٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : قفيته: مثل عقبته إذا اتبعته، ثم يقال: عقبته بفلان وقفيته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء. فإن قيل: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلنا: هو محذوف، والظرف وهو قوله {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } كالساد مسده، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في {ءاثَـٰرِهِمْ } للنبيّين في قوله {أية : يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } تفسير : [المائدة: 44] وهٰهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة، ومعلوم أنه لم يكن كذلك، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام، فلذلك قال في آخر هذه الآية {أية : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } تفسير : [المائدة: 47] فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين؟ والجواب: معنى كون عيسى مصدقاً للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند الله، وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود النسخ. السؤال الثاني: لم كرر قوله {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والجواب: ليس فيه تكرار لأن في الأول: أن المسيح يصدق التوراة، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة. السؤال الثالث: أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال: {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } وفيه مباحثات ثلاثة: أحدها: ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة: وثانيها: لم ذكر الهدى مرتين؟، وثالثها: لم خصصه بكونه موعظة للمتقين؟ والجواب على الأول: أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد، وعلى النبوّة وعلى المعاد، فهذا هو المراد بكونه هدىً، وأما كونه نوراً، فالمراد به كونه بياناً للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف، وأما كونه مصدقاً لما بين يديه، فيمكن حمله على كونه مبشراً بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبمقدمه وأما كونه هدىً مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيهاً على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجاً إلى البيان والتقرير، وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وإنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2]. السؤال الرابع: قوله في صفة الإنجيل {وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } عطف على ماذا؟ الجواب: أنه عطف على محل {فِيهِ هُدًى } ومحله النصب على الحال، والتقدير: وآتيناه الإنجيل حال كونه هدىً ونوراً ومصدقاً لما بين يديه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني التوراة؛ فإنه رأى التوراة حقاً، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ. «مُصَدِّقاً» نصِب على الحال من عيسى. {فِيهِ هُدًى} في موضع رفع بالابتداء. {وَنُورٌ} عطف عليه. {وَمُصَدِّقاً} فيه وجهان؛ يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقاً الأوّل، ويجوز أن يكون حالاً من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقراً فيه هدًى ونور ومصدقاً. {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً} عطف على «مُصَدِّقاً» أي هادياً وواعظاً. {لِّلْمُتَّقِينَ} وخصهم لأنهم المنتفعون بهما. ويجوز رفعهما على العطف على قوله: {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ}. قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} قرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي. والباقون بالجزم على الأمر؛ فعلى الأول تكون اللام متعلقة بقوله: «وَآتَيْنَاهُ» فلا يجوز الوقف؛ أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه. ومن قرأه على الأمر فهو كقوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ} فهو إلزام مستأنف يبتدأ به؛ أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن فهو منسوخ. وقيل: هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأُصول. قال مكيّ: والاختيار الجزم؛ لأن الجماعة عليه؛ ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل. قال النحاس: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان؛ لأن الله عز وجل لم ينزِل كتاباً إلا ليعمل بما فيه، وآمر بالعمل بما فيه؛ فصحتا جميعاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَقَفَّيْنَا} أي: أتبعنا {عَلَىٰ آثَارِهِم}، يعني: أنبياء بني إسرائيل {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} أي: مؤمناً بها، حاكماً بما فيها، {وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} أي: متبعاً لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ولهذا كان المشهور من قول العلماء: أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة. وقوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي: وجعلنا الإنجيل هدى يهتدى به، وموعظة، أي: زاجراً عن ارتكاب المحارم والمآثم للمتقين، أي: لمن اتقى الله، وخاف وعيده وعقابه. وقوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} قرىء: (وَلْيَحْكُمْ) أهل الإنجيل، بالنصب على أن اللام لام كي، أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم، أهل ملته به في زمانهم، وقرىء: (وَلْيَحْكُمْ)، بالجزم على أن اللام لام الأمر، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد، والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: {قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية، وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ} تفسير : [الأعراف: 157] إلى قوله: {ٱلْمُفْلِحُونَ}، ولهذا قال ههنا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر من السياق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَفَّيْنَا } أتبعنا {عَلَىٰ ءَاثَٰرِهِمْ } أي النبيين {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } قبله {مِنَ ٱلتَوْرَٰةِ وَءاتَيْنَٰهُ ٱلإنجِيلَ فِيهِ هُدًى } من الضلالة {وَنُورٌ } بيان للأحكام {وَمُصَدِّقًا } حال {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَٰةِ } لما فيها من الأحكام {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ }.
ابن عطية
تفسير : {قفينا} تشبيه كأن مجيء عيسى كان من قفاء مجيء النبيين وذهابهم، والضمير في {آثارهم} للنبيين المذكورين في قوله: {أية : يحكم بها النبيون} تفسير : [المائدة: 44] و {مصدقاً} حال مؤكدة و {التوراة} بين يدي عيسى لأنها جاءت قبله كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة، وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع، و {الإنجيل} اسم أعجمي ذهب به مذهب الاشتقاق من نجل إذا استخرج وأظهر، والناس على قراءته بكسر الهمزة إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه قرأ "الأنجيل" بفتح الهمزة، وقد تقدم القول على ذلك في أول سورة آل عمران. و "الهدى" الإرشاد والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه. و "النور" ما فيه مما يستضاء به. و {مصدقاً} حال مؤكدة معطوفة على موضع الجملة التي هي فيه هدى فإنها جملة في موضع الحال. وقال مكي وغيره: {مصدقاً} معطوف على الأول. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا قلق من جهة اتساق المعاني. وقرأ الناس "وهدىً وموعظةً" بالنصب. وذلك عطف على {مصدقاً}, وقرأ الضحاك "وهدى وموعظةٌ" بالرفع وذلك متجه. وخص "المتقين" بالذكر لأنهم المقصود به في علم الله وإن كان الجميع يدعى ويوعظ ولكن ذك على غير المتقين عمى وحيرة. وقرأ أبيّ بن كعب "وأن ليحكم" بزيادة أن. وقرأ حمزة وحده "ولِحكمَ" بكسر اللام وفتح الميم على لام كي ونصب الفعل بها، والمعنى وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق ليحكم أهله بما أنزل الله فيه، وقرأ باقي السبعة "ولْيحكم" بسكون اللام التي هي لام الأمر وجزم الفعل. ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم. وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله. ومن القراء من يكسر لام الأمر ويجزم الفعل وقد تقدم نظير هذه الآية، وتقريره هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد وأصوب ما يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها. وأخبر تعالى بعد بنزول هذا القرآن، وقوله: {بالحق} يحتمل أن يريد مضمناً الحقائق من الأمور فكأنه نزل بها، ويحتمل أن يريد أنه أنزله بأن حق ذلك لا أنه وجب على الله ولكن حق في نفسه وأنزله الله تعالى صلاحاً لعباده، وقوله: {من الكتاب} يريد من الكتب المنزلة. فهو اسم جنس، واختلفت عبارة المفسرين في معنى "مهيمن". فقال ابن عباس: {مهيمناً} شاهداً. وقال أيضاً مؤتمناً. وقال ابن زيد: معناه مصدقاً، وقال الحسن بن أبي الحسن أميناً، وحكى الزجاج رقيباً ولفظة المهيمن أخص من هذه الألفاظ، لأن المهيمن على الشيء هو المعنيّ بأمره الشاهد على حقائقه الحافظ لحاصله ولأن يدخل فيه ما ليس منه والله تبارك وتعالى هو المهيمن على مخلوقاته وعباده، والوصي مهيمن على محجوريه وأموالهم، والرئيس مهيمن على رعيته وأحوالهم، والقرآن جعله الله مهيمناً على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق وعلى ما نسبه المحرفون إليها فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، وهذا هو شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين، و "مهيمن" بناء اسم فاعل، قال أبو عبيدة: ولم يجىء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة أحرف. وهي مسيطر ومبيطر ومهيمن ومجيمر. وذكر أبو القاسم الزجّاج في شرحه لصدر أدب الكتاب ومبيقر. يقال بيقر الرجل إذا سار من الحجاز إلى الشام ومن أفق إلى أفق، وبيقر أيضاً لعب البيقرا وهي لعب يلعب بها الصبيان، وقال مجاهد قوله تعالى: {ومهيمناً عليه} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن. قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس "مهيمِناً" بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن "ومهيمَناً" عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: {مصدقاً} وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و {عليه} في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله: "مهيمن" أصله "مويمن" بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج: وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى "مهيمن" مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب. قال القاضي أبو محمد: ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون {مصدقاً ومهيمناً} حالين من الكاف في {إليك}. ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي.قال بعض العلماء هذه ناسخة لقوله: {أية : أو أعرض عنهم} تفسير : [المائدة:42] وقد تقدم ذكر ذلك. وقال الجمهور: إنه ليس بنسخ، وإن المعنى فإن اخترت ان تحكم {فاحكم بينهم بما أنزل الله} ثم حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم أي شهواتهم وإرادتهم التي هي هوى وسول للنفس، والنفس أمّارة بالسوء فهواها مرد لا محالة، وحسن هنا دخول عن في قوله: {عما جاءك من الحق} لما كان الكلام بمعنى لا تنصرف أو لا تزحزح بحسب أهوائهم عما جاءك. واختلف المتأولون في معنى قوله عز وجل {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة وجمهور المتكلمين: المعنى "لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً" أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك.. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عدداً من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام:90] فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}. قال القاضي أبو محمد: والتاويل الأول عليه الناس. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {لكل جعلنا منكم} الأمم كما قدمنا. ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم، وتجيء الآية مع هذا الاحتمال في الأنبياء تنبيهاً لمحمد صلى الله عليه وسلم أي فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه، والمتأولون على أن الشرعة والمنهاج في هذه الآية لفظان بمعنى واحد، وذلك أن الشرعة والشريعة هي الطريق إلى الماء وغيره مما يورد كثيراً فمن ذلك قول الشاعر: شعر : وفي الشرائع من جلان مقتنص بالي الثياب خفيّ الصوت مندوب تفسير : أراد في الطريق إلى المياه، ومنه الشارع وهي سكك المدن، ومنه قول الناس وفيها يشرع الباب، والمنهاج أيضاً الطريق، ومنه قول الشاعر: شعر : ومن يك في شك فهذا نهج ماء رواه وطريق نهج تفسير : أراد واضحاً والمنهاج بناء مبالغة في ذلك، وقال ابن عباس وغيره: {شرعة ومنهاجاً} معناه سبيلاً وسنة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويحتمل لفظ الآية أن يريد بالشرعة الأحكام، وبالمنهاج المعتقد أي وهو واحد في جميعكم، وفي هذا الاحتمال بعد، والقراء على "شِرعة" بكسر الشين وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب "شَرعة" بفتح الشين، ثم أخبر تعالى بأنه لو شاء لجعل العالم أمة واحدة ولكنه لم يشأ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع، كذا قال ابن جريج وغيره، فليس لهم إلا أن يجدّوا في امتثال الأوامر وهو استباق الخيرات، فلذلك أمرهم بأحسن الأشياء عاقبة لهم، ثم حثهم تعالى بالموعظة والتذكير بالمعاد في قوله {إلى الله مرجعكم جميعاً} والمعنى فالبدار البدار، وقوله تعالى: {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} معناه يظهر الثواب والعقاب فتخبرون به إخبار وإيقاع، وإلا فقد نبأ الله في الدنيا بالحق فيما اختلفت الأمم فيه. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية بارعة الفصاحة جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وكل كتاب الله كذلك، إلا أنا بقصور أفهامنا يبين في بعض لنا أكثر مما يبين في بعض.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وقفينا على آثارهم} يعني وعقبنا على آثار النبيين الذين أسلموا {بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة} يعني أن عيسى عليه السلام كان مصدقا بأن التوراة منزلة من عند الله عزّ وجل وكان العمل بها واجباً قبل ورود النسخ عليها فإن عيسى عليه السلام نسخ بعض أحكام التوراة وخالفها {وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور} يعني فيه هدى من الجهالة وضياء من عمى البصيرة {ومصدقاً لما بين يديه من التوراة} هذا ليس بتكرار للأول لأن فى الأول الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة. وفي الثاني: الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر الفرق بين اللفظين وأنه ليس بتكرار {وهدى وموعظة للمتقين} إنما قال: وهدى مرة أخرى لأن الإنجيل يتضمن البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون سبباً لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وأما كون الإنجيل موعظة، فلما فيه من المواعظ البليغة والزواجر والأمثال وإنما خص المتقين بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالمواعظ. قوله تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} قال أهل المعاني: قوله وليحكم يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخباراً عما فرض عليهم فى وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله وكتبنا وقفينا يدل عليه وحذف القول كثير. والوجه الثاني: أن يكون قوله وليحكم ابتداء وفيه أمر للنصارى بالحكم بما فى كتابهم وهو الإنجيل. فإن قلت فعلى هذا الوجه كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن قلت: إن المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن ذكره فى الإنجيل ووجوب التصديق بنبوته موجود فإذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد حكموا بما فى الإنجيل. وقوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} يعني: فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله عز وجل. قوله عز وجل: {وأنزلنا إليك الكتاب} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وأنزلنا إليك يا محمد القرآن {بالحق} يعني بالصدق الذي لا شك فيه أنه من عند الله {مصدقاً لما بين يديه من الكتاب} يعني أن يصدق جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه {ومهيمناً عليه} قال ابن عباس يعني شاهداً على الكتب التي قبله ومنه قول حسان: شعر : إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب تفسير : يريد أنه شاهد ومصدق لنبينا صلى الله عليه وسلم وإنما كان القرآن مهيمناً على الكتب التي قبله لأنه الكتاب الذي لا ينسخ ولا يغير ولا يبدل. وإذا كان القرآن كانت شهادته على التوراة والإنجيل والزبور وجميع الكتب المنزلة حقا وصدقاً. وقيل: المهيمن الأمين. وإنما كان القرآن أميناً على الكتب التي قبله فيما أخبر أهل الكتب عن كتبهم فإن قالوا ذلك فى القرآن فقد صدقوا وإلا فلا {فاحكم بينهم بما أنزل الله} يعني: إذا ترافع أهل الكتاب إليك يا محمد فاحكم بينهم بالقرآن الذي أنزل الله إليك {ولا تتبع أهواءهم} يعني: ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود فى الحكم وقال ابن عباس لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن {عما جاءك من الحق} يعني ولا تنحرف عن الحق الذي جاءك من عند الله متبعاً أهواءهم، وقوله: ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لكن المراد به غير لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتبع أهواءهم قط. وقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} الخطاب فى قوله منكم للأمم الثلاثة أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين بدليل أن الله عز وجل قال قبل هذه {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44] ثم قال بعد ذلك {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم} ثم قال {وأنزلنا إليك الكتاب} ثم جمع فقال {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} والشرعة: الشريعة. يعني لكل أمة شريعة فللتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة والدين واحد وهو التوحيد. وأصل الشريعة من الشرع وهو البيان والإظهار فمعنى شرع بيَّن وأوضح. وقيل: هو من الشروع في الشيء. والشريعة في كلام العرب، المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون ويسقون منها. وقيل: الشريعة الطريقة ثم استعير ذلك للطريقة الإلهية المؤدية إلى الدين والمنهاج الطريق الواضح وقال بعضهم الشريعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد والتكرير للتأكيد والمراد بهما: الدين وقال آخرون: بينهما فرق لطيف وهو أن الشريعة هي التي أمر الله بها عباده. والمنهاج: الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة. قال ابن عباس: في قوله شرعة ومنهاجاً سنة وسبيلاً. وقال قتادة: سبيلاً وسنة فالسنن مختلفة للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة يحل الله عز وجل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل غيره هو التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم السلام وقال علي بن أبي طالب: الإيمان منذ بعث آدم عليه السلام شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله ولكل قوم شريعة ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالة على عدم التباين فى طريقة الأنبياء والرسل منها قوله: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90] ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم منها هذه الآية وهي قوله {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} وطريق الجمع بين هذه الآيات أن كل آية دلت على عدم التباين فهي دالة على أصول الدين من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكل ذلك جاءت به الرسل من عند الله ولم يختلفوا فيه. وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينهم، فمحمولة على الفروع، وما يتعلق بظواهر العبادات فجائز أن يتعبد الله عباده فى كل وقت بما يشاء فهذه طريق الجمع بين هذه الآيات والله أعلم بأسرار كتابه واحتج بهذه من قال إن شرع من قبلنا لا يلزمنا لأن قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً يدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر ثم قال تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} يعني جماعة متفقة على شريعة واحدة ودين واحد لا اختلاف فيه {ولكن ليبلوكم} يعني ولكن أراد أن يختبركم {فيما آتاكم} يعني من الشرائع المختلفة هل تعلمون بها أم لا؟ فيتبين بذلك المطيع من العاصي والموافق من المخالف {فاستبقوا الخيرات} هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يعني فبادروا يا أمة محمد بالأعمال الصالحات التي تقربكم إلى الله تعالى {إلى الله مرجعكم جميعاً} يعني المطيع والعاصي والموافق والمخالف {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} يعني: فيخبركم فى الآخرة بما كنتم فيه تختلفون من أمر الدين والدنيا. والمعنى: فيخبركم في الآخرة بما لا تشكون معه فيفصل بين المحق والمبطل والطائع والعاصي بالثواب والعقاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ...} الآية: الضميرُ في {ءَاثَـٰرِهِمْ} للنبيِّين. وقوله: {وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}: خُصَّ المتقون بالذِّكْر؛ لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يُدْعَىٰ إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك علَىٰ غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ. وقرأ حمزة وحده: «وَلِيَحْكُمَ» ـــ بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ ـــ؛ على «لام كَيْ»، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنَىٰ: وآتيناه الإِنجيل؛ ليتضمَّن الهدَىٰ والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» ـــ بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ ـــ، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم. قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه ٱتِّبَاعُهُمْ لنبيِّنا محمد ـــ عليه السلام ـــ والإيمانُ به؛ كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر: قيل: المرادُ: ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه؛ من الدلائلِ الدالَّة علَىٰ نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم قيل: والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى. انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ علَىٰ وعيدِ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه. وقوله سبحانه: {وَمُهَيْمِناً}، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلَىٰ ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنَىٰ {مُهَيْمِناً}، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ؛ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن»: أصله «مُؤَيْمِن»؛ بُنِيَ من «أَمين»؛ أبدلَتْ همزتُهُ هاءً؛ كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ؛ وٱستحسنه الزَّجَّاج. وقوله سبحانه: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ}: المعنى؛ عند الجمهور: إن ٱخْتَرْتَ أنْ تحكم، فٱحكُمْ بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: {أية : أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [المائدة:42]. ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ من ٱتِّباع أهوائهم. وقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً}، أي: لكلِّ أمة؛ قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد ـــ عليه السلام ـــ، أيْ: فٱحفظْ شرعتك ومنهاجَكَ؛ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: {شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً}: سبيلاً وسُنَّة، ثم أخبر سبحانه؛ أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ؛ لأنه أراد ٱختبارهم وٱبتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع؛ كذا قال ابنُ جُرَيْج وغيره. ثم أمر سبحانه بٱستباقِ الخيراتِ في ٱمتثالِ الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: {إلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ. وقوله سبحانه: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض. وقوله تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ...} الآية: الهوَىٰ مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالَىٰ نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ من اليهودِ؛ أنْ يفتنوه؛ بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل اللَّه عليه مِنَ الأحكام؛ لأنهم كانوا يريدُونَ أنْ يخدَعُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً: ٱحْكُمْ لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ علَىٰ دينك. وقوله سبحانه: {فَإِن تَوَلَّوْاْ}، قبله محذوفٌ، تقديره: فإِنْ حكَّموك وٱستقَامُوا، فَنِعِمَّا ذلك، وَإِن تَوَلَّوْا, {فَٱعْلَم...} الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها؛ لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ: نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدَّىٰ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة. وقال الفَخْر: وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض - كافٍ في إهلاكهم وتدميرِهِمْ. انتهى. وقوله سبحانه: {فَٱعْلَم...} الآية: وعد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ وفَدَك وغيرهم. وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ}: إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ. وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}: إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً}، أي: لا أحد أحسنُ منه حكماً تبارك وتعالَىٰ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} الآية، قد تقدم معنى "قفينا" وأنه من قَفَا يَقْفُو أي: تبع قفاه في البقرة [الآية 87] وقوله تعالى: {على آثارهم بعيسى} كِلاَ الجارَّيْنِ متعلق به على تضمينه معنى "جئنا به على آثارهم قافياً لهم". وقد تقدم أيضاً أن التضعيف فيه ليس للتعدية لعلّة ذُكِرَتْ هناك، وإيضاحها أنَّ "قَفَا" متعدٍّ لواحد قبل التضعيف، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الإسراء: 36] فـ "ما" موصولة بمعنى "الذي" هي مفعول، وتقول العرب: "قفا فلان أثر فلان" أي: تبعه، فلو كان التضعيف للتعدّي لتعدى إلى اثنين، فكان التركيب يكون: "ثم قفيناهم عيسى ابن مريم" فـ "هم" مفعول ثانٍ، و"عيسى" أول، ولكنه ضُمِّن كما تقدم، فلذلك تعدى بالباء، و"على" قال الزمخشري: "قَفَّيْتُهُ" مثل: عَقَّبْتُهُ إذا أتبعته، ثم يقال: "قَفَّيتُهُ بفلان" مثل: عقَّبْتُه به: فتعديه إلى الثاني بزيادة "الباء". فإن قلت: فأين المفعول الأول؟ قلت: هو محذوف، والظرف الذي هو "على آثارهم" كالسَّادِّ مسدَّه؛ لأنه إذا قَفَّى به على أثره، فقد قَفَّى به إياه، فكلامه هنا ينحو إلى أنَّ "قفَّيته" مضعفاً كـ "قفوته" ثلاثياً ثم عدَّاهُ بالباء، وهذا وإن كان صحيحاً من حيث إنَّ "فعَّل" قد جاء بمعنى "فعل" المجرد كـ "قدَّرَ وقَدَرَ"، إلا أنّ بعضهم زعم أن تعدية المتعدي لواحد لا يتعدَّى إلى ثانٍ بالباء، لا تقول في "طعم زيد اللحم": "أطعمت زيداً باللحم" ولكن الصواب أنه قليل غير ممتنع، جاءت منه ألفاظ قالوا: "صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ" ثم يقولون: صككت الحَجَر بالحجر، و"دَفَعَ زيدٌ عَمْراً" ثم: دَفَعْتُ زيداً بعمرو: أي: جعلته دافعاً له، فكلامه إما ممتنع، أو محمول على القليل، وقد تقدم في البقرة الإشارة إلى منع ادِّعاء حذف المفعول من نحو "قَفَّيْنَا" في البقرة [الآية 87]. وناقشه أبو حيان في قوله: "فقد قَفَّى به إياه" من حيث إنه أتى بالضمير المنفصل مع قدرته على المتصل، فيقول: "قفيته به". قال: "ولو قلت: "زيدٌ ضربْتُ بسوط إياه" لم يَجُزْ إلا في ضرورة شعر، بل ضربته بسوط"، وهذا ليس بشيء، لأن ذلك من باب قوله: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [الممحنة: 1] {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [النساء: 131] وقد تقدَّم تحقيقه. والضمير في "آثارهم": إمَّا للنبيين؛ لقوله: {يَحْكُمُ بها النبيون} وإمَّا لِمَنْ كُتِبَتْ عليهم تلك الأحْكَامُ، والأول أظهر؛ لقوله في موضع آخر: {برسلنا