. وقوله: {فيها حكم الله} قال أبو علي فيه دليل على أنه لم ينسخ لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وقال الحسن {فيها حكم الله} بالرجم. وقال قتادة وعصياناً لي. {فيها حكم الله} بالقود. فان قيل كيف يقولون {فيها حكم الله} وعندكم أنها محرَّفة مغيرة؟:. قلنا: على ما قال الحسن وقتادة لا يتوجه، لأنها وإِن كانت مغيرة محرَّفة لا يمتنع أن يكون فيها هذان الحكمان غير مبدَّلين، وهو رجم المحصن ووجوب القود. ويحتمل أن يكون المراد بذلك فيها حكم الله عندهم، لأنهم لا يقرون بأنها مغيرة بل يدعون أنها هي التي أنزلت على موسى (ع) بعينها. والحكم هو فصل الأمر على وجه الحكمة فيما يفصل به، وقد يفصل بالبيان أنه الحق وقد يفصل بالزام الحق والأخذ به كما يفصل الحكام بين الخصوم بما يقطع الخصومة وتثبت القضية. وقوله: {ثم يتولون} فالتولي هو الانصراف عن الشئ والتولي عن الحق. الترك له. وهو خلاف التولي اليه؛ لأن الاقبال عليه والتولي له فالله صرف النصرة والمعونة اليه ومنه تولي الله للمؤمنين. وقوله: {من بعد ذلك} قال عبد الله بن كثير: إِشارة الى حكم الله في التوراة. وقال قوم هو إِشارة الى تحكيمك، لأنهم ليسوا منه على ثقة، وإِنما طلبوا به الرخصة. وقوله: {وما أولئك بالمؤمنين} قيل في معناه قولان: أحدهما - وما هم بالمؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم نبوتك والعدول عما يعتقدونه حكماً لله فيه لا على من يقرون بنبوته، فبين أن حالهم ينافي حال المؤمن به. والثاني - قال أبو علي أن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرض به فهو كافر بالله وهكذا هؤلاء اليهود.
الجنابذي
تفسير : {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} يعنى انّهم ان رضوا بحكم الله لا يلجأوا الى حكمك لانّهم اهل كتاب الله {وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} التّحكيم عن حكمك لعدم موافقته لرأيهم وان كان موافقاً لحكمهم، او ثمّ يتولّون عن التّوارة وعن حكم الله الّذى فيه {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} بكتابهم وبك، وفيه تعريض بالمنحرفين عن حكمه (ص) فى علىّ (ع).
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وكيف يحكمونك} تعجب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به ولا بكتابه مع أن الحكم منصوص في كتبهم {ثم يتولون من بعد ذلك} يعني ثم يعرضون من بعد حكمك الموافق لما في كتبهم لا يرضون به {وما أولئك بالمؤمنين} بكتابهم كما يزعمون أو {وما أولئك} بالكاملين في الايمان على سبيل التهكم بهم، قوله تعالى: {الذين أسلموا} صفة للنبيين على سبيل المدح، قوله تعالى: {للذين هادوا والربَّانِيون والأحبار} الرهبان والعلماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود، وقيل: الربانيون العلماء، والأحبار القراء، وقيل: الربانيون الولاة والأحبار العلماء، وقيل: الربانيون علماء اليهود والأحبار علماء النصارى، قوله تعالى: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي حفظوه من التبديل والتغيير {وكانوا عليه شهداء} أي رقباء لئلا يبدل والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبييون بين موسى وعيسى وكان بينهما ألف نبي {للذين هادوا} يحملونهم على أحكام التوراة ولا يتركونهم أن يعدلوا عنها كما فعل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم بما استحفظهم أنبياءهم من كتاب الله والقضاء به وبسب كونهم شهداء، وكذلك حكم الزانيين والأحبار المسلمين {فلا تخشوا الناس} نهي للحكام {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} وهي الرشوة وابتغاء الجاه ورضى الناس كما عرف اليهود كتاب الله وغيَّروا أحكامه طمعاً في الدنيا وطلباً