Verse. 713 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِنَّاۗ اَنْزَلْنَا التَّوْرٰىۃَ فِيْہَا ہُدًى وَّنُوْرٌ۝۰ۚ يَحْكُمُ بِہَا النَّبِيُّوْنَ الَّذِيْنَ اَسْلَمُوْا لِلَّذِيْنَ ہَادُوْا وَالرَّبّٰنِيُّوْنَ وَالْاَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوْا مِنْ كِتٰبِ اللہِ وَكَانُوْا عَلَيْہِ شُہَدَاۗءَ۝۰ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوْا بِاٰيٰـتِيْ ثَـمَنًا قَلِيْلًا۝۰ۭ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَاۗ اَنْزَلَ اللہُ فَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْكٰفِرُوْنَ۝۴۴
Inna anzalna alttawrata feeha hudan wanoorun yahkumu biha alnnabiyyoona allatheena aslamoo lillatheena hadoo waalrrabbaniyyoona waalahbaru bima istuhfithoo min kitabi Allahi wakanoo AAalayhi shuhadaa fala takhshawoo alnnasa waikhshawni wala tashtaroo biayatee thamanan qaleelan waman lam yahkum bima anzala Allahu faolaika humu alkafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أنزلنا التوراة فيها هدى» من الضلالة «ونورٌ» بيان للأحكام «يحكم بها النبيون» من بني إسرائيل «الذين أسلموا» انقادوا لله «للذين هادوا والربانيون» العلماء منهم «والأحبار» الفقهاء «بما» أي بسبب الذي «استحفظوا» استودعوه أي استحفظهم الله إياه «من كتاب الله» أن يبدلوه «وكانوا عليه شهداء» أنه حق «فلا تخشوا الناس» أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم وغيرها «واخشوْن» في كتمانه «ولا تشتروا» تستبدلوا «بآياتي ثمنا قليلا» من الدنيا تأخذونه على كتمانها «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» به.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء }. اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد. قال الزجاج {فِيهَا هُدًى } أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم {وَنُورٌ } بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق. المسألة الثانية: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً بهذه الآية؛ وتقريره أنه تعالى قال: إن في التوراة هدىً ونوراً. والمراد كونه هدىً ونوراً في أصول الشرع وفروعه، ولو كان منسوخاً غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدىٌ ونور، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط، لأنه ذكر الهدى والنور، ولو كان المراد منهما معاً هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار، وأيضاً أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم، فلا بدّ وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلاً فيها. المسالة الثالثة: قوله {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } يريد النبيّين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفاً من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها. فإن قيل: كل نبي لا بدّ وأن يكون مسلماً، فما الفائدة في قوله {ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ }. قلنا فيه وجوه: الأول: المراد بقوله {أسلموا} أي انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام. الثاني: قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيماً له، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] وقوله {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ } تفسير : [النساء: 45] وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلاً لأكثر الأنبياء. الثالث: قال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى، فقال تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه. الرابع: المراد بقوله {ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه، والغرض من التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام. المسألة الرابعة: قوله {لِلَّذِينَ هَادُواْ } فيه وجهان: الأول: المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا، أي لأجلهم وفيما بينهم، والثاني: يجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا. المسألة الخامسة: أما الربانيون فقد تقدم تفسيره، وأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء، واختلف أهل اللغة في واحده، قال الفرّاء: إنما هو «حبر» بكسر الحاء، يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر الذي يكتب به، وذلك أنه يكون صاحب كتب، وكان أبو عبيدة يقول: حبر بفتح الحاء. قال الليث: هو حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها. وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر، وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، وفي الحديث «حديث : يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره» تفسير : أي جماله وبهاؤه، والمحبر للشيء المزين، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به. وقال آخرون اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به، وهو قول الفرّاء والكسائي وأبي عبيدة، والله أعلم. المسألة السادسة: دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالاً من الأحبار، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين، والأحبار كآحاد العلماء. ثم قال: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حفظ كتاب الله على وجهين: الأول: أن يحفظ فلا ينسى. الثاني: أن يحفظ فلا يضيع، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. المسألة الثانية: الباء في قوله {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } فيه وجهان: الأول: أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا. الثاني: أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا، وهو قول الزجاج. ثم قال تعالى: {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِى } واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعهم من التحريف والتغيير. واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بدّ وأن يكون لخوف ورهبة، أو لطمع ورغبة، ولما كان الخوف أقوى تأثيراً من الطمع قدم تعالى ذكره فقال: {فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس وَٱخْشَوْنِ } والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم، فلا تكونوا خائفين من الناس، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي. ولما ذكر أمر الرهبة ابتعه بأمر الرغبة، فقال {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة، فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة، والرشوة لكونها سحتاً تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل، ثم أنتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد، والسعادات التي لا نهاية لها. ويحتمل أيضاً أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين، للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة، ولما منعهم الله من الأمرين على ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهاناً قاطعاً في المنع من التحريف والتبديل. ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم الله تعالى في حد الزاني المحصن، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة وقالوا: إنه غير واجب، فهم كافرون على الاطلاق، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن. المسألة الثانية: قالت الخوارج: كل من عصى الله فهو كافر. وقال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافراً. وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة: الأول: أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم، وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال: المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وهذا أيضاً ضعيف لأن قوله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } كلام أدخل فيه كلمة {مِنْ } في معرض الشرط، فيكون للعموم. وقول من يقول: المراد ومن لم يحكم بما أنزل الله من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز. الثاني: قال عطاء: هو كفر دون كفر. وقال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين، وهو أيضاً ضعيف، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين. والثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين، وهذا ضعيف أيضاً لأنه عدول عن الظاهر. والرابع: قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: قوله {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } صيغة عموم، فقوله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله، أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم الله إلاّ في القليل، وهو العمل، أما في الاعتقاد والاقرار فهو موافق، وهذا أيضاً ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيداً مخصوصاً بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم، وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم، فيدل على سقوط هذا الجواب، والخامس: قال عكرمة: قوله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ}. أي بيان وضياء وتعريف أن محمداً صلى الله عليه وسلم حق. «هُدىً» في موضع رفع بالإبتداء «ونَورٌ» عطف عليه. {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} قيل: المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وعُبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة، وأن اليهود قالت: إن الأنبياء كانوا يهوداً. وقالت النصارى: كانوا نصارى؛ فبين الله عز وجل كذبهم. ومعنى {أَسْلَمُواْ} صدّقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان عيسى عليهما السلام وبينهما ألف نبي؛ ويقال: أربعة آلاف. ويقال: أكثر من ذلك، كانوا يحكمون بما في التوراة. وقيل: معنى «أَسْلَمُوا» خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بُعِثوا به. وقيل: أي يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى واحد. ومعنى {لِلَّذِينَ هَادُواْ} على الذين هادوا فاللام بمعنى «على». وقيل: المعنى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم، فحذف «عليهم». و {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} ههنا نعت فيه معنى المدح مثل {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }. «هَادُوا» أي تابوا من الكفر. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار؛ أي ويحكم بها الربانيون وهم الذي يَسُوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره؛ عن ٱبن عباس وغيره. وقد تقدّم في آل عمران. وقال أبو رَزِين: الربانيون العلماء الحكماء والأحبار. قال ابن عباس: هم الفقهاء. والحِبْر والحَبْر الرجل العالم وهو مأخوذ من التَّحبير وهو التحسين، فهم يُحبّرون العلم أي يبينونه ويزينونه، وهو مُحبَّر في صدورهم. قال مجاهد: الربانيون فوق العلماء. والألف واللام للمبالغة. قال الجوهري: والحِبر والحَبر واحد أحبار اليهود، وبالكسر أفصح: لأنه يجمع على أفعال دون الفُعول؛ قال الفراء: هو حِبر بالكسر يقال ذلك للعالم. وقال الثوري: سألت الفرّاء لم سُمّي الحبر حبرا؟ فقال: يقال للعالم حِبر وحَبر فالمعنى مداد حِبر ثم حذف كما قال: { أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي أهل القرية. قال: فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشيء؛ إنما سمى حبراً لتأثيره، يقال: على أسنانه حبر أي صفرة أو سواد. وقال أبو العباس: سمى الحِبر الذي يكتب به حِبرا لأنه يحبر به أي يحقق به. وقال أبو عبيد: والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه. قال: وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح، والحِبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر. والحبر أيضاً الأثر والجمع حُبُور؛ عن يعقوب. {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} أي ٱستودعوا من علمه. والباء متعلقة بـ «الربانيين والأحبار» كأنه قال: والعلماء بما ٱستحفظوا. أو تكون متعلقة بـ «يَحْكم» أي يحكمون بما ٱستحفظوا. {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} أي على الكتاب بأنه من عند الله. ٱبن عباس: شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهار الرجم. {وَٱخْشَوْنِ} أي في كتمان ذلك؛ فالخطاب لعلماء اليهود. وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقاً وجب عليه ولم يُظهِره. وتقدّم معنى {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} مستوفى. قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} و «الظَّالِمُونَ» و «الْفَاسِقُونَ» نزلت كلها في الكفار؛ ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدّم. وعلى هذا المعظَم. فأما المسلم فلا يكفر وإن ٱرتكب كبيرة. وقيل: فيه إضمار؛ أي ومن لم يحكم بما أنزل ا لله ردّا للقرآن، وحجدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا. قال ٱبن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك ومستحِلاً له؛ فأمّا من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرّمٍ فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ٱبن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل ا لله فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار. وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر؛ فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأوّل، إلا أن الشّعبي قال: هي في اليهود خاصة، وٱختاره النحاس؛ قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء؛ منها أن اليهود قد ذُكِروا قبل هذا في قوله: {لِلَّذِينَ هَادُواْ} فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك؛ ألا ترى أن بعده {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} فهذا الضمير لليهود بإجماع؛ وأيضاً فإن اليهود هم الذين أنكروا الرّجم والقصاص. فإن قال قائل: «من» إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها؟ قيل له: «من» هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة؛ والتقدير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون؛ فهذا من أحسن ما قيل في هذا؛ ويروى أن حُذَيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ قال: نعم هي فيهم، ولتسلُكنّ سبيلهم حذو النعل بالنعل. وقيل: «الكافرون» للمسلمين، و «الظالمون» لليهود، و «الفاسقون» للنصارى؛ وهذا ٱختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو ٱختيار ٱبن عباس وجابر بن زيد وٱبن أبي زائدة وٱبن شُبْرمة والشعبي أيضاً. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عندالله، فهو تبديل له يوجب الكفر؛ وإن حكم به هوىً ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القُشَيري: ومذهب الخوارج أن من ٱرتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر، وعُزِي هذا إلى الحسن والسُّدي. وقال الحسن أيضاً: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألاّ يتّبعوا الهوى، وألاّ يخشوا الناس ويخشوه، وألاّ يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى } من الضلالة {وَنُورٌ } بيان للأحكام {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ } من بني إسرائيل {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } انقادوا لله {لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ } العلماء منهم {وَٱلأَحْبَارُ } الفقهاء {بِمَا } أي بسبب الذي {ٱسْتُحْفِظُواْ } استُودِعوه أي استحفظهم الله إياه {مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ } أن يبدّلوه {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أنه حق {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ } أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وَالرجم وغيرهما {وَٱخْشَوْنِ } في كتمانه {وَلاَ تَشْتَرُواْ } تستبدلوا {بئَايَٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } من الدنيا تأخذونه على كتمانها {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ } به.

ابن عبد السلام

تفسير : {هُدىً} دليل. {وَنُورٌ} بيان. {النَّبِيُّونَ} جماعة أنبياء منهم محمد، أو محمد وحده صلى الله عليه وسلم وإن ذكر بلفظ الجمع، والذي حكم به رجم الزاني، أو القود، أو الحكم بكل ما فيها ما لم يرد نسخ، أو تخصيص. {لِلَّذِينَ هَادُواْ} اللام بمعنى "على" وفي الحكم بها على غير اليهود خلاف. {وَالأَحْبَارُ} العلماء واحدهم، "حبر" بالكسر والفتح من التحبير وهو التحسين، لأن العالم يحسن الحسن، ويقبح القبيح، أو يحسن العلم. {اسْتُحْفِظُواْ} استودعوا، أو حفظوا. {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} على حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة. فلا تخشوهم في كتمان ما أُنزلت أو في الحكم به. {ثَمَناً قَلِيلاً} أجراً على كتمانها، أو أجراً على تعليمها. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم} نزلت والآيتان التي بعدها في اليهود دون المسلمين، أو نزلت في أهل الكتاب، وهي عامة في سائر الناس، أو أراد بالكافرين المسلمين، وبالظالمين: اليهود، وبالفاسقين: النصارى، أو من لم يحكم به جاحداً كفر، وإن كان غير جاحد ظلم وفسق.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} سبب نزول هذه الآية استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمر الزانيين وقد سبق بيانه والهدى هو البيان لأن التوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبينة ما تحاكموا فيه والنور هو الكاشف للشبهات الموضح للمشكلات والتوراة كذلك. وقيل: الفرق بين الهدى والنور أن الهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والنور محمول على بيان أحكام التوحيد والنبوات والمعاد {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} أراد بالنبيين الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام وذلك أن الله بعث فى بني إسرائيل ألوفاً من الأنبياء وليس معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها ومعنى أسلموا: أي انقادوا لأمر الله تعالى والعمل بكتابه وهذا على سبيل المدح لهم وفيه تعريض باليهود لأنهم بعدوا عن الإسلام الذي هو دين الأنبياء عليهم السلام وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد صلى الله عليه وسلم وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً وتشريفاً له صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم وكان هذا الحكم فى التوراة. قال ابن الأنباري هذا رد على اليهود والنصارى لأن الأنبياء عليهم السلام ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين لله تعالى منقادين لأمره ونهيه. للذين هادوا يعني لليهود يعني يحكم بالتوراة لهم وفيما بينهم ويحملهم على أحكامها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم كما هو في التوراة ولم يوافقهم على ما أرادوه من الجلد وقال الزجاج وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا {والربانيون والأحبار} أما الربانيون فتقدم تفسيره فى سورة آل عمران وأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء. وقيل: هم العلماء الأحبار واحده حبر بفتح الحاء وكسرها لغتان. وقال الفراء: إنما هو حبر بكسر الحاء وإنما سمي به لمكان الحبر الذى يكتب به وذلك لأنه صاحب كتاب. وقال أبو عبيد: إنما هو حَبر بفتح الحاء والحبر العالم لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس وأفعاله الحسنة التى يقتدى بها وجمعه أحبار ومنه كعب الأحبار. وقيل: الحبر الأثر المستحسن ومنه الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره أي جماله وبهاؤه. وإنما سمي العالم حبراً لما عليه من أثر جمال العلم وهل فرق بين الربانيين والأحبار أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: لا فرق. والربانيون، والأحبار بمعنى واحد وهم: العلماء والفقهاء. وقيل: الربانيون أعلى درجة من الأحبار لأن الله تعالى قدمهم في الذكر على الأحبار. وقيل: الربانيون هم الولاة. والحكام والأحبار هم العلماء: وقيل: الربانيون علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود. ومعنى الآية: يحكم بأحكام التوراة النبيون وكذلك يحكم بها الربانيون والأحبار. وقوله تعالى: {بما استحفظوا من كتاب الله} يعني بما استودعوا من كتاب الله. وقيل: هو أن يحفظوا كتاب الله فلا ينسوه وقيل هو أن يحفظوه فلا يضيعوا أحكامه وشرائعه. وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين معاً وذلك بأن يحفظوا كتاب الله فى صدورهم ويدرسونه بألسنتهم لئلا ينسوه وأن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه فإذا فعلوا كانوا قائمين بحفظه {وكانوا عليه شهداء} يعني: أن هؤلاء النبيين والربانيين والأحبار كانوا شهداء على كتاب الله تعالى ويعلمون أنه حق وصدق وأنه من عند الله {فلا تخشوا الناس واخشون} هذا خطاب لحكام اليهود الذين كانوا فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لا تخافوا أحداً من الناس فى إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بالرجم واخشون يعني في كتمان ذلك {ولا تشتروا بآياتى ثمناً قليلاً} يعني ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه ثمناً قليلاً يعني الرشوة فى الأحكام والجاه عند الناس ورضاهم والمعنى كما نهيتكم عن تغير الأحكام لأجل خوف الناس كذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} بمعنى: أن اليهود لما أنكروا حكم الله تعالى المنصوص عليه فى التوراة وقالوا إنه غير واجب عليهم، فهم كافرون على الإطلاق بموسى والتوراة وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث وهي قوله:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} فقال جماعة من المفسرين: الآيات الثلاث نزلت فى الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة، لا يقال إنه كافر وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك. ويدل على صحة هذا القول ما روي عن البراء بن عازب قال أنزل الله تبارك وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} في الكفار كلها أخرجه مسلم وعن ابن عباس قال {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}تفسير : [المائدة: 44] إلى قوله هم الفاسقون هذه الآيات الثلاث في اليهود خاصة قريظة والنضير أخرجه أبو داود. وقال مجاهد: فى هذه الآيات الثلاث من ترك الحكم بما أنزل الله رداً لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق. وقال عكرمة ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق وهذا قول ابن عباس أيضاً واختار الزجاج لأنه قال: من زعم أنّ حكماً من أحكام الله تعالى التي أتانا بها الأنبياء باطل فهو كافر. وقال طاوس: قلت لابن عباس أكافر من لم يحكم بما أنزل الله؟ فقال: به كفر وليس بكفر ينقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر ونحو هذا روي عن عطاء. قال: هو كفر دون الكفر. وقال ابن مسعود والحسن والنخعي: هذه الآيات الثلاث عامة فى اليهود وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب. وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عياناً عمداً وحكم بغيره وأما من خفي عليه النص أو أخطأ فى التأويل فلا يدخل فى هذا الوعيد والله أعلم بمراده.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً}، أي: إرشاد في المعتقَدِ والشرائعِ، والنورُ: ما يستضاء به مِنْ أوامرها ونواهيها، و {ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}: هم مَن بُعِثَ من لدنْ موسَى بنِ عمرانَ إلى مدة نبيِّنا محمَّد ـــ عليه السلام ـــ، وأسلموا: معناه أخْلَصُوا وجوهَهُم ومقاصِدَهم للَّه سبحانه، وقوله: {لِلَّذِينَ هَادُواْ}: متعلِّق بـ {يَحْكُمُ} أي: يَحْكُمُونَ بمقتضَى التوراةِ لبني إسرائيل وعليهم، {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ}: عطف على النبيِّين، أي: ويحكم بها الرَّبَّانِيُّون، وهم العلماءُ، وقد تقدَّم تفسير الرَّبَّانِيِّ، والأحْبَارُ أيضاً: العلماءُ، واحدُهم: حِبْرٌ ـــ بكسر الحاء، وفتحها ـــ، وكثُر استعمال الفَتْح؛ فرقًا بينه وبين «الحِبْرِ» الذي يُكْتَبُ به، وإنما اللفظ عامٌّ في كلِّ حَبْرٍ مستقيمٍ فيما مضَىٰ من الزمان قبل مبعَثِ نبيِّنا محمد ـــ عليه السلام ـــ. وقوله سبحانه: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ}، أي: بسبب ٱستحفاظِ اللَّه تعالَىٰ إياهم أمر التَّوْراة، وأخْذِهِ العهدَ علَيْهم؛ في العملِ والقَوْلِ بها، وعرَّفهم ما فيها، فصَارُوا شُهَداء عليه، وهؤلاء ضيَّعوا لَمَّا ٱسْتُحْفِظُوا؛ حتَّىٰ تبدَّلتِ التوراةُ، والقُرآنُ بخلافِ هذا؛ لقوله تعالَىٰ: {أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر:9]. وقوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ}: حكايةٌ لما قيل لعلماء بني إسرائيل. وقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً}: نَهْيٌ عن جميع المكاسِبِ الخبيثةِ بالعلْمِ والتحيُّلِ للدنيا بالدِّين، وهذا المعنَىٰ بعينه يتناوَلُ علماء هذه الأمة وحُكَّامَها، ويحتملُ أنْ يكون قوله: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ...} إلى آخر الآية ـــ خطاباً لأمَّة نبينا محمد ـــ عليه السلام ـــ. واختلف العلماء في المراد بقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}. فقالتْ جماعة: المرادُ: اليهودُ بالكافرين والظَّالمين والفاسِقِينَ؛ وروي في هذا حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طريق البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ قال الفَخْر: وتمسَّكت الخوارجُ بهذه الآية في التكْفِير بالذَّنْب، وأجيبَ بأنَّ الآية نزلَتْ في اليهود، فتكون مختصَّة بهم، قال الفَخْر: وهَذا ضعيفٌ؛ لأن الاعتبار بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السبَبِ. قلْتُ: وهذه مسألةُ خلافٍ في العامِّ الوارِدِ على سببٍ، هَلْ يَبقَىٰ علَىٰ عمومه، أو يُقْصرُ علَىٰ سببه؟ انتهى. وقالتْ جماعة عظيمةٌ من أهل العلمِ: الآيةُ متناولة كلَّ مَنْ لم يحكُمْ بما أنزل اللَّه، ولكنَّها في أمراء هذه الأمَّة ـــ كُفْرُ معصية؛ لا يخرجهم عن الإيمان، وهذا تأويلٌ حسن، وقيل لحذيفة بْنِ اليَمَان: أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل، فقال: نِعْمَ الإخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إسْرَائِيلَ، إنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ، وَلَهُمْ كُلُّ مُرَّةٍ، لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُم قُذَّ الشِّرَاكِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} الآية. قوله سبحانه: {فِيهَا هُدًى} يحتملُ الوجهَيْن المذكورَيْنِ في قوله: "وعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ"، فـ "هُدًى" مبتدأ أو فاعلٌ، والجملةُ حالٌ من "التَّوْرَاةِ". وقوله: "يَحْكُمُ بِهَا" يجَوزُ أنْ تكونَ جُمْلةً مستأنفةً، ويجوزُ أنْ تكونَ منصوبة المحلِّ على الحالِ، إمَّا مِنَ الضَّمير في "فِيهَا"، وإمَّا مِن "التَّوْرَاةِ". وقوله: "الَّذِينَ أسْلَمُوا" صِفَةٌ لـ "النَّبِيُّونَ"، وصفَهُم بذلك على سبيلِ المَدْح، والثَّنَاء، لا عَلى سبيلِ التَّفْصِيلِ؛ فإنَّ الأنبياءَ كُلَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وإنَّما أثْنَى عليهم بذلك، كما تَجري الأوْصَافُ على أسماء الله تعالى. قال الزَّمخشريُّ: أجْرِيَتْ على النَّبِيِّينَ على سبيلِ المدْحِ كالصفات الجارية على القديمِ - سبحانه - لا للتفصلة والتوضِيحِ، وأُريدَ بإجرائها التَّعْرِيضُ باليهُودِ، وأنَّهم بُعداءُ من مِلَّةِ الإسلامِ الذي هو دينُ الأنبياءِ كُلِّهم في القديم والحديثِ، فإن اليهود بمعْزَلٍ عنها. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} منارٌ على ذلك، أيْ: دليلٌ على ما ادَّعَاهُ. فإن قُلْتَ: "هُدًى ونُورٌ" العطفُ يقتضِي المغايَرَة، فالهُدَى مَحْمُولٌ على بيانِ الأحْكامِ والشرائع والتكالِيف، والنُّورُ بيانُ التَّوْحيدِ، والنُّبُوَّةِ، والمَعَادِ. وقال الزَّجَّاج: الهُدَى بيانُ الحُكْمِ الذي يستفتُونَ فيه النبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، والنورُ بيانُ أنَّ أمرَ النبيِّ [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] حَقٌّ. وقوله: {يَحكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} يُريدُ الذين كانوا بعد مُوسى [عليه السلام]. وقوله "الَّذِين أسْلَمُوا" أيْ: سلَّموا وانْقَادُوا لأمر الله كما أخبرَ عَنْ إبْرَاهِيم [عليه السلامُ]: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131]، وكقوله: {أية : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} تفسير : [آل عمران: 83]. وأراد بالنبيِّينَ الذين بُعِثُوا بعد مُوسى [عليه وعليهم السلام] لِيحكُمُوا بما في التوراةِ [وقد أسلمُوا لحُكْمِ التوراةِ وحكمُوا بها، فإنَّ من النبيين مَنْ لمْ يحكم بحكم التوراةِ منهم] عيسى [عليه الصلاة والسلام] قال تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. وقال الحسنُ والزهري وعكرمةُ، وقتادةُ والسديُّ: يحتملُ أنْ يكونُ المرادُ بالنبيين هُمْ مُحَمَّدٌ [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] حَكَمَ على اليهُودِ بالرجْمِ، وكان هَذَا حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وذكره بلفْظِ الجمعِ تَعْظِيماً له كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} تفسير : [النحل: 120] وقوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [النساء: 54] لأنه كان قد اجتمعَ فِيه من خِصالِ الخيْرِ ما كان حَاصِلاً لأكثرِ الأنْبياء. قال ابنُ الأنْبَارِي: هذا ردٌّ على اليهُود والنَّصارى [لأنَّ بعضُهم كانوا يقولون: الأنبياءُ كلُهم يهودٌ أو نصارى، فقال تعالى:] {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} يَعْنِي: أنَّ الأنبياء ما كانوا مَوصُوفينَ باليهوديةِ والنصرانيَّةِ بَلْ كانوا مُسْلِمين لِلَّهِ مُنْقَادينَ لتكالِيفهِ. وقولُه تعالى: {لِلَّذِينَ هَادُواْ} فيه وجهانِ: أحدهما: أن النبيين إنما يحكُمون بالتورَاةِ لأجْلِهِمْ، وفِيمَا بَيْنَهُم، والمَعْنَى: يحكمُ بها النبيونَ الذين أسْلموا على الذين هَادُوا؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] أيْ: فعليْهَا: وكقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} تفسير : [الرعد: 25] أيْ: عليهم. وقيل: فيه حَذْفٌ كأنه قال: للذين هادُوا وعلى الذين هَادُوا فحذَفَ أحدهما اخْتِصَاراً. والثاني: أنَّ المعنى على التقديم والتأخِيرِ، أيْ: إنَّا أنزلنَا التوراةَ فيها هُدًى ونُورٌ للذين هَادُوا يحكُمُ بها النبيونَ الذين أسْلَمُوا. وتقدم تفسيرُ الربانيِّينَ، وأمَّا الأحبارُ فقال ابنُ عباس وابن مسعود [رضي الله عنهما]: هُمُ الفُقَهاءُ. واختلفَ أهْلُ اللُّغَةِ في واحِدِهِ قال الفرَّاءُ: إنَّه "حِبْرٌ" بكسر الحاءِ وسُمِّيَ بذلك لمكان الحِبر الذي يُكْتَبُ به؛ لأنَّه يكونُ صاحبَ كُتُبٍ، وقال أبُو عُبَيْد: "حَبْر" بفتحِ الحاءِ، وقال اللَّيْثُ: هو "حَبْرٌ"، و"حِبْر" بفتح الحاء وكسرِهَا. ونقل البَغوِيُّ: أنَّ الكسرَ أفْصَحُ، وهو العالِمُ المُحكِمُ للشَّيْء. وقال الأصمعِيُّ: لا أدْرِي أهُوَ الحِبْرُ أو الحَبْرُ، وأنكرَ أبُو الهَيْثَمِ الكَسْرَ، والفراءُ "الفَتْحَ"، وأجاز أبُو عُبَيْد الوجْهَيْنِ، واختار الفَتْحَ. قال قُطْربٌ: هو مِنَ الحبر الذي هو بمَعْنَى الجمالِ بفتح الحَاءِ وكسْرِهَا وفي الحديث "حديث : يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ ذَهَبَ حَبَرهُ وسَبَرهُ" تفسير : أي حُسْنُهُ وهَيْئَتُهُ، ومنه التَّحْبِيرُ أي: التحسينُ قال تعالى: {أية : وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 70] أي: يَفْرَحُون ويزينونَ، وسُمِّيَ ما يكتبُ حبراً لتحْسِينهِ الخطَّ، وقيل: لتأثيره وقال الكِسَائِيُّ، والفرَّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: اشتقاقُهُ من الحِبْرِ الذي يُكْتَبُ به. وقيل: الرَّبَّانِيُّونَ هاهُنَا مِنَ النَّصَارَى، والأحبارُ مِن اليهُودِ وقِيل: كلاهُمَا من اليُهودِ، وهذا يقتضي كون الربانيِّينَ أعْلَى حالاً مِنَ الأحبار، فيُشْبهُ أنْ يكونَ الربانِيُّون كالمجتهدينَ والأحبارُ كآحادِ العُلَماءِ. قوله: "لِلَّذين هَادُوا" في هذه "اللاَّم" ثلاثةُ أقوالٍ: أظهرُهَا: أنَّها متعلِّقةٌ بـ "يَحْكُمُ"، فعلى هذا مَعْنَاها الاخْتِصَاصُ، وتشمل مَنْ يحكمُ لَهُ، ومن يحكمُ عليْه، ولهذا ادَّعَى بعضُهم أنَّ في الكلامِ حَذْفاً تقديرُه: "يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ للَّذينَ هَادُوا وعليْهِمْ" ذكره ابنُ عطيَّة وغيرُه. والثاني: أنها متعلقة بـ "أنْزَلْنَا"، أيْ: أنزلْنَا التوراةُ للَّذين هادُوا يحكم بها النَّبِيُّونَ. والثالثُ: أنها متعلقةٌ بِنَفْس "هُدًى" أيْ: هُدى ونُورٌ للذين هادُوا، وهذا فيه الفَصْلُ بين المصَدْرِ ومعمُولِهِ، وعلى هذا الوجْهِ يجوزُ أنْ يكونَ "للذين هَادُوا" صفة لـِ "هُدًى ونُورٌ"، أيْ: هُدًى ونُورٌ كائِنٌ للذين هادُوا وأوَّلُ هذه الأقوالِ هو المقصودُ. قوله تعالى: "والرَّبَّانِيُّون" عطفٌ على "النبيُّونَ" أيْ: [إنَّ الرَّبَّانِيِّين وقد تقدم تفسيرهم في آل عمران] يحكمُونَ أيْضاً بمقْتضَى مَا فِي التَّوْرَاةِ. قال أبُو البقاءِ: "وقِيل: الرَّبَّانيون "مَرْفُوعٌ" بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أي: ويحكُمُ الربانيونَ والأحبار بِمَا اسْتُحْفِظُوا" انتهى. يَعْنِي أنَّه لما اختلفَ متعلِّقُ الحكمِ غاير بَيْنَ الفعلينِ أيضاً، فإن النبيينَ يحكُمُونَ بالتوراةِ، والأحبارُ والربانيونَ يحكُمُونَ بما استحفَظَهُمُ الله تعالى، وهذا بعيد عن الصَّوَابِ؛ لأنَّ الذي استحَفَظَهُمْ هو مُقْتَضَى ما في التَّوْرَاةِ، فالنبيُّونَ والربانِيُّون حاكِمُونَ بشيء واحدٍ، على أنَّه سيأتي أنَّ الضَّمير في "اسْتُحْفِظُوا" عَائِدٌ على النَّبِيين فَمَنْ بعدهم. قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: الربانيون يُرْشِدُونَ الناسَ بالعلمِ، ويربونهم للصغارِ قَبْل كبار. وقال أبُو رَزِين: الرَّبَّانِيُّونَ العلماءُ، والحكماءُ، وأمَّا الأحبار: فقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: هُمُ الفقهاء والحَبرُ والحِبرُ بالفتح والكسر: الرجلُ العالِمُ، مأخُوذٌ من التَّحِبِيرِ، والتَّحبر؛ فَهُمْ يُحبِّرون العِلْمَ ويُزَيِّنُونَهُ، فهو مُحَبَّرٌ في صُدُورهم. قال الجوهَرِيُّ: والحِبَر والحَبر واحد أحبار اليهود، وهو بالكسْرِ أفْصحُ؛ لأنَّهُ يُجَمعُ على أفْعَالٍ دُونَ الفُعُولِ. قال الفرَّاءُ: هُو حِبْرٌ بالكسْرِ، يُقالُ ذلك للعَالِمِ. وقال الثَّوْرِيُّ: سألْتُ الفرَّاءَ: لِمَ سُمِّيَ الحبْرُ حِبْراً؟ فقال: يُقال للعالم حِبرٌ وحَبرٌ، فالمعنى مدادُ حبرهم، ثم حذف كما قال: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] [أيْ أهْلَ القَريةِ]. قال: فسألتُ الأصمعيَّ، فقال: لَيْسَ هذا بشْيءٍ، إنما سُمِّي حبْراً لِتَأثيرِه، يُقالُ: على أسْنَانِهِ حِبْرٌ، أيْ: صُفْرَةٌ أو سوادٌ. وقال المبرِّدُ: وسُمِّيَ الحِبرُ الذي يُكْتَبُ به حِبْراً؛ لأنه يُحَبَّرُ به، أيْ: يُحقَّقُ بِهِ. وقال أبُو عُبَيْد: والذي عندي في واحدِ الأحبارِ أنَّه للحَبر بالفتح، ومعْنَاه العالمُ بِتَحبِير الكلامِ، والعلم تحسينه، والحِبرُ بالكسر: الذي يُكْتَبُ به. قوله تعالى: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} أجازَ أبُو البقاءِ فيه ثلاثةُ أوْجهٍ: أحدها: أنَّ "بِمَا" بدلٌ من قوله: "بِهَا" بإعادة العامل لِطُول الفَصْل، قال: "وهو جائزٌ وإنْ لَمْ يَطُل" أيْ: يجوزُ إعادةُ العامِلِ في البَدَلِ، وإن لم يَطُل. قلتُ: وإنْ لم يُفْصَلْ أيضاً. الثاني: أنْ يكُونَ مُتعلّقاً بفعْلٍ محذوفٍ: أيْ: وَيَحْكُم الربانيونَ بما اسْتُحفِظُوا، كما قدمتُه عنه. والثالث: أنَّه مفعولٌ به، أيْ: يحكُمُونَ بالتوراة بسببِ اسْتِحْفَاظِهِمْ ذلك، وهذا الوجهُ الأخيرُ هو الذي نَحَا إليه الزمخشريُّ؛ فإنه قال: "بِمَا اسْتُحْفِظُوا بِمَا سألَهُمْ أنبياؤهم حِفْظَهُ من التوراةِ، أيْ: بسبب سُؤالِ أنبيائِهِمْ إيَّاهم أن يحفظُوه من التَّبْدِيلِ والتَّغْييرِ"، وهذا على أنَّ الضميرَ يعُودُ على الربانِيين، والأحبارِ، دُونَ النَّبِيِّين، فإنَّهُ قدَّرَ الفاعِلَ المحذُوفَ "النبيين"، وأجاز أن يعودَ الضميرُ في "استحفِظُوا" على النبيينَ والربانيينَ والأحْبار، وقدَّر الفاعل المنوبَ عنه: البَارِيَ تعالى، أيْ: بِمَا اسْتَحْفَظَهُم اللَّه تعالى، يعني: بما كَلَّفَهُمْ حِفْظَهُ. وقوله تعالى: {مِن كِتَابِ ٱللَّهِ}؛ قال الزمخشريُّ: و"مِنْ" فِي {مِن كتابِ اللَّهِ} للتَّبْيينِ، يَعْنِي أنَّها لِبَيانِ جِنْس المُبْهَمِ في "بِمَا" فإنَّ "مَا" يجوزُ أنْ تكونَ موصُولَةً اسمِيَّةً بمعْنَى "الَّذِي"، والعائِدُ محذوفٌ، أيْ: بِمَا اسْتحْفظُوه، وأنْ تكونَ مَصدريَّةً، أيْ: باسْتِحْفَاظِهِمْ. وجوَّزَ أبُو البقاءِ: أنْ تكونَ حالاً مِنْ أحَدِ شَيْئَيْنِ: إمَّا مِنْ "مَا" الموصُولَةِ، أو مِنْ عَائِدها المحذُوفِ، وفيه نظرٌ من حيثُ المعنى. وقولُه: "وكانُوا" داخِلٌ في حَيِّز الصِّلةِ أيْ: وبكونِهِم شُهداءَ عليه، أيْ: رُقَبَاءَ لئلاَّ يُبدلَ، فـ "عَلَيْهِ" متعلقٌ بـ "شُهداءَ"، والضميرُ في "عَلَيْه" يعودُ على "كِتابِ الله" وقيل: على الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ، أيْ: شُهداء على نُبُوَّتِهِ ورسالته. وقيل: على الحُكْمِ، والأوَّلُ هو الظاهِرُ. قوله تعالى: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} أي: استُودعوا. وحفظ كتاب الله على وجهين: أحدهما: أن يُحفَظ فلا ينسى. والثاني: أن يحفظ فلا يُضيع، فإن كان استحفظوا من صلة الأحبار، فالمعنى: العلماء بما استحفظوا. وقال الزجاج: يحكمون بما استحفظوا. قوله تعالى {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} أي: هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق من عند الله تعالى فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة، ويحفظونها عن التحريف والتغيير. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} لمَّا قرر أن النبيين والربانيين والأحبار، كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة، خاطب اليهود الذي كانوا في عصر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ومنعهم من التحريف والتغيير. واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بد وأن يكون لخوف أو رهبة أو لطمع ورغبة، ولما كان الخوف أقوى تأثيراً من الطمع قدم تعالى ذكره فقال: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} والمعنى لا تحرفوا كتابي للخوف من الناس، ومن الملوك والأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم، وتستخرجوا الحيل في إسقاط تكاليف الله عنهم، ولما ذكر أمر الرهبة أتبعه بالرغبة فقال تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} أي: كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في الجاه والمال والرشوة، فإن متاع الدنيا قليل. ولما منعهم من الأمرين أتبعه بالوعيد الشديد، فقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وهذا تهديد لليهود في افترائهم على تحريف حكم الله في حد الزاني المحصن، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة، قالوا: إنه غير واجب فهم كافرون على الإطلاق بموسى والتوراة وبمحمد والقرآن وبعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام. فصل قالت الخوارج: من عصى الله فهو كافر، واحتجوا بهذه الآية، وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافراً، وقال الجمهور: ليس الأمر كذلك، وذكروا عن هذه الشبهة أجوبة منها أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم. قال قتادة والضحاك: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة. وروى البراء بن عازب: أن هذه الثلاثة آيات في الكافرين، وهذا ضعيف؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقال آخرون: المراد {من لم يحكم بما أنزل الله} كلام أدخل كلمة "من" في معرض الشرط فيكون للعموم، وقولهم: من الذين سبق ذكرهم، زيادة في النص، وذلك غير جائز. وقال عطاء: هو كفر دون كفر. وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولا بكفر بالله واليوم الآخر. فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين، وهو أيضاً ضعيف، لأن إطلاق لفظ الكافر إنما ينصرف إلى الكفر في الدين وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار، وهذا أيضاً ضعيف لأنه عدول عن الظاهر. وقال عبد العزيز: قوله "بما أنزل" صيغة عموم، ومعنى "أنزل الله" أي: نص الله، حكم الله في كل ما أنزله، والفاسق لم يأت بضد حكم الله إلا في القليل من العمل، أما في الاعتقاد والإقرار فهو موافق، وهذا أيضاً ضعيف، لأنه لو كانت هذه الآية [وعيداً مخصوصاً] لمن خالف حكم الله تعالى، في كل ما أنزله الله لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم، وأجمع المفسرون أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في واقعة الرجم، فدلَّ على سقوط هذا الجواب. وقال عكرمة: قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله، ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية.

البقاعي

تفسير : ولما تضمن هذا مدح التوراة، صرح به فقال تأكيداً لذمهم في الإعراض عما دعت إليه من أصل وفرع، وتحذيراً من مثل حالهم: {إنا أنزلنا} أي على ما لنا من العظمة {التوراة} ثم استأنف قوله معظماً لها: {فيها هدى} أي كلام يهدي بما يدعو إليه إلى طريق الجنة {ونور} أي بيان لا يدع لبساً، ثم استأنف المدح للعاملين بها فقل: {يحكم بها النبيون} ووصفهم بأعلى الصفات وذلك الغنى المحض، فقال مادحاً لا مقيداً: {الذين أسلموا} أي أعطوا قيادهم لربهم سبحانه حتى لم يبق لهم اختيار أصلاً، وفيه تعريض بأن اليهود بعداء من الإسلام وإلا لاتبعوا أنبياءهم فيه، فكانوا يؤمنون بكل من قام الدليل على نبوته. ولما كان من المعلوم أن حكمهم بأمر الله لهم باتباع التوراة ومراعاتها، عُلِم أن التقدير: بما استحفظوا من كتاب الله، فحذف لدلالة ما يأتي عليه وإشعار الإسلام به، ثم بين المحكوم له تقييداً به إشارة إلى أنها ستنسخ فقال: {للذين هادوا} أي لمن التزم اليهودية {والرّبانيون} أي أهل الحقيقة، منهم الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرب {والأحبار} أي العلماء الذي أسلموا {بما} أي بسبب ما. ولما كان سبب إسلام أمرهم بالحفظ، لا كونه من الله بلا واسطة، بني للمفعول قوله: {استُحفظوا} أي الأنبياء ومن بعدهم {من كتاب الله} أي بسبب ما طلبوا منهم وأمروا به من الحفظ لكتاب الذي له جميع صفات الكمال الذي هو صفته، فعظمته من عظمته، وحفظه: دراسته والعمل بما فيه {وكانوا} أي وبما كانوا {عليه شهداء} أي رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلاً، فالآية - كما ترى - من فن الاحتباك: ترك أولاً "بما استحفظوا" لدلالة ما ذكر هنا عليه، وترك ذكر الإسلام هنا لدلالة ذكره أولاً عليه، وإنما خص الأول بذكر الإسلام لأن الأنبياء أحق به، وهو داع إلى الحفظ قطعاً، وخص الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به، وهو دال على الإسلام. ولما كان هذا كله ذماً لليهود بما تركوا من كتابهم، ومدحاً لمن راعاه منهم، وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف، قال مخاطباً لهذه الأمة كلها طائعها وعاصيها، وحذراً لها من مثل حالهم ومرغباً في مثل حال الأنبياء والتابعين لهم بإحسان، مسبباً عن ذلك: {فلا تخشوا الناس} أي في العمل بحكم من أحكام الله {واخشون} أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان، فمن كان منكم مسلماً طائعاً فليزدد طاعة، ومن لم يكن كذلك فليبادر بالانقياد والطاعة، وهذا شامل لليهود وغيرهم. ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيراً أتبعه الطمع فقال: {ولا تشتروا} ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن، وكان المثمن أشرف من الثمن من حيث إنه المرغوب فيه، جعل الآيات مثمناً وإن اقترنت بالباء، حتى يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها، وأنها لا يصح كونها ثمناً فقال: {بآياتي ثمناً قليلاً} أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب. ولما نهى عن الأمرين، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة، رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: من جحد حكم الله كفر, ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق. فلما كان التقدير: فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون، عطف عليه ما أفهمه من قوله: {ومن لم يحكم} أي يوجد الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه تديناً بالإعراض عنه، أعم من أن يكون تركه له حكماً بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء من كل خير {هم الكافرون} أي المختصون بالعراقة في الكفر، وهذه الآيات من قوله تعالى {أية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} تفسير : [المائدة: 41] إلى هنا نزلت في الزنا، ولكن لما كان السياق للمحاربة، وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فساداً صرح به، ولما كان الزنا محاربة, خفية بالنظر إلى فحشه وحرمته وجرّه في بعض الصور إلى المحاربة, وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض، وصاحبه غير متزيّ بزيّ المحاربين، لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن كانت نزلت فيه، روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته: "إن الله بعث محمداً وأنزل عليه كتاباً، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده - الحديث. وفي آخره: ولولا أني أخشى أن يقول الناس: زاد في كتاب الله، لأثبته في حاشية المصحف" وأصله في الصحيحين وغيرهما، وللحاكم والطبراني عن أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء رضي الله عنها بلفظ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة" وفي صحيح ابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال لزرّ بن حبيش: "كم تعدون سورة الأحزاب من آية؟ قال: قلت: ثلاثاً وسبعين، قال: والذي يحلف به! كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها آية الرجم: الشيخ والشيخة" الحديث. وللشيخين: البخاري في مواضع، ومسلم وأحمد وأبي داود - وهذا لفظه - والدرامي والترمذي في الحدود والنسائي في الرجم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حديث : إن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الزنا؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون - وفي رواية: فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً - فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، فنشروها فجعل أحدهم - وفي رواية - مدراسها الذي يدرسها منهم - يده على آية الرجم فجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها, فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفعها فقال: ما هذه؟ فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة" تفسير : وفي لفظ للبخاري في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم! فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" تفسير : وفي لفظ له في التوحيد - وهو رواية أحمد - أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: "حديث : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " تفسير : ولأبي داود عن ابن عمر أيضاً رضي الله عنهما قال: "حديث : أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف، فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم! إن رجلاً منا زنى بامرأة فاحكم، فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال: ائتوني بالتوراة, فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم، فأتي بفتى شاب" تفسير : فذكر قصة الرجم نحو الذي قبله، وسكت عليه أبو داود والحافظ المنذري في مختصره وسنده حسن، ولمسلم وأبي داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: نشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا اللهم! لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد وتركنا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى قوله: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41] إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] في اليهود - إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] في اليهود - إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] قال: هي في الكفار كلها" تفسير : يعني هذه الآية. وروى الدارقطني في آخر النذور من السنن عن جابر رضي الله عنه قال: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا، فقال لليهود: ما يمنعكم أن تقيموا عليهما الحد؟ فقالوا: كنا نفعل إذا كان الملك لنا، فلما أن ذهب ملكنا فلا نجتري على الفعل، فقال لهم: ائتوني بأعلم رجلين فيكم، فأتوه بابني صوريا، فقال لهما: أنتم أعلم من ورائكما؟ قالا: يقولون، قال: فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حدهما في التوراة؟ فقالا: الرجل مع المرأة زنية وفيه عقوبة، والرجل على بطن المرأة زنية وفيه عقوبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة رُجِم، قال: ائتوني بالشهود فشهد أربعة، فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم" - انتهى. وهذه الآية ملتفتة إلى آية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} - الآية والتي بعدها أي التفات, وذلك أن هؤلاء لما تركوا هذا الحكم، جرَّهم إلى الكفر, وليس في هذه الروايات - كما ترى - تقييد الرجم بالإحصان، وكذا هو فما هو موجود عندهم في التوراة، قال في السفر الثالث وغيره: ثم كلم الله موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: أيُّ رجل من بني إسرائيل ومن الذين يقبلون إلى أيّ ويسكنون بين بني إسرائيل ألقى زرعه في امرآة غريبة يقتل ذلك الرجل فليرجمه جميع الشعب بالحجارة، وأنا أيضاً أنزل غضبي بذلك الرجل وأهلكه من شعبه، لأنه ألقى زرعه في غريبة وأراد أن ينجس مقدسي وأن ينجس اسم قدسي، فإن غفل شعب الأرض عن الرجل الذي ألقى زرعه في غريبة ولم يوجبوا عليه القتل أنزل غضبي بذلك الرجل وبقبيلته وأهلكه وأهلك من يضل به، لأنهم ضلوا بنساء غريبات لسن لهم بحلال، ثم قال: الرجل الذي يأتي امرأة صاحبه وامرأة رجل غريب يقتلان جميعاً، والرجل الذي يرتكب ذكراً مثله فيرتكب منه ما يرتكب من النساء فقد ارتكبا نجاسة، يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج امرأة وأمها فقد ارتكب خطيئة، يحرق بالنار هو وهما، والرجل الذي يرتكب من البهيمة ما يرتكب من النساء يقتل قتلاً، والبهيمة ترجم أيضاً، والمرأة التي ترقد بين يدي البهيمة لترتكب منها البلاء تقتل المرأة والبهيمة جميعاً، يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي امرأة طامثاً ويكشف عورتها، قد كشف عن ينبوعها وهي أيضاً كشفت عن ينبوع دمها، يهلكان جميعاً من شعبهما، وقال: والرجل الذي يأتي امرأة أبيه قد كشف هذا عورة أبيه، يقتلان جميعاً ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي كنّته يقتلاه كلاهما، لأنهما ارتكبا خطيئة، ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج أخته من أمه أو من أبيه ويرى عورتها وترى عورته، هذا عار شديد، يقتلان قدام شعبهم، وذلك لأنه كشف عورة أخته، يكون إثمهما في رؤوسهما، لا تكشفن عورة عمتك ولا خالتك! لأنهما قرابتك، ومن فعل ذلك يعاقب بإثم فضيحته، والرجل الذي يأتي امرأة عمه قد كشف عورة عمه يعاقبان بخطيئتهما ويموتان، والرجل الذي يتزوج امرأة أخيه قد ارتكب إثماً، لأنه كشف عورة أخيه يموتان، بل وصرح برجم البكر فقال في السفر الخامس فيمن تزوج بكراً فادعى أنه وجدها ثيباً: فإن كان قذفه إياها حقاً ولم يجدها عذراء تخرج الجارية إلى بيت أبيها، ويرجمهاه أهل القرية بالحجارة وتموت، لأنها ارتكبت حوباً بين يدي بني إسرائيل وزنت في بيت أبيها، نحوّا الشر عنكم، وإن وجد رجل يسفح بامرأة رجل يقتلان كلاهما: الرجل والمرأة، بل صرح برجم البكر المكرهة فقال عقب ما تقدم: وإن كان لرجل خطيبة بكر لم يبتن بها بعد، فخرجت خارجاً فظفر بها رجل وقهرها وضاجعها، يخرجان جميعاً ويرجمان حتى يموتا، وإنما تقتل الجارية مع الرجل لأنها لم تصرخ ولم تستغث - انتهى. فالأحاديث المفيدة بالإحصان في هذه القصة ينبغي أن تكون مرجوحة، لأن رواتها ظنوا أن الجادة الإسلامية شرع لهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله ‏ {‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور‏} ‏ يعني هدى من الضلالة، ونور من العمى ‏ {‏يحكم بها النبيون‏} ‏ يحكمون بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى ‏ {‏للذين هادوا‏} ‏ لهم وعليهم، ثم قال ويحكم بها ‏ {‏الربانيون والأحبار‏} ‏ أيضاً بالتوراة ‏ {‏بما استحفظوا من كتاب الله‏}‏ من الرجم والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس‏} ‏ في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والرجم يقول‏:‏ اظهروا أمر محمد والرجم ‏ {‏واخشون‏} ‏ في كتمانه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار‏} ‏ قال‏:‏ أما الربانيون‏.‏ ففقهاء اليهود، وأما الأحبار‏.‏ فعلماؤهم‏.‏ قال‏:‏ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لما أنزلت هذه الآية‏:‏ نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏يحكم بها النبيون الذين أسلموا‏} ‏ قال‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏{‏والربانيون والأحبار‏} ‏ قال‏:‏ الفقهاء والعلماء‏.‏ وأخرج عن مجاهد قال‏:‏ ‏ {‏الربانيون‏}‏ العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار‏. وأخرج عن قتادة قال ‏ {‏الربانيون‏} ‏ فقهاء اليهود ‏ {‏والأحبار‏} ‏ العلماء‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال ‏"‏كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، قد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما، وأعطياه عهداً أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به، وكان أحدهما ربيا والآخر حبراً، وإنما الأمر كيف حين زنى الشريف وزنى المسكين وكيف غيروه، فأنزل الله ‏ {‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا‏} ‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏والربانيون والأحبار‏} ‏ هما ابنا صوريا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الربانيون‏.‏ الفقهاء العلماء‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والربانيون‏} ‏ قال‏:‏ هم المؤمنون ‏{‏والأحبار‏}‏ قال‏:‏ هم القراء ‏{‏كانوا عليه شهداء‏}‏ يعني الربانيون والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال أنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم أتته اليهود فقضى بينهم بالحق‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن جريج ‏ {‏فلا تخشوا الناس واخشون‏} ‏ لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عساكر عن نافع قال‏:‏ كنا مع ابن عمر في سفر فقيل إن السبع في الطريق قد حبس الناس، فاستحث ابن عمر راحلته، فلما بلغ اليه برك فعرك أذنه وقعده، قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏إنما يسخط على ابن آدم من خافه ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم عن رجال ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى سواه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏فلا تخشوا الناس‏} ‏ فتكتموا ما أنزلت ‏{‏ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا‏ً}‏ على أن تكتموا ما أنزلت‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً‏} ‏ قال‏:‏ لا تأكلوا السحت على كتابي‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏} ‏ فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏} ‏ ‏{‏أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 45‏]‏‏ ‏{أية : ‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} ‏تفسير : [‏المائدة: 47‏]‏‏‏ قال‏:‏ كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وأخرج سعيد بن منصور و أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ إنما أنزل الله ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ والظالمون، والفاسقون، في اليهود خاصة‏. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال‏:‏ الثلاث الآيات التي في المائدة ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ هم الظالمون، هم الفاسقون، ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏} ‏ هم الظالمون، هم الفاسقون، نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات‏.‏ قال‏:‏ نزلت الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي قال‏:‏ الثلاث آيات التي في المائدة ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏}‏ أولها في هذه الأمة، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ قال‏:‏ من حكم بكتابه الذي كتب بيده وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏} ‏ والظالمون، والفاسقون، فقال رجل‏:‏ ان هذا في بني إسرائيل‏.‏ قال حذيفة‏:‏ نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حُلو فهو لكم، وما كان من مُر فهو لأهل الكتاب، كأنه يرى أن ذلك في المسلمين ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏} ‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالوا ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون‏} ‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالوا‏:‏ فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله‏.‏ قال‏:‏ نعم، هو دينهم الذي به يحكمون، والذي به يتكلمون وإليه يدعون، فإذا تركوا منه شيئاً علموا أنه جور منهم، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله‏. وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير قال‏:‏ سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏} ‏ ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون‏}، ‏ {‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون‏} ‏ فقلت‏:‏ زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال‏:‏ اقرأ ما قبلها وما بعدها، فقرأت عليه فقال‏:‏ لا، بل نزلت علينا، ثم لقيت مقسماً مولى ابن عباس، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، قلت‏:‏ زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا‏.‏ قال‏:‏ إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم، ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ومقسماً قال‏:‏ فما قال مقسم‏؟‏ فأخبرته بما قال‏.‏ قال صدق، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال‏:‏ فقال سعيد بن جبير لابنه‏:‏ كيف رأيته، لقد وجدت له فضلاً عليك وعلى مقسم‏. وأخرج سعيد بن منصور عن عمر قال‏:‏ ما رأيت مثل من قضى بين إثنين بعد هذه الآيات‏. وأخرج سعيد قال‏:‏ استُعمل أبو الدرداء على القضاء، فأصبح يهينه‏.‏ قال‏:‏ تهينني بالقضاء وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن وأبين، ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه وكراهية له، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبة فيه وحرصاً عليه‏. وأخرج ابن سعد عن يزيد بن موهب‏.‏ أن عثمان قال لعبد الله بن عمر‏:‏ اقض بين الناس، قال‏:‏ لا أقضي بين إثنين ولا أؤم إثنين قال‏:‏ لا، ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة‏.‏ رجل قضى بجهل فهو في النار، ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له ولا وزر عليه‏.‏ قال‏:‏ إن أباك كان يقضي‏؟‏ قال‏:‏ إن أبي إذا أشكل عليه شيء سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أشكل على النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأل أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏حديث : "‏من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ‏؟‏تفسير : فقال عثمان‏:‏ بلى‏.‏ قال‏: فاني أعوذ بالله أن تستعملني، فأعفاه وقال‏:‏ لا تخبر بهذا أحدا‏ً". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد العزيز بن أبي رواد قال‏:‏ بلغني أن قاضياً كان في زمن بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علماً، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك‏.‏ فقيل له‏:‏ ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار، فاخطط عنده خطاً، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط، فامدد يدك إليه فانك متى كنت على الحق فانك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد، وكان لا يقضي إلا بالحق، وكان إذا فرغ لم يذق طعاماً ولا شراباً، ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمداً لله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب، فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان بدابة، فوقع في نفسه أنهما يريدان يختصمان إليه، وكان أحدهما له صديقاً وخدنا، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون له فيقضي له به، فلما إن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف وإذا هو لا يبلغه، فخر ساجداً وهو يقول‏:‏ يا رب، شيء لم أتعمده، فقيل له‏:‏ أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره. وأخرج الحكيم والترمذي عن ليث قال‏:‏ تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهم، فقيل له في ذلك فقال‏:‏ تقدما إليَّ، فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن افصل بينهما، ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} [الآية: 44]. قيل: الربانيون الراجعون إلى الرب فى جميع أحوالهم، والأحبار: العلماء بالله وبآياته. وقيل: الربانيون: العلماء، والأحبار: العلماء بأحكام الله. وقال ابن طاهر: الربّانيُّون هم الصحابة الذين أخذوا كلام الربّ التدبير الأعلى، والواسطة الأدنى، والأحبار هم علماء الأمة العالمون بعلمهم. قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [الآية:44]. قال محمد بن الفضل: لا تطلبوا الدنيا بعمل الآخرة. وقال بعضهم: لا تجعلوا طاعاتكم سببًا لطلب الدنيا فقد خاب من فعل ذلك. قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}. والظالمون والفاسقون. قال بعضهم: من لم يحكم للناس كحكمه لنفسه فقد كفر نعمة الله عنده، وجحد سنى مواهبه لديه وظلم نفسه بذلك. قال بعضهم: من لم يحكم بخواطر الحق على قلبه كان محجوبًا من المبعدين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ}. يخبر أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرَّفوها، فلما وَكلَ إليهم حفظها ضيَّعوها. وأمَّا هذه الأمة فخصَّهم بالقرآن، وتولَّى - سبحانه - حفظه عليهم فقال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] فلا جَرَمَ لو غيَّرَ واحدٌ حركة أو سكوناً من القرآن لنادي الصبيان بتخطيئه. قوله جلّ ذكره: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ}. إنَّ الخلْقَ تجري عليهم أحكامُ القدرة وأقسام التصريف؛ فالخشية منهم فرعٌ من المحال، فإنَّ من ليس له شظية من الإيجاد فأنَّى تصحُّ منه الخشية؟! قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}. لا تأخذوا على جحدِ أوليائي والركونِ إلى ما فيه رضاءُ أعدائي عِوَضاً يسيراً فتبقوا بذلك عنِّي، ولا يُبَارَكُ لكم فيما تأخذون من العوض. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ...} فمن اتخذ بغيره حكماً، ولم يجد - تحت جريان حكمه - رضى واستسلاماً ففي شِرْكٍ خَامَرَ قلبَه، وكفرٍ قَارَنَ سِرَّه. وهيهات أن يكون على سَوَاء!

البقلي

تفسير : {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} الربانى الذى --- الرب بالمعرفة والمحبة التوحيد فاذا وصل الى الحق بهذه المراتب والاستقام فى شهوده جلاله وجماله-- صفا بصفات الله حاملا انوار ذاته فاذا فنى عن نفسه وبقى بربه صادر ربانيا ومثله الحديد فى النار --- فى النار كان مستعد لقبول النار ولم يكن نار فاذا وصل الى النار واحمر صار ناريا هكذا شان العارف --- بتجلى الرب صار رباينا روحانيا نورانيا ملكوتيا جبروتيا كلامه من الرب الى الرب مع الرب --- عشاق الله واحباؤه الحاضرون بين يديه المكاشفون وجه الله سبحانه والاحبار الذين يسمعون -- من الله بلا واسطة المفرقون بين الحق والباطل بنور الله قيل الربانيون الراجعون الى الرب فى جميع --- الاحبار العلماء بالله وبأياته وقيل الربانيون العلماء بالله والاحبار العلماء باحكام الله وقال ابن طاهر --- هم الصحابة الذين اخذوا كلام الرب عن السفير الا على الواسطة الادنى والاحبار علماء الامة العاملون قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} العارف --- من الله جميع انفساه وحركاته تنزل على قلبه من الله وحى الالهام وربما يخاطبه بنفسه ويكلمه --- يحدثه بحديثه كقوله عليه السلام ان فى امتى محدثين ومكلمين وان عمر منهم ناذلكم يحكم بما انزل الله على قلبه بان يخرجها من الشك الى اليقين ومن الظلمة الى النور من المخالفة الى المتابعة --- --- الصدق ومن الشرك الى التوحيد ومن الظلم الى العدل ومن العصيان الى الطاعة يكون موصوفا ----- الايات الثالثة كفر انعام الله الذى هو مقام الخطاب وظلم بانه لم يضع علمه على علمه وفسق عن مراد الله الى --- قال بعضهم من لم يحكم الناس كحكمة على نفسه وقد كفر نعم الله عنده وجحد سنى مواهبه لديه فظلم --- ذلك وقيل من لم يحكم خواطر الحق على قلبه كان محجوبا من المبعدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا انزلنا التوراة} حال كونها {فيها هدى} تهدى شرائعها واحكامها الى الحق وترشد الناس اليه {ونور} تكشف ما انبهم من الاحكام وما يتعلق بها من المستورة بظلمات الجهل {يحكم بها النبيون} اى انبياء بنى اسرائيل اى يحكمون باحكامها ويحملون الناس عليها {الذين اسلموا}. ان قلت النبيون اعظم من الاسلام فكيف يمدح نبى بانه رجل مسلم وما الوصف به بعد الوصف بالنبوة لا تنزل من الاعلى الى الادنى. قلت قد يذكر الوصف مدحا للوصف ففائدة التوصيف تنويه شأن الصفة والتنبيه على عظم قدرها حيث وصف بها عظيم كما وصف الانبياء بالصلاح والملائكة بالايمان وقد قيل اوصاف الاشراف اشراف الاوصاف: قال شعر : ما ان مدحت محمدا بمقالتى لكن مدحت مقالتى بمحمد تفسير : {للذين هادوا} متعلق بيحكم اى يحكمون فيما بينهم واللام لبيان اختصاص الحكم بهم اعم من ان يكون لهم او عليهم كانه قيل لاجل الذين هادوا {والربانيون والاحبار} عطف على النبيون اى هم ايضا يحكمون باحكامها وهم الزهاد والعلماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود {بما استحفظوا من كتاب الله} اى بالذى استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة حيث سألوهم ان يحفظوها من التضييع والتحريف على الاطلاق ولا ريب فى ان ذلك منهم عليهم السلام استخلاف لهم فى اجراء احكامها من غير اخلال بشىء منها والباء سببية متعلقة بيحكم اى ويحكم الربانيون والاحبار ايضا بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به انبياؤهم وسألوهم ان يحفظوه {وكانوا عليه شهداء} اى رقباء لا يتركونهم ان يغيروا فهو من الشهود بمعنى الحضور {فلا تخشوا الناس} كائنا من كان ايها الرؤساء والاحبار واقتدوا فى مراعاة احكامها وحفظها بمن قبلكم من الانبياء واشياعهم {واخشون} فى الاخلال بحقوق مراعاتها فيف بالتعرض لها بسوء نهوا ان يخشوا غير الله فى حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم او مراقبة كبير ودلالة الآية تتناول حكام المسلمين {ولا تشتروا بآياتى} الاشتراء استبدال السلعة بالثمن اى اخذها بدلا منه ثم استعير لاخذ شىء بدلا مما كان له عينا كان او معنى اخذا منوطا بالرغبة فيما اخذ والاعراض عما اعطى ونبذ اى لا تستبدلوا بآياتى التى فيها بان تخرجوها منها او تتركوا العمل بها وتأخذوا لانفسكم بدلا منها {ثمنا قليلا} من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية فانها وان جلت قليلة مسترذلة فى نفسها لا سيما بالنسبة الى ما فات عنهم بترك العمل بها شعر : آن جهان جيفه است ومردار ورخيص بر جنين مردار جون باشم حريص بس حيات ماست موقوف فطام اندك اندك جهد كن تم الكلام تفسير : ولما كان الاقدام على التحريف لدفع ضرر كما اذا خشى من ذى سلطان او لجلب نفع كما اذا طمع فى الحظوظ الدنيوية نهوا عن كل منهما صريحا {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهينا به منكرا له كائنا من كان يقتضيه ما فعلوه من التحريف {فاولئك هم الكافرون} لاستهانتهم به وتمردهم بان حكموا بغيره ولذلك وصفهم بقوله الظالمون والفاسقون فكفرهم بانكاره وظلمهم بالحكم على خلافه وفسقهم بالخروج عنه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {للذين هادوا}: متعلق بيحكم، أو بأنزلنا، أو بهدى ونور، و {الربانيون}: عطف على {النبيون}، وهم العباد والزهاد منهم، والأحبار: علماؤهم، جمع حبر ـ بكسر الحاء وفتحها، وهو أشهر استعمالاً؛ للفرق بينه وبين المداد، و {بما استحفظوا}: سببية متعلق بيحكم، أو بدل من {بها} والعائد إلى "ما" محذوف، أي: استحفظوه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى} أي: ما يهدي إلى إصلاح الظواهر من النواهي والأوامر، و {نور} تستنير به السرائر، وتشرق به القلوب والضمائر، من الاعتقادات الصحيحة والعقائد الراجحة، والعلوم الدينية والأسرار الربانية. {يحكم بها النبيون} الذين أتوا بعد موسى ـ عليه السلام ـ إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهم {الذين أسلموا} إي: انقادوا بكليتهم إلى ربهم، ولم تبق بقية لغير محبوبهم، وفيه تنويه بشأن الإسلام وأهله، وتعريض باليهود؛ فإنهم بمعزل عن دين الأنبياء واقتفاء هديهم، حيث لم يتصفوا به، يحكم بها {للذين هادوا} وعليهم، وهم اليهود، {و} يحكم بها أيضًا {الربانيون والأحبار} أي: زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم، {بما استُحفظوا من كتاب الله} أي: بسبب أمر الله تعالى لهم أن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف. {وكانوا عليه شهداء} أي: رقباء، فلا يتركون من يُغيرها أو يحرفها، ولما طال العهد عليهم حرفوا وغيروا، بخلاف كتابنا، حيث تولى حفظه الحق ربنا، فلا يزال محفوظًا لفظًا ومعنى إلى قيام الساعة، قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الّذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }تفسير : [الحِجر:9]. فللَّه الحمد. ثم خاطب الحكام، فقال: {فلا تخشوا الناس واخشون} أي: فلا تداهنوا في حكوماتكم خشية ظالم أو مراقبة كبير، فكل كبير في جانب الحق صغير {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً} أي: لا تستبدلوا بالحكم بالحق ثمنًا قليلاً؛ كالرشوة والجاه، {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهينًا به ومنكرًا له {فأولئك هم الكافرون}؛ لاستهانتهم به. قال ابن عباس: نزلت الثلاثة في اليهود، الكافرون والظالمون والفاسقون، وقد رُوِي في هذا أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقالت جماعة: هي عامة، فكل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية، وقال الشافعي: الكافرون في المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى، وهو أنسب لسياق الكلام، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الله تعالى القرآن بأعظم مما وصف به التوراة. قال تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِنّ رَّبِكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } تفسير : [النساء:174]، فجعل التوراة ظرفًا للهداية والنور، وجعل القرآن نفس النور والهداية. وربانيو هذه الأمة: أولياؤها العارفون بالله، الذين يُرَّبُّون الناس ويرشدونهم إلى معرفة الشهود والعيان، وأحبارها: علماؤها. وقال الورتجبي: الرباني الذي نسب إلى الرب بالمعرفة والمحبة والتوحيد، فإذا وصل إلى الحق بهذه المراتب، واستقام في شهود جلاله وجماله، صار متصفًا بصفات الله ـ جل جلاله ـ، حاملاً أنوار ذاته، فإذا فنى عن نفسه وبقي بربه، صار ربانيًا، مثل الحديد في النار، إذا لم يكن في النار كان مستعدًا لقبول النار، فإذا وصل إلى النار واحمر، صار ناريًّا، هكذا شأن العارف، فإذا كان منورًا بتجلي الرب، صار ربانيًا نورانيًّا ملكوتيًّا جبروتيًّا، كلامه من الرب إلى الرب مع الرب، ثم قال: العارف مخاطب من الله في جميع أنفاسه، وحركاته، ينزل على قلبه من الله وحي الإلهام، وربما يخاطبه بنفسه، ويكلمه بكلامه، ويحدثه بحديثه، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إنَّ في أُمَتي محدَثين أو مُكَلَّمين وإِنَّ عُمَرِ مِنهُم " تفسير : . هـ. ثمَّ بيّن الحق تعالى ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، فقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ "اخشوني" بياء في الوصل أهل البصرة وأبو جعفر، واسماعيل، ويقف يعقوب بالياء. أخبر الله تعالى أنه الذي أنزل التوراة فيها هدى أي بيان أن أمر النبي حق وأنَّ ما سألوك عنه في حكم الزانيين حق، والقود حق {ونور} يعني فيها جلاء ما أظلم عليهم وضياء ما التبس عيلهم {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} يعني يحكم بالتوراة النبيون الذين أذعنوا بحكم الله وأقرّوا به. وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: إِن النبي (صلى الله عليه وسلم) داخل في ذلك، بل قال أكثرهم: هو المعني بذلك لما حكم في رجم المحصن، ولا يدل ذلك على أنه كان متعبداً بشرع موسى (ع) لأن الله تعالى هو الذي أوجب عليه بوحي أنزل عليه لا بالرجوع الى التوراة فصار ذلك شرعاً له وإِن وافق ما في التوراة وإِنما نبه اليهود بذلك على صحة نبوته من حيث علم ما هو من غامض علم التوراة ومما قد التبس على كثير منهم وهو قد عرف ذلك من غير قراءة كتبهم، والرجوع الى علمائهم، فلم يكن ذلك إلا باعلام الله له ذلك وذلك من دلائل صدقه (صلى الله عليه وآله). وقوله: {للذين هادوا} العامل في {الذين} أحد شيئين: أحدهما {يحكم} في قول الزجاج وابي علي وجماعة من أهل التأويل. والثاني - قال قوم العامل {أنزلنا} كأنه قال أنزلناها للذين هادوا. والربانيون. قد فسرناه فيما مضى وهو جمع رباني وهم العلماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم، قال السدي: عنا به ابن صوريا. وقال الباقون - وهو الأولى - إِنه على الجمع، والاحبار جمع حبر، وهو العالم مشتق من التحبير وهو التحسين فالعالم يحسِّن الحسن ويقبِّح القبيح، وقال الفراء، أكثر ما سمعت فيه حبر بالكسر. وقوله {بما استحفظوا} معناه بما استودعوا. والعامل في الباء أحد سببين: أحدهما - "الاحبار" كأنه قال العلماء بما استحفظوا. والثاني - {يحكم} بما استحفظوا. وقوله: {وكانوا عليه شهداء} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس شهداء على حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) في التوراة. الثاني - شهداء على ذلك الحكم أنه الحق من عند الله. وقوله: {فلا تخشوا الناس واخشوني} قيل في معناه قولان: أحدهما - لا تخشوهم يا علماء اليهود في كتمان ما أنزلت ذهب اليه السدي. الثاني - لا تخشوهم في الحكم بغير ما انزلت بل اخشوني فان النفع والضر بيدي {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} معناه لا تأخذوا بترك الحكم الذي أنزلته على موسى (ع) أيها الاحبار خسيساً. وهو الثمن القليل. وإِنما نهاهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله وتغييرهم حكمه، وهو قول ابن زيد والسدي. وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} معناه من كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكماً بين عباده، فأخفاه وحكم بغيره: من رجم المحصن والقود {فأولئك هم الكافرون}. واختلفوا هل الآية على عمومها أم لا؟ فقال ابن مسعود والحسن وابراهيم هي على عمومها. وقال ابن عباس: هي في الجاحد لحكم الله. وقيل في اليهود خاصة في قول الجبائي، لأنه قال لا حجة للخوارج فيها من حيث هي خاصة في اليهود. وقال البلخي يجوز أن تكون (من) بمعنى (الذي) وتكون للعهد، وهو من تقدم ذكره من اليهود. ويحتمل أن يكون خرج مخرج الشتم لا على وجه المجازاة كما يقول القائل: من فعل كذا فهو الذي لا حسب له ولا أصل، ولا يريد أنه استحق الدَّناءة بالفعل الذي ذكروا أنه إِنما كان غير حسيب من أجل فعله وإِنما يريدون الشتم وإِن كان قد يفعل ذلك لعارض الحسيب العظيم الهمة. واختار الرماني قول ابن مسعود غير أنه قال الحكم هو فصل الأمر على وجه الحكمة عند الحاكم بخلاف ما أنزل الله، لأنه بمنزلة من قال الحكمة خلاف ما أنزل الله. والأولى أن تقول هي عامة فيمن حكم بغير ما أنزل الله مستحلا لذلك، فانه يكون كافراً بذلك - بلا خلاف - ومتى لم يكن كذلك فالآية خاصة على ما قاله ابن عباس في الجاحدين أو ما قاله أبو علي في اليهود. وروى البراء بن عازب عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هذه الآيات الثلاث: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} في الكفار خاصة، وبه قال ابن مسعود وأبو صالح. وقال ليس في أهل الاسلام منها شئ وبه قال الضحاك وأبو مجلز وعكرمة وقتادة. وقال الشعبي: نزلت "الكافرون" في المسلمين "والظالمون" في اليهود "والفاسقون" في النصارى وقال عطا وطاووس أراد به كفراً دون كفر، وظلماً دون ظلم، وفسقاً دون فسق. ورووه عن ابن عباس. وقال ابراهيم هي عامة في بني اسرائيل وغيرهم من المسلمين، وبه قال الحسن: وقد بينا الأقوى من هذه الأقاويل.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى} يهدى به للحقّ {وَنُورٌ} يكشف به المبهمات، تعليل لعدم ايمانهم وتعريض بمن يعرض عن القرآن الّذى فيه بيان الحقّ وكشفه من ولاية علىّ (ع) {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} صفة لبيان حالهم وتعريض بانّ من لم يرض بحكم القرآن لم يكن مسلماً منقاداً لله {لِلَّذِينَ هَادُواْ} يحكم بها {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ} الّذين طلبوا الحقّ بالرّياضات والمجاهدات {وَٱلأَحْبَارُ} الّذين طلبوه بالعلم وطريق البحث {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} استحفظه طلب منه حفظ شيءٍ او جعله حافظاً لشيءٍ، ولفظة ما موصولة او مصدريّة وفيه اشارة الى انّهم كانوا حافظين لكتاب الله من التّغيير او حافظين له فى صدورهم {مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} التّدوينىّ او احكام النّبوّة {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} يشهدون له على من يغيّره، وعنهم (ع) فى بيان التّعريض: هذه الآية فينا نزلت، والرّبانيّون الائمّة دون الانبياء الّذين يربّون النّاس بعلمهم، والاحبار هم العلماء يعنى انّ المقصود التّعريض بامّة محمّد (ص) وانزال القرآن وانّ الحاكم به هم الائمّة (ع) ومشايخهم الّذين اجازوا لهم الحكم به {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} فى حكوماتكم ولا تعرضوا عمّا قرّرناه من الاحكام، والخطاب لمحمّد (ص) ولمّا كان التّعريض بامّته جمع أمّته معه فى الخطاب {وَٱخْشَوْنِ} فانّى احقّ بالخشية {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} التّدوينيّة بان تغيّروها وتبدّلوها، ولا بآياتى التّكوينيّة من النّبىّ (ص) وقوله (ص) ومن الائمّة الهداة {ثَمَناً قَلِيلاً} من الاعراض الدّنيويّة واغراضها، وقد مضى فى اوّل البقرة فى نظير الآية تفصيل تامّ لاشتراء الثّمن القليل بالآيات {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} اعلم، انّ الآيات الثّلاثة مذكورة ههنا بهذه الصّورة من ترتّب الكفر والظّلم والفسق على عدم الحكم بما انزل الله، ويلزم منه ان يكون كلّ فرد من افراد الانسان حاكماً بما انزل الله تعالى حتّى لا يكون داخلاً تحت الآيات، والحال انّ اكثرهم لا يعلمون حكم الله وليس كلّ من يعلم حكم الله يؤذن له فى الحكم بين النّاس، ولذلك فسّروه بمن يحكم بغير ما انزل الله وهو اخصّ من الاوّل، لانّ عدم الحكم بما انزل الله امّا بان لا يحكم اصلاً او بان يحكم بغير ما انزل الله والتّحقيق فى هذا المقام ان يقال: انّ ما انزل الله غير مختصّ بالتّدوينىّ بل هو اعمّ من التّدوينىّ الّذى اتى به الانبياء (ع) مسطوراً فى الصّحائف والالواح ومن التّكوينىّ فى العالم الكبير من النّبوّات واحكامها الّتى نزلت من مقام الرّوح الى قلوب الانبياء (ع) ومنها الى صدورهم، ومنها الى الخلق من السّياسات والعبادات القالبيّة، ومن التّكوينىّ فى العالم الصّغير من الاحكام العقليّة النّازلة من مقام العقل او انّ البلوغ الى صدور الخلق فكلّ انسانٍ له زاجرا آلهىّ وشيطان يغويه وكلّ انسان له الحكومة لا محالة، امّا فى وجوده وعالمه الصّغير لانّه لا محالة لا يخلو عن حركة وسكون ولو فى الاكل والشّرب وسائر الضّروريّات، وان كان له عيال ودار ففى اهل داره ايضاً وان كان له خدم وحشم واموال ففيها ايضاً، ولا بدّ لحركته وسكونه الاختياريّين من محرّكٍ وباعثٍ فالباعث ان كان الهيّاً فهو حاكم فى حركته وسكونه بما انزل الله من حكم العقل على صدره، وان كان شيطانيّاً فهو حاكم بغير ما انزل الله وهذا الحاكم بين الخلق ان كان الباعث له على الحكومة آلهيّاً كان حاكماً بما انزل الله، وان كان شيطانيّاً كان حاكماً بغير ما انزل الله ولم يحكم بما انزل الله، وان كان صورة الحكم صورة ما انزل الله فانّه اذا حكم من لم يكن مأذوناً من الله بلا واسطةٍ كالانبياء (ع) او بالواسطة كأوصيائهم (ع) وكان حكمه بصورة ما انزل الله فى التّدوين او فى النّبوّات كان حكمه بغير ما انزل الله وكان طاغوتاً، وما ورد فى الاخبار من انّ هذا مجلس لا يجلس فيه الا نبيٌّ او وصىّ او شقىّ؛ يدلّ على هذا، لانّ من جلس بغير الوصاية لم يكن جلوسه وحكمه بما أنزل الله بل بغير ما أنزل الله وبحكم الشّيطان ولذلك علّق الشّفاعة الّتى هى والحكومة توأمان على الاذن فى عدّة من الآيات، وممّا ذكرنا ظهر انّ عدم الحكم بما أنزل الله لازمٌ مساوٍ لحكم بغير ما أنزل الله لا انّه أعمّ منه لانّ الانسان لا يخلو من حكومة ما، ومن لم يكن خالياً من الحكومة فكلّما لم يحكم بما أنزل الله كان حاكماً بغير ما أنزل الله لما عرفت من التّلازم فصحّ ما ورد من تفسيره فى الاخبار بالحكم بغير ما أنزل الله؛ روى عن امير المؤمنين (ع) انّ الحكم حكمان؛ حكم الله وحكم الجاهليّة فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهليّة وهو دليل على ما قلنا.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا}. قال الحسن: يعني موسى وعيسى ومحمداً حكموا بالرجم جميعاً؛ يقول: يحكم بها النبيون المسلمون {لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} يعني علماءهم الذين رفعوا اليهودي الزاني إلى النبي. {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ} أي بعد أنبيائهم {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}. قال بعضهم: الربانيون العبّاد، والأحبار العلماء. {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ} أي في إقامة الحدود على أهلها من كانوا {وَاخْشَوْنِ} أي في إقامتها {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}. قال بعضهم: نزلت في اليهود في القتيل عمداً؛ كانوا أمروا فيه بالقَوَد، والآية الأخرى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} في النصارى؛ كانوا أمروا بالعفو في القتيل عمداً، والآية الأخرى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [في الكفار كلهم]. قال: كل هذه الآي في أهل الكتاب. وقال جابر: سئل حذيفة بن اليمان عن هذه الآي الثلاث: قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} وَالظَّالِمُونَ وَالفَاسِقُونَ أي خاصة في أهل الكتاب من اليهود والنصارى أم هي عامة فيهم وفيمن أقر بالإِسلام ودان به؟ فقال حذيفة: بخ بخ نعم الإِخوة بنو إسرائيل إن كان لكم حلوها وعليهم مرها، بل هي السنة في إثر السنة كالقذة تحذى على القذة. يعني أنها عامة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ولأهل الإِسلام؛ من لم يحكم منهم جميعاً بما في كتابه وبما عهد إليه ربه وأمره به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ظالم فاسق، غير أن كفر أهل الكتاب في ذلك كفر جحود وهو شرك، وكفر أهل الإِقرار بالله والنبي كفر نفاق، وهو ترك شكر النعمة، وهو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. قال الحسن: ومن لم يحكم بما أنزل الله أي: من لم يتخذ ما أنزل الله ديناً ويُقِرَّ به فهو كافر ظالم فاسق. قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي في التوراة {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ}. وهذه الآية مفروضةِ على هذه الأمة. وكل ما ذكر الله في القرآن أنه أنزله في الكتب الأولى ثم لم ينسخه في القرآن فهو ثابت يعمل به، لأنه في كتاب الله ولم ينسخه. وفي ذلك دليل على أن من لم يحكم من أهل القرآن بما أنزل الله فيه فهو كافر ظالم فاسق كما كان يكفر به من حكم من أهل الكتاب بغير ما أنزل الله في التوراة والإِنجيل. ألا ترى أن علينا في كتابنا مثل ما عليهم في كتبهم من أن النفس بالنفس والعين بالعين... إلى آخر الآية. كذلك من لم يحكم منا ومنهم بما أنزل الله في كتابه وعلى ألسنة رسله فهو كافر ظالم فاسق. قوله: والجروح قصاص. ذكروا أن أبا بكر وعمر قالا: ليس فيما لا يستطاع منه قصاص قصاص. ذكروا عن الحسن أنه قال: أربع ليس فيهن قصاص: الآمة والجائفة والمنقلة والهاشمة. وذكر بعضهم قال: كان يقال: لا قصاص في الكسر؛ يقال فيما لا يستطاع منه القصاص: إن فيه الأرش. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال في جراحات الرجال والنساء: يستويان في السن والموضحة ويختلفان فيما فوق ذلك، يقول: تصير المرأة على النصف، ذكروا أن علياً قال: لها النصف من كل شيء. ذكروا عن الحسن قال: يستويان في الثلث ويختلفان فيما فوق ذلك. قوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}. يعني كفارة لذنبه. ذكروا عن رجل من الأنصار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : فمن تصدّق به فهو كفارة له قال: هو الرجل تكسر سنه أو يجرح في جسده فيعفو، فيحط عنه بقدر ما عفا من خطاياه؛ فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان نصف الدية فنصف خطاياه وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلهاتفسير : . وهو تفسير الحسن؛ غير أنه قال: كفّارة له إن أراد بذلك وجه الله. وكان الحسن يشترط في هذا ونحوه الصدقَ. صدق والله الحسن؛ إنه كفّارة له إذا أراد به وجه الله؛ (أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) تفسير : [المائدة:27]. ذكروا أن مجاهداً قال: هو كفارة للجارح. قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} قد فسّرناه في الآية الأولى.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ}: هدى من الضلال الى الحق، وارشاد لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ونور بيان لما أشكل من الأحكام، وقيل: الهدى بيان التوجيه والنبوة والمعاد، والنور بيان الأحكام وجملة {فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} حال من التوراة أو فيها حال وهدى فاعل لفيها. {يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا}: وهم آلاف الأنبياء جاءوا بعد موسى ومع موسى، قيل: أربعة آلاف، وقيل: أكثر، وقيل: ألف لم ينزل عليهم كتاب، بل ألزمهم الله الحكم بالتوراة الا عيسى فبالانجيل، وأما داود ولو أنزل عليه الزبور لكنه لا حكم فيه، وانما يحكم بالتوراة وقيل: أيضا: ان عيسى يحكم بالتوراة، وان الأحكام فى الانجيل قليلة، ويرده: {أية : وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه } تفسير : وقوله تعالى: {أية : لكل جعلنا منكم شرعا ومنهاجاً}. تفسير : والذين أسلموا نعت مدح اذ لا نبى غير مسلم أى منقاد لحكم الله ولا نبى الا هو منقاد لله تعالى، وفى ذكر الاسلام تعريض باليهود أنهم غير مسلمين، وأنهم بمعزل عن شأن الأنبياء، ومدح المؤمنين اذ هم على شأن الأنبياء، وما شهر من أن الصفة العامة قبل الخاصة نحو: زيد متكلم فصيح، انما هو فى الأخبار والأحوال ونعوت التخصيص، والتوضيح فى العطف، ونعت غير التخصيص، والتوضيح. وعن الزهرى، والحسن، وقتادة، وعكرمة، والسدى: أنه يحتمل أن يكون النبيون الذين أسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعه تعظيماً له، وانما دعاهم لهذا الاحتمال قوله تعالى: {لِلَّذِينَ هَادُوا}: لأنه صلى الله عليه وسلم حكم لليهود بالرجم الذى فى التوراة، وللذين متعلق بيحكم، وذلك خلاف الظاهر، والظاهر أن المراد النبيون الكثيرون، والحكم للذين هادوا دليل على أنهم أنبياء بنى اسرائيل، وقيل: المراد الأنبياء الذين مع موسى وبعده الذين من بنى اسرائيل أو من غيرهم. {وَالرَّبَانيُّونَ}: سبق الكلام عليه، وقيل للذين هادوا نعت هدى ونور. {والأَحْبَارُ}: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها، وهو أولى ليخالف لفظ الحبر وهو المداد اذ هو بالكسر، لكن الجمع على أحبار أنسب بالكسر، وهم العلماء سمى العالم حبراً للحبر الذى يكتب به، أو من الحبرة بمعنى الزينة، لأن فيه زينة العلم وأثره، وحبرت الشىء زينته قيل الربانيون والأحبار بمعنى واحد فى الصدق، ولو اختلف فى المفهوم، كأنه قيل المنتسبون الى الله بعلمهم، فهم علماء منسوبون الى الله بالعلم، وقيل الربانيون أعظم لتقدمهم فى الذكر وهم العبادون المشتغلون بالعبادة كالصلاة والتسبيح، والأحبار الجامعون للعلم، الحاكمون به الناشرون له، وقيل: الربانيون الولاة والحكام، والأحبار العلماء. وقيل: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، فان النصارى يحكمون بالتوراة قبل نزول الانجيل، ويحكمون بها أيضاً بعد فيما لم ينسخه الانجيل، وعطف الربانيون والأحبار على النبيون، وقيل: المراد بالربانيين والأحبار علماء اليهود الذين جاءوا باليهود واليهودية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبحث فيه بأن الجائين بهما ليسوا ممن يمدحه الله لكفرهم، ولأنهم قصدوا ترك الرجم، ولم يعملوا به، نعم يحتمل أن يراد عبد الله بن سلام ونحوه ممن أسلم منهم. {بِمَا استُحفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ}: الباء متعلق بيحكم، ولا مانع من ذلك، لأن معناه السببية، والباء الأول للتعدية، وانما يمنع تعليق حرفين بشىء واحد اذا اتحد معناهما، وكانا بلا عطف أو بدل أو توكيد نحو: مررت بزيد زيد، والمستحفظ لهم هو الله، وعائد الموصول محذوف، من كتاب بيان لما أو للعائد المحذوف حال من أحدهما، أى بما استحفظوه بالهاء والبناء للمفعول، أى بما استحفظهم الله وهو كتابه التوراة، أى بسيط أمرهم الله به أن يحفظوه من تضييع أحكامه وتغييرها، وتركه بلا كتابة. وأما حفظه فى قلوبهم وألسنتهم وقراءته على ظهر الغيب، فلا يطبقونه الا عزير الا ما قل منها، والواو للأنبياء والربانيين والأحبار، وقيل: للربانيين والأحبار، وأن الواو للأنبياء، ويجوز كون ما مصدرية أى باستحفاظهم أى بتمكينهم من كتاب الله أن يحفظوه. {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}: شهداء عليه، أى رقباء أى كان الأنبياء والربانيون والأحبار رقباء على كتاب الله لا يتركونه بغيره مغير، ومع ذلك وقع فيه التغيير، أمرهم الله فحافظوا مجهودهم فغلبهم قدر الله، أو المعنى أنهم رقباء على ذلك، وكلما وقع التغيير بينوه، فالشهداء على الأول من الشهود بمعنى الحضور، وعلى الثانى من الشهادة بمعنى البيان كما بين ابن صوريا أن فيه الرجم بعد ما كتم أو قبله على ما مر، وكما بين عبد الله بن سلام. {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخشَوْنِ}: قال الفخر: هذا خطاب لليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنع لهم من التحريف والتغيير، أى أظهر وأما فى التوراة من الرجم وصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تداهنوا الناس، واتقوا الله فى الكتم والتحريف والتغيير. وقال غيره: الخطاب لحكام هذه الأمة أن يتقوا الله فى حكمهم، ولا يداهنوا ولا يخافوا ظلم من يظلمهم، فأما الحكم بالباطل فيموت الرجل ولا يفعله، وأما ترك الدخول فيه مخافة من ظلم الناس اياه بالقتل أو الضربة فلا بأس، وأما الطعن فيه بلا حق بما يهتك ستره فجائز أيضا. {وَلا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً}: نعت كاشف لا مخصص، فان الثمن المبدل من آيات الله ولو كان آلاف ديناً قليلا، أى لا تبدوا آياتى رشوة تأخذونها وتتركون الحكم بآياتى، وقدم النهى على خشية الناس فى الحق، لأن ظلم الناس الحاكم أقوى فى حمله على التقصير فى الحكم بالحق من الطمع فى الثمن القليل، ومن الثمن القليل الجاه وسائر المنافع. {وَمَن لَّم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ}: منكراً له، أو مقراً به، تاركاً للعمل به عملا أو جهلا، حيث يكون جهله فيما يدرك بعلم القرآن أو السنة أو العلماء. {فَأُوْلئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}: العاصون لله عصياناً كبيراً مناقضاً للشكر، سواء كفر شرك بالانكار، أو كفر نفاق، وليس ذلك من استعمال الكلمة فى معنييها أو فى حقيقتها ومجازها، وقال بعد أيضا {أية : فأولئك هم الظالمون } تفسير : وقال: {أية : فأولئك هم الفاسقون }تفسير : : وقيل: هذه فى الموحدين لا فى المنكرين لحكم الله، ولاتصالها بخطابهم، والظالمون فى اليهود، والفاسقون فى النصارى، وبه قال الشعبى فأشفى من سمى الفاعل لما دون الشرك من الكبائر كافراً ولا يخصه بالمشرك، كما نسميه نحن بذلك. وكذلك قال ابن مسعود: الآية عامة فى اليهود وغيرهم، وهذا منه كتفسير فى الآية أو لا، وأعنى أنه يأخذ منه تفسير ابن مسعود أنه يسمى الفاعل لما دون الشرك من الكبائر كافراً، كما فعل الشعبى، وكذلك قال حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمياً ببنى اسرائيل، لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، غير أنى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا، يعنى أن الآية عامة، وأن الله سمى الحاكم بغير ما أنزل الله من الموحدين كافراً، سمى اليهود به كفاراً، وفى رواية أنه قيل لحذيفة: أنزلت هذه الآية فى بنى اسرائيل؟ فقال: نعم الأخوة لكم بنو اسرائيل، لو قلنا فى كل حلوة انها لنا، وفى كل مرة انها لهم لكنا قد سلكنا طريقهم قذا الشراك فى مثل القول، يعنى الآية فيهم وفى غيرهم من المشركين، وفى هذه الأمة. وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب، يريد به والله انها نزلت فيهم، ولم يرد أنها خاصة بهم، فان التحقيق فى العام الوارد على سبب خاص أنه يبقى على عمومه، وما يروى عنه رحمه الله: نعم القوم أنتم ما كان من حلو فلكم، وما كان من مر فهو لأهل من جحد حكم الله فهو كافر، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق، لم يصح عنه، وان صح فلعله أراد التهكم على من يزعم أنه ما كان من حلو الى قوله فاسق، ولو صدق الزاعم فى قوله من جحد حكم الله فهو كافر، أى مشرك، ولو أخطأ هذا الزاعم فى تفسير الكافر فى الآية بالمشرك، وفى نفيه تسمية ما دون الشرك كفراً بمعنى عصياناً كبيراً وكذا مجاهد لا يخص الكافر بالمشرك، بل يقول: الكفر شرك ودون شرك، وكذا الحسن والنخعى. ويدل لذلك ما روى عن ابن عباس حين سأله طاوس عن قوله تعالى: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل }تفسير : فقال: به كفر، وليس بكفر يخرجه عن المللة، فهذا هو الحق وبه والحمد لله يصح تأويل كلامه السابق المروى عنه المتمسك به من يزعم عنه أنه لا يجيز ابن عباس تسميته غير الشرك شركاً من الكبائر، وزعم بعض قومنا أن من علم الحكم وتركه عمداً سمى كافراً كفراً دون الشرك الا ان جهل أو خطأ التأويل.