Verse. 714 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَكَتَبْنَا عَلَيْہِمْ فِيْہَاۗ اَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ۝۰ۙ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْاَنْفَ بِالْاَنْفِ وَالْاُذُنَ بِالْاُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ۝۰ۙ وَالْجُرُوْحَ قِصَاصٌ۝۰ۭ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِہٖ فَہُوَكَفَّارَۃٌ لَّہٗ۝۰ۭ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَاۗ اَنْزَلَ اللہُ فَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الظّٰلِمُوْنَ۝۴۵
Wakatabna AAalayhim feeha anna alnnafsa bialnnafsi waalAAayna bialAAayni waalanfa bialanfi waalothuna bialothuni waalssinna bialssinni waaljurooha qisasun faman tasaddaqa bihi fahuwa kaffaratun lahu waman lam yahkum bima anzala Allahu faolaika humu alththalimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكتبنا» فرضنا «عليهم فيها» أي التوراة «أن النفس» تقتل «بالنفس» إذا قتلتها «والعين» تُفقأ «بالعين والأنف» يجُدع «بالأنف والأذن» تُقطع «بالأذن والسنَّ» تقلع «بالسنِّ» وفي قراءة بالرفع في الأربعة «والجروح» بالوجهين «قصاص» أي فيها إذا كاليد والرجل ونحو ذلك وما لا يمكن فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا «فمن تصدق به» أي القصاص بأن مكن عن نفسه «فهو كفارة له» لما أتاه «ومن لم يحكم بما أنزل الله» في القصاص وغيره «فأولئك هم الظالمون».

45

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص{. والمعنى أنه تعالى بيّن في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم، واليهود غيروه وبدلوه، وبيّن في هذه الآية أيضاً أنه تعالى بيّن في التوراة أن النفس بالنفس، وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضاً، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير، فهذا هو وجه النظم من الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي: العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع، وفيه وجوه: أحدها: العطف على محل {أن النفس} لأن المعنى: وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا، وثانيها: أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول: كتبت (الحمد لله) وقرأت (سورة أنزلناها) وثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف، وتقديره: أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ } تفسير : [البقرة: 62] وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى {الجروح} فإنه بالرفع، فالعين والأنف والأذن نصب عطفاً على النفس، ثم {الجروح} مبتدأ، و{ قِصَاصٌ } خبره، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفاً لبعض ذلك على بعض، وخبر الجميع قصاص، وقرأ نافع {الأذن} بسكون الذال حيث وقع، والباقون بالضم مثقلة، وهما لغتان. المسألة الثانية: قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد من قتل نفساً بغير قود قيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص. وعن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } وهو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة. واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعاً في التوراة، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا. المسألة الثالثة: {قِصَاصٌ } هٰهنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض. ثم قال تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } الضمير في قوله {لَهُ } يحتمل أن يكون عائداً إلى العافي أو إلى المعفو عنه، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237] ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس» تفسير : وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه» تفسير : وهذا قول أكثر المفسرين. والقول الثاني: أن الضمير في قوله {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } عائد إلى القاتل والجارح، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو، وأما المجنى عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } وفيه سؤال، وهو أنه تعالى قال أولاً: {أية : فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] وثانياً: {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } والكفر أعظم من الظلم، فلما ذكر أعظم التهديدات أولاً، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟ وجوابه: أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاثون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} بيَّن تعالى أنه سوّى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك، فضلوا؛ فكانت دِية النَّضِيريّ أكثر، وكان النَّضِيريّ لا يُقتل بالقُرَظِيّ، ويُقتل به القُرَظيّ فلما جاء الإسلام راجع بنو قُرَيظة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فحكم بالاستواء؛ فقالت بنو النَّضِير: قد حططتَ منا؛ فنزلت هذه الآية. و «كتبنا» بمعنى فرضنا، وقد تقدم. وكان شرعهم القصاص أو العفو، وما كان فيهم الديّة؛ كما تقدّم في «البقرة» بيانه. وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال: يقتل المسلم بالذمي؛ لأنه نفس بنفس، وقد تقدّم في «البقرة» بيان هذا. وقد روى أبو داود والترمذيّ والنسائي عن عليّ رضي الله عنه. إنه سئل هل خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتاباً من قِراب سيفه وإذا فيه: « حديث : المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يُقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده » تفسير : وأيضاً فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل، وأخذهم من قبيلة رجلاً برجل، ومن قبيلة أُخرى رجلاً برجلين. وقالت الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا؛ وقد مضى في «البقرة» في الردّ عليهم ما يكفي فتأمله هناك. ووجه رابع ـ وهو أنه تعالى قال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} وكان ذلك مكتوباً على أهل التوراة وهم ملة واحدة، ولم يكن لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذِمة؛ لأن الجِزية فيءٌ وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين، ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأُمة، ولم يكن نبيّ فيما مضى مبعوثاً إلا إلى قومه؛ فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ؛ فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس، إذ يشير إلى قوم معينين، ويقول: إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم بالنفس؛ فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم ـ على هذا الوجه ـ: النفس بالنفس، وليس في كتاب الله ما يدل على أن النفس بالنفس مع ٱختلاف المِلة. الثانية ـ قال أصحاب الشافعيّ وأبو حنيفة: إذا جرح أو قطع الأُذن أو اليد ثم قتل فُعِل ذلك به؛ لأن الله تعالى قال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال علماؤنا: إن قصد به المُثلة فُعِل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قُتِل بالسيف؛ وإنما قالوا ذلك في المُثلة يجب؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم سَمَل أعين العُرنيِين؛ حسبما تقدّم بيانه في هذه السورة. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف «أَنَّ» ورفع الكل بالابتداء والعطف. وقرأ ٱبن كثير وٱبن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكِسائيّ وأبو عبيد يقرءان «وَٱلْعَيْنُ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنُ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنُّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحُ» بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدّثنا حجاج عن هرون عن عبّاد بن كثير عن عقيل عن الزّهريّ عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنُ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفُ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنُ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنُّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحُ قِصَاصٌ». والرفع من ثلاث جهات؛ بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع «أَنَّ النَّفْسَ»؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث ـ قاله الزجاج ـ يكون عطفاً على المضمر في النفس؛ لأن الضمير في النفس في موضع رفع؛ لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس؛ فالأسماء معطوفة على هي. قال ٱبن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ٱبتداء كلام حُكْم في المسلمين؛ وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ» وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أُمِروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها؛ كأن المسلمين أُمِروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به. الرابعة ـ هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق ابن شُبْرُمَة بعموم قوله: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس، وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى، وقال: تؤخذ الثَّنِية بالضِّرس والضرس بالثنِية؛ لعموم قوله تعالى: {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ}. والذين خالفوه وهم علماء الأُمة قالوا: العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرضا؛ وذلك يبين لنا أن المراد بقوله: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} ٱستيفاء ما يماثله من الجاني؛ فلا يجوز له أن يتعدّى إلى غيره كما لا يتعدى من الرجل إلى ٱليد في الأحوال كلها، وهذا لا ريب فيه. الخامسة ـ وأجمع العلماء على أن العينين إذا أُصيبتا خطأ ففيهما الديّة، وفي العين الواحدة نصف الديّة، وفي عين الأعور إذا فُقِئت الديّة كاملة؛ رُوي ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال عبد الملك بن مروان والزّهْريّ وقَتَادة ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق. وقيل: نصف الديّة؛ روى ذلك عن عبد الله بن المُغَفَّل ومسروق والنَّخَعي؛ وبه قال الثّوريّ والشافعي والنعمان. قال ٱبن المنذِر: وبه نقول؛ لأن في الحديث: «في العينين الدية» ومعقول إذا كان كذلك أن في إحداهما نصف الديّة. قال ٱبن العربي: وهو القياس الظاهر، ولكن علماؤنا قالوا: إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك، فوجب عليه مثل ديته. السادسة ـ واختلفوا في الأعور يَفقأ عين صحيح؛ فروي عن عمر وعثمان وعليّ أنه لا قَوَد عليه، وعليه الدية كاملة؛ وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل. وقال مالك: إن شاء ٱقتص فتركه أعمى، وإن شاء أخذ الديّة كاملة دية عين الأعور. وقال النَّخَعيّ: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية. وقال الشافعيّ وأبو حنيفة والثوريّ: عليه القصاص، ورُوى ذلك عن عليّ أيضاً؛ وهو قول مسروق وٱبن سِيرين وٱبن مَعْقِل، وٱختاره ٱبن المنذر وٱبن العربيّ؛ لأن الله تعالى قال: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية؛ ففي العين نصف الدية، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس. ومتعلق أحمد بن حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر ببعضه وذلك ليس بمساواة، وبما روي عن عمر وعثمان وعليّ في ذلك. ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خُيِّر المجني عليه. قال ابن العربيّ: والأخذ بعموم القرآن أولى؛ فإنه أسلم عند الله تعالى. السابعة ـ واختلفوا في عين الأعور التي لا يُبصر بها؛ فروي عن زيد بن ثابت أنه قال: فيها مائة دينار. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: فيها ثلث ديتها؛ وبه قال إسحاق. وقال مجاهد: فيها نصف ديتها. وقال مسروق والزهريّ ومالك والشافعيّ وأبو ثور والنعمان: فيها حكومة؛ قال ابن المنذر: وبه نقول لأنه الأقل مما قيل. الثامنة ـ وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية، ويستوي فيه الأعمش والأخفش. وفي إبطاله من إحداهما مع بقائها النصفُ. قال ابن المنذر وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله عليّ بن أبي طالب: أنه أمر بعينه الصحيحة فغطّيت وأعطى رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى ٱنتهى نظره، ثم أَمَر بخطٍّ عند ذلك، ثم أمر بعينه الأُخرى فغطيت وفتحت الصحيحة وأعطى رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره، ثم خطَّ عند ذلك، ثم أمر به فحوّل إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده سواء؛ فأعطي ما نقص من بصره من مال الآخر، وهذا على مذهب الشافعي؛ وهو قول علمائنا، وهي: التاسعة ـ ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قَوَد في بعض البصر؛ إذ غير ممكن الوصول إليه. وكيفية القَوَد في العين أن تُحمى مرآة ثم توضع على العين الأُخرى قُطْنة، ثم تُقرب المرآة من عينه حتى يَسيل إنسانها؛ روي عن علي رضي الله عنه؛ ذكره المهدويّ وابن العربي. واختلف في جَفْن العين؛ فقال زيد بن ثابت: فيه ربع الدية، وهو قول الشعبيّ والحسن وقتادة وأبي هاشم والثّوريّ والشافعيّ وأصحاب الرأي. وروى عن الشَّعْبيّ أنه قال: في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجَفْن الأسفل ثلثا الدية، وبه قال مالك. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ} جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : وفي الأنف إذا أُوعِب جَدْعاً الديّة » تفسير : . قال ابن المنذِر: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به؛ والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمداً كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب الله تعالى. واختلفوا في كسر الأنف؛ فكان مالك يرى في العمد منه القَوَد، وفي الخطأ الاجتهاد. ورَوَى ٱبن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصِله من أصله. قال أبو إسحاق التونسيّ: وهذا شاذ، والمعروف الأوّل. وإذا فرّعنا على المعروف ففي بعض المارِن من الدية بحسابه من المارِن. قال ابن المنذِر: وما قطع من الأنف فبحسابه؛ رُوِي ذلك عن عمر ابن عبد العزيز والشَّعْبيّ، وبه قال الشافعيّ. قال أبو عمر: واختلفوا في المارِن إذا قُطِع ولم يستأصل الأنف؛ فذهب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة، ثم إن قُطِع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة. قال مالك: الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارِن؛ وهو دون العظم. قال ٱبن القاسم: وسواء قُطِع المارِن من العظم أو استؤصِل الأنف من العظم من تحت العينين إنما فيه الدية؛ كالحَشَفة فيها الدية: وفي استئصال الذكر الدية. الحادية عشرة ـ قال ابن القاسم: وإذا خُرِم الأنفُ أو كُسِر فبَرِىء على عَثْم ففيه الاجتهاد، وليس فيه دِية معلومة. وإن برىء على غير عثم فلا شيء فيه. قال: وليس الأنف إذا خرِم فبرِىء على غير عثم كالموضحة تبرأ على غير عَثْم فيكون فيها دِيتها؛ لأن تلك جاءت بها السنة، وليس في خرم الأنف أثر. قال: والأنف عظم منفرد ليس فيه مُوضِحَة. واتفق مالك والشافعيّ وأصحابهما على أن لا جائفة فيه، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف. والمارن ما لاَنَ من الأنف؛ وكذلك قال الخليل وغيره. قال أبو عمر: وأظن رَوْثَته مارِنه، وأرنبته طرْفُه. وقد قيل: الأرنبة والرَّوْثة والعَرْتَمة طَرَف الأنف. والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم، في الشم إذا نقص أو فُقِد حكومة. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ} قال علماؤنا رحمة الله عليهم في الذي يقطع أُذني رجل: عليه حكومة، وإنما تكون عليه الدّية في السمع؛ ويقاس في نقصانه كما يقاس في البصر. وفي إبطاله من إحداهما نصف الدية ولو لم يكن يسمع إلا بها، بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة؛ على ما تقدم. وقال أشهب: إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي كالبصر، وإذا شك في السمع جُرب بأن يُصاح به من مواضع عدّة، يقاس ذلك؛ فإن تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك. قال أشهب: ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجال مثله؛ فإن ٱختبر فاختلف قوله لم يكن له شيء. وقال عيسى بن دينار: إذا ٱختلف قوله عُقِل له الأقل مع يمينه. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} قال ٱبن المنذر: وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد من سِنّ وقال: « حديث : كتاب الله القصاص » تفسير : . وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : في السِّن خمس من الإبل » تفسير : . قال ٱبن المنذر: فبظاهر هذا الحديث نقول؛ لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعِيات؛ لدخولها كلها في ظاهر الحديث؛ وبه يقول الأكثر من أهل العلم. وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئاً منها على شيء عُروة بن الزّبير وطاوس والزُّهريّ وقَتَادة ومالك والثوريّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق والنعمان وٱبن الحسن، ورُوي ذلك عن عليّ بن أبي طالب وٱبن عباس ومعاوية. وفيه قول ثان ـ رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمسِ فرائض، وذلك خمسون ديناراً، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. وفي الأضراس ببعير بعيرٍ. وكان عطاء يقول: في السن والرَّبَاعِيَتين والنَّابين خمس خمس، وفيما بقي بعيران بعيران، أعلى الفم وأسفله سواء، والأضراس سواء؛ قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب: أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعيرٍ فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضِرساً، والأسنان ٱثنا عشر سِنّا: أربع ثنايا وأربع رَباعِيات وأربع أنياب؛ فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيراً؛ في الأسنان خمسة خمسة، وفي الأضراس بعير بعير. وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعِرة خمسة أبعِرة؛ تصير الدية ستين ومائة بعير. وعلى قول سعيد بن المسيب بعيرين بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرساً؛ يجب لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعِرة خمسة أبعرة فذلك ستون، وهي تتمة المائة بعير، وهي الديّة كاملة من الإبل. والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان. قال أبو عمر: واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في دِيات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جداً، والحجة قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوريّ؛ بظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : وفي السنّ خمس من الإبل » تفسير : والضّرس سِنّ من الأسنان. روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الأصابع سواء والأسنان سواء الثَّنِية والضّرس سواء هذه وهذه سواء » تفسير : وهذا نص أخرجه أبو داود. وروى أبو داود أيضاً عن ٱبن عباس قال: جَعَل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء. قال أبو عمر: على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدّية كلها سواء، وأن الأسنان في الدية كلها سواء، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضّل شيءٌ منها على شيء؛ على ما في كتاب عمرو بن حزم. ذكر الثوريّ عن أزهر بن محارب قال: ٱختصم إلى شُرَيح رجلان ضرب أحدهما ثَنِيّة الآخر وأصاب الآخر ضِرسه فقال شريح: الثَّنية وجمالها والضرس ومنفعته سِنّ بسن قوّما. قال أبو عمر: على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار. والله أعلم. الرابعة عشرة ـ فإن ضرب سِنّه فاسودّت ففيها دِيتها كاملة عند مالك والليث بن سعد، وبه قال أبو حنيفة، ورُوى عن زيد بن ثابت؛ وهو قول سعيد بن المسيب والزهريّ والحسن وٱبن سِيرين وشُرَيْح. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الشافعي وأبو ثور: فيها حكومة. قال ٱبن العربيّ: وهذا عندي خلاف يؤول إلى وفاق؛ فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما بقيت صورتها كاليد الشّلاء والعين العمياء، فلا خلاف في وجوب الدية؛ ثم إن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعها لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة؛ وما روِي عن عمر رضي الله عنه فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سنداً ولا فِقهاً. الخامسة عشرة ـ وٱختلفوا في سنّ الصبي يقلع قبل أن يُثْغِر؛ فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قُلِعت سِنّ الصبي فنبتت فلا شيء على القالع، إلا أن مالكاً والشافعيّ قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أَرْشها بقدر نقصها. وقالت طائفة: فيها حكومة، وروي ذلك عن الشعبيّ؛ وبه قال النعمان. قال ٱبن المنذِر: يُسْتأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاماً؛ على ظاهر الحديث، وإن نبتت ردّ الأَرش. وأكثر من يُحفَظ عنه من أهل العلم يقولون: يُسْتأنى بها سنة؛ روى ذلك عن عليّ وزيد وعمر بن عبد العزيز وشُرَيح والنَّخعيّ وقَتَادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافعيّ لهذا مدة معلومة. السادسة عشرة ـ إذا قُلِع سنّ الكبير فأخذ ديّتها ثم نبتت؛ فقال مالك لا يردّ ما أخذ. وقال الكوفيون: يردّ إذا نبتت. وللشافعي قولان: يردّ ولا يردّ؛ لأن هذا نبات لم تجرِ به عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر؛ هذا قول علمائنا. تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيردّ؛ أصله سِنّ الصغير. قال الشافعي: ولو جنى عليها جانٍ آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تاماً. قال ٱبن المنذر: هذا أصح القولين؛ لأن كل واحد منهما قالع سِنّ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في السِنّ خمساً من الإبل. السابعة عشرة ـ فلو قلع رجل سِنّ رجل فردّها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا. وقال الشافعي: ليس له أن يردّها من قِبل أنها نجسة؛ وقاله ٱبن المسيّب وعطاء. ولو ردّها أعاد كل صلاة صلاها لأنها مَيْتة؛ وكذلك لو قطعت أُذنه فردّها بحرارة الدم فالتزقت مثله. وقال عطاء: يجبره السلطان على قلعها لأنها مَيْتة ألصقها. قال ٱبن العربيّ: وهذا غلط، وقد جَهِل من خَفِي عليه أنّ ردّها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها. قلت: ما حكاه ٱبن العربيّ عن عطاء خلاف ما حكاه ٱبن المنذر عنه؛ قال ٱبن المنذر: وٱختلفوا في السنّ تقلع قَوداً ثم تردّ مكانها فتنبت؛ فقال عطاء الخراسانيّ وعطاء بن أبي رَبَاح لا بأس بذلك. وقال الثوريّ وأحمد وإسحاق: تقلع؛ لأنّ القصاص للشَّيْن. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قِبل أنها نجسة، ويجبره السلطان على القلع. الثامنة عشرة ـ فلو كانت له سنّ زائدة فقلعت ففيها حكومة؛ وبه قال فقهاء الأمصار. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث الديّة. قال ٱبن العربيّ: وليس في التقدير دليل، فالحكومة أعدل. قال ٱبن المنذر: ولا يصح ما روي عن زيد؛ وقد روي عن عليّ أنه قال: في السنّ إذا كسِر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه؛ وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. قلت: وهنا ٱنتهى ما نص الله عز وجل عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشَّفتين واللّسان وهي: التاسعة عشرة ـ فقال الجمهور: وفي الشفتين الدية، وفي كل واحدة منهما نصف الدية لا فضل للعليا منهما على السفلى. وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيّب والزُّهْريّ: في الشّفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة السفلى ثلثا الدية. وقال ٱبن المنذر: وبالقول الأول أقول: للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : وفي الشّفتين الدية » تفسير : ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. وما قطع من الشّفتين فبحساب ذلك. وأما اللّسان فجاء الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : في اللّسان الديّة » تفسير : . وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به؛ قاله ٱبن المنذر. الموفية عشرين ـ وٱختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئاً، ويذهب من الكلام بعضه؛ فقال أكثر أهل العلم: ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفاً فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية؛ هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس في اللسان قَوَد لعدم الإحاطة باستيفاء القَوَد. فإن أمكن فالقَوَد هو الأصل. الحادية والعشرون ـ وٱختلفوا في لسان الأخرس يقطع؛ فقال الشعبيّ ومالك وأهل المدينة والثوريّ وأهل العراق والشافعيّ وأبو ثور والنعمان وصاحباه: فيه حكومة. قال ٱبن المنذر: وفيه قولان شاذّان: أحدهما ـ قول النَّخعيّ أن فيه الدية. والآخر قول قتادة أن فيه ثلث الدية. قال ٱبن المنذر: والقول الأوّل أصح؛ لأنه الأقلّ مما قيل. قال ٱبن العربي: نص الله سبحانه على أُمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها؛ فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قَوَد فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه. الثانية والعشرون ـ قوله تعالى: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي مقاصّة، وقد تقدّم في «البقرة». ولا قصاص في كل مَخُوف ولا فيما لا يُوصَل إلى القصاص فيه إلاّ بأن يخطىء الضارب أو يزيد أو ينقص. ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القَوَد منه. وهذا كله في العمد؛ فأما الخطأ فالدية، وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح. وفي صحيح مسلم عن أنس حديث : أن أُخت الرُّبَيِّع ـ أم حارثة ـ جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القصاص القصاص» فقالت أُم الرُّبَيِّع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟! والله لا يقتص منها. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله يا أُم الرُّبَيِّع القصاص كتاب الله» قالت: لا والله لا يقتص منها أبداً؛ قال فما زالت حتى قبلوا الدية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأَبَرَّه». تفسير : قلت: المجروح في هذا الحديث جارية، والجرح كسر ثَنِيّتها؛ أخرجه النسائيّ حديث : عن أنس أيضاً أن عمته كسرت ثَنِيّة جارية فقَضَى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص؛ فقال أخوها أنس بن النّضر: أتُكسَر ثَنِيّة فلانة؟ لا والذي بعثك بالحق لا تُكسَر ثَنِيّتها. قال: وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش، فلما حلف أخوها وهو عم أنس ـ وهو الشهيد يوم أُحد ـ رضي القوم بالعفو؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأَبَرَّه»تفسير : . وخرجه أبو داود أيضاً، وقال سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تُبْرَد. قلت: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فَبَرَّ اللَّهُ قسمهما. وفي هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن شاء الله تعالى. فنسأل الله التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة. الثالثة والعشرون ـ أجمع العلماء على أن قوله تعالى: {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} أنه في العمد؛ فمن أصاب سِنّ أحد عمداً ففيه القصاص على حديث أنس. واختلفوا في سائر عِظام الجسد إذا كسرت عمداً؛ فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها ٱلقَوَد إلا ما كان مَخُوفاً مثل الفخذ والصّلب والمأمُومة والمُنَقِّلة والهاشِمة، ففي ذلك الديّة. وقال الكوفيون: لا قصاص في عظم يُكسَر ما خلا السنّ؛ لقوله تعالى: {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} وهو قول الليث والشافعيّ. قال الشافعيّ: لا يكون كَسْرٌ ككسر أبداً؛ فهو ممنوع. قال الطَّحاويّ: ٱتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس؛ فكذلك في سائر العِظام. والحجة لمالك حديث أنس في السنّ وهي عظم؛ فكذلك سائر العِظام إلا عظماً أجمعوا على أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه. قال ٱبن المنذر: ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث؛ والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. قلت: ويدل على هذا أيضاً قوله تعالى: { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] وقوله: { أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } تفسير : [النحل: 126] وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي. والله أعلم وبالله التوفيق. الرابعة والعشرون ـ قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في المُوضِّحَة، وما جاء عن غيره في الشِّجَاج. قال الأصمعيّ وغيره: دخل كلام بعضهم في بعض؛ أوّل الشِّجَاج ـ الحَارِصة وهي: التي تَحْرِص الجلد ـ يعني التي تَشقّه قليلا ـ ومنه قيل؛ حَرَص القصّارُ الثوب إذا شقّه؛ وقد يقال لها: الحَرْصَة أيضاً. ثم الباضِعة ـ وهي: التي تشق اللحم تَبْضَعه بعد الجِلد. ثم المتلاحِمة ـ وهي: التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السِّمْحاق. والسِّمْحاق: جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم. وقال الواقِديّ: هي عندنا ٱلملْطَى. وقال غيره: هي المِلْطَاة، قال: وهي التي جاء فيها الحديث: « حديث : يُقضَى في المِلْطَاة بِدمها » تفسير : . ثم المُوضِحة ـ وهي: التي تَكشِط عنها ذلك القِشر أو تشقّ حتى يبدو وضَحَ العظم، فتلك الموضِحة.. قال أبو عبيد: وليس في شيء من الشِّجَاج قصاص إلا في المُوضِحة خاصة؛ لأنه ليس منها شيء له حدّ ينتهي إليه سواها، وأما غيرها من الشِّجَاج ففيها ديتها. ثم الهاشِمة ـ وهي التي تَهشِم العظم. ثم المُنَقِّلة ـ بكسر القاف حكاه الجوهري ـ وهي التي تنقل العظم ـ أي تكسِره ـ حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء. ثم الآمَّة ـ ويقال لها المأمومة ـ وهي التي تبلغ أُمّ الرأس، يعني الدّماغ. قال أبو عبيد ويقال في قوله: « حديث : ويُقضَى في المِلْطَاة بدمها » تفسير : أنه إذا شَجَّ الشّاجُ حُكِم عليه للمشجوج بمبلغ الشَّجَّة ساعة شَجّ ولا يُستَأنى بها. قال: وسائر الشِّجَاج عندنا يُستَأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والأمر عندنا في الشّجاج كلها والجِراحات كلها أنه يُستَأنى بها؛ حدثنا هُشَيْم عن حُصَيْن قال قال عمر بن عبد العزيز: ما دون المُوضِحة خُدُوش وفيها صلح. وقال الحسن البصريّ: ليس فيما دون المُوضِحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما دون المُوضِحة المِلْطَى والدامِية والباضِعة وما أشبه ذلك؛ وكذلك قال الكوفيون وزادوا السِّمْحاق، حكاه ٱبن المنذر. وقال أبو عبيد: الدّامِية التي تَدْمَى من غير أن يسيل منها دم. والدّامِعة: أن يَسيل منها دم. وليس فيما دون المُوضِحة قصاص. وقال الجوهريّ: والدّامية الشَّجَّة التي تَدْمَى ولا تَسيل. وقال علماؤنا: الدّامية هي التي تُسيل الدم. ولا قصاص فيما بعد الموضِحة، من الهاشِمة للعظم، والمُنَقِّلة ـ على خلاف فيها خاصة ـ والآمّة هي البالغة إلى أُمّ الرأس، والدّامِغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي هاشِمة الجسد القصاص، إلا ما هو مَخُوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ٱبن القاسم: لا قَوَد فيها؛ لأنها لا بد تعود مُنَقِّلة. وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنقل فتصير مُنَقِّلة لا قَوَد فيها. وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى المفاصل أبعاض المارِن والأذنين والذكر والأجفان والشفّتين؛ لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان مُتْلِفاً كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذِ وشبهه. وفي كسر عظام العضد القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يُكسَر فخذُه؛ وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بمكة. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله؛ وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا وقال: إنه الأمر المجمع عليه عندهم، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فيكسرها يقاد منه. الخامسة والعشرون ـ قال العلماء: الشِّجَاج في الرأس، والجِراح في البدن. وأجمع أهل العلم على أن فيما دون المُوضِحة أرْشٌ فيما ذكر ٱبن المنذر؛ وٱختلفوا في ذلك الأرش. وما دون المُوضِحة شِجاج خمس: الدّامِية والدّامِعة والباضِعة والمتلاحِمة والسِّمْحاق؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدّامِية حكومة، وفي الباضِعة حكومة، وفي المتلاحِمة حكومة. وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال: في الدّامِية بعِير، وفي الباضِعة بعِيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعِرة من الإبل، وفي السِّمْحَاق أربع، وفي المُوضِحة خمس، وفي الهاشِمة عشر، وفي المُنَقِّلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يَغُنّ ولا يُفْهِم الدّية كاملة، أو حتى يبّح ولا يُفْهِم الدِّية كاملة، وفي جَفْن العين ربع الدِّية. وفي حَلَمة الثدي ربع الدِّية. قال ٱبن المنذر: وروى عن عليّ في السِّمْحاق مثل قول زيد. وروى عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف المُوضِحة. وقال الحسن البصريّ وعمر بن عبد العزيز والنَّخَعيّ فيها حكومة؛ وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. ولا يختلف العلماء أن المُوضِحة فيها خمس من الإبل؛ على ما في حديث عمرو بن حزم، وفيه: «وفي المُوضِحة خمس» وأجمع أهل العلم على أن المُوضِحة تكون في الرأس والوجه. واختلفوا في تفضيل مُوضِحة الوجه على مُوضِحة الرأس؛ فروِي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء. وقال بقولهما جماعة من التابعين؛ وبه يقول الشافعي وإسحاق. وروى عن سعيد بن المسيّب تضعيف مُوضِحة الوجه على مُوضِحة الرأس. وقال أحمد: مُوضِحة الوجه أَحْرَى أن يزاد فيها. وقال مالك: المأمومة والمنقِّلة والمُوضِحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدّماغ، قال: والمُوضِحة ما تكون في جُمْجُمة الرأس، وما دونها فهو من العنق ليس فيه مُوضحة. قال مالك: والأنف ليس من الرأس وليس فيه مُوضحة، وكذلك اللَّحْيُ الأسفل ليس فيه مُوضِحة. وقد ٱختلفوا في المُوضِحة في غير الرأس والوجه؛ فقال أشهب وٱبن القاسم: ليس في مُوضِحة الجسد ومنقّلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أَرْشٌ معلوم. قال ٱبن المنذِر: هذا قول مالك والثوريّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وروِي عن عطاء الخراسانيّ أن المُوضِحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس وعشرون ديناراً. قال أبو عمر: وٱتفق مالك والشافعيّ وأصحابهما أن من شَجّ رجلاً مأمومتين أو مُوضِحتين أو ثلاث مأمومات أو مُوضِحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن ـ وإن انخرقت فصارت واحدة ـ دية كاملة. وأما الهاشِمة فلا دِية فيها عندنا بل حكومة. قال ٱبن المنذِر: ولم أجِد في كتب المدنيين ذِكر الهاشِمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد. وكان الحسن البصريّ لا يوقّت في الهاشِمة شيئاً. وقال أبو ثور: إن ٱختلفوا فيه ففيها حكومة. قال ٱبن المنذر: النظر يدل على هذا؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع. وقال القاضي أبو الوليد الباجِي: فيها ما في المُوضِحة؛ فإن صارت مُنَقِّلة فخمسة عشر، وإن صارت مأمومة فثلث الدِّية. قال ابن المنذِر: ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشِمة عشراً من الإبل. وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت؛ وبه قال قَتَادة وعبيد الله بن الحسن والشافعيّ. وقال الثوريّ وأصحاب الرأي: فيها ألف دِرهم، ومرادهم عشر الدِّية. وأما المنقّلة فقال ٱبن المنذِر: جاء الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : في المنقلة خمس عشرة عن الإبل » تفسير : وأجمع أهل العلم على القول به. قال ابن المنذِر: وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام. وقال مالك والشافعيّ وأحمد وأصحاب الرأي ـ وهو قول قَتَادة وابن شُبْرُمة ـ أنّ المنقّلة لا قَوَد فيها؛ وروينا عن ٱبن الزبير ـ وليس بثابت عنه ـ أنه أقاد من المنقِّلة. قال ٱبن المنذر: والأوّل أولى؛ لأني لا أعلم أحداً خالف في ذلك. وأما المأمومة فقال ٱبن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : في المأمومة ثلث الدِّية » تفسير : . وأجمع عوام أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحداً خالف ذلك إلا مكحولاً فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمداً ففيها ثلثاً الدِّية، وإذا كانت خطأ ففيها ثلث الدِّية؛ وهذا قول شاذّ، وبالقول الأول أقول. واختلفوا في القَوَد من المأمومة؛ فقال كثير من أهل العلم: لا قَوَد فيها؛ وروي عن ٱبن الزبير أنه أَقَصَّ من المأمومة، فأنكر ذلك الناسُ. وقال عطاء: ما علمنا أحداً أقاد منها قبل ٱبن الزبير. وأما الجائِفة ففيها ثلث الدّية على حديث عمرو بن حزم؛ ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال: إذا كانت عمداً ففيها ثلثا الدِّية، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدِّية. والجائِفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة؛ فإن نفذت من جهتين فهي عندهم جائفتان، وفيها من الدِّية الثلثان. قال أشهب: وقد قضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من الجنب الآخر بدِية جائفتين. وقال عطاء ومالك والشافعيّ وأصحاب الرأي كلهم يقولون: لا قِصاص في الجائِفة. قال ٱبن المنذر: وبه نقول. السادسة والعشرون ـ واختلفوا في القَوَد من اللَّطْمَة وشبهها؛ فذكر البخاريّ عن أبي بكر وعليّ وٱبن الزبير وسُوَيْد بن مُقَرِّن رضي الله عنهم أنهم أقادوا من اللَّطْمة وشبهها. وروى عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك؛ وهو قول الشَّعْبيّ وجماعة من أهل الحديث. وقال الليث: إن كانت اللَّطمة في العين فلا قَوَد فيها؛ للخوف على العين ويعاقِبه السلطان. وإن كانت على الخدّ ففيها القَود. وقالت طائفة: لا قِصاص في اللَّطمة؛ روي هذا عن الحسن وقَتَادة، وهو قول مالك والكوفيين والشافعيّ؛ وٱحتج مالك في ذلك فقال: ليس لَطْمَةُ المريض الضعيف مثلَ لطمة القويّ، وليس العبد الأسود يُلطَم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة؛ وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللّطمة. السابعة والعشرون ـ وٱختلفوا في القَوَد من ضرب السوط؛ فقال الليث والحسن: يقاد منه، ويزاد عليه للتعدّي. وقال ٱبن القاسم: يقاد منه. ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعيّ إلا أن يجرح؛ قال الشافعيّ إن جرح السوط ففيه حكومة. وقال ٱبن المنذِر: وما أُصيب به من سوط أو عصا أو حجر فكان دون النفس فهو عمد، وفيه القَوَد؛ وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاريّ وأقاد عمر من ضربة بالدِّرَّة، وأقاد عليّ بن أبي طالب من ثلاثة أسواط. وٱقتص شُرَيْح من سوط وخُمُوش. وقال ٱبن بَطّال: وحديث لدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لأهل البيت حجة لمن جعل القَوَد في كل ألم وإن لم يكن جرح. الثامنة والعشرون ـ وٱختلفوا في عَقْل جراحات النساء؛ ففي «الموطأ» عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنه كان يقول: تُعاقِل المرأةُ الرجلَ إلى ثلث دية الرجل، إصبعها كإصبعِه وسِنها كسنه، ومُوضِحتها كموضِحته، ومُنَقِّلتها كمنقِّلته. قال ٱبن بُكَير قال مالك: فإذا بلغت ثلث دِية الرجل كانت على النصف من دِية الرجل. قال ٱبن المنذر: روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيّب وعمر بن عبد العزيز وعُرْوة بن الزبير والزهري وقَتَادة وٱبن هُرْمُز ومالك وأحمد بن حَنْبل وعبد الملك بن الماجِشُون. وقالت طائفة: دِية المرأة على النّصف من دية الرجل فيما قلّ أو كثر؛ روينا هذا القول عن عليّ بن أبي طالب، وبه قال الثوريّ والشافعيّ وأبو ثور والنعمان وصاحباه واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدّية كان القليل مثله، وبه نقول. التاسعة والعشرون ـ قال القاضي عبد الوهاب: وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصلاً ففيه حكومة؛ كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي الرجل وأليته. وصفة الحكومة أن يُقوَّم المجنى عليه لو كان عبداً سليماً، ثم يُقوَّم مع الجناية فما نقص من ثمنه جعل جزءاً من ديته بالغاً ما بلغ، وحكاه ٱبن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم؛ قال: ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة. وقيل: بل يقبل قول عدل واحد. والله سبحانه أعلم. فهذه جُمَل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية، فيها لمن ٱقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية بمنه وكرمه. الموفيه ثلاثين ـ قوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} شرط وجوابه؛ أي تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدّق. وقيل: هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وأجر المتصدق عليه. وقد ذكر ٱبن عباس القولين؛ وعلى الأوّل أكثر الصحابة ومن بعدهم، وروى الثاني عن ٱبن عباس ومجاهد، وعن إبراهيم النَّخَعيّ والشَّعْبيّ بخلاف عنهما؛ والأوّل أظهر لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور، وهو «مَنْ». وعن أبي الدَّرْدَاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلاّ رفعه الله به درجة وحَطّ عنه به خطيئة » تفسير : . قال ٱبن العربي: والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل؛ فلا معنى له.

