٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم، فقوله {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } أي القرآن، وقوله {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن. وقوله {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل وأبو عبيدة: يقال قد هيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه حافظاً. قال حسّان:شعر : إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب تفسير : والثاني: قالوا: الأصل في قولنا: آمن يؤمن فهو مؤمن، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين، ثم قلبت الأولى هاء كما في: هرقت وأرقت، وهياك وإياك، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمناً فلهذا قال المفسرون {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } أي أميناً على الكتب التي قبله. المسألة الثانية: إنما كان القرآن مهيمناً على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير مسنوخاً ألبتة، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبداً، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبداً. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى: بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات، ولقوله {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [فصلت: 42] والمهيمن عليه هو الله تعالى. ثم قال تعالى: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {وَلاَ تَتَّبِعِ } يريد ولا تنحرف، ولذلك عداه بعن، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم. المسألة الثانية: روي أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه، ثم دخلوا عليه وقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك، فاقض لنا ونحن نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المسألة الثالثة: تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال: لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ }. والجواب: أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. ثم قال تعالى: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ (الشرعة): في اشتقاقه وجهان: الأول: معنى شرع بين وأوضح. قال ابن السكيت: لفظ الشرع مصدر: شرعت الإهاب، إذا شققته وسلخته. الثاني: شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها، فالشريعة فعيلة بمعنى المعفولة، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح، يقال: نهجب لك الطريق وأنهجب لغتان. المسألة الثانية: احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا، لأن قوله {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلاً بشريعة خاصة، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر. المسألة الثالثة: وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل، وآيات دالة على حصول التباين فيها. أما النوع الأول: فقوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } تفسير : [الشورى: 13] إلى قوله {أية : أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13] وقال {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90]. وأما النوع الثاني: فهو هذه الآية، وطريق الجمع أن نقول: النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين. المسألة الرابعة: الخطاب في قوله {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } خطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد عليهم السلام، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } تفسير : [المائدة: 44] ثم قال {أية : وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } تفسير : [المائدة: 46] ثم قال {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 48]. ثم قال: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } يعني شرائع مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة. المسألة الخامسة: قال بعضهم: الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين. وقال آخرون: بينهما فرق، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة، وهي المراد بالمنهاج، فالشريعة أول، والطريقة رخر. وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريقة، والطريقة المنهاج المستمر، وهذا تقرير ما قلناه. والله أعلم بأسرار كلامه. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } أي جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة، أي دين واحد لا اختلاف فيه. قال الأصحاب: هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة الالجاء. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَـٰكُمُ } من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله، أم تتبعون الشبه وتقصرون في العمل. {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي فابتدروها وسابقوا نحوها. {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات. {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وموفيكم ومقصركم في العمل، والمراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الكشوك ويحصل مع اليقين، وذلك عند مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. و «الْكِتَاب» القرآن {بِٱلْحَقِّ} أي هو بالأمر الحق {مُصَدِّقاً} حال {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي من جنس الكتب. {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي عالياً عليها ومرتفعاً. وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدّمت إليه الإشارة في «الفاتحة» وهو ٱختيار ٱبن الحصّار في كتاب شرح السنة له. وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله. وقال قَتَادة: المهيمِن معناه الشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: المصدّق؛ ومنه قول الشاعر: شعر : إن الكتاب مُهيمِن لنبيّنا والحق يعرفه ذوو الألباب تفسير : وقال ابن عباس: «وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» أي مؤتمناً عليه. قال سعيد بن جُبَير: القرآن مؤتمَن على ما قبله من الكتب. وعن ٱبن عباس والحسن أيضاً: المهيمن الأمين. قال المبرّد: أصله مُؤَيْمن أبدل من الهمزة هاء؛ كما قيل في أرَقْت الماء هَرَقت، وقاله الزجاج أيضاً وأبو عليّ. وقد صرف فقيل: هَيْمَنَ يُهيمِن هَيْمَنةً، وهو مُهَيْمِن بمعنى كان أميناً. الجوهريّ: هو من آمن غيره من الخوف؛ وأصله أأْمَنَ فهو مُؤَأمن بهمزتين، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مُؤَيْمن، ثم صيرت الأُولى هاء كما قالوا: هَرَاق الماء وأرَاقه؛ يقال منه: هَيْمن على الشيء يُهيمِن إذا كان له حافظاً، فهو مُهيمن؛ عن أبي عُبيد. وقرأ مجاهد وابن مُحيصن: «وَمُهَيْمَناً عَلَيْهِ» بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن. قوله تعالى: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} يوجِب الحكم؛ فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله: { أية : فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 42] وقيل: ليس هذا وجوباً، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت؛ إذ لا يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذّمة. وفي أهل الذّمة تردّد وقد مضى الكلام فيه. وقيل: أراد فاحكم بين الخلق؛ فهذا كان واجباً عليه. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق؛ يعني لا تترك الحكم بما بيّن الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام. والأهواء جمع هوًى؛ ولا يجمع أَهْوِية؛ وقد تقدّم في «البقرة». فنهاه عن أن يتّبعهم فيما يريدونه؛ وهو يدل على بطلان قول من قال: تقوَّم الخمر على من أتلفها عليهم؛ لأنها ليست مالاً لهم فتكون مضمونة على مُتلفها؛ لأن إيجاب ضمانها على مُتلفها حكم بموجب أهواء اليهود؛ وقد أُمرنا بخلاف ذلك. ومعنى {عَمَّا جَآءَكَ} على ما جاءك. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} يدل على عدم التعلق بشرائع الأوّلين. والشِّرْعة والشَّرِيعة الطَّريقة الظاهرة التي يُتوصل بها إلى النجاة. والشّرِيعة في اللغة: الطريق الذي يُتوصل منه إلى الماء. والشّريعة ما شرع الله لعباده من الدِّين؛ وقد شَرَع لهم يَشْرَع شَرْعاً أي سنّ. والشّارع الطريق الأعظم. والشِّرْعة أيضاً الوَتَر، والجمع شِرَعٌ وشِرْعٌ وشِرَاعٌ جمع الجمع؛ عن أبي عُبيد؛ فهو مشترك. والمِنهاج الطريق المستمِر، وهو النَّهْجُ والمَنْهَج، أي البيّن؛ قال الراجز: شعر : مَن يكُ ذا شَكٍّ فهذا فَلْجُ ماءٌ رَوَاءٌ وطريق نَهْجُ تفسير : وقال أبو العباس محمد بن يزيد: الشّريعة ابتداء الطريق، والمنهاج المستمر. وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما «شِرْعَة ومِنْهَاجاً» سنّة وسبيلاً. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها؛ والإنجيل لأهله؛ والقرآن لأهله؛ وهذا في الشّرائع والعبادات؛ والأصل التوحيد لا اختلاف فيه؛ روي معنى ذلك عن قَتادة. وقال مجاهد: الشِّرْعة والمِنهاج دين محمد عليه السلام؛ وقد نسخ به كل ما سواه. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق؛ فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم. {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} في الكلام حذف تتعلق به لام كي؛ أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم؛ والابتلاء الاختبار. قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي سارعوا إلى الطاعات؛ وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أوّل الوقت؛ فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه؛ قاله الكيا. وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفِطر، وقد تقدّم جميع هذا في «البقرة». {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي بما ٱختلفتم فيه، وتزول الشكوك.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها، وأثنى عليها، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل، ومدحه، وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم بيانه، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقاً عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} { أية : وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} تفسير : [الإسراء:107-108] أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة رسله المتقدمة من مجيء محمد عليه السلام لمفعولاً، أي: لكائناً لا محالة، ولا بد. قوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: أي: مؤتمناً عليه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك، وقال ابن جرير: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل. وعن الوالبي عن ابن عباس: {وَمُهَيْمِناً} أي: شهيداً، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَمُهَيْمِناً} أي: حاكماً على ما قبله من الكتب، وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمهاأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ماليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن مجاهد، أنهم قالوا في قوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، أمين على القرآن، فإنه صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضاً نظر، وبالجملة فالصحيح الأول. وقال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا صفة لما كان المصدق صفة له، قال: ولو كان الأمر كما قال مجاهد، لقال: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب)، مهيمناً عليه، يعني: من غير عطف. وقوله تعالى: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي: فاحكم يا محمد بين الناس؛ عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، هكذا وجهه ابن جرير بمعناه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يحكم بينهم بما في كتابنا. وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي: لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء. وقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً} قال: سبيلاً. وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {وَمِنْهَـٰجاً} قال: وسنة، كذا روى العوفي عن ابن عباس: {شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} سبيلاً وسنة، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي، أنهم قالوا في قوله: {شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} أي: سبيلاً وسنة، وعن ابن عباس ومجاهد أيضاً، وعطاء الخراساني، عكسه {شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} أي: سنة وسبيلاً، والأول أنسب، فإن الشرعة، وهي الشريعة أيضاً، هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا، أي: ابتدأ فيه، كذا الشريعة، وهي ما يشرع منها إلى الماء. أما المنهاج، فهو الطريق الواضح السهل، والسنن: الطرائق. فتفسير قوله: {شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم. ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد» تفسير : يعني بذلك: التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 26] الآية، وأما الشرائع، فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفاً، فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة. قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} يقول: سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله، الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقيل: المخاطب بهذه الآية هذه الأمة، ومعناه: لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجاً، أي: هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} أي: جعلناه، يعني: القرآن، شرعة ومنهاجاً، أي: سبيلاً إلى المقاصد الصحيحة، وسنة، أي: طريقاً ومسلكاً واضحاً بيناً، هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد رحمه الله، والصحيح القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً} فلو كان هذا خطاباً لهذه الأمة، لما صح أن يقول: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً} وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء، لجمع الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَـٰكُم} أي: إنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته؛ بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله. وقال عبد الله بن كثير: {فِى مَآ ءَاتَـٰكُم} يعني: من الكتاب. ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَٰتِ} وهي طاعة الله، واتباع شرعه الذي جعله ناسخاً لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ} أي: معادكم أيها الناس، ومصيركم إليه يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين، المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة. وقال الضحاك: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَٰتِ} يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر. وقوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك، والنهي عن خلافه، ثم قال: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي: واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من أمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة، {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: عما تحكم به بينهم من الحق، وخالفوا شرع الله، {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قدر الله، وحكمته فيهم؛ أن يصرفهم عن الهدى؛ لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ} أي: إن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق، ناكبون عنه، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103]. وقال تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 166] الآية. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد؛ لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود، وأشرافهم، وساداتهم، وإنا إن اتبعناك، اتبعنا يهود، ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل فيهم: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} إلى قوله: {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقوله تعالى: { أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله؛ كما كان أهل الجاهلية يحكمون به؛ من الضلالات والجهالات؛ مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله، فحكمُ الجاهلية. وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} الآية، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الخوطي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أبغض الناس إلى الله عز وجل، من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرىء بغير حق؛ ليريق دمه»تفسير : . وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد {ٱلْكِتَٰب } القرآن {بِٱلْحَقِّ } متعلق (بأنزلنا) {مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } قبله {مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِناً } شاهداً {عَلَيْهِ } و(الكتاب) بمعنى الكتب {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ } بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } إليك {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } عادلاً {عَمَّا جَاءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } أيها الأمم {شِرْعَةً } شريعة {وَمِنْهَاجاً } طريقاً واضحاً في الدين يمشون عليه {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } على شريعة واحدة {وَلَٰكِن } فرّقكم فرقا {لِيَبْلُوَكُمْ } ليختبركم {فِي مَا ءَاتَٰكُمُ } من الشرائع المختلفة لينظر المطيع منكم والعاصي {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } سارعوا إليها {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } بالبعث {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } نأمر الدين ويجزي كلاًّ منكم بعمله.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} يعني القرآن. {مُصَدِّقَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} يعني لما قبله من الكتاب وفيه وجهان: أحدهما: مصدقاً بها، وهو قول مقاتل. والثاني: موافقاً لها، وهو قول الكلبي. {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أميناً، وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني شاهداً عليه، وهو قول قتادة، والسدي. والثالث: حفيظاً عليه. {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمآ أَنزَلَ اللَّهُ} هذا يدل على وجوب الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا، وألا نحكم بينهم بتوراتهم ولا بإنجيلهم. {وَلاَ تَتَّبعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: أمم جميع الأنبياء. {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أما الشرعة فهي الشريعة وهي الطريقة الظاهرة، وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة ومن قيل لشريعة الماء شريعة لأنها أظهر طرقه إليه، ومنه قولهم: أُشْرِعَتِ الأسنة إذا ظهرت. وأما المنهاج فهو الطريق الواضح، يقال طريق نهج ومنهج، قال الزاجر: شعر : مَن يَكُ ذَا شَكٍّ فهذَا فَلْجُ مَاءٌ رُوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ تفسير : فيكون معنى قوله شرعة ومنهاجاً أي سبيلاً وسنة، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدةً} فيه قولان: أحدهما: لجعلكم على ملة واحدة. الثاني: لجمعكم على الحق، وهذا قول الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ} القرآن. {مُصَدِّقاً} بما قبله من الكتب، أو موافقاً لها. {وَمُهَيْمِناً} أميناً، أو شاهداً، أو حفيظاً. {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ} فيه دليل على وجوب الحكم بالقرآن دون التوراة والإنجيل. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} يا أمة محمد، أو جميع الأمم {شِرْعَةً} طريقة ظاهرة، ومنه شريعة الماء، لأنها أظهر طرقه إليه وأشرعت الأسنة أظهرت، والمنهاج الطريق الواضح فمعنى قوله ـ تعالى ـ {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} سنّةً وسبيلاً. {أُمَّةً وَاحِدَةً} جمعكم على ملة واحدة، أو على حق.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {تبغون} بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة. الباقون بالياء. {ويقول} بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب. عياش: مخير. الباقون {يقول} بدون واو العطف. {من يرتد} بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون بالإدغام. {والكفار} بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي. الباقون بالنصب عطفاً على محل {الذين اتخذوا} وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة. الوقوف: {بالحق} ط {ومنهاجاً} ط {الخيرات} ط {تختلفون } ه لا لعطف {وأن احكم} على ما قبله. ومن وقف فلأنه رأس آية. {أنزل الله إليك} ط {ذنوبهم} ط {الفاسقون} ه {يبغون} ط {يوقنون} ه {أولياء} ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً {أولياء بعض} ط {منهم} ط {الظالمين} ه {دائرة} ط لتمام المقول. {نادمين} ه لا لمن قرأ {ويقول} بالنصب عطفاً على {أن يأتي}. {جهد أيمانهم} لا لأن قوله: {إنهم} جواب القسم {لمعكم} ط {خاسرين} ه {ويحبونه} لا لأن ما بعده صفة قوم {الكافرين} ه لشبه الآية. {لائم} ط {من يشاء} ط {عليم} ه {راكعون} ه {الغالبون} ه {أولياء} ج للعطف ولطول الكلام. {مؤمنين} {ولعباً} ط {لا يعقلون} ه. /التفسير: منّ الله تعالى على نبينا صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء. وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً. وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك. والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : [الحجر:9] ومن هنا قرىء: {ومهيمناً عليه} فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة {فاحكم بينهم} بين اليهود بالقرآن {ولا تتبع أهواءهم} منحرفاً {عما جاءك من الحق} أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن. قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي. والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي. أو الخطاب له والمراد غيره {لكل جعلنا منكم} أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكر الثلاث {شرعة ومنهاجاً} قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته. وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد. ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة. وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه. وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى. والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء {ولكن ليبلوكم} أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال {فاستبقوا الخيرات} سارعوا إليها وتسابقوا نحوها. ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف. ثم علّل الاستئناف بقوله: {إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم} فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر. والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {وأن احكم} قيل معطوف على {الكتاب} أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: {بالحق} أي أنزلناه بالحق وبأن احكم. وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم. وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم. وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض} وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه. فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل فيهم: {واحذرهم أن يفتنوك} محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر. والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن. قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، {فإن تولوا} عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله. وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً. {لفاسقون} لمتمردون في الكفر. وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً. ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: {أفحكم الجاهلية يبغون} وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى. وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القتلى بواء أي سواء. فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت. وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية. واللام في قوله: {لقوم يوقنون} للبيان كاللام في: {أية : هيت لك} تفسير : [يوسف:23] أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً. قال عطية العوفي: حديث : جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه. قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} تفسير : تعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله: {بعضهم أولياء بعض} لأن الجنسية علة الضم. ثم أكد ذلك بقوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه. {إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه. عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟ أما سمعت هذه الآية؟ قلت: له دينه ولي كتابته. فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله. قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به. قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن. {فترى الذين في قلوبهم مرض} يعني أمثال عبدالله بن أبي {يسارعون فيهم} في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم {يقولون} يعتذرون عن الموالاة بقولهم:{نخشى أن تصيبنا دائرة} قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه. وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك. ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} فعسى من الله الكريم إطماع واجب. والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه. وقوله: {أو أمر من عنده} المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار. وقيل: هو أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار المنافقين وقتلهم. {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم} من النفاق والشك في أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يتم {نادمين ويقول الذين آمنوا} قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإن قوله: {أهؤلاء} إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان. ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت. ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: {أية : وإن قوتلتم لننصرنكم} تفسير : [الحشر:11] وقوله: {جهد أيمانهم} أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه. {حبطت أعمالهم} من قول الله تعالى أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء. وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى {من يرتدّ منكم عن دينه} أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله تعالى يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه. وقال الحسن: علم الله تعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه سبحانه سيأتي {بقوم يحبهم ويحبونه} فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً. روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول. وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب صلى الله عليه وسلم: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام. أراد في جاهليتي وإسلامي. وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه. وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه. وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه. فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر. وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: {أية : يحبونهم كحب الله} تفسير : [البقرة:165] وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع. والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم {أذلة} جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل. وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة. ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم. أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع {أعزة على الكافرين} يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم} تفسير : [الفتح:29] أما الواو في قوله: {ولا يخافون} فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض. وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام {ذلك} الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها {فضل الله} إحسانه وتوفيقه. قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله تعالى. والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف. وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة {والله واسع عليم} تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل. واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم. قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة. وقال السدي: نزلت في الأنصار. وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا. وقال آخرون: هم الفرس لما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارستفسير : . وقالت الشيعة: نزلت في علي رضي الله عنه وكرّم الله وجهه لما روي أنه صلى الله عليه وسلم دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي رضي الله عنه لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق. ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص. ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه تعالى لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم. ثم إنه سبحانه لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: {إنما وليكم} ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع {الله ورسوله والذين آمنوا} وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت. وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية. فقالوا: رضينا بالله تعالى وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. ثم قال: {الذين يقيمون الصلاة} ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى {وهم راكعون} قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله تعالى ونواهيه. وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه. وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم. القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله. ثم إن ذلك الشخص من هو؟ روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي عليه السلام. روي أن عبد الله بن سلام قال: حديث : لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاهتفسير : . وروي عن أبي ذر أنه قال:حديث : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء. وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ عليه السلام كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: {رب اشرح لي صدري} إلى قوله: {وأشركه في أمري} [طه:25، 32] فأنزلت قرآناً ناطقاً {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً} [القصص:35] اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري. قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ {إنما وليكم الله} الآية تفسير : . فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب عليه السلام لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي عليه السلام برواية أبي ذر وغيره. وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها. وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال. وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} تفسير : [التوبة:71] وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه. ثم إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله. وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة. ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير فصل؟ وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك. فالمراد بقوله: {إنما وليكم الله ورسوله} أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه تعالى قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر. وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً عليه السلام ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل. والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي عليه السلام، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله} من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً. والمراد فإنهم هم الغالبون. حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم. وقال الحسن: جند الله. أبو روق: أولياء الله. أبو العالية: شيعة الله. وقيل: أنصار الله. الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم. صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب. ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا} عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء. وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر. ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان. {واتقوا الله} في موالاة الكفار {إن كنتم مؤمنين} حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين. قال الكلبي: حديث : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها}تفسير : أي الصلاة والمناداة. وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية. وقال السدي: حديث : نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله. قال: حرق الكاذب. فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهلهتفسير : . وقال آخرون: حديث : إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية. فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر. فأنزل الله تعالى هذه الآيةتفسير : ، وأنزل: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ. {بأنهم قوم لا يعقلون} ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل. قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام. التأويل: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن. وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها {لكل جعلنا منكم} معاشر الأنبياء {شرعة} يشرع فيها بالبيان {ومنهاجاً} يسلك فيه بالعيان {ولكن ليبلوكم} أيها الأمم {فيما آتاكم} من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى {فاستبقوا الخيرات} من هذه المقامات {إلى الله مرجعكم جميعاً} اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل {فإن تولوا} عن قبول الحق {فاعلم} بمطالعة القضاء {أنما يريد الله} في حكم القدر {أن يصيبهم} مصيبة الإعراض {ببعض ذنوبهم} وهو الاعتراض، فإن الحق سبحانه يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف. فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب {لفاسقون} لخارجون عن جذبات العناية {أفحكم الجاهلية يبغون} أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب {يسارعون فيهم} لأن شبيه الشيء منجذب إليه {أن يأتي بالفتح} فتح عيون القلوب {أو أمر من عنده} وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين {ويقول الذين آمنوا} بأنوار الغيوب في أستار القلوب {فأصبحوا خاسرين} بإبطال الاستعداد الفطري. {بقوم يحبهم ويحبونه} هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية. والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية رضي الله عنه قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا. ثم قال إنه تعالى يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً {أذلة على المؤمنين} لارتفاع الأنانية {أعزه على الكافرين} ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية {يجاهدون في سبيل الله} في طلب الحق في البداية ببذل الوجود {ولا يخافون لومة لائم} عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية {والله واسع} كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه {عليم} بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله. {يقيمون الصلاة} يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر {ويؤتون الزكاة} ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله {وهم راكعون} راجعون إلى الله بانحطاط. فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان {الذين اتخذوا دينكم} يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب {من الذين أوتوا الكتاب} أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية {وإذا ناديتم إلى الصلاة} دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.