وقفَّينا بعيسى ابن مريم}. و"مصدقاً" حال من "عيسى". قال ابن عطية: وهي حال مؤكّدة، وكذلك قال في "مصدقاً" الثانية، وهو ظاهرٌ فإن مَنْ لازم الرَّسول والإنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا مصدِّقَيْن. و"لما" متعلّق به. وقوله: "من التوراة" حال: إما من الموصول، وهو "ما" المجرورة باللام، وإما من الضمير المستكنّ في الظرف لوقوعه صِلَةً، ويجوز أن تكُون لبيان جِنْسِ الموصول. قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون عطفاً على قوله: "وَقَفَّيْنَا" فلا يكون لها مَحَلٌّ، كما أن المعطوف عليه لا مَحَلَّ له، ويجوز أن تكون في مَحَلِّ نصب على الحال عَطْفاً على "مصدقاً" الأوَّل إذا جعل "مصدقاً" الثاني حالاً من "عيسى" أيضاً كما سيأتي، [ويجوز أن تكون الجملة حالاً] وإن لم يكن "مصدقاً" الثاني حالاً من "عيسى". قوله تعالى: "فيه هدى" يجوز أن يكون "فيه" وحده حالاً من الإنجيل، و"هدى" فاعل به؛ لأنه لما اعتمد على ذِي الحَالِ رفع الفاعل ويجوز أن يكون "فيه" خبراً مقدّماً، "وهدى" مبتدأ مؤخر، والجملة حال، و"مصدقاً" حال عَطْفاً على محل "فيه هدى" بالاعتبارين أعني اعتبار أن يكون "فيه" وَحْدَهُ هو الحال، فعطفت هذه الحال عليه، وأن يكون "فيه هدى" جملة اسمية محلُّها النصب، و"مصدقاً" عطف على محلِّهَا، وإلى هذا ذَهَبَ ابن عطية، إلاّ أن هذا مرجوحٌ من وجهين: أحدهما: أن أصل الحال أن تكون مفردة، والجار أقرب إلى المفرد من الجمل. الثاني: أن الجملة الاسمية الواقعة حالاً، الأكثر أن تأتي فيها بالواو، وإن كان فيها ضميرٌ - حتى زعم الفراء - وتبعه الزمخشري أن ذلك لا يجوز إلا شاذّاً، وكونُ "مصدقاً" حالاً من "الإنجيل" هو الظاهر. وأجاز مكي بن أبي طالب - وتبعه أبو البقاء - أن يكون "مصدقاً"، الثاني حالاً أيضاً من "عيسى" كُرِّرَ توكيداً. قال ابن عطية: "وهذا فيه قَلَقٌ من جهة اتساق المعاني". قال شهاب الدين: إذا جعلنا "وآتيناه" حالاً منه، وعطفنا عليها هذه الحال الأخرى، فلا أدْرِي وجْه القلقِ من الحيثية المذكورة؟ وقوله: "وهدى" الجمهور على النَّصْبِ، وهو على الحال: إمَّا من "الإنجيل"، عطفت هذه الحال على ما قبلها، وإمَّا من "عيسى" أي: ذا هُدًى وموعظة، أو هادياً، أو جعل نفس الهدى مبالغة. وأجاز الزمخشري أن ينتصبا على المفعُولِ من أجْلِهِ، وجعل العامل فيه قوله تعالى: "آتيناه"، قال: وأنْ ينتصبا مفعولاً لهما لقوله: "وليحكم" كأنه قيل وللهدى وللموعظة آتيناه الإنجيل وللحكم. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون العامل فيه "قَفَّيْنَا" أي: قفينا للهدى والموعظة، وينبغي إذا جعلا مفعولاً من أجله أن يُقدَّر إسنادهما إلى الله - تعالى - لا إلى الإنجيل ليصح النصب، فإن شرطه اتحاد المفعول له مع عامله فاعلاً وزماناً، ولذلك لما اختلف الفاعل في قوله: {وليحكم أهل الإنجيل} عُدِّي إليه باللام، ولأنه خالفه أيضاً في الزمان، فإن زمن الحكم مستقبل وزمن الأنبياء ماضٍ، بخلاف الهداية والموعظة، فإنهما مقارنان في الزمان للإيتاء. و"للمتقين" يجوز أن يكون صفة لـ "موعظة"، ويجوز أن تكون "اللام" زائدة مقوية، و"المتقين" مفعول بـ "موعظة"، ولم تمنع تاءُ التأنيث من عمله؛ لأنه مبنيٌّ عليها؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1970-..................وَرَهْبَةٌ عِقَابَكَ....................... تفسير : وقد تقدم الكلام على "الإنجيل" واشتقاقه وقراءةُ الحسن فيه بما أغنى عن إعادته. وقرأ الضَّحَّاك بن مزاحم: "وهُدًى وموعِظَةٌ" بالرفع، ووَجْهُهَا أنها خبر ابتداء مضمر، أي: وهو هدى وموعظة. فصل قال ابن الخَطيبِ: هنا سؤالات: الأول: أنه - تعالى - وَصَفَ عيسى ابن مريم بكونه مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وإنما يكون كذلك، إذا كان [عمله على شريعة التوراة، ومعلوم أنه لم يكن] كذلك فإن شريعة عيسى كانت مغايرة لشريعة موسى عليهما السلام، ولذلك قال تعالى في آخر هذه الآية: {أية : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} تفسير : [المائدة: 47] فكيف الجمع بينهما؟ والجواب: كون عيسى عليه الصلاة والسلام مصدقاً للتوراة، أقر بأنه كتاب منزل من عند الله تعالى، وأنه كان حقًّا واجب العمل به قبل وُرُودِ النَّسْخِ. الثاني: لم كرر كونه مصدقاً لما بين يديه؟ والجواب: ليس فيه تكْرَارٌ، إلا أنَّ في الأول أنَّ المسيح يصدق التوراة، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة. الثالث: ما معنى وصفه الإنجيل بهذه الصفات الخمسة فقال "[فيه] هدى ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين"؟ والجواب: [أن قوله] "هدى" بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدَّالة على التوحيد والتنزيه، وبراءة الله عن الصاحبة والولد، والمثل والضد، وعلى النبوة والمعاد فهذا هو المراد بكونه هدى. وأما كونه نوراً [فالمراد به كونه بياناً للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف]. وأما كونه هدى مرة أخرى، فلأن اشتماله على البشارة بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولمّا كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله مرة أخرى تنبيهاً على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجاً إلى البيان والتقرير. وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة، وإنما خصها بالمتقين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها كقوله {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2].
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ في قوله {وقفينا على آثارهم} يقول: بعثنا من بعدهم عيسى ابن مريم. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله {وقفينا على آثارهم} قال: اتبعنا آثار الأنبياء، أي بعثنا على آثارهم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: شعر : يوم قفت عيرهم من عيرنا واحتمال الحي في الصبح فلق تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} قال: من أهل الإنجيل {فأولئك هم الفاسقون} قال: الكاذبون. قال ابن زيد: كل شيء في القرآن فاسق فهو كاذب إلا قليلا، وقرأ قول الله {أية : إن جاءكم فاسق بنبأ} تفسير : [الحجرات: 6] فهو كاذب. قال: الفاسق ههنا كاذب.
ابو السعود
تفسير : {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم} شروعٌ في بـيان أحكام الإنجيلِ إثْرَ بـيانِ أحكام التوراة وهو عطفٌ على (أنزلنا التوراة) أي آثارِ النبـيـين المذكورين، يقال: قَفَّيتُه بفلان إذا أتبعتُه إياه، فحذَفَ المفعولَ لدلالة الجار والمجرور عليه أي قفيناهم {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي أرسلناه عَقيبَهم {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} حالٌ من عيسى عليه السلام {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيل} عطفٌ على قفَّينا وقرىء بفتح الهمزة {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} كما في التوراة وهو في محل النصْب على أنه حال من الإنجيل أي كائناً فيه ذلك كأنه قيل: مشتملاً على هدى ونور، وتنوينُ هدىً ونورٌ للتفخيم، ويندرج في ذلك شواهدُ نبوتِه عليه السلام {وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} عطف عليه داخلٌ في حكم الحالية وتكريرُ (ما بـين يديه من التوراة) لزيادة التقرير {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ} عطفٌ على مصدقاً منتظمٌ معه في سلك الحالية جُعل كلُّه هدىً بعد ما جُعل مشتملاً عليه حيث قيل: (فيه هدى) وتخصيصُ كونِه هدىً وموعظةً بالمتقين لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجَدْواه. {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} أمرٌ مبتدأٌ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالتِه عليه الصلاة والسلام وشواهدُ نبوته وما قرَّرت الشريعة الشريفةُ من أحكامه، وأما أحكامُه المنسوخةُ فليس الحكمُ بهما حكماً بما أنزل الله فيه بل هو إبطالٌ وتعطيلٌ له، إذ هو شاهدٌ بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادته بصحة ما ينسَخُها من الشريعة شهادةٌ بنسخها، وبأن أحكامَه ما قرَّرتْه تلك الشريعةُ التي شهد بصحتها كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ }تفسير : [المائدة، الآية 68] الآية، وقيل: هو حكايةٌ للأمر الوارد عليهم بتقدير فعلٍ معطوف على آتيناه أي وقلنا: ليحكم أهلُ الإنجيل الخ، وقرىء (وأن) ليحكم على أنّ (أنْ) موصولةٌ بالأمر كما في قولك: أمرته بأن قم، كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل وأمَرْنا بأن يحكُمَ أهلُ الإنجيل الخ، وقرىء على صيغة المضارع ولام التعليل على أنها متعلقةٌ بمقدَّر كأنه قيل: ولِيَحْكُمَ أهلُ الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه إياه، وقد عُطِفَ على (هدى وموعظة) على أنهما مفعول لهما، كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه إياه وللحُكْم بما أنزل الله فيه. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} منكراً له مستهيناً به {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} المتمردون الخارجون عن الإيمان، والجملة تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون الجملة السابقة ومؤكِّد لوجوب الامتثال بالأمر، وفيه دلالة على أن الإنجيلَ مشتملٌ على الأحكام، وأن عيسى عليه السلام كان مستقلاً بالشرع مأموراً بالعمل بما فيه من الأحكام قلَّت أو كثُرت، لا بما في التوراة خاصة، وحملُه على معنى وليحكم بما أنزل الله فيه من إيجابِ العملِ بأحكام التوراة خلافُ الظاهر.