للرئاسة، قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهيناً به {فأولئك هم الكافرون} وفي الثانية: {الظالمون} وفي الثالثة: {الفاسقون} قيل: كلها بمعنى الكفر وعبَّر عنها بألفاظ مختلفة اجتناب صورة التكرار، وقيل: الكافرون نزلت في حكام المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى، وقيل: أراد بالظالمين والكافرين والفاسقين اليهود، وقيل: هم حكام أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن ابن مسعود هو عام في اليهود وغيرهم {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية، يعني النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلها بغير حق وكذا العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن {والجروح قصاص} يعني ذوات قصاص، ومعناه ما يكون فيه القصاص ويعلم المساواة {فمن تصدق} من أصحاب الحق {به} أي بالقصاص وعفى عنه {فهو كفارة له} يكفر الله به من سيئاته، قيل: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}. قال بعضهم: {وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ}، أي بيان ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم، يعني القَوَد؛ أي إن في التورَاةِ أن النفس بالنفس. قال الحسن: حديث : إن رجلاً من أشراف اليهود زنى وهو محصن، فرفعه أحبارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجوا أن يصيبوا عنده رخصة وقد علموا أنه رسول الله، وكان عندهم في التوراة الرجم. فأتوه به وقالوا: يا محمد، إن هذا قد زنى وهو محصن، فماذا عليه في دينك؟ فأبى الله إلا أن يقرّرهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أناشدكم بالله ما عليه؟ فقالوا: يا أبا القاسم، إنا لم نرد هذا، وإنا قد رضينا بحكمك. فأبى الله إلا أن يقرّرهم له، فقال لهم رسول الله: أناشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما عليه؟ فقالوا مثل ذلك. فأبى الله لرسوله إلا أن يقرّرهم له. فقال لهم مثل ذلك. فقالوا: الرجم. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجم . تفسير : ذكروا عن ابن عمر حديث : أن يهوديين أصابا فاحشة، فرفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما في كتابكم؟فقالوا: يحمّمان ويجبّهان ويجلدان ويغلظ لهما في القول؛ ثم يخرجان عن أوطانهما ويطردان. فقال عبد الله بن سلام: كذبوا؛ في كتابهم الرجم يا رسول الله. فقال لهم: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:93]. قال: فأتوا بها فجاءوا بقارئهم فوضع يده على آية الرجم وجعل يقرأ. فقال عبد الله بن سلام: أرخ كفك. فباعدها، فإذا آية الرجم تلوح. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما تفسير : . قال ابن عمر فلقد رأيتهما وهما يرجمان وإنه ليقيها الرجمَ بنفسه. ذكروا عن عكرمة قال: حديث : إن يهوديين رفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابا فاحشة فسألهم فقال: أيكم أعلم؟فقالوا: ابن صوريا، رجل أعور. فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنت أعلم اليهود؟ فقال: إنهم ليقولون ذلك. فقال: إني أناشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، ما تجدون في كتابكم؟فقال: لقد سألتني بعظيم ولا ينبغي لي أن أكتمك؛ في كتابنا الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فرجمهما رسول الله . تفسير : وقال بعضهم: بلغنا أن اليهود قالت حين زنى ذلك الرجل منهم؛ إنه بلغنا أن محمداً يجلد الزاني مائة، وفي كتابنا الرجم، فنرفع هذا إليه. فقال لهم بعض المنافقين: سلوه عن ذلك فإن أخبركم بالجلد فاقبلوه، وإن أخبركم بالرجم فاحذروا. وهو قوله: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ}. أي: ليسوا منهم؛ أي إن المنافقين قوم آخرون ليسوا من اليهود