ابن عادل
تفسير : وهذا خطابٌ مع النَّبِي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والمرادُ بالكتابِ القرآن العظيم. والباءُ [في "بالحَقِّ"] يجوزُ أن تكونَ لِلْحَالِ مِنَ "الكتابِ" أيْ: مُلْتَبِساً بالحقِّ والصِّدْقِ، وهي حالٌ مؤكدة، ويجوزُ أن تكون حالاً من الفاعلِ أيْ: مُصَاحبينَ للحقِّ، أو حالاً من "الكافِ" في "إليْكَ" أيْ: وأنت مُلْتَبِسٌ بالحَقِّ. و"مِنَ الكتابِ" تقدم نظيرُه، و"ألْ" في الكتابِ الأولِ للعَهْدِ، وهو القرآنُ بلا خلافٍ، وفي الثاني: يحتملُ أن تكونَ للجنْسِ، إذ المُرادُ الكُتُبُ السماويَّة [كما تقدم]. وجوَّز أبُو حيان: أنْ تكُون لِلْعَهد؛ إذ المرادُ نوعٌ معلُومٌ من الكتابِ، لا كُل ما يقعُ عليه هذا الاسمُ، والفرقُ بَيْنَ الوجهيْنِ أنَّ الأولَ يحتاجُ إلى حَذْفِ [صفة] أيْ: مِنَ الكتابِ الإلهِي، وفي الثاني لا يحتاجُ إلى ذلِكَ؛ لأن العَهْدَ فِي الاسْمِ يتضمنُه بجميعِ صِفَاتِهِ. قوله تعالى: "وَمُهَيْمِناً" الجمهورُ على كَسْرِ الميمِ الثانيةِ، اسمُ فاعلٍ، وهو حالٌ من "الكتاب" الأول لعطفِهِ على الحالِ منه وهو "مُصدِّقاً"، ويجوزُ في "مُصَدِّقاً" و"مُهَيْمِناً" أنْ يَكُونَا حاليْنِ مِنْ كافِ "إلَيْكَ"، وسيأتي تحقيقُ ذلك عند قراءةِ مجاهد رحمه الله. "وعليْهِ" متعلقٌ بـ "مُهَيْمِن". و"المهيمنُ": الرَّقيبُ قال حسَّان: [الكامل] شعر : 1971- إنَّ الكتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنَا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبَابِ تفسير : والحافِظُ أيْضاً قال: [الطويل] شعر : 1972- مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمنٌ لِعزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ تفسير : وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - "شاهِداً" وهو قولُ مُجاهدٍ وقتادَةَ والسديِّ والكِسَائِي، وقال عِكْرِمَةُ: دالاً، وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبيدَةَ: مُؤتَمناً عليه. وقاله الكسائيُّ والحسنُ. واختلفوا: هل هو أصل بِنَفْسِهِ، أيْ: أنه ليس مُبْدَلاً مِنْ شيءٍ، يقالُ: "هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فَهُو مُهَيْمِن" كـ "بَيْطَرَ يُبَيْطِرُ فهو مُبَيْطر". وقال أبُو عُبَيْدة: لم تَجِىءْ في كلامِ العرب على هذا البِنَاءِ إلا أربعةُ ألفاظٍ: "مُبَيْطِر، ومُسَيْطِر، ومُهَيْمن، ومُحَيْمِر". وزاد أبُو القاسِمِ الزَّجَّاجيُّ في شرحه لخُطْبَةِ "أدَبِ الكاتبِ" لفظاً خامساً، وهو مُبَيْقِر، اسم فاعل من: بَيْقَر يُبَيْقِر أيْ: خرج من أفُقٍ إلى أفُقٍ، أو لعب البُقَّيْرى وهي لعبةٌ مَعْرُوفةٌ للصِّبْيَان. وقيل: إنَّ هاءَهُ مُبْدلةٌ من همزة، وأنه اسمُ فاعلٍ من آمن غيرهُ مِنَ الخوفِ، والأصْلُ "مُأَأْمِن" بهمَزْتَيْنِ أبدلَتِ الثانيةُ ياءً كراهِيةَ اجتماعِ همزتين، ثُمَّ أبْدِلَتِ الأولَى هاءً كـ "هراق وهراح، وهَبرتُ الثوب" في: "أراق وأراح وأبرتُ الثوبَ" و"أيهاتَ وهَيْهَات" ونحوها، وهذا ضعيفٌ فيه تكلُّفٌ لا حاجة إليه، مع أنَّ له أبْنِيَةً يُمْكِن إلحاقهُ بها كـ "مُبَيْطِر" وإخوانه، وأيضاً فإنَّ هَمْزَةَ "مُأَأْمِن" اسمُ فاعلٍ من "آمَنَ" قاعدتُها الحذفُ فلا يُدَّعى فيها أنها أثبتت، ثم أبدلت هاءً، هذا ما لا نظيرَ له. وقد سقط ابنُ قُتَيْبَة سقطَةً فاحِشَةً حيث زعم أن "مُهَيْمِناً" مُصَغَّرٌ، وأنَّ أصلهُ "مُؤيْمِنٌ" تصغيرُ "مُؤمِن" اسمُ فاعلٍ، ثُم قُلبتْ همزتهُ هاءً كـ "هَرَاق"، ويُعْزَى ذلك لأبِي العبّاس المُبَرّدِ أيضاً، إلاَّ أنَّ الزَّجَّاج قال: "وهذا حسنٌ على طريق العربية [وهُو مُوافقٌ لِمَا جَاءَ فِي التفسيرِ مِن أنَّ معنى "مُهَيْمِن": مُؤمِنٌ". وهذا الذي قالَهُ الزَّجَّاجُ واسْتَحْسَنَهُ] أنكره الناسُ عليه، وعلى المبرِدِ، وعلى مَنْ تَبِعَهُما. ولما بلغ أبَا العباسِ ثَعْلَباً هذا القولُ أنكرَهُ أشدَّ إنْكَارٍ، وأنحى على ابن قُتَيْبَة، وكتب إليه: أن اتَّقِ الله فإن هذا كُفرٌ أوْ ما أشبههُ، لأنَّ أسماءَ الله - تعالى - لا تُصَغَّر، وكذلك كل اسمٍ مُعَظَّم شَرْعاً. وقال ابنُ عطيَّة: "إنَّ النقَّاش حَكَى أنَّ ذلك لمَّا بلغ ثعلباً فقال: إنَّ ما قال ابنُ قُتَيْبَة رَدِيءٌ باطِلٌ، والوُثُوب على القرآنِ شديدٌ، وهو ما سَمِعَ الحديثَ مِنْ قويٍّ ولا ضعيفٍ، وإنَّما جمع الكتُبَ من هَوَسٍ غلبه". وقرأ ابنُ مُحيصن ومُجاهد: "وَمُهَيْمَناً" بفتح الميمِ الثانيةِ على أنَّه اسمُ مفعولٍ. وقال أبُو البقاءِ: وأصلُ "مُهَيْمن": مُؤيمنٌ؛ لأنه مُشْتَقٌّ من "الأمانة"؛ لأنَّ المهيمنَ الشاهدُ، وليس في الكلام "هَيْمَنَ" حتى تكُون "الهاء" أصْلاً، وهذا الذي قالهُ ليس بِشَيءٍ لما تقدَّمَ مِنْ حِكايةِ أهْلِ اللُّغَةِ "هَيْمَنَ"، وغايةُ مَا في البابِ أنهم لم يستعمِلُوه إلاَّ مَزِيداً فيه الياءُ كـ "بَيْطَر" وبابِهِ، بمعنى أنَّه حُوفِظَ عليه من التَّبْدِيلِ والتَّغْييرِ، والفاعلُ هو الله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] أو الحافظُ لهُ في كُلِّ بلدٍ، حتَّى إنَّه إذا غيَّرْتَ مِنْه الحَرَكَةَ تَنَبَّهَ لها الناسُ، ورَدُّوا على قارئها بالصوابِ. والضميرُ في "عَلَيْه" على هذه القراءةِ عائدٌ على الكتابِ الأولِ، وعلى القراءة المشهورةِ عائدٌ على الكتاب الثاني. وروى ابنُ أبِي نَجيح عَنْ مُجاهدٍ قراءتَهُ بالفتحِ، وقال: "معناه: مُحَمدٌ مؤتمنٌ على القرآنِ". قال الطَّبرِيُّ: فعلى هذا يكون "مُهَيْمِناً" حالاً من "الكَافِ" في "إليْك"، وطعنَ على هذا القولِ لوجود "الواو" [في] "ومهيمناً"؛ لأنها عطفٌ على "مُصدِّقاً"، و"مُصدِّقاً" حالٌ مِنَ "الكِتاب" لا حَالٌ مِنَ "الكَافِ"؛ إذْ لَوْ كان حالاً مِنْها لكان التركيبُ: "لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ" بالكَافِ. قال أبُو حيّان: وتأويلُه على أنَّه من الالتفات من الخطاب إلى الغَيْبَةِ بعيدٌ عَنْ نظم القرآن، وتقديرُ: "وَجَعلْنَاكَ يا مُحمَّدُ مُهَيْمِناً" أبعدُ يعني: أنَّ هذيْنِ التَّأويلَيْنِ يَصْلُحَانِ أنْ يكُونَا جَوَابَيْنِ عن قول مجاهد، لكنَّ الأولَ بعيد، والثَّانِي أبعدُ مِنْه. وقال ابن عطيَّة هنا بَعْدَ أن حَكَى قراءةَ مُجاهِدٍ وتفسيرَهُ محمداً - عليه السلام - أنَّه أمينٌ على القرآنِ: قال الطبريُ وقوله: "ومُهَيْمناً" على هذا حالٌ مِنَ "الكَافِ" في قوله: "إلَيْكَ" قال: "وهذا تأويلٌ بعيدُ المفهومِ" قال: "وغلط الطبرِيُّ في هذه اللَّفْظَةِ على مُجاهدٍ، فإنه فَسَّرَ تأويلَهُ على قراءةِ النَّاسِ "مُهَيْمناً" بِفَتْحِ الميمِ الثانيةِ، فَبَعُدَ التأويلُ، ومجاهدٌ رحمه الله إنَّما يَقْرأ هو وابنُ مُحَيْصِن: "مُهَيْمَناً" بِفَتْحِ الميمِ الثَّانِيَةِ فهُوَ بناءُ اسم المفعولِ، وهو حالٌ من "الكِتَابِ" معطوفٌ على قوله: "مُصَدِّقاً"، وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد - عليه السلام -". قال: "وكذلك مشى مَكيّ - رحمه الله-". قال شهابُ الدِّين: وما قاله أبُو محمدٍ ليس فيه ما يَرُدُّ على الطَّبريِّ، [فإنَّ الطبري] اسْتَشْكَلَ كَوْنَ "مُهَيْمِناً" حالاً من "الكافِ" على قراءة مجاهدٍ، وأيضاً فقد قال ابنُ عطية بعد ذلك: ويُحْتَملُ أنْ يكونَ "مُصدِّقاً ومُهَيْمِناً" حاليْنِ مِنَ "الكافِ" في "إلَيْكَ"، ولا يخص ذلك قراءةَ مُجاهدٍ وحده كما زعم مَكّي، فالناسُ إنما اسْتَشْكَلُوا كَوْنَهُمَا حالين من كافِ "إليك" لِقَلَقِ التركيبِ، وقد تقدم ما فيه وما نقله أبُو حيَّان مِنَ التَّأويلينِ. وقوله: "ولا يخص ذلك" كلامٌ صَحِيحٌ، وإنْ كان مكِّيٌّ التَزَمَهُ، وهو الظَّاهِرُ. و"عَلَيْهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ على قراءةِ ابنِ مُحَيْصن، ومجاهدٍ لقيامِهِ مُقَامَ الفاعلِ، كذا قاله ابنُ عَطِيَّةَ. قال شهاب الدين: هذا إذا جعلنا "مُهَيْمناً" حالاً من "الكتاب"، أمَّا إذا جعلناه حالاً من كاف "إلَيْكَ"، فيكون القائمُ مقام الفاعلِ ضَمِيراً مُسْتَتِراً يعُود على النبي - عليه السلام -، فيكون "عليه" أيضاً في مَحَلّ نَصْب، كما لو قُرِىء به اسمُ الفاعل انتهى. فصل معنى أمانة القرآن ومعنى أمانةِ القرآنِ ما قال ابنُ جُرَيج: القرآنُ أمين على ما قبله من الكُتُبِ، فما أخبر أهْلُ الكتابِ عن كِتَابِهِمْ، فإنْ كان في القرآن فصدِّقوه، وإلاَّ فَكَذِّبُوه. قال سعيدٌ بن المُسيَّب والضَّحاك: قَاضِياً، وقيل: إنَّما كان القُرْآن مُهَيْمِناً على الكُتُب؛ لأنه الكِتَاب الذي لا يَصِير مَنْسُوخاً ألْبَتَّةَ، ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْه التَّبْديل والتَّحْريف؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. وإذا كان كذلك كان شهادَة القُرْآن على التَّوْرَاة والإنْجيل والزَّبُور حقٌّ وصدقٌ باقيةٌ أبداً، [وكانت حقيقة هذه الكُتُب مَعْلُومة أبداً]. ومن قَرَأ بفتح الميمِ الثَّانِية، فالمعنى أنه مشهودٌ عليه من عِنْد الله تعالى بأنَّه يَصُونُه عن التَّحْرِيف والتَّبْدِيلِ لقوله تعالى: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} تفسير : [فصلت: 42]، والآيات المتقدِّمة. قوله تعالى {فَٱحْكُم بَيْنَهُم}: يا محمد {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} بين أهْلِ الكتاب إذا ترافعُوا إليك بالقُرآن، والوَحْي ينزل عليك، {وَلاَ تَتَّبعْ أهواءَهُم}، أي: ولا تتحَرِفْ، ولذلك عدَّاه بـ "عَنْ" كأنَّه قيل: ولا تنحرف عمَّا جاءك من الحقِّ مُتَّبِعاً أهواءَهُم. روي أنَّ جماعة من اليهُود قالوا: تعالوا [نذهب] إلى محمد لعلَّنا نَفْتِنهُ عن دينه، ثمَّ دَخَلُوا عليه وقالوا: يا مُحَمَّد قد عَرَفْتَ أنّا أحبار اليَهُود وأشْرَافُهم، وأنّا إن اتَّبَعْنَاك اتَّبَعَك كلُّ اليَهُود، وإنَّ بَيْنَنَا وبين خصُومِنا حُكُومة فَنُحَاكِمهم إلَيْكَ، فاقْضِ لنا ونحْنُ نُؤمِنُ بك فأنزل الله تعالى هذه الآية - والله أعلم -. فصل تمسَّك من طعن في عِصْمَة الأنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآيةِ، وقال: لولا جواز المَعْصِيَة عليهم لما قال الله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ}. والجوابُ: أنَّ ذلِكَ مَقْدورٌ له، ولكِنَّهُ لا يَفْعَله لمكان النَّهْي، وقيل: الخِطَابُ له والمُرَاد غيره. قوله تعالى: "عَمَّا جاءَك" فيه وجهانِ: أحدهما - وبه قال أبو البقاء - أنَّهُ حال، أي: عَادِلاً عمَّا جَاءَك، وهذا فيه نَظرٌ من حيث إنَّ "عَنْ" حرف جرٍّ ناقِص لا يقع خَبَراً عن الجُثَّةِ، فكذا لا يَقَعُ حالاً عنها، وحرف الجر النَّاقِص إنَّما يتعلَّق بكَوْنٍ مُطْلق لا بكَون مُقَيَّد، لكن المقيَّد لا يجوز حَذْفُهُ. الثاني: أن "عَنْ" على بابِها من المُجَاوَزَةِ، لكن بتضمين ["تَتَّبعْ"] معنى "تَتَزَحْزَحْ وتَنْحَرِفْ"، أي: لا تَنْحَرِفْ مُتَّبِعاً كما تقدم. قوله تعالى: "مِن الحقِّ" فيه أيْضاً وجهان: أحدهما: أنَّه حالٌ من الضَّمِير المرفُوع في "جاءَك". والثاني: أنَّهُ حالٌ من نفس "مَا" الموصُولة، فيتعلّق بمحذوفٍ، ويجُوزُ أن تكون للبيان. قوله [تعالى]: "لِكُلّ": "كُلّ" مضافة لشيء محذوفٍ، وذلك المَحذُوف يُحتمل أن يكون لَفْظَة "أُمّة"، أي: لكل أمة، ويراد بِهِم: جميعُ النَّاسِ من المُسْلِمِين واليَهُود والنَّصارى. ويحتمل أن يكُون ذلك المَحْذُوف "الأنْبِيَاء" أي: لكلِّ الأنْبِيَاء المقدَّم ذِكْرُهم. و"جَعَلْنَا" يُحْتَمل أن تكون مُتعدِّية لاثْنَين بمعنى صَيَّرْنَا، فيكون "لكلِّ" مفعولاً مقدَّماً، و"شِرْعَةً" مفعول ثانٍ. وقوله: "مِنْكم" متعلِّق بمحذُوفٍ، أي: أعْني مِنْكم، ولا يجُوز أن يتعلَّق بمَحْذُوف على أنَّهُ صِفَة لـ "كُلٍّ" لوجهين: أحدهما: أنَّهُ يلزم منه الفَصْلُ بين الصِّفَة والموصُوف بقوله: "جعلنا"، وهي جُمْلة أجْنَبيَّة ليس فيها تَأكِيد ولا تَسْدِيدٌ، وما شأنه كذلِكَ لا يجُوزُ الفَصْلُ به. والثاني: أنه يَلْزَمُ منه الفَصْلُ بين "جَعَلْنَا"، وبين مَعْمُولها وهو "شرعة" قاله أبو البقاء، وفيه نظر، فإنَّ العامِلَ في "لِكُلٍّ" غير أجْنَبِيّ، ويدلُّ [على ذلك] قوله: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ} تفسير : [الأنعام: 14]، ففصل بين الجلالة وصِفَتِها بالعامِل في المَفْعُول الأوّل، وهذا نَظِيرُهُ. وقرأ إبراهيم النَّخعي، ويَحْيى بن وثَّاب: "شَرْعَةً" بفتح الشِّين، كأن المكسور للهيئَة، والمفْتُوح مَصْدر. والشِّرْعَةُ في الأصْل "السُّنَّة"، ومنه: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ} تفسير : [الشورى: 13]، أي: سن [لكم وبيَّنَ ووَضَّحَ]. والشَّارع: الطريق، وهو من الشَّريعة التي هي في الأصْلِ: الطَّريق المُوصِّلُ إلى الماء، وقال ابن السِّكِّيت: الشَّرْع مصدر شَرَعْت الإهَاب، أي: شَقَقْتُهُ وسَلَخْتُه، وقيل: مأخوذٌ من الشُّروع في الشَّيء: وهو الدُّخُول فيه. ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : 1973- وفِي الشَّرَائِعِ مِنْ جلاَّنَ مُقْتنِصٌ بَالِي الثِّيَابِ خَفِيُّ الصَّوْتِ مُنْزَرِبُ تفسير : والشَّريعة: فَعِيلة بمعنى المَفْعُولة: وهي الأشيَاءُ التي أوْجب اللَّه تعالى على المكلَّفِين أن يشرعوا فيها، والمِنْهاجُ مشتقٌّ من الطَّريق النَّهْج وهو الوَاضِح. ومنه قوله: [الرجز] شعر : 1974- مِنْ يَكُ ذَا شَكٍّ فَهَذَا فَلْجُ مَاءٌ رَوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ تفسير : أي: وَاضِح، يقال: طَرِيق مَنْهَج ونَهْج. وقال ابن عطية: منهاج مثال مُبالغة، يعني قولهم: "إنَّه لَمِنْحَارٌ بَوَائكَهَا" وهو حسنٌ، [وهل الشِّرْعَة] والمنهاج بمعنى كقوله: [الطويل] شعر : 1975-.......................... وَهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونِهَا النَّأيُ والبُعْدُ تفسير : [الوافر] شعر : 1976-.......................... وَألْفَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنا تفسير : أو مُخْتلفَان؟ فالشِّرْعَةُ: ابتداءُ الطَّريق، والمِنْهَاج الطَّريق المستمِرُّ، قاله المبرِّد، أو الشِّرْعةُ: الطَّرِيق وَاضِحاً كان أو غَيْر وَاضِح، والمنْهَاجُ: الطريق الوَاضِحُ فقط، فالأوَّل أعمُّ. قاله ابن الأنباري، أو الدِّين والدَّلِيل؟ خلافٌ مشهور. فصل في معنى الآية قال ابنُ عبَّاس، ومُجَاهِد، والحسن - رضي الله عنهم - معنى قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أي: سَبِيلاً وسُنَّة، وأراد بهذا أن الشَّرَائع مختلِفَةٌ ولكلِّ أمَّة شرِيعة. قال قتادة: الخِطَاب للأمُمِ الثَّلاث: أمَّة مُوسَى، وأمَّة عيسى، وأمَّة محمد - صلوات الله وسلامُهُ عليهم - لتقدُّم ذِكرهم. فإن قيل: قد وردتْ آياتٌ تدلُّ على عدم التَّبَايُن في طريقة الأنبياء - عليهم السلام - كقوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} تفسير : [الشورى: 13] إلى قوله تعالى: {أية : أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13] وقال تعالى {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]، وآياتٌ دلَّت على التَّبَايُن في هذه الآية فكيف الجَمْع؟ فالجواب: أنَّ الأوَّل يَنْصَرِفُ إلى أصُول الدِّيَانَاتِ. والثاني ينصرف إلى الفُرُوع. واحتجَّ أكثر العُلَمَاء بهذه الآية على أنَّ شرع من قبلنا لا يلزمنا؛ لأنَّها تدلُّ على أنَّ لكلِّ رَسُولٍ شريعَةٌ خاصَّةٌ. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، أي: جماعة مُتَّفِقَة على شريعة واحِدة، أو ذَوِي أمة واحدة، أو دِين واحد لا اخْتِلاَف فيه. قال أهل السُّنَّة: وهذا يدلُّ على أن الكُلَّ بِمَشِيئَةِ الله - تعالى -، والمعتزِلَةُ: حَمَلُوهُ على مَشِيئَة الإلْجَاء. قوله تعالى: "ولَكِنْ لِيَبْلُوكُمْ" متعلِّق بِمَحْذُوف، فقدَّرَهُ أبو البقاء: "ولكن فرَّقكم لِيَبْلُوَكُم". وقدَّره غيره "ولكن لم يَشْأ جَعْلكم أمَّة واحِدة". قال شهاب الدين: وهذا أحْسَن؛ لدلالة اللَّفْظ والمعنى عليه. ومعنى "لِيَبْلُوكُمْ": ليختبركم، "فِيمَا آتَاكُم": من الكُتُب وبيَّن لكم من الشَّرائع، فبيّن المُطِيع من العَاصِي، والمُوَافِق من المُخَالِف، "فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ" فبادروا إلى الأعْمَال الصَّالحة قوله تعالى: {إِلَىٰ اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} استئناف في معنى التَّعْليل لاستِبَاقِ الخَيْرَاتِ. وهذه الجُملة تحتمل أن تكُون من بَابِ الجملة الفعليَّة أو الجملة الاسميَّة، كما تقدَّم في نظائره. و"جَمِيعاً" حال من "كُمْ" في "مَرْجِعُكُمْ"، والعامل في هذه الحال، إمَّا المصْدر المضاف إلى "كُمْ"، فإنَّ "كُمْ" يحتمل أن تكون فاعِلاً، والمصدر يَنْحَلُّ لحرف مصدريٍّ، وفعلٍ مبنيٍّ للفاعل، والأصْلُ: "تُرْجَعُون جَمِيعاً"، ويحتمل أن تكون مفعُولاً لم يُسَمَّ فاعِلُه، على أنَّ المصدر يَنْحَلُّ لفعل مَبْني للمفعول، أي: "يُرْجِعُكُم الله"، وقد صرَّح بالمعْنَييْن في مواضع. وإما أن يعمل فيها الاسْتِقْرارُ المقدَّر في الجارِّ وهو "إلَيْه" [و"إليه مَرْجِعُكُمْ" يحتمل أن يكون من باب الجُمَل الفعليَّة، أو الجُمل الاسميَّة، وهذا واضح بما تقدَّم في نَظَائِره] و"فَيُنَبِّئُكم" هنا من "نَبَّأ" غير مُتَضَمِّنَة معنى "أعْلَم"، فلذلك تعدَّتْ لواحد بِنَفْسِها، وللآخر بحرف الجرَّ. والمعنى: فَيُخْبِركم بما لا تَشُكُّونَ معه من الجَزَاءِ الفاصِلِ بين محقكم ومُبْطِلِكُم، والمُراد: أنَّ الأمر سيؤول إلى ما يُزِيل الشُّكُوك.