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً} من الضلال {وَنُورٌ} بيان للأَحكام، حكم المسأَلة التي استفتوك فيها وغيرها، وقيل النور كون نبينا صلى الله عليه وسلم رسولا من الله تعالى، الجملة حال مقارنة من التوراة {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّون} حال مقدرة منها عابهم الله بالإِعراض عن كتاب عظيم من الله متصف بأَنه مشتمل على الهدى والنور وبأَنه يحكم به الأنبياء والربانيون والأحبار، والمراد الأَنبياء الذين في زمان موسى كهارون ويوشع في آخر عهد موسى وبعد زمان موسى عليه السلام وهم ألوف من الأَنبياء من بنى إِسرائيل ليس معهم كتاب، وقيل أَلف نبى وإِنما بعثوا باقامة التوراة وزيد على داود الزبور وعلى عيسى والإِنجيل عليهما السلام، واستدل بعض بالآية على أَن شرع من قبلنا شرع لنا وهو قول بعض أَصحابنا، وقيل دخل في النبيون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأَنه يحكم بما في التوراة ما لم ينزل ناسخ {الَّذِينَ أَسْلَمُوا} انقادوا لأَمر الله عز وجل والعمل بكتابه، وفيه تعريض باليهود بأَنهم خالفوا الأَنبياء في الإِسلام الذي هو دينهم ومدح للمؤمنين لأَنهم أَسلموا كالأَنبياء وليس ذلك تخصيصاً وتوضيحاً للأَنبياء لأَن أَنبياءَ الله كلهم انقادوا، بل تقوية لشأَن الإِسلام لأَن إِبراز وصف في معرض مدح العظماء منبىء عن عظم قدر الوصف كما وصف الأَنبياء بالصلاح والملائكة بالإِيمان، كما يقال أَوصاف الأشراف أَشراف الأَوصاف {لِلَّذِينَ هَادُوا} متعلق بحكم لأَجل الذين هادوا إِذ يحكمون بينهم أَو اللام للاختصاص وليس حصراً أَو للبيان فشمل الحكم لهم والحكم عليهم، أَو يقدر للذين هادوا وعليهم أَو الحكم لهم مطلقاً لأَن المحكوم عليه منفوع بزوال التباعة، ولأَنهم رضوا بها كأَنها أَمر نافع للخصمين أَو تعلق بانزال أَو نعت لهدى ونور ويضعف تعليقه بهدى للفصل وقوله للذين هادوا، ويدل على أَن الأَنبياء أَنبياء بنى إٍرائيل ويضعف ما قيل أَنهم جميع الأَنبياء بمعنى أَنهم آمنوا بما في التوراة قبل نزولها إِلا إِن أَريد مالا يتغير للأُمم، أَو أَراد جلها وإلا ففيها بعض مخالفة لما قبلها، ومعنى هادوا تابوا من الكفر والمراد المؤمنون من اليهود، وقدر بعض للذين هادوا وغيرهم من الناس كما قدر للذين هادوا {والرَّبَّانيُّون} العباد الزهاد {والأَحْبَارُ} العلماء السالكون طريق الأَنبياء عند قتادة، والفريقان من ولد هارون عليه السلام، وقيل الربانيون العلماء والأَحبار الفقهاء عطف خاص على عام وعن ابن عباس الربانيون الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره، والأَحبار الفقهاء، وقيل الربانيون أَعلى لتقديمهم، وقيل الربانيون الحكام والأَحبار العلماء، وقيل الربانيون علماء النصارى والأَحبار علماء اليهود والعالم حبر بكسر الحاءِ لأَنه يحصل العلم بالحبر بالكسر وهو المداد، وقد تفتح من الحبر بالفتح بمعنى التحسين لأَنه يحسن العلم بتفسيره وتجويده والترغيب فيه والعطف على النبيون، وفصل بقوله الذي هادوا إِيذانا بأَن الأَصل في الحكم بالتوراة وحمل الناس عليها الأَنبياء وأَما الربانيون والأحبار فنواب {بِمَا اسْتَحفظُوا} أَى بما استحفظوه، وما اسم موصول والرابط هاء محذوفة والواو للأَنبياء والربانيين والأَحبار والذى استحفظهم إِياه هو الله جل وعلا أَمرهم بحفظه من تغييره لفظاً ومعنى وبما بدل من بها أَو الواو للأَحبار والربانيين والعطف على معمولى عامل أَى يحكم النبيون بها والربانيون والأَحبار بما استحفظوا، أَو الباءَ سببية أَى يحكم بها النبيون إلخ بسبب ما استحفظوا جعلنا الواو للأنبياء والأَحبار والربانيين أَو الأَحبار والربانيين والله استحفظ الكل أَو الأَنبياء استحفظوا الربانيين والأَحبار {مِنْ كِتَاب اللهِ} بيان لما {وَكَانُوا عَليْهِ شُهَدَاءَ} عطف على صلة ما فالهاءَ عائدة إِلى ما الواقعة على الكتاب كما قلنا إِن من للبيان فهى في المعنى للكتاب والواو للأَنبياء والأَحبار والربانيين، وأَجيز أَنه للنبيين والشهداء حاضرين كمن حضر شيئاً رقيباً عليه أَى لا يتركونه يغير لفظاً أَو معنى، كذا قيل واعتراض بأَنه يلزم أَن يكون الربانيون والأَحبار رقباء على أَنفسهم لا يتركونها أَن تغير لأَن المحذوف إِنما يكون منهم، أَو شاهدين بتفسيره ومعناه كما فعل ابن صوريا وعبد الله بن سلام لا يكتمونه، أَو بصدقه كما فعلا أَيضاً أَنه حق، ويجوز عود الهاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم أَى شهدوا برسالته، عليه فليست الجملة معطوفة على صلة ما والأول أَولى، تولى الله حفظ القرآن فلا يغير. قال الله جل وعلا {أية : وإِنا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9] وأَمر الأَنبياءَ والربانيين والأَحبار بحفظ التوراة كما قال بما استحفظوا فغيرت {فَلاَ تَخْشَوُا} أَيها اليهود والرؤساء والمراد من علم منهم ما في التوراة إِذا كان الشأن ما ذكر فلا تخشوا {النَّاسَ} في إظهار ما في التوراة من رسالة محمد صلّى الله عليه وسلم وكتابه وصفاته وما وافق أَحكامه كالرجم بأَن يظهر عجزكم وكذبكم ويعيبوكم {واخْشَوْنِ} في كتمان ذلك وفي الإِخلال بحقوقه والتعرض له بسوء فإِن ذل الدنيا ولا سيما أَنه يزول ويعقبه خير للتوبة والإِفصاح بالحق أهون من عذاب الآخرة الدائم، والنفع والضر بيدى {وَلاَ تَشْتَرُوا بآيَاتِي} بتركها وأَخذ عوضها كما قال {ثَمَناً قَلِيلاً} هو ما يأْخذونه على كتمانها أَو تبديلها من مال أَو جاه أَو تأويلها، أَو الخطاب للحكام من هذه الأُمة كما روى عن ابن مسعود ورجحه بعض. نهاهم أَن يداهنوا في الحكم خشية لظالم ومراقبة لكبير أَو خوفاً من فوت نفع وأَن يأْخذوا الرشوة والجاه بدل آيات الله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُون} لنعمه بالإِشراك إِن خالفوا ما أَنزل الله إنكاراً له وإِهانة له بالمخالفة إِن خالفوه مع إيمان به لرشوة أَو جاه أَو غرض من أَغراض الدنيا أَو لجهالة فإِن القاضي بما لم يعلم ولو وافق الحق والقاضى بغير حق مع علمه في النار كما جاءَ الحديث، وفى الآية تكفير من أَجاز تحكيم الحكمين فيما جاءَ فيه حكم الله تكفيراً غير شرك، واستدلت الصفرية بالآية على شرك فاعل الكبيرة وأخطأوا لعنهم الله لأَن الكفر في الآية ليس شركاً على الإِطلاق بل معنى عام قابل للشرك باعتبار وما دون الشرك باعتبار كما رأَيت على طريق الاشتراك لا على الجمع بين الحقيقة والمجاز، والآية على العموم وبه قال الحسن والنخعي كابن مسعود، وقال ابن عباس في بنى قريضة والنضير، وقيل في المشركين واليهود، وكذا الخلاف في مثليها بعد، وأَنت خبير بأَن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم ومن حكم بغير ما أَنزل الله فهو كافر لإِنكاره أَو إِعراضه وظالم بالجور على غيره وعلى نفسه، وفاسق بالخروج عن الحق، أَو هذه في أَهل التوحيد لاتصالها بهم على أَن الكفر كفر نعمة أَو كفر شرك على التشبيه لا الحقيقة تغليظاً عليهم، والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى ولا بأس في أَنها في أَهل التوحيد كما قال على ابن الحسين ظلم دون شرك وكفر دون شرك وفسق دون شرك فذلك ظلم وكفر وفسق بالجارحة وكفر نعمة، وأَنا أَعجب ممن يروى هنا أَحاديث سعياً في إِخراج الآيات عن أَهل التوحيد كأَنه لا موحد ظالم ولا موحد فاسق ولا موحد كافر كفر نعمة، فعن ابن عباس أَنهن في اليهود وعن أَبي صالح في المشركين وأَولوا أَيضاً بأَنها في المشركين كفاراً باعتبار الإِنكار، أَى مشركين وظالمين أَيضاً بأَنها في المشركين كفاراً باعتبار الإِنكار، أَى مشركين وظالمين باعتبار وضع الشيىء في غير موضعه، وفاسقين باعتبار الخروج عن الحق ودعاهم لذلك حصر لفظ الكفر على الشرك.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَٰةَ} كلام مستأنف سيق لتقرير مزيد فظاعة حال أولئك اليهود ببيان علو شأن التوراة على أتم وجه {فِيهَا هُدًى} أي إرشاد للناس إلى الحق {وَنُورٌ} أي ضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ. وقال الزجاج: {فِيهَا هُدًى} أي بيان للحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه النبـي صلى الله عليه وسلم {وَنُورٌ} أي بيان أنّ أمر النبـي عليه الصلاة والسلام حق، ولعل تعميم المهدي إليه كما في كلام ابن عباس أولى، ويندرج فيه اندراجاً أولياً ما ذكره الزجاج من الحكم، وإطلاق النور على ما في التوراة مجاز، ولعل إطلاقه على ذلك دون إطلاقه على القرآن بناءاً على أن النور مقول بالتشكيك، وقد يقال: إن إطلاقه على ما به بيان أمر النبـي صلى الله عليه وسلم ـ بناءاً على ما قال الزجاج ـ باعتبار كون الأمر المبين متعلقاً بأول الأنوار الذي لولاه ما خلق الفلك الدوار صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ يكون الفرق بين الإطلاقين مثل الصبح ظاهراً، والظرف خبر مقدم، و {هُدًى} مبتدأ، والجملة حال من {ٱلتَّوْرَٰةَ} أي كائناً فيها ذلك، وكذلك جملة{يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} في قول إلا أنها حال مقدرة، والأكثرون على أنها مستأنفة مبينة لرفعة رتبة التوراة وسمو طبقتها، والمراد من النبيين من كان منهم من لدن موسى إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام على ما رواه ابن أبـي حاتم عن مقاتل، وكان بين النبيين عليهما السلام ألف نبـي. وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن المراد بهم نبينا صلى الله عليه وسلم ومن قبله من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، وعلى هذا بنى الإستدلال بالآية من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة، والمراد: يحكم بأحكامها النبيون. {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} صفة أجريت على النبيين ـ كما قيل ـ على سبيل المدح، والظاهر لهم، ونظر فيه ابن المنير «بأن المدح إنما يكون غالباً بالصفات الخاصة التي يتميز بها الممدوح عمن دونه، والإسلام أمر عام يتناول أمم الأنبياء ومتبعيهم كما يتناولهم، ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبـي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر على كونه رجلاً مسلماً؛ فإن أقل متبعيه كذلك، ثم قال: فالوجه ـ والله تعالى أعلم ـ / أن الصفة قد تذكر لتعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر، كما تذكر تنويهاً بقدر موصوفها،... وعلى هذا الأسلوب جرى وصف الأنبياء عليهم السلام بالصلاح في غير ما آية تنويهاً بمقدار الصلاح إذ جعل صفة للأنبياء عليهم السلام، وبعثاً لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته، وكذلك قيل في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} تفسير : [غافر: 7]، فأخبر سبحانه عن الملائكة المقربين بالإيمان تعظيماً لقدره، وبعثاً للبشر على الدخول فيه ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة، وإلا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا، كيف لا! وهم ـ عند ربهم ـ كما في الخبر، ثم قال جل وعلا: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} يعني من البشر لثبوت حق الأخوة في الإيمان بين القبيلتين، فلذلك ـ والله تعالى أعلم ـ جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويهاً به، ولقد أحسن القائل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وحسان الناظم في مدحه عليه الصلاة والسلام بقوله:شعر : ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمد تفسير : والإسلام ـ وإن كان من أشرف الأوصاف، إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حقِّه ـ إلا أن النبوة أشرف وأجل لاشتمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة؛ فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة [في سياق المدح] لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز وفي كلام العرب الفصيح، وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على العكس، ألا ترى أن أبا الطيب كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله:شعر : شمس ضحاها هلال ليلتها در مقاصيرها زبرجدها تفسير : فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد [في سياق المدح] فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صنعته فعلينا أن نتدبر الآيات المعجزات حتى يتعلق فهمنا بأهداب علوها في البلاغة المعهودة لها، والله تعالى الموفق للصواب» انتهى. وفي «المفتاح» و «التخليص» إشارة إلى ما ذكره، وإيراد الطيبـي عليه ما أورده غير طيب، نعم قد يقال: إن القائل بكونها مادحة لمن جرت عليه نفسه قد يدعي أن ذلك مما لا بأس به إذا قصد مع المدح فوائد أخر كالتنويه بعلو مرتبة المسلمين هنا والتعريض باليهود بأنهم بمعزل عن الإسلام، على أنه قد ورد في الفصيح ـ بل في الأفصح ـ ذكر غير الأبلغ بعد الأبلغ من الصفات، ومن ذلك {أية : ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [الفاتحة: 3] حيث كان متضمناً نكتة، وقال عصام الملة: إن الإسلام للنبـي كمال المدح لأن الانقياد من المقتدي للخلائق التي لا تحصى وصف لا وصف فوقه، ويمكن أن يكون الوصف به هنا إشعاراً بمنشأ الحكم ليحافظ عليه الأمة ولا يخرم، ولا يتوهم أن الحكم للنبوة، فغير النبـي صلى الله عليه وسلم خارج عن هذا المسلك انتهى، وفيه تأمل، إذ الترقي من الأدنى إلى الأعلى لم يظهر بعد، ونهاية الأمر الرجوع إلى نحو ما تقدم فافهم. {لِلَّذِينَ هَادُواْ} أي تابوا من الكفر ـ كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ والمراد بهم: اليهود ـ كما قال الحسن ـ والجار إما متعلق ـ بيحكم ـ أي يحكمون فيما بينهم، واللام إما لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضاً بإسقاط التبعة عنه، وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر نافع لكلا الفريقين ففيه تعريض بالمحرفين، وقيل: من باب {أية : سَرَابِيلَ / تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] وإما متعلق ـ بأنزلنا ـ ولعل الفاصل ليس بالأجنبـي ليضر، وقيل: بأنزل على صيغة المبني للمفعول، وحذف لدلالة الكلام عليه، وتكون الجملة حينئذٍ معترضة، وعلى هذا تكون الآية نصاً في تخصيص النبيين بأنبياء بني إسرائيل لأنه لا يلزم من إنزالها لهم اختصاصها بهم، وقيل: الجار متعلق ـ بهدى ونور ـ وفيه فصل بين المصدر ومعموله، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة لهما أي هدى ونور كائنان لهما، وكلام الزجاج يحتمل هذا وما قبله. {وَٱلرَّبَّٰنِيُّوْنَ وَٱلأَحْبَارُ} أي العباد والعلماء قاله قتادة، وقال مجاهد: الربانيون العلماء الفقهاء وهم فوق الأحبار، وعن ابن زيد الربانيون الولاة، والأحبار العلماء، والواحد: حبر بالفتح والكسر، قال الفراء: وأكثر ما سمعت فيه الكسر، وهو مأخوذ من التحبير والتحسين، فإن العلماء يحبرون العلم ويزينونه ويبينونه، ومن ذلك الحبر ـ بكسر الحاء لا غير ـ لما يكتب به، وهذا عطف على {ٱلنَّبِيُّونَ} أي هم أيضاً يحكمون بأحكامها، وتوسيط المحكوم لهم ـ كما قال شيخ الإسلام ـ بين المتعاطفين للإيذان بأن الأصل في الحكم بها، وحمل الناس على ما فيها هم النبيون، وإنما الربانيون والأحبار خلفاء ونواب لهم في ذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} أي بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم السلام مشعر باستخلافهم في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء منها، والجار متعلق بيحكم، و (ما) موصولة، وضمير الجمع عائد إلى الربانيين والأحبار. وقوله تعالى: {مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} بيان ـ لما ـ وفي الإبهام والبيان بذلك ما لا يخفى من تفخيم أمر التوراة ذاتاً وإضافة، وفيه أيضاً تأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها، والباء الداخلة على الموصول سببية فلا يلزم تعلق حرفي جر متحدي المعنى بفعل واحد أي ويحكم الربانيون والأحبار أيضاً بالتوراة بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به أنبياؤهم وسألوهم أن يحفظوه، وليس المراد بسببيته لحكمهم ذلك سببيته من حيث الذات بل من حيث كونه محفوظاً، فإن تعليق حكمهم بالموصول مشعر بسببية الحفظ المترتب لا محالة على ما في حيز الصلة من الاستحفاظ له، وتوهم بعضهم أن ما بمعنى أمر، و {مِنْ} لتبيين مفعول محذوف ـ لاستحفظوا ـ والتقدير بسبب أمر استحفظوا به شيئاً من كتاب الله وهو مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله تعالى، وقيل: الأولى أن تجعل (ما) مصدرية ليستغنى عن تقدير العائد، وحينئذٍ لا يتأتى القول بأن {مِنْ} بيان لها، ومن الناس من جوز كون {بِمَا} بدلاً من بها، وأعيد الجار لطول الفصل وهو جائز أيضاً وإن لم يطل، ومنهم من أرجع الضمير المرفوع للنبيين ومن عطف عليهم، فالمستحفظ حينئذٍ هو الله تعالى، وحديث الإنباء لا يتأتى إذ ذاك، وقيل: إن {ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ} فاعل بفعل محذوف والباء صلة له، والجملة معطوفة على ما قبلها، أي ويحكم الربانيون والأحبار بحكم كتاب الله تعالى الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير. {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} عطف على {ٱسْتُحْفِظُواْ} ومعنى شهداء رقباء يحمونه من أن يحوم حول حماه التغيير والتبديل بوجه من الوجوه، أو شهداء عليه أنه حق. ورجح على الأول بأنه يلزم عليه أن يكون {ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} رقباء على أنفسهم لا يتركونها أن تغير وتحرف التوراة لأن المحرف لا يكون إلا منهم لا من العامة، وهو كما ترى ليس فيه مزيد معنى، وإرجاع ضمير {كَانُواْ} للنبيين مما لا يكاد يجوز، وقيل: عطف على {يَحْكُمُ} المحذوف المراد منه حكاية الحال الماضية أي حكم الربانيون والأحبار بكتاب الله تعالى. / وكانوا شهداء عليه، ويجوز على هذا ـ بلا خفاء ـ أن تكون الشهادة مستعارة للبيان أي مبينين ما يخفي منه، وأمر التعدي بعلى سهل، ولعل المراد به شيء وراء الحكم، وقيل: الضمير المرفوع هنا كسابقه عائد على النبيين وما عطف عليه، والعطف إما على {ٱسْتُحْفِظُواْ} أو على {يَحْكُمُ} وتوهم عبارة البعض ـ حيث قال وبسبب كونهم شهداء ـ أن العطف على ـ ما ـ الموصولة فيؤوّل {كَانُواْ} بالمصدر، وكأن المقصود منه تلخيص المعنى لكون ما ذكر ضعيفاً فيما لا يكون المعطوف عليه حدثا، وأما العطف على كتاب الله بتقدير حرف مصدري ليكون المعطوف داخلاً تحت الطلب فكما ترى، وإرجاع ضمير {عَلَيْهِ} إلى حكم النبـي صلى الله عليه وسلم بالرجم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مما تأباه العربية في بعض الاحتمالات، وهو وإن جاز عربية في البعض الآخر لكنه خلاف الظاهر ولا قرينة عليه، ولعل مراد الحبر بيان بعض ما تضمنه الكتاب الذي هم شهداء عليه، وبالجملة احتمالات هذه الآية كثيرة. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه والسدى والكلبي، ويتناول النهي غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة، والفاء لجواب شرط محذوف أي إذا كان الشأن كما ذكر يا أيها الأحبار فلا تخشوا الناس كائناً من كان، واقتدوا في مراعاة أحكام التوراة وحفظها بمن قبلكم من النبيين والربانيين والأحبار، ولا تعدلوا عن ذلك ولا تحرفوا خشية من أحد {وَٱخْشَوْنِ} في ترك أمري فإن النفع والضر بيدي، أو في الإخلال بحقوق مراعاتها فضلاً عن التعرض لها بسوء {وَلاَ تَشْتَرُواْ} أي لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن تخرجوها منها أو تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم {ثَمَناً قَلِيلاً} من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة في نفسها لا سيما بالنسبة إلى ما يفوتهم بمخالفة الأمر، وذهب الحسن البصري إلى أن الخطاب للمسلمين وهو الذي ينبىء عنه كلام الشعبي. وعن ابن مسعود ـ وهو الوجه كما في «الكشف» ـ أنه عام، والفاء على الوجهين فصيحة أي وحين عرفتم ما كان عليه النبيون والأحبار، وما تواطأ عليه الخلوف من أمر التحريف والتبديل للرشوة والخشية، فلا تخشوا الناس ولا تكونوا أمثال هؤلاء الخالفين، والذي يقتضيه كلام بعض أئمة العربية أنها على الوجه فصيحة أيضاً، وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب فتذكر. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} من الأحكام {فَأُوْلَـئِكَ} إشارة إلى {مَنْ} والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في سابقه باعتبار لفظها، وهو مبتدأ خبره جملة قوله سبحانه: {هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} ويجوز أن يكون {هُمْ} ضمير فصل، و {ٱلْكَـٰفِرُونَ} هو الخبر، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير وتحذير عن الإخلال به أشد تحذير. واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن، ووجه الاستدلال بها أن كلمة {مِنْ} فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فيدخل (الفاسق) المصدق أيضاً لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله تعالى، وأجيب بأن الآية متروكة الظاهر، فإن الحكم وإن كان شاملاً لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، وأيضاً إن المراد عموم النفي بحمل (ما) على الجنس، ولا شك أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله تعالى لا يكون إلا غير مصدق ولا نزاع في كفره، وأيضاً أخرج ابن منصور وأبو الشيخ / وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما أنزل الله تعالى ـ {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}. و {ٱلظَّـٰلِمُونَ} و {ٱلْفَـٰسِقُونَ} ـ في اليهود خاصة، وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ} الخ ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار، وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وابن جرير عن الضحاك نحو ذلك، ولعل وصفهم بالأوصاف الثلاث باعتبارات مختلفة، فلانكارهم ذلك وصفوا ـ بالكافرين ـ ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا ـ بالظالمين ـ ولخروجهم عن الحق وصفوا ـ بالفاسقين ـ أو أنهم وصفوا بها باعتبار أطوارهم وأحوالهم المنضمة إلى الامتناع عن الحكم، فتارة كانوا على حال تقتضي الكفر، وتارة على أخرى تقتضي الظلم أو الفسق، وأخرج أبو حميد وغيره عن الشعبي أنه قال: الثلاث الآيات التي في المائدة أولها: لهذه الأمة. والثانية: في اليهود. والثالثة: في النصارى، ويلزم على هذا أن يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى إلا أنه قيل: إن الكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أشعر بعتوه وتمرده فيه. ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الكفر الواقع في أولى الثلاث: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس كفراً ينقل عن الملة كفر دون كفر، والوجه أن هذا كالخطاب عام لليهود وغيرهم، وهو مخرج مخرج التغليظ، أو يلتزم أحد الجوابين، واختلاف الأوصاف لاختلاف الاعتبارات، والمراد من الأخيرين منها الكفر أيضاً عند بعض المحققين، وذلك بحملهما على الفسق والظلم الكاملين، وما أخرجه الحاكم وصححه. وعبد الرزاق وابن جرير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه ـ أن الآيات الثلاثة ذكرت عنده فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرّة، كلا والله لتسلكن طريقهم قدّ الشراك ـ يحتمل أن يكون ذلك ميلاً منه إلى القول بالعموم، ويحتمل أن يكون كما قيل: ميلاً إلى القول بأن ذلك في المسلمين، وروي الأول عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما إلا أنه قال: كفر ليس ككفر الشرك وفسق ليس كفسق الشرك وظلم ليس كظلم الشرك. هذا وقد تكلم بعض العارفين على ما في بعض هذه الآيات من الإشارة فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي اتقوه سبحانه بتزكية نفوسكم من الأخلاق الذميمة {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} أي واطلبوا إليه تعالى الزلفى بتحليتها بالأخلاق المرضية {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ} بمحو الصفات والفناء في الذات {أية : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 35] أي لكي تفوزوا بالمطلوب، وقيل: ابتغاء الوسيلة التقرب إليه بما سبق من إحسانه وعظيم رحمته وهو على حد قوله:شعر : أيا جود معن ناج معناً بحاجتي فليس إلى معن سواه شفيع تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ} أي ما في الجهة السفلية {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} الكبرى {أية : مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 36] لأنه سبب زيادة الحجاب والبعد ولا ينجع ثمة إلا ما في الجهة العلوية من المعارف والحقائق النورية {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} أي المتناول من الأنفس والمتناولة من القوى النفسانية للشهوات التي حرمت عليها {فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} أي امنعوهما بحسم قدرتهما بسيف المجاهدة وسكين الرياضة {جَزَاء بِمَا كَسَبَا} من تناول ما لا يحل تناوله لها {أية : نَكَـٰلاً} تفسير : [المائدة: 38] أي عقوبة من الله عز وجل {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} ووساوس شيطان النفس {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} وهم القوى النفسانية {لَمْ يَأْتُوكَ} أي ينقادوا لكم، / أو {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ} يسنون السنن السيئة {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ} وهي التعينات الالٰهية {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } فيزيلونها عما هي من الدلالة على الوجود الحقاني، أو يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة ـ كمن يؤوّل القرآن والأحاديث على وفق هواه ـ وليس ما نحن فيه من هذا القبيل كما يزعمه المحجوبون لأن ذلك إنما يكون بإنكار أن يكون الظاهر مراداً لله تعالى، وقصر مراده سبحانه على هذه التأويلات، ونحن نبرأ إلى الله عز وجل من ذلك فإنه كفر صريح، وإنما نقول: المراد هو الظاهر وبه تعبد الله تعالى خلقه لكن فيه إشارة إلى أشياء أخر لا يكاد يحيط بها نطاق الحصر يوشك أن يكون ما ذكر بعضاً منها {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} قال ابن عطاء: من يحجبه الله تعالى عن فوائد أوقاته لم يقدر أحد إيصاله إليه {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [المائدة: 41] أي بالمراقبة والمراعاة، وقال أبو بكر الوراق: طهارة القلب في شيئين: إخراج الحسد والغش، وحسن الظن بجماعة المسلمين {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ} وهو ما يأكلونه بدينهم {فَإِن جَاءوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ} مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم {أية : وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [المائدة: 42] أي داوهم على ما يستحقون ويقتضيه داؤهم، والكلام في باقي الآيات ظاهر والله تعالى الموفق.