المشركين ولا من المؤمنين، كقوله: (أية : مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ) تفسير : [سورة المجادلة:14] وكقوله: (أية : لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ) تفسير : [النساء:143] فقال: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} يقول المنافقون لليهود: إن أوتيتم، أي إن أعطيتم هذا، أي الجلد {فَخُذُوهُ} أي: من محمد، {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ}، أي: وإن لم تعطوه {فَاحْذَرُوا}. فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه جاء جبريل إلى النبي عليه السلام فقال: يا محمد، سلهم عن شاب أعور يقال له ابن صوريا: ما حاله فيهم؟ فسألهم عنه فقالوا: هو أعلم أهل الدنيا بما أنزل على موسى. فقال لهم رسول الله: أترضون به؟ فقالوا نعم. فبعثوا إلى ابن صوريا فجاء. فقال له رسول الله: حديث : أنت ابن صوريا؟ تفسير : فقال نعم. فقال: حديث : أنت أعلم اليهود؟ تفسير : قال: كذلك تقول اليهود. فقال رسول الله: حديث : ما على الزاني المحصن في كتابكم؟ وناشده بالله فقال له: بالذي نجّاكم من آل فرعون، وفلق لكم البحر، وأنزل عليكم المنّ والسلوى، وبالذي أنزل التوراة على موسى لما أخبرتني بما في كتابكم تفسير : . فقال ابن صوريا: الرجم، ولولا أني تخوّفت أن تحرقني التوراة ما أخبرتك. فسأل النبيَّ عن أشياء فأخبره بها النبيُّ. فآمن ابن صوريا. فقالت له اليهود: والله ما كنت بأهل لما أثنينا به عليك. ولكن كرهنا أن نعيبك، وأنت غائب.
اطفيش
تفسير : {وَكَيفَ يُحَكِّمُونَكَ}: يجعلونك حاكماً بينهم بنية صادقة منهم وطلب للحق. {وَعِندَهُمُ التَّورَاةُ فِيهَا حُكمُ اللهِ}: كالرجم والدية، فيرجع ذا الحكم فى التوراة مع شدة عداوتهم لك، واظهار جحود رسالتك ونبوتك تعلم أنهم لم يحكموك طلباً للحق، بل طلبا للرخصة الموافقة لهواهم، ولو صدرت منك باطلا لو كانت تصدر باطلا، ولو حكموك طالباً للحق لم يتولوا عن حكمك بعد وقوعه، وهم قد تولوا عنه كما قال الله تعالى: {ثُمَّ يَتَوَلَّونَ مِن بَعدِ ذَلِكَ}: الحكم الواقع منك للمعلوم من المقام، أو من بعد التحكيم المترتب عليه الحكم، فما ذلك الا المخالفة حكمك هواهم، وموافقته للحكم الذى فى التوراة الذى أعرضوا عنه لمشقته عليهم، ولتفريطهم، وكيف للاستفهام الانكارى، نفى به أن يريدوا أن يكون حاكما تحقيقاً لا للتعجيب، لأن التحكيم بنية صادقة غير واقع أن يقال: المراد تعجب يا محمد من مجرد هذا التحكيم فيما نصت عليه التوارة، ومن توليهم عنه، لأنك لم تعلم سببه، وبعد علمك بأن سببه أن توافق هواهم يزول تعجبك {وَعِندَهُمُ التَّورَاةٌ} حال من ولو {يُحَكِّمُونَكَ} وفيها حكم الله خبر ثان للتوراة، والأول عندهم أو حال من التوراة، أن جعل فاعلا للظرف، اذ يجوز رفعه الفاعل اذا اعتمد على صاحب الحال، وهو هنا ولو يحكمونك أو حال من ضمير فى عندهم اذا جعلنا عندم خبراً مقدماً للتوراة. ويجوز كون فيها حالا على حد ما مر، وحكم فاعله، ويتولون بعد ذلك معطوف على يحكمونك، فهو داخل فى التعجيب على وجه التعجيب، كيف يحكمونك وكيف يتولون، وداخل فى الانكار على وجه الانكار من باب توجيه النفى الى المقيد لا يحكمونك بنية صادقة مع وجود التولى، اذ لو كانوا بالنية لم يتولو فالتحكيم بها منفى، والتولى موجود. واعلم أن تأنيث ضمير التوراة، وادخال أل تعريب للفظ توراة، حتى صيرت تاء كتاء التأنيث مع أنها ليست من ألفاظ التعرب، ولذلك أدخلت أل، هذا تحقيق المقام، ولا تتوهم أن أل دخلت قبل التعريب. {وَمَا أُولَئِكَ}: اليهود. {بِالمُؤمِنِينَ}: بكتابهم ورسولهم ولو زعموا أنهم آمنوا بهما أو ليسوا بالمؤمنين بالله حقيقة الايمان لكفرهم بأنبيائه وكتبه، وادعائهم أن عزيراً ابن الله، أو ليسوا بالمؤمنين بكتابك.