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً مما وبخت به اليهود، وقرعوا عليه؛ فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمداً وعناداً، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار، ولهذا قال هناك: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً، وقال ههنا: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدوا على بعضهم بعضاً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد، عن علي بن يزيد أخي يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} نصب النفس ورفع العين، وكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن المبارك، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال البخاري: تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث، وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقرراً، ولم ينسخ؛ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي، وأكثر الأصحاب بهذه الآية؛ حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة، رواه ابن أبي حاتم. وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، نقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالاً عن الشافعي، وأكثر الأصحاب، ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم. وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ رحمه الله في كتابه «الشامل»، إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة؛ بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو ابن حزم: «حديث : أن الرجل يقتل بالمرأة»تفسير : ، وفي الحديث الآخر: «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم»تفسير : ، وهذا قول جمهور العلماء، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة، لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في رواية، وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان البتي، ورواية عن أحمد: أن الرجل إذا قتل المرأة، لا يقتل بها، بل تجب ديتها، وهكذا احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقتل مسلم بكافر» تفسير : وأما العبد، ففيه عن السلف آثار متعددة؛ أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حراً بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم، إلا بدليل مخصص للآية الكريمة. ويؤيد ماقاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا حميد عن أنس بن مالك: أن الربيع عمة أنس، كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : القصاص»تفسير : ، فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أنس كتاب الله القصاص» تفسير : قال: فقال: لا، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة، قال: فرضي القوم، فعفوا، وتركوا القصاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من عباد الله من لو أقسم على الله، لأبره» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه، عن حميد، عن أنس بن مالك: أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية، فكسرت ثنيتها، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا، فطلبوا الأرش والعفو، فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أنس كتاب الله القصاص» تفسير : فعفا القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من عباد الله من لو أقسم على الله، لأبره» تفسير : رواه البخاري عن الأنصاري بنحوه. وروى أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين أن غلاماً لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا أناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئاً، وكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به. وهذا إسناد قوي، رجاله كلهم ثقات، وهو حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ، فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء، أو استعفاهم عنه. وقوله تعالى: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم؛ رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمداً، في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد؛ رجالهم ونساؤهم، فيما بينهم، إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. قاعدة مهمة الجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع؛ كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك، وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل، بل في عظم، فقال مالك رحمه الله: فيه القصاص، إلا في الفخذ وشبهها؛ لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام، إلا في السن. وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقاً، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وبه يقول عطاء والشعبي والحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بحديث الربيع بنت النضر على مذهبه: أنه لا قصاص في عظم، إلا في السن، وحديث الربيع لا حجة فيه؛ لأنه ورد بلفظ: كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر، فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة مما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله، أريد القصاص، فقال: خذ الدية، بارك الله لك فيها، ولم يقض له بالقصاص، وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قُرَّان العكلي ضعيف، أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف، أعرابي أيضاً، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة، ثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقدني، فقال: «حديث : حتى تبرأ»تفسير : ، ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده، فقال: يا رسول الله، عرجت، فقال: «حديث : قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك» تفسير : ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه، تفرد به أحمد. (مسألة) فلو اقتص المجني عليه من الجاني، فمات من القصاص، فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص. وقال عامر الشعبي وعطاء وطاوس وعمر بن دينار والحارث العكلي وابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان، والزهري والثوري: تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله. وقوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} يقول: فمن عفا، وتصدق عليه، فهو كفارة للمطلوب، وأجر للطالب. وقال سفيان الثوري: عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: فمن تصدق به، فهو كفارة للجارح، وأجر المجروح على الله عز وجل، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن ومجاهد، وإبراهيم في أحد قوليه، وعامر الشعبي، وجابر بن زيد، نحو ذلك. (الوجه الثاني): ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن زاذان، حدثنا حرمي، يعني: ابن عمارة، حدثنا شعبة عن عمارة، يعني: ابن أبي حفصة، عن رجل، عن جابر بن عبد الله في قول الله عز وجل {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال: للمجروح، وروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي في أحد قوليه وأبي إسحاق الهمداني نحو ذلك، وروى ابن جرير عن عامر الشعبي وقتادة مثله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قيس، يعني: ابن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يحدث عن الهيثم ابن العريان النخعي، قال: رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية أحمر شبيهاً بالموالي، فسألته عن قول الله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به، وهكذا رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم، وكذا رواه ابن جرير من طريق سفيان وشعبة. وقال ابن مردويه: حدثني محمد بن علي، حدثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا معلى، يعني: ابن هلال: أنه سمع أبان بن ثعلب عن العريان بن الهيثم ابن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، عن أبان بن ثعلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال: «حديث : هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو يجرح في بدنه، فيعفو عن ذلك قال: فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك»تفسير : . ثم قال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: دفع رجل من قريش رجلاً من الأنصار، فاندقت ثنيته، فرفعه الأنصاري إلى معاوية، فلما ألح عليه الرجل، قال: شأنك وصاحبك، قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «حديث : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه، إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة» تفسير : فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فخلى سبيل القرشي، فقال معاوية: مروا له بمال، هكذا رواه ابن جرير. ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: إنا سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطيئة» تفسير : فقال الأنصاري: فإني قد عفوت. وهكذا رواه الترمذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجه من حديث وكيع، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعاً من أبي الدرداء. وقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان عن عمران بن ظبيان، عن عدي بن ثابت: أن رجلاً أهتم فمه رجل على عهد معاوية رضي الله عنه، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين، فأبى، فأعطي ثلاثاً، فأبى، فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من تصدق بدم فما دونه، فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا سريح بن النعمان، حدثنا هشيم عن المغيرة، عن الشعبي: أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «حديث : ما من رجل يجرح من جسده جراحة، فيتصدق بها، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به» تفسير : ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، ورواه ابن جرير عن محمود بن خداش، عن هشيم، كلاهما عن المغيرة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد، عن عامر، عن المحرر بن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أصيب بشيء من جسده، فتركه لله، كان كفارة له»تفسير : . وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَتَبْنَا } فرضنا {عَلَيْهِمْ فِيهَا } أي التوراة {أَنَّ ٱلنَّفْسَ } تقتل {بِٱلنَّفْسِ } إذا قتلتها {وَٱلْعَيْنَ } تفقأ {بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ } يُجدع {بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ } تقطع {بِٱلأُذُنِ وَٱلسّنَّ } تقلع {بِٱلسِنّ } وفي قراءة بالرفع في الأربعة {وَٱلْجُرُوحَ } بالوجهين [والجروحَ، والجروحُ] {قِصَاصٌ } أي يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذَكَرِ ونحو ذلك وما لا يمكن فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرّر في شرعنا {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ } أي بالقصاص بأن مكَّن من نفسه {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } لما أتاه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } في القصاص وغيره {فَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَكَتَبْنَا } معطوف على أنزلنا التوراة، ومعناها فرضنا، بين الله سبحانه في هذه الآية ما فرضه على بني إسرائيل: من القصاص في النفس، والعين، والأنف، والأذن، والسنّ، والجروح. وقد استدلّ أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا: إنه يقتل المسلم بالذميّ لأنه نفس. وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع لنا. وقد قدّمنا في البقرة في شرح قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى }تفسير : [البقرة: 178] ما فيه كفاية. وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا هل يلزمنا أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ، وهو الحق. وقد ذكر ابن الصباغ في الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه. قال ابن كثير في تفسيره: وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة انتهى. وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا على المنتقى، وفي هذه الآية توبيخ لليهود وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة كما حكاه هنا، ويفاضلون بين الأنفس كما سبق بيانه، وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني قريظة، ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير. قوله: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ } قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالنصب أيضاً في الكل إلا في الجروح فبالرفع. وقرأ الكسائي، وأبو عبيد بالرفع في الجميع عطفاً على المحل؛ لأن النفس قبل دخول الحرف الناصب عليها كانت مرفوعة على الابتداء. وقال الزجاج: يكون عطفاً على المضمر في النفس؛ لأن التقدير: إن النفس هي مأخوذة بالنفس، فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام يتضمن بيان الحكم للمسلمين. والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها، والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها، والأذن إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السنّ؛ فأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين، أو ببعض الأنف، أو ببعض الأذن، أو ببعض السنّ، فليس في هذه الآية ما يدلّ على ثبوت القصاص. وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته، وكلامهم مدوّن في كتب الفروع. والظاهر من قوله: {وَٱلسّنَّ بِٱلسِنّ } أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات، وأنه يؤخذ بعضها ببعض؛ ولا فضل لبعضها على بعض. وإليه ذهب أكثر أهل العلم، كما قال ابن المنذر، وخالف في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه، وكلامهم مدوّن في مواطنه، ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسنّ المأخوذة من المجنيّ عليه، فإن كانت ذاهبة فما يليها. قوله: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي ذوات قصاص. وقد ذكر أهل العلم أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف، ولا فيما كان لا يعرف مقداره عمقاً أو طولاً أو عرضاً. وقد قدّر أئمة الفقه أرش كل جراحة بمقادير معلومة، وليس هذا موضع بيان كلامهم، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدّر. قوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } أي: من تصدّق من المستحقين للقصاص بالقصاص، بأن عفا عن الجاني فهو كفارة للمتصدّق يكفر الله عنه بها ذنوبه. وقيل إن المعنى: فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة، لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه. والأوّل أرجح، لأن الضمير يعود على هذا التفسير الآخر إلى غير مذكور. قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُون} ضمير الفصل مع اسم الإشارة، وتعريف الخبر يستفاد منها أن هذا الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية. قوله: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِعَيسَى ٱبْنَ مَرْيَم} هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة، أي جعلنا عيسى ابن مريم يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل، يقال قفيته مثل عقبته إذا اتبعته؛ ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به فيتعدى إلى الثاني بالباء، والمفعول الأول محذوف استغناء عنه بالظرف، وهو على آثارهم؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، وانتصاب {مُصَدّقاً} على الحال من عيسى {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيل} عطف على قفينا، ومحل الجملة أعني: {فِيهِ هُدًى} النصب على الحال من الإنجيل و{نُورٌ} عطف على هدى. وقوله: {وَمُصَدّقًا } معطوف على محل {فِيهِ هُدًى } أي: أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه مشتملاً على الهدى والنور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة؛ وقيل إن مصدّقاً معطوف على مصدّقاً الأوّل، فيكون حالا من عيسى مؤكداً للحال الأول ومقرّراً له. والأوّل أولى؛ لأن التأسيس خير من التأكيد. قوله: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } عطف على مصدّقاً داخل تحت حكمه منضماً إليه: أي مصدقاً وهادياً وواعظاً للمتقين. قوله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } هذا أمر لأهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه، فإنه قبل البعثة المحمدية حق، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة. وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من يحكم على أن اللام لام كي، وقرأ الباقون بالجزم على أن اللام للأمر. فعلى القراءة الأولى، تكون اللام متعلقة بقوله: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه، وعلى القراءة الثانية: هو كلام مستأنف. قال مكي: والاختيار بالجزم، لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدلّ على أنه إلزام من الله لأهل الإنجيل. وقال النحاس: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان؛ لأن الله سبحانه لم ينزل كتاباً إلا ليعمل بما فيه. قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب القرآن والتعريف للعهد، و{بِٱلْحَقّ } متعلق بمحذوف وقع حالاً: أي متلبساً بالحق؛ وقيل هو حال من فاعل أنزلنا؛ وقيل من ضمير النبي صلى الله عليه وسلم و{مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } حال من الكتاب، والتعريف في الكتاب أعني قوله: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } للجنس: أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبساً بالحق وحال كونه مصدّقاً لما بين يديه من كتب الله المنزلة؛ لكونه مشتملاً على الدعوة إلى الله، والأمر بالخير، والنهي عن الشرّ، كما اشتمل عليه قوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } عطف على مصدّقاً، والضمير في عليه عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه، والمهيمن الرقيب؛ وقيل الغالب المرتفع؛ وقيل الشاهد: وقيل الحافظ؛ وقيل المؤتمن. قال المبرد: أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء هرقت، وبه قال الزجاج وأبو عليّ الفارسي. وقال الجوهري: هو من أمن غيره من الخوف، وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما، فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء، كما قالوا هراق الماء وأراقه، يقال هيمن على الشيء يهيمن: إذا كان له حافظاً، فهو له مهيمن كذا عن أبي عبيد. وقرأ مجاهد وابن محيصن: «مهيمنا عليه» بفتح الميم، أي: هيمن عليه الله سبحانه. والمعنى على قراءة الجمهور: أن القرآن صار شاهداً بصحة الكتب المنزلة ومقرّراً لما فيها مما لم ينسخ، وناسخاً لما خالفه منها، ورقيباً عليها وحافظاً لما فيها من أصول الشرائع، وغالباً لها لكونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ، ومؤتمناً عليها لكونه مشتملاً على ما هو معمول به منها وما هو متروك. قوله: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } أي: بما أنزله إليك في القرآن؛ لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } أي: أهواء أهل الملل السابقة. وقوله: {عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ } متعلق بلا تتبع على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف {عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ } متبعاً لأهوائهم؛ وقيل متعلق بمحذوف: أي لا تتبع أهواءهم عادلاً أو منحرفاً عن الحق. وفيه النهي له صلى الله عليه وسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب، ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه، وما أدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلاً منسوخاً أو محرّفاً عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب الله. قوله: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } الشرعة والشريعة في الأصل: الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى الماء، ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين. والمنهاج: الطريقة الواضحة البينة. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الشريعة: ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر. ومعنى الآية: أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } بشريعة واحدة وكتاب واحد ورسول واحد {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَكُمْ } أي ولكن لم يشأ ذلك الاتحاد، بل شاء الابتلاء لكم باختلاف الشرائع، فيكون {لِيَبْلُوَكُمْ } متعلقاً بمحذوف دلّ عليه سياق الكلام وهو ما ذكرنا، ومعنى: {فِيمَا ءاتَـٰكُمُ } فيما أنزله عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والرسل هل تعملون بذلك وتذعنون له، أو تتركونه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته، وتميلون إلى الهوى وتشترون الضلالة بالهدى؟ وفيه دليل على أن اختلاف الشرائع هو لهذه العلة، أعني الابتلاء والامتحان، لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص. قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي: إذا كانت المشيئة قد قضت باختلاف الشرائع فاستبقوا إلى فعل ما أمرتم بفعله وترك ما أمرتم بتركه. والاستباق: المسارعة {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } لا إلى غيره وهذه الجملة كالعلة لما قبلها. قوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } عطف على الكتاب: أي أنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه. وقد استدلّ بهذا على نسخ التخيير المتقدّم في قوله: {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } وقد تقدم تفسير {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ }. قوله: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } أي: يضلوك عنه ويصرفوك بسبب أهوائهم التي يريدون منك أن تعمل عليها وتؤثرها {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } أي إن أعرضوا عن قبول حكمك بما أنزل الله عليك، فذلك لما أراده الله من تعذيبهم ببعض ذنوبهم وهو ذنب التولي عنك، والإعراض عما جئت به {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ } متمرّدون عن قبول الحق خارجون عن الإنصاف. قوله: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر كما في نظائره. والمعنى: أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك ويتولون عنه ويبتغون حكم الجاهلية، والاستفهام في {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للإنكار أيضاً: أي: لا أحسن من حكم الله عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والأهواء. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس {كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } في التوراة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه، قال: كتب عليهم هذا في التوراة، وكانوا يقتلون الحرّ بالعبد، فيقولون كتب علينا أن النفس بالنفس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر في قوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدّق به. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } قال: للمجروح. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدّق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة.»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } قال: مؤتمناً عليه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه قال: المهيمن الأمين، والقرآن أمين على كل كتاب قبله. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه عنه في قوله: {شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } قال: سبيلاً وسنة. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا أن نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك، وأنزل الله فيهم: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } إلى قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } قال: يهود. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: هذا في قتيل اليهود.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} الآية. نزلت في اليهود من بني قريظة والنضير، وقد ذكرنا قصتهما. ثم قال تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} فيه قولان: أحدهما: أنه كفارة للجروح، وهو قول عبد الله بن عمر، وإبراهيم، والحسن، والشعبي، روى الشعبي عن ابن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ ". تفسير : والثاني: أنه كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وهذا محمول على من عفى عنه بعد توبته.