القشيري
تفسير : يعني أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفي الإنجيل تصديق لما تقدَّمه، وتحقيقِ لِمَا أوجب الله وألزمه، فلا الدِّينَ قضوا حقه، ولا الإنجيلَ عرفوا فرضه، ولا الرسولَ حفظوا أمره؛ ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلُّوا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقفينا على آثارهم} عطف على انزلنا التوراة اى آثار النبيين المذكورين {بعيسى ابن مريم} اى ارسلناه عقيبهم وجئنا به بعدهم يقال قفوت اثره قفوا وقفّوا اى اتبعته فهو يتعدى الى واحد واذا قلت قفيت على اثره بفلان يكون المعنى اتبعته اياه وحقيقة التقفية الاتيان بالشىء فى قفا غيره والتضعيف فيه ليس للتعدية فان فعل المضعف قد يكون بمعنى فعل المجرد كقدّر وقدر وانما تعدى الى الثانى بالباء فمفعوله الاول محذوف اى اتبعنا النبيين الذين ذكرناهم بعيسى وجعلناه ممن يقفوهم فحذف المفعول وجعل على آثارهم كالقائم مقامه {مصدقا لما بين يديه من التوراة} حالة من عيسى {وآتيناه الانجيل} عطف على قفينا {فيه هدى ونور} كما فى التوراة وهو فى محل النصب على انه حال من الانجيل اى كائنا فيه ذلك كأنه قيل مشتملا على هدى ونور {ومصدقا لما بين يديه من التوراة} عطف عليه داخل فى حكم الحالية وتكرير ما بين يديه من التوراة زيادة تقرير {وهدى وموعظة للمتقين} عطف على مصدقا منتظم معه فى سلك الحالية جعل كله هدى بعدما جعل مشتملا عليه حيث قيل فيه هدى وتخصيص كونه هدى وموعظة للمتقين لانهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه: قال الحافظ شعر : كرانكشت سليمانى نباشد جه خاصيت دهدنقش نكينى تفسير : فكما ان الانتفاع بالخاتم انما يكون لمن كان له مشرب سليمانى كذلك الانتفاع بالكتاب انما يكون لمن له تقوى رجحانى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قفينا}: اتبعنا، مشتق من القفا؛ كأن مجيء عيسى كان في قفا مجيء النبيين وخلفهم، وحذف المفعول الأول، أي: أتبعناهم، و {بعيسى} مفعول ثاني، وجملة: {فيه هدى ونور}: حال من {الإنجيل}، و {مصدقًا}: عطف عليه. يقول الحقّ جلّ جلاله: وأتبعنا النبيين المتقدمين وجئنا على إثرهم {بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه} أي: ما تقدم أمامه {من التوراة} وتصديقه للتوراة؛ إما لكونه مذكورًا فيها ثم ظهر، أو بموافقة ما جاء به من التوحيد والأحكامِ لما فيها، أو لكونه صدَّق بها وعمل بما فيها. {وآتيناه الإنجيل فيه هدىً ونورٌ}؛ فالهدى لإصلاح الظواهر بالشرائع، والنور لإصلاح الضمائر بالعقائد الصحيحة والحقائق الربانية، {ومصدقًا لما بين يديه من التوراة} بتقرير أحكامها، والشهادة على صحتها، {وهدى وموعظة للمتقين} أي: وإرشادًا وتذكيرًا للمتقين؛ لأنهم هم الذين ينفع فيهم الموعظة والتذكير، دون المنهمكين في الغفلة، قد طبع الله على قلوبهم فهم لا يسمعون. ثم أمر الله أهل الإنجيل بالحكم بما فيه، فقال: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} من الأحكام، وقرأ حمزة: {وليحكم} بلام الجر؛ أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل الإنجيل بما فيه، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}؛ الخارجون عن طاعة الحق. قال البيضاوي: والآية تدل على أن الإنجيل مشتملة على الأحكام، وأن اليهودية منسوخة ببعث عيسى عليه السلام، وأنه كان مستقلاً بالشرع، وحمَلها على: وليحكموا بما أنزل الله، فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر. هـ. الإشارة: قد جمع الله في هذه الأمة المحمدية ما افترق في غيرها في الأزمنة المتقدمة، فعلماؤها وأولياؤها كالأنبياء والرّسل، كلما مات عالم أو ولي قفاه الله بآخر، أما العلماء فأمرهم متفق وحالهم متقارب، فمدار أمرهم على تحصيل العلوم الرسمية والأعمال الظاهرية، وأما الأولياء ـ رضي الله عنهم ـ، فأحوالهم مختلفة، فمنهم من يكون على قدم نوح عليه السلام في القوة والشدة، ومنهم من يكون على قدم إبراهيم عليه السلام في الحنانة والشفقة. ومنهم من يكون على قدم موسى عليه السلام في القوة أيضًا، ومنهم من يكون على قدم عيسى عليه السلام في الزهد والانقطاع إلى الله تعالى، ومنهم من يكون على قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أعظمهم لجمعه ما افترق في غيره، وكل واحد يؤتيه الله نورًا في الباطن يجذب به القلوب إلى الحضرة، وهدى في الظاهر يصلح به الظواهر في الشريعة. والله تعالى أعلم. ثم شرع يتكلم مع الأمة الإسلامية المحمدية، فقال: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً}.
الطوسي
تفسير : قوله: {وقفينا} معناه أتبعنا يقال: قفاه يقفوه وقفواً ومنه قافية الشعر لأنها تتبع الوزن ومنه القفا، ويثنى قفوان، واستقفاه إِذا قفا أثره ليسلبه. والقفي الضيف، لأنه يقفى بالبر واللطف. وقوله {على آثارهم} فالآثار جمع أثر وهو العسل الذي يظهر للحس، وآثار القوم ما أبقوا من أعمالهم، ومنه المأثرة، وهي المكرمة التي يأثرها الخلف عن السلف، لأنها عمل يظهر نصاً للنفس، والأثير الكريم على القوم لأنهم يؤثرونه بالبر، ومنه الايثار بالاختيار، لأنه اظهار أحد العملين على الآخر واستأثر فلان بالشئ إِذا اختاره لنفسه. والهاء والميم في قوله: {آثارهم} قيل فيمن يرجع اليه قولان: أحدهما - اختاره البلخي والرماني: انهما يرجعان الى النبيين الذين أسلموا، وقد تقدم ذكرهم. وقال أبو علي يعودان على الذين فرض عليهم الحكم الذي مضى ذكره، لأنه أقرب. والأول أحسن في المعنى. وهذا أجود في العربية. وقوله: {بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة} نصب مصدقاً على الحال. والمعنى أنه يصدق على ما مضى من التوراة الذي أنزلها الله على موسى ويؤمن بها. وإِنما قال لما مضى قبله بين يديه لانه إِذا كان ما يأتي بعده خلفه، فالذي مضى قبله قدامه وبين يديه. وقوله {وآتيناه الإنجيل} يعني عيسى أنزلنا عليه الانجيل {فيه} يعني في الانجيل {هدىً} يعني بيان، وحجة {ونور} سماه نوراً لما فيه من الاهتداء به كما يهتدى بالنور و "هدىً" رفع بالابتداء "وفيه" خبره قدِّم عليه. و "نور" عطف عليه و {مصدقاً لما بين يديه من التوراة} نصب على الحال وليس ذلك بتكرير لأن الأول حال لعيسى (ع) وأنه يدعوا الى التصديق بالتوراة. والثاني - أن في الانجيل ذكر التصديق بالتوراة وهما مختلفان و "هدى" في موضع نصبٍ بالعطف على "مصدقاً". و "موعظة" عطف على "هدىً للمتقين". وإِنما اضافه الى المتقين، لأنهم المنتفعون بها. وقد مضى مثل ذلك فيما مضى. والمتقون هم الذين يتقون معاصي الله وترك واجباته خوفاً من عقابه والوعظ والموعظة هو الزجر عما كرهه الله الى ما يحبه الله والتنبيه عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} اى آثار النبييّن والرّبانيّين والاحبار الّذين كانوا يحكمون بالتّوراة {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً} عطف على جملة فيه هدى ونور لانّها حال ومنصوب محّلاً وكرّره لانّ الاوّل حال من عيسى (ع) والثّانى من الانجيل {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى} كرّره لانّ الاوّل باعتبار اجزائه وهذا باعتبار المجموع، وايضاً الاوّل وصف باعتبار معانيه والثّانى للفظه وان كان باعتبار المعانى والتّأكيد مطلوب ايضاً {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} لانّ الوعظ اضافة بني الواعظ والمتّعظ ومن لم يتّعظ لم يكن الوعظ وعظاً له، والمتّقون هم الّذين يكون الوعظ وعظاً لهم.