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال: لما أنبأكم الله عن أهل الكتاب قبلكم بأعمالهم أعمال السوء، وبحكمهم بغير ما أنزل الله وعظ نبيه والمؤمنين موعظة بليغة شافية، وليعلم من ولي شيئاً من هذا الحكم أنه ليس بين العباد وبين الله شيء يعطيهم به خيراً ولا يدفع عنهم به سوءاً إلا بطاعته والعمل بما يرضيه، فلما بيَّن الله لنبيه والمؤمنين صنيع أهل الكتاب وجورهم قال {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه} يقول: للكتب التي قد خلت قبله. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {ومهيمناً عليه} مؤتمناً عليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {ومهيمناً عليه} قال: المهيمن الأمين، والقرآن أمين على كل كتاب قبله. وأخرج أبو الشيخ عن عطية {ومهيمناً عليه} قال: أميناً على التوراة والإنجيل، يحكم عليهما ولا يحكمان عليه قال: مؤتمنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد {ومهيمناً عليه} قال: محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمناً على القرآن، والمهيمن الشاهد على ما قبله من الكتب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ومهيمناً عليه} قال: شهيداً على كل كتاب قبله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي روق {ومهيمناً عليه} قال: شهيداً على خلقه بأعمالهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فاحكم بينهم بما أنزل الله} قال: بحدود الله. وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله {شرعة ومنهاجاً} قال: سبيلاً وسنة. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزوجل {شرعة ومنهاجاً} قال: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول: شعر : لقد نطق المأمون بالصدق والهدى وبين لنا الإسلام ديناً ومنهاجاً تفسير : يعني به النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} قال: الدين واحد والشرائع مختلفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} يقول: سبيلاً والسنن مختلفة، للتوراة شريعة، وللإنجيل من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن كثير في قوله {ولكن ليبلوكم فيما آتاكم} قال: من الكتب.
ابو السعود
تفسير : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي الفردَ الكاملَ الحقيقيَّ بأن يسمى كتاباً على الإطلاق لحيازته جميعَ الأوصافِ الكمالية لجنس الكتابِ السماويِّ وتفوقِه على بقية أفراده وهو القرآنُ الكريم، فاللام للعهد والجملةُ عطف على (أنزلنا) وما عُطِف عليه، وقوله تعالى: {بِٱلْحَقّ} متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً مؤكّدة من الكتاب أي ملتبساً بالحق والصدق، وقيل: من فاعل أنزلنا، وقيل: من الكاف في (إليك) وقوله تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} حال من الكتاب أي حالَ كونِه مصدقاً لما تقدَّمَه إما من حيث إنه نازلٌ حسْبما نُعِتَ فيه، أو من حيث إنه موافقٌ له في القِصصِ والمواعيدِ والدعوة إلى الحق والعدلِ بـين الناس والنهْيِ عن المعاصي والفواحش، وأما ما يتراءى من مخالفتِه له في بعض جزئياتِ الأحكام المتغيِّرة بسبب تغيُّرِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة بل هي موافِقةٌ لها من حيث إن كلاًّ من تلك الأحكام حقٌّ بالإضافة إلى عصره، متضمِّنٌ للحكمة التي عليها يدور أمرُ الشريعة، وليس في المتقدم دلالةٌ على أبديةِ أحكامِه المنسوخة حتى يخالفَه الناسخُ المتأخِّرُ، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرُّض لبقائها وزوالِها، بل نقول: هو ناطقٌ بزوالها لما أن النطقَ بصحة ما ينسخها نطقٌ بنَسْخِها وزوالِها وقوله تعالى: {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} بـيانٌ (لِما)، واللام للجنس، إذ المراد هو الكتابُ السماوي وهو بهذا العنوان جنسٌ برأسه، وإن كان في نفسه نوعاً مخصوصاً من مدلول لفظ الكتاب، وعن هذا قالوا: اللام للعهد، إلا أن ذلك لا ينتهي إلى خصوصية الفردية بل إلى خصوصية النوعية التي هي أخصُّ من مُطلقِ الكتاب وهو ظاهر، ومن الكتاب السماوي أيضاً حيث خُصَّ بما عدا القرآن {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي رقيباً على سائر الكتبِ المحفوظة من التغيـير لأنه يشهد بالصحة والثبات ويقرِّر أصولَ شرائعها وما يتأبد من فروعها، ويعيِّن أحكامَها المنسوخةَ ببـيان انتهاءِ مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاءِ وقت العمل بها، ولا ريب في أن تميـيزَ أحكامِها الباقيةِ على المشروعية أبداً عما انتهى وقتُ مشروعيتِه وخرج عنها من أحكام كونِه مهيمناً عليه، وقرىء (ومُهيمَناً عليه) على صيغة المفعول أي هُومِنَ عليه وحُوفظ من التغيـير والتبديل كقوله عز وجل: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } تفسير : [فصلت، الآية 42] والحافظُ إما من جهته تعالى كما في قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر، الآية 9] أو الحفاظُ في الأعصار والأمصار والفاء في قوله تعالى: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن كونَ شأنِ القرآن العظيم حقاً مصدِّقاً لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم مهيمناً عليه من مُوجباتِ الحكم المأمور به، أي إذا كان القرآن كما ذُكِر فاحكمْ بـين أهل الكتابـين عند تحاكُمِهم إليك {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} أي بما أنزله إليك، فإنه مشتملٌ على جميع الأحكام الشرعية الباقيةِ في الكتب الإلٰهية، وتقديمُ (بـينهم) للاعتناء ببـيانِ تعميمِ الحكم لهم، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للتنبـيه على عِلِّيَّةِ ما في حيز الصلة للحكم، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربـية المهابة والإشعار بعِلَّة الحكم. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} الزائغة {عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ} الذي لا محيدَ عنه، و(عن) متعلقة بلا تتَّبعْ على تضمين معنى العُدول ونحوِه، كأنه قيل: ولا تعدِلْ عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم، وقيل: بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعله، أي لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك، وفيه أن ما وقع حالاً لا بد أن يكون فعلاً عاماً، ووضع الموصول موضع ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة من مجيء الحق إلى ما يوجب كمالَ الاجتناب عن اتباع الأهواء. وقوله تعالى: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} كلام مستأنَفٌ جيءَ به لحمل أهل الكتابـين من معاصِريه عليه الصلاة والسلام على الانقياد لحُكمه بما أُنزل إليه من القرآن الكريم ببـيان أنه هو الذي كُلِّفوا العملَ به دون غيره من الكتابـين، وإنما الذين كلفوا العملَ بهما مَنْ مَضَى قبل نسخهما من الأمم السالفة، والخطابُ بطريق التلوين والالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين أيضاً بطريق التغليب، واللام متعلقة (بجعلنا) المتعدي لواحد، وهو إخبارٌ بجَعَلَ، ماضٍ لا إنشاءٌ، وتقديمها عليه للتخصيص و(منكم) متعلق بمحذوفٍ وقعَ صفةً لِما عُوِّض عنه تنوينُ كلٍّ، ولا ضيرَ في توسط (جعلنا) بـين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} تفسير : [الأنعام، الآية 14] الخ، والمعنى لكل أمة كائنةٍ منكم أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عيّنّا ووضعنا شرعةً ومنهاجاً خاصَّين بتلك الأمة لا تكاد أمةٌ تتخطىٰ شَرْعيتها التي عُيِّنت لها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعِيَّتُهم التوراة والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبـي عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون فشِرْعتُكم القرآنُ ليس إلا، فآمنوا به واعملوا بما فيه، والشِّرْعةُ والشريعة هي الطريقة إلى الماء شُبِّه بها الدينُ لكونه سبـيلاً موصولاً إلى ما هو سببٌ للحياة الأبدية، كما أن الماء سببٌ للحياة الفانية، والمنهاجُ الطريق الواضح في الدين من نهَجَ الأمرُ إذا وضَحَ، وقرىء (شَرْعة) بفتح الشين، قيل: فيه دليل على أنا غيرُ مُتعبَّدين بشرائِعِ مَنْ قبلنا، والتحقيق أنا متعبَّدون بأحكامها الباقية من حيث إنها أحكامُ شرعتِنا لا من حيث إنها شرعة للأولين. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً} متفقةٌ على دين واحد في جميع الأعصار من غير اختلاف بـينكم وبـين من قبلكم من الأمم في شيء من الأحكام الدينية، ولا نسخَ ولا تحويل، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ على دلالة الجزاء عليه، أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ، وقيل: المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه. {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَكُمْ} متعلِّقٌ بمحذوف يستدعيه النظام، أي ولكن لم يشأ ذلك أي أن يجعلكم أمةً واحدة بل شاء ما عليه السنةُ الإلٰهيةُ الجاريةُ فيما بـين الأمم ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم {فِيمَا ءاتَـٰكُمُ} من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونِها هل تعملون بها مذعِنين لها معتقدين أن اختلافَها بمُقتضىٰ المشيئةِ الإلٰهية المبنيةِ على أساس الحِكَم البالغةِ والمصالحِ النافعة لكم في معاشكم ومعادِكم أو تزيغون عن الحق وتتبعون الهوَى وتستبدلون المضَرَّة بالجَدْوىٰ وتشترون الضلالة بالهدى، وبهذا اتضح أن مدارَ عدم المشيئةِ المذكورة ليس مجردَ الابتلاء، بل العمدةُ في ذلك ما أشير إليه من انطواءِ الاختلاف على ما فيه مصلحتُهم معاشاً ومعاداً كما ينبىء عنه قوله عز وجل: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي إذا كان الأمر كما ذُكر فسارعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين من العقائد الحَقَّة والأعمالِ الصالحة المندرجة في القرآن الكريم، وابتدروها انتهازاً للفرصة وإحرازاً لسابقةِ الفَضْل والتقدم، ففيه من تأكيد الترغيبِ في الإذعان للحق وتشديدِ التحذير عن الزيغ ما لا يخفى، وقوله تعالى: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ مَساقَ التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد، وقوله تعالى: {جَمِيعاً} حال من ضمير الخطاب، والعامل فيه إما المصدرُ المنحلُّ إلى حرفٍ مصدريَ وفعل مبني للفاعل أو مبني للمفعول وإما الاستقرارُ المقدَّر في الجار {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بـين المُحِقّ والمُبطل ما لا يبقى لكم معه شائبةُ شكٍ فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، وإنما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الإخبار.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [الآية: 48]. قال بعضهم: كلٌ قد فتح له الطريق إلى الله، فمن استقام على الطريق وصل إلى الله ومن زاغ وقع فى سبُل الشيطان وضل عن سواء السبيل. وقال أبو يزيد البسطامى رحمة الله عليه فى هذه الآية: كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته فإن الإله راجعه إلى الذات دون النعوت والصفات. وسمعت السلامى يقول فى قوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} بفضل حبه لهم أحبوه، كذلك ذكرهم بفضل ذكره لهم ذكروه. وقال: الحب شرطه أن يلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن كذلك لم تكن فيه حقيقة. وقال يوسف بن الحسين: المحبة: الإيثار. وأنشدنى فى معناه الحسين بن أحمد الرازى قال: أنشدنى أبو على الرُّوذابارى لنفسه: شعر : سَامَرتُ صفو صبابتى أشجانُها جُزَق الهوى وغليلهُ نيرانُها وسأَلتُ عن فرطِ الصبابةِ قيل لى إيثار حبّك قلت جذب عنانها وكُلٌ لَهُ وبهِ ومنهُ فزينَ وَصف فاوتِرُه فَطاحَ لِسانُها تفسير : وقال بعضهم: سكون بعد الطلب، وطلب بعد السكون، لأن الطلب لا يساكن الأحوال إلا بوجود مراده وهوى محبوبه. [وقيل: المحبة ارتياح الذات لمشاهدة الصفات]. وقيل المحبة هى أن تصير ذات المحب صفة المحبوب. وقال بعضهم: المحبون لله هم الذين قطعوا العلائق التى تقطع عن الله من قبل أن تقطعهم. قال الواسطى رحمة الله عليه: بطل حبهم بذكر حبه لهم بقوله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وأنَّى تقع صفات المعلولة من صفات الأزلى الأبدى. وقال الشبلى: المحبة استواء الحب فى الشدة والرخاء، إذا صح قوله ودعواه. سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الدارى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: إنه قد ذكر حبهم له وحبه لهم، ثم نعتهم فى حبه لهم فقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} فبدأ من نعت المحبة بالتواضع الذى ضده الكبر، والكبر يتولد من الجهل الذى يؤدى إلى الأمن واليأس. والتواضع يتولد من حقيقة العلم. وقال الجنيد: من أثبت محبته لله من غير شرط محبة الله له، كان فى دعواه مبطلاً حتى يثبت أولاً محبة الله له، قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}. قدَّم تعريفه - صلى الله عليه وسلم - قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدَّمه فيستوجب ما استوجبوه. قوله جلّ ذكره: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم}. لا تتملكك مودَّةُ قريبٍ أو حميمٍ، واعتنِقْ ملازمةَ أمرِ الله - تبارك وتعالى - بترك كل نصيبٍ لك. ثم قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} يعني طريقةً وسُنَّة؛ أي أفردنا كلَّ واحدٍ منكم - معاشِرَ الأنبياء - بطريقة، وأمَّا أنت فلا يدانيك في طريقتك أحد، وأنت المقدَّمُ على الكافة، والمُفَضَّلُ على الجملة، ولو شاء الله لَسَوَّى مراتَبَكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفَضَّلَ بعضكم على بعض امتحاناً. قوله جلّ ذكره: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. مسارعة كل أحدٍ على ما يليق بوقته؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، والعارفون همتهم من حيث المواجد. ويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقَطْعِ الهوى، واستباق العارفين بنفي المُنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنيا والعُقبى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} ان الله تعالى جعل فى بحار القدم والبقاء السواقى لوود الارواح --- ومشارب القلوب العارفة به وسواقى فى العقول الصادرة من نوره ولكل واحد منها شريعة من تلك البحار فلبعض شرعة العلم ولبعض شرعة القدرة ولبعض شعرة الصمدية ولبعض شرعة الحكمة ولبعض شرعة الكلام والخطاب ولبعض شرعة المحبة والمعرفة ولبعض شرعة العظمة والكبرياء ثم جعل لها منهاجا من الصفات الى الذات ومن الذات الى الصفات ومن الصفات الى الصفات ومن الذات ومن الاسماء الا النعوت ومن النعوت الا الاسماء ومن الاسماء الى الافعال ليعرفه كل واحد بقدر ذوقه وشربه وطرية وجعل بينهم تباعد وتقارنا قال تعالى قد علم كل اناس مشربهم فمن وافق شربه شرب صاحبه لم يقع بينهما الخلاف فى الشرعة والمنهاج ومن يكن لم شربه موافقا لشرب صاحبه لم يعرف احدهما مكان الأخر ويكون بينهما انزاع وذلك من غيرة الله عليهم وعلى نفسه لئلا يركن بعهضم بعضا ولا يطلع عليه سواه الا ترى كيف وصف مزاج الابرار من مزاج المقربين وفرق بينهم بالمشارب والوسواقى وكيف خص بعضا بالرحيق المختوم بقوله يسقون من رحيق ختامه مسك وذك رحمة منه على الجمهور لتفاوت فوايد استنباط علولم الغيبية من مراد الله قال عليه السلام اختلاف العلماء رتحمة ولاختيارهم فى طريقهم بحقائق العبودية وعرفان الربوبية وهذا قوله تعالى {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعنى شيوخا واكابر بغير المريدين والساكين {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم } من المقامات الشريفة والاحوال السنية كيف يخرجون من دعواكم بحقيقة عبوديتى ويخرجون جواهر العلوم من كتابى وحكمتى ثم خاطبهم جميعا بقوله تعالى {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} عرفهم مكان تقصيرهم اى ما ادركم منى فى جنب ما عندى لكمن كقطرة فى بحر سارعوا الى خيرات مشاهداتى وجميل عطياتى ثم افردهم مما وجدوا الى عين جلاله بقوله تعالى {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} اى اليه مرجع افتقاركم من مقاماتكم اليه لزيادة القربة والمعرفة وهناك يظهر تفاضل درجاتكم وما غاب عنكم من حقائق اسرارى ونوادر لطائفى وهذا معنى قوله تعالى {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} قال بعضهم فى قول لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً كل قد فتح له طريق الى الله فمن استقام على الطريقة وصل الى الله ومن زاغ وقعفى سبيل الشيطان وضل عن سواء السبيل وقال ابو يزيد البسطامى الطريق الى الله بعدد الخلق ولكن السعيد من هدى الى طريق من تلك الطرق قال الاستاد فى قوله ولو شاء الله الا ولو شاء الله لسوى مرابتكم لوكن غاير بينكم ابتلاءً وفضل بعضكم على بعض امتحانا وقال فى قوله فاستبقوا الخيرات مسارعة كل واحد على ما يليق بوقته فالعابدون نقدمهم من حيث الاوراد والعارفون بهمهم من حيث المواجيد ويقال استباق الزاهدين برفع الدنيا واستباق العبادين بقطع الهوى واستباق العارفين بنفى المنى واستبقا الموحدين بترك الورث ونسيان الدنيا والعقبى.