ابن عطية

تفسير : "الكتب" في هذه الآية هو حقيقة كتب في الألواح، وهو بالمعنى كتب فرض وإلزام، والضمير في {عليهم} لبني إسرائيل وفي {فيها} للتوراة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {أن النفس بالنفس} بنصب النفس على اسم {أن} وعطف ما بعد ذلك منصوباً على {النفس} ويرفعون "والجروحُ قصاص" على أنها جملة مقطوعة. وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب ذلك كله. و {قصاص} خبر {أن} وروى الواقدي عن نافع أنه رفع "والجروحُ" وقرأ الكسائي "أن النفسَ بالنفس" نصباً ورفع ما بعد ذلك، فمن نصب "والعينَ" جعل عطف الواو مشركاً في عمل "أن" ولم يقطع الكلام مما قبله. ومن رفع " والعينُ " فيتمثل ذلك من الأعراب أن يكون قطع مما قبل، وصار عطف الواو عطف جملة كلام لا عطف تشريك في عامل، ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على المعنى لأن المعنى لأن معنى قوله: {وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس} قلنا لهم النفس بالنفس, ومثله لما كان المعنى في قوله تعالى: {أية : يطاف عليهم بكأس من معين} تفسير : [الصافات:45] يمنحون كأساً من معين عطف وحوراً عيناً على ذلك، ويحتمل أن يعطف قوله {والعين} على الذكر المستتر في الطرق الذي هو الخبر وإن لم يؤكد المعطوف عليه بالضمير المنفصل كما أكد في قوله تعالى: {أية : إنه يراكم هو قبيلة من حيث لا ترونهم} تفسير : [الأعراف:27] وقد جاء مثله غير مؤكد في قوله تعالى: {أية : ما أشركنا ولا آباؤنا} تفسير : [الأنعام:148]. قال القاضي أبو محمد: ولسيبويه رحمه الله في هذه الآية أن العطف ساغ دون توكيد بضمير منفصل لأن الكلام طال بـ {لا} في قوله: {ولا آباؤنا} فكانت {لا} عوضاً من التوكيد كما طال الكلام في قولهم حضر القاضي اليوم امرأة، قال ابو علي: وهذا إنما يستقيم أن يكون عوضاً إذا وقع قبل حرف العطف فهناك يكون عوضاً من الضمير الواقع قبل حرف العطف، فأما إذا وقع بعد حرف العطف فلا يسد مسد الضمير، ألا ترى أنك قلت حضر امرأة القاضي اليوم لم يغن طول الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه. قال القاضي أبو محمد: وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي وإن كان الطول قبل حرف العطف أتم فإنه بعد حرف العطف مؤثر لا سيما في هذه الآية، لأن {لا} ربطت المعنى إذ قد تقدمها نفي ونفت هي أيضاً عن الآباء فتمكن العطف، قال أبو علي ومن رفع "والجروحُ قصاص" فقطعه مما قبله فإن ذلك يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي احتملها رفع والعين، ويجوز أن يستأنف والجروح ليس على أنه مما كتب عليهم في التوراة، لكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة. ويقوي أنه من المكتوب عليهم نصب من نصبه. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ "أنْ النفسُ بالنفس" بتخفيف "أن" ورفع "النفسُ" ثم رفع ما بعدها إلى آخر الآية. وقرأ أبيّ بن كعب بنصب "النفس" وما بعدها ثم قرأ: "وأن الجروح قصاص" بزيادة "أن" الخفيفة ورفع "الجروحُ". ومعنى هذه الآية الخبر بأن الله تعالى كتب فرضاً على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه. ومضى عليه إجماع الناس، وذهب قوم من العلماء إلى تعميم قوله: {النفس بالنفس} فقتلوا الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والجمهور على أنه عموم يراد به الخصوص في المتماثلين. وهذا مذهب مالك وفيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقتل مسلم بكافر" تفسير : وقال ابن عباس رضي الله عنه: رخص الله لهذه الأمة ووسع عليها بالدية ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما نزل على موسى وكتب عليهم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذه الآية بيان لفساد فعل بني إسرائيل في تعزر بعضهم على بعض وكون بني النضير على الضعف في الدية من بني قريظة أو على أن لا يقاد بينهم بل يقنع بالدية، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية وأعلم أنهم حالفوا كتابهم، وحكى الطبري عن ابن عباس: كان بين حيين من الأنصار قتال فصارت بينهم قتلى وكان لأحدهما طول على الآخر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الحر بالحر والعبد بالعبد. قال الثوري: وبلغني عن ابن عباس أنه قال ثم نسختها {النفس بالنفس}. قال القاضي أبو محمد: وكذلك قوله تعالى: {والجروح قصاص} هو عموم يراد به الخصوص في جراح القود، وهي التي لا يخاف منها على النفس، فأما ما خيف منه كالمأمومة وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها. و"القصاص" مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه. فكأن الجاني يقتص أثره ويتبع فيما سنه فيقتل كما قتل، وقوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون "من" للجروح أو ولي القتيل. ويعود الضمير في قوله: {له} عليه أيضاً، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة، وذكر مكي حديثاً من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما عفا من الدية والله أعلم. وقال به أيضاً قتادة والحسن، والمعنى الثاني أن تكون "من" للجروح أو ولي القتيل، والضمير في {له} يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه: فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في {له} يعود عليه أيضاً، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى الاحتجاج بأن مجاهداً قال إذا أصاب رجل رجلاً ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير. فإن كان بعينك بأس فإنها بها. قال القاضي أبو محمد: وانظر أن {تصدق} على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوماً تأولوا الآية أن المعنى {والجروح قصاص} فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل قلق. وقد تقدم القول على قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} الآية. وفي مصحف أبيّ بن كعب "ومن يتصدق به فإنه كفارة له".