ابن عاشور

تفسير : لمّا وصف التّوراة بأنّ فيها حكم الله استأنف ثناء عليها وعلى الحاكمين بها. ووصفها بالنزول ليدلّ على أنّها وحي من الله، فاستعير النّزول لبلوغ الوحي لأنّه بلوغ شيءٍ من لدن عظيم، والعظيم يتخيّل عَالياً، كما تقدّم غير مرّة. والنّور استعارة للبيان والحقّ، ولذلك عطف على الهُدى، فأحكامها هادية وواضحة، والظرفية. حقيقية، والهدى والنّور دلائلهما. ولك أن تجعل النّور هنا مستعاراً للإيمان والحكمة، كقوله: {أية : يخرجهم من الظلمات إلى النّور}تفسير : [البقرة: 132]، فيكون بينَه وبين الهدى عموم وخصوص مطلق، فالنّور أعمّ، والعطفُ لأجل تلك المغايرة بالعموم. والمراد بالنبيين فيجوز أنّهم أنبياء بني إسرائيل، موسى والأنبياءُ الّذين جاءوا من بعده. فالمراد بالّذين أسلموا الّذين كان شرعهم الخاصّ بهم كشرع الإسلام سواء، لأنّهم كانوا مخصوصين بأحكام غير أحكام عموم أمّتهم بل هي مماثلة للإسلام، وهي الحنيفية الحقّ، إذ لا شكّ أنّ الأنبياء كانوا على أكمل حال من العبادة والمعاملة، ألا ترى أنّ الخمر ما كانت محرّمة في شريعة قبل الإسلام ومع ذلك ما شربها الأنبياء قط، بل حرّمتها التّوراة على كاهن بني إسرائيل فما ظنّك بالنّبيء. ولعلّ هذا هو المراد من وصيّة إبراهيم لبنيه بقوله: {أية : فلا تموتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132] كما تقدّم هنالك. وقد قال يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في دعائه: {أية : توفَّنِي مُسلماً وألْحقني بالصّالحين}تفسير : [يوسف: 101]. والمقصود من الوصف بقوله: {الّذين أسلموا} على هذا الوجه الإشارة إلى شرف الإسلام وفضله إذ كان دين الأنبياء. ويجوز أن يراد بالنبيئين محمد صلى الله عليه وسلم وعبّر عنه بصيغة الجمع تعظيماً له. واللام في قوله: {للّذين هادوا} للأجل وليست لتعدية فعل {يحكم} إذ الحكم في الحقيقة لهم وعليهم. والّذين هادوا هم اليهود، وهو اسم يرادف معنى الإسرائليين، إلاّ أنّ أصله يختصّ ببني يهوذا منهم، فغلب عليهم من بعد، كما قدّمناه عند قوله تعالى: {أية : إنُّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنّصارى والصابئين} تفسير : الآية في سورة البقرة (62). والرّبّانيون جمع ربّاني، وهو العالم المنسوب إلى الربّ، أي إلى الله تعالى. فعلى هذا يكون الربّاني نَسباً للربّ على غير قياس، كما قالوا: شعراني لكثير الشعَر، ولحياني لعظيم اللّحية. وقيل: الربّاني العالم المُربي، وهوَ الّذي يبتدىء النّاس بصغار العلم قبل كباره. ووقع هذا التّفسير في صحيح البخاري}. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولكن كونوا رَبَّانيّين}تفسير : في سورة آل عمران (79). والأحبار جمع حَبْر، وهو العالم في الملّة الإسرائليّة، وهو ـــ بفتح الحاء وكسرها ـــ، لكن اقتصر المتأخّرون على الفتح للتّفرقة بينه وبين اسم المِداد الّذي يكتب به. وعطف {الربّانيّون والأحبار} على {النّبيئون} لأنّهم ورثة علمهم وعليهم تلقّوا الدّين. والاستحفاظ: الاستئمان، واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حقّ الفهم بما دلّت عليه آياته. استعير الاستحفاظ الّذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتّبليغ للأمّة على ما هو عليه. فالباء في قوله {بما استحفظوا} للملابسة، أي حكماً ملابساً للحقّ متّصلاً به غير مبدّل ولا مغيّر ولا مؤوّل تأويلاً لأجل الهوى. ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان. ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حَمَّاد ما حكاه عياض في «المدارك»، عن أبي الحسن بن المنتاب، قال: كنت عند إسماعيل يوماً فسئل: لم جاز التّبديل على أهل التّوراة ولم يجز على أهل القرآن، فقال: لأنّ الله تعالى قال في أهل التّوراة {بما استحفظوا من كتاب الله} فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: {أية : إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9]. فتعهّد الله بحفظه فلم يجز التّبديل على أهل القرآن. قال: فذكرت ذلك للمُحاملي، فقال: لا أحْسَنَ من هذا الكلام. و{من} مبيّنة لإبهام (ما) في قوله: {بما استحفظوا}. و{كتاب الله} هو التّوراة، فهو من الإظهار في مقام الإضمار، ليتأتّى التّعريف بالإضافة المفيدة لتشريف التّوراة وتمجيدها بإضافتها إلى اسم الله تعالى. وضميرُ {وكانوا} للنبيئين والربانيّين والأحبار، أي وكان المذكورون شهداء على كتاب الله، أي شهداء على حفظه من التّبديل، فحرف (على) هنا دالّ على معنى التمكّن وليس هو (على) الّذي يتعدّى به فعل شَهِد، إلى المحقوق كما يتعدّى ذلك الفعل باللام إلى المشهود له، أي المحِقّ، بل هو هنا مثل الّذي يتعدّى به فعل (حفظ ورقب) ونحوهما، أي وكانوا حفَظَة على كتاب الله وحُرّاساً له من سوء الفهو وسوء التّأويل ويحملون أتباعه على حَقّ فهمِه وحقّ العمل به. ولذلك عقّبه بجملة {فلا تخشوا النّاس واخْشَوْن} المتفرّعة بالفاء على قوله: {وكانوا عليه شهداء}، إذ الحفيظ على الشيء الأمين حقّ الأمانة لا يخشى أحداً في القيام بوجه أمانته ولكنّه يخشى الّذي استأمنه. فيجوز أن يكون الخطاب بقوله: {فلا تخشوا النّاس} ليهود زمان نزول الآية، والفاء للتفريع عمّا حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين، والجملة على هذا الوجه معترضة؛ ويجوز أن يكون الخطاب للنّبيئين والربّانيّين والأحبار فهيَ على تقدير القَول، أي قلنا لهم: فلا تخشوا النّاس. والتّفريع ناشىء عن مضمون قوله: {بما استحفظوا من كتاب الله}، لأنّ تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالنّاس رضُوا أم سخطوا، وفي قصر الاعتداد على رضا الله تعالى. وتقدّم الكلام في معنى {أية : ولا تَشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} تفسير : في سورة البقرة (41). وقولُه {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} يجوز أن يكون من جملة المحكي بقوله: {فلا تخشوا النّاس واخشون}، لأنّ معنى خشية النّاس هنا أن تُخالَف أحكام شريعة التّوراة أو غيرها من كتب الله لإرضاء أهوية النّاس، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً عقّبت به تلك العظات الجليلة. وعلى الوجهين فالمقصود اليهودُ وتحذير المسلمين من مثل صنعهم. و(مَن) الموصولة يحتمل أن يكون المراد بها الفريق الخاصّ المخاطب بقوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً}، وهم الّذين أخفوا بعض أحكام التّوراة مثل حكم الرّجم؛ فوصفهم الله بأنّهم كافرون بما جحدوا من شريعتهم المعلومَة عندهم. والمعنى أنّهم اتّصفوا بالكفر من قبل فإذا لم يحكموا بما أنزل الله فذلك من آثار كفرهم السابق. ويحتمل أن يكون المراد بها الجنس وتكون الصّلة إيماء إلى تعليل كونهم كافرين فتقتضي أنّ كلّ من لا يحكم بما أنزل الله يكفّر. وقد اقتضى هذا قضيتين: إحداهما: كون الّذي يترك الحكم بما تضمّنته التّوراة ممّا أوحاه الله إلى موسى كافراً، أو تارك الحكم بكلّ ما أنزله الله على الرّسل كافراً؛ والثّانية: قصر وصف الكفر على تارك الحكم بما أنزل الله. فأمَّا القضيةُ الأولى: فالّذين يكفِّرون مرتكب الكبيرة يأخذون بظاهر هذا. لأنّ الجور في الحكم كبيرة والكبيرة كفر عندهم. وعبّروا عنه بكفر نعمة يشاركه في ذلك جميع الكبائر، وهذا مذهب باطل كما قرّرناه غير مرّة. وأمّا جمهور المسلمين وهم أهل السنّة من الصّحابة فمن بعدهم فهي عندهم قضيّة مُجملة، لأنّ ترك الحكم بما أنزل الله يقع على أحوال كثيرة؛ فبيان إجماله بالأدلّة الكثيرة القاضية بعدم التكفير بالذنوب، ومساق الآية يبيّن إجمالها. ولذلك قال جمهور العلماء: المراد بمن لم يحكم هنا خصوصَ اليهود، قاله البراء بن عازب ورواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجَه مسلم في «صحيحه». فعلى هذا تكون (مَنْ) موصولة، وهي بمعنى لام العهد. والمعنى عليه: ومن ترك الحكم بما أنزل الله تَركا مثل هذا التّرك، هو ترك الحكم المشوب بالطعن في صلاحيته. وقد عرف اليهود بكثرة مخالفة حكّامهم لأحكام كتابهم بناء على تغييرهم إيّاها باعتقاد عدم مناسبتها لأحوالهم كما فعلوا في حدّ الزّنى؛ فيكون القَصر إدّعائياً وهو المناسب لسبب نزول الآيات الّتي كانت هذه ذيلاً لها؛ فيكون الموصول لتعريف أصحاب هذه الصّلة وليس معلّلاً للخبر. وزيدت الفاء في خبره لمشابهته بالشّرط في لزوم خبره له، أي أنّ الّذين عرفوا بهذه الصّفة هم الّذين إنْ سألتَ عن الكافرين فهم هُم لأنّهم كفروا وأساءوا الصنع. وقال جماعة: المراد من لم يحكم بما أنزل الله مَن ترك الحكم به جحداً له، أو استخفافاً به، أو طعناً في حقّيته بعد ثبوت كونه حكم الله بتواتر أو سماعه من رسول الله، سمِعه المكلّف بنفسه. وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عبّاس، ومجاهد، والحسن، فــ {من} شرطية وتركُ الحكم مُجمَل بيانُه في أدلّة أخر. وتحت هذا حالة أخرى، وهي التزام أن لا يحكم بما أنزل الله في نفسه كفعل المسلم الّذي تُقام في أرضه الأحكام الشرعية فيدخلُ تحت محاكم غير شرعيّة باختياره فإنّ ذلك الالتزام أشدّ من المخالفة في الجزئيات، ولا سيما إذا لم يكن فعله لجلب منفعة دنيوية. وأعظمُ منه إلزام النّاس بالحكم بغير ما أنزل الله من ولاة الأمورِ، وهو مراتب متفاوتة، وبعضها قد يلزمه لازم الردة إن دلّ على استخفاف أو تخطئة لحكم الله. وذهب جماعة إلى التأويل في معنى الكُفر؛ فقيل عُبّر بالكفر عن المعصيّة، كما قالت زوجة ثابت بن قيس «أكره الكُفر في الإسلام» أي الزّنى، أي قد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفّار ولا يليق بالمؤمنين، وروى هذا عن ابن عبّاس. وقال طاووس «هو كفر دونَ كفر وليس كفراً ينقل عن الإيمان». وذلك أنّ الّذي لا يحكم بما أنزل الله قد يفعل ذلك لأجل الهوى، وليس ذلك بكفر ولكنّه معصيّة، وقد يفعله لأنّه لم يره قاطعاً في دلالته على الحكم، كما ترك كثير من العلماء الأخذ بظواهر القرآن على وجه التّأويل وحكموا بمقتضى تأويلها وهذا كثير. وهذه الآية والّتي بعدها في شأن الحاكمين. وأمّا رضى المتحاكمين بحكم الله فقد مرّ في قوله تعالى: {أية : فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم}تفسير : [النساء: 65] الآية وبيّنّا وجوهه، وسيأتي في قوله تعالى: {أية : وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} تفسير : النور (48) إلى قوله {أية : بل أولئك هم الظّالمون} تفسير : في سورة النّور (50). وأمّا القضيّة الثّانية: فالمقصود بالقصر هنا المبالغة في الوصف بهذا الإثم العظيم المعبّر عنه مجازاً بالكفر، أو في بلوغهم أقصى درجات الكفر، وهو الكفر الّذي انضمّ إليه الجور وتبديل الأحكام. واعلم أنّ المراد بالصّلة هنا أو بفعل الشرط إذ وقعا منفيين هو الاتّصاف بنقيضهما، أي ومن حكم بغير ما أنزل الله. وهذا تأويل ثالث في الآية، لأنّ الّذي لم يحكم بما أنزل الله ولا حكم بغيره، بأنّ ترك الحكم بين النّاس، أو دَعا إلى الصلح، لا تختلف الأمّة في أنّه ليس بكافر ولا آثم، وإلاّ للزم كفر كلّ حاكم في حال عدم مباشرته للحكم، وكفرُ كلّ من ليس بحاكم. فالمعنى: ومن حكم فلم يحكم بما أنزل الله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} الآية. أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتقلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمداً كقوله: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} تفسير : [النساء: 46] الآية. وقوله: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}تفسير : [المائدة: 41] الآية، وقوله: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرا} [الأنعام: 91]، وقوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّه} تفسير : [البقرة: 79] الآية، وقوله جل وعلا: {أية : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَاب} تفسير : [آل عمران: 78] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه إن قيل ما الفرق بين التوراة والقرآن، فإن كلاً منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والتوراة حرفت، وبدلت كما بيناه آنفاً، والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل، لو حرف منه أحد حرفاً واحداً فأبدله بغيره، أو زاد فيه حرفاً أو نقص فيه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلاً عن كبارهم. فالجواب أن الله استحفظهم التوراة، واستودعهم إياها، فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمداً والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]، وقوله: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِه} تفسير : [فصلت: 42] الآية، إلى غير ذلك من الآيات و "الباء" في قوله: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} متعلقة بالرهبان والأحبار، لأنهم إنما صاروا في تلك المرتبة بسبب ما استحفظوا من كتاب الله. وقيل: متعلقة بـ {يحكم} والمعنى متقارب. قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}. اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة: هل هي في المسلمين، أو في الكفّار، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضاً أنها في المسلمين، وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وروِي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، قاله ابن كثير. قال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود، لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم {يحرفون الكلم من بعد مواضعه}، وأنهم يقولون {إن أوتيتم هذا} يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله {فخذوه وإن لم تؤتوه} أي المحرف، بل أوتيتم حكم الله الحق {فاحذروا} فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق. وقد قال تعالى بعدها {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} [المائدة: 45] الآية، فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب، كما دل عليه ما ذكر البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة نقله عنهم ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي. وقال القرطبي في تفسيره: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] - و {ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] و {أية : ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 47] نزلت كلها في الكفّار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار، أي {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} رداً للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد. فالآية عامةً على هذا قال ابن مسعود، والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفّار، أي معتقداً ذلك ومستحلاً له. فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرمٍ فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفّار، وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك على ثلاثة أشياء. منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله تعالى {لِلَّذِينَ هَادُواْ} [المائدة: 44] فعاد الضمير عليهم. ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك. ألا ترى أن بعده {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 45]، فهذا الضمير لليهود بإجماع. وأيضاً فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل "من" إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له: "من" هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا. ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل، فقال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل، وقيل: {ٱلْكَافِرُونَ} للمسلمين، و {ٱلظَّالِمُونَ} لليهود و {ٱلْفَاسِقُونَ} للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة والشعبي أيضاً. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر. وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر، وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضاً: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً، انتهى كلام القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية {هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] نازلة في المسلمين، لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً لمسلمي. هذه الأُمة {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [المائدة: 44]، ثم قال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له، أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنباً فاعل قبيحاً، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين، وسياق القرآن ظاهر أيضاً في أن آية {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] في اليهود لأنه قال قبلها: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]. فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر أيضاً في أن آية {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 47] في النصارَى، لأنه قال قبلها {أية : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [المائدة:47]. واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} معارضةً للرُّسل وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} معتقداً أنه مرتكب حراماً فاعل قبيحاً فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} الآية. قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارة إلى أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} الآية. ومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون صدقتهم كفارة لهم، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، نبه على هذا إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن) كما نقله ابن حجر في (فتح الباري)، وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضاً على عدم دخول العبد، بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه، لأن الحق لسيده غير مسلم، لأن من العلماء من يقول: إن الأمور المتعلقة ببدن العبد، كالقصاص له العفو فيها دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال: إن معنى {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة: 45]، أن التصدق بالجناية كفارة للجاني، لا للمجني عليه، فلا مانع أيضاً من الاستدلال المذكور بالآية، لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق، لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى، في معرض التقرير والإثبات، مع أن هذا القول ضعيف في معنى الآية. وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها فهو كفارة للمتصدق، وهو أظهر. لأن الضمير فيه عائد إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعاً دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهر جداً. تنبيه احتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يقتل اثنان بواحد، لأنهما لو قتلا به لخرج عن قوله: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] لكونهما نفسين بنفس واحدة. وممن قال بهذا متمسكاً بهذا الدليل ابن الزبير، و الزهري، و ابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن ابي موسى، عن ابن عباس، وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية. لأن كل واحد منهم مكافئ له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة في (المغني). وقالوا مقتضى قوله تعالى: {الحر بالحر}، وقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} [المائدة: 45] أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفسٍ واحدة، قالوا: ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع القصاص، بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى. وقال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد، وعدم قتل الجماعة بالواحد رواية عن الإمام أحمد. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد. ومذهب الأئمة الثلاثة أنه يقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل سبعة بواحد، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً، وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه، فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب. فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه، نقله القرطبي عن الدارقطني في (سننه). ويزيد قتل الجماعة بالواحد، ما رواه الترمذي عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أن أهل السماء، وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار"تفسير : . قال فيه الترمذي: حديث غريب نقله عنه القرطبي. وروى البيهقي في (السنن الكبرى) نحوه عن ابن عباس مرفوعاً، وزاد "إلا أن يشاء"، وروى البيهقي ايضاً عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله عز وجل يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله ". تفسير : وروي عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في (المغني) أن الجماعة تقتل بالواحد، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي رضي الله عنهما أيضاً، ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة، فصار إجماعاً سكوتياً، واعترضه بعضهم بأن ابن الزبير ثبت عنه عدم قتل الجماعة بالواحد، كما قاله ابن المنذر. وإذن فالخلاف واقع بين الصحابة، والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا، لم يجز العمل بأحد القولين إلا بترجيح. قال مقيده، عفا الله عنه: ويترجح مذهب الجمهور الذي هو قتل الجماعة بالواحد، بأن الله تعالى قال: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} تفسير : [البقرة: 179]، يعني أن من علم أنه يقتل إذا قتل يكون ذلك رادعاً وزاجراً عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل مسلماً، أخذ واحداً من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادع عن القتل وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل يصدق على كل واحد منهم أنه قاتل فيقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحداً لوجب حد القذف على جميعهم، والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً} بيان الحكم الذي جاؤوك يستفتونك فيه {ونور} بيانٌ إنَّ أمرك حَقٌّ {يحكم بها النبيون} من لدن موسى إلى عيسى، وهم {الذين أسلموا} أَي: انقادوا لحكم التَّوراة {للذين هادوا} تابوا من الكفر، وهم بنو إسرائيل إلى زمن عيسى {والربانيون} العلماء {والأحبار} الفقهاء {بما استحفظوا} استرعوا [أَيْ: بما كُلِّفُوا حفظه من كتاب الله. وقيل: العمل بما فيه، وذلك حفظه] {من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} أنَّه من عند الله، ثمَّ خاطب اليهود فقال: {فلا تخشوا الناس} في إظهار صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم والرَّجم {واخشون} في كتمان ذلك {ولا تشتروا بآياتي} بأحكامي وفرائضي {ثمناً قليلاً} يريد: متاع الدُّنيا {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} نزلت في مَنْ غيرَّ حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها ومن اللتين بعدها شيءٌ. {وكتبنا عليهم فيها} وفرضنا عليهم في التَّوراة {أنَّ النفس} تُقتل {بالنفس، والعين بالعين...} الآية. كلُّ شخصين جرى القصاص بينهما في النَّفس جرى القصاص بينهما في جميع الأعضاء والأطراف إذا تماثلا في السَّلامة، وقوله: {والجروح قصاص} في كلِّ ما يمكن أن يُقتصَّ فيه، مثل الشَّفتين، والذَّكَر، والأُنثيين، والأليتين، والقدمين، واليدين، وهذا تعميمٌ بعد التَّفصيل بقوله: {العين بالعين والأنف بالأنف} . {فمن تصدَّق به فهو كفارة له} مَنْ عفا وترك القصاص فهو مغفرةٌ له عند الله، وثواب عظيم. {وقفينا على آثارهم بعيسى} أَيْ: جعلناه يقفو آثار النَّبيِّين. يعني: بعثناه بعدهم على آثارهم {مصدقاً لما بين يديه من التوراة} يُصدِّق أحكامها ويدعو إليها {وآتيناه الإِنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدىً وموعظة} معناه: وهادياً وواعظاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 44- إنا أنزلنا التوراة على موسى فيها هداية إلى الحق، وبيان منير للأحكام التى يحكم بها النبيون، والذين أخلصوا نفوسهم لربهم، والعلماء السالكون طريقة الأنبياء والذين عهد إليهم أن يحفظوا كتابهم من التبديل، حرساً عليه، شاهدين بأنه الحق. فلا تخافوا الناس فى أحكامكم، وخافونى أنا ربكم رب العالمين، ولا تستبدلوا بآياتى التى أنزلتها ثمناً قليلاً من متاع الدنيا، كالرشوة والجاه، ومن لم يحكم بما أنزل الله من شرائع مستهينين بها، فهم من الكافرين. 45- وفرضنا على اليهود فى التوراة شرعة القصاص، لنحفظ بها حياة الناس فحكمنا بأن تؤخذ النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح يقتص فيها إذا أمكن. فمن عفا وتصدق بحقه فى القصاص على الجانى، كان هذا التصدق كفارة له، يمحو الله بها قدراً من ذنوبه. ومن لم يحكم بما أنزل الله من القصاص وغيره، فأولئك هم الظالمون. 46- وأرسلنا من بعد هؤلاء النبيين عيسى ابن مريم، متبعاً طريقهم، مصدِّقاً لما سبقه من التوراة، وأنزلنا عليه الإنجيل فيه هداية إلى الحق، وبيان للأحكام، وأنزلناه مصدقاً لما سبقه وهى التوراة، وفيها هداية إلى الحق وموعظة للمتقين. 47- وأمرنا أتباع عيسى وأصحاب الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكام، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون المتمردون على شريعة الله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: التوراة: كتاب موسى عليه السلام. هدى ونور: الهدى: ما يوصل إلى المقصود والنور: ما يهدي السائر إلى غرضه. هادوا: اليهود. الربانيون: جمع رباني: العالم المربي الحكيم. الأحبار: جمع حبر: العالم من أهل الكتاب. وكتبنا: فرضنا عليهم وأوجبنا. قصاص: مساواة. وقفينا: أتبعناهم بعيسى بن مريم. الفاسقون: الخارجون عن طاعة الله ورسله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث على بني إسرائيل إذ قال تعالى مخبراً عما آتى بني إسرائيل {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} هدى من كل ضلالة ونور مبين للأحكام مُخرج من ظلمات الجهل {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} من بني إسرائيل {ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} لله قلوبهم ووجوهم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً، {لِلَّذِينَ هَادُواْ}، ويحكم بها الربانيون من أهل العلم والحكمة من بني إسرائيل {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ} بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم كتابه التوراة فلا يبدلونه ولا يغيرون فيها، {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} بأحقيته وسلامته من النقص والزيادة بخلافكم أيها اليهود فقد حرفتم الكلم عن مواضعه وتركتم الحكم به فما لكم؟ فأظهروا الحق من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإِيمان به، ومن ثبوت الرجم وإنفاذه في الزناة ولا تخشوا الناس في ذلك واخشوا الله تعالى فهو أحق أن يخشى، ولا تشتروا بآيات الله التي هي أحكامه فتعطلوها مقابل ثمن قليل تأخذونه ممن تجاملونهم وتداهنونهم على حساب دين الله وكتابه. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} فكيف ترضون بالكفر بدل الأَيمان. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [44] أما الآية الثانية [45] {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ..} فقد أخبر تعالى أنه فرض على بني إسرائيل في التوراة القود في النفس والقصاص في الجراحات فالنفس تقتل بالنفس، العين تفقأ بالعين والأنف يجدع بالأنف، والأذن تقطع بالأذن والسن تكسر إن كسرت بالسن، وتقلع به إن قلع، والجروح بمثلها قصاص ومساواة وأخبر تعالى أن من تصدق على الجاني بالعفو عنه وعدم المؤاخذة فإن ذلك يكون كفارة لذنوبه، وإن لم يتصدق عليه واقتص منه يكون ذلك كفارة لجنايته بشرط وذلك بأن يقدم نفسه للقصاص تائباً أي نادماً على فعله مستغفراً ربه. وقوله تعالى في ختام الآية: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، وذلك بأن قتل غير القاتل أو قتل بالواحد اثنين أو فقأ بالعين عينين كما كان بنو النضير يعاملون به قريظة بدعوى الشرف عليهم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة [46] وهي قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فقد أخبر تعالى أنه أتبع أولئك الأنبياء السابقين من بني إسرائيل عيسى بن مريم عليه السلام أي أرسله بعدهم مباشرة {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} لم ينكرها أو يتجاهلها، {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ}، أي وأعطيناه الإِنجيل وحياً أوحيناه إليه وهو كتاب مقدس أنزله الله تعالى عليه فيه أي في الإِنجيل هدى من الضلال ونور لبيان الأحكام من الحلال والحرام، {وَمُصَدِّقاً} أي الإِنجيل لما قبله من التوراة أي مقرراً أحكامها مثبتاً لها إلا ما نسخه الله تعالى منها بالإِنجيل، {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي يجد فيه أهل التقوى الهداية الكافية للسير في طريقهم إلى الله تعالى والموعظة التامة للاتعاظ بها في الحياة. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة أما الآية [47] وهي قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} أي وقلنا ليحكم أهل الإِنجيل يريد وأمرنا أهل الإِنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام، وأخبرناهم أن من {لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} عن أمره الخارجون عن طاعته وقد يكون الفسق ظلماً وكفراً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب خشية الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم. 2- كفر من جحد أحكام الله فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض. 3- وجوب القود في النفس والقصاص في الجراحات لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة. 4- من الظلم أن يعتدى في القصاص بأن يقتل بالواحد اثنان أو يقتل غير القاتل أو يفقأ بالعين الواحدة عينان مثلا وهو كفر مع الاستحلال وظلم في نفس الوقت. 5- مشروعية القصاص في الإِنجيل وإلزام أهله بتطبيقه وتقرير فسقهم إن عطلوا تلك الأحكام وهم مؤمنون بها.