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانزلنا اليك} يا محمد {الكتاب} اى القرآن حال كونه ملتبسا {بالحق} والصدق حال كونه {مصدقا لما بين يديه من الكتاب} اى مصدقا لما تقدمه من جنس الكتب المنزلة من حيث انه نازل حسبما نعت فيه وموافقا له فى التوحيد والعدل واصول الشرائع {ومهيمنا عليه} اى رقيبا على سائر الكتب المحفوظة عن التغير فانه يشهد لها بالصدق والصحة والثبات وتقرر اصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعين احكامها المنسوخة ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاء وقت العمل بها ولا ريب ان تمييز احكامها الباقية على المشروعية ابدا عما انتهى وقت مشروعيته وخرج عنها من احكام كونه مهيمنا عليها {فاحكم بينهم} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها اى اذا كان شأن القرآن كما ذكر فاحكم بين اهل الكتاب عند تحاكمهم اليك {بما انزل الله} اى بما انزل اليك فانه مشتمل على جميع الاحكام الشرعية الباقية فى الكتب الالٰهية {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} بالانحراف عنه الى ما يشتهونه فعن متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ونحوه كأنه قيل لا تعدل عما جاءك من الحق متبعا اهواءهم {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} الخطاب بطريق الالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين ايضا بطريق التغليب واللام متعلقة بجعلنا المتعدى لواحد وهو اخبار بجعل ماض لا انشاء وتقديمها عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل والمعنى لكل امة كائنة منكم ايها الامم الباقية والخالية جعلنا اى عينا ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الامة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التى عينت لها فالأمة من مبعث موسى الى مبعث عيسى عليهما السلام شرعتهم التوراة والتى كانت من مبعث عيسى الى مبعث النبى عليهما السلام شرعتهم الانجيل واما انتم ايها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس الا فآمنوا به واعملوا بما فيه والشرعة والشريعة هى الطريقة الى الماء شبه بها الدين الذى شرعه الله اى سنه من نحو الصوم والصلاة والحج والنكاح وغير ذلك من وجوه الصلاح لكونه سبيلا موصلا الى ما هو سبب للحياة الابدية كما ان الماء سبب للحياة الفانية والمنهاج الطريق الواضح فى الدين من نهج الامر اذا وضح قيل فيه دليل على انا غير متعبدين بشرائع من قبلها والتحقيق انا متعبدون باحكامها الباقية من حيث انها احكام شريعتنا لا من حيث انها شرعة للاولين {ولو شاء الله} ان يجعلكم امة واحدة {لجعلكم امة واحدة} اى جماعة واحدة متفقة على دين واحد فى جميع الاعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الامم فى شىء من الاحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل {ولكن} لم يشأ ذلك اى ان يجعلكم امة واحدة بل شاء ما عليه ألسنة الالهية الجارية فيما بين الامم {ليبلوكم} اى ليعاملكم معاملة من يبتليكم {فيما آتاكم} من الشرائع المختلفة المناسبة لاعصارها وقرونها هل تعملون بها مذعنين معتقدين ان اختلافها بمقتضى المشيئة الالٰهية المبنية على اساس الحكم البالغة والمصالح النافعة لكم فى معاشكم ومعادكم او تزيغون عن الحق وتتبعون الهوى وتستبدلون المضرة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى: وفى المثنوى شعر : كربسوزد باغت انكورت دهد درميان ماتمى سورت دهد لانسلم واعتراض از مابرفت جون عوض مى آيداز مفقودزفت تفسير : {فاستبقوا الخيرات} اى اذا كان الامر كما ذكر فسارعوا الى ما هو خير لكم فى الدارين من العقائد الحقية والاعمال الصالحة المندرجة فى القرآن الكريم وابتدروها انتهازا للفرصة واحراز المسابقة الفضل {الى الله مرجعكم جميعا} اى مرجع من آمن ومن لم يؤمن جميعا حال من ضمير الخطاب. {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} اى فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم تختلفون فيه فى الدنيا من امر الدين والشريعة وانما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع ازالة الاختلاف التى هى وظيفة الاخبار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مهيمنًا} أي: شاهدًا، والشرعة والمنهاج: قال ابن عطية: معناهما واحد، وقال ابن عباس: أي سبيلاً وسنة. قلت: والظاهر: أن الشرعة يراد بها الأحكام الظاهرة، وهي التي تُصلح الظواهر، والمنهاج يراد به علوم الطريقة الباطنية، وهي التي تصلح الضمائر، وهو مضمن علم التصوف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأنزلنا إليك} يا محمد {الكتاب} أي: القرآن ملتبسًا {بالحق مصدقًا لما بين يديه} من جنس الكتاب، أي: مصدقًا لما تقدمه من الكتب، بموافقته لهم في الأخبار والتوحيد، {ومهيمنًا عليه} أي: شاهدًا عليه بالصحة، أو راقبًا عليه من التغيير في المعنى، {فاحكم بينهم بما أنزل الله} إليك {ولا تتبع أهواءهم} منحرفًا عما جاءك من الحق إلى ما يشتهونه، لكل نبي {جعلنا منكم شرعة} ظاهرة يصلح بها الظواهر، {ومنهاجًا} أي: طريقًا واضحًا يسلك منها إلى معرفة الحق، وهو ما يتعلق بإصلاح السرائر، واستُدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة. {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} أي: جماعة واحدة متفقة على دين واحد، {ولكن} عدد الشرائع وخالف بينها {ليبلوكم} أي: يختبركم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة، أيكم ينقاد، ويخضع للحق أينما ظهر، فإن اختلاف الأحوال وتنقلات الأطوار فيه يظهر الإقرار والإنكار، {فاستبقوا الخيرات} أي: بادروا إلى الانقياد إلى الطاعات واتباع الحق والخضوع لمن جاء به أينما ظهر، انتهازًا للفرصة، وحيَازة لفضل السبق والتقدم، {إلى الله مرجعكم جميعًا} فيظهر السابقون من المقصرين، {فينبئكم} أي: يخبركم {بما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل، والمبادر والمقصر، واختلاف الشرائع إنما هي باعتبار الفروع، وأما الأصول كالتوحيد والإيمان بالرّسل، والبعث، وغير ذلك من القواعد الأصولية، فهي متفقة‘ قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : نحنُ أبناء علات، أمهاتُنا شَتَّى وأبونا واحد "تفسير : . يعني التوحيد. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ جمع الله له ما افترق في غيره، فذاته الشريفة جمعت المحاسن كلها ظاهرة وباطنة، وكتابُه جمع ما في الكتب كلها فهو شاهد عليها، وشريعته جمعت الشرائع كلها، ولذلك كان الولي المحمدي هو أعظم الأولياء. واعلم أن الحق ـ جل جلاله ـ جعل لكل عصر تربية مخصوصة بحسب ما يناسب ذلك العصر، كما جعل لكل أمة شرعة ومنهاجًا بحسب الحكمة، فمن سلك بالمريدين تربية واحدة، وأراد أن يسيرهم على تربية المتقدمين، فهو جاهل بسلوك الطريق، فلو كان السلوك على نمط واحد ما جدد الله الرسل بتجديد الأزمنة والأعصار، فكل نبي وولي يبعثه الله تعالى بخرق عوائد زمانه، وهي مختلفة جدَا، فتارة يغلب على الناس التحاسد والتباغض، فيبعث بإصلاح ذات البين والتآلف والتودد، وتارة يغلب حب الرياسة والجاه فيربى بالخمول وإسقاط المنزلة، وتارة يغلب حب الدنيا وجمعها فيربى بالزهد فيها والتجريد والانقطاع إلى الله. وهكذا فليقس ما لم يقل. والله تعالى أعلم. ولما قصدت اليهود أن يفتنوا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكم لهم بما يشتهون، أنزل الله تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه تعالى أنزل إِليه الكتاب يعني القرآن {بالحق مصدقاً} نصب على الحال يصدق ما بين يديه من الكتاب يعني التوراة والانجيل وما فيهما من توحيد الله وعدله والدلالة على نبوته (ع) والحكم بالرجم والقود على ما تقدم ذكره. وفيه دلالة على أن ما حكا الله أنه كتبه عليهم في التوراة حكم بأنه يلزمنا العمل به، لأنه جعل القرآن مصدقاً لذلك ومهيمناً عليه. وقيل في معنى {المهيمن} خمسة أقوال: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة، ومجاهد: معناه أمين عليه وشاهد. وقال قوم: مؤتمن. وقال آخرون: شاهد. وقال آخرون: حفيظ. وقال بعضهم: رقيب. والأصل فيه (مؤيمن) فقبلت الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء: هرقت. هذا قول ابي العباس والزجاج وقد صُرّف، فقيل (هيمن) الرجل إِذا ارتقب، وحفظ وشهد، يهيمن هيمنة فهو مهيمن. وقال بعضهم مهيمناً - بفتح الميم الثانية - وهو شاذ. وفي معنى المهيمن ها هنا قولان: قال ابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: إِنه صفة للكتاب. الثاني - قال مجاهد هو صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) والأول أقوى، لأجل حرف العطف، لأنه قال: {فأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب} ثم قال: {ومهيمناً} ولا يجوز أن يعطف على حال لغير الأول. لا تقول ضربت هند زيداً قاعداً وقائمة، ولو قلت قائمة بلا واو لكان جائزاً. ويجوز أن يكون عطفاً على مصدقاً ويكون مصدقاً حالاً للنبي (صلى الله عليه وسلم) والأول أظهر. وقوله {فاحكم بينهم بما أنزل الله} قال ابن عباس، والحسن، ومسروق: يدل على أن أهل الكتاب إِذا ترافعوا الى الحكام يجب أن يحكموا بينهم بحكم القرآن وشريعة الاسلام، لأنه أمر من الله تعالى بالحكم بينهم والأمر يقتضي الايجاب. وقال أبو علي ذلك نسخ بالتخيير في الحكم بين أهل الكتاب والاعراض عنهم والترك. وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} نهي له (صلى الله عليه وسلم) عن اتباع أهوائهم في الحكم، ولا يدل ذلك على أنه كان اتبع أهواءهم، لأنه مثل قوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك } تفسير : ولا يدل ذلك على أن الشرك كان وقع منه. وقوله {عما جاءك من الحق} أي لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك من الحق. وقوله {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} فالشرعة والشريعة واحد وهي الطريقة الظاهرة. والشريعة هي الطريق الذي يوصل منه الى الماء الذي فيه الحياة فقيل الشريعة في الدين أي الطريق الذي يوصل منه الى الحياة في النعيم، وهي الامور التي تعبد الله - عز وجل - بها من جهة السمع قال الشاعر: شعر : اتنسونني يوم الشريعة والقنا بصفين في لباتكم قد تكسرا تفسير : يريد شريعة الفرات والأصل فيه الظهور اشرعت القنا اذا أظهرته. وشرعت في الأمر شروعاً إِذا دخلت فيه دخولاً ظاهراً، والقوم في الأمر شرع سواء أي متساوون. والمنهاج الطريق المستمر يقال: طريق نهج ومنهج أي بين قال الراجز: شعر : من يك ذا شك فهذا فلج ماء رواء وطريق نهج تفسير : وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر قال: وهذه الألفاظ إِذا تكررت فلزيادة فائدة منه. ومنه قول الحطيئة: شعر : ألا حبذا هند وأرض هند وهند أتى من دونها النأي والبعد تفسير : قال فالنأي لما قل بعده والبعد لما كثر بعده فالنأي للمفارقة، وقد جاء بمعنى واحد. قال الشاعر: شعر : حييت من طلل تقادم عهده أقوى واقفر بعد أم الهيثم تفسير : واقفر وأقوى معناهما خلا وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك {شرعة ومنهاجاً} أي سنة وسبيلا والشرعة التي جعلت {لكل} قيل فيه قولان: احدهما - قال مجاهد شريعة القرآن لجميع الناس لو آمنوا به. الثاني - قال قتادة وغيره واختاره الجبائي أنه شريعة التوراة وشريعة الانجيل وشريعة القرآن. وقوله {منكم} قيل في المعنى به قولان: أحدهما أمة نبينا وأمم الأنبياء قبله على تغليب المخاطب على الغائب. الثاني - أنه أراد امة نبينا وحده، وهو قول مجاهد. والاول أقوى لانه تعالى بين أنه جعل لكل شرعة ومنهاجاً غير شرعة صاحبه ويقوي ذلك قوله {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} ولو كان الأمر على ما قال مجاهد لما كان لذلك معنى، لأنه تعالى قد جعلهم أمة واحدة بأن أمرهم بالدخول فيها والانقياد لها. وقوله {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} قيل في معناه أقوال: أحدها قال الحسن والجبائي انه اخبار عن القدرة كما قال {أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}. تفسير : الثاني قال البلخي معناه لو شاء الله لفعل ما يختارون عنده الكفر، لكنه لا يفعله، لأنه مناف للحكمة ولا يلزم على ذلك أن يكون في مقدوره ما يؤمنون عنده فلا يفعله، لأن ذلك لو كان مقدوراً لوجب أن يفعله ما لم يناف التكليف. الثالث قال قوم: لو شاء الله لجمعهم على ملة واحدة في دعوة جميع الأنبياء والأول أصح لأن دعوة الأنبياء تابعة للمصالح، فلا يمكن جمع الناس على شريعة واحدة مع اختلاف المصالح. الرابع قال الحسين بن علي المغربي: معناه لو شاء الله ألا يبعث اليهم نبياً، فيكونون متعبدين بما في العقل ويكونون أمة واحدة. وأقوى الوجوه أولها. وقوله {ولكن ليبلوكم فيما أتاكم} معناه ليختبركم بما كلفكم من العبادات وهو عالم بما يؤل اليه أمركم، لأنه عالم لنفسه وقد فسرنا معنى البلوى فيما مضى. {فاستبقوا الخيرات} قيل في معناه قولان: أحدهما - بادروا فوت الحظ بالتقدم في الخير. الثاني - بادروا الفوت بالموت ذكره الجبائي. وقوله {إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} أي الى الله مرجعكم يعني الى الموضع الذي لا يملك أحد فيه لكم ضراً ولا نفعاً غيره فجعل رجوعهم الى هذا الحد بالموت رجوعاً اليه تعالى وبين أنه يعلمهم ما كانوا يختلفون فيه في الدنيا من أمر دينهم وأنه يحكم في ذلك بينهم بالحق.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} بسبب الحقّ او متلبّساً الحقّ او مع الحقّ، وقد سبق انّ الحقّ فى امثال المقام هو الولاية الكبرى {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} من جنس الكتب المنزلة والنّبوّات الماضية {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} رقيباً على ذلك الكتاب بحفظه عن التّغيير واظهار ما كتموه منه وتصديقه وتصديق النّبوّات الماضية، والمهيمن من اسمائه تعالى بمعنى الرّقيب والحافظ والمؤتمن والامين والشّاهد {فَٱحْكُم بَيْنَهُم} بين امّتك او بين اهل الكتاب ان اخترت الحكم بينهم والمقصود التّعريض بالامّة وحكمهم {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} فى علىّ (ع) {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ} وهو الكتاب والنّبوّة فانّهما صورتا الحقّ الّذى هو الولاية {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً} اى لكلّ فرقة وامّة منكم جعلنا شريعة بحسب القالب وتأخير منكم للاشارة الى انّ الشّرعة الخاصّة بكلّ امّة انّما نشأت من اختلاف استعدادهم {وَمِنْهَاجاً} طريقاً واضحاً بحسب القلب، والشّرعة الطّريقة الى الماء الّتى يرد عليها جميع الخلق بالسّويّة والاحكام القالبيّة فى كلّ امّة وشريعة طريقة الى ماء الحيوة ويستوى فيها جميع الامّة، والمنهاج من نهج الامر اذا وضح والمراد الطّريق الواضح من القلب الى الحقّ وهو بمنزلة التّعليل لسابقه يعنى لا تتجاوز عن شرعتك الخاصّة بواسطة شرائعهم، فانّ شرائعهم كانت خاصّة بهم ولك شرعة خاصّة بك {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} متّفقة على طريقة واحدة من غير نسخ شريعة وتجديد اخرى {وَلَـٰكِن} جعلكم امماً مختلفة {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} من الشّرائع الجديدة لانّ قبول المألوف المعتاد اسهل على النّفس ولا يظهر صدق الايمان به بخلاف غير المألوف، فانّ قبوله لا يكون الاّ عن صدق الايمان بمن اتى به {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} يعنى اذا علمتم انّ الاختلاف امتحان لكم فاستبقوا الخيرات الّتى هى ما أمر الله به على لسان نبيّه (ص) لا العادات الّتى اخذتموها من اسلافكم، يعنى خذوا الخيرات سابقين على نفوسكم فانّها تأمركم بالعادات او سابقين على اقرانكم حيازة لقصب السّبق {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} السّابق والّلاحق والاخذ بالامر والاخذ بالعادة وهو تعليل لقوله فاستبقوا ووعد ووعيد للفريقين {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من الحقّ والباطل والامر والعادة وهذا ايضاً تعريض بالولاية واختلافهم فيها بعد الرّسول (ص).