ابن عبد السلام

تفسير : {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} نزلت في القرظي والنضيري قتل أحدهما الآخر. {كَفَّارَةٌ} للمجروح، قال الرسول صلى الله عليه وسلم " حديث : من جرح في جسده جراحة فتصدّق بها كفّر عنه من ذنوبه بمثل ما تصدّق به"تفسير : أو للجارح لقيامه مقام أخذ الحق، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} يعني: وفرضنا على بني اسرائيل فى التوراة أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاقاً فيقتل به وذلك أن الله تعالى حكم فى التوراة أن على الزاني المحصن الرجم وأخبر أن اليهود بدّلوه وغيروه وأخبر أيضاً أن فى التوراة أن النفس بالنفس وأن هؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم وبدلوه ففضلوا بني النضير على بني قريظة فكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا إليهم نصف الدية وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة فغيروا حكم الله الذي أنزل فى التوراة. قال ابن عباس: أخبر الله بحكمه فى التوراة وهو أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص. قال: فما لهم يخالفون فيقتلون النفسين بالنفس ويفقأون العينين بالعين. ومعنى الآية: أن قاتل النفس يقتل بها إذا تكافأ الدمان ومذهب الشافعي: أنه لا يقتل مسلم بكافر لما صح من حديث علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقتل مسلم بكافر"تفسير : الحديث أخرجاه فى الصحيحين وقوله تعالى: {والعين بالعين} يعني تفقأ بها {والأنف بألأنف} يعني يجدع به {والأذن بالأذن} يعني تقطع بها {والسن بالسن} يعني تقلع بها وأما سائر الأطراف والأعضاء فيجري فيها القصاص كذلك، وقوله تعالى: {والجروح قصاص} يعني فيما يمكن أن يقتص منه وهذا تعميم بعد التخصيص، لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن فخص هذه الأربعة بالذكر ثم قال تعالى: والجروح قصاص، على سبيل العموم فيما يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل والذكر والانثيين وغيرها وأما مالا يمكن القصاص فيه كرضّ في لحم أو كسر فى عظم أو جراحة فى بطن يخاف منها التلف فلا قصاص فى ذلك وفيه الأرش والحكومة. واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا الحكم كان شرعاً فى التوراة فمن قال شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه بالتفصيل قال هذه الآية حجة فى شرعنا ومن أنكره قال إنها ليست بحجة علينا وأصل هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بعد البعثة هل هم متعبدون بشرع من تقدم من الأنبياء عليهم السلام؟ فنقل عن أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وعن أحمد فى أحد الروايتين عنه أنه كان متعبداً بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها واختار ابن الحاجب من المتأخرين هذا المذهب وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان بعد البعثة متعبداً بشرع من قبله فيما لم ينسخ من الأحكام الباقية قبل شريعته لكنه لم يعتبر فيه قيد الوحي وهو الحق وإلا لم يبق للنزاع معنى إذ لا ينكر أحدا كون النبي صلى الله عليه وسلم متعبداً بعد البعثة بما أوحى إليه سواء كان من شريعة من قبله أم لا وذهبت الأشاعرة والمعتزلة إلى المنع من ذلك وهو اختيار الآمدي من المتأخرين واحتج الأولون لصحة مذهبهم بأن الإجماع منعقد على صحة الاستدلال بقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية مع أنه من شريعة من تقدم لأنه مذكور في التوراة. ومكتوب على بني إسرائيل: ولولا أنا متعبدون بشريعة من قبلنا لما صح هذا الاستدلال، وقوله تعالى: {فمن تصدق به} يعني بالقصاص فلم يقتص من الجاني {فهو كفارة له} فى هاء له قولان: أحدهما أن الهاء فى له كناية عن المجروح وولي المقتول وذلك أن المجروح أو ولي المقتول إذا تصدق بالقصاص كان ذلك كفارة لذنوبه وهذا قول ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن ويدل عليه ما روي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما من رجل يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة"تفسير : أخرجه الترمذي. وعن أنس قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو أخرجه أبو داود والنسائي". والقول الثاني: أن الضمير فى قوله له يعود إلى الجارح والقاتل يعني أن المجني عليه إذا عفا عن الجاني كان ذلك العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به فى الآخرة وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل كما أن القصاص كفارة له فأما أجر العافي، فعلى الله تعالى. وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}: يعني لأنفسهم حيث لم يحكموا بما أنزل الله عز وجل.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...} الآية، أي: وكتبنا علَىٰ بني إسرائيل في التوراة، ومعنى هذه الآية: الخَبَرُ بأن اللَّه تعالَىٰ كتَبَ فرضاً علَىٰ بني إسرائيل؛ أنه مَنْ قَتَل نفساً، فيجب في ذلك أخْذُ نفسه، ثم هذه الأعضاءُ المذكورةُ كذلك، ثم ٱستمرَّ هذا الحكم في هذه الأُمَّة بما عُلِمَ من شرع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: «ورخَّص اللَّه لهذه الأُمَّة، ووسَّع لها بالدِّيَة، ولم يجعلْ لبني إسرائيل ديةً فيما نَزَّل على موسَىٰ، والجمهور {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}: عمومٌ يراد به الخصوصُ في المتماثلين؛ كما ورد في الحديث، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»تفسير : ، وكذلك قوله سبحانه: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}: عمومٌ يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ علَىٰ هذه المعانيِ. قال * ص *: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، أيْ: ذاتُ قصاصٍ. انتهى. وقوله سبحانه: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجْره بذلك، قاله ابن عمر وغيره، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: وهو قوله: صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً»تفسير : ، رواه الترمذيُّ. انتهى. وقيل: المعنَىٰ: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ؛ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالَىٰ؛ قاله ابن عبَّاس وغيره. وقيل: المعنَىٰ: إذَا جَنَىٰ جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني؛ بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه؛ فذلك الفعْلُ كفَّارة لذنبه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. أي كتبنا عليهم في التوراة حكم أنواع القصاص وهو أن حكم الزاني المحصن "الرجم" فغيَّروه وبدَّلوه، وبيَّن أيضاً في التوراة: أن النفس بالنفس فغيَّروا هذا الحكم ففضلوا بني النضير على بني قريظة، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير فهذا أوجه النظم، ومعنى "كتبنا" أي: فرضنا، وكان شر القصاص أو العفو، وما كان فيهم الدية والضمير في "عليهم" لـ "الذين هادوا". قوله تعالى: {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}: "أن" واسمها وخبرها في محل نصب على المفعولية بـ "كتبنا"، والتقدير: وكتبنا عليهم أخْذَ النفس بالنفس. وقرأ الكسائي "والعَيْنُ" وما عُطِفَ عليها بالرفع، وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب الجميع. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر بالنصب فيما عدا "الجُرُوح" فإنهم يرفعونها. فأما قراءة الكسائي فوجَّهَهَا أبو علي الفارسي بثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون "الواو" عاطفة جملة اسمية على جملة فعلية، فتعطف الجمل كما تعطف المفردات، يعني أن قوله: "والعين" مبتدأ، و"بالعين" خبره، وكذا ما بعدها، والجملة الاسمية عطف على الفعلية من قوله: "وَكَتَبْنَا" وعلى هذا فيكون ذلك ابتداء تشريع، وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة. قالوا: وليست مشركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ ولا في المعنى. وعَبَّرَ الزمخشري عن هذا الوجه بالاستئناف قال: "أو" للاستئناف، والمعنى: فرضنا عليهم أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها، إذا قتلها بغير حقٍّ، وكذلك العين مَفْقُودة بالعين، والأنف مَجْدُوع بالأنف، والأذن مَصْلُومة أو مقطوعة بالأذن والسِّنّ مقلوعة بالسن، والجُرُوح قصاص وهو المُقَاصَّة، وتقديره: أن النفس مأخوذة بالنفس، سبقه إليه الفارسي، إلا أنه قدر ذلك في جميع المجرورات، أي: والعين مأخوذة بالعين إلى آخره، والذي قدَّرَه الزمخشري مناسب جداً، فإنه قدر متعلَّق كل مجرور بما يناسبه، فالفَقْء للعين، والقَلْع للسن، والصَّلْمُ للأذن، والجَدْع للأنف، إلا أن أبا حيّان [كأنه] غضَّ منه حيث قدَّر الخبر الذي تعلَّق به المجرور كوناً مقيداً، والقاعدة في ذلك إنما يقدَّر كوناً مُطْلَقاً. قال: "وقال الحوفي: "بالنفس" يتعلّق بفعل محذوف تقديره: يجب أو يستقر، وكذا العين بالعين وما بعدها، فقدَّر الكون المطلق، والمعنى: يستقر قتلها بقتل النفس"، إلا أنه قال قبل ذلك: "وينبغي أن يُحْمَلَ قول الزمخشري على تفسير المعنى لا تفسير الإعراب" ثم قال: فقدَّر - يعني: الزمخشري - ما يقرب من الكون المطلق، وهو: "مأخوذ"، فإذا قلت: "بعت الشياه شاةً بدرهم"، فالمعنى: مأخوذة بدرهم، وكذلك الحر بالحر أي: مأخوذ. والوجه الثاني من توجيه الفارسيّ: أن تكون "الواو" عاطفة جملة اسمية على الجملة من قوله: {أن النفس بالنفس}. [لكن من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، فإن معنى "كتبنا عليهم أن النفس بالنفس" قلنا لهم: إن النفس بالنفس] فالجمل مندرجة تحت الكتب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ. وقال ابن عطية: "ويحتمل أن تكون "الواو" عاطفة على المعنى" وذكر ما تقدم، ثم قال: ومثله لما كان المعنى في قوله تعالى: {أية : يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} تفسير : [الصافات: 45] يُمْنَحُون عطف "وحوراً عيناً" عليه، فنظَّر هذه الآية بتلك لاشتراكهما في النظر إلى المعنى، دون اللفظ وهو حَسَنٌ. قال أبو حيان: وهذا من العطف على التوهم؛ إذ توهم في قوله: {أنَّ النفس بالنفس}: النفسُ بالنفسِ، وضعَّفه بأن العطف على التوهم لا ينقاس. والزمخشري نحا إلى هذا المعنى، ولكنه عبَّر بعبارة أخرى فقال: [الرفع للعطف] على محلِّ "أن النفس"؛ لأن المعنى: "وكتبنا عليهم النفسُ بالنفسِ"، إما لإجراء "كتبنا" "مجرى" قلنا، وإما أن معنى الجملة التي هي "النفس بالنفس" مما يقع عليه الكَتْبُ، كما تقع عليه القراءة تقول: كتبتُ: الحمدُ لله وقرأت: سُورةٌ أنزلناها، ولذلك قال الزَّجَّاج: "لو قرىء إن النفس بالنفس بالكسر لكان صحيحاً". قال أبو حيان: هذا الوجْهُ الثاني من توجيه أبي عليٍّ، إلا أنه خرج عن المصطلح، حيث جعله من العطف على المحل وليس منه، لأن العطف على المحلِّ هو العطف على الموضعِ، وهو محصور ليس هذا منه، ألا ترى أنا لا نقول: {أن النفس بالنفس} في محل رفع؛ لأن طالبه مفقود، بل "أن" وما في حيِّزهَا بتأويل مصدر لفظه وموضعه نَصبٌ؛ إذ التقدير: "كتبنا عليهم أخذ النفس"، قال شهاب الدين: والزمخشري لم يَعْنِ أن "أن" وما في حيِّزهَا في محل رفع، فعطف عليها المرفوع حتى يلزمه أبو حيان بأن لفظها ومحلَّها نصب، إنما عَنى أن اسمها محلُّه الرفع قبل دخولها، فراعَى العطف عليه كما راعاه في اسم "إن" المكسورة وهذا الرد ليس لأبي حيّان، بل سبقه إليه أبو البقاء، فأخذه منه. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون معطوفاً على "أنّ" وما عملت فيه في موضع نصب" انتهى. وليس بشيء لما تقدم. قال أبو شامة: فمعنى الحديث: قلنا لهم: النَّفْسُ بالنفسُ، فحمل "العين بالعين" على هذا، لأنَّ "أنَّ" لو حذفت لاستقام المعنى بحذفها كما استقام بثبوتها، وتكون "النفس" مرفوعة، فصارت "أن" هنا كـ "إن" المكسورة في أن حذفها لا يُخلُّ بالجملة، فجاز العَطْفُ على محل اسمها، كما يجوز على محلِّ اسم المكسورة، وقد حُمِلَ على ذلك: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} تفسير : [التوبة: 3]. قال ابن الحاجب: "ورسوله" بالرفع معطوف على اسم "أنَّ" وإن كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة، وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون. قال شهاب الدين: بلى قد نَبَّه النحويون على ذلك، واختلفوا فيه، فجوَّزه بعضهم، وهو الصحيحُ، وأكثر ما يكون ذلك بعد "علم" أو ما في معناه كقوله: [الوافر] شعر : 1969- وإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْ بُغَاةٌ ما بَقِينَا فِي شِقَاقِ تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 3] الآية؛ لأن "الأذان" بمعنى الإعلام. الوجه الثالث: أن "العين" عطف على الضمير المرفوع المستتر في الجار الواقع خبراً؛ إذ التقدير أنَّ النفس بالنفس هي والعينُ، وكذا ما بعدها، والجار والمجرور بعدها في محل نصب على الحال مبنيةً للمعنى؛ إذ المرفوع هنا مرفوع بالفاعلية لعطفه على الفاعل المستتر وضُعِّفَ هذا بأن هذه أحوال لازمة، والأصل أن تكون منتقلةً، وبأنه يلزم العَطْفُ على الضمير المرفوع المُتصل من غير فَصْلٍ بين المتعاطفين، ولا تأكيدٍ ولا فَصْلٍ بـ "لا" بعد حرف العطف كقوله: {أية : مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148] وهذا لا يجوز عند البصريين إلا ضرورةً. قال أبو البقاء: وجاز العطفُ من غير توكيد كقوله: {أية : مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148] قال شهاب الدين: قام الفصْل بـ "لا" بين حرف العطف، والمعطوف مقام التوكيد، فليس نظيره. وللفارسي بحث في قوله: {أية : مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148] مع سيبويه، فإن سيبويه يجعل طول الكلام بـ "لا" عوضاً عن التوكيد بالمنفصل، كما طال الكلام في قولهم: "حضر القاضِيَ اليومَ امرأةٌ". قال الفارسي: "هذا يستقيم إذا كان قبل حرف العطفِ، أما إذا وقع بعده فلا يَسُدُّ مسدَّ الضمير، ألا ترى أنك لو قلت: "حضر امرأة القاضي اليوم" لم يُغْنِ طُولُ الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه". قال ابن عطية: وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي، وإن كان الطول قبل حرف العطف أتَمَّ، فإنه بعد حرف العطف مؤثر، لا سيما في هذه الآية، لأن "لا" ربطت المعنى؛ إذ قد تقدمها نفي، ونفت هي أيضاً عن "الآباء" فيمكن العطف. واختار أبو عبيد قراءة رفع الجميع، وهي رواية الكسائي؛ لأن أنَساً - رضي الله عنه - رواها قراءة للنبي صلى الله عليه وسلم. وروى أنس عنه - عليه الصلاة والسلام - أيضاً "أن النَّفسُ بالنَّفسِ" بتخفيف "أنْ" ورفع "النفس"، وفيها تأويلان: أحدهما: أن تكون "أنْ" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف، و"النفس بالنفس" مبتدأ وخبر، في محل رفع خبراً لـ "أن" المخففة، كقوله: {أية : أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10] فيكون المعنى كمعنى المشدّدة. والثاني: أنها "أنْ" المفسرة؛ لأنها بعد مَا هو بمعنى القول لا حروفه وهو "كتبنا"، والتقدير: أي النفسُ بالنفس، ورُجِّح هذا على الأول بأنه يلزم من الأول وقوع المخففة بعد غير العلم، وهو قليل أو ممنوع، وقد يقال: إن "كتبنا" لمّا كان بمعنى "قضينا" قَرُبَ من أفعال اليَقينِ. وأما قراءة نافع ومن معه فالنَّصْبُ على اسم "أنَّ" لفظاً، وهي النفس، والجار بعده خبرُه. و"قصاصٌ" خبر "الجروح"، أي: وأن الجروح قصاص، وهذا من عطف الجُمَلِ، عطفت الاسم على الاسم، والخبر على الخبر، كقولك "إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً منطلق" عطفت "عمراً" على "زيداً"، و"منطلق" على "قائم"، ويكون الكَتْبُ شاملاً للجميع، إلاَّ أنَّ في كلام ابن عطية ما يقتضي أن يكون "قصاص" خبراً على المنصوبات أجمع، فإنه قال: وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب ذلك كلِّه، و"قصاص" خبرُ "أنَّ"، وهذا وإن كان يصدقُ أن أخْذَ النفس بالنفسِ والعين بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصاً بالجروح، وهو محل نظر. وأما قراءة أبي عمرو ومن معه، فالمنصوب كما تقدم في قراءة نافع، لكنهم لم ينصبوا "الجروح" قطعاً له عما قبله، وفيه أربعة أوجه: الثلاثة المذكورة في توجيه قراءة الكسائي، وقد تقدم إيضاحه. والرابع: أنه مبتدأ وخبره "قصاص"، يعني: أنه ابتداء تشريعٍ، وتعريف حكم جديد. قال أبو علي: "فأمّا "والجروح قصاص" [فمن رفعه يقْطَعُهُ عما قبله، فإنه يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في قراءة من رفع "والعين بالعين"، ويجوز أن يستأنف "والجروح قصاص"] ليس على أنه مما كُتب عليهم في التوراة، ولكنه على الاستئناف، وابتداء تشريع" انتهى. إلا أن أبا شامة قال - قبل أن يحكي عن الفارسي هذا الكلام -: "ولا يستقيم في رفع الجروح الوجه الثالث، وهو أنه عطف على الضمير الذي في خبر "النفس" وإن جاز فيما قبلها، وسَبَبُهُ استقامة المعنى في قولك: مأخوذة هي بالنفس، والعين هي مأخوذة بالعين، ولا يستقيم، والجروحُ مأخوذة قصاص، وهذا معنى قولي: لما خلا قوله: "الجروح قصاص" عن "الباء" في الخبر خالف الأسماءَ التي قبلها، فخولف بينهما في الإعراب". قال شهاب الدين: وهذا الذي قاله واضح، ولم يتنبه له كثير من المُعرِبين. وقال بعضهم: "إنما رُفِعَ "الجروح" ولم يُنْصَبْ تَبَعاً لما قبله فَرْقاً بين المجمل والمفسر". يعني أن قوله: "النَّفْسَ بالنفسِ، والعينَ بالعينِ" مفسّر غير مجمل، بخلاف "الجروح"، فإنها مجملة؛ إذ ليس كل جرح يجري فيه قصاصٌ؛ بل ما كان يعرف فيه المساواة، وأمكن ذلك فيه، على تفصيل معروف في كتب الفقه. وقال بعضهم: خُولِفَ في الإعراب لاختلاف الجراحات وتفاوتها، فإذن الاختلاف في ذلك كالخِلافِ المُشَارِ إليه، وهذان الوجهان لا معنى لهما، ولا ملازمة بين مُخَالَفَةِ الإعراب، ومخالفةِ الأحكام المُشَارِ إليها بوجهٍ من الوُجُوهِ، وإنما ذكرتها تنبيهاً على ضعفها. وقرأ نافع: "والأذْن بالأذْن" سواء كان مفرداً أم مثنى، كقوله: {كَأَنَّ فِي أُذْنَيْهِ وَقْراً} [لقمان: 7] بسكون الذال، وهو تخفيف للمضموم كـ "عُنْق" في "عُنُق" والباقون بضمهما، وهو الأصل، ولا بد من حذف مضاف في قوله: "والجروحُ قصاص": إمَّا من الأول، وإمَّا من الثاني، وسواء قُرىء برفعه أو بنصبه، تقديره: وحكم الجروح قصاص، أو: والجروح ذات قصاص. والقِصَاصُ: المقُاصَّةُ، وقد تقدم الكلام عليه في "البقرة" [الآية 178]. وقرأ أبيّ بنصب "النفس"، والأربعة بعدها و"أن الجُرُوحُ" بزيادة "أن" الخفيفة، ورفع "الجُرُوح"، وعلى هذه القراءة يَتعيَّنُ أن تكون المخففة، ولا يجوز أن تكون المفسرة، بخلاف ما تقدَّم من قراءة أنس عنه عليه السلام بتخفيف "أن" ورفع "النفس" حيث جوزنا فيها الوجهين، وذلك لأنه لو قدرتها التفسيرية [وجعلتها معطوفة على ما قبلها فسد من حيث إن "كتبنا" يقتضي أن يكون عاملاً لأجل أنّ "أن" المشدّدة غير عامل لأجل "أنْ" التفسيرية]. فإذا انتفى تسلّطه عليها انتفى تشريكها مع ما قبلها؛ لأنه إذا لم يكن عمل فلا تشريك، فإذا جعلتها المُخَفَّفَةَ تسلَّطَ عمله عليها، فاقتضى العمل التشريك في انصباب معنى الكَتْبِ عليهما. فصل قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة، وهو أن النفس بالنفس. الخ، فما بالهم يقتلون بالنفس النفسين، ويفقأون بالعين العينين، والمعنى أن من قتل نفساً بغير قود قتله، ولم يجعل الله لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف، ولما ذكر حكم بعض الأعضاء ذكر الحكم في كلها فعمَّ بعض التخصيص فقال: "والجروح قصاص"، وهو كل ما يمكن أن يختص فيه مثل الشفتين والذكر والأنثيين والألْيتيْنِ والقدمَيْنِ واليدين وغيرهما، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضّ لحم أو كسر عظم أو جرح يخاف منه التلف، ففيه أرش؛ لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته. وقرأ أبيّ: "فهو كفارته له"، أي: التصدق كفارة، يعني الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها وهو تعظيم لما فعل كقوله: {أية : فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40]. قوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} أي: بالقصاص المتعلق بالنفس، أو بالعين أو بما بعدها، فهو أي: فذلك التصدقُ، عاد الضمير على المصدر لدلالة فعله عليه، وهو كقوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [المائدة: 8]. والضمير في "له" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الظاهر: أنه يعود على الجاني، والمراد به وَلِيّ القصاص أي: فالتصدق كَفَّارة لذلك المتصدق بحقه، وإلى هذا ذهب كثير من الصحابة فمن بعدهم [ويؤيده قوله تعالى في آية القصاص في البقرة وأن تعفوا أقرب للتقوى]. والثاني: أن الضمير [يراد به] الجاني، [والمراد بالمتصدق كما تقدم مستحق القصاص، والمعنى أنه إذا تصدق المستحق على الجاني]، كان ذلك التصدق كفارة للجاني حيث لم يُؤاخذ به. قال الزمخشري: "وقيل: فهو كفارة له أي: للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه في الدنيا والآخرة" فأمّا أجر العافي فعلى الله قال الله تعالى: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40] وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ تَصدَّقَ مِنْ جسدِهِ بِشَيءٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقدرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ" تفسير : وإلى هذا ذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - في آخرين. الثالث: أن الضمير يعود على المتصدق أيضاً، لكن المراد الجاني نفسه، ومعنى كونه متصدقاً، أنه إذا جنى جناية، ولم يعرف به أحد، فعرف هو بنفسه، كان ذلك الاعتراف بمنزلة التصدق الماحي لذنبه وجنايته قال مجاهد. وَيُحْكَى عن عروة بن الزبير أنه أصاب إنساناً في طوافه، فلم يعرف الرجل من أصابه، فقال له عروة: "أنا أصبتك، وأنا عروة بن الزُّبَيْرِ، فإن كان يعنيك شيء فَهَا أنَا ذَا" وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون "تصدَّق" من الصدقة، وأن يكون من الصِّدْق. قال شهاب الدين: فالأول واضح، والثاني معناه أن يتكلف الصدق؛ لأن ذلك مما يشق. وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم} يجوز في "مَنْ" أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولةً، والفاء في الخبر زائدة لشبهه بالشرط. و"هم" في قوله: "هم الكافرون" ونظائره فصل أو مبتدأ، وكله ظاهر مما تقدَّم في نظائره. فإن قيل: إنه ذكر أولاً قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44] وثانياً: "هم الظالمون" والكفر أعظم من الظلم. فلماذا ذكر أعظم التهديدات، ثم ذكر بعده الأخف فأيُّ فائدة في ذلك؟ فالجواب: أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها، فهو كفر، ومن حيث إنه يقتضي إلقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم للنفس في الآية الأولى ذكر ما يتعلق بتقصيره في حق نفسه والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كان ختام هذه الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله مطابقاً لقوله في أول سياق المحاربة {ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} رجع إلى القتل مبيناً أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في الزنا، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، فقال: {وكتبنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم فيها} أي في التوراة، عطفاً على قوله {كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس}، وإذا أنعمت النظر وجدت ما بينهما لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه كأنه اعتراض {أن النفس} أي مقتولة قصاصاً مثلاً بمثل {بالنفس} أي بقتل النفس بغير وجه مما تقدم {والعين} أي تقلع {بالعين} أي قلعت بغير شبهة {والأنف} يجدع {بالأنف} كذلك {والأذن} تصلم {بالأذن} على ما تقدم {والسن} تقلع {بالسن} إذا قلعت عمداً بغير حق {والجروح} أي التي تنضبط كلها {قصاص} مثلاً بمثل سواء بسواء. ولما أوجب سبحانه هذا، رخص لهم في النزول عنه، فسبب عن ذلك قوله: {فمن تصدق به} أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقياً أو وارثه إن كان هالكاً {فهو} أي التصدق بالقصاص {كفارة له} أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية، إنما هو القصاص أو العفو، فمن حكم بما أنزل الله على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} أي الذي لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء، أو تديناً بالإعراض عنه سواء حكم بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء عن طريق الاستقامة، البغضاء إلى أهل الكرامة {هم الظالمون *} أي الذي تركوا العدل فضّلوا، فصاروا كمن يمشي في الظلام، فإن كانا تديناً بالترك كان نهاية الظلم وهو الكفر، وإلا في الزنا نحو ما تقدم ثم قال: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها {أية : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}تفسير : [المائدة: 42] إلى: {المقسطين} إنما نزلت في الدية بين بني النضير وبني قريظة, وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف - يؤدون الدية الكاملة, وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء" قال ابن إسحاق: فالله أعلم أيّ ذلك كان! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق، وروي من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً، قال: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قُتِل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت {أية : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}تفسير : [المائدة: 42] والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت {أية : أفحكم الجاهلية يبغون} تفسير : [المائدة: 50] انتهى. وهذا نص ما عندهم من التوراة في القصاص , قال في السفر الثاني: وكل من ضرب رجلاً فمات فليقتل قتلاً، وإذا تشاجر رجلان فأصابا امرأة حبلى فأخرجا جنينها ولم تكن الروح حلت في السقط بعد، فليغرم على قدر ما يلزمه زوج المرأة، وليؤد ما حكم عليه الحاكم، فإن كانت الروح حلت في السقط فالنفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن واليد باليد والرجل بالرجل والجراحة بالجراحة واللطمة باللطمة، وقال في السفر الثالث بعد ذكر الأعياد في الاصحاح السابع عشر: ومن قتل إنساناً يقتل، ومن قتل بهيمة يدفع إلى صاحبها مثلها، والرجل يضرب صاحبه ويؤثر فيه أثراً يعاب به يصنع به كما صنع، والجروح قصاص: الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن، كما يصنع الإنسان بصاحبه كذلك يصنع به، القضاء واحد لكم وللذين يقبلون إليّ، وقال في الثاني: إذا ضرب الرجل عين عبده أو أمته ففقأها فليعتقه بدل عينه، وإذا قلع سن عبده أو أمته فليعتقه بدل سنة - وذكر أحكاماً كثيرة، ثم قال: ومن ذبح للأوثان فيهلك، بل لله وحده، وقال في الرابع: ومن يقتل نفساً لا يقتل إلا ببينة عادلة، ولا تقبل شهادة شاهد واحد على قتل النفس، ولا تقبلوا رشوة في إنسان يجب عليه القتل بل يقتل، لوا تأخذوا منه رشوة ليهرب إلى قرية إلى الملجأ ليسكنها إلى وفاة الحبر العظيم، ولا تنجسوا الأرض التي تسكنونها، لأن الدم ينجس الأرض، والأرض التي يسفك فيها الدم لا يغفر لتلك الأرض حتى يقتل القاتل الذي قتل، وقال في الخامس: ولا يقتل من قد وجب عليه القتل إلا بشهادة رجلين، لا يقتل بشهادة رجل واحد، وإذا رجمتم فالذي يُشَهد عليه فليبدأ برجمه الشهود أولاً ثم يبدأ به جميع الشعوب، وأهلكوا الذين يعملون الشر واستأصلوهم من بينكم، وإن شهد رجل على صاحبه شهادة زور يقوم الرجلان قدام الحبر والقاضي فيفحصون عن أمرهما فحصاً شديداً، فإن وجدوا رجلاً شهد شهادة، زور يصنعوا به مثل ما أراد أن يصنع بأخيه، ونحوّا الشر من بينكم، وعاقبوا بالحق ليسمع الذين يتقون فيفزعوا ولا يعودوا أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح بينكم، ولا تشفق أعينكم على الظالم، بل يكون قضاؤكم نفساً بنفس وعيناً بعين وسناً بسن ويداً بيد ورجلاً برجل. ولما كانت هذه الآيات كلها - مع ما فيها من الأسرار - ناقضة أيضاً لما ادعوا من البنوة بما ارتكبوه من الذنوب من تحريف كلام الله وسماع الكذب وأكل السحت والإعراض عن أحكام التوراة والحكم بغير حكم الله، أتبعها ما أتى به عيسى عليه السلام الذي ادعى فيه النصارى النبوة الحقيقية والشركة في الإلهية، وقد أتى بتصديق التوراة في الشهادة على من خالفها من اليهود بالتبرؤ من الله، مؤكداً لما فيها من التوحيد الذي هو عماد الدين وأعظم آياتها التي أخذت عليهم بها العهود ووضعت في تابوت الشهادة الذي كانوا يقدمونه أمامهم في الحروب، فإن كانوا باقين على ما فيه من الميثاق نصروا وإلا خذلوا، وناسخاً لشريعتهم مجازاة لهم من جنس ما كانوا يعملون من التحريف، وشاهداً على من أطراه بالضلال فقال: {وقفينا} إلى آخرها، وكذا كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة، لا تخلوا آية منها من التعرض إلى نقض دعواهم لها بذكر ذنب، أو ذكر عقوبة عليه، أو ذكر تكذيب لهم من كتابهم أو نبيهم، والمعنى: أوجدنا التقفية، وهي اتباع شيء بشيء تقدِّمه، فيكون أتيا في قفاه لكونه وراءه، وإلقاؤه في مظهر العظمة لتعظيم شأن عيسى عليه السلام {على آثارهم} أي النبيين الذين يحكمون بالتوراة، وذكر الأثر يدل على أنهم كانوا قد تركوا دينهم، لم يبق منه إلا رسم خفي {بعيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيباً لليهود، وإلى أنه عبد مربوب تكذيباً للنصارى، فقال: {ابن مريم مصدقاً} أي عيسى عليه السلام في الأصول وكثير من الفروع و {لما بين يديه} أي مما أتى به موسى عليه السلام قبله {من التوراة} وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله: {وآتيناه الإنجيل} أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليه السلام. ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد، والمتشابه الذي لا يفهمه إلا الأفراد من خلص العباد، ولا يقف بَعدَ فهمه عند حدوده إلا المتقون، قال مبيناً لحاله: {فيه} أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائناً فيه {هدى} أي وهو المحكم، يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم {ونور} أي حسن بيان كاشف للمشكلات، لا يدع بذلك الصراط لبساً. ولما كان الناسخ للشيء بتغيير حكمه قد يكون مكذباً له، أعلم أنه ليس كذلك، بل هو مع النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبيناً لحال الإنجيل عطفاً على محل {فيه هدى}: {ومصدقاً} أي الإنجيل بكماله {لما بين يديه} ولما كان الذي نزل قبله كثيراً، عين المراد بقوله: {من التوراة} فالأول صفة لعيسى عليه السلام، والثاني صفة لكتابه، بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون، فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما، لم يتخالفوا في شيء، بل هو متخلق بجميع ما أتى به. ولما كان المتقون خلاصة الخلق، فهم الذين يُنزلون كل ما في كتب الله من محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق به المتشابه والمحكم، وكان قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد المتشابه إليه فصار بعد البيان كله هدى، قال معمماً بعد ذلك التخصيص: {وهدى وموعظة للمتقين *} أي كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به وينتقلون مترقين من حال عالية إلى حال أعلى منها. ذكرُ بعض ما يدل على ذلك من الإنجيل الذي بين ظهراني النصارى الآن وقد مزجتُ فيه كلام بعض الأناجيل ببعض وأغلب السياق لمتى، وعينتُ بعض ما خالفه، قال لوقا: وجاء إليه قوم وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم مع دماء ذبائحهم، فأجاب يسوع وقال لهم: لا تظنوا أن أولئك الجليليين أشد خطأ من كل الجليليين إذا أصابتهم هذه الأوجاع، لا أقول لكم, إن لم تتوبوا كلكم أنتم تهلكون مثلهم، وهؤلاء الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سيلوخا وقتلهم أتظنون أنهم أكبر جرماً من جميع سكان يروشليم، كلا أقول لكم، إن لم تتوبوا فجميعكم يهلك؛ وقال لهم: شجرة تين كانت لواحد مغروسة في كرمه، جاء يطلب فيها ثمرة فلم يجد، فقال للكرام: هذه ثلاث سنين آتي وأطلب فيها ثمرة فلا أجد، اقطعها لئلا تبطل الأرض، فقال: يا رب! دعها في هذه السنة لأنكحها وأصلحها، لعلها تثمر في السنة الآتية، فإن هي أثمرت وإلا أقطعها. قال متى: ولما نزل من الجبل تبعه جمع كبير وإذا أبرص قد جاء فسجد له وقال: إن شئت فأنت قادر أن تطهرني، فمد يده ولمسه وقال له: قد شئت فاطهر، وللوقت طهر برصه، وقال له يسوع: لا تقل لأحد ولكن امض فأرٍ نفسَك للكاهن وقدم قرباناً كما أمر موسى للشهادة عليهم - وقال مرقس: بشهادتهم - قال لوقا: فذاع عنه الكلام وزاد، واجتمع جمع كثير ليسمعوا منه ويستشفوا من أمراضهم، وأما هو فكان يمضي إلى البرية ويصلي هناك. وقال متى: ولما دخل كفرناحوم جاء إليه قائد مائة فطلب إليه قائلاً: يا رب! فتاي ملقى في البيت مخلع وسقيم جداً، فقال له: إني آتي وأبرئه، فأجاب قائد المائة وقال: يا رب! لست مستحقاً أن تدخل تحت سقف بيتي، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ فتاي لأني تحت سلطان، ولي جند، إن قلت لهذا: اذهب، ذهب، ولآخر: ائت، أتى، ولعبدي: اعمل هذا، عمل، فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعونه: الحق أقول لكم! إنني لم أجد مثل هذه الأمانة في إسرائيل، أقول لكم: إن كثيراً يأتون من المشرق والمغرب - وقال لوقا: والشمال واليمين - يتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ قال لوقا: وكل الأنبياء في ملكوت الله وأنتم خارجاً, ويكون الأولون آخرين والآخرون أولين؛ وقال متى: في ملكوت السماوات، وبنو الملكوت يلقون في الظلمة البرانية، الموضع الذي يكون فيه البكاء وصرير الأسنان، وقال يسوع لقائد المائة: اذهب كأمانتك يكن لك، فبرأ الفتى في تلك الساعة، وقال لوقا: ولما أكمل جميع كلامه ودخل كفرناحوم، وكان عبد لقائد المائة قد قارب الموت وكان كريماً عنده، فلما سمع بيسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسألونه المجيء ليخلص عبده، فلما جاؤوا إلى يسوع طلبوا منه باجتهاد وقالوا: إنه مستحق أن يفعل معه هذا، لأنه محب لأمتنا وهو بنى لنا كنيسة، فمضى يسوع معهم، وفيما هو قريب من البيت أرسل إليه قائد المائة أصدقاءه قائلاً: يا رب! لا تتعب فإني لا أستحق أن تدخل تحت سقف بيتي، من أجل ذلك لم أستحق أن أجيء أنا إليك, لكن قل كلمة فيبرأ, لأني رجل ذو سلطان وتحت يدي جند فأقول لهذا: امض, فيمضي, ولآخر: ائت, فيأتي, فلما سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال: الحق أقول لكم! إني لم أجد في بني إسرائيل مثل هذه الأمانة، فرجع المرسلون إلى اليبت فوجدوا المريض قد برأ، وفي غد كان يسوع ماضياً إلى مدينة اسمها نايين وتبعه تلاميذه أجمع وجمع كبير، فلما قرب من باب المدينة إذا محمول قد مات وحيداً لأمه وكانت أرملة، وجمع كبير من أهل المدينة معها، فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها: لا تبكي، وتقدم ولمس النعش فوقف الحاملون له، وقال له: أيها الشاب! لك أقول: قم واجلس! فجلس الميت وبدأ يتكلم، ودفعه لأمه، ولحقهم خوف ومجدوا الله قائلين: لقد قام فينا نبي عظيم، وتعاهد الله شعبه بصلاح، فذاع هذا الكلام في كل اليهودية وكل الكور التي حولها. قال متى: وجاء يسوع إلى بيت بطرس فنظر إلى حماته ملقاة تحمى؛ وقال مرقس: وجاء إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا فرأى حماة سمعون في حمى شديدة فقالوا له من أجلها، فقدم وأمسك بيدها وأقامها؛ وقال متى: فمس يديها فتركها الحمى وقامت تخدمهم؛ وقال لوقا: ونهضت للوقت تخدمهم، فلما كان المساء - قال مرقس: عند غروب الشمس - قدموا إليه مجانين كثيراً، قال مرقس: ووقف جميع أهل المدينة على الباب، وأبرأ كثيراً ممن به علة رديئة، وأخرج شياطين كثيرة؛ وقال متى: وكان يخرج الأرواح بكلمة، وأبرأ كل سقيم لكي يتم ما قيل في أشعياء النبي القائل: إنه أخذ أمراضنا وحمل أوجاعنا. وسحرا جدا قام وخرج إلى البرية ليصلي هناك وسمعون ومن معه يطلبونه، فلما وجدوه قالوا له: إن الجمع يطلبك، فقال لهم: سيروا بنا إلى القرى والمدن القريبة لنكرز، فإني لهذا وافيتُ، فأقبل يبشر في مجمعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين؛ وقال لوقا: وفي غد اليوم خرج وذهب إلى موضع قفر والجمع يطلبونه، وجاؤوا إليه وأمسكوه لئلا يمضي من عندهم، فقال لهم: إنه ينبغي أن أبشر في المدن الأخر بملكوت الله، لأني لهذا أرسلت، وكان يكرز في مجامع الجليل، وكان لما اجتمع إليه جمع ليسمعوا كلام الله كان هو واقفاً على بحيرة جاناسر، فرأى سفينتين موقفتين على شاطىء البحيرة والصيادون قد صعدوا عليها ليغسلوا شباكهم، فصعد إلى إحداهما التي لسمعان، وأمر أن يبعدها عن الشط قليلاً، وجلس يعلم في الجمع من السفينة؛ ولما أكمل كلامه قال لسمعان: تقدم إلى اللج وألقوا شباككم! فقال: يا معلم! قد تعبنا الليل أجمع ولم نأخذ شيئاً، وبكلمتك نحن نلقي شباكنا، ولما فعلوا ذلك أخذوا سمكاً كثيراً، وكادت شباكهم تتخرق، فأشاروا إلى شركائهم في السفينة الأخرى ليأتوا يعينوهم، فلما جاؤوا ملؤوا السفينتين حتى كادتا أن تغرقا، فلما رأى سمعان ذلك خر عند قدمي يسوع وقال له: ابعد عني يا سيدي! لأني رجل خاطىء، لأن الخوف اعتراه وكل من معه لأجل صيد الحيتان التي اصطادوا، وكذلك يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا صديقي سمعان، فقال يسوع لسمعان: لا تخف، من الآن تكون صياداً تصيد للناس، وقربوا السفن إلى الشط وتركوا كل شيء وتبعوه؛ وقال متى: فلما نظر يسوع إلى الجمع الذي حوله أمر أن يذهبوا إلى العبر، فجاء إليه كاتب وقال له: يا معلم! أتبعك إلى حيث تمضي، فقال له يسوع: إن للثعالب أجحاراً، ولطير السماء أوكاراً، فأما ابن الإنسان فليس له موضع يسند رأسه؛ وقال لوقا: وقال لآخر: اتبعني، فقال: يا رب! ائذن لي أن امضي أولاً وأدفن أبي، فقال له يسوع: اتبعني ودع الموتى يدفنوا موتاهم، وقال الآخر أيضاً: بل تأذن لي أولاً أن أرتب أهل بيتي، فقال: ما من أحد يضع يده على سكة الفدان وينظر إلى ورائه يستحق ملكوت الله؛ وقال متى: فلما صعد السفينة تبعه تلاميذه - وقال لوقا: صعد السفينة هو وتلاميذه وقال لهم: امضوا بنا إلى عبر البحيرة، فساروا وفيما هم سائرون نام - وإذا اضطراب عظيم كان في البحر حتى كادت الأمواج تغطي السفينة - لأن الريح كانت مضادة لهم - وهو نائم، فتقدم إليه تلاميذه وقالوا: يا رب! - وقال مرقس: وكانت رياح عواصف عظيمة، وكانت الأمواج تضرب السفينة وتدخلها المياه حتى كادت تمتلىء، وهو نائم في مؤخرها على وسادة - فأيقظوه وقالوا له: يا معلم! نجِّنا فقد هلكنا! فقال لهم: ما أخافكم يا قليلي الأمانة؟ حينئذ قام وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوءاً عظيماً، ثم قال متى: فلما صعد السفينة وجاء إلى العبر ودخل مدينته قدم إليه مخلع ملقى على سرير - وفي إنجيل مرقس ولوقا: إنهم أرادوا الدخول به إليه فلم يقدروا لكثرة الجمع، فصعدوا إلى السطح ودلوه بسريره إليه - حينئذ قال للمخلع: قم! امل سريرك واذهب إلى بيتك! فقام ومضى إلى بيته، فنظر الجمع وتعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى هذا السلطان كذا للناس؛ وقال يوحنا في إنجيله: وبعد هذا كان عيد اليهود فصعد يسوع إلى يروشليم، وكان هناك بيروشليم مكان يسمى بالعبرانية بيت الرحمة، وكان فيه خمسة أروقة، وكان خلق كثير من المرضى مطروحين فيها وعمي ومقعدون وجافون، فكانوا يتوقعون تحريك الماء، لأن ملاكاً كان ينزل إلى الصبغة في حين بعد حين، وكان يحرك الماء، والذي كان ينزل فيه أولاً من بعد حركة الماء يبرأ من كل الوجع الذي به، وكان هنا رجل سقيم منذ ثمان وثلاثين سنة، فنظر إليه يسوع ملقى فقال له: أتحب أن تبرأ؟ فقال: نعم يا سيدي! ولكن ليس لي إنسان إذا تحرك الماء يلقيني في البركة أولاً، فإلى أن أجيء أنا ينزل قدامي آخر، فقال له: قم، احمل سريرك وامض, فمن ساعته برأ ونهض حاملاً سريره، وكان ذلك اليوم يوم سبت، فقال له اليهود: إنه يوم سبت، ولا يحل لك أن تحمل سريرك، فأجابهم: الذي أبرأني هو قال لي: احمل سريرك وامش، فسألوه: من هو؟ فلم يكن يعلم من هو، لأن يسوع كان قد استتر في الجمع الكبير الذي كان في ذلك الموضع، ثم قال: وقال لهم يسوع: لقد عملت عملاً واحداً فعجبتم بأجمعكم، أعطاكم موسى الختان وليس هو من موسى ولكنه من الآباء، وقد تختنون الإنسان يوم السبت لئلا تنقضوا سنة موسى، فلِمَ تتذمرون عليّ لإبرائي الإنسان يوم السبت، لا تحكموا بالمحاباة ولكن احكموا حكماً عدلاً، ثم قال: فبينما هو مار رأى رجلاً ولد أعمى فقال تلاميذه: يا معلم! من أخطأ؟ هذا أم أبواه حتىأنه ولد أعمى، فقال: لا هو ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه، ينبغي أن أعمل أعمال من أرسلني ما دام النهار، سيأتي الليل الذي لا يستطيع أحد أن يعمل فيه عملاً، ما دمت في العالم أن نور العالم - قال هذا وتفل على التراب وصنع من تفله طيناً وطلى به عيني ذلك الأعمى وقال له: امض واغتسل في عين سيلوخا التي تأويلها المبعوثة، فمضى وغسلهما فعاد ينظر، فأما جيرانه والذين كانوا يرونه يتسول فقالوا: ليس هو هذا الذي كان يجلس ويتسول، وآخرون قالوا: إنه هو، وآخرون قالوا: إنه يشبهه، فأما هو فكان يقول: إني أنا هو، فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ فقص عليهم القصة، فقالوا: أين هو ذاك؟ فقال: ما أدري، فأتوا به إلى الفريسيين، لأن يسوع صنع الطين يوم السبت، فسأله الفريسيون فأخبرهم، فقال قوم منهم: ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحفظ السبت، وآخرون قالوا: كيف يقدر رجل خاطىء أن يعمل هذه الآيات! فوقع بينهم لذلك شقاق، فقالوا للأعمى: ما تقول أنت من أجله؟ قال لهم: إنه نبي، ولم يصدق اليهود أنه كان أعمى حتى دعوا أبويه وسألوهما، فقالا: نحن نعلم أن هذا ولدنا وأنه وُلِدَ أعمى، ووقعت بين الأعمى وبينهم محاورة، كان آخر ما قالوا له: أنت ولدت بالخطايا وأنت تعلمنا! وأخرجوه. وقال متى: واجتاز يسوع هناك فرأى إنساناً جالساً على التعشير اسمه متى فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه. وقال لوقا: وبعد هذا خرج فنظر إلى عشار اسمه لاوي جالساً على المكس، فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه، وصنع له لاوي في بيته وليمة عظيمة، وكان جمع كثير من العشارين وآخرين متكئين معه. وقال مرقس: ثم خرج إلى شاطىء البحر واجتمع إليه جمع كبير وعلمهم، وعند مضيه رأى لاوي ابن حلفي جالساً على العشارين فقال له: اتبعني، فقام وتبعه، وبينما هو متكىء في بيته - وقال متى: وبينما هو متكىء في بيت سمعان - جاء عشارون وخطأة كثيرون، فاتكؤوا مع يسوع وتلاميذه، فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: لماذا معلمكم يأكل مع العشارين والخطأة؟ فلما سمع يسوع قال لهم: الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب، لكن ذوو الأسقام، اذهبوا فاعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لم آت لأدعو الصديقين لكن الخطأة للتوبة. وقال لوقا: وطلب إليه واحد من الفريسيين أن يأكل معه، فدخل بيت ذلك الفريسي وجلس، وكان في تلك المدينة امرأة خاطئة، فلما علمت أنه متكىء في بيت ذلك الفريسي أخذت قارورة طيب ووقفت من ورائه عند رجليه باكية، وبدأت تبل قدميه بدموعها وتمسحها بشعر رأسها، وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، فلما رأى ذلك الفريسي الذي دعاه فكر في نفسه قائلاً: لو كان هذا نبياً علم ما هذه وأنها خطائة، فأجاب يسوع وقال له: يا سمعان! غريمان عليها لإنسان دين، على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون، وليس لهما ما يوفيان فوهب لهما، فأيهما أكثر حبّاً له؟ فقال: أظن الذي وهب له الأكثر، فقال له: بالحق حكمت؛ ثم التفت إلى المرأة وقال: يا سمعان! دخلت بيتك فلم تسكب على رجلي ماء وهذه بلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها، أنت لم تقبلني وهذه منذ دخلت لم تكف عن تقبيل قدمي، أنت لم تدهن رأس بزيت وهذه دهنت بالطيب قدمي، لأجل ذلك أقول لك: إن خطاياها مغفورة لها، لأنها أحبت كثيراًن ثم قال لها: اذهبي بسلام! إيمانك خلصك؛ وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة ويكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين، ويونا امرأة خوزي خازن هيرودس، وأخر كثيرات. وقال متى: حينئذ جاء إليه تلاميذ يوحنا قائلين: لماذا نحن والفريسيون نصوم كثيراً وتلاميذك لا يصومون؟ فقال لهم يسوع: لا يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم، وستأتي أيام إذا ارتفع العريس عنهم حينئذ صومون؛ ليس أحد يأخذ خرقة جديدة يجعلها في ثوب بال، لأنها تأخذ ملأها من الثوب فيصير الخرق أكبر, وقال مرقس: إنه لا يرقع إنسان ثوباً بالياً بخرقة جديدة إلا مد الجديد البالي فيخرقه؛ وقال متى: ولا تُجْعَلُ خمر جديدة في زقاق عتق فتنشق الزقاق وتهلك وتهراق الخمر, لكن تجعل خمر جديدة في زقاق جدد فيتحفظان جميعاً؛ وقال لوقا: وما من أحد يشرب قديماً فيحب الجديد للوقت لأنه يقول: إن القديم أطيب، وقال متى: وفيما هو يكلمهم إذا رئيس قد جاء إليه ساجداً قائلاً: إن ابنتي ماتت الآن، تأتي فتضع يدك عليها فتحيى! فقام يسوع وتبعه تلاميذه، فإذا امرأة بها نزيف دم منذ اثنتي عشرة سنة؛ قال مرقس: أعيت من الأطباء، أنفقت كل مالها، لم تجد راحة بل تزداد وجعاً، فلما سمعت بيسوع - قال متى: جاءت من خلفه ومست طرفه ثوبه - فالتفت يسوع فرآها فقال لها: ثقي يا ابنة! إيمانك خلصك، فبرئت المرأة من تلك الساعة، وجاء يسوع إلى بيت الرئيس؛ وقال مرقس: ولم يدع أحداً يتبعه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب - انتهى. فنظر إلى الجمع مضطربين، فقال لهم: اخرجوا، لم تمت الجارية لكنها نائمة، فضحكوا منه، فلما خرج الجمع دخل وأمسك يدها فقامت الجارية؛ وقال مرقس: وأخرج جميعهم وأخذ معه أبا الصبية وأمها والذين معه، ثم دخل إلى الموضع الذي فيه الصبية موضوعة، وأخذ بيدها وقال لها: طليثا! قومي، الذي تأويله: يا صبية! لك أقول: قومي، فللوقت قامت الصبية ومشت، وكان لها اثنتا عشرة سنة، فبهتوا وعجبوا عجباً عظيماً، فأمرهم كثيراً أن لا يُعْلِموا أحداً بهذا، وقال: أطعموها تأكل؛ وقال متى: وخرج خبرها في جميع تلك الأرض.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏ ‏"حديث : ‏لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالرجم، وقد كانوا يخفونه في كتابهم، فنهضت قريظة فقالوا‏:‏ يا محمد، اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير، وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير ينفرون على بني قريظة دياتهم على انصاف ديات النضير، فقال‏:‏ دم القرظي وفاء دم النضير، فغضب بنو النضير وقالوا‏:‏ لا نطيعك في الرجم ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها، فنزلت {أفحكم الجاهلية يبغون‏} [‏المائدة: 50‏]‏ ونزل ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية ".‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها‏} ‏ قال‏:‏ في التوراة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏} ‏ قال‏:‏ كتب عليهم هذا في التوراة، فكانوا يقتلون الحر بالعبد، ويقولون‏:‏ كتب علينا أن النفس بالنفس‏. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ كتب ذلك على بني إسرائيل، فهذه الآيات لنا ولهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله {‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى تمام الآية‏.‏ أهي عليهم خاصة‏؟‏ قال‏:‏ بل عليهم والناس عامة‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها‏} ‏ قال‏:‏ في التوراة ‏ {‏أن النفس بالنفس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ إنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حين نبذوا كتاب الله، وعطّلوا حدوده، وتركوا كتابه، وقتلوا رسله‏. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، فراجعوه، فقال‏:‏ قضى الله ‏{أن النفس بالنفس‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن ابن شهاب قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏}‏ أقيد الرجل من المرأة، وفيما تعمده من الجوارح‏.‏ وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها‏.‏ قال الله ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه في قوله ‏ {‏أن النفس بالنفس‏} ‏ قال‏:‏ تقتل بالنفس ‏ {‏والعين بالعين‏} ‏ قال‏:‏ تفقأ بالعين ‏ {‏والأنف بالأنف‏} ‏ قال‏:‏ يقطع الأنف بالأنف ‏ {‏والسن بالسن والجروح قصاص‏} ‏ قال‏:‏ وتقتص الجراح بالجراح ‏ {‏فمن تصدَّق به‏}‏ يقول‏:‏ من عفا عنه فهو كفارة للمطلوب‏. ‏ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس ‏"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها ‏ {‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين‏} ‏ بنصب النفس ورفع العين وما بعده الآية كلها‏"‏‏.‏ وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس‏ ‏"حديث : ‏أن الربيع كسرت ثنية جارية، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخوها أنس بن النضر‏:‏ يا رسول الله تكسر ثنية فلانة‏؟‏ فقال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: يا أنس كتاب الله القصاص‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ الجروح قصاص، وليس للإمام أن يضربه ولا أن يحبسه، إنما القصاص - ما كان الله نسياً - لو شاء لأمر بالضرب والسجن‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر‏.‏ في قوله ‏ {‏فمن تصدَّق به‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏فمن تصدَّق به فهو كفارة له‏} ‏ قال كفارة للمجروح. وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله ‏ {‏فهو كفارة له‏} ‏ قال للذي تصدق به‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏‏في قوله ‏ {‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏} ‏ قال‏:‏ ‏الرجل تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء، أو يجرح في بدنه، فيعفو عن ذلك، فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال ‏"‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فمن تصدق به فهو كفَّارة له‏} ‏ الرجل تكسر سنه، أو يجرح من جسده، فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها‏ "!‏‏‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن عدي بن ثابت‏.‏ حديث : أن رجلاً هتم فم رجل على عهد معاوية، فأعطاه دية فأبى إلا أن يقتص، فاعطاه ديتين فأبى، فأعطى ثلاثاً‏.‏ فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت‏ . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء قال‏:‏ كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه، فقال معاوية‏:‏ أنا أسترضيه، فألح الأنصاري فقال معاوية‏:‏ شأنك بصاحبك‏؟‏ وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء ‏"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏حديث : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة" تفسير : فقال الأنصاري‏:‏ فاني قد عفوت. ‏‏‏ وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال ‏‏"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏حديث : {‏فمن تصدق به فهو كفَّارة له‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل تكسر سنه، ويجرح من جسده، فيعفو عنه فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط به خطيئة‏‏ "تفسير : . فقال الانصاري‏:‏ فإني قد عفوت‏‏. وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : مامن رجل يجرح من جسده جرحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن رجل من الصحابة قال‏:‏ من أصيب بشيء من جسده فتركه بعد كان كفارة له‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يونس بن أبي إسحاق قال‏:‏ سأل مجاهد أبا إسحاق عن قوله ‏ {‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏} ‏ فقال له أبو إسحاق‏:‏ هو الذي يعفو‏.‏ قال مجاهد‏:‏ بل هو الجارح صاحب الذنب‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏فمن تصدق به فهو كفَّارة له‏} ‏ قال‏:‏ كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم ‏ {‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏} ‏ قال‏:‏ كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم ‏ {‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏} ‏ قالا‏:‏ للجارح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏} ‏ للمتصدق عليه‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏} ‏ يقول‏:‏ من جرح فتصدق به على الجارح، فليس على الجارح سبيل، ولا قود، ولا عقل، ولا جرح عليه من أجل أنه تصدق عليه الذي جرح، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظلم‏. وأخرج الخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَكَتَبْنَا} عطفٌ على (أنزلنا التوراة) {عَلَيْهِمْ} أي على الذين هادوا، وقرىء وأنزل الله على بني إسرائيلَ {فِيهَا} أي في التوراة {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} أي تُقاد بها إذا قَتلتْها بغير حق {وَٱلْعَيْنَ} تُفقأ {بِٱلْعَيْنِ} إذا فُقئَتْ بغير حق {وَٱلأَنْفَ} يُجدَع {بِٱلأَنْفِ} المقطوعِ بغير حق {وَٱلأُذُنَ} تُصْلَم {بِٱلأذُنِ} المقطوعة ظلماً {وَٱلسّنَّ} تُقلعُ {بِٱلسِنّ} المقلوعة بغير حق {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي ذاتُ قصاص إذا كانت بحيث تُعرف المساواة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأة فنزلت، وقرىء (وإنّ الجروحَ قصاص) وقرىء (والعينُ) إلى آخره بالرفع عطفاً على محل (أن النفس) لأن المعنى كتبنا عليهم: النفسُ بالنفس إما لإجراء كتبنا مُجرىٰ قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك: النفسُ بالنفس مما يقع عليه الكَتْبُ كما يقع عليه القراءة، تقول: كتبت (الحمدُ لله) وقرأتُ {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا} تفسير : [النور، الآية 1] {فَمَن تَصَدَّقَ} أي من المستحقين {بِهِ} أي بالقصاص، أي فمن عفا عنه، والتعبـيرُ عنه بالتصديق للمبالغة في الترغيب فيه {فَهُوَ} أي التصديق {كَفَّارَةٌ لَّهُ} أي للمتصدق يكفّر الله تعالى بها ذنوبَه، وقيل: للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحقِّ سقطَ عنه ما لزِمه، وقُرىء (فهو كفارته له)، أي فالمتصدقُ كفارتُه التي يستحقُّها بالتصدق له لا ينقُصُ منها شيء وهو تعظيمٌ لما فَعَل، كقوله تعالى: {أية : فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى، الآية: 40]. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم} كائناً من كان فيتناول من لا يرى قتلَ الرجل بالمرأة من اليهود تناولاً بـيناً {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} من الأحكام والشرائع كائناً ما كان فيدخل فيها الأحكامُ المحكية دخولاً أولياً {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} المبالغون في الظلم المتعدُّون لحدودِه تعالى الواضعون للشيء في غير موضعه، والجملة تذيـيلٌ مقرِّر لإيجاب العمل بالأحكام المذكورة.