الأعقم
تفسير : {وقفّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم} أي اتبعنا بعيسى ابن مريم على آثار من تقدم ذكره {مصدقاً لما بين يديه من التوراة} أي مصدقاً أنها حق، وقيل: تصديقه العمل بها، قوله تعالى: {وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه} يعني الانجيل مصدق التوراة، قال جار الله: وآتيناه الانجيل يعني أمرناه بأن يحكم أهل الانجيل، وقيل: أن عيسى (صلوات الله عليه) كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام لأن الانجيل مواعظ وزواجر فالأحكام فيه قليلة قال: وظاهر قوله تعالى: {وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه} يَرُدَّ ذلك قوله تعالى: {فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن أمر الله تعالى {وأنزلنا إليك} يا محمد الكتاب يعني القرآن من الكتاب أي من الكتب، قوله تعالى: {ومهيمناً عليه} أي رقيباً على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات، وقيل: الأمين، وقيل: الشاهد قال الشاعر: شعر : إن الكتاب مهيمنا لنبينا والحق تعرفه ذَوُوا الألباب تفسير : {فاحكم بينهم بما أنزل الله} يعني في القرآن {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} متبعاً أهواءهم {لكل جعلنا منكم} أيها الناس {شرعة} أي شريعة {ومنهاجاً} طريقاً واضحاً في الدين يجوزون عليه، وقيل: أن هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا، وقيل: المنهاج السنة {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} جماعية متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة و ذوي دين واحد لا اختلاف فيه {ولكن ليبلوكم} أي ليختبركم {فيما آتاكم} على جنب الأحوال والأوقات فيما آتاكم من الكتب وبيَّن لكم من الملك {فاستبقوا الخيرات} أي فبادروا بالطاعات وتسارعوا إلى الأعمال الصالحات {إلى الله مرجعكم} قال جار الله: هذا استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات {فينبئكم} أي يخبركم بما لا تشكون معه من الخبر الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل، قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} الآية نزلت في اليهود وذلك أن كعب بن الأشرف وعبد الله بن صوريا وحيي بن أخطب وجماعة منهم قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لنفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنَّا أحبار اليهود، وأنَّا إن اتبعناك اتبعك اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين أصحابك خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية، وقوله: {واحذرهم أن يفتنوك} يعني هؤلاء المتقدم ذكرهم أن يضلوك، وقيل: يصدوك عن الحكم، وقيل: يضلوك بالكذب على التوراة بما ليس فيها، وقيل: واحذرهم أن يزلوك عن بعض أحكام الله تعالى {فإن تولوا} أعرضوا عن الايمان والحكم بالقرآن ولم يقبلوا {فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} قال جار الله: بذنب التولي عن حكم الله تعالى، وقيل: يعاقبهم ببعض إجرامهم {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} لخارجون عن أمر الله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون} يعني هؤلاء المتقدم ذكرهم، وذلك أنهم كانوا إذا وجب الحق على ضعفائهم ألزموهم ذلك وإن وجب على أغنيائهم لم يلزموهم، وقيل لهم أفحكم عبدة الأوثان تطلبون وأنتم أهل الكتاب، وقيل: أن بني قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى، وعن الحسن: هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله تعالى، والحكم حكمان: حكم بعلم وهو حكم الله تعالى، وحكم بجهل وهو حكم الشيطان {ومن أحسن من الله حكماً} أي لا أحد حكم أحسن من حكم الله تعالى {لقوم يوقنون} أي يصدقون.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} والفسق هاهنا الشرك. وهو فسق أهل الجهود. وقد فسّرناه في الآية الأولى وفسّرنا أنه فسق فوق فسق وفسق دون فسق. وكذلك الظلم والكفر. قد كان أهل التوراة أُمِروا في القتيل عمداً بالقوَد، وكأن أهل الإِنجيل أُمِروا بالعفو، فعاتب الله اليهود والنصارى في هذه الآية بما حرّفوا من كتاب الله، وهم يشهدون عليه أنه من كتاب الله فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم أنزل الله القرآن فدعاهم إلى أن يعملوا بما فيه. ومن حكمهم بما أنزل الله في كتابهم أن يتّبعوا محمداً فيما جاء به. قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ} يعني التوراة والإِنجيل وإن اختلفت الشرائع فإن الدين واحد. قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة:48]. قوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} ذكروا عن رجل من بني تميم قال: سألت ابن عباس عن قوله: ومهيمناً عليه فقال: ومؤتمناً عليه. ذكروا عن عبد الله بن الزبير قال: المهيمن القاضي على ما قبله من الكتب. وتفسير الكلبي: ومهيمناً عليه، أي: شهيداً عليه. وذكر بعضهم قال: مهيمناً عليه، أي: أميناً عليه وشاهداً على الكتب التي قد خلت قبله. قوله: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ}. قال الحسن ورجل من أهل العلم؛ قال أحدهما: يخلّى بينهم وبين حكامهم فإذا ارتفعوا إلينا حكمنا عليهم بما في كتابنا، وقال الآخر: بما في كتابهم. ذكر جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم رجلاً من اليهود وامرأة زنيا وقال لليهود: حديث : نحن نحكم عليكم اليومتفسير : . ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن نبي الله لما نزلت هذه الآية: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا}... إلى آخر الآية قال: حديث : نحكم اليوم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان . تفسير : ذكر محمد بن سيرين حديث : أن رجلاً من اليهود زنى وهو محصن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعالوا نحكم عليهم بما في كتابهم إذ ضيّعوه . تفسير : قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}. ذكروا عن رجل من بني تميم قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}. قال: شرعة ومنهاجاً: سبيلاً وسنة. وهو تفسير مجاهد. وتفسير مجاهد: الشرعة السنة والمنهاج السبيل. ذكروا عن بعضهم أنه قال: شرعة ومنهاجاً: سبيلاً وسنة. والشرائع مختلفة؛ للتوراة شريعة، وللإِنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يُحلّ الله ما يشاء ويحرّم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين واحد لا يقبل الله إلا الوفاء والإِخلاص والتوحيد له. قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي ملّة واحدة {وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ}. أي ليختبركم فيما أعطاكم من الكتب والسنن. وقال الحسن: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، أي على الهدى، كقوله: (أية : وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى)تفسير : [الأنعام:35]. وقال: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي في وجهتكم {إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَقَقَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ}: أى أتبعنا النبيين عيسى ابن مريم أى جعلناه تابعاً بعدهم، أى آتيا بعدهم أو تابعاً لهم فى الحكم فى التوراة الى أن نزل عليه ما نسخ بعض التوراة من الانجيل، فكان يحكم بهما، ويترك ما نسخ الانجيل، والباء صلة للتأكيد فى المفعول الأول، وهو عيسى، والثانى ضمير متصل الى النبيين كما رأيت، وانما قلت عيسى هو الأول لأنه الفاعل فى المعنى، لأنه القافى. وقول القاضى ان عيسى مفعول به ثان مشكل، ويجوز أن يكون تشديد قفينا للتأكيد، فيكون له مفعول واحد هو ضمير النبيين المحذوف، والباء حينئذ للتعدية، ولعله أراد أنه ثان فى الذكر، وعلى آثارهم متعلق بقفينا على جهة التأكيد بأن الأثر يفيد التعقيب. {مُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَديْهِ مِنَ التَّوراةِ}: متعلق بمحذوف حال من ما أو من ضمير لما فى بين، ومن بين للبيان، ومعنى بين يديه قبله لأن ما سبق وجوده، وحضر فهو كالشىء الحاضر بين يديك، كما أن حدث فى زمان وجودك، وحضر فهو بين يديك، ومعنى تصديقه بالتوراة ايمانه بها، وعمله بها الا ما نسخ منها بالانجيل، فمذ نسخ لم يعمل به. {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدىً}: من الضلال. {وَنُورٌ}: بيان للأحكام، والجملة حال من الانجيل، وقرأ الحسن بفتح همزة انجيل، وساغ ولو يخرج به عن أوزان العرب، لأنه أعجمى. {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّوراةِ}: مصدقاً معطوف على جملة فيه هدى ونور، وهى حال مصدقاً حال معطوفة، وكذا ان عطفنا مصدقاً على فيه أو متعلقة المحذوف اذا جعلناه حالا، وهدى فاعله وهو أنسب، لكون المعطوف عليه حينئذ مفرد المعطوف، لكن اذا قدرناه وصفاً أى وآتيناه الانجيل ثابتاً فيه هدى ونور، ومصدقاً، وعلى كل حال فهو من عطف حال حقيقية على حال سببية، كقولك: جاء زيد قائماً أبواه فرحاً، وهذا التصديق من الانجيل للتوراة، والأول قبله من عيسى عليه السلام لها فلا تكرير. {وَهُدىً وَمَوعِظَةً لِّلمُتَّقِينَ}: حالا معطوفان على ما عطف عليه مصدقاً، أو مفعول لأجلهما معطوفان على مفعول لأجله محذوف، والناصب آتينا أى وآتيناه الانجيل الى آخره، فضلا أو منه، وهدى وموعظة، أو مفعول لأجلهما لعامل محذوف، أى وآتيناه الانجيل هدى وموعظة، وخص المتقين بالذكر لانتفاعهم به، وليس ذلك تقرير، لأن المراد والله أعلم هدى وموعظة للمتقين من النصارى، وهم من يؤمن برسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَقَفيَّنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ} أَى أَتبعناهم عيسى ابن مريم، فالباء صلة وعيسى مفعول أَول مؤخر لأَنه فاعل معنى لأَنه القافى والثانى محذوف مقدم أّى قفيناهم أَو التشديد للمبالغة أَو الموافقة الثلاثى والباء للتعدية والهاء للنبيين كما قال برسلنا: وقفينا، بعيسى ابن مريم وهذا أَولى لهذه الآية ولمزيد مناسبته من أَنْ تعود إِلى من كتب عليهم فى قوله وكتبنا عليهم ولا مانع من كون عيسى تابعاً لأُمة قبله لأَن المعنى أَنه جاءَ بعدها مقرراً لما لزمهم {مُصَدِّقاً} حال من عيسى مؤسسة لا مؤكدة لعاملها ولا لصاحبها لأَن قفينا وعيسى لم يوصفا لمعنى التصديق ولو لزم من كونه رسولا أنه مصدق {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوَرَاةِ} مؤمنا بها عاملا بها {وآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ} عطف على قفينا {فِيهِ هُدىً وَنُورٌ} حال من الإِنجيل أَو الحال فيه وهدى فاعله أَى ثابتاً فيه الهدى من الضلال والنور وهو البيان للأَحكام {ومُصَدِّقاً} عطف على الحال التي هي جملة أَو على الحال التي هي ثابتاً والحالان مؤسستان على حد ما مر في التى قبلهما {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أَى غير مناقص لها إِلا ما نسخه منها بل هو مثبت لها وإِنما هو مواعظ وأَمثال ورموز، وأَما الأَحكام بين الناس فأَحيلت على التوراة أمروا فى الإِنجيل أَن يعملوا بما في التوراة وظاهر هذه الآية وما بعدها أَن فى الإِنجيل أَحكاماً غير ما فى التوراة ففى البخارى أعطى أَهل التوراة التوراة فعملوا بها وأَهل الإِنجيل الإِنجيل فعملوا به {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً} حالان من الإِنجيل بالعطف مؤسستان على حد ما مر، أَى ذا هدى ووعظ أَو هادياً وواعظاً أَو نفس الهدى والوعظ مبالغة بأَنه نفسها بعد أَن جعله مشتملاً عليها، أَو مفعول من أَجله محذوف أَى وآتيناه الإِنجيل إِرشاداً وهدى وموعظة {لِلْمُتَّقِينَ} أَى لمن قضى له بالتقوى أَو يزيد الهدى والاتعاظ.