اطفيش
تفسير : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ}: القرآن. {بِالحَقِّ}: مقروناً بالحق، وأل فى الكتاب للعهد الذهنى، وبالحق متعلق بحال محذوفة كما رأيت، أو بنعت محذوف هو ومنعوته مفعول مطلق، أى انزالا قروناً بالحق لا كذب فيه، ولا شك ولا عبث. {مُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتَابِ}: مصدقاً حال من الكتاب ثانية ان علقنا قوله: {بِالحَقِّ} بحال محذوفة، والا فحال غير مسبوقة بأخرى، وعلى تقدير حال أول فى قوله: {بِالحَقِّ} يجوز وجه آخر فى مصدقاً، وهو أنه حال من الضمير فى الحال المقدرة، والمراد بالكتاب هنا جنس الكتب الصادق بكتب الله فقط، ويجوز أن تكون أل للعهد الذهنى، لأن الكتب لله كلها التوراة والانجيل ما سبقه من الكتب وغيرهما عهد فى الأذهان، ومعنى تصديقه ما بين يديه تقريره. {وَمُهَيْمِنًا عَلَيهِ}: رقيباً على ما بين يديه من كتب الله، يحفظها عن أن يقبل ما ينسب اليها، وليس منها، وعن ابن عباس: شاهداً عليها بالصدق، وقال المبرد والزجاج: أمينا عليها فيما يكون فيه من أخبارها، فهو عندهما مؤتمن من الأمانة، تقول: فلان أمين على كذا، فهو بمعنى أمين لكن أبدلت همزة مؤتمن المصورة واوا هاء وفتحت وكسرت الميم، وفيه تكلف وأبدلت التاء ياء وقرىء فتح الميم الثانية بمعنى مؤتمن أى مجعول أمينا على الكتب، فهو لفظ مؤتمن قبلت همزته هاء، والتاء ياء، أو هذه القراءة من هو عليه بالبناء للمفعول، أى حوفظ عليه بمعنى أن القرآن حفظه الله، وقوى أهله على حفظه ووفقهم، لو غير منه حرف أو حركة أو سكون لم يخف، ولتنبه الناس له، وردوا ذلك ولم يقبلوه، والحمد لله وذلك فى كل عصر. {فَاحكُم}: يا محمد. {بَيْنَهُم}: بين اليهود والنصارى، وبين اليهود وبين النصارى. {بِمَا أَنزَلَ اللهُ}: اليك فى القرآن، فانه الواجب عليهم. {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}: فى الحكم كما هويت اليهود تغيير الرجم الى التسويد والجلد. {عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحَقِّ}: كرجم المحصن، وأمر القبلة وتعلق عما تتبع، لأن معنى لا تتبع أهواءهم الخ: لا تمل مع أهوائهم عما جاءك من الحق، أو يعلق بمحذوف، والمحذوف حال، أى لا تتبع أهواءهم معرضاً عما جاءك من الحق، أو مائلا عما جاءك من الحق. {لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنْهَاجاً}: لكل واحدة منكم يا معشر الأمم، أو لكل واحد منكم يا معشر الأنبياء، جعلنا شرعة ومنهاجاً، الا أن بعضاً يتبع بعضاً كما تبع نبيون كثيرون موسى، فهم عامته فى اتباع التوراة، بل هم من أمته ولا اشكال، فلأمة موسى الى عيسى شرعة ومنهاج، ولأمة عيسى الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرعة ومنهاج، وللناس كلهم اليهود والنصارى والعرب وغيرهم شرعة ومنهاج، من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قيام الساعة، واستدل بعض بهذه الآية على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة. قال فى السؤالات: وقال بعضهم: كل واحد منهم وشريعته، قال الله تعالى: {لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنْهَاجاً} والشرعة والشريعة والشرع ما ابتدأ من الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم، وقيل: الشريعة والمنهاج واحد، وأصل الشرعة الطريقة الى الماء شبه بها الدين، لأنه طريق الى ما هو سبب السعادة الأبدية قاله القاضى، وأراد بالدين الأحكام، والذى هو سبب السعادة هو العمل بتلك الأحكام، وقيل: أصل الشرعة الماء الذى يرد اليه الناس والدين يقصده الناس كما يقصدون الماء. وعلى القول بأن الشرعة والمنهاج واحد يقال: كرر للتأكيد وأولى من هذا أن يقرر على أن الدين شبيه بالطريق الموصل الى الماء وهو الشرعة، وأنه طريق واضح ظاهر وهو المنهاج، وقيل: الشرعة ما أمر الله به، والمنهاج الطريق الواضح الموصل الى ما أمر به، وقيل: الشرعة الفروع، والمنهاج الأصول، وهو مراد ابن عباس بقوله سنة وسبيلا، والآية اغراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم لشرعته ومنهاجه لئلا ينزله اليهود والنصارى الى شرعة موسى وعيسى ومنهاجهما عليهما السلام وقرىء شرعة بفتح الشين. {وَلَو شَآءَ اللهُ}: اتفاقكم على شرعة واحدة، ومنهاج واحد، أو ولو شاء الله جعلكم أمة واحدة، وانما صدق واحد لأن معنى الجعل أمة واحدة جعل الشرعة واحدة، والمنهاج واحد، بلا تعديد ولا نسخ. {لَجَعَلَكُم أُمَّةً وَاحِدَةً}: فى الدين من لدن آدم الى محمد عليهما الصلاة والسلام، ويجوز أن يكون الخطاب فى قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُم} وقوله: {لَجَعَلَكُم} لليهود والنصارى مذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قيام الساعة، أو الى موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، أى لجعل أممكم أمة واحدة، وقيل: لو شاء اجتماعكم على الاسلام لجعلكم أمة واحدة عليه. {وَلَكِن ليَبْلُوَكُم فِى مَآ آتَاكُمْ}: ولكن جعل لكم منكم شرعة ومنهاجا، ليظهر منكم ما تعملون فيما آتاكم من الشرائع المختلفة، هل تعلمون بها وترضون بالنسخ ولا تنكرونه، وتعلمون أنه حكمه. {فَاستَبِقُوا الخَيْرَاتِ}: ضمن استبقوا بمعنى ابتدوا، أو بادروا فعداه بنفسه، أو يقدر مضاف أى استبقوا نحو الخيرات، فنحو ظرف وحذف وناب عنه المضاف اليه شذوذاً، لأن الخيرات لا يصلح ظرف مستقل، ودون ذلك أن يكون منصوباً على تقدير الى، أى فاستبقوا الى الخيرات، وانما أمر بالمسابقة لينالوا فضل المسارعة، ولأن المسابقة أدعى الى العمل، وهذا الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهى جميع الناس فى قول من حين أوحى اليه الى قيام الساعة، ومعنى استباق المشركين الخيرات المبادرة الى التوحيد، والعمل، ومعنى استباق الموحدين الزيادة فى الأعمال والحرص. {إِلَى اللهِ مَرجِعُكُمْ جَمِيعًا}: أيتها الأمة من فيها من مقر أو مشرك، أو مرجعكم أنتم والأمم الماضية، والجملة تقليد للاستباق، أى استبقوا الخيرات لأنكم ترجعون الى الله فيجازيكم على أعمالكم. {فَيُنَبِّئَكُم بِمَا كُنتُم فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}: يخبركم ما الحق ومع من هو فيثيبه، وما الباطل ومع من هو فيعاقبه.
اطفيش
تفسير : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} يا محمد {الكِتَابَ} القرآن عطف على أَنزلنا التوراة {بالحَقِّ} حال من نَا أو الكاف أَو الكتاب، ولا مانع من تعليقه بأَنزل والباء بمعنى مع أَو يقدر إِنزالاً كائنا بالحق، وإِن قدرنا ملتبسين أَو ملتبساً بالحق ونحو ذلك من الأَكوان الخاصة فليس بالحق نائباً عنه {مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ} من الكتب السابقة كلها فَأَلْ لاستغراق الكتب قبله، وتحتمل الحقيقة الصادقة بالتوراة والإِنجيل لأَنهما للأَحكام ومتأَخران وأَصحابهما حاضرون متنافسون ولا يدخل القرآن في ذلك لأَنه هو المصدق لها مثلما تقول: المتكلم لا يدخل في عموم كلامه حيث تبادر العموم في غيره إلا أن يتكلف أَيضاً بقصد أَن بعضه يقصد بعضاً، والبينة هنا بمعنى التقدم فربما يفسر بها ما فى غيرها من سائر القرآن وَمَهُيْمِناً عَلَيْهِ} أَى رقيباً على ذلك الكتاب الذى أريد به الحقيقة أَو الاستغراق بأَن كان مبيناً لفساد ما نسب إِليه من الباطل وشاهدا لها بالصحة وانتفاء ما خالف الحق عنها ومقرراً لما فيها، وهاؤه أَصلية يقال هيمن كبيطر وخيصر وسيطر وبيقر، وقيل بدل من الهمزة كهراق وأَصله أَراق {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} بين أَهل الكتاب {بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} إِليك وافق توراتهم أَو إِنجيلهم أَو لم يوافق، ولم يقل فاحكم به ليؤكد شأنه بذكره بلفظ الإِنزال {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} مائلاً أَو معرضاً عما جاءَك من الحق ونحو ذلك من الأَكوان الخاصة كعادلا، والكون الخاص يجوز حذفه لدليل، أَو متعلق يتتبع لتضمنه معنى الإِعراض والميل عما جاءَه ولا يتعين هذا، ولو كان الحال كالخبر والجار والمجرور يضعف الأَخبار بهما في نحو زيد بك لأَنه إِن أريد الكون العام فلا بأس أَو الخاص ودل عليه جاز حذفه أَو لم يدل عليه لم يجز حذفه {لِكُلٍّ} أَى لكل أَمه متعلق بقوله {جَعَلْنَا} أَى أَثبتنا {مِنْكُمْ} أَيها الأُمم الحاضرون والماضون والآتون غلب الحاضرين بالخطاب، وقيل الخطاب للأَنبياء المشار إِليهم في آيات قبل وهو بعيد وأَبعد منه كونه لهذه الأُمة وليس تقديم الجار للحصر ولفظ منكم نعت لأَمة المقدر مفعول يجعلنا كقوله تعالى{أية : أَغير الله اتخذ ولياً فاطر السماوات والأَرض}تفسير : [الأنعام: 14] أَو الخطاب لليهود والنصارى وهذه الأَمة، ويناسب هذا أَنهم المذكورون والكلام فيهم أَلا ترى إِلى قوله تعالى: {أية : إِنا أَنزلنا التوراة} تفسير : [المائدة: 44]، وقوله تعالى: {أية : ثم قفينا .... بعيسى ابن مريم وآتيناه الإِنجيل} تفسير : [الحديد: 27]، وقوله تعالى: {أية : إِنا أَنزلنا إليك الكتاب} تفسير : [النساء: 105] {شِرْعَةً} سميت لأَنها شرعت أَى أَظهرت وبينت أَو شرعت أَى وضعت لتقصد ويؤخذ منها كماءٍ دائم على وجه الأَرض يقصد للشرب والاستقاء وغير ذلك يتوصل بها إلى حياة القلب والحياة الأَبدية كالماء للبدن، أَو لأَنها طريقة إِلى رضى الله والجنة وطريق إِلى العمل بما يثبت ذلك {وَمِنْهَاجاً} طريقاً واضحاً واسعاً فالملة شريعة باعتبار تلك المعاني ومنهاج باعتبار وضوحه واتساعه، وإِذا فسرنا الشريعة بالظهور فقد زاد لفظ منهاج لها سعة، أَو الشرعة العبادة والمنهاج أَحكام الدين، ولأمة موسى شريعة ولأمة عيسى شريعة تضم إِليها أَمة موسى ولمن وجد في زمان سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم بعد بعثه من اليهود والنصارى والعرب وغيرهم شريعة هى القرآن والسنة وما يؤخذ منهما وكذ لكل أَمة قبل سيدنا موسى عليه السلام شريعة، والدين واحد وهو التوحيد لا يختلف ومكارم الأَخلاق واجتناب مساوئها والإقرار بحقيقة ما جاءَ من الله، ولا شريعة بعد البعثة المحمدية سوى الملة المحمدية، وتدل الآية أَن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، وكذا بين الشرائع وقيل هما واحد والعطف لاختلاف الصفة أَو للتأَكيد كقول عنترة: أَقوى وأَقفر بعد أَم الهيثم، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق والمنهاج الطريق الواسع، وقيل المنهاج أَصول الدين والشرعة فروعه، وضعف وقيل الشرعة النبى والمنهاج الكتاب. وقيل: المنهاج الدليل والشرعة الطريق مطلقاً {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على دين واحد لا يلحق نسخ شريعة، وقيل لو شَاءَ الله لجعلكم على دين الإِسلام كلكم ولا يشرك منكم أَحد، ولا يناسبه قوله تعالى {وَلكِنْ لِيِبْلُوَكُمْ} ليظهر مطيعكم وعاصيكم خارجاً طبق علمه {فِيمَا آتاكُمْ} فإِن المعنى ولكن خالف بين شرائعكم ليبلوكم فيما آتاكم من الشرائع ولا يصح أن يقال ولكن لم يجعلكم كلكم مسلمين ليبلوكم فيم آتاكم من الشرائع ويظهر المطيع والعاصى فإِن فرض الحمل على دين الإِسلام وأَنه الأَمة الواحدة ينافى تعدد الشرائع فافهم، وقيل لو شاءَ اجتماعكم على الإِسلام لأَجبركم عليه، وقيل لو شاءَ الله تعالى لم يبعث نبياً فيتعبدكم بعقولكم، ويوفق بينها، وليس الشرائع مجرد ابتلاء بل نظر للصلاح لهم كما يدل له قوله تعالى {فَاسْتَبقُوا الخَيْرَاتِ} سارعوا إِلى الخيرات بمسابقة من الافتعال الذى بمعنى التفاعل، افعلوا طاقتكم في الخيرات وهي الأَعمال الصالحات من فعل ما أَمر به وترك ما نهى عنه كما يفعل كل من المتنافسين مع الآخر {إلَى اللهِ مَرْجعُكُمْ جَمِيعاً} أَى لأَن رجوعكم بالبعث إِلى الله لا إِلى غيره وهو لا يخفى عنه شيء من مبادرة المبادر وتقصير المقصر فيجازيه على ذلك كما قال {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أَمر الدين إن فلاناً مبادر للحق ثوابه الجنة وفلاناً مقصر مبطل عقابه النار وجميعاً حال من الكاف المضاف إِليها المصدر الميمى إِضافة مصدر لفاعله من رجع اللازم أَو لمفعوله من رجع المتعدى، ولو كان هذا المصدر لا ينحل إِلى حرف المصدر والفعل إِذ لا يصح أَن يقال إِلى الله أَن ترجعوا جميعاً.
الالوسي
تفسير : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي الفرد الكامل الحقيق بأن يسمى كتاباً على الإطلاق لتفوقه على سائر الكتب السماوية ـ وهو القرآن العظيم ـ فاللام للعهد، والجملة عطف على {أية : أَنزَلْنَا}تفسير : [المائدة: 44] وما عطف عليه، وقوله تعالى: {بِٱلْحَقّ} حال مؤكدة من الكتاب أي متلبساً بالحق والصدق، وجوز أن يكون حالاً من فاعل {أَنزَلْنَا}، وقيل: حال من الكاف في {إِلَيْكَ} وقوله تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} حال من {ٱلْكِتَـٰبِ} أي حال كونه مصدقاً لما تقدمه، وقد تقدم الكلام في كيفية تصديقه لذلك، وزعم أبو البقاء عدم جواز كونه حالاً مما ذكر إذ لا يكون حالان لعامل واحد، وأوجب كونه حالاً من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله، وقوله سبحانه: {مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} بيان {لَّمَا} واللام فيه للجنس بناءاً على ادعاء أن ما عدا الكتب / السماوية ليست كتاباً بالنسبة إليها. ويجوز ـ كما قال غير واحد ـ أن تكون للعهد نظراً إلى أنه لم يقصد إلى جنس مدلول لفظ الكتاب بل إلى نوع مخصوص منه هو بالنظر إلى مطلق الكتاب معهود بالنظر إلى وصف كونه سماوياً غايته أن عهديته ليست إلى حد الخصوصية الفردية بل إلى خصوصية نوعية أخص من مطلق الكتاب وهو ظاهر، ومن الكتاب السماوي أيضاً حيث خص بما عدا القرآن. {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} قال الخليل وأبو عبيدة: أي رقيباً على سائر الكتب السماوية المحفوظة عن التغيير حيث يشهد لها بالصحة والثبات ويقرر أصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعين أحكامها المنسوخة. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله تعالى عنهم: أي شاهداً عليه بأنه الحق، والعطف حينئذ للتأكيد؛ وهاؤه أصلية، وفعله هيمن، وله نظائر ـ بيطر وخيمر وسيطر ـ وزاد الزجاج: بيقر، ولا سادس لها، وقيل: إنها مبدلة من الهمزة ومادته من الأمن ـ كهراق ـ وقال المبرد وابن قتيبة: إن المهيمن أصله مؤمن وهو من أسمائه تعالى، فصغر وأبدلت همزته هاءاً، وتعقبه السمين وغيره بأن ذلك خطأ بل كفر أو شبيه به لأن أسماء الله تعالى لا تصغر، وكذا كل اسم معظم شرعاً، وعن ابن محيصن ومجاهد أنهما قرآ {مهيمنا} بفتح الميم على بنية المفعول فضمير {عَلَيْهِ} على هذا يعود على الكتاب الأول، والمعنى أنه حوفظ من التحريف والتبديل، والحافظ له هو الله تعالى كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ} أي بين أهل الكتاب ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن كون القرآن العظيم بذلك الشأن من موجبات الحكم المأمور به أي إذا كان شأن القرآن كما ذكر فاحكم بينهم {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} أي بما أنزله إليك فإنه الحق الذي لا محيص عنه، والمشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في الكتب الإلٰهية، وتقديم {بَيْنَهُمْ} للاعتناء بتعميم الحكم لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تنبيهاً على علية ما في حيز الصلة للحكم، وترهيباً عن المخالفة، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لما مر مراراً. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} الزائغة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد ما حرفوا وبدلوا من أمر الرجم {عَمَّا جَاءكَ مِنَ ٱلْحَقّ} الذي لا محيد عنه، و (عن) متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ونحوه كأنه قيل: لا تعدل عما جاءك من الحق متبعاً لأهوائهم، وقيل: بمحذوف وقع حالاً من فاعله أي لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك، أو من مفعوله أي لا تتبع أهواءهم عادلة عما جاءك، واعتراض ذلك بأن ما وقع حالاً لا بد أن يكون فعلاً عاماً، ولعل القائل لا يسلم ذلك، و {مِنْ} كما قال أبو البقاء: متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مرفوع {جَاءكَ} أو من (ما)، ووضع الموصول موضع ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة [من مجيء الحق] إلى ما يوجب كمال الاجتناب عن اتباع الاهواء، والنهي يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه، فلا يقال: كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم وهو عليه الصلاة والسلام معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك، وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الأحكام. {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب من معاصريه صلى الله عليه وسلم على الانقياد لحكمه عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله تعالى إليه من الحق ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره / مما في كتابهم، وإنما الذين كلفوا العمل به من مضى قبل النسخ، والخطاب ـ كما قال جماعة من المفسرين ـ للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب، و ـ الشرعة ـ بكسر الشين، وقرأ يحيـى بن وثاب بفتحها الشريعة، وهي في الأصل الطريق الظاهر الذي يوصل منه إلى الماء، والمراد بها الدين، واستعمالها فيه لكونه سبيلاً موصلاً إلى ما هو سبب للحياة الأبدية كما أن الماء سبب للحياة الفانية، أو لأنه طريق إلى العمل الذي يطهر العامل عن الأوساخ المعنوية كما أن الشريعة طريق إلى الماء الذي يطهر مستعمله عن الأوساخ الحسية. وقال الراغب «سمي الدين شريعة تشبيهاً بشريعة الماء من حيث إنَّ من شرع في ذلك على الحقيقة [المصدوقة] روي وتطهر، [قال:] وأعني بالري ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله تعالى رويت بلا شرب، وبالتطهر ما قال تعالى: {أية : وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً} تفسير : [الأحزاب: 33] » والمنهاج الطريق الواضح في الدين من نهج الأمر إذا وضح، والعطف باعتبار جمع الأوصاف، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم، وقيل: هما بمعنى واحد وهو الطريق، والتكرير للتأكيد، والعطف مثله في قول الحطيئة:شعر : وهند أتى من دونها النأي والبعد تفسير : وقول عنترة:شعر : حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم تفسير : وقيل: الشرعة الطريق مطلقاً سواء كان واضحاً أم لا، وقيل: المنهاج الدليل، وقيل: الشرعة النبـي صلى الله عليه وسلم والمنهاج الكتاب، وقيل: الشرعة الأحكام الفرعية، والمنهاج الأحكام الاعتقادية وليس بشيء، واللام متعلقة ـ بجعلنا ـ المتعدية لواحد، وهوإخبار بجعل ماض لا إنشاء، وتقديمها عليه للتخصيص، و {مّنكُمْ} متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين ـ كل ـ أي: ولكل أمة كائنة منكم أيها الأمم الباقية، والخالية عيَّـنَّا ووضعنا شرعة ومنهاجاً خاصين بتلك الأمة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها، والأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما الصلاة والسلام شرعتهم ما في التوراة، والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث أحمد عليه الصلاة والسلام شرعتهم ما في الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم ما في الفرقان ليس إلا فآمنوا به واعملوا بما فيه، وأوجب أبو البقاء تعلق {مّنكُمْ} بمحذوف تقديره أعني، ولم يجوز الوصفية لما أن ذلك يوجب الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبـي الذي لا تسديد فيه للكلام، ويوجب أيضاً أن يفصل بين {جَعَلْنَا} ومعموله وهو شرعة، وقال شيخ الإسلام: لا ضير في توسط {جَعَلْنَا} بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 14] الخ، والفصل بين الفعل ومفعوله لازم على كل حال، وما ذكر من كون الخطاب للأمم هو الظاهر، وقيل: إنه للأنبياء الذين أشير إليهم في الآيات قبل ولا يخفى بعده، وأبعد منه جعل الخطاب لهذه الأمة المحمدية ولا يساعده السباق ولا اللحاق. واستدل بالآية من ذهب إلى أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا لأن الخطاب كما علمت يعم الأمم، واللام للاختصاص، فيكون لكل أمة دين يخصها، ولو كان متعبداً بشريعة أخرى لم يكن ذلك الاختصاص. وأجاب العلامة التفتازاني بعد تسليم دلالة اللام على الاختصاص الحصري بمنع الملازمة لجواز أن نكون متعبدين بشريعة من قبلنا مع زيادة خصوصيات في ديننا بها يكون الاختصاص، وفيه أنه لا حاجة في إفادة الحصر لما ذكر مع تقدم المتعلق، وأيضاً إن الخصوصيات المذكورة لا تنافي تعبدنا بشرع من قبلنا لأن القائلين به يدّعون أنه فيما لم يعلم نسخه ومخالفة ديننا له لا مطلقاً إذ لم يقل به أحد على الإطلاق، ولذا جمع المحققون بين أضراب هذه الآية الدالة على اختلاف الشرائع، وبين ما يخالفها نحو قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ / نُوحاً} تفسير : [الشورى: 13] الخ، وقوله تعالى: {أية : أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] بأن كل آية دلت على عدم الاختلاف محمولة على أصول الدين ونحوها، والتحقيق في هذا المقام أنا متعبدون بأحكام الشرائع الباقية من حيث إنها أحكام شرعتنا لا من حيث إنها شرعة للأولين. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً} أي جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار، أو ذي ملة واحدة من غير اختلاف بينكم في وقت من الأوقات في شيء من الأحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ ومفعول {شَاء} محذوف تعويلاً على دلالة الجزاء عليه، أي لو شاء الله تعالى أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ، وقيل: المعنى ولو شاء الله تعالى اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه، وروي عن الحسن نحو ذلك، وقال الحسين بن علي المغربـي: المعنى لو شاء الله تعالى لم يبعث إليكم نبياً فتكونون متعبدين بما في العقل وتكونون أمة واحدة {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَكُمْ} متعلق بمحذوف يستدعيه النظام أي ولكن لم يشأ ذلك الجعل بل شاء غيره ليعاملكم سبحانه معاملة من يبتليكم. {فِي مَآ آتَاكُم} من الشرائع المختلفة لحكم إلهية يقتضيها كل عصر هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن في اختلافها مايعود نفعه لكم في معاشكم ومعادكم، أو تزيغون عنها. وتبتغون الهوى. وتشترون الضلالة بالهدى، وبهذا ـ كما قال شيخ الإسلام ـ اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد الابتلاء، بل العمدة في ذلك ما أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشاً ومعاداً كما ينبىء عنه قوله عز وجل: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة في القرآن الكريم وابتدروها انتهازاً للفرصة وإحرازاً لفضل السبق والتقدم، فالسابقون السابقون أولئك المقربون. وقوله تعالى: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد، و {جَمِيعاً} حال من الضمير المجرور، والعامل فيه إما المصدر المضاف المنحل إلى فعل مبني للفاعل، أو لما لم يسم فاعله، وإما الاستقرار المقدر في الجار، وقيل ـ وفيه بعد ـ إن الجملة واقعة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: كيف ما في ذلك من الحكم؟ فأجيب بأنكم سترجعون إلى الله تعالى وتحشرون إلى دار الجزاء التي تنكشف فيها الحقائق وتتضح الحكم {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين الحق والباطل ما لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا من أمر الدين، فالإنباء هنا مجاز عن المجازاة لما فيها من تحقق الأمر.