القشيري

تفسير : بيَّن أن اعتبار العدالة كان حتماً في شرعهم، ولمّا جنحوا إلى التضييع استوجبوا الملام. {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، يعني فمن آثر ترك مالهُ باعتناق العفو لم يخسِرْ علينا باستيجاب الشكر، ومن أبى إلا تمادياً في إجابة دواعي الهوى فهم الذين وضعوا الشيءَ في غير موضعه؛ أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعةَ الحظوظ، وبإيثار الفتوة موافقةَ البشرية.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكتبنا} فرضنا عطف على انزلنا التوراة {عليهم} اى على الذين هادوا {فيها} اى فى التوراة {ان النفس بالنفس} اى تقاد بها اذا قتلها بغير حق {والعين} تفقأ {بالعين} اذا فقئت بغير حق {والانف} تجذم {بالانف} المقطوعة بغير حق {والاذن} تصلم {بالاذن} المقطوعة ظلما {والسن} تقلع {بالسن} المقلوعة بغير حق {والجروح قصاص} اى ذات قصاص بحيث تعرف المساواة واما مالا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم او جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه لانه لا يمكن الوقوف على نهايته ففيه ارش او حكومة {فمن تصدق} اى من المستحقين {به} اى بالقصاص اى فمن عفا عنه فالتعبير بالتصدق للمبالغة فى الترغيب فيه {فهو} اى التصدق {كفارة له} اى للمتصدق يكفر الله تعالى بها ما سلف من ذنبه واما الكافر اذا عفا فلا يكون عفوه كفارة له مع اقامته على الكفر وفى الحديث "حديث : من اصيب بشىء من جسده فتركه لله كان كفارة له " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ثلاث من جاء بهن يقوم القيامة مع الايمان دخل الجنة من أى ابواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث شاء من عفا عن قاتله ومن قرأ دبر كل صلاة مكتوبة قل هو الله احد عشر مرات ومن ادى دينا خفيا " .تفسير : وقال بعضهم الهاء كناية عن الجارح والقاتل يعنى اذا عفا المجنى عليه من الجانى فعفوه كفارة لذنب الجانى لا يؤخذ به فى الآخرة كما ان القصاص كفارة له فاما اجر العافى فعلى الله {ومن لم يحكم بما انزل الله} من الاحكام والشرائع {فاولئك هم الظالمون} المبالغون فى الظلم المتعدون لحدوده تعالى الواضعون للشىء فى غير موضعه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: من نصب الجميع: فَعَطَفٌ على النفس، و {قصاص}: خبر إن، ومن رفع العين: فيحتمل أن يكون مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء، و {قصاص}: خبر، من عطف الجمل، أو يكون عطفًا على موضع النفس؛ لأن المعنى: قلنا لهم: النفس بالنفس، أو على الضمير المستكن في الخبر، ومن رفع الجروح فقط، فعلى ما تقدم في العين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكتبنا} على بني إسرائيل، أي: فرضنا وألزمنا عليهم في التوراة {أن النفس} تقتل بالنفس في القتل العمد إن كان المقتول مسلمًا حرًا، فلا يقتل مسلم بكافر إلا إن قتله غيلة، ولا حر بعبد، للحديث، {والعينَ} تُفقأ {بالعين}، {والأنفَ} تُجدع {بالأنفِ}، {والأُذنَ} تُصلم {بالأُذنِ}، {والسِّن} تُقلع {بالسن}، {والجروح قصاص}؛ يقتص من الجارح بمثل ما فَعل، إلا ما يخاف منه كالمأمومة، والجائفة، وكسر الفخذ، فيعطي الدية، {فمن تصدق به} أي: بالدم، بأن عَفى عن الجارح أو القاتل فلم يقتص، {فهو كفّارة له} أي للمقتول، يغفر الله ذنوبه ويعظم أجره، أو كفارة للقاتل أو الجارح، يعفو الله بذلك عن القاتل؛ لأن صاحب الحق قد عفا عنه، أو كفارة للعافي؛ لأنه مسامح في حقه، أو من تصدق بنفسه ومكنها من القصاص فهو كفارة له، اقتص منه أو عُفي عنه. وفيه دليل على أن الحدود مكفرة لا زواجر، وزعم ابن العربي: أن المقتول يُطالب يوم القيامة، ولو قتل في الدنيا قصاصًا؛ لأنه لم يتحصل للمقتول من قتل قاتله شيء، وأن القصاص إنما هو ردع، وأجيب بمنع أنه لم يتحصل له شيء، بل حصلت له الشهادة وتكفير لذنوبه، كما في الحديث: " حديث : السيف محاء للخطايا " تفسير : . ولو كان القصاص للردع خاصة لم يشرع العفو، قاله ابن حجر، وفي حديث البخاري: " حديث : من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له، وإن ستره الله فهو في المشيئة ". تفسير : {ومن لم يحكم بما أنزل الله} من القصاص وغيره {فأولئك هم الظالمون}؛ المتجاوزون حدود الله، وما كتب الله على بني إسرائيل هو أيضًا مكتوب علينا، لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ولا ناسخ هنا، بل قررته السنة والإجماع. والله تعالى أعلم. الإشارة: القصاص مشروع وهو من حقوق النفس؛ لأنها تطلبه تشفيًا وغيظًا، والعفو مطلوب ومرغب فيه، وهو من حقوق الله، هو طالبه منك، وأين ما تطلبه لنفسك مما هو طالبه منك؟ ومن شأن الصوفية الأخذ بالعزائم، واتباع أحسن المذاهب، قال تعالى: {أية : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }تفسير : [الزُّمَر:18]، ومن شأنهم أيضًا: الغيبة عن حظوظ النفس، ولذلك قالوا: ( الصوفي دمه هدر، وماله مباح)، وقالو أيضًا: ( الصوفي كالأرض، يُطرح عليها كل قبيح، وهي تُنبت كلَّ مليح)، ـ ومن أوكد الأمور عندهم عدم الانتصار لأنفسهم. وبالله التوفيق. ولما فرغ من الكلام مع اليهود شرَعَ يتكلم مع النصارى، فقال: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي {والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن} بالرفع فيهن. وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأنه كان يقرأ به. وقرأ نافع "الاذن" بسكون الذال حيث وقع. وقرأ نافع وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب {والجروح قصاص} بالنصب. قوله {وكتبنا} أي فرضنا عليهم يعني اليهود الذين تقدم ذكرهم {فيها} يعني في التوراة {أن النفس بالنفس} ومعناه إِذا قتلت نفس نفساً أخرى متعمداً أنه يستحق عليها القود إِذا كان القاتل عاقلاً مميزاً، وكان المقتول مكافياً للقاتل، أما بأن يكونا مسلمين حرين أو كافرين أو مملوكين، فأما أن يكون القاتل حراً مسلماً والمقتول كافراً أو مملوكاً فان عندنا لا يقتل. وفيه خلاف بين الفقهاء. وإِن كان القاتل مملوكاً أو كافراً أو المقتول مثله أو فوقه فانه يقتل به - بلا خلاف -. وقوله: {والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} من نصب جميع ذلك عطفه على المنصوب بواو الاشتراك ثم استأنف، فقال والجروح قصاص. ومن نصب الجروح عطفها على ما قبلها من المنصوبات. ومن لم ينصب غير النفس فعلى أن ذلك هو المكتوب عليهم. ثم ابتدأ ما بعده بياناً مبتدأ. ويحتمل أن يكون الواو عاطفة جملة على جملة ولا يكون الاشتراك فيمن نصب. ويحتمل أن يكون حمل على المعنى، لأن التقدير قلنا لهم {إن النفس بالنفس} فحمل {العين بالعين} على المعنى دون اللفظ. ويحتمل أن يكون عطف على الذكر المرفوع في الظرف الذي هو الخبر، وإِن لم يؤكد المعطوف عليه بضمير منفصل، كما قال {أية : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا }تفسير : فلم يؤكد كما أكد في قوله: {أية : يراكم هو وقبيله } تفسير : ذكر الوجوه الثلاثة الزجاج، وأبو علي الفارسي ومن نصب الجميع جعل الكل فيما كتب عليهم. هذا وإِن كان إِخبار من الله أنه ما كتب عليهم في التوراة فانه لا خلاف أن ذلك ثابت في هذا الشرع ويراعى في قصاص الاعضاء ما يراعى في قصاص النفس من التكافؤ. ومتى لم يكونا متكافئين، فلا قصاص على الترتيب الذي رتبناه في النفس سواء. وفيه أيضاً خلاف، ويراعى في الاعضاء التساوي أيضاً، فلا تقلع العين اليمنى باليسرى، ولا تقطع اليمين باليسار. وتقطع الناقصة بالكاملة. فمن قطع يمين غيره وكانت يمين القاطع شللاً. قال أبو علي: يقال له إِن شئت قطعت يمينه الشلاء أو تأخذ دية يدك. وقد ورد في أخبارنا أن يساره تقطع إِذا لم يكن للقاطع يمين، فأما عين الأعور، فانها تقلع بالعين التي قلعها سواء كانت المقلوعة عوراء أو لم تكن. وان قلعت العين العوراء كان فيها كمال الدية إِذا كانت خلقة أو ذهبت بآفة من الله أو يقلع احدى عيني القالع ويلزمه مع ذلك نصف الدية. وفي ذلك خلاف ذكرناه في الخلاف. وأما الجروح، فانه يقتص منها إِذا كان الجارح مكافياً للمجروح على ما بيناه في النفس، وتقتص بمثل جراحته الموضحة بالموضحة والهاشمة بالهاشمة والمنقلة بالمنقلة ولا قصاص في المأمومة وهي التي اُم الرأس ولا الجايفة، وهي التي تبلغ الجوف، لأن في القصاص منها تعزيراً بالنفس. ولا ينبغي أن يقتص من الجراح إِلا بعد أن تندمل من المجروح، فاذا اندمل اقتص حينئذ من الجارح. وإِن سرت الى النفس كان فيها القود. وكسر العظم لا قصاص فيه، وإِنما فيه الدية. وكل جارحة كانت ناقصة فاذا قطعت كان فيها حكومة. ولا يقتص لها الجارحة الكاملة كيد شلاء وعين لا تبصر وسن سوداء متأكلة، فان جميع ذلك حكومة لا تبلغ دية تلك الجارحة. وقد روي أن في هذه الأشياء مقدراً وهو ثلث دية العضو الصحيح. وتفصيل أحكام الجنايات والديات استوفيناه في النهاية والمبسوط في الفقه لا نطول بذكره ها هنا. وقوله: {فمن تصدق به فهو كفارة له} الهاء في {كفارة له} يحتمل عودها الى أحد أمرين: أحدهما - وهو الأقوى - ما قاله عبد الله بن عمر والحسن وقتادة وابن زيد وابراهيم - على خلاف عنه - والشعبي بخلاف عنه: إِنها عائدة على المتصدق من المجروح أو ولي المقتول، لانه إِذا تصدق بذلك على الجارح لوجه الله كفّر الله عنه بذلك عقوبة ما مضى من معاصيه. الثاني - على المتصدق عليه لأنه يقوم مقام أخذ الحق عنه ذهب اليه ابن عباس ومجاهد، وإِنما رجحنا الأول، لأن العائد يجب أن يرجع الى مذكور، وهو من تصدق، والمتصدق عليه لم يجر له ذكر، ومعنى "من تصدق" به عفا عن الحق واسقط. فان قيل: هل يكفر الذنب إلا التوبة أو اجتناب الكبيرة؟ قلنا: على مذهبنا يجوز أن يكفر الذنب شئ من أفعال الخير، ويجوز أن يتفضل الله باسقاط عقابها. وقال قوم: يجوز أن يكفر بالطاعة الصغيرة حتى يسقط بها. وقوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} قد بينا أن في الناس من قال ذلك يختص باليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله في التوراة من القود والرجم. ويمكن أن يحمل على عمومه في كل من لم يحكم بما أنزل الله وحكم بخلافه بأنه يكون ظالماً لنفسه بارتكاب المعصية الموجبة للعقاب. وهذا الوجه يوجب أن ما تقدم ذكره من الأحكام يجب العلم به في هذا الشرع وإِن كان مكتوباً في التوراة.

الجنابذي

تفسير : {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} اى فى التّوارة وهو تقرير لعدم رضاهم بحكم الله وانّهم رضوا بمحمّد (ص) ليفرّوا من حكم التّوراة {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} مجمل محتاج الى البيان يعنى نفس المرء بالمرء والعبد بالعبد والانثى بالانثى او كان حكم التّوارة عامّاً {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ذات قصاص والفقرات محتاجة الى تقدير آخر ايضاً وهو ان النّفس تقتل بالنّفس والعين تفقأ بالعين وهكذا {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} اى بالقصاص اى عفا عنه {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} من ذنوبه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} كرّره ثلاث مرّات لكمال الاهتمام به، لانّه كما علمت معيار تمام الحركات والسّكنات ومصحّح العبادات والسّياسات وبه قوام المعاش والمعاد، ولانّ الاوّل ناظر الى امّة محمّد (ص) لانّ الخطاب فى قوله فلا تخشوا النّاس (الى آخره) كان لهم والثّانى ناظر الى احكام التّوراة واهلها، والثّالث ناظر الى احكام الانجيل واهلها.