الالوسي
تفسير : {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم} شروع في بيان أحكام الإنجيل ـ كما قيل ـ إثر بيان أحكام التوراة، وهو عطف على {أية : أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَٰةَ}تفسير : [المائدة: 44] وضمير الجمع المجرور ـ للنبيين الذين أسلموا ـ كما قاله أكثر المفسرين، واختاره علي بن عيسى والبلخي، وقيل: للذين فرض عليهم الحكم الذي مضى ذكره، وحكي ذلك عن الجبائي ـ وليس بالمختار ـ والتقفية الاتباع، ويقال: قفا فلان إثر فلان إذا تبعه، وقفيته بفلان إذا أتبعته إياه، والتقدير هنا أتبعناهم على آثارهم {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فالفعل كما قيل: متعد لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بالباء، والمفعول الأول محذوف، و {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ} كالساد مسده لأنه إذا قفا به على آثارهم فقد قفاهم به، واعترض بأن الفعل قبل التضعيف كان متعدياً إلى واحد، وتعدية المتعدي إلى واحد لثان بالباء لا تجوز سواء كان بالهمزة أو التضعيف، ورد بأن الصواب أنه جائز لكنه قليل، وقد جاء منه ألفاظ قالوا: صك الحجر الحجر، وصككت الحجر بالحجر، ودفع زيد عمراً ودفعت زيداً بعمرو أي جعلته دافعاً له. وذهب بعض المحققين إلى أن التضعيف فيما نحن فيه ليس للتعدية، وأن تعلق الجار بالفعل لتضمينه معنى المجيء أي جئنا بعيسى ابن مريم على آثارهم قافياً لهم فهو متعد لواحد لا غير بالباء، وحاصل المعنى أرسلنا عيسى عليه السلام عقيبهم {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَٰةَ} حال من عيسى مؤكدة فإن ذلك من لازم الرسول عليه الصلاة والسلام. {وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلإِنجِيلَ} عطف على {قَفَّيْنَا}، وقرأ الحسن بفتح الهمزة، ووجه صحة ذلك أنه اسم أعجمي فلا بأس بأن يكون على ما ليس في أوزان العرب، وهو بأفعيل أو فعليل بالفتح، وإما إفعيل بالكسر فله نظائر ـ كإبزيم وإحليل ـ وغير ذلك {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} كما في التوراة، والجملة في موضع النصب على أنها حال من الإنجيل، وقوله تعالى: {وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَٰةَ} عطف على الحال وهو حال أيضاً، وعطف الحال المفردة على الجملة الحالية وعكسه جائز لتأويلها بمفرد وتكرير هذا لزيادة التقرير، وقوله عز وجل: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ} عطف على ما تقدم منتظم معه في سلك الحالية، وجعل كله هدى ـ بعد ما جعل مشتملاً عليه ـ مبالغة في التنويه بشأنه لما أن فيه البشارة بنبينا صلى الله عليه وسلم أظهر، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه، وجوز نصب {هُدًى وَمَوْعِظَةً} على المفعول لها عطفاً على مفعول له آخر مقدر أي إثباتاً لنبوته وهدى الخ، ويجوز أن يكونا معللين لفعل محذوف عامل فيه أي: وهدى وموعظة للمتقين آتيناه ذلك.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44] انتقالاً إلى أحوال النّصارى لقوله: {وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}، ولبيان نوع آخر من أنواع إعراض اليهود عن الأحكام الّتي كتبها الله عليهم، فبعد أن ذكر نوعين راجعين إلى تحريفهم أحكام التّوراة: أحدهما: ما حرّفوه وتردّدوا فيه بعد أن حرّفوه فشكّوا في آخر الأمر والتجأوا إلى تحكيم الرّسول؛ وثانيهما: ما حرّفوه وأعرضوا عن حكمه ولم يتحرّجوا منه وهو إبطال أحكام القصاص. وهذا نوع ثالث: وهو إعراضهم عن حكم الله بالكليّة، وذلك بتكذيبهم لما جاء به عيسى ـــ عليه السلام ـــ. والتقفية مصدر قفّاه إذا جعله يَقفوه، أي يأتي بعده. وفعلُه المجرّد قَفا ـــ بتخفيف الفاء ـــ ومعنى قَفاه سار نحو قفاه، والقفا الظهر، أي سار وراءه. فالتقفية الإتْباع متشقّة من القفا، ونظيره: تَوجَّه مشتقّاً من الوجه، وتعقّب من العقب. وفعل قفّى المشدّد مضاعف قفا المخفّف، والأصل في التضعيف أن يفيد تعديّة الفعل إلى مفعول لم يكن متعدّياً إليه، فإذا جعل تضعيف {قفّينا} هنا معدّياً للفعل اقتضى مفعولين: أوّلهما: الّذي كان مفعولاً قبل التّضعيف، وثانيهما: الّذي عدّي إليه الفعل، وذلك على طريقة باب كَسَا؛ فيكون حقّ التّركيب: وقفَّيناهم عيسى ابن مريم، ويكون إدخال الباء في {بعيسى} للتّأكيد، مثل {أية : وامسحوا برءوسكم}تفسير : [المائدة: 6]، وإذا جعل التّضعيف لغير التّعديّة بل لمجرّد تكرير وقوع الفعل، مثل جَوّلت وطوّفت كان حقّ التّركيب: وقفّيناهم بعيسى ابن مريم. وعلى الوجه الثّاني جرى كلام «الكشاف» فجعل باء {بعيسى} للتعدية. وعلى كلا الوجهين يكون مفعول {قفّينا} محذوفاً يدلّ عليه قوله {على آثارهم} لأنّ فيه ضمير المفعول المحذوف، هذا تحقيق كلامه وسلّمه أصحاب حواشيه. وقوله {على آثارهم} تأكيد لمدلول فعل {قفّينا} وإفادة سرعة التقفية. وضمير {آثارهم} للنّبيئين والرّبانيين والأحبار. وقد أرسل عيسى على عقب زكرياء كافِل أمّه مريم ووالدِ يحيى. ويجوز أن يكون معنى {على آثارهم} على طريقتهم وهديهم. والمصدّق: المخبر بتصديق مخبر، وأريد به هنا المؤيّدُ المقرّر للتّوراة. وجَعَلها {بين يديه} لأنّها تقدّمتْه، والمتقدّم يقال: هو بين يدي من تقدّم. و{من التّوراة} بيان {لمَا}. وتقدّم الكلام على معنى التّوراة والإنجيل في أوّل سورة آل عمران. وجملة {فيه هدى ونور} حال. وتقدّم معنى الهُدى والنّور. و{مصدّقاً} حال أيضاً من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله {بعيسى ابن مريم مصدّقاً} لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التّصديق؛ فتصديق عيسى التّوراةَ أمره بإحياء أحكامها، وهو تصديق حقيقي؛ وتصديق الإنجيل التّوراة اشتماله على ما وافق أحكامَها فهو تصديق مجازي. وهذا التّصديق لا ينافي أنّه نَسخَ بعض أحكام التّوراة كما حكى الله عنه {أية : ولأحِلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم}تفسير : [آل عمران: 50]، لأنّ الفعل المثبَت لا عموم له. والموعظة: الكلام الّذي يلِين القلب ويَزجر عن فعل المنهيات. وجملة {وليحكم} معطوفة على {آتيناه}. وقرأ الجمهور {ولْيحكم} ـــ بسكون اللاّم وبجزم الفعل ـــ على أنّ اللام لام الأمر. ولا شكّ أنّ هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام، فهو ممّا أمر الله به الّذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنّصارى، فعلم أنّ في الجملة قولاً مقدّراً هو المعطوف على جملة {وآتيناه الإنجيل}، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصّفات العظيمة، وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل، فيتمّ التّمهيد لقوله بعده {ومن لم يحكم بما أنزل الله}، فقرائن تقدير القول مُتظافِرة من أمور عدّة. وقرأ حمزة ـــ بكسر لام ـــ {ليحكم} ونصب الميم ـــ على أنّ اللام لام كي للتّعليل، فجملة {ليحكم} على هذه القراءة معطوفة على قوله {فيه هدى} الخ، الّذي هو حال، عُطفتتِ العلّة على الحال عطفاً ذِكرياً لا يشرِّك في الحكم لأنّ التّصريح بلام التّعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى. وصاحب «الكشاف» قدّر في هذه القراءة فعلاً مَحذوفاً بعد الواو، أي وآتيناه الإنجيل، دلّ عليه قوله قبله {وآتيناه الإنجيل}، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام. والمراد بالفاسقين الكافرون، إذ الفسق يطلق على الكفر، فتكون على نحو ما في الآية الأولى. ويحتمل أنّ المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنّهم يخالفونه فيكون ذمّاً للنصارى في التّهاون بأحكام كتابهم أضعفَ من ذمّ اليهود.