ابن عاشور
تفسير : جالت الآيات المتقدّمة جولة في ذكر إنزال التّوراة والإنجيل وآبت منها إلى المقصود وهو إنزال القرآن؛ فكان كردّ العجز على الصّدر لقوله: {أية : يا أيها الرسول لا يُحزنك الّذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] ليبيّن أنّ القرآن جاء نسخاً لما قبله، وأنّ مؤاخذة اليهود على ترك العمل بالتّوراة والإنجيل مؤاخذة لهم بعملهم قبل مجيء الإسلام، وليعلمهم أنّهم لا يطمعون من محمّد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بغير ما شرعه الله في الإسلام، فوقْعُ قوله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ} إتماماً لترتيب نزول الكُتب السماويّة، وتمهيداً لقوله: {فاحْكم بينهم بما أنزل الله}. ووقع قوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} موقع التّخلّص المقصود، فجاءت الآيات كلّها منتظمة متناسقة على أبدع وجه. والكتاب الأوّل القرآن، فتعْريفه للعهد. والكتاب الثّاني جنس يشمل الكتب المتقدّمة، فتعريفه للجنس. والمُصدّق تقدّم بيانه. والمهيمن الأظهر أنّ هاءه أصلية وأنّ فعله بوزن فيْعَل كسَيْطَر، ولكن لم يسمع له فعل مجرّد فلم يسمع هَمَن. قال أهل اللّغة لا نظير لهذا الفعل إلاّ هَيْنَم إذا دعا أو قرأ، وبيقر إذا خرَج من الحِجاز إلى الشّام، وسيطر إذا قَهر. وليس له نظير في وزن مفيعل إلاّ اسم فاعل هذه الأفعال، وزادوا مُبيطر اسم طبيب الدّواب، ولم يسمع بَيْطَر ولكن بَطَر، ومُجيمر اسم جبل، ذكره امرؤ القيس في قوله:شعر : كأنّ ذرى رأس المُجَيْمِر غُدوة من السيل والغثاء فلكة مغزل تفسير : وفسّر المهيمن بالعالي والرقيب، ومن أسمائه تعالى المهيمن. وقيل: المهيمن مشتقّ من أمِن، وأصله اسم فاعل من آمنَه عليه بمعنى استحفظه به، فهو مجاز في لازم المعنى وهو الرقابة، فأصله مُؤَأْمِن، فكأنّهم راموا أن يفرّقوا بينه وبين اسم الفاعل من آمَن بمعنى اعتقد وبمعنى آمنه، لأنّ هذا المعنى المجازي صار حقيقة مستقلّة فقلبوا الهمزة الثّانية ياء وقلبوا الهمزة الأولى هاء، كما قالوا في أراق هَراق، فقالوا: هَيْمَن. وقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنّسبة لما قبله من الكتب، فهو مؤيّد لبعض ما في الشّرائع مُقرّر له من كلّ حكم كانت مصلحته كلّيّة لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مُصَدّق، أي مُحقّق ومقرّر، وهو أيضاً مبطل لبعض ما في الشّرائع السالفة وناسخ لأحكام كثيرة من كلّ ما كانت مصالحه جزئيّة مؤقّتة مراعى فيها أحوال أقوام خاصّة. وقوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} أي بما أنزل الله إليك في القرآن، أو بما أوحاه إليك، أو احكم بينهم بما أنزل الله في التّوراة والإنجيل ما لم ينسخه اللّهُ بحكم جديد، لأنّ شرع من قبلنا شرع لنا إذا أثبت الله شرعه لِمَنْ قبلنا. فحكم النّبيء على اليهوديين بالرجم حكم بما في التّوراة، فيحتمل أنّه كان مؤيّداً بالقرآن إذا كان حينئذٍ قد جَاء قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما». ويحتمل أنّه لم يؤيّد ولكن الله أوحى إلى رسوله أنّ حكم التّوراة في مثلهما الرجم، فحكم به، وأطلع اليهود على كتمانهم هذا الحكم. وقد اتّصل معنى قوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} بمعنى قوله: {أية : وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط}تفسير : [المائدة: 42]؛ فليس في هذه الآية ما يقتضي نسخ الحكم المفاد من قوله: {أية : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}تفسير : [المائدة: 42]، ولكنه بيان سمّاه بعضُ السلف باسم النسخ قبل أن تنضبط حدود الأسماء الاصطلاحيّة. والنّهي عن اتّباع أهوائهم، أي أهواء اليهود حين حكّموه طامعين أن يَحكم عليهم بما تَقَرّر من عوائِدهم، مقصود منه النّهي عن الحكم بغير حكم الله إذا تحاكموا إليه، إذ لا يجوز الحكم بغيره ولو كان شريعة سابقة، لأنّ نزول القرآن مهيمناً أبطل ما خالفه، ونزولَه مصدّقاً أيَّد ما وافقه وزكّى ما لم يخالفه. والرسول لا يجوز عليه أن يحكم بغير شرع الله، فالمقصود من هذا النّهي: إمَّا إعلان ذلك ليعلمه النّاس وييأس الطّامعون أن يحكم لهم بما يشتهون، فخطاب النّبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : ولا تتّبع أهواءهم}تفسير : [المائدة: 49] مراد به أن يتقرّر ذلك في علم النّاس، مثل قوله تعالى: {أية : لئنْ أشركت ليحبَطنّ عملك}تفسير : [الزمر: 65]. وإمَّا تبيين الله لرسوله وجهَ ترجيح أحد الدليلين عند تعارض الأدلّة بأن لا تكون أهواء الخصوم طرُقاً للترجيح، وذلك أنّ الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ لشدّة رغبته في هُدى النّاس قد يتوقّف في فصل هذا التّحكيم، لأنّهم وعَدوا أنّه إن حكم عليهم بما تقرّر من عوائدهم يؤمنون به. فقد يقال: إنّهم لمّا تراضَوا عليه لِم لا يُحملون عليه مع ظهور فائدة ذلك وهو دخولهم في الإسلام، فبيّن الله له أنّ أمور الشّريعة لا تهاون بها، وأنّ مصلحةَ احترام الشّريعة بين أهلها أرجحُ من مصلحة دخول فريق في الإسلام، لأنّ الإسلام لا يليق به أن يكون ضعيفاً لمريديه، قال تعالى: {أية : يمُنّون عليكَ أنْ أسلموا قل لا تُمُنّوا عليّ إسلامَكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}تفسير : [الحجرات: 17]. وقوله: {لكلَ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} كالتعليل للنّهي، أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم فدعهم وما اعتادوه وتمسَّكوا بشرعكم.. والشرعة والشريعة: الماء الكثير من نهر أو واد. يقال: شريعة الفرات. وسمّيت الديانة شريعة على التشبيه، لأنّ فيها شفاء النّفوس وطهارتَها. والعرب تشبّه بالماء وأحواله كثيراً، كما قدمناه في قوله تعالى: {أية : لَعَلِمه الّذين يستنبطونه منهم} تفسير : في سورة النساء (83). والمنهاج: الطريق الواسع، وهو هنا تخييل أريد به طريق القوم إلى الماء، كقول قيس بن الخطيم:شعر : وأتبعت دلوي في السماح رِشاءها تفسير : فذكر الرشاء مجرّد تخييل. ويصحّ أن يجعل له رديف في المشبَّه بأن تشبّه العوائد المنتزعة من الشّريعة، أو دلائل التّفريع عن الشريعة، أو طرق فهمها بالمنهاج الموصّل إلى السماء. فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتّصال بالإسلام، فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء، ومنهاج غيرهم منحرف عن دينهم، كما كانت اليهود قد جعلت عوائد مخالفة لشريعتهم، فذلك كالمنهاج الموصّل إلى غير المورود. وفي هذا الكلام إبهام أريد به تنبيه الفريقين إلى الفرْق بين حاليهما وبالتّأمّل يظهر لهم. وقوله: {ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة}. الجعل: التقدير، وإلاّ فإنّ الله أمر النّاس أن يكونوا أمّة واحدة على دين الإسلام، ولكنّه رتّب نواميس وجبلاّت، وسبَّب اهتداء فريق وضلال فريق، وعلم ذلك بحسب ما خلق فيهم من الاستعداد المعبّر عنه بالتّوفيق أو الخذلان، والميللِ أو الانصراففِ، والعزم أو المكابرة. ولا عذر لأحد في ذلك، لأنّ علم الله غير معروف عندنا وإنّما ينكشف لنا بما يظهر في الحادثات. والأمّة: الجماعة العظيمة الّذين دينهم ومعتقدهم واحد، هذا بحسب اصطلاح الشّريعة. وأصل الأمّة في كلام العرب: القوم الكثيرون الّذين يرجعون إلى نسب واحد ويتكلّمون بلسان واحد، أي لو شاء لخلقكم على تقدير واحد، كما خلق أنواع الحيوان غير قابلة للزّيادة ولا للتطوّر من أنفسها. ومعنى {ليبلوكم فيما آتاكم} هو ما أشرنا إليه من خلق الاستعداد ونحوه. والبلاء: الخبرة. والمراد هنا ليظهر أثر ذلك للنّاس، والمرادُ لازم المعنى على طريق الكناية، كقول إياس بن قبيصة الطائي:شعر : وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننا لأعْلَمَ مَن جَبَانُهَا مِن شجاعها تفسير : لم يرد لأعلم فقط ولكن أراد ليظهر لي وللنّاس. ومعناه أنّ الله وَكَل اختيار طرق الخير وأضدادها إلى عقول النّاس وكسبهم حكمة منه تعالى ليتسابَق النّاس إلى إعمال مواهبهم العقليّة فتظهر آثار العلم ويزداد أهل العلم علماً وتقام الأدلّة على الاعتقاد الصّحيح. وكلّ ذلك يظهر ما أودعه الله في جبلّة البشر من الصلاحيّة للخير والإرشاد على حسب الاستعداد، وذلك من الاختبار. ولذلك قال {ليبلوكم فيما آتاكم}، أي في جميع ما آتاكم من العقل والنّظر. فيظهر التّفاضل بين أفراد نوع الإنسان حتّى يَبلغ بعضُها درجاتتٍ عالية، ومن الشرائع الّتي آتاكموها فيظهر مقدارُ عملكم بها فيحصل الجزاء بمقدار العمل. وفرّع على {ليبلوكم} قوله: {فاستبقوا الخيرات} لأنّ بذلك الاستباق يكون ظهور أثر التّوفيق أوضَح وأجلى. والاستباق: التسابق، وهو هنا مجاز في المنافسة، لأنّ الفاعل للخير لا يمنع غيره من أن يفعل مثل فعله أو أكثر، فشابه التّسابق. ولتضمين فعل {استبقوا} بمعنى خذوا، أو ابتدروا، عدّي الفعل إلى {الخيرات} بنفسه وحقّه أن يعدّى بإلى، كقوله {أية : سَابقوا إلى مغفرة من ربّكم}تفسير : [الحديد: 21]. وقوله: {فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون} أي من الاختلاف في قبول الدّين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 48- وأنزلنا إليك - أيها النبى - الكتاب الكامل، وهو القرآن، ملازماً الحقّ فى كل أحكامه وأنبائه، موافقاً ومصدِّقاً لما سبقه من كتبنا، وشاهداً عليها بالصحة، ورقيباً عليها بسبب حفظه من التغيير. فاحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليك بما أنزل الله عليك، ولا تتبع فى حكمك شهواتهم ورغباتهم، فتنحرف عما جاءك منا من حق. لكل أمة منكم - أيها الناس - جعلنا منهاجاً لبيان الحق، وطريقاً واضحاً فى الدين يمشى عليه، ولو شاء الله لجعلكم جماعة متفقة ذات مشارب واحدة، لا تختلف مناهج إرشادها فى جميع العصور، ولكنه جعلكم هكذا ليختبركم فيما آتاكم من الشرائع، ليتبين المطيع والعاصى. فانتهزوا الفرص، وسارعوا إلى عمل الخيرات، فإن رجوعكم جميعاً سيكون إلى الله - وحده - فيخبركم بحقيقة ما كنتم تختلفون فيه، ويجازى كلا منكم بعمله. 49- وأمرناك - أيها الرسول - بأن تحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع رغباتهم فى الحكم، واحذرهم أن يصرفوك عن بعض ما أنزله الله إليك. فإن أعرضوا عن حكم الله وأرادوا غيره، فاعلم أن الله إنما يريد أن يصيبهم بفساد أمورهم، لفساد نفوسهم، بسبب ذنوبهم التى ارتكبوها من مخالفة أحكامه وشريعته، ثم يجازيهم عن كل أعمالهم فى الآخرة، وإن كثيراً من الناس لمتمردون على أحكام الشريعة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الكتاب: القرآن الكريم. من الكتاب: اسم جنس بمعنى الكتب السابقة قبله كالتوراة والإِنجيل. مهيمناً عليه: حاكما عليه أي محققاً للحق الذي فيه، مبطلاً للباطل الذي الْتَصق به. شرعة ومنهاجاً: شريعة تعملون بها وسبيلاً تسلكونه لسعادتكم وكمالكم من سنن الهدى. أمة واحدة: لا اختلاف بينكم في عقيدة ولا في عبادة ولا قضاء. فاستبقوا: أي بادروا فعل الخيرات ليفوز السابقون. أن يفتنوك: يضلوك عن الحق. فإن تولوا: أعرضوا عن قبول الحق الذي دعوتهم إليه وأردت حكمهم به. حكم الجاهلية: هو ما عليه أهل الجاهلية من الأحكام القبلية التي لا تقوم على وحي الله تعالى وإنما على الآراء والأهواء. معنى الآيات: لما ذكر تعالى إنزاله التوراة وأن فيها الهدى والنور وذكر الإِنجيل وأنه أيضاً فيه الهدى والنور ناسب ذكر القرآن الكريم فقال: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن {بِٱلْحَقِّ} متلبساً به لا يفارقه الحق والصدق لخلوه من الزيادة والنقصان حال كونه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب السابقة، ومهيمناً عليها حفيظاً حاكما فالحق ما أحقه منها والباطل ما أبطله منها. وعليه {فَٱحْكُم} يا رسولنا بين اليهود والمتحاكمين إليك {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إليك بقتل القاتل ورجم الزاني لا كما يريد اليهود {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} في ذلك وَتَرُكَ ما جاءك من الحق، واعلم أنا جعلنا لكل أمة شرعة ومنهاجاً أي شرعاً وسبيلاً خاصاً يسلكونه في إسعادهم وإكمالهم، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على شريعة واحدة لا تختلف في قضاياها وأحكامها لفعل، ولكن نوع الشرائع فأوجب وأحل ونهى وحرم في شريعة ولم يفعل ذلك في شريعة أخرى من أجل أن يبتليكم فيما أعطاكم وأنزل عليكم ليتبين المطيع من المعاصي والمهتدي من الضال، وعليه فَهَلُمَّ {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي بادروا الأعمال الصالحة وليجتهد كل واحد أن يكون سابقاً، فإن مرجعكم إليه تعالى {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، ثم يجزيكم الخير بمثله والشر إن شاء كذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية [49] فقد أمر الله تعالى فيها رسوله ونهاه وحذره وأعلمه وندد بأعدائه أمره أن يحكم بين من يتحاكمون إليه بما أنزل عليه من القرآن فقال: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} ونهاه أن يتبع أهواء اليهود فقال: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} وحذره من أن يتبع بعض آرائهم فيترك بعض ما أنزل عليه ولا يعمل به ويعمل بما اقترحوه عليه فقال: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} وأعلمه أن اليهود إن تولوا أي أعرضوا عن قبول حكمه وهو الحكم الحق العادل فإنما يريد الله تعالى أن ينزل بهم عقوبة نتيجة ما قارفوا من الذنوب وما ارتكبوا من الخطايا فقال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}. وندد بأعدائه حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون أي عصاة خارجون عن طاعة الله تعالى ورسله فقال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ}. فسلاه بذلك وهون عليه ما قد يجده من ألم تمرد اليهود والمنافقين وإعراضهم عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم إليه. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة [50] فقد أنكر تعالى فيها على اليهود طلبهم حكم أهل الجاهلية حيث لا وحي ولا تشريع إلهي وإنما العادات والأهواء والشهوات معرضين عن حكم الكتاب والسنة حيث العدل والرحمة فقال تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}. ثم أخبر تعالى نافياً أن يكون هناك حكم أعدل أو أرحم من حكم الله تعالى للمؤمنين به الموقنين بعدله تعالى ورحمته فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}؟. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الحكم وفي كل القضايا بالكتاب والسنة. 2- لا يجوز تحكيم أية شريعة أو قانون غير الوحي الإِلهي الكتاب والسنة. 3- التحذير من اتباع أهواء الناس خشية الإِضلال عن الحق. 4- بيان الحكمة من اختلاف الشرائع وهو الابتلاء. 5- أكثر المصائب في الدنيا ناتجة بعض الذنوب. 6- حكم الشريعة الإِسلامية أحسن الأحكام عدلاً ورحمة.