اطفيش

تفسير : {وَكَتَبنَا عَلَيْهِم}: فرضنا عليهم. {فِيهَا}: فى التوراة. {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفسِ}: الخبر كون خاص محذوف جوازاً ولم ينتقل عنهم ضميره، ولم ينب عنه بالنفس، هذا وفيما بعد أى أن تقتل بالنفس، والباء سببية أو عوضية وكذا فيما بعد. {وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ}: تفقأ بالعين. {وَالأَنفَ بِالأَنفِ}: تجدع بالأنف. {وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ}: تصلم بالأذن. {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ}: تقلع بالسن، وذلك عطف على معمولى عامل، كأنه قيل وان العين بالعين، وان الأنف بالأنف، وان الأذن بالأذن، وان السن بالسن، فالتوكيد مسلط فى كل، وقرأهن الكسائى بالرفع عطف للحمل على نفسه أن واسمها وخبرها، فالتأكيد ليس مسلطاً فيهن، لأنهن لم يعطفن على ما أكد بأن، بل على نفس أن وما بعدها، فأما نصب كتبنا للمصدر من خبر أن فظاهر، أى كتبنا عليهم فيها قتل النفس بالنفس، وأما الجمل بعد فى قراءة الرفع هذه فانما يتوجه اليها كتبنا لتضمنه معنى قلنا، ويجوز ان يكون التقدير: وكذلك العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن عطفاً على أن واسمها وخبرها. وان جعلنا الخبر كوناً عاماً مثل تكون بالنفس، أو تستقر بالنفس، صح انتقال ضميره الى بالنفس فيعطف العين على هذا الضمير عند من لا يوجب الفصل فى العطف على الضمير والمرفوع المتصل، والصحيح أن يجب الفصل ويضعف عدم الفصل، وأما اذا قدرنا الكون الخاص مثل: مأخوذ ومقتولة، أو تؤخذ، فالفصل موجود، لأن الكون الخاص حذر وفيه ضميره فقوله: بالنفس فاصل. {وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ}: وشأن الجروح قصاص، أو الجروح ذات قصاص، وقراءة الكسائى، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بالرفع على حد قراءة الكسائى لما مر بالرفع، وهو فى النصب والرفع اجمال بعد بيان كذا قيل، ولعل المراد العموم بعد التخصيص، فيدخل كل ما يمكن فيه القصاص كقطع الذكر أو البيضتين أو اليد أو الرجل من المفصل، وأما ما لم يمكن حده فالأرش. وكانت اليهود غيروا الرجم كان النضير اذا قتلوا من قريظة أدوا لهم نصف الدية، واذا قتل بنو قريظة منهم أدو الدية كاملة، وقيل لا يقبلون الا بقتل من قريظة، وقيل: ان قبلوا الدية فلهم ديتان وقيل كانوا يقتلون بالنفس النفسين، ويفقئون العينين بالعين، ولعل ذلك فى أزمنة أو بلاد أو أقوام منه، فحكى صاحب كل قول ما علم من ذلك، فأخبر الله عز وجل سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فى التوراة من حكم الرجم والقصاص، وما فى الآية من القصاص مذكور فى التوراة، وقيل: تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم التوراة فيه، وقيل: أخذه من قصاص القتلى، اذ هو تنبيه بالأعلى على الأدنى، ويدل لهذا استثناء السنة المشرك والعبد لا يقتصان من الموحد والحر، ولهما الأرش وان القتل وجب على اليهود، ولم يجب فى شرعنا بدلنا أخذ الدية، فعلمنا أن ذلك ليس تبعاً لما فى التوراة. وفى السؤالات ما نصه: فان كان فى شريعة غير هذه ذكر شىء لم يكن فى هذه، هل يعمل به؟ قال: نعم، قال الله: {أية : وبهداهم اقتده }تفسير : وقال بعضهم: كل واحد منهم وشريعته، قال الله تعالى: {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } تفسير : يعنى بقوله: قال نعم، قال أبو نوح: نعم. وفى السؤالات فان قال: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعبداً بشريعة من قبله؟ قال: كان عليه الصلاة والسلام متعبداً بشريعة من كان قبله ما لم تنسخ، يعنى قال أبو عمرو عثمان بن خليفة: وقيل لم يكن متعبداً بشىء من الشرائع الا شريعة أبيه ابراهيم، قال الله تعالى: {أية : ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفا }. تفسير : واختلف الناس فى شرع من قبلنا على خمسة أوجه: فمنهم من قال: ليس مشروعاً لنا، وقال بعض: هو شرع لنا الا ما ثبت نسخه، وقيل: شرع ابراهيم وحده لا غير، وروى الشيخ أبو عمر، وعن الشيخ ابن أيوب: أن ليس شرع ابراهيم يلزمنا الا فى مناسك الحج، ومنهم من قال: شريعة موسى شريعة لنا الا ما نسخت منه شريعة عيسى، ومنهم من قال: شريعة عيسى شرع لنا دون غيرها، وقال آخرون: تعبدنا بشريعة نوح لقوله عز وجل: {أية : وان من شيعته لابراهيم}تفسير : أى من دينه أى على دين نوح، وقيل من ذريته، وقال آخرون: لم نتعبد بشىء من تلك الشرائع الا ما لا يجوز نسخه، كالتوحيد، أو محاسن الأخلاق، واليه يتوجه قوله: {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : وبهذا القول يقول بعض أصحابنا لاجماع الأمة قاطبة على أن ليس على المجتهد أن يرجع الى ما فى كتب المتقدمة والسنين الماضية انتهى. ولا تتوهم أن ما فى أيدى أهل الكتاب اليوم يكون حجة، ولا أن خبرهم حجة لأنهم مشركون وصفوا بالتحريف، وانما ذلك بوحى الله الى رسوله أن هذا مما فى التوراة، أو مما فى الانجيل، أو نحو ذلك، أو باخبار من أسلم منهم، وكان مأمونا ثقة، ثم رأيت والحمد لله فى الخازن أنه نقل عن أصحاب أبى حنيفة، وبعض أصحاب الشافعى، وأمحد فى احدى الروايتين عنه أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعبداً بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحى اليه، لا من جهة كتبهم، ونقل أربابها الا ما نسخ، واختاره ابن الحاجب، لكن لم يعتبر قيد الوحى، لأن ما بالوحى لا مانع منه ولا خلاف. قلت: ليس كذلك لأنه ليس مرادهم بالوحى أن يوحى اليه افعل كذا أو لا تفعل كذا، بل يوحى اليه أن كذا من شرع نبى الله فلان، أو من كتاب الله كذا، وأكثر الأشعرية، وكل المعتزلة قالوا: لم يتعبد بذلك، واستدل من قال بالتعبدية بعمله بالقصاص من هذه الآية، وأجاب المانع بأنه أوحى اليه أن يعمل بذلك، أو عمل بالقياس على قصاص القتلى، وعن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، فنزل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} الآية. {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ}: بالقصاص المفهوم من المقام، أو من الجرح كذلك، أو عن ثبوت النفس بالنفس، والعين بالعين، الخ اذا قدرنا المكون عاماً أو عن واحد مما ذكر من قبل النفس بالنفس وفقء العين بالعين الخ، ومعنى التصدق بذلك العفو عن الجانى، ففى القتل يعفو الولى فله الأجر، وللمقتول أيضا، وفى غيره يعفو المجنى عليه، وقد يعفو المقتول أيضا قبل أن يموت، وبعد أن ضَرب أو ضُرب فان ذلك تابع للجانى فى أمر آخرته والقتل، وأما فى أمر الدية فقد يدركها الورثة أو الغرماء، أو الموصى لهم فى بعض الصور على ما قررته فى الفقه. {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}: تمحى له به ذنوبه كلها، أو ما شاء الله منها، ويمحى الباقى بغير ذلك، قال ابن عمر: يمحو عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به، قال الحسن: ان كان أرشه عشر ديته حظ عشر ذنوبه أو تسعة فتسع ذنوبه، وكذا أقل وأكثر، فالهاء للمجنى عليه، أو على وليه فى القتل، قاله ابن عمر، وعبد الله بن عمر، وابن العاصى، وابن مسعود، والحسن، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل يصاب بشىء فى جسده فيتصدق به الا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة ". تفسير : وهذا يدل على أن الضمير للمجنى عليه، ومثله ما اذا كان المجنى عليه وليه، ويدل على أن العفو كفارة لبعض ذنوبه، لأنه قال: خطيئة بتاء لا هاء بعدها، ولو كان بعدها لا احتمل الجنس احتمالا راجحاً، ويدل لذلك أنه لو رددنا هاء له الى الجانى لم يبق رابط الجواب بالشرط، فيكون كقولك: من قام فانى قائم وهو مرجوح، ولو قلنا: خبر اسم الشرط جملة الشرط، أو هى وجملة الجواب، والعائد الجواب، والخبر يقدر فانى قائم مثله وقبله أو نحو ذلك، أو يقدر الجواب أى فمن تصدق به فهو غير هذا التصدق، بل ينتفع الجانى لأنه كفارة له. وقد قال ابن عباس رضى الله عنه، ومجاهد، ومقاتل، أن هاء له عائدة على الجانى، ومعنى كون تصدق المجنى عليه أو على وليه بالقتل كفارة للجانى، وأنه وقاية له، ماحية للقصاص عنه والمؤاخذة ولو فى الآخرة ان تاب لم يؤخذ فى الآخرة، وكفاه العفو، ولو لم يعف صلحت توبته بالقود أو الدية أو الأرش، والندم والعزم على عدم العود، والصحيح عود الهاء لمن وهو المجنى عليه، أو على وليه فى القتل لما مر، ولأنه لا يحسن ان فعلت أنت كذا فهو كفارة لفلان، ولو صح بالتأويل. وعن أنس: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليه شىء فى قصاص الا أمر فيه بعفو، وهذا يناسب بعض مناسبة العود لمن، وقيل معنى من تصدق به من أذعن للقصاص من نفسه، فمكن منه صاحب الحق، فذلك الأذعان كفارة له تمحى بها جنابته هذه، ووجهه أن التكفير عن الجانى أحق بالذكر، لأنه أشد احتياجاً الى التكفير، ولأنه الذى ذكر عنه فى المقام ما يحتاج الى التكفير، ولأن القصاص أصعب على الجانى فسهل له بذكر ثوابه، فأنه لا توبة له الا باذعانه اليه الا ان عفا عنه صاحب الحق فى هذه الأمة، أو أخذ الدية أو الأرش فما يبقى عليه الا الندم الى الله، والعزم على عدم العود، وقيل: المعنى أنه ان لم يعلم الجانى فتاب فأقر وأذعن فاقراره واذعانه كفارة له. {وَمَن لَّم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ}: بأن حكم بغيره أو ترك الحكم رأساً فتعطلت الأحكام، ولا قائم بها أو لم يعلم الحكم الشرعى فترك الحكم فتعطل فرض الكفاية، أو تحاكم اليه اثنان الى أن أظهر له الحق لصاحبه بعد ادلاء كل بحجته فسكت لا لشبهة، ولا أمر يجوز له شرعاً. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: لأنفسهم ولغيرهم.

اطفيش

تفسير : {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} على الذين هادوا {فِيهَا} في التوراة {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} النفس الجانية تقتل بالنفس المجنى عليها، الأُولى القاتلة والثانية المقتولة والباء للعوض. {والعَيْنَ بِالعَيْنِ} تفقأ بالعين {والأَنْفَ بِالأَنْفِ} تجدع بالأَنف {والأُذْنَ بِالأُذْنِ} تصلم بالأُذن {والسِّنَّ بالسِّنِّ} تقلع بالسن والمحذوفات غير واجبات الحذف لأنها أَكوان خاصة، ولم يجز حذفها إِلا لدليل هو هنا المقام، ويجوز أَن يقدر تؤخذ بالنفس وينسحب على ما بعد ذلك وذلك عطف على معمولى عامل واحد وهو إِن، وإِنما قدرت المضارع لا اسم مفعول لأَن المقام للتجدد ويضعف هنا تقدير الكون العام المحذوف وجوباً هكذا: النفس ثابتة أَو تثبت بالنفس، وكذا ينسحب لأَن الكون الخاص أَفيد والنفس بمعنى الإِنسان يذكر أَو بمعنى الروح يؤنث فتصغيره نفيسة بالتاء والعين في الوجه يؤنث وكذا الأذن والأَنف يذكر والسن يؤنث ولو كان بمعنى الكبر في العمر ويذكر الناب والضرس والناجذ والضاحك والعارض مع أَنهن أسنان، ويؤنث اليد والضلع والرجل والكبد والكرش ويذكر الحاجب والصدغ والخد والمرفق واللسان {والجُرُوحَ قِصَاصٌ} ذات قصاص أَو مقتص بها إِذا أَمكنت فيها المماثلة كاليد والرجل والإِصبع والمفصل والذكر والأَنثيين والشفتين واللسان لا فيما يصعب فيه إِدراك المماثلة كرض اللحم وكسر العظم ففيه ديته، ويقال الحكومة، وبسطت ذلك في الفروع، ويقتل الرجل بالمرأَة ويرد لورثته نصف الدية ولا يقتل حر بعبد ولو مكاتباً ولا مسلم بمشرك ولو كتابيا في ذمة أَو معاهد أَو مستأمنا أَو جاراً ليسمع كلام الله عز وجل، وزعم بعض قومنا أَن الكافر يقتل المؤمن به والحر بالعبد ورووا أَنه صلى الله عليه وسلم قتل مؤمناً بذمى، والصحيح ما مر وبه جاءَ الحديث، ولا يصح أَنه قتل مؤمناً بكافر، ولا يقتل أَب أَو أمْ أَو جد بالابن كما في الحديث وعن مالك أَنه يذبح ولده، وتقتل الجماعة بالواحد كما قال عمر رضى الله عنه خلافا لأَحمد، ولزم عليه كثرة إهراق الدماء بالجماعات وفى قتلهن كف ولا جحة له فى الآية لأَن المراد فيها ما شمل الجنس {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} أَى بواحد مما ذكر من النفس والعين وقصاص الجروح وما بينهما أَى عفا عن الجانى {فَهْوَ} أَى الواحد مما ذكر باعتبار التصدق به أَو الهاء للتصدق {كَفَّارَةٌ لَهُ} أَى لذنوب الذى عفا حتى ولى المقتول إِذا عفا فعفوه كفارة له لأَن له القتل أَو الدية فترك ذلك وتارة الدية، وللمقتول عوض من الله إِن تاب القاتل وإِلا فمن حسناته والله أَعلمْ وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصيب في جسده كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه"تفسير : ، فقيل: هذا فيمن عفى عن جانيه، ففى رواية عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحط عنه بقدر ما عفا من ذنوبه إِن عفا نصف بنصف الذنوب وربع بربع وثلث بثلث وكل بكل"تفسير : ، أَعطى الولى دية وديتين وثلاثاً على عهد معاوية فأبى إِلا القتل فروى صحابى عنه صلى الله عليه وسلم من تصدق بدم غفر له من يوم ولد إِلى أَن يموت، وقيل المراد العموم كما تبادر وقيل الهاء للجانى وعليه ابن عباس أَى فالتصدق ستر للجانى عن أَن يؤخذ بذلك في الدنيا، وأَما الآخرة فمتوقفة على التوبة، أَو فالتصدق كفارة لجنايته أَى لا يؤخذ بها إذا تصدق عليه بها صاحب الحق ولو كان يؤاخذ في الآخرة على إصراره وأَما أَجر العافى ففى قوله: {أية : فمن عفا وأَصلح فأَجره على الله}تفسير : [الشورى: 40] أَو المعنى فمن تصدق بالقصاص فى نفسه أَو فى الجروح أَو ما بينها بأَن انقاد لصاحب الحق أَن يقتص منه فالتصدق كفارة لجنايته {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} في القصاص أَو غيره {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لأَنفسهم وغيرهم. وناسب ذكر الظلم لأَنه عقب تباعات مخصومة. والآية رد على ما اصطلحوا عليه من أَن لا يقتل الشريف بالوضيع ولا الرجل بالمرأَة، ولما كانوا عليه من أَنه إِذا قتل النضير من قريظة أَدوا إِليهم نصف الدية وإِذا قتل قريظة من النضير أَدوا إِليهم الدية.

الالوسي

تفسير : {وَكَتَبْنَا} عطف على {أية : أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَٰةَ} تفسير : [المائدة: 44] والمعنى قدرنا وفرضنا {عَلَيْهِمْ} أي على الذين هادوا، وفي مصحف أبي (وأنزلنا على بني إسرائيل) {فِيهَا} أي في التوراة، والجار متعلق بكتبنا، وقيل: بمحذوف وقع حالاً أي فرضنا هذه الأمور مبينة فيها، وقيل: صفة لمصدر محذوف أي كتبنا كتابة مبينة فيها. {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} أي مأخوذة أو مقتولة أو مقتصة بها إذا قتلتها بغير حق، ويقدر في كل مما في قوله تعالى: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ} ما يناسبه كالفقء. والجدع والصلم والقلع، ومنهم من قدر الكون المطلق وقال: إنه مرادهم أي يستقر أخذها بالعين ونحو ذلك. وقرأ الكسائي: {ٱلْعَيْنَ} وما عطف عليه بالرفع، ووجهه أبو علي الفارسي بأن الكلام حينئذ جمل معطوفة على جملة {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} لكن من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، فإن معنى ـ كتبنا عليهم أن النفس بالنفس ـ قلنا لهم: النفس بالنفس، فالجملة مندرجة تحت ما كتب على بني إسرائيل، وجعله ابن عطية على هذا القول من العطف على التوهم وهو غير مقيس، وقيل: إنه محمول على الاستئناف بمعنى أن الجمل إسمية معطوفة على الجملة الفعلية، ويكون هذا ابتداء تشريع وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة، وقيل: إنه مندرج فيه أيضاً على هذا، والتقدير وكذلك ـ العين بالعين ـ الخ لتتوافق القراءتان. وقال الخطيب: لا عطف، والاستئناف بمعناه المتبادر منه، والكلام جواب سؤال كأنه قيل: ما حال غير النفس؟ فقال سبحانه: {ٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} الخ، وقيل: إن العين وكذا سائر المرفوعات معطوفة على الضمير المرفوع المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً، والجار والمجرور بعدها حال مبينة للمعنى، وضعف هذا بأنه يلزمه العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل ولا تأكيد، وهو لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة. وأجيب بأنه مفصول تقديراً إذ أصله النفس مأخوذة أو مقتصة هي بالنفس إذ الضمير مستتر في المتعلق المقدم على الجار والمجرور بحسب الأصل وإنما تأخر بعد الحذف وانتقاله إلى الظرف كذا قيل، وهو يقتضي / أن الفصل المقدر يكفي للعطف وفيه نظر، ويقدر المتعلق على هذا عاماً ليصح العطف إذ لو قدر النفس مقتولة بالنفس والعين لم يستقم المعنى كما لا يخفى فليفهم. واعلم أن النفس في كلامهم إذا أريد منها الإنسان بعينه مذكر، ويقال: ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص، وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير، وتصغيرها نفيسة لا غير، والعين بمعنى الجارحة المخصوصة مؤنثة، وإطلاق القول بالتأنيث لا يظهر له وجه إذ لا يصح أن يقال: هذه عين هؤلاء الرجال، وأنت تريد الخيار، والأذن مثلها، والأنف مذكر لا غير، والسن تؤنث ولا تذكر وإن كانت السن من الكبر لكن ذكر ابن الشحنة أن السن تطلق على الضرس والناب، وقد نصوا على أنهما مذكران وكذا الناجذ والضاحك والعارض، ونص ابن عصفور على أن الضرس يجوز فيه الأمران، ونظم ما يجوز فيه ذلك بقوله:شعر : وهاك من الأعضاء ما قد عددته تؤنث أحياناً وحيناً تذكر لسان الفتى والإبط والعنق والقفا وعاتقه والمتن والضرس يذكر وعندي الذراع. والكراع مع المعى وعجز الفتى ثم القريض المحبر كذا كل نحوي حكى في كتابه سوى سيبويه وهو فيهم مكبر يرى أن تأنيث الذراع هو الذي أتى وهو للتذكير في ذلك منكر تفسير : وقد شاع أن ما منه اثنان في البدن كاليد والضلع والرجل مؤنث، وما منه واحد كالرأس والفم والبطن مذكر، وليس ذاك بمطرد، فإن الحاجب والصدغ والخد والمرفق والزند كل منها مذكر مع أن في البدن منه اثنين، والكبد والكرش فإنهما مؤنثان وليس منهما في البدن إلا واحد، وتفصيل ما يذكر ولا يؤنث وما يؤنث ولا يذكر من الأعضاء يفضي إلى بسط يد المقال، والكف أولى بمقتضى الحال هذا. {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} بالنصب عطف على اسم {أنَّ}، و {قِصَاصٌ} هو الخبر، ولكونه مصدراً كالقتال، وليس عين المخبر عنه يؤوّل بأحد التأويلات المعروفة في أمثاله، والكسائي كما قرأ بالرفع فيما قبل قرأ به هنا أيضاً، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وإن نصبوا فيما تقدم رفعوا هنا على أنه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصل حكم غيرها من الأعضاء، وهذا الحكم فيما إذا كانت بحيث تعرف المساواة كما فصل في الكتب الفقهية. واستدل بعموم {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} من قال: يقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد والرجل بالمرأة، ومن خالف استدل بقوله تعالى: {أية : ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} تفسير : [البقرة: 178] وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقتل مؤمن بكافر»تفسير : وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه، والمراد بما روى الحربي لسياقه «ولا ذوعهد في عهده»، والعطف يقتضي المغايرة، وقد روي حديث : أنه عليه الصلاة والسلام قتل مسلماً بذمي، تفسير : وذكر ابن الفرس أن الآية في الأحرار المسلمين لأن اليهود المكتوب عليهم ذلك في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا كلهم أحراراً لا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء لأن الاستعباد من الغنائم، ولم تحل لغيره عليه الصلاة والسلام، وعقد الذمة لبقاء الكفار ولم يقع ذلك في عهد نبي بل كان المكذبون يهلكون جميعاً بالعذاب، وأخر ذلك في هذه الأمة رحمة انتهى. / وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في العموم لكن لم يبقوه على ذلك، فقد قال الأصحاب: لا يقتل المسلم بالمستأمن ولا الذمي به لأنه غير محقون الدم على التأبيد، وكذا كفره باعث على الحراب لأنه على قصد الرجوع، ولا المستأمن بالمستأمن استحساناً لقيام المبيح، ويقتل قياساً للمساواة، ولا الرجل بابنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقاد الوالد بولده»تفسير : وهو باطلاقه حجة على مالك في قوله: يقاد إذا ذبحه ذبحاً، ولأنه سبب لإحيائه، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه، ولهذا لا يجوز له قتله وإن وجده في صف الأعداء مقاتلاً أو زانياً وهو محصن، والقصاص يستحقه المقتول أولاً ثم يخلفه وارثه، والجد من قبل الرجال والنساء وإن علا في هذا بمنزلة الأب، وكذا الوالدة والجدة من قبل الأم أو الأب قربت أو بعدت لما بينا، ولا الرجل بعبده ولا مدبره، ولا مكاتبه ولا بعبد ولده لأنه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه، وكذا لا يقتل بعبد ملك بعضه لأن القصاص لا يتجزأ فليفهم، واستدل بها على ما روي عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه من أنه لا يقتل الجماعة بالواحد لقوله تعالى فيها: {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} بالإفراد، وأجيب بأن حكمة القصاص ـ وهو صون الدماء والأحياء ـ اقتضت القتل، وصرف الآية عما ذكر فإنه لو كان كذلك قتلوا مجتمعين حتى يسقط عنهم القصاص، وحينئذ تهدر الدماء ويكثر الفساد كذا قيل. {فَمَن تَصَدَّقَ} أي من المستحقين للقصاص {بِهِ} أي بالقصاص أي فمن عفا عنه، والتعبير عن ذلك بالتصدق للمبالغة في الترغيب {فَهُوَ} أي التصدق المذكور {كَفَّارَةٌ لَّهُ} للمتصدق كما أخرجه ابن أبي شيبة عن الشعبـي وعليه أكثر المفسرين، وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فقال: «حديث : هو الرجل يكسر سنه أو يجرح من جسده فيعفو فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن عدي بن ثابت «أن رجلاً هتم فم رجل على عهد معاوية رضي الله تعالى عنه فأعطي دية فأبى إلا أن يقتص فأعطي ديتين فأبى فأعطي ثلاثاً فحدث رجل من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: حديث : من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت» تفسير : وقيل: الضمير عائد إلى الجاني، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن جرير ومجاهد وجابر فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة، ومعنى كون ذلك كفارة له على هذا التقدير أنه يسقط به ما لزمه ويتعين عليه أن يكون خبر المبتدأ مجموع الشرط والجزاء حيث لم يكن العائد إلا في الشرط، وإليه ذهب العلامة الثاني، وقيل: إن في الجزاء عائداً أيضاً باعتبار أن هو بمعنى تصدقه فيشتمل بحسب المعنى على ضمير المبتدأ، فالتعين ليس بمسلم، وقال بعضهم: إنه يحتمل أن يكون معنى الآية أن كل من تصدق واعترف بما يجب عليه من القصاص، وانقاد له فهو كفارة لما جناه من الذنب، ويلائمه كل الملاءمة قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} فضمير {لَهُ} حينئذ عائد إلى المتصدق مراداً به الجاني نفسه، وفيه بعد ظاهر، وقرأ أبيّ (فهو كفارته له)، فالضمير المرفوع حينئذ للمتصدق لا للتصدق، وكذا الضميران المجروران والإضافة للاختصاص واللام مؤكدة لذلك، أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها بالتصدق له لا ينقص منها شيء لأن بعض الشيء لا يكون ذلك الشيء، وهو تعظيم لما فعل حيث جعل مقتضياً للاستحقاق اللائق من غير نقصان، وفيه ترغيب في العفو، والآية نزلت ـ كما قال غير واحد ـ لما اصطلح اليهود على أن / لا يقتلوا الشريف بالوضيع والرجل بالمرأة، فلم ينصفوا المظلوم من الظالم، وعن السيد السند أن القصاص كان في شريعتهم متعيناً عليهم فيكون التصدق مما زيد في شريعتنا، وقال الضحاك: لم يجعل في التوراة دية في نفس ولا جرح، وإنما كان العفو أو القصاص وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.