اطفيش
تفسير : {وَكِيْفَ} استفهام تعجيب أَو توبيخ أَو إِنكار للياقة ذلك عقلاً وشَرْعاً {يُحَكِّمُونَكَ} يجعلونك حاكماً بينهم ويرضون بحكمك {وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ} لم لا يقتصرون على حكم التوراة وقد كفروا بك، هذا وجه التعجيب، ووجه آخر في قوله {ثُمَّ يَتَوَلُّوْنَ} عن حكمك {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} من بعد تحكيمهم إِياك وحكمك، ووجه آخر هو رجوعهم إلى حكم يعتقدون أَنه باطل وذلك كما حكموك في المحصنين وحكمت بالرجم فأَبوا وما تدرى ما السبب وهو طلب ما هو أَسهل مع اعتقادهم أَن يقولوا لله: عملنا بفتوى نبى، وكثيراً ما يكون التعجيب أَو التعجب مع معرفة السبب، أَو كيف يحكمونك وعندهم التوراة فان الواجب عليهم العمل بما فيها ما لم يعلموا بنسخه، فإِذا علموا بنسخ شيءٍ رجعوا إِلى ناسخه. وإِما أَن يبيح الله الرجوع إِلى التوراة فيما علموا بنسخه فاعتقاده كفر لأَنه نفى لرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إِليهم، وإِن قال للناسخ {وَمَا أُولَئِكَ بِالمؤْمِنينَ} بكاملى الإِيمان بكتابهم لنقصه بالكفر ببعض التوراة بتركه بك، أَو ما هم أَهل حقيقة الإِيمان المعهود المأَمور به أَو ما هم مؤمنين بك.
الالوسي
تفسير : {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به، وتنبيه على أن ذلك التحكيم لم يكن لمعرفة الحق وإنما هو لطلب الأهون، وإن لم يكن ذلك حكم الله تعالى بزعمهم فقوله سبحانه: {وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَٰةُ} حال من فاعل {يُحَكّمُونَكَ}، وقوله تعالى: {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} حال من التوراة إن جعلت مرتفعة بالظرف وكون ذلك ضعيفاً لعدم اعتماد الظرف سهو لأنه معتمد ـ كما قال السمين ـ على ذي الحال لكن قال: جعل التوراة ـ مرفوعاً بالظرف المصدّر بالواو ـ محل نظر،، ولعل وجهه أنها تجعله جملة مستقلة غير معتمدة، أو أنه لا يقرن بالواو، وإن جعلت مبتدأ فهو حال من ضميرها المستكن في الخبر لأنه لا يصح مجىء الحال من المبتدأ عن سيبويه./ وقيل: استئناف مسوق لبيان أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، وأنثت التوراة معاملة لها ـ بعد التعريب ـ معاملة الأسماء العربية الموازنة لها ـ كموماة ودوداة ـ. {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} عطف على {يُحَكّمُونَكَ} داخل في حكم التعجيب لأن التحكيم مع وجود ما فيه الحق المغني عن التحكيم، وإن كان محلاً للتعجب والاستبعاد لكن مع الإعراض عن ذلك أعجب، و {ثُمَّ} للتراخي في الرتبة، وجوز الأجهوري كون الجملة مستأنفة غير داخلة في حكم التعجيب أي ثم هم يتولون أي عادتهم فيما إذا وضح لهم الحق أن يعرضوا ويتولوا، والأول أولى. وقوله سبحانه: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد أن يحكموك تصريح بما علم لتأكيد الاستبعاد والتعجب، وقوله عز وجل: {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} تذييل مقرر لفحوى ما قبله، ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم قصداً إلى إحضارهم في الذهن بما وصفوا به من القبائح إيماءاً إلى علة الحكم مع الإشارة إلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكمل تميز حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهدة، أي: وما أولئك الموصوفون بما ذكر بالمؤمنين بكتابهم لإعراضهم عنه المنبىء عن عدم الرضا القلبـي به أولاً وعن حكمك الموافق له ثانياً، أو بك وبه، وقيل: هذا إخبار منه تعالى عن أولئك اليهود أنهم لا يؤمنون بالنبـي صلى الله عليه وسلم وبحكمه أصلاً. وقيل: المعنى ـ وما أولئك بالكاملين في الإيمان ـ تهكماً بهم.
ابن عاشور
تفسير : وهذه الجملة عطف على جملة {أية : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعْرض عنهم}تفسير : [المائدة: 42]. والاستفهام للتعجيب، ومحلّ العجب مضمون قوله: {ثمّ يتولّون من بعد ذلك}، أي من العجيب أنّهم يتركون كتابهم ويحكّمونك وهم غير مؤمنين بك ثُمّ يتولّون بعد حكمك إذا لم يرضهم. فالإشارة بقوله: {من بعد ذلك} إلى الحكم المستفاد من {يُحكّمونك}، أيّ جمعوا عدم الرضى بشرعهم وبحكمك. وهذه غاية التّعنّت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين، كما وصف الله حال المنافقين في قوله: {أية : وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا إليه مذعنين}تفسير : [النور: 48، 49]. ويحتمل أنّ الاستفهام إنكاري، أي هم لا يحكّمونك حقّاً. ومحلّ الإنكار هو أصل ما يدلّ عليه الفعل من كون فاعله جادّاً، أي لا يكون تحكيمهم صَادقاً بل هو تحكيم صوري يبتغون به ما يوافق أهواءهم، لأنّ لديهم التّوراة فيها حكم مَا حَكَّموك فيه، وهو حكم الله، وقد نبذوها لعدم موافقتها أهواءهم، ولذلك قدّروا نبذ حكومتك إن لم توافق هواهم، فما هم بمحكِّمين حقيقة. فيكون فعل {يحكّمونك} مستعملاً في التظاهر بمعنى الفعل دون وقوعه، كقوله تعالى: {أية : يحْذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تنبّئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا}تفسير : [التوبة: 64] الآية. ويجوز على هذا أن تكون الإشارة بقوله: {من بعد ذلك} إلى مجموع ما ذكر، وهو التّحكيم، وكون التّوراة عندهم، أي يتولّون عن حكمك في حال ظهور الحجّة الواضحة، وهي موافقة حكومتك لحكم التّوراة. وجملة {وما أولئك بالمؤمنين} في موضع الحال من ضمير الرفع في {يحكّمونك}. ونفي الإيمان عنهم مع حذف متعلّقه للإشارة إلى أنّهم ما آمنوا بالتّوراة ولا بالإسلام فكيف يكون تحكيمهم صادقاً. وضمير {فيها} عائد إلى التّوراة، فتأنيثه مراعاة لاسم التّوراة وإن كان مسمّاها كتاباً ولكن لأنّ صيغة فعلاة معروفة في الأسماء المؤنّثة مثل مَومَاة. وتقدّم وجه تسمية كتابهم توراة عند قوله تعالى: {أية : وأنزل التّوراة والإنجيل} تفسير : في سورة آل عمران (3).