القطان
تفسير : قفّينا: أتبعنا، قفّى فلاناً وبه أتبعه اياه. الفاسق: الخارج عن حظيرة الدين. وبعثنا عيسى بن مريم بعد أولئك النبيّين الذين كانوا يحكمون بالتوراة متّبعاً أَثَرهم جارياً على سُننهم، مصدّقاً للتوراة التي تَقَدَّمتْه بقوله وعمله. فشريعة عيسى عليه السلام هي التوراة التي لم تحرَّف. وقد ورد في الأناجيل انه قال: "ما جئت لأنقُض الناموس، وإنما جئت لأتمِّم"، يعني لأزيد عليها ما شاء الله من الأحكام والمواعظ. وقد اعطيناه الإنجيل، مشتملاً على الهدى، ومنقِذا من الضلال في العقائد والأعمال: كالتوحيد، والتنزيه النافي للوثنية. وقد جعل الله في الانجيل هدى ونوراً وموعظة للمتقين كما جعله منهج حياة وشريعةَ حكمٍ لأهل الانجيل، وليس رسالة عامّة للبشر، شأنه في هذا شأنَ التوراة، لا شأن القرآن الكريم. {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} وهذا أمر قاطع لازم يجب تنفيذه وإطاعته، يعني: وأمرناهم بالعمل بالإنجيل، واتّباعه وعدم تحريفه. وقد جاء في الإنجيل الصحيح بشارةٌ بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، ولكن ذلك أُخفيَ وحُرّف. وكان عند النصارى عدد كبير من الأناجيل يربو على الخمسين، لكنهم في مجمع نيقية (سنة 325ميلادية) اعتمدوا هذه الأربعة المتداولة الآن وحرقوا ما عداها. وقد وُجد إنجيل منسوبٌ الى برنابا، تلميذِ المسيح، وتُرجم وطُبع عدة مرات، وفيه البشارة واضحةٌ بالنبيّ في عدة أماكن. وهو قريب جداً من القرآن وتعاليمِه، لكن النصارى لا يعترفون به ويقولون إنه مزّيف. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} إن كل من لم يتقيد بالأحكام بشرائع الله لهو من الخارجين عن حكم الله، المتمردين عليه. والنص هنا عام. وصفة الفسق تضاف الى صفتي الكفر والظلم من قبل. فالكفر برفض ألوهية الله ممثِّلاً ذلك في رفض شريعته، والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله، والفسق بالخروج عن منهج حكم الله واتباع طريق غير طريقه. فالله سبحانه وتعالى يعرض هذه المسألة بأنها إيمان او كفر، لا وسَط في هذا الامر، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما انزل الله. فإما أن يكون الحكّام قائمين على شريعة الله كاملة فهم من أهل الايمان، واما ان يكونوا قائمين على شريعة أخرى فهم من أهل الكفر والظلم والفسق. وكذلك الديانات. قراءات: قرأ حمزة: وليحكم، بكسر اللام ونصب الميم، والباقون بجزم الميم كما هو هنا في قراءة المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {آثَارِهِم} {ٱلتَوْرَاةِ} {وَآتَيْنَاهُ} (46) - وَأرْسَلْنَا مِنْ بَعْدِ هَؤُلاءِ الأنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ مُؤْمِناً بِالتَّوْرَاةِ، وَحَاكِماً بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى لِلْحَقِّ، وَبَيَانٌ للأحْكَامِ، وَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي إِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ، وَحَلِّ المُشْكِلاتِ. وَجَاءَ الإِنْجِيلُ مُصَدِّقاً لِلْتَّورَاةِ، وَمُتَّبعاً لَهَا، غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِيهَا إلاّ فِي القَلِيلِ مِمَّا بَيَّنَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ بَعْضَ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَجَعَلْنَا الإِنْجِيلَ هُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ، وَوَاعِظاً وَزَاجِراً لَهُمْ عَنِ ارْتِكَابِ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَعَنِ اقْتِرَافِ المَآثِمِ. قَفَّاهُ بِهِ - جَعَلَهُ يَقْفُو أثَرَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقفينا أي اتبعنا، فعيسى جاء من بعد موسى، فعندما يمشي رجل خلف رجل نجد أن قفا الأول يكون في وجه الثاني. وعندما يقول الحق: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي مصدقاً لموسى الذي جاء بالتوراة. {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ}. وعرفنا أن "الهدى والنور" يناسبان البيئة التي نزلت إليها تلك الهداية وذلك النور. إن هناك مقولات اسمها "المقولات الإضافية"، كأن يقول إنسان في قرية لابنه: أشعل الضوء. ويشعل الولد المصباح الكيروسيني؛ أما إذا قال إنسان في مدينة لابنه: أضيء النور، فالابن يضغط على الزر ليضيء المصباح الكهربائي. وهذه الإضافات قد تجعل اللفظ يحمل معنيين. ومثال آخر أكثر وضوحاً: يسكن الإنسان في منزل ما، ويعرف أن السقف عال بالنسبة له، ولكنه أرض بالنسبة لأصحاب الدور الثاني، إنه علو وسفل وهذا هو المعنى الإضافي. وكذلك عندما نقول: فلان ابن فلانن فهذا لا يمنع أن هذا الابن يكون أباً بالنسبة لابنه. إذن {هُدًى وَنُورٌ} هي معان إضافية. وكل "هدى ونور" يناسب البيئة التي نزل يفيها. فالبيئة المادية الأولى كانت في حاجة إلى تقنين؛ لذلك جاءت التوراة، ومن بعد ذلك صارت هذه البيئة المادية في حاجة إلى طاقة روحية؛ لذلك جاء الإنجيل بكل الروحانيات، وعندما سئل عيسى ابن مريم عليه السلام في قضية الميراث قال: أنا لم أرسل مورثاً، فهو يعلم أنه جاء بشحنة روحية فيها مواجيد ومواعظ. ويتابع الحق من بعد ذلك: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} معناهُ أَتبَعنَا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما انقرض هؤلاء النبيون الحاكمون {قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} أي: أتبعناهم {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} خلفاً لهم {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ} امتناناً له {ٱلإِنجِيلَ فِيهِ} أيضاً {هُدًى وَنُورٌ} للمستهدين المستكشفين منه {وَ} مع كونه مشتملاً على الهداية والإنارة {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى} هادياً لأهل العناية {وَمَوْعِظَةً} وتذكيراً {لِّلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46] المتوجيهن إلى الحق بين الخوف والرجاء. {وَلْيَحْكُمْ} أيضاً {أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} من الأحكام {وَمَن لَّمْ يَحْكُم} منهم أيضاً {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} لغرض من الأغراض الفاسدة {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء، المنصرفون عن منهج الرشاد {هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] الخارجون عن رِبقَة الإيمان، المنهمكون في حبر الضلال والطغيان. ومآل هذه الصفات الثلاثة لهؤلاء الحاكمين المجاوزين عمَّا حكم الله في كتبه واحد إذ الفكر: هو ستر حكم الله، والظلم: هو المتجاوز عنه إلى غيره من الآراء الفاسدة والفسق: الخروج عن حكمه؛ عناداً ومكابرة، ومآل الكل إلى الشرك بالله، والإلحاد عن توحيده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياءَ والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى ابن مريم، روحِ الله وكلمتِه التي ألقاها إلى مريم. بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من التوراة بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية. وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل: {أية : وَلأحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } . تفسير : { وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ } الكتاب العظيم المتمم للتوراة. { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ } يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل. { وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ } بتثبيتها والشهادة لها والموافقة. { وَهُدًى وَمَوْعِظَة لِّلْمُتَّقِينَ } فإنهم الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ويرتدعون عما لا يليق. { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ } أي: يلزمهم التقيد بكتابهم، ولا يجوز لهم العدول عنه. { وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):