ابن عاشور

تفسير : عطفت جملة {كتبنا} على جملة {أية : أنزلنا التّوراة}تفسير : [المائدة: 44]. ومناسبة عطف هذا الحكم على ما تقدّم أنّهم غيّروا أحكام القصاص كما غيّروا أحكام حدّ الزّنى، ففاضلوا بين القتلى والجرحى، كما سيأتي، فلذلك ذيّله بقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون}، كما ذيّل الآية الدّالّة على تغيير حكم حد الزّنى بقوله: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}تفسير : [المائدة: 44]. والكَتْب هنا مجاز في التّشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف (على)، أي أوجبنا عليهم فيها، أي في التّوراة مضمونَ {أنّ النّفس بالنّفس}، وهذا الحكم مسطور في التّوراة أيضاً، كما اقتضت تعديّة فعل {كتبنا} بحرف (في) فهو من استعمال اللّفظ في حقيقته، ومجازه. وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنّه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثّقاً، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه}تفسير : في سورة البقرة (282)، وقال الحارث بن حلّزة:شعر : وهل ينقض ما في المهارق الأهواءُ تفسير : والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من (أنّ). والمصدرُ في مثل هذا يؤخذ من معنى حرف الباء الّذي هو التّعويض، أي كتبنا تعويض النّفسسِ بالنّفس، أي النّفس المقتولة بالنّفس القاتلة، أي كتبنا عليهم مساواةَ القصاص. وقد اتّفق القرّاء على فتح همزة (أنّ) هنا، لأنّ المفروض في التّوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها. وقرأ الجمهور {والعينَ بالعينَ} وما عطف عليها ـــ بالنصب ـــ عطفاً على اسم (أنّ). وقرأه الكسائي ـــ بالرفع ـــ. وذلك جائز إذا استكملت (أنّ) خبرها فيعتبر العطف على مجموع الجملة. والنّفس: الذات، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : وتنسون أنفسكم} تفسير : في سورة البقرة (44). والأذن بضمّ الهمزة وسكون الذال، وبضمّ الذال أيضاً. والمراد بالنفس الأولى نفس المعتدى عليه، وكذلك في {والعين} الخ. والباء في قوله: {بالنّفس} ونظائره الأربعة باء العوض، ومدخولات الباء كلّها أخبار (أنّ)، ومتعلّق الجار والمجرور في كلّ منها محذوف، هو كون خاصّ يدلّ عليه سياق الكلام؛ فيقدر: أنّ النّفس المقتولة تعوّض بنفس القاتل والعين المتلفة تعوّض بعين المتلف، أي بإتلافها وهكذا النفس متلفة بالنّفس؛ والعين مفقوءة بالعين، والأنفَ مجدوع بالأنف؛ والأذن مصلُومة بالأذن. ولام التّعريف في المواضع الخمسة داخلة على عضو المجني عليه، ومجرورات الباء الخمسة على أعضاء الجاني. والاقتصار على ذكر هذه الأعضاء دون غيرها من أعضاءِ الجسد كاليد والرِجل والإصبع لأنّ القطع يكون غالباً عند المضاربة بقصد قطع الرقبة، فقد ينبو السيفُ عن قطع الرّأس فيصيب بعض الأعضاء المتّصلة به من عين أو أنف أو أذن أو سنّ. وكذلك عند المصاولة لأنّ الوجه يقابل الصائل، قال الحَريش بنُ هلال:شعر : نعرِّض للسيوف إذا التقينا وُجوهاً لا تعرّض لللّطَام تفسير : وقوله: {والجروحَ قصاص} أخبر بالقصاص عن الجروح على حذف مضاف، أي ذات قصاص. وقصاص مصدر قاصّة الدَّالّ على المفاعلة، لأنّ المجنيّ عليه يقاصّ الجاني، والجاني يقاصّ المجني عليه، أي يقطع كلّ منهما التبعة عن الآخر بذلك. ويجوز أن يكون {قصاص} مصدراً بمعنى المفعول، كالخلْق بمعنى المخلوق، والنَّصْب بمعنى المنصوب، أي مقصوص بعضها ببعض. والقصاص: المماثلة، أي عقوبة الجاني بجِراح أن يُجرح مثل الجرح الّذي جنى به عمداً. والمعنى إذا أمكن ذلك، أي أُمِن من الزيادة على المماثلة في العقوبة، كما إذا جَرحه مأمومة على رأسه فإنَّه لا يدري حين يَضرب رأس الجاني ماذا يكون مدى الضّربة فلعلّها تقضي بموته؛ فيُنتقَل إلى الدية كلّها أو بعضها. وهذا كلّه في جنايات العمد، فأمّا الخطأ فلم تتعرض له الآية لأنّ المقصود أنّهم لم يقيموا حكم التوراة في الجناية. وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر، وخلف {والجروح} ـــ بالنّصب ـــ عطفاً على اسم (أنّ). وقرأه ابن كثير، وابنُ عامر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب ـــ بالرّفع ـــ على الاستئناف، لأنّه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصّل حكم قطع الأعضاء. وفائدة الإعلام بما شرع الله لبني إسرائيل في القصاص هنا زيادة تسجيل مخالفتهم لأحكام كتابهم، وذلك أنّ اليهود في المدينة كانوا قد دخلوا في حروب بعاث فكانت قريظة والنضير حرباً، ثمّ تحاجزوا وانهزمت قريظة، فشرطت النضير على قريظة أنّ ديّة النضيري على الضِعف من ديّة القُرظي وعلى أنّ القرظي يُقتل بالنضيري ولا يقتل النضيري بالقرظي، فأظهر الله تحريفهم لكتابهم. وهذا كقوله تعالى: {أية : وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} تفسير : [البقرة: 84] إلى قوله {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}تفسير : [البقرة: 85]. ويجوز أن يقصد من ذلك أيضاً تأييد شريعة الإسلام إذ جاءت بمساواة القصاص وأبطلت التكايُل في الدّماء الّذي كان في الجاهلية وعند اليهود. ولا شكّ أنّ تأييد الشّريعة بشريعة أخرى يزيدها قبولاً في النّفوس، ويدلّ على أنّ ذلك الحكم مراد قديم للهتعالى، وأنّ المصلحة ملازمة له لا تختلف باختلاف الأفوام والأزمان، لأنّ العرب لم يزل في نفوسهم حرج من مساواة الشّريف الضّعيف في القصاص، كما قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب تثأر بأخيها عبد الله بن معد يكرب:شعر : فيَقْتُلَ جَبْراً بامرىءٍ لم يكن له بَوَاءً ولكنْ لاَ تَكَايُلَ بالدّم تفسير : تريد: رضينا بأن يُقتل الرجل الذي اسمه (جبر) بالمرء العظيم الّذي ليس كفؤاً له، ولكن الإسلام أبطل تكايُل الدّماء. والتكايل عندهم عبارة عن تقدير النّفس بعدّة أنفس، وقد قدّر شيوخ بني أسد دَم حُجْرٍ والد امرىء القيس بدِيات عشرة من سادة بني أسد فأبى امرؤ القيس قبول هذا التّقدير وقال لهم: «قد علمتم أن حُجراً لم يكن ليَبُوء به شيء» ـــ وقال مهلهل حين قَتَل بُجيرا:شعر : «بُؤْ بشِسْع نَعْل كُليب» تفسير : والبَواء: الكفاء. وقد عَدّت الآية في القصاص أشياء تكثر إصابتها في الخصومات لأنّ الرّأس قد حواها وإنَّما يقصد القاتل الرأس ابتداء. وقوله: {فمن تصدّق به فهو كفارة له} هو من بقية ما أخبر به عن بني إسرائيل، فالمراد بــ{مَنْ تصدّق} من تصدّق منهم، وضمير {به} عائد إلى ما دلّت عليه باء العوض في قوله {بالنفس} الخ، أي من تصدّق بالحقّ الذي له، أي تنازل عن العوض. وضمير {له} عائد إلى {من تصدّق}. والمراد من التصدّق العفو، لأنّ العفو لمّا كان عن حقّ ثابت بيد مستحقّ الأخذ بالقصاص جُعل إسقاطه كالعطيّة ليشير إلى فرط ثوابه، وبذلك يتبيّن أن معنى {كفّارة له} أنّه يكفّر عنه ذنوباً عظيمة، لأجل ما في هذا العفو من جلب القلوب وإزالة الإحن واستبقاء نفوس وأعضاء الأمّة. وعاد فحذّر من مخالفة حكم الله فقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} لينبّه على أنّ التّرغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم وإبطال العمل به لأنّ حكم القصاص شُرع لحكم عظيمة: منها الزجر، ومنها جبر خاطر المعتدى عليه، ومنها التفادي من ترصّد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم. فإبطال الحكم بالقصاص يعطّل هذه المصالح، وهْو ظلم، لأنّه غمص لحقّ المعتدى عليه أو ولِيّه. وأمّا العفو عن الجاني فيحقّق جميع المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنّه عن طيب نفس، وقد تغشى غباوة حكّام بني إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو، فهذا وجه إعادة التّحذير عقب استحباب العفو. ولم ينبّه عليه المفسّرون. وبه يتعيّن رجوع هذا التّحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه. وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} القول فيه كالقول في نظيره المتقدّم. والمراد بالظّالمين الكافرون لأنّ الظلم يطلق على الكفر فيكون هذا مؤكّداً للّذي في الآية السابقة. ويحتمل أنّ المراد به الجور فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنّهم كافرون ظالمون.

القطان

تفسير : هنا يعود الشارع لعرض نماذج من شريعة التوراة: وقد بقيت هذه الأحكام في شريعة الاسلام. والقاعدة عندنا ان شَرْعَ من قبلنا من الأديان السماوية شرعٌ لنا ما لم يرد نسخُه في القرآن. مثال ذلك: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}. فالأصلُ القصاصُ: النفسُ بالنفس الخ.... ثم جاء التسامح الاسلامي بأنَّ من تصدَّق بما ثَبَتَ له من حق القصاص، وعفا عن الجاني، كان عفُوه كفّارةً له، ويكفّر الله بها ذنوبه. وقد تميز الاسلام بتسامحه، وورد ذلك في كثير من الآيات والاحاديث وسِير الصحابة الكرام. ويقول النبي عليه الصلاة السلام: "حديث : أيعجِز أحدكُم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان اذا خرج من بيته تصدَّق بعرضه على الناس"تفسير : (أي آلى ان يسامح من قد يشتمونه). وأبو ضمضم هذا مّمن كان قبلَنا من الأمم السابقة، كما جاء في رواية ابي داود. وروي الإمام احمد، قال: "حديث : كسرَ رجُل من قريش سنَّ رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال: معاوية: استَرضِه. فألحّ الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك وكان أبو الدرداء جالساً فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما مِن مسلم يصابُ بشيء من جسدِه فيتصدَّق به إلا رفعه اللهُ به درجة، أو حطَّ به عنه خطيئة" فقال الأنصاري: فإني قد عفوت ". تفسير : هكذا يعلّمنا الله ورسوله ان نكون متسامحين في أمورنا جميعها، وان نطلب العوض من الله. وبعد هذا العرض يعقّب بالحكم الصارم بقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. ان كل من كان بصدد الحكم في شيء من هذه الجنايات، فأعرضَ عما أنزل اللهُ من القصاص المبنيّ على قاعدة العدل والمساواة بين الناس، وحكم بهواه ـ فلْيعتبر نفسَه من الظالمين. وجزاء هؤلاء معروف. في الآية التي قبلها كان الوصف هو "الكافرون" وهنا "الظالمون"، لكن هذا لا يعني ان الحالة الثانية غير التي سبق الوصف فيها بالكفر، وانما يعني الاضافة. فمن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الظالمون. قراءات: قرأ نافع: والأذْن بالأذْن، باسكان الذال حيث وقع. وقرأ الكسائي وابن كثير وابو عمرو وابن عامر: والجروحُ، بضم الحاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (45) - جَاءَتِ التَّوْرَاةُ بِشِرْعَةِ القِصَاصِ: فَالنَّفْسُ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ، وَلَكِنَّ اليَهُودَ يُخَالِفُونَ هَذا الحُكْمَ عَمْداً وَعِنَاداً: فَقَدْ كَانَتْ قَبِيلَتَا بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ تَتَحَارَبَانِ وَتَتَقَاتَلاَنِ، وَكَانَتْ قَبِيلَةُ بَنِي النَّضِيرِ قَوِيَّةً عَزِيزَةَ الجَانِبِ، وَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ ضُعَفَاءَ أذِلاَّءَ، فَكَانَ النَّضِيرِيُّ إذَا قَتَلَ قُرَظِيّاً، لَمْ يَكُنْ لِيُقْتَلَ بِهِ، بَلْ يُعْدِلُ فِيهِ إلى الدِّيَةِ. أمَّا إذا قَتَلَ القُرَظِيُّ نَضيرِيّاً، فَكَانَ يُقْتُلُ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ. كَمَا خَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ فِي تَرْكِ رَجْمِ الزَّانِي المُحْصَنِ، كَمَا أمَرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، وَعَدَلُوا عَنْهُ إلَى الجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ. وَقَضَتِ التَّوْرَاةُ بِأنْ تُفْقَأ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَبِأنْ يُجْدَعَ الأنْفُ بِالأنْفِ، وَأنْ تُصْلَمَ الأذْنُ بِالأذْنِ، وَأنْ تُنزعَ السِّنُّ بِالسِّنِّ. أمَّا الجِرَاحُ فَيَتِمُّ فِيهَا القِصَاصُ إذَا كَانَتْ فِي مِفْصَلٍ، فَقُتْطَعُ اليَدُ وَالرِّجْلُ وَالكَفُّ وَالقَدَمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَمَّا إذا كَانَ الجُرْحُ فِي عَظْمٍ وَلَيْسَ فِي مِفْصَلٍ، فَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّطْبِيقِ. فَمَنْ عَفَا وَتَصَدَّقَ بِحَقّهِ فِي القِصَاصِ عَلَى الجَانِي، كَانَ التَّصَدُّقُ كَفَّارَةً لَهُ يَمْحُو اللهُ بِهَا قَدْراً مِنْ ذُنُوبِهِ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ شْرعٍ، فَأولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، لأنَّهُمْ لَمْ يُنْصِفُوا المَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ، فِي أمْرٍ أمَرَ اللهُ بِالعَدْلِ وَالمُسَاوَاةِ فِيهِ بَيْنَ جَميعِ خَلْقِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد كتب الحق على اليهود في التوراة التي وصفها من قبل بأنها هدى ونور، كتب وأوجب عليهم أن النفس بالنفس، وعلينا أن نأخذ كل أمر وما يناسبه من الحدث. أي أن النفس تُقتل بالنفس. ولكن عندما يقول الحق: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ}، فهل يعني ذلك أن تقتل العين؟ لا. ولكن العين نقلع مقابل عين. وكذلك {وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ}. أي الأنف المجدوعة، مقابل جدع أنف أخرى. وكذلك قوله الحق: {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ} أي إصابة اذن بالصمم مقابل إصابة أذن بالصمم. إذن فلكل ما يقابله. فهناك النفس تقتل بالنفس وهناك العين تفقأ بالعين، وكذلك الأمر في جدع الأنف، وصلم الأذن. إن تعبيرات اللغة واسعة تعطي لكل وصف ما يناسبه. فالإنسان مثلاً قد يكون جائعاً. ولكن إلى ماذا؟ إن كان جائعاً لطعام فهو جوعان. وإن أراد خصوصية أكل ويشتهيه كاللحم فلا يقال له: جوعان، ولكن يقال "قَرِم". وإن كان يشتهي اللبن يقال له: "عَيْمان"، وإن كان في حاجة للماء يقال له: "عطشان". وإن كان جائعاً للجنس فهو "شَبِق". وذلك يكشف لنا أن الإنسانية تحتاج إلى أمور متعددة، وكل أمر له اسم. وكل شيء له تعبير. ومثال آخر: يقال: فلان جلس، أي قعد. وهذا في المعنى العام. ولكن الجلوس يكون عن اضطْجاعٍ. أما قعد، فهي عن قيام، أي كان قائماً وقعد. ولذلك قال الحق: {قِيَاماً وَقُعُوداً}. ومثال آخر: يقال: "نظر" و"رمق" و"لمح"؛ وكل كلمة لها موقفها؛ فالنظر يكون بجميع عينيه. و"رَمِق" أي لحظ لحظا خفيفاً. و"لَمَح" أي اختلس النظر إليه. وكذلك قوله الحق معناه: أننا كتبنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفسن والعين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مخلوعة بالسن. وبعد ذلك يقول الحق عن الجروح: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} لأن الجرح قد يكون في أي مكان. والقصاص يكون بمثله ومساوياً للشيء، وهو مأخوذ من قص الأثر؛ أي السير تبعاً لما سارت عليه القدم السابقة دون انحراف. ولما كان القصاص هو أمر مطلوب فيه المماثلة فذلك أمر صعب، صحيح أن الحق قال: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] لكن القصاص أمر صعب، فالصفعة من يد جائع متهافتة بعكس الصفعة التي تأتي من يدٍ صاحبُها في منتهى النشاط والقوة. فكيف يكون القصاص مناسباً لقوة الذي فعل الفعل؟ إذن لا يصح أن يدخل الإنسان في متاهة. ويمكنه أن يتصدق بالقصاص فلا يأخذه. ونحن نعلم حكاية "تاجر البندقية" ذلك المرابي اليهودي الذي أقرض نقوداً مقابل رطل من لحم صاحب القرض، وكتب الاثنان لاتعاقد وجاءا بالشهود ولم يستطع الرجل أن يُسدّد المال في الميعاد ولكن القاضي أنار الله بصيرته. فقال: خذ الرطل من لحم الرجل ولكن إن أنقصت أوقية فسنأخذها منك أو إن زدت أوقية فسنأخذها منك. فقال المرابي: لا أريد. وقد قنن الحق للجريمة، ولم يغلق سبحانه باب الطموحات الإيمانية، فقال: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُْ}. ومعنى "تصدق" أنه دفع وأعطى شيئا غير مستحق، ولا واجب عليه أي تبرع به ابتغاء وجه الله. إن الذي يتعب البشر في تقنيناتهم أنهم يطلبون إجراءات التقاضي، فساعة تقع جريمة يستمر التحقيق فيها بواسطة القضاء لأكثر من عام فتنبهت بشاعة الجريمة في النفس البشرية. ومن الواجب كذلك أن يكون الأمر لولي القصاص؛ لأنك إن مكنته أرضيت نفسه بأول شفاء. وساعة يُعطي الإنسان ذلك الحكم فقد يزهد فيه؛ لأن الأمر حين يكون في يده ويقدر على القصاص فمن المحتمل أن يعفو. وسيظل المتصدَّق عليه طيلة حياته يدين بحياته أو بجارحة من جوارحه لصاحب القصاص. وبدلاً من إيعازات الثأرات تنشأ المودة. وحين يشرع المشرع الأعلى يوضح لنا: لا تحكم بأنك دائماً معتدى عليك، بل تصور مرة أنك معتد، ألا تحب في مثل هذه الحالة أن يتصدق عليك صاحب القصاص؟ فإذا أرادت الحكومات لأن تنهي الثأرات فلهم في التشريع الأعلى الحكم الواضح. وفي صعيد مصر، ساعة يُقتل إنسان نجد الذي عليه الثأر يأخذ كفته ويذهب إلى العائلة الطالبة للثأر، ولحظة يدخل عليهم حاملاً كفنه بيديه، تشفي النفوس من طلب الثأر. ويحيا، وصاحب الثأر متفضل عليه بالعيش {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} تكون الصدقة هنا من ولي القصاص. والفعل "تصدق" يحتاج إلى اثنين هما: "متصدِّق" و"متصدَّق عليه". وسبحانه الحق يكفر عن المتصدق من الذنوب بقدر ما تسامح فيه لأخيه، وهنا يحنن الله الخلق بعضهم على بعض؛ لذلك تأتي المسألة هنا من ناحية صاحب القصاص لترغبه في التصدق. وينهي الحق الآية بقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} وعرفنا من قبل ضرورة الحكم بما أنزل الله. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ} معناه من عَفَا عَنهُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} معناهُ مَنْ لَمْ يٌقر بِهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إنزال الأحكام على الخواص بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} [المائدة: 45]، الإشارة إن الله تعالى جعل المساواة بين النفوس في القصاص كما جعلها بين الأرواح والأعضاء، فقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}، كما قاله تعالى: { وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]؛ ليتحققوا بالتساوي وفي الاستعداد الإنساني لقبول الفيض الرباني في طلب الكمال والبلوغ إلى ذروة الوصال، وأنه تعالى قد كرم بني آدم بنيل هذه الكرامة، وعنهم باختصاص هذه السعادة فقال: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70]، وإنما التقصير والتواني وقع من قبل الإنسان في طلب الكمال بترك الاجتهاد، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]، وقد جاء في بعض الكتب المنزلة "من طلبني وجدني"، والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس: 7-10]، فأظهر الله من تقي في حضيض النقصان بقي لترك التزكية بالخذلان، وإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وقال: "حديث : من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً"تفسير : ، وفيه معنى آخر وهو كما أن في إهلاك النفس بهلاك النفر المهلك، وفي إتلاف العضو المثلث كذلك إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وسن قلبه علاج معالجة وبمزيد الإدراك في هذه الأشياء المذكورة {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} [المائدة: 45]، أي: بهذه الإحياء والمعالجة {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة: 45]، على نفسه فيما فرط في إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 45]، وفي تزكيتها عن الأوصاف الذميمة وتجليها بالأخلاق الحميدة على قانون الشريعة بتربية أرباب الطريقة للوصول إلى الحقيقة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، فقد ظلموا أنفسهم بترك التربية؛ إذ وضعوا متابعة الحظوظ في موضع ملازمة الحقوق. {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46]، أي: اتقاء الأنبياء بعضهم بعضاً، فأنزلنا الكتب بعضها مصدقاً لبعض ومفرداً له؛ لبيان الدين القويم والهداية إلى صراط مستقيم والرجوع إلى رب العالمين لأرباب اليقين من المتقين {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } [المائدة: 47]، وكذلك أهل كتاب كل كتاب في سلوك الطريق {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 47]، من أهل كل كتاب {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، الخارجون عن الصراط المستقيم فضلوا عن طريق الحق، وذلوا بالباطل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الأحكام من جملة الأحكام التي في التوراة، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. إن الله أوجب عليهم فيها أن النفس -إذا قتلت- تقتل بالنفس بشرط العمد والمكافأة، والعين تقلع بالعين، والأذن تؤخذ بالأذن، والسن ينزع بالسن. ومثل هذه ما أشبهها من الأطراف التي يمكن الاقتصاص منها بدون حيف. { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } والاقتصاص: أن يفعل به كما فعل. فمن جرح غيره عمدا اقتص من الجارح جرحا مثل جرحه للمجروح، حدا، وموضعا، وطولا وعرضا وعمقا، وليعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه. { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ } أي: بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت له الحق قبله. { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } أي: كفارة للجاني، لأن الآدمي عفا عن حقه. والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه، وكفارة أيضا عن العافي، فإنه كما عفا عمن جنى عليه، أو على من يتعلق به، فإن الله يعفو عن زلاته وجناياته. { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } قال ابن عباس: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، فهو ظلم أكبر، عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند فعله غير مستحل له.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 245 : 14 : 18 - سفين عن منصور عن إبراهيم ومجاهد، {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال، كفارة للجارح. وأجر المجروح على الله تبارك وتعالى. [الآية 45]. 246 : 15 : 19 - سفين عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن الهيثم بن الاسود عن عبد الله بن عمرو {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال، هدم عنه مثل ذلك من ذنوبه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [45] 165- أنا محمد بن المُثنى، نا خالد، نا حُميد، عن أنس قال: حديث : كسَرت الرُّبيع ثنيَّة جارية، فطلبوا إليهم العفو، فأَبَوا، فعرضوا عليهم الأَرْش، فأَبَوا وأَتَوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالقِصاص، فقال أنس بن النَّضر: يا رسول الله، تُكْسَر ثنيَّة الرُّبيع، والذي / بعثك بالحق لا تُكْسَر. قال: "يا أنس، كتاب الله القصاص" فرضي القوم وعفوا فقال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه ". تفسير : قوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [45] 166- أنا علي بن حُجر، عن جرير، عن مغيرة، عن الشَّعبي، عن ابن الصَّامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تصدَّق من جسده بشيء كفَّر الله عنه بقدر ذلك من ذنوبه ".