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلتَّوْرَاةُ} {أُوْلَـٰئِكَ} (43) - وَيُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاءِ مَقَاصِدَهُمُ الزَّائِفَةَ، وَنِيَّاتِهِمْ الفَاسِدَةَ، فِي تَرْكِهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الكِتَابِ الذِي بِأيْدِيهِمْ، وَالذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ مَأمُورُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ أبداً، ثُمَّ يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهِ إلَى غَيْرِهِ (القُرْآنِ وَالإِسْلامِ)، مِمَّا يَعْتَقِدُونَ بُطْلاَنَهُ، وَعَدَمَ لُزُومِهِ لَهُمْ. فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ فِي أمْرِ الزُّنَاةِ وَعِنْدَهُمُ التَّورَاةَ فِيهَا حُكْمُ اللهِ، وَإذا أَرَدْتَ أَنْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا يَتَّفِقُ مَعَ شَرْعِهِمْ، لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَكَ (يَتَوَلَّوْنَ) لأنَّهُمْ لَيْسُوا مُؤْمِنينَ إيمَاناً صَحِيحاً لا بِدِينِهِمْ، وَلاَ بِدِينِكَ. يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ - يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِكَ المُوَافِقِ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ بَعْدَ تَحْكِيمِكَ.
الثعلبي
تفسير : {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} تعجّب وفيه اختصار إلى وكيف يجعلونك حاكماً ويرضون بمحمد {وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} وهو الرجم فلا يرضون بذلك. { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} إلى قوله {لِلَّذِينَ هَادُواْ} فإن قيل: وهل فينا غير مسلم؟ فالجواب أن هؤلاء نبيوا الإسلام لا على أن غيرهم من النبيين لم يتولوا المسلمين وهذا كقوله {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ}تفسير : [الفتح: 29] {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} تفسير : [الأعراف: 158] لا يريد أن غيره من الأنبياء لم يؤمنوا باللّه وكلماته. وقيل: لم يرد به الإسلام الذي هو ضد الكفر. إنما المراد به الذين انقادوا لحكم اللّه فلم يكتموه كما كتم هؤلاء، يعرّض بأهل الكتاب. وهذا كقوله {أية : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [آل عمران: 83]. وقال يزيد بن عمرو بن نفيل: أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً، وأسلمت وجهي لمن أسلمت له العيون تحمل عذباً زلالاً. وقيل: معناه الذين أسلموا أنفسهم إلى اللّه. كما روي حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أوى إلى فراشه: "أسلمت نفسي إليك ". تفسير : وقيل: معناه: يحكم بها النبيون الذين أسلموا بما في التوراة من الشرائع ولم يعمل به كمثل عيسى (عليه السلام) وهو قوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] وهو معنى قول ابن حيّان يحكم بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى عليهما السلام. وقال الحسن والسدّي أراد محمداً صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم وذكره بلفظ الجمع كما قال تعالى {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] وقال: أم تحسدون الناس في الحياة {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} يعني العلماء وهم ولد هارون (عليه السلام) وأحدهم محبر وحبر وهو العالم المحكم للشيء ومنه الكعب بن قانع كعب الأحبار وكعب الحبر. قال الفرّاء: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار بكسر الحاء واختلفوا في اشتقاق هذا الإسم. فقال الكسائي وأبو عبيدة: هو من الحبر الذي يكتب به. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل عنه، فقال: هو من الحبار وهو الأثر الحسن. فأنشد: شعر : لا تملأ الدلو وعرق فيها ألا ترى حبّار من يسقيها تفسير : قال قطرب: هو من الحبر وهو الجمال والهيئة يدل عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره"تفسير : [أي جماله وبهاؤه]. حديث : وقال العباس لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم يا ابن أخ فيم الجمال؟ قال: "في اللسان ". تفسير : وقال مصعب بن الزبير لإبنه: يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان جمالاً وإن لم يكن عندك علم كان لك مالاً، {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} استودعوا من كتاب اللّه {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} إنه كذلك {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} إلى قوله {ٱلْكَافِرُونَ} واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها. فقال الضحّاك وأبو إسحاق وأبو صالح وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود وليس في أهل الإسلام منها شيء فأما هذه الأمّة فمن أساء منهم وهو يعلم إنه قد أساء وليس بدين. يدلّ على صحة هذا التأويل. ما روى الأعمش عن عبد اللّه بن مرّة عن البرّاء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} والظالمون والفاسقون. قال: كلها في الكافرين. وقال النخعي والحسن: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضىً لهذه الآية بها فهي على الناس كلّهم واجبة. عن ابن عباس وطاووس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل ذلك وهو به كفر، وليس كمن يكفر باللّه واليوم [الآخر]. عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. عكرمة: معناه ومن لم يحكم بما أنزل اللّه جاحداً به فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وهذه رواية الوالبي عن ابن عباس قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي، قال: سمعت أبا زكريا العنبري، يحكي عن عبد العزيز بن يحيى الكناني إنه سأل عن هذه الآيات، قال: إنها تقع على جميع ما أنزل اللّه لا على بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل اللّه فهو كافر ظالم فاسق. فأما من يحكم ببعض ما أنزل اللّه من التوحيد [وترك] الشرك ثم لم يحكم بهما [فبين] ما أنزل اللّه من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. قالت الحكماء: هذا إذا ردّ بنص حكم اللّه عياناً عمداً، فأما من جهله أو أخفي عليه أو أخطأ في تأويل ابتدعه أو دليل اتّجه له فلا، وأجراها بعضهم على الظاهر. وقال ابن مسعود، والسدّي: من ارتشى في الحكم وحكم فيه بغير حكم الله فهو كافر {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} أي وأوحينا في بني إسرائيل في التوراة {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} يعني النفس القاتلة بالنفس المقتولة [ظلماً] {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} بقلعهما {وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ} يجدع به {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ} يقطع به أذنيه. نافع: في جميع الفقهاء [وقرأ] الباقون {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} يقلع به وسائر الجوارح قياس على العين والأنف والأذن {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأما ما كان من هيضة لحم أو هيضة عظم ويعده ركن لا يحيط العلم به وقياس أو حكومة. واختلف الفقهاء في هذه الآية، فقرأ الكسائي: {والعين} رفعاً إلى آخره. واختار أبو عبيد لما روى ابن شهاب عن أنس أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قرأه {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} نصباً، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، كله رفع. وأما أبو جعفر وإبن كثير وإبن عامر وأبو عمرو فكانوا يرفعون الجروح وينصبون سائرها.وقتادة، أبو حاتم قالوا: لأن لهما نظائر في القرآن قوله {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} تفسير : [التوبة: 3] و {أية : إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128] {أية : وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ} تفسير : [الجاثية: 32]. وقرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة ويعقوب [بالعطف] كلها نصباً ودليلهم قوله تعالى: {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} وأن العين بالعين وأن الأنف بالأنف وأن الأذن بالأذن فإن الجروح قصاص. {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} إختلفوا في الهاء في قوله "به"، فقال قوم: هي كناية عن المجروح وولي القتيل، ومعناه فمن تصدّق به فهو كفّارة له، للمتصدق يعدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدّق. وهو قول عبد اللّه بن عباس والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد، دليل