القطان

تفسير : التوراة: الكتاب الذين أُنزل على موسى. الذين هادوا: اليهود: الربانيون: المنسوبون الى الرب. الأحبار: جمع حَبر، وهو العالِم، بما استحفظوا من كتاب الله: بما طُلب اليهم حفظه منه. شهود: رقباء على الكتاب وعلى من يريد العبث به. بعد ان ذكر سبحانه حال اليهود من تَرْكِهم حكم التوراة، وطلبِهم من النبي ان يحكم بينهم، ثم رفضهم الحكم لمّا خالف اهواءهم ـ بيّن لنا سبحانه وتعالى صفة التوراة التي يرفضونها فقال: التوراة هداية أُنزلت على موسى لبني اسرائيل، لكنهم أعرضوا عن العمل بها، لما عَرَض لهم من الفساد. وفي ذلك من العبرة ان الانتماء الى الدين لا ينفع أهلَه اذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه، وان إيثار اليهود اهواءهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به. انا انزلنا التوراة على موسى مشتملة على الهدى والارشاد. وبهذا الهدى والنور خرج بنو اسرائيل من وثنية الفراعنة إلى طريق التوحيد.. بموجب التوراة هذه كان يحكم النبيّون الذين أخلصوا في دينهم، موسى ومن بعده من أنبياء بني اسرائيل الى وقت عيسى عليه السلام. كذلك كان يحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء، او بإذنهم حالَ وجودهم. وكانوا شهودا رقباء على ذلك الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به. وقبل ان ينتهي السياق من الحديث عن التوراة يتجه الحديث الى المؤمنين عامة، فيدعوهم الى الحكم بكتاب الله، ويذكّرهم أن من واجب كل من اسُحفظ على كتاب الله ان يحفظه. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ...} فلا تخافوا الناس في أحكامهم، وخافوني انا ربكم ربّ العالمين. ولا تجروا وراء طمعكم فتبدّلوا بآياتي التي أنزلتها ثمناً قليلا من متاع الدنيا كالرشوة والجاه وغيرها. ان كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله أو أخفاه وحكَم بغيره لهو كافر، يستر الحق ويبدي الباطل. فأين يقع حكّامنا هذه الأيام!

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلتَّوْرَاةَ} {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ} {كِتَابِ} {بِآيَاتِي} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْكَافِرُونَ} (44) - يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى التَّوْرَاةَ، فَيَقُولُ: إنَّهُ أنْزَلَهَا وَفِيهَا هُدًى وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا الأنْبِيَاءُ الذِينَ أسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِرَبِّهِمْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (وَهُمْ مُوسَى وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بَيْنَ اليَهُودِ لاَ يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهَا، وَلاَ يُبَدِّلُونَها وَلاَ يُحَرِّفُونَها. وَيَحْكُمُ بِهَا العُلَمَاءُ العُبَّادُ (الرَّبَّانِيُّونَ)، وَالعُلَمَاءُ (الأَحْبَارُ) بِمَا اسْتُوْدِعُوا (اسْتُحْفِظُوا) مِنْ كِتَابِ اللهِ الذِي أُمِرُوا بِأنْ يَحْفَظُوهُ مِنَ التَّبْدِيلِ، وَبِأنْ يُظْهِرُوهُ، وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهِ. ثُمَّ خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى رُؤَسَاءَ اليَهُودِ الذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ فَقَالَ: كَيْفَ لاَ يَخَافُونَ اللهَ فِي الكِتْمَانِ وَالتَّبْدِيلِ، بَعْدَ أنْ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ سِيرَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَرْعَوُونَ عَنْ غَيِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَإِذَا كَانَ الحَالُ كَذَلِكَ أيُّهَا الأحْبَارُ، وَلاَ شَكَّ فِي أنَّكُمْ لا تُنْكِرُونَهُ، فَلا تَخْشَوا النَّاسَ فَتَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الكِتَابِ، خَشْيَةَ النَّاسِ، أَوْ طَمَعاً فِي مَنْفَعَةٍ عَاجِلَةٍ مِنْهُ، وَأخْشَوْنِي أنَا وَاقْتَدُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ وَالأحْبَارِ، وَاحْفَظُوا التَّوْرَاةَ، وَلا تَعْدِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّفْعَ وَالضَّرَرَ بِيَدِ اللهِ، وَلاَ تَتْرُكُوا بَيَانَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ لِلْنَّاسِ، وَالعَمَلِ بِهَا، لِقَاءَ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ قَلِيلَةٍ تَأْخُذُونَها مِنَ النَّاسِ كَرَشْوَةٍ أوْ جَاهٍ. وَكُلُّ مَنْ يَرْغَبُ عَنِ الحُكْمِ بِمَا أنْزَلَ اللهُ مِنْ شَرْعٍ، وَيُخْفِيهِ وَيَحْكُمُ بِغَيْرِهِ (كَحُكْمِ اليَهُودِ فِي الزَّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ بِالتَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ، وَكِتْمَانِ الرَّجْمِ، وَقَضَائِهِمْ فِي بَعْضِ قَتْلاَهِمْ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِنِصْفِ دِيَةٍ، مَعَ أنَّ اللهَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ الجَمِيعِ فِي الحُكْمِ)، فَأولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ الذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ الذِي كَانَ عَلَيهِم كَشْفُهُ وَتَبْيِينُهُ لِلنَّاسِ. أَسْلَمُوا - انْقَادُوا لِحُكْمِ رَبِّهِمْ فِي التَّورَاةِ. الرَّبَّانِيُّونَ - العُلَمَاءُ الفُقَهَاءُ. الأحْبَارُ - عُلَمَاءُ اليَهُودِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الهدى هو الطريق أو الدرب المُوصِّل للغاية. وتأتي على الطريق أحقاب الليل والنهار، فالطريق مُظلم ليلاً، وقد تعترض السائر فيه عقبات، أو قد لا يمشي السائر في سواء السبيل أي وسط الطريق، فيقع في حفرة أو يصطدم بحجر. ويوضح الحق هنا: لقد صنعت لكم الدرب وأَنرته لكم حتى لا تصطدموا بشيء أو تأتي لكم عقبات، وتمثَّل ذلك في المنهج الذي جاء به موكب الرُّسل كلهم. وقديما كان العالم مفككا، متناثر الجماعات، فلا توجد مواصلات، وتعيش كل جماعة في انعزال وشبه استقلال، فإن حصلت داءات في بقعة ما تظل محصورة في هذه البقعة، ويأتي رسول ليعالج هذه الداءات، فهذا يعالج أمر عبادة الأصنام، وذلك يعالج مسألة الكيل والميزان، وثالث يعالج الأمور المنظمة للحياة الزوجية عند اليهود. هذه الداءات كانت متعددة بتعدد الجهات، وعندما أراد الحق سبحانه أن يبصر الناس بأسرار كونه ليستنبطوا منها ما يقرب المسافات ويمنع المشقات لتلتقي الأمم. وعندما تلتقي الأمم لا يوجد فصل بين الداءات، فالداء الواحد يحصل في الشرق لينتقل إلى الغرب. وكأن الداءات تتحد في العالم أيضاً. إذن لا بد أن يجيء الرسول الجامع ليعالج الداءات كلها، فيأتي صلّى الله عليه وسلم الجامع المانع، فإذا ما قال الحق: إنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، فالإنجيل أيضاً فيه هدى ونور، وكل هدى ونور في أي كتاب إنما هو للداءات الموجودة في البيئة المنعزلة. مثال ذلك أن سيدنا إبراهيم كان موجوداً، ومعه في الزمن نفسه سيدنا لوط. وها هوذا سيدنا موسى كان موجودا. وكذلك سيدنا شعيب، إذن كانت الرُّسل تتعاصر في بعض الأحيان لأن كلا منهم يعالج داء معينا. وهكذا كانت الرسالات تأتي محدودة الزمان ومحدودة المكان. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله للناس كافة بكل أجناسهم وتقوم على منهجه الساعة؛ لذلك لم تعد الأرض في حاجة إلى رسول آخر، وصار من المنطقي أن يكون هو الرسول الخاتم. {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} لماذا إذن يأتي الحق بإسلام الأنبياء هنا؟ جاء سبحانه بأمر إسلام الأنبياء تشريفا للإسلام لأنه جوهر منهج كل نبي. إننا نجد الشعراء يتفننون في هذا المعنى: شعر : ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمدٍ تفسير : والشاعر الآخر يقول: شعر : قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم كلا لعمري ولكن منه شيبان تفسير : فالقبيلة بالنسبة لأبي الصقر هي التي تنتسب إليه وليس هو الذي ينتسب إليها. ويردف قائلا: شعر : وكم أبٍ قد علا بابن ذُرَا شرفٍ كما علا برسول الله عدنان تفسير : إذن فالنبيون عندما يصفهم الحق بأنهم أسلموا، إنما يريد الحق أن يشرف الإسلام بأن النبيين أسلموا قيادهم وزمامهم إلى الله لأنهم وجدوه الخير لهم. وإسلام النبيين هو الإسلام بمعناه الكامل، أي هو الانصياع لأوامر الله، فكلما فكر نبي منهم في أن هناك شراً سيأتي له بسبب دعوته، أو أن يضطهده أحد، أو يحلو لأحدٍ أن يسيء إليه فهو يسلم أمره لله؛ لأن الرسول منهم إنما يقول كلمة الحق ولا يبالي بما يحدث بعدها. {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} وهم يحكمون بالتوراة بين الذين هادوا، أي من يهود، وكذلك يحكم بها الربانيون والأحبار. والرباني منسوب للرب، اي أن كل تصرفاته منسوبة إلى الله. والأحبار هم العلماء حملة أوعية العلم، لكن هل ينفذونه أو لا ينفذونه فهذا شيء آخر. صحيح أن كل عالم وعاءُ علم، لكن قد ينتفع هو بعلمه، وقد لا ينتفع، لكنه ينقل علمه إلى من ينتفع به. ولذلك يقول أحد العلماء: شعر : فخذ بعلمي ولاتركن إلى عملي وأجْنِ الثمار وخلِّ العود للنار تفسير : فلا تقل: إن هذا العالم يقول لنا كذا وكذا، ونراه في تصرفاته عكس ما يقول: لأن عليك أن تأخذ ثمرة العلم، واترك العود للنار. ولكن على العالم أن يكون أول من يمتثل ويطبق ما يقوله حتى لا يعذب ولا يدخل تحت قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} وعرفنا أن التوراة فيها نور وهدى ويحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بالوسيلة التي طلب الله منهم أن يحفظوها، وبما طلبه رسولهم منهم أن يحفظوا هذه التوراة. وقال الحق: "استحفظوا" ولم يقل: "حفظوا" ليبين لنا الفارق بين كل كتاب سابق للقرآن وبين القرآن؛ لأننا عرفنا أن كل رسول قد جاء بمعجزة تدل على أنه صادق البلاغ عن الله. ولكل الرسل من السابقين على رسول الله معجزة منفصلة عن المنهج، مثال ذلك سيدنا موسى فمعجزته العصا وفلق البحر، أما منهجهه فهو التوراة. وسيدنا عيسى معجزته إبراء الأكمه والأبرص، والمنهج الذي جاء به هو الإنجيل. أما سيدنا رسول الله فمعجزته هي عين منهجه، وهي القرآن. وكان الأمر الموجود بالنسبة لكل رسولٍ مرتبطا بزمانه وجماعته ومحتاجا إلى معجزة مناسبة ومنهج مناسب، لكن الرسول الذي أرسله الله إلى الناس جميعا وخاتما للأنبياء لا بد أن تظل معجزته عين منهجهه بحيث يستطيع أي مسلم أن يقول حتى قيام الساعة: محمد رسول الله وهذه معجزته وهي عين منهجهه. وسيظل القرآن معجزة ظاهرة إلى أن تقوم الساعة؛ لأن الله أرادها مختلفة عن بقية المناهج والمعجزات. فالمعجزات السابقة كانت كعود الثقاب الذي يشعل مرةً واحدة؛ فمن رآه لحظة الاشتعال فالأمر بالنسبة إليه واضح، أما من لم يره فهو لن يصدق تلك المعجزة إلا ان يخبره من يصدقه. وقد استحفظ الله الربانيين والأحبار بالتوراة، أي طلب منهم أن يحفظوها، وكان هذا أمراً تكليفياً، والأمر التكليفي عُرضة لأن يُطاع وعُرضة لأن يُعصى. واستحفظهم الله التوراة والإنجيل: {أية : فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 14] وصار أمر المنهج منسياً. وليس على بالهم كثيراً؛ لأن الأمر إذا توارد على البال واستقر دائما في بؤرة الشعور يظل في الذهن، لكن النسيان يأتي عندما يكون الأمر بعيداً عن البال. والحق طلب منهم أن يحفظوا المنهج، ولكنهم - ما عدا النبيين - لم ينفذوا، وكل أمر تكليفي يدخل في دائرة الاختيار، ولذلك نجد أن الأحبار والربانيين قد نسوا، وما لم ينسوه كتموه. وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا،والمرحلة الثانية هي كتمان ما لم ينسوه، والثالثة هي: ما لم يكتموه حرَّفوه ولووا به ألسنتهم. وياليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط، ولكنهم جاءوا بأشياء وقالوا: هي من عند الله وهي ليست من عند الله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 79] إذن فالحفظ منهم لم يتم؛ لذلك لم يدع الله القرآن للحفظ بطريق التكليف؛ لأنه سبحانه اختبر البشر من قبل، ولأنه أراد القرآن معجزة باقية؛ لذلك لم يكل الله سبحانه أمر حفظه إلى الخلق، ولكنه تكفل - سبحانه - بأمر حفظ القرآن: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] ومصداق هذا النص، أن بعضاً من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجباً، فبمقدار بُعدهم عن منهج الإسلام تطبيقاً يحافظون على القرآن تحقيقاً، فيكتبون القرآن بكل ألوان الكتابة وبكافة الأحجام، فهناك حجم ذهبي ترتديه النساء في صدورهن، وحجم يوضع في اليد، وبعد ذلك نجد الكفرة أنفسهم يخترعون طريقة لكتابة القرآن في صفحة واحدة. إذن فالله يُسخر لحفظ القرآن حتى من لم يكن مسلماً. وتلك خواطر من الله. ونحن نرى كل يوم من يبتعدون بسلوكهم عن المنهج لكنهم يرصدون المال لحفظ القرآن. ونجد القرآن محققاً بألف وسيلة حفظ: الرجل يضع في سيارته مصحفاً، وفي حجرة نومه مصحفاً، وقد تكون المرأة سافرة وصدرها مكشوف ولكنها تعلق مصحفاً ذهبياً. وهذا يثبت لنا أن حفظ القرآن ليس أمراً تكليفياً. بل هو إرادة الله. فلو كان الأمر تكليفياً لكان نسيان القرآن وارداً؛ لأن المسلمين ابتعدوا في بعض أمورهم عنه كمنهج، ويناسب ذلك أن ينفصلوا عنه حفظاً. ولكن الأمر صار بالعكس. فعلى الرغم من بُعد المسلمين عن المنهج، ولكن حفظ القرآن لا يقل أبداً، ومن العجيب أن الكثيرين من المسرفين على أنفسهم، إن سمع واحد منهم أنّ شيئاً يمس المصحف، يقيم الدنيا ويقعدها، فالمسألة ليست مسألته، ولكنها مسألة الحافظ جل شأنه. وإن حدث أي تحريف يسير في القرآن من أعداء الإسلام، نجد أمة الإسلام تقف وقفة رجل واحد. ولقد أراد بعض المدلسين أن يدسوا على القرآن ما ليس فيه وجاءوا إلى آية في سورة الفتح وهي: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] وقالوا: "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكأنهم يرغبون في زيادة التكريم لرسول الله، فلما عرف المسلمون ذلك قامت ضجة وأحرقوا تلك المصاحف. ومنع المسلمون التحريف مهما كان باب الدخول إليه. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} والخشية: خوف متوَهَّم ممن تظن أنه قادر على الضر، ولا أحد غير الله قادر على النفع والضر؛ لذلك لا يصح أن يخاف الإنسانُ مِن سواه، أما أن تظن أن السلطان أو القريب منه قادر على الضر، فهذا أمر غير صحيح، وليخشَ كل إنسان الحق سبحانه وهو جل وعلا نصحنا أن تكون الخشية منه دون سواه. وإن غيَّر أحد أحكام المنهج من أجل السلطان أو أقارب السلطان أو أصدقاء السلطان فذلك عين الفساد. والآفات والشرور تأتي من ذلك. بل قد لا يدري السلطان شيئاً عن ذلك، وقد يتدخل قريب للسلطان - دون علم السلطان - ليطلب من العلماء تغيير بعض من المنهج ولا يستسلم له إلا الضعاف منهم، وقد فطن سيدنا عمر رضي الله عنه إلى هذا الأمر فقال: إن الفساد قد لا يأتي من السلطان، ولكن من الذين حول السلطان. والخشية هنا تكون من غير الله، ولذلك كان سيدنا عمر يجمع أقاربه والملتفين حوله ويقول لهم: لقد اعتزمت أن أصدر كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء من هذا جعلت نكالاً للمسلمين. هذا هو أسلوب من أداء أن يخدم ويحكم ولا يحمل أوزاراً، ونرى صور الفساد غنما جاءت نتيجة مخالفة القاعدة الحكيمة: {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ}. ويتابع الحق من بعد ذلك: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} وثمن آيات الله مهما بولغ في تقييمها فلن يتجاوز نفعه هذه الدنيا؛ لأن الدنيا - كما قلنا سابقا - لا تقاس بعمرها الحقيقي أي إلى أن يُفني الله البشر، وإنما دنيا كل حيّ تقاس بعمره فيها. فهب أن الحياة طالت لملايين السنين فما نفع الفرد المحدود العمر بهذه الملايين من السنين؟ إذن فدنيا كل إنسان هي مقدار عمره في الحياة. وعمر الفرد في الدنيا له حد محدود غير معروف لأحد غير الله، فلكل أجل كتاب. ولذلك تجد واحداً يعيش متوسط الأعمار وهو سبعون عاماً. ويختلف العمر من إنسان لآخر، وقد يموت آخر عند الستين وثالث يموت في الأربعين ورابع يموت في المائة، وخامس يموت وهو طفل رضيع. إذن فدنيا الفرد قد تكون لحظة. ومادامت مسألة العمر لا يحكمها زمن ولا يحكمها سبب فهي - إذن - بإرادة الحق غيب. وأقضية الموت في الوجود جعلها الله شائعة في كل زمن ولم يجعلها الحق بعد الميلاد. بمعنى أن يولد الإنسان ليموت من بعد ذلك، لا، فقد يموت الكائن البشري وهو جنين في بطن أمه؛ فهذا حمل يسقط من بعد ساعة، وذاك حمل يسقط من بعد شهر أو شهور، وجعل الحق لنا ذلك لنأخذ من الأمر الغيبي وهو الجنين في البطن مراحلَ تكوينه. إنه يعطينا شكل الجنين بعد نصف ساعة من التكوين، ويعطينا شكل الجنين من بعد ساعة. وكل الأزمنة في الحياة والموت موجودة. وعندما نحلل تلك الأشكال نجد أمامنا كل أطوار الجنين، وكل أطوار الحياة ليكون ذلك واضحا جليا حتى لا يحسب أحد لنفسه عمراً في هذه الدنيا. ومادام الثمن الذي يأخذه المرتشون ليغيّروا آيات الله وأحكامه سينفعهم في هذه الدنيا، وأعمارهم في هذه الدنيا محدودة، كان عليهم أن يتذكروا أن حياتهم زمنياً قليلة بالنسبة لعمر الدنيا. وحتى يقوم الإنسان بعملية اقتصادية لا بد أن يتعرّف إلى أن عمره محدود بقدر سنوات مجهولة بالنسبة له في هذه الحياة، وهو عمر محدود مهما طال. وإن قارنها الإنسان بالحياة في العالم الآخر فسيجد أن عمره الدنيوي منهي، فإن قايضه بعمر غير منهي هو عمره في الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مظنون، ووجود الإنسان بالنسبة للآخرة متيقن. ونعيم الفرد في الدنيا هو على قدر إمكاناته ولو في السلب. ونعيم الإنسان في الآخرة ينسب إلى طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى. إذن فأي صفقة تكون هي الرابحة؟ محدود مقابل غير محدود، ومظنون مقابل متيقن، ونعيم على قدر مكنة وسلطان الفرد ولو بالسلب مقابل نعيم على قدر طلاقة قدرة الحق، أي صفقة هي الرابحة؟ إذن فصفقة الدنيا قليلة بالنسبة لما وعد الله به المتقين. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}. ماذا يعني الحكم بما أنزل الله؟. نعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل قضية مخالفة في الكون حكماً، فإذا أردت أيها الإنسان أن تحكم في أمرٍ فعليك أن تبحث عن جوهره بسلسلة تاريخ هذا الأمر. ونجد أن قمة كل الأمور هي العقيدة، وهو وجود الواحب الأعلى وهو الله، فإن حكمت بأنه غير موجود فذلك هو الكفر.؟ وإن آمن الإنسان بالله ثم جاء إلى أحكام الله التي أنزلها وقال: لا ليس من المعقول أن يكون الحكم هو هكذا. فهذا لون من رد الحكم على الله وهو لون من الكفر. أما إن آمن الإنسان بالحكم وقال: إنني أصدق حكم الله، ولكن لا أقدر على نفسي فهل هذا كفر؟ أم هذا ظلم؟. إنه ليس كفراً، ويكون ظلماً إن كان حكماً بين اثنين. وهو فسق إن كان بين الإنسان وبين نفسه؛ لأنه يفسق عن الحكم كما تفسق الرطبة عن قشرتها. فالفاسق هو من له إطار من التكليفات ويخرج عن هذا الإطار كالرطبة التي خرجت من قشرتها. ومادامت الرطبة قد خرجت من قشرتها فهي عرضة للتلوث. إذن فإن سمعت قول الله: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44] وعندما تسمع: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [المائدة: 45] وعندما نسمع: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 47] فتذكر أحكام الله وحاول أن تقدر على نفسك. وقيل: إن ذلك لليهود؛ لأن الحق قال: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} تفسير : [المائدة: 44] وقيل: إن الثانية جاءت للنصارى الذين لم يحكموا بالإنجيل. ولنا أن نقول رداً على مثل هذه الأقوال: امن الممكن أن يكون ذلك للأديان السابقة على الإسلام وليس موجوداً بالإسلام؟ ذلك أمر لا يقبله العقل أو المنطق، فهي آيات نزلت في مناط الحكم عامة. فإن حكم إنسان في قضية القمّة وهي العقيدة بغير الحق، فذلك هو الكفر. وإن ردّ الإنسان الحكم على منشئه - وهو الحق الأعلى - فهذا لون من الكفر. وإن آمن الإنسان بالقضية وهو مؤمن بالإله فغلبته نفسه فهذا هو الفسق. وإن حكم إنسان بين اثنين وحاد ومال عن حكم الله فهذا هو الظلم. إذن فـ "كافرون" و"ظالمون" و"فاسقون" تقول لنا: إن الألفاظ اختلفت باختلاف المحكوم به. فلا يقولن أحد: إن تلك آية نزلت لتلك الفئة، وتلك الآية نزلت لفئة أخرى، وثالثة نزلت لفئة ثالثة، ولكنها أحكام عامة لمناط التكليف عامة. والحق قال في بداية كل حكم "ومَن" ومَن كما نعلم كلمة عامة. والدليل على ذلك أن من يحكم بغير ما أنزل الله إنما هو يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً ورد الحكم على الله. وقال الحق في الآية اللاحقة: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] إنها أحكام تتعلق بجرائم، وعقوبات على جرائم، وهنا يكون الحكم بغير ما أنزل الله ظلماً. إذن فالأمر يختلف حسب المحكوم عليه. وحينما تعرضنا لقضية الخلق الأول وهو خلق آدم، وطلب الله من الملائكة المكلفين بتدبير أمور الخلق في الأرض أن يسجدوا لآدم. وقلنا إن هذا السجود هو رمزية لأن يكونوا في خدمة آدم؛ لأن كل مظهر من مظاهر القوة في الكون لا نرى الملك الذي يديره، فكل قوة لها ملك معين، ولأن ذلك الأمر من الغيب فنحن لا نراه، إنها ملائكة مدبرات أمر. وحين يبلغهم الحق أن الطارش علىالكون وهو آدم، وأنهم في خدمته، ومن أجل ذلك أمرهم بالسجود لآدم. ولذلك نجد أن بعضاً من الملائكة الذين ليسوا من المدبرات أمرا لم يشملهم الأمر. ويكلم الحق إبليس عندما رفض السجود قال سبحانه: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75] إن "العالين" هم الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يدرون ولا يعلمون بأمر آدم، فقد سأل الحق إبليس: أانت مستكبر عن السجود أم أنت من العالين الذين لم يشملهم أمر السجود؟ وقلنا إن إبليس لم يكن من الملائكة، لأنه بنص القرآن: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 50] ولذلك لا يصح أن يكون "إبليس" محل خلاف أهو من الملائكة أم لا! فهو ليس من الملائكة. وفي القرآن نص صريح يثبت جنسية إبليس. وهو من الجن. وكان من المختارين، له أن يطيع أو أن يعصي. لأن الجن داخلون في قانون الاختيار. فإن ألزم الجنّي نفسه بمنهج الله إلزاماً يتساوى به مع الملائكة وجب عليه أن يقوم بذلك. ولكنه لم يفعل. وكان من الواجب أن يطيع إبليس الأمر. ومادام الحق هو الذي أمر بالسجود، فالأدنى وهو إبليس كان عليه أن يسجد؛ لأن المراتب محفوظة كما نعلم، فرئيس الجمهورية عندما يدخل على الوزراء فهم يطيعون أمره، وإن كان يجلس مع الوزراء بعض وكلاء الوزارات فهم يطيعون أوامره؛ ذلك أنهم يدخلون في الأمر من باب أولى. ولو كان إبليس أعلى من الملائكة لكان أولى له أن يستجيب لأمر الخالق الأعلى ولا يعصى ويتأبى، أما وإنّه كان أقل من الملائكة فكان لا بد من باب أولى - أن ينصاع لأمر الله. لكن إبليس علل أمر عدم السجود، فقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12] وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61] وحين يتأبّى كائن على الحكم، أيتأبّى على الحكم الأصم، أي على الحكم من حيث هو حكم دون النظر إلى الحاكم، أم على مَن حكم بالحكم وهو الأعلى سبحانه؟. تأبى إبليس على من حكم بالحكم، ولذلك طرده الحق من الجنة وصار ملعوناً. لكن آدم عصى ربه وقرب من الشجرة التي نهاه الله عنها. ومن رحمة الله تعالى أنه جعل في التكليفات مقدمات تنطبق على حالة المكلف نفسه، فلم يقل الحق لآدم: لا تأكل من الشجرة. ولكنه قال: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [البقرة: 35] لأن الحق علم أن آدم إنسان، والإنسان من الأغيار، وهو عندما يرى الشجرة بثمارها قد لا يقدر على نفسه، ولذلك كان من الأفضل ألا يقرب من هذه الشجرة. وسبحانه يريد أن يحمي الإنسان؛ لأن التكليفات التشريعية لا يرفعها الحق، ولا يُعفى المكلف من القيام بها إلا في الأمر الذي ليس للإنسان فيه اختيار، ولذلك أراد الحق أن يحمي الإنسان من الاقتراب من تلك الشجرة حتى لا تغريه وجاء الحق بمثل هذا الأمر في الخمر فلم يقل: لا تشربوا الخمر. ولكنه قال: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ} تفسير : [المائدة: 90] لأن الإنسان لو جلس في مجلس خمر ورأى السُّكارى قد سعدوا وضحكوا فقد تراوده نفسه على شرب الخمر. إذن فالأمر بالاجتناب هنا أبلغ من "لا تشربوه". ونجد أن تكليفات الحق إنما تاتي للعمل النزوعي، ومعنى العمل النزوعي أن يتحرك الإنسان للعمل. أما بالنسبة للإدراكات فمن الجائز أن يدرك الإنسان الأمر. ويترك الحق لنا حرية حب من نشاء وكراهية من نشاء. ولكن هذا الحب لا يصح أن يصدر عنه عمل نزوعي فنجامله بالباطل. وكذلك الكراهية فليس هناك أمر بالكراهية، ولكن إن كره إنسان إنساناً فلا يصح أن يظلمه. فالمنهيّ عنه هو الظلم، ولذلك قال الحق: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} تفسير : [المائدة: 8] أي لا يحملنكم بغض قوم ألا تعدلوا. إذن فالحق لم يحرم البغض لأنه مسألة عاطفية. ولكن التحريم ينحصر على الإقدام على عمل يخل بميزان العدل مع من تكره. ويجب أن يؤمن الإنسان إيماناً جازماً بأن من ظلمه بمعصية، فلا يجازيه الإنسان إلا بطاعة الله. وآدم أكل من الشجرة، فهو - إذن - قد تجاوز مسألة الاقتراب إلى مسألة الأكل من الشجرة؛ لأنه لو قرب منها لكان مخالفاً، فما بالنا وهو قد أكل منها أيضاً؟ إذن فقد أوغل آدم في المعصية، لكنه قال: (ظلمنا أنفسنا). وهذا اعتراف واضح بأن حكمك يا الله هو الحكم الحق، لكني لم أقدر على نفسي يا ربي. إذن فهو لم يَرُدَّ الحكم على الله، ولكنه اعترف بأنه لم يقدر على تنفيذ الحكم، لذلك أعطاه الله كلمات ليقولها فيتوب عليه. وسبحانه هو الذي علم آدم كيف تكون التوبة. فآدم - إذن - ليس كإبليس الذي رد الحكم على الله؛ لأن آدم قال: أنا لم أقدر على نفسي. إذن فمن لم يحكم بما أنزل الله رادّاً للحكم على الله ومخطّئاً لله - سبحانه - فهو كافر. وإن كان حكماً بين اثنين وحكم بغير ما أنزل الله فهو ظالم. أما إن كان حكماً علىالنفس ولم يقدر عليه الإنسان فهذا فسق. وكل وصف جاء حسب حكمه. ولا داعي - إذن - للجدل ولا للخلاف ولا ادعاء أن هناك قولاً يقصد به اليهود، وآخر ورد في النصرانية، ولا يصح أن يزين الإنسان الباطل لأحد، لأن ورود الحكم بما أنزل الله في الإسلام أمر جازم يوجب الالتزام به. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} معناه استُودِعُوا.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ} قال ابن عباس وابن مسعود نزلت في الجاحدين حكم الله وهي عامة في كل من جحد حكم الله، والذين أسلموا وصف مدح للأنبياء كالصفات التي تجري على الله وأريد بإِجرائها التعريض باليهود والنصارى حيث قالوا: إن الأنبياء كانوا يهود وقالت النصارى: كانوا نصارى. فبين أنهم كانوا مسلمين كما كان إبراهيم ولذلك جاء هو سماكم المسلمين من قبل وفيه بهذا الوصف أن اليهود والنصارى بعداد من هذا الوصف الذي هو الإِسلام وإن كان دين الأنبياء كلهم قديماً وحديثاً. وتقدم الكلام على الربانيين في آل عمران. والأحبار: هم العلماء، واحدهم: حبر، بفتح الحاء وكسرها. وقال أبو الهيثم: هو بفتح الحاء. وقال الفراء: هو بالكسر، فأما الذي يكتب به فبكسر الحاء. {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} الباء في بما لكسب وتتعلق بقوله: يحكم، واستفعل هنا للطلب والمعنى بسبب ما استحفظوا، والضمير في استحفظوا عائد على النبيين والربانيين والأحبار أي بسبب ما طلب الله منهم حفظهم لكتاب الله وهو التوراة، وكلفهم حفظها وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها. واستحفظوا مبني للمفعول حذف الفاعل وهو الله والمعنى استحفظهم الله أي طلب حفظهم له. {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} الظاهر أن الضمير عائد على كتاب الله، أي كانوا عليه رقباء لئلا يبدل. والمعنى محكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى وكان بينهما ألف نبي. للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم وآبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} الآية، الظاهر أن هذا الخطاب لليهود على سبيل الحكاية. والقول لعلماء بني إسرائيل يشمل من كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علماء اليهود. وفي الكلام التفات خرج من ضمير الغيبة وهو ضمير الرفع في يحكمونك إلى ضمير الخطاب في قوله: فلا تخشوا. {وَلاَ تَشْتَرُواْ} هذا نهي للحكام عن أخذ الرشا وتبديل أحكام الله تعالى. {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} الآية مناسبتها لما قبلها أنه تعالى بين في التوراة أن حكم الزاني المحصن الرجم. وغير التوراة اليهود أيضاً ففضلوا بني النضير على بني قريظة وحضوا إيجاد القود على بني قريظة دون بني النضير. ومعنى وكتبنا: فرضنا. وقيل: قلنا والكتابة بمعنى القول. ويجوز أن يراد الكتابة حقيقة وهي الكتابة في الألواح، لأن التوراة نزلت مكتوبة في الألواح. والضمير في "فيها" عائد على التوراة. وفي "عليهم" على الذين هادوا. وقوله: بالنفس جار ومجرور في موضع خبر أن فيتعلق بمحذوف، والأصل فيه أن يكون العامل لفظ كائن أو مستقر والباء في "بالنفس" للمقابلة فقدر ما هو قريب من الاستقرار وهو تقديرهم مأخوذة بالنفس والمعنى أنه إذا قتلت نفس نفساً قتلت بها والمعاطيف على هذا التقدير أي والعين مأخوذة بالعين أي من فقأ عيناً فقئت عينه، ومن جدع أنفاً جدع أنفه، ومن صلم أذناً صلمت أذنه، ومن كسر سناً كسرت سنه. وقرىء بنصب والعين إلى قوله: والجروح مراعاة لاسم ان. وقرىء بالرفع قطعاً عن اسم ان. وارتفعت الأسماء بالإِبتداء وخبرها في الجار والمجرور كما قدرناه، وخبر والجروح قوله: قصاص، والظاهر في قوله: النفس بالنفس، العموم فيخرج منه ما يخرج منه بالدليل ويبقى الباقي على عمومه. والظاهر في قوله: والعين بالعين، العموم فتفقأ عين الأعور بعين من كان ذا عينين، وبه قال علي وأبو حنيفة والشافعي. ولهذه الجنايات أحكام ذكرت في كتب الفقه. {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي ذات قصاص. ولفظ الجروح عام، والمراد به الخصوص وهو ما يكن فيه القصاص وتعرف المماثلة فلا يخاف منها على النفس فإن خيف كالمأمومة وكسر الفخذ وغير ذلك فلا قصاص فيها. ومدلول والجروح قصاص يقتضي أن يكون الجرح بمثله فإن لم يكن بمثله فلا قصاص. {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} الآية، المتصدق صاحب الحق ومستوفي القصاص من مجروح أو ولي قتل. و"به" عائد على القصاص الشامل للنفس وللأعضاء وللجروح التي فيها القصاص، و"فهو" ضمير يعود على التصدق أي فالتصدق كفارة للمتصدق والمعنى ان من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفى عن حقه في ذلك فإِن العفو كفارة له عن ذنوبه يعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} الآية تناسب فيما تقدم، ذكر الكافرين لأنه جاء عقب قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ}، الآية، ففي ذلك إشارة إلى أنه لا يحكم بجميعها بل يخالف رأساً ولذلك جاء ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وهذا كفر فناسب ذكر الكافرين وهنا جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجروح، فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص وعدم التسوية فيه وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين بني النضير وبني قريظة. {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} الآية مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر أن التوراة يحكم بها النبييون ذكر أنه قفاهم بعيسى عليه السلام تنبيهاً على أنه من جملة الأنبياء وتنويهاً باسمه وتنزيهاً له عما تدعيه فيه اليهود وأنه من جملة مصدّقي التوراة. ومعنى وففينا أتينا به يقفوا آثارهم أي يتبعها. والضمير في "آثارهم" يعود على النبيين من قوله: يحكم بها النبيون، وليس التضعيف في قفينا للتعدية بل ضمّن معنى قفينا جئنا فذلك عداه بعلى والباء. {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} هذه الجملة معطوفة على قفينا وفيها تعظيم عيسى بأن الله آتاه كتاباً إلهياً. وقوله: فيه هدى، في موضع الحال وارتفاع هدى على الفاعلية بالجار والمجرور إذ قد اعتمد بأن وقع حالاً الذي حال أي كائناً فيه هدى، ولذلك عطف عليه لما بين يديه. والضمير في "يديه" عائد على الإِنجيل، والمعنى أن عيسى وكتابه الذي أنزل عليه هما مصدقان لما تقدمهما من التوراة فتظافر على تصديقه الكتاب الإِلهي المنزل.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّآ} من مقام جودنا {أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ} إلى موسى، وأدرجنا {فِيهَا هُدًى} بهدي إلى الحق من ضلَّ عن طريقه {وَنُورٌ} يكشف طريق التوحيد لمن استكشف منه {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} من أنبياء بين إسرائيل {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} معه، وفوضوا أمورهم كلها إليه بعدما تحققوا بتوحيده {لِلَّذِينَ هَادُواْ وَ} وكذا يحكم بها {ٱلرَّبَّانِيُّونَ} المنسوبون إلى الرب بمتابعة الأنبياء، وهم الأولياء، فهم {وَ} كذا {ٱلأَحْبَارُ} المتفقهة، فهم يحكمون {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ} أي: على ما استحفظوا {شُهَدَآءَ} مستحضرين يراقبون، ويداومون على حفظه. {فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ} أي: لا تميلوا أيها الحكام عن طريق الحق من أجل الناس المتعظمين بجاههن ورئاستهم، ولا تداهنوا في الأحكم؛ رغاية لجانبهم {وَٱخْشَوْنِ} من بطشي، وغضبي عليكم حين مخالفتكم كمي وأمري، مداهنةً {وَ} عليكم أن {لاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} وأحكامي {ثَمَناً قَلِيلاً} من الرشى {وَ} اعلموا أن {مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي: بمقتضاه، وموافقاً له {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء المداهنون، المرتشون {هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] الساترون مقتضى الحكمة بأهويتهم الباطلة، الخارجون عن رتبة العبودية بمخالفة حكم الله وأمره. {وَ} من جملة الأحكام التي {كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} القصاص، فاعلموا أيها الحكام {أَنَّ ٱلنَّفْسَ} القاتلة تقتص {بِٱلنَّفْسِ} المقتولة {وَٱلْعَيْنَ} تُفقاً {بِٱلْعَيْنِ} المفقوءة {وَٱلأَنْفَ} يُقطع {بِٱلأَنْفِ} المقطوعة {وَٱلأُذُنَ} تُصلم {بِٱلأُذُنِ} المصلومة {وَٱلسِّنَّ} تُقلغ {بِٱلسِّنِّ} المقلوعة {وَ} كذا {ٱلْجُرُوحَ} يجري فيها {قِصَاصٌ} مثلاً بمثل على قياس ما ذكر {فَمَن تَصَدَّقَ} من المستحقين {بِهِ} أي: بالقصاص، وعفا عنه طوعاً {فَهُوَ} أي: تصدقه {كَفَّارَةٌ لَّهُ} أي: لذنوبه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} من الأحكام؛ ميلاً وارتشاءً {فَأُوْلَـٰئِكَ} الحاكمون {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] المتجاوزون عن مقتضى الإيمان والإطاعة والانقياد.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 241 : 10 : 10 - سفين عن بن طاؤس عن أبيه قال، قيل لابن عباس {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} قال، هي كفره - وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. [الآية 44]. 242 : 11 : 13 - سفين عن بن جريج عن عطاء قال، كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. 243 : 12 : 14 - سفين عن رجل عن طاؤس قال، كفر لا يخرج من الملة. 244 : 13 : 12 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال، قيل لحذيفة: نزل هذه الآية في بني اسرائيل {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}؟ قال: "نعم الاخوة لكم بنو اسرائيل. كان لهم مرة ولكم حلوة. لتسلكن طريقهم قد الشراك. [الآية 44].

همام الصنعاني

تفسير : 699- عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ}: [الآية: 44]، قال: هم فوق الأحبار، هم الفقهاء العلماء. 706- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزّهري، قال: حدّثنا رجل من مَزْيَنَة، ونَحْنُ جُلُس عند ابن المسيَّب، عن أبي هريرة قال: حديث : زَنَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي - فإنه نبيٌّ بُعِثَ بتخفيف، فإن أفْتانا بفتيا دون الرَّجْمِ قبلناهَا، و احتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في أصْحابِهِ، فقالوا: يا أبا القاسم، ماترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت فقام عَلى الباب، فقال: "أنشدكم الله الذي أنزل التوراة على موسى بن عمران، ما تجدون في التوراة على من زنا إذا أحصن؟" فقالوا: يُحَمَّم، وَيُجَبّه، والتجبيهُ: أن يُحْمَلَ الزانيام على حمار ويقابل أقفيتهما ويُطافُ بهما قال: وسكت شاب منهم. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظَّ به النشدة، فقال: اللهم إذا نشدتنا فإنا نجد في التوارة الرجم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فما أوّل ما ارتخصتم أمْر الله". قال: زنا رجل ذُو قرابة من ملك من ملوكنا فأخَّر عنه الرجم. ثم زنا رجل آخر في أثره من النَّاس فأراد رجمُه فحالَ قومُه دُونَه وقالوا لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فأصلحوا هذه العقوبة بينهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإني أحكم بما في التَّوراة" فأمر بهما فَرُجِما. تفسير : قال الزَّهري: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}: [الآية: 44]، فكان النبي صلى الله وعليه وسلم منهم. 707- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر برجمهما فلمَّا رُجِمَا رأيته يُجافِي بيده عنها لِيَقيها الحجارة. 713- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سُئِلَ ابن عباس عن قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [الآية: 44]، قال: هي كفر. قا ل ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكتِهِ ورسله. 714- عبد الرزاق، عن الثّوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}، {... فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، {... فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}: [الآيات: 44-45-47]، قال: فقيل ذلِكَ في بني إسرائيل، قال: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهُمْ كل مُرَّةٍ ولكم كل حُلْوةٍ كلاَّ والله لتسْلُكُنَّ طريقهم قَد الشرك. 715- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثّوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الآية الأمة بها. 716- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن زكريا، عن الشعبي، قال: الأُولى للمسلمين، والثانية للهيود، والثالثة للناصرى. 717- حدّثنا عبد الرزاق، قال: حدّثنا الثَّوْري عن رجُلٍ، عن ابن طاوس قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}: [الآية: 44]، قال: كفر لا ينقل عن المِلَّةِ قال: وقال عطاء: كُفْر دُونَ كُفْرٍ وظُلم دُونَ ظُلْمٍ، وفسوق دُونَ فُسُوقٍ.