هذا القول لحجة ما روى الشعبي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تصدّق عن جسده بشيء كفّر اللّه عنه بقدر ذلك من ذنوبه ". تفسير : وروى وكيع عن يوسف بن أبي إسحاق عن أبي السهر قال: حديث : كسر رجل من قريش سنّ رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية، فقال القريشي: إن هذا داق سني. قال معاوية: كلا أما تسترضيه، فلمّا ألحَّ عليه الأنصاري، قال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يصاب بشيء عن جسده فيتصدّق به إلاّ رفعه اللّه به درجة وحطّ به عن خطيئة". فقال الأنصاري: أأنت سمعت بهذا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: نعم سمعته أُذناي ووعاه قلبي فعفى عنه . تفسير : وروى عوف عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: حديث : جيء بالقاتل الذي قتل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جاء به ولي المقتول، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: القتل، قال: نعم [قال إذهب فذهب] فدعاه فقال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: القتل، قال: نعم، قال: إذهب، فلما ذهب قال: أما لك أن عفوت فإنه يبوء بإثمك، وإثم صاحبك. قال: فعفى عنه فأرسله ورأيته وهو يجر شسعيه . تفسير : وروى عمران عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: طعن رجل رجلاً على عهد معاوية، فأعطوه ديتين على أن يرضى. فلم يرضَ وأعطوه ثلاث ديات فلم يرض. وحدث رجل عن المسلمين عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: "حديث : من تصدّق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق ". تفسير : وعن عمر بن نبهان عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث شاء من أدى ديناً [خفياً] وعفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرّات قل هو اللّه أحد". قال أبو بكر: وإحداهن يا رسول اللّه؟ قال: وإحداهن . تفسير : وقال آخرون: عني بذلك الجارح والقاتل، يعني إذا عفا المُجنى عليه عن الجاني فعفوه عن الجاني كفّارة لذنب الجاني لا يوآخذ به في الآخرة كما أن القصاص كفّارة له كما إن العافي المتصدق فعلى اللّه تعالى، قال اللّه تعالى {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40] وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، وروي ذلك عن ابن عباس. والقول الأوّل أجود لأنّه ربما تصدّق من عليه ولم يتب الخارج من فعله فإنه كفّارة له والدليل عليه قراءة أُبي: فمن تصدّق به فهو كفّارة له. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} على آثار النبيين المسلمين للتوراة العالمين به {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يوضح سبحانه: كيف يأتون طلبا للحكم منك وعندهم التوراة، وهم لم يؤمنوا بك يا محمد رسولاً من الله، فكيف يرضاك من لم يؤمن بك حَكَما؟ لا بد أن في ذلك مصلحة مناقضة لما في التوراة، ولو لم تكن تلك المصلحة مناقضة لنفذوا الحكم الذي عندهم، وهم إنما جاءوا إليك يا رسول الله طمعا في أن تعطي شيئا من التسهيل وظنوا - والعياذ بالله - أنك قد توفر لهم أكل السُّحت وسماع الكذب. {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ} وهي مسألة عجيبة يجب أن يُفظن إليها؛ لأن عندهم التوراة فيها حكم الله، فلو حكموك في أمر ليس في التوراة لكان الأمر مقبولاً، لكن أن يحكموك في أمر له حكم في التوراة، وبعد ذلك يطلعك الله عليه لتكشفه فتقول يا رسول الله: هاتوا ابن صوريا ليأتي بحكم التوراة. ويعترف ابن صوريا بوجود حكم الرَّجم في التوراة. إذن هم رغبوا في الاحتيال، وأراد الله أن يثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم لوناً في الإعلام عن هؤلاء المارقين على أحكام الله، هم يعلمون أن الرسول أُمّي، لم يقرأ ولم يكتب، فمن الذي أخبره بالحكم الموجود بالتوراة؟ إذن أخبره من أرسله، وإذا كانوا قد أرادوا البحث عن حكم مُخفَّف فالحق أراد ذلك ليكون سَبباً من أسباب الخزي لهم. {أية : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 43] وهذا دليل على أن الرسول عندما حكم بغير مطلوب تيسيرهم. أعرضوا عن الحكم. ولو كانوا طالبين للحكم بادئ ذي بدء لقبلوا الحكم بالرجم كما قاله لهم رسول الله، لكنهم غير مؤمنين حتى بتوراتهم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):