القطان
تفسير : المهيمن على الشيء: القائم على شؤونه وله حق مراقبته وتولي رعايته. الشرعة والشريعة: مورد الماء، وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة. المنهاج: السبيل والسنّة. الابتلاء: الاختبار. استبِقوا: ابتدروا وسارعوا. بعد ان بين الله تعالى أنه انزل التوراة ثم الإنجيل، وذكر ما أودعه فيهما من فروض وواجبات وأحكام ألزم بها بني اسرائيل ـ جاء البيان هنا الى الرسالة الاخيرة، الرسالة التي تعرض الإسلامَ في صورته النهائية، ليكون دين البشرية كلّها حتى يرث الله الارضَ ومن عليها. وأنزلنا اليك ايها النبي الكتاب الكامل، وهو القرآن، الذي أكملنا به دين الله. وقد جاءك مصدّقاً لما تقدَّمه من الكتب السماوية، وشاهداً لها بالصحة ورقيباً عليها، لأننا سنحفظه من التغيير. لذا احكُم بين أهل الكتاب، اذا تحاكموا اليك، بما في هذا القرآن. لا تتّبع أيها الرسول في حكمك شهواتهم ولا تخضع لأهوائهم ورغباتهم. فبسببٍ من ذلك حرّفوا كثيرا من كتبهم. روي ان اليهود عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يؤمنوا برسالته اذا تصالح معهم على التسامح في احكام معينة، منها حكم الرجم وغير ذلك، فنزل هذا التحذير. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ...} لكل أُمة منكم أيها الناس جعل الله منهاجاً لبيان الحق، وطريقاً واضحا في الدين تسيرون عليه، ولو شاء لجعلكم جماعة واحدة متفقة، لا تختلف مناهج حياتها وإرشادها في جميع العصور. لقد جعلكم شرائع ليختبركم فيما أتاكم، فيتبين المطيعَ والعاصي. انتهزوا الفرص أيها الناس، وسارِعوا الى عمل الخيرات، فإنكم الى الله ترجعون. يومئذ ينبئكم بحقيقة ما كنتم تختلفون فيه من أمور الدين، ويجازي كلاً منكم بعمله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {ٱلْكِتَابِ} {وَاحِدَةً} {آتَاكُم} {الخَيْرَاتِ} (48) - وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ (الكِتَابَ) إلَيكَ يَا مُحَمَّدُ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ الذِي لاَ رَيْبَ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، مُصَدِّقاً لِلْكُتُبِ السَّابِقَةِ المُتَضَمِّنَةِ ذِكْرَهُ وَمَدْحَهُ، وَالإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ مُنْزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ نُزُولَهُ كَمَا أَخْبَرْتَ بِهِ مِمَّا زَادَهَا صِدْقاً عِنْدَ حَامِلِيها مِنْ ذَوي البَصَائِرِ، الذِينَ اتَّبَعُوا أمْرَ اللهِ وَشَرْعَهُ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ. وَالقُرْآنُ جَاءَ أمِيناً عَلَى الكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَشَاهِداً عَلَيْهَا بِالحَقِّ وَالصِّحَّةِ بِمَا بَيَّنَهُ مِنْ حَقِيقَةِ أمْرِهَا (مُهَيْمِناً عَلَيْهِ)، وَمُبَيِّناً حَالَ مَنْ خُوطِبُوا بِهَا: مِنْ نِسْيانِ حَظٍّ عَظيمٍ مِنْهَا، وَتَحْرِيفِ كَثيرٍ مِمَّا بَقِيَ، أَوْ تَأْوِيلِهِ، وَالإِعْرَاضِ عَنِ العَمَلِ بِهِ. وَبِمَا أنَّ القُرْآنَ جَاءَ رَقِيباً وَأمِيناً وَشَاهِداً (مُهَيْمِناً) عَلَى الكُتُبِ السَّابِقَةِ، التِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى أنْبِيَائِهِ، فَاحْكُمْ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ أهْلِ الكِتَابِ - إذا تَحَاكَمُوا إلَيكَ - بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إليكَ مِنَ الأحْكَامِ، دُونَ مَا أنْزَلَهُ اللهُ إلَيْهِمْ، لأنَّ شَرِيعَتَكَ نَاسِخَةٌ لِشَرِيعَتِهِمْ، وَلاَ تَتَّبِعَ أهْوَاءَهُمْ وَرَغَبَاتِهِمْ فِي الحُكْمِ لَهُمْ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ، وَيَخِفُّ احْتِمَالُهُ. ثُمَّ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أمَّةٍ مِنَ النَّاسِ شَرِيعَةً أوْجَبَ عَلَيهْمِ إقَامَةَ أَحْكَامِهَا، وَمِنْهَاجِاً وَطَرِيقاً فَرَضَ عَلَيهِمْ سُلُوكَهُ لِتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ (فَأصْلُ الدِّينِ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ الشَّرَائِعَ العَمَلِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوَالِ البَشَرِ، وَطِبَاعِهِمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ). وَلَوْ شَاءَ اللهُ أنْ يَجْعَلَ النَّاسَ أمَّةً وَاحدَةً، ذَاتَ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَاجٍ وَاحِدٍ، يَسِيرُونَ عَلَيْهِ، لَفَعَلَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ، لِيَخْتَبِرَهُمْ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ، وَلِيُثِيبَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيُعَاقِبَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِ. وَيَحُثُّ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ عَلَى المُبَادَرَةِ وَالإِسراعِ إلَى طَاعَةِ اللهِ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ الذِي جَعَلَهُ نَاسِخاً مَا قَبْلَهُ مِنَ الشَرَائِعِ، وَيُخْبِرُهُمْ أنَّ إلَيهِ مَرْجِعَهُمْ وَمَصِيرَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، وَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. المِنْهَاجُ - السُّنَّةُ وَالسَّبِيلُ. الابْتِلاءُ - الاخْتِبَارُ. مُهَيْمناً - أمِيناً عَلَى الكُتُبِ السَّابِقَةِ وَشَاهِداً عَلَيهَا. اسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ - ابْتَدِرُوا إلَيها وَسَارعُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة نسمع كلمة "أنزلنا" نعرف أن هناك تشريعاً جاء من أعلى. وهناك من يريد أن يلبس الناس أهواءه، فيقول: إن الإسلام دين تقدمي، أو يقول: الإسلام دين رجعي، وكلاهما يحاول أن يلبس الإسلام بما ليس فيه، ونقول: لا تقولوا ذلك ولكن قولوا الإسلام فوقي؛ أنه جاء من الله، فإن كان للتقدمية مزايا فهو تقدمي، وإن كان للرجعية مزايا فهو رجعي، وإن كان لليمين مزايا فهو يميني وإن كان لليسار مزايا فالإسلام يساري؛ فقد جاء الإسلام بالاستطراق الاجتماعي والتقدم العلمي الأصيل؛ لأن مفهوم التقدم هو أن يرتقي الإنسان بنفيه ارتقاءً متقدماً يجعل الناس متكافئين. إن الإسلام ليس تقدمياً فقط بالنسبة للحياة الدنيا ولكن بالنسبة لحياة أخرى خالدة فوق هذه الحياة. إن الذين يناقشون تلك الأفكار لا يحسنون فهم أفكارهم سواء أكانت تقدمية أم رجعية أم يمينية أم يسارية. ونرى أن المناهج المعاصرة التي تسبب كل هذا الصراع في الدنيا من شرق وغرب هي: الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والوجودية وغيرها. وعندما ننظر - على سبيل المثال - إلى القائمين على أمر الثورة الشيوعية عام 1917، نجد قولهم: إنهم مازالوا في بداية الطريق إلى الشيوعية، ولكنه اختيار الطريق الاشتراكي. كان يجب أن يتجهوا إلى ما نادوا به، ولكن ها نحن أولاء نرى أنهم كلما تقدموا في الزمن تراجعوا عن أفكارهم الأولى. حتى انقلبوا على أنفسهم. وذلك دليل على أن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم غير صحيح. والمنهج الرأسمالي أظل كما هو؟ لا؛ لأن الأحداث قد اضطرت الرأسمالية أن تعطي العمال حقوقاً وبذلك لم تبق لرأس المال شراسته. كما سارت الشيوعية إلى معظم أساليب الرأسمالية. والرأسمالية سارت إلى بعض من أساليب الاشتراكية وهما - إذن - يريدان أن يلتقيا. ولكن الإسلام أوجد هذا اللقاء من البداية، فاحترم رأس المال، واحترم العمل. وكل إنسان لزم حدوده. وضمن وجود واستمرار حركة الحياة. ولذلك نجد أن الرأسمالية تقول: يجب أن توفر الحوافز للعمل. ولم تصل الشيوعية أيضا إلى مداها، بل قامت لإهدار حقوق الناس، ثم ماذا عن الذين لم تمتد إليهم يد الشيوعية - قبل أن توجد - وكان فيهم من يستغل الناس؟ كان العقل يحتم أن تؤمن الشيوعية بان هناك آخرة يعاقب فيها من استغلوا الناس من قبل، ومن مصلحتهم إذن أن توجد آخرة. وكان من اللازم أن يكونوا متدينين. وكذلك الرأسمالية التي لا تعترف إلا بالربح المادي، امتلأت مجتمعاتها بالضحايا الذين فقدوا المعنويات. وقول الحق: "أنزلنا" يعتبر أن هناك منهجاً نزل من أعلى. وحين نأخذ معطيات البيان القرآني، نجده سبحانه يبلغنا تعاليمه: {قُلْ تَعَالَوْاْ}. أي ارتفعوا إلى مستوى السماء ولا تهبطوا إلى حضيض الأرض. ولذلك قال الحق: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} ونرى أن آيات القرآن تتآزر وتخدم كل منها الأخرى. ونزول الكتاب بالحق يحتاج إلى صدق دليل أنه ينزل من الله حقا، وأن تأتي كل قوانين الحق في حركة الحياة بالانسجام لا بالتنافر، وهناك آية تشرح كلمة "الحق": {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} تفسير : [الإسراء: 105] أي أنه نزل من عند الله وليس من صناعة بشر. {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} أي نزل بالمنهج من عند الله الذي يقيم منطق الحق في كل نفس وكل مكان، ويَضمن كل حق يقيم حركة الحياة. وهنا أجملت الآية، فقالت: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي أن القرآن مصدق للكتب السماوية السابقة. وما الفارق بين كلمة "الكتاب" الأولى التي جاءت في صدر الآية، وكلمة "الكتاب" الثانية؟ إننا نعلم أن هناك "ال" للجنس، و"ال" للعهد، فيقال "لقيت رجلا فأكرمت الرجل"، أي الرجل المعهود الذي قابلته. فكلمة الكتاب الأولى اللام فيها للعهد أي الكتاب المعهود المعروف وهو القرآن، وكلمة الكتاب الثانية يراد بها الجنس أي الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، فالقرآن مهيمنٌ رقيبٌ عليها؛ لأنها قد دخلها التحريف والتزييف. كلمة "الحق" - إذن - تعني أن كتاب الله الخاتم لكتبه المنزلة وهو القرآن قد نزل بالحق الثابت في كل قضايا الكون ومطلوب حركة الإنسان. ونزل بالحق بحيث لم يصبه تحريف ولا تغيير. إذن فالحق هو في مضمونه وفي ثبوت نزوله. وقد نزل القرآن بعد كتب أنزلها الله متناسبة مع الأزمنة التي نزلت فيها؛ لأنه سبحانه خلق الخلق لمهمة أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يعمروا هذا الكون بما أمدّهم به من عقل يفكر، وطاقات تنفّذ، ومادة في الكون تنفعل، فإن أرادوا أصل الحياة مجرداً عن أي ترقٍ أو إسعاد فلهم في مقومات الأرض ما يعطيهم، وإن أرادوا أن يرتقوا بأنفسهم فعليهم أن يُعملوا العقل الذي وهبه الله ليخدم الطاقات التي خلقها الله في المادة التي خلقها الله، وحينئذ يأخذون أسرار الله من الوجود. إن أسرار الله في الوجود كثيرة، وتفعل لنا وإن لم نعرف نحن السر. فنجد الجاذبية التي تمسك الأفلاك تفعل لنا، وإن لم نكن قد اكتشفنا الجاذبية إلا أخيراً. والكهرباء السارية في الكون سلباً وإيجاباً تعمل لنا وإن لم نعرف ما تنطوي عليه من سرّ إن الحق سبحانه حين يريد ميلاد سر في الكون سبحانه يمد الخلق بأسباب بروز هذا السر .واعلموا أن كل سر من أسرار الكون المسخر للإنسان له ميلاد كميلاد الإنسان نفسه، إما أن يصادف - هذا الميلاد - عمل العقل في مقدمات تنتهي إليه، وحينئذ يأتي الميلاد مع مقدمات استعملها البشر فوصلوا إلى النتيجة، تماماً مثل التمرين الهندسي الذي يقوم الطالب بحله بعد أن يعطيه الأستاذ بعضاً من المعطيات، ويستخدمها التلميذ كمقدمات ليستنبط ما يريد المدرس أن يستنبطه من مطلوب الإثبات. فإن صادف أن العقل بحث في الشيء معملياً وتجريبياً وصل ميلاد السر مع البحث. وإن جاء ميلاد السر في الكون، ولم يشغل الإنسان نفسه ببحث مقدمات توصل إليه، وأراد الله ذلك الميلاد للسر فماذا يكون الموقف؟ أيمنع الله ميلاد السر لأننا لم نعمل؟. لا. بل يخرج سبحانه السر إلى الوجود كما نسمع دائماً عن مصادفة ميلاد شيء على يد باحث كان يبحث في شيء آخر، فنقول: إن هذا السر خرج إلى الوجود مصادفة. وإذا نظرت إلى الابتكارات والاختراعات وأمهات المسائل التي اكتشفت لوجدتها من النصف الثاني، ونجد المفكر أو العالم وقد غرق في بحث ما، ثم يعطيه الله سراً من أسرار الكون لم يكن يبحث عنه، فيقال عن الاكتشاف الجديد: إنه جاء مصادفة، وحينما جعل الله لكل سر ميلاداً، فهو قد أعطى خلقه حياة من واسع فضله، وأعطاه قدرة من فيض قدرته وأعطاه علماً من عنده {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}، ووهبه حكمة يُؤتى بها خيرا {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}. وهو سبحانه وتعالى يريد من خلقه أن يتفاعلوا مع الكون ليبرزوا الأشياء، وإذا كان سبحانه يريد منا أن ننفعل هذا الانفعال فلا بد أن يضع المنهج الذي صون طاقاتنا وفكرنا مما يبددهما. والذي يبدد أفكار الناس وطاقاتهم هو تصارع الأهواء، فالهوى يصادم الهوى، والفكرة قد تصادم فكرة، وأهواء الناس مختلفة؛ لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضمن لنا اتفاق الأهواء حتى نصدر في كل حركاتنا عن هوى واحد؛ وهو ما أنزله الخالق الأعلى الذي لا تغيره تلك الأهواء. أما ما لا تختلف فيه الأهواء فتركنا لكي نبحث فيه؛ لأننا سنتفق فيه قهراً عنا. ولذلك نقول دائما: لا توجد اختلافات في الأفكار المعملية التجريبية المادية، فما وجدنا كهرباء روسية، وكهرباء أمريكية لأن المعمل لا يجامل. والمادة الصماء لا تحابي. والنتيجة المعملية تخرج بوضوحها واحدة. إننا نرى اتفاق العلماء شرقاً وغرباً في معطيات المادة التجريبية وتحاول كل بلد أن يسرق من البلد الآخر ما انتهى إليه من نتائج لتدخلها على حضارتها، بينما يختلف الأمر في الأهواء البشرية، فكل بلد يحاول أن يبعد هوى الآخر عن حدوده؛ لأن الأهواء لا تلتقي أبداً، والحق قد وضع حركة الحياة لتنفعل بـ "افعل كذا" و"لا تفعل كذا" مما تختلف فيه الأهواء ليضمن اتحادنا وعدم تعاند الطاقات فينا. بل تتساند معاً. {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} تفسير : [المؤمنون: 71] إذن فمنهج الله في كونه إنما جاء لينظم حركة الإنسان فيما تختلف فيه الأهواء. أما الحركة فيما لا تختلف فيه الأهواء فقد تركها سبحانه حرة طليقة: لأن البشر يتفقون فيها قهراً عنهم، لأن المادة لا تجامل والمعمل لا يحابي. ولذلك قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله نبياً خاتماً أعطى بـ "افعل ولا تفعل". أما بالنسبة للأمر المادي المعملي فقد جعل أمره في ذات النبي صلى الله عليه وسلم. حديث : فعندما قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان أهلها يأبرون النخل؛ أي يلقّحونه ليثمر. فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقومٍ يلقحون فقال: "لو لم تفعلوا لصلح". فلم يأْبُروا النخل، فخرج شيصا؛ أي بُسْراً رديئاً، وخاب النخل. ومرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. فقال صلى الله عليه وسلم: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ". تفسير : وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيءٍ من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر "تفسير : . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلنها قضية كونية مادية تجريبية معملية: (حديث : أنتم أعلم بأمر دنياكم ). تفسير : أي أنه صلى الله عليه وسلم ترك للأمة إدارة شئونها التجريبية، ولم يكن ذلك القول تركا للحبل على الغارب في شئون المنهج، فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفيصل فيما تتدخل فيه السماء، وفيما تتركه السماء للبشر، وأعمار الناس - كما نعلم - تختلف، فنحن نقول للإنسان طفولة، وله فتوة، وشباب، وله اكتمال رجولة ونضج؛ لذلك يعطي الحق من الأحكام ما يناسب هذا المجتمع؛ يعطي أولاً الاحتياج المادي للطفولة، وعند عصر الفتوة يعطيه المسائل الإدراكية، وعندما يصل إلى الرشد يعطيه زمام الحركة في الكون على ضوء المنهج، فكانت رسالة الإسلام على ميعاد مع رشد الزمان، فَأَمِن الحق سبحانه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أن يقفوا ليحموا حركة الإنسان من أهواء البشر. وكانت الرسل تأتي من عند الله بالبلاغ للمجتمعات البشرية السابقة علىالإسلام. وكانت السماء هي التي تؤدب. ولكن عندما اكتمل رشد الإنسانية، رأينا الرسول يبلغ، ويوكِّله الله في أن يؤدب من يخرج على منهج الله في حركة الحياة، لأنه صلى الله عليه وسلم أصبح مأموناً على ذلك. وإذا نظرت إلى الكون قديماً لوجدته كوناً انعزالياً، فكل جماعة في مكان لا تعلم شيئاً عن الجماعة الأخرى، وكل جماعة لها نظامها وحركتها وعيشها وداءاتها. والإسلام جاء على اجتماع للبشر جميعاً. فقد علم الله أزلاً أن الإسلام سيجيء على ميعاد مع إلغاء فوارق الزمن والمسافات، وأن الداء يصبح في الشرق فلا يبيت إلا وهو في الغرب، وكذلك ما يحدث في الغرب لا يبيت إلا وهو في الشرق. إذن فقد اتحدت الداءات ولا بد أن يكون الدواء واحداً فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعاً للزمان وجامعاً للمكان ومانعا أن يجيء رسول آخر بعده، وأن العالم قد وصل إلى قمة نضجه. فإذا ما جاء الإنسان ليعلم منهج الله بـ "افعل" ولا "تفعل"، وجد أن المنهج محروس بالمنهج، بمعنى أن الكتب السابقة على القرآن فيها "افعل" و"لاتفعل"، والقرآن أيضاً فيه "افعل" و"لا تفعل" لكن المنهج السابق على القرآن كان مطلوباً من المنزل إليهم أن يحافظوا عليه، ومادام قد طلب الحق منهم ذلك فكان من الواجب أن يتمثلوا لطاعته لكنهم تركوا المنهج. فكل منهج عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى، ولم يحفظوا الكتب وحدث فيها التحريف بمراحله المختلفة والتي سبق أن ذكرناها وهي النسيان وهو متمثل في قوله الحق: {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 13] وما لم ينسوه كتموا بعضه، فقال الحق فيهم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 159] وما لم يكتموه حرفوه ولووا ألسنتهم به وقال الحق: {أية : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} تفسير : [آل عمران: 78] ولم يقتصروا على ذلك بل وضعوا من عندهم أشياء وقالوا إنها من عند الله. وكان أمر حفظ كتب المنهج السابقة موكولاً لهم وبذلك قال الحق عنهم: {أية : بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 44] أي أن الحق طلب منهم أن يحافظوا على المنهج، وكان يجب أن يطيعوه ولكن أغلبهم آثر العصيان. فلما عصى البشر المنهج، لم يأمن الله البشر من بعد ذلك على أن يستحفظهم على القرآن، وكأنه قال: لقد جُرّبْتم فلم تحافظوا على المنهج، ولأن القرآن منهج خاتم لن يأتي له تعديل من بعد ذلك فسأتولى أنا أمر حفظه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] ومادام الحق هو الذي يحفظ المنهج فالقرآن مهيمن على كل الكتب؛ لأنه سبحانه وتعالى قد ضمن عدم التحريف فيه. إذن فالكتاب المهيمن هو القرآن، ومادام القرآن هو المهيمن فهو حقيقة ما يسمى بالكتاب. ودليل العهد هو قول الحق: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أما قوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} فالمقصود به الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى، ثم جاء القرآن مهيمناً على كل هذه الكتب. وساعة نجد وصفاً وصف به غير الله وسمى به الله نفسه فما الموقف؟ نعرف أن لله صفات بلغت في تخصصها به مقامها الأعلى بالله، مثل قولنا: "الله سميع" والإنسان يسمع، و"الله غني" ويقال: "فلان غني"؛ فإذا سمي الحق باسم وجد في الخلق، فليس من المتصور أن يكون هذا صفة مشتركة بين العبد والرب، ولكننا نأخذ ذلك في ضوء: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. إن أي اسم من هذه الصفات على إطلاقه لا ينصرف إلا لله، فإن قلت: "الغني" على إطلاقه فهو اسم لله، وإن قلت: "الرحيم" على إطلاقه فهو اسم لله. فإذا أطلق اللفظ من أسماء الله على اطلاقه فهو لله، واسم "المهيمن" يطلق هنا على القرآن وهو اسم من أسماء الله. ومن معنى "مهيمن" أنه مسيطر. ومن أمثلة الحياة أننا نرى صاحب مصنع يطلق يد مدير في شئون العمل، وهذا يعني أنه مؤمن ومسيطر وأمين، ولا بد أن متنبه، أي رقيب، وهو شهيد، إذن فالذين فسروا كلمة "مهيمن" على أنه مؤمن قول صحيح. والذين فسروا كلمة: "مهيمن" على أنه "مؤتمن" قول صحيح. والذين فسروا كلمة: "مهيمن" بأنه "رقيب" قول صحيح. والذين فسروا كلمة: "مهيمن" بأنه "شهيد" قول صحيح. والذين فسروا كلمة: "مهيمن" بأنه قائم على كل أمر قول صحيح. وإذا رأيت الاختلافات في تفسير اسم واحد من أسمائه - سبحانه - فلتعلم أن الحق بصدق عليه كل ذلك، وباللازم لا يكون "رقيباً" إلا إذا كان "شهيداً"، ولا يكون شهيداً إلا إذا كان قائماً على الأمر، ولا يكون كل ذلك إلا إذا كان مؤمناً ومؤتمنا. إذن فـ"مهيمن" هو قيم وشاهد ورقيب. ومادام القرآن قد جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتاب فعلى أي مجال يهيمن؟ نحن نعرف مدلول الكتاب بأنه نزل من عند الله، فإن بقي الكتاب الذي من عند الله كما هو فالقرآن مصدق لما به، أما إن لعبت في ذلك المنهج أهواء البشر فالقرآن مهيمن لأنه يصحح المنهج وينقيه من أهواء البشر. {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}. و"احكم" مأخوذة من مادة "حكم"، و"الحَكَمة" هي قطعة الحديد التي توضع في فم الحصان ونربطها باللجام؛ حتى نتحكم في الحصان. والحكمة هي الأ تدع المحكوم يفلت من إرادة الحاكم. وحين يقول الحق: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} فهل يحدث ذلك أيضا مع غير المؤمنين؟ نعم. فإذا ما جاء إليك يا رسول الله أناس غير مؤمنين وطلبوا أن تحكم بينهم فاحكم بما أنزل الله. ولذلك قال الحق: {أية : فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 42] لكن لماذا جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم برغم عدم إيمانهم به؟ جاءوا إلى الرسول ليحكم بينهم؛ لأنهم ألفوا أن يبيحوا ما حرم الله بشهوات الدنيا وأخذوا لأنفسهم سلطة زمنية، وماداموا قد أخذوا لأنفسهم سلطة زمنية أنستهم حكم الله. وأرادوا - على سبيل المثال - أن يخرجوا على حكم الرجم وتخفيفه، ولذلك ذهبوا إلى النبي، فإن حكم هو بالتخفيف أخذوا بالحكم المخفف، وإذا لم يحكم بالتخفيف فهم لن يأخذوا الحكم، هم ذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم بقصد التيسير وقالوا له: أنت تعلم أن لنا سلطاناً وأن لنا نفوذاً ونحن نريد أن تحكم لنا لأنك عندما تحكم لنا سنؤمن بك وبعد ذلك تأتي إليك باقي جماعتنا ليؤمنوا بك ويتبعوك. لقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تطبيقاً لقول الحق: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} فإذا كان عندهم كتاب التوراة مصوناً من التحريف، فالرسول يشير عليهم بالحكم الموجود في التوراة، ولذلك عندما استدعى صلى الله عليه وسلم أعلم علمائهم بالتوراة حاول بعضهم أن يضع يده على السطور التي بها الحكم؛ فالحكم بما أنزل الله يكون من التوراة إن لم يبدل، أما إذا كان الحكم قد بدله الناس فالحكم من القرآن؛ لأن القرآن هو المهيمن. {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} لأنهم بهذه الأهواء يريدون أن ييسروا على أنفسهم ليستبقوا لأنفسهم السلطة الزمنية، ووصفهم الحق: {أية : ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [التوبة: 9] هم - إذن - يريدون أن يستبدلوا بآيات الله مصلحتهم في الحكم. ويقول الحق: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}، وإن افترضنا أن بعضا من التوراة لم يحرف، وبه حكم أراد الإسلام أن يبدله، فأي أمر يتبع؟ إن الاتباع هنا يكون للقرآن لأنه هو المهيمن، فسبحانه أراد بالقرآن أن يصحح ويعدل ويغير. إن مناهج الأديان في العقائد ثابتة لا تغيير فيهان وأما ما يتصل بالأحكام التي تحكم أفعال الإنسان فالله سبحانه وتعالى ينزل حكماً لقوم يلائمهم ثم ينزل حكما آخر يلائم قوماً آخرين. ولذلك نجد أن سيدنا عيسى قال: {أية : وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [آل عمران: 50] أي أن هناك أشياء كانت محرمة في دين اليهود. وجاء عيسى عليه السلام ليحلل بعضاً من هذه المحرمات، وكان التحريم مناسباً بني إسرائيل في بعض الأمور، وجاء المسيح عيسى ابن مريم ليحلل لهم بعضاً من المحرمات، وكان تحريم بعض الأمور لبني إسرائيل بهدف التأديب: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] إذن فقد يكون تحريم الشيء بسبب الضرر الناشئ منه، أو بهدف التأديب؛ لأن الإنسان أحل لنفسه ما حرمه الله عليه. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} والشرعة هي الطريق في الماء. والمنهج هو الطريق في اليابسة. ومقومات حياة الإنسان هي من الماء ومن الغذاء الذي يخرج من الأرض فكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى في القيم هذين الاثنين، الشرعة والمنهاج، ومادام سبحانه قد جعل لكل منا شرعة ومنهاجاً، فلماذا قال في موضع آخر من القرآن: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} تفسير : [الشورى: 13] معنى هذا القول هو الاتفاق في أصول العقائد التي لا تختلف أبداً باختلاف الأزمان. ففي بدء الإسلام نجد أنه جاء ليؤصل العقيدة أولاً بلا هوادة، فنادى بوحدانية الله، وعدم الشرك به، وصفات الكمال المطلق فيه، وعدم تعدد الآلهة. أما بقية الأحكام الفعلية فقد جعلها مراحل. وكان يخفف قليلاً فقليلاً. إذن فالمراحل إنما جاءت في الأحكام الفعلية، أما العقائد فقد جاءت كما هي وبحسم لا هوادة فيه. إذن فقوله الحق: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}. هذا القول مقصود به العقائد. ومادام قد شرع لنا في الدين ما وصى به نوحاً، فهذا توصية بأفعال تتعلق أيضا بزمن نوح، وسبحانه الذي وضع لنا المنهاج الذي نسير عليه في زماننا. إذن فالأمران متساويان. والمهم هو وحدة المصدر المشرِّع. ويقول الحق: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}. فلو شاء لجعل "افعل" ولا "تفعل" واحدة في كل المناهج، ولكن ذلك لم يكن متناسباً مع اختلاف الأزمان والأقوام الانعزالية قبل الإسلام بداءاتها المختلفة؛ لذلك كان من المنطقي أن تأتي الأحكام مناسبة للداءات. {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 48] وسبحانه وتعالى لو شاء لجعلنا أمة واحدة في "افعل" و"لا تفعل" ولكنه - سبحانه - لم يرد ذلك حتى لا يألف الناس العبادة وتصير كالعادة عندهم، فحينما يألف الناس أداء العبادات، فهم بذلك يحرمون لذة التكليف والإيمان، فكان لا بد أن يأتي التشريع مناسبا لكل زمان. وذلك ليفرق بين قوم وقوم ففي الصوم - على سبيل المثال - نجد أن الحق يسمح لنا بالطعام والشراب والجنس في الفترة ما بين الإفطار والسحور؛ فالحق يأتي إلى الشيء الرتيب ويأتي فيه أمر الله بالامتناع عنه لفترة زمنية معينة. ولا يقرب المؤمن هذه المحرمات في زمان معين، ولا يقرب غيرها في أي زمان ومكان. مثل شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير. والمؤمن لا يقرب هذه الأشياء بطبيعة اختياره. ويأتيه الصوم ليعلمه ويدربه على الانصياع للتكليف فيحرمه الحق من الطعام طول نهار شهر رمضان وكذلك الشراب والجنس. المسألة - إذن - ليست رتابة أبداً. بل هي ابتلاء واختبار البشر {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} والابتلاء - كما نعلم - ليس أمراً مذموماً في ذاته، هو مذموم باعتبار ما تؤول إليه نهايته، ومادام سبحانه يبتلينا فيما آتانا فيجب أن نكون حكماء وأن نتسابق إلى الخير: {أية : فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} تفسير : [المائدة: 48] والتسابق إلى الخيرات إنما يكون بهدف النجاح في الإبتلاء، والنجاح يعطينا أكثر مما ننال بعدم الانصياع. إذن فالابتلاء في مصلحتنا يعطي الناجحين فيه نجاحاً أخلد، وقصارى ما يزينه الشيطان للناس أو ما تتخيله نفوس الناس، أن تمر الشهوة العابرة وتنقضي في الدنيا العابرة. وبعد ذلك يأتي العذاب المقيم. وعندما نوازن هذا الأمر كصفقة نجدها خاسرة، لكن إن نجحنا في ابتلاء الله لنا فذلك هو الفوز العظيم: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. أي تسابقوا في الوصول إلى الخيرات، لأن الخير إنما يقاس بعائده، فإياكم أن تفهموا أن الله حَرَمكم شهوات الدنيا لأنه يريد حرمانكم، ولكنه حرمكم بعضا من شهوات الدنيا لأنها مفسدة. وكان التحريم لزمن محدود ليعطيكم نعيم ومتع الآخرة المُصلحة في زمن غير محدود، وهذا هو كل الخير. {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} والكل يرجع إلى الله سواء الملتزم أو المنحرف، وأمام الحق نرى القول الفصل: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. ومادام هناك اختلاف فلا بد أن يوجد من أخذ جانب الخير ومن أخذ جانب الشر، ولو أن الله قال لنا: "ستأخذون الخير" وسكت عن الشر لكان ذلك كافياً، لكنه يعطينا الصورة الكاملة. ويتبع ذلك قول الحق: {وَأَنِ ٱحْكُم...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [الآية: 48]. قال: الشرعة: السنة. والمنهاج: السبيل. أَنْبَا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [الآية: 48]. قال: مؤتم على الكتب. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [الآية: 50]. قال: يعني اليهود.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} فالمُهَيمِنُ: المُصدِقُ لِمَا قَبلَهُ. والأَمينُ عَلَيهِ. تفسير : وقوله تعالى: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فالشِّرْعةُ: السُّنَّةُ. والمِنهَاجُ: الطَّريقُ البّيِّنُ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما انقرض عيسى - صلوات الرحمن عليه - {أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل، وخاتم النبيين {ٱلْكِتَابَ} الجامع لجميع الكتب السالفة متلبساً {بِٱلْحَقِّ} والصدق {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ} جنس {ٱلْكِتَابِ} المنزل على الرسل الماضين {وَ} مع كونه مصدقاً {مُهَيْمِناً عَلَيْهِ} مستحضراً لما فيه، يحفظه عن التحريف والتغيير؛ إذ الكتب الإلهية كلٌّ لا حق منها يحفظ حكم سابق، ويصونه عن التطرق والتحريف، وإن كان مشتملاً على نسخ وتغيير إلهي بحسب الزمانين ومقتضى المرتبتين {فَٱحْكُم} أيضاً {بَيْنَهُم} مطابقاً {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إليك في كتابه {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} الباطلة؛ ميلاً ومداهنة، ولا تنحرف {عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ} الصريح، لائق للحكمة الإلهية المقتضية للأحكام. واعلموا أيها الأمم المتوجهون نحو التوحيد المسقط لجميع الإضافات {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً} مورداً ومذهباً تردون منها إلى بحر الوحدة {وَمِنْهَاجاً} طريقاً واضحاً، بيَّنها الحق لأنبيائه ورسله بإنزال الكتب عليهم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {لَجَعَلَكُمْ} وصيَّركم {أُمَّةً وَاحِدَةً} متحدة في المنهج والمقصد بحسب الظاهر أيضاً {وَلَـٰكِن} كثَّركم، وعدَّد طرقكم {لِّيَبْلُوَكُمْ} ويجربكم {فِي} رعاية مقتضيات {مَآ آتَاكُم} من مواهبه، وعطاياه الفائضة من تجلياته الحبية. {فَاسْتَبِقُوا} أيها المعترضون لنفحات الحق {الخَيْرَاتِ} الفائضة عن محض جوده فابتدروها، وتعرضوا لمهايتها، واعلموا أيها التائهون في سراب الإمكان {إِلَىٰ الله} المتوحد في الجود والوجود {مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} أيها الأضلال الباطلة، والتماثيل العاطلة المنعدمة في أنفاسها {فَيُنَبِّئُكُم} بد رفع تعيناتكم {بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] من الإضافات المترتبة على الهويات الباطنة. ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشداً. {وَ} أيضاً أمرناك فيما أنزلنا إليك بالحق {أَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ} مطابقاً، موافقاً {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إليك في كتابه بلا ميل وانحراف عنه {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} المضلة {وَٱحْذَرْهُمْ} عن {أَن يَفْتِنُوكَ} ويُلبَّسوا عليك {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} بمواساتك، وإظهار محبتك ومودتك قاصدين انحرافك، وميلك إلى ما تهوى نفوسهم {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عنك وعن حكمك. {فَٱعْلَمْ} أيها الداعي للخلق إلى الحق {أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} وتتعلق مشيئته به {أَن يُصِيبَهُم} ويأخذهم {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} وهو التولي والإعراض عنك وعن حكمك؛ لأنهم قد خرجوا بالإعراض عنك عن حكمك، عن جميع حدود الله وأحكامه {وَ} لا تتعجب خروجهم {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} الناسين للعهود الأصلية {لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] خارجون عن مقتضى الأحكام الإلهية وحكمه بمتابعة الأهواء الباطلة. {أَ} يعرضون، وينصرفون عن حكمك {فَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} الناشئة من الآراء الفاسدة، الزائفة، الحاصلة عن تمويهات عقولهم، القاصرة، كأحكام متفقهة هذا العصر {يَبْغُونَ} يطلبون منك، ويعتقدون أن الحسن والحق ما هم عليه من تلقاء أنفسهم {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ} المتفرد بذاته {حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] بتوحيده وتفريده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه وما أشار إليه من خطابه بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [المائدة: 48]، إشارة إن الله تعالى خصص حبيبه صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام - بإنزال الكتب إليه بالحقيقة كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [المائدة: 48]، أي: بالحقيقة وذلك لأنه أنزله على قلبه وأنزل الكتب على الأنبياء في الألواح والصحف، وبينه وبينهم بون بعيد وفرق عظيم، فإن ما أنزل على القلب يكون صاحب القلب مخصوصاً به من سائر الخلق بخلقه، فلهذا كان خلقه القرآن، وما أنزل في الألواح والصحف يستوي فيه الخواص والعوام في التخلق بخلقه بإثمار الأوامر وانتهاء النواهي: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: 48]؛ أي: يصدق الكتب المنزلة قبله تصديقاً حقيقياً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل إليه بنور حقائق جميع الكتب ومعانيها وأسرارها، فيشهدوا على صدقها وحقيقتها بخلاف ما أنزل في الألواح والصحف، فإن الألواح والصحف لا ينشأ حقيقتها ولا تشهد على صدقها وحقيقتها {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 48]، أي: فأقم بالله أحكام الدين بنوره الكتب بينهم بما أنزل الله على قلبك أو اعتنق ملازمة الحقوق بترك ملازمة الحظوظ {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ} [المائدة: 48]، أي: لا تستملك إلى هويتهم الفاسدة حرام الجنسية ومكارم الأنسية، فيلهيكم عما جاءك من الحق بالعيان من حقائق القرآن وأنواره وحقيقة الفرقان وأسراره {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} [المائدة: 48]، معاشر الأنبياء {شِرْعَةً} [المائدة: 48]، يشرع فيها بالبيان {وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]، يسلك فيه بالعيان {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48]، أي: جعل أممكم أمة واحدة تهتدي بالبيان إلى البيان {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ} [المائدة: 48]؛ يعني: الأمم {فِي مَآ آتَاكُم} [المائدة: 48]، من البيان والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان وابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى؛ ليهتدي التائبون بالبيان والتبيان ويقتدي العالمون بالحجة والبرهان، ويجذب العارفون بالعزة والسلطان بل يقصدون الزاهدون برضا الدنيا، ويقدم العابدون بنهي الهوى ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [المائدة: 48]، ببذل الموجود، وسارعوا إلى القربات بفقد الوجود {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [المائدة: 48]، إما بالاختيار بعدم الصدق في الإفناء لنيل المرام في عالم البقاء، وإما بالاضطرار عند حلول الآجال بعد الفناء لويل الملام يوم اللقاء {فَيُنَبِّئُكُم} [المائدة: 48]، بنتائج الأعمال وثمرات الأحوال {بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]، من المقاصد والمطالب والمشارب. {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 49]، قم بالله فيما يحكم وأقم حقوقه فيما تقدم وتؤخر، ولا تلاحظ الأغيار فيما تؤثر، وتغتر فإن الكل يحق في التحقيق {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} [المائدة: 49]، بالإعراض عن الحق {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} [المائدة: 49]، بالتصريف {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، من الحقوق بشواهد الحق {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [المائدة: 49]، عن الحق وأبوا قبوله {فَٱعْلَمْ} [المائدة: 49]، بمطالعة القضاء {أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} [المائدة: 49]، في الحكم المقدر {أَن يُصِيبَهُم} [المائدة: 49]، مصيبة الإعراض {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49]، وهو الاعتراض لأن الحق سبحانه يلزمهم التكليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصرف، فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجد والعبرة بالإيجاد لا بالإيجاب {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49]، الخارجون عن جذبات العناية ولخطاب الهداية. {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50]، يطلبون منك أن تجد عن الحجة المثلى بعدما طلعته شموس الدين، وسقطت براهين اليقين واستنار القلب بأنوار الغيب وانتهكت أستار الترتيب {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، لا أحداً يحكم لأهل الإيقان بحقائق الفرقان من أحسن الرحمن.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ } الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها. { بِالْحَقِّ } أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه. { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ } لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها. { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه. { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ } من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك. { وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } أيها الأمم جعلنا { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع. { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها و[لا] متقدمها. { وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته، ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم فكل أمة تحرص على سبق غيرها، ولهذا قال: { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } أي: بادروا إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره مستوليا على الأمر، إلا بأمرين: المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة حين يجيء وقتها ويعرض عارضها، والاجتهاد في أدائها كاملة على الوجه المأمور به. ويستدل بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزئ في الصلاة وغيرها من العبادات من الأمور الواجبة، بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها لتتم وتكمل، ويحصل بها السبق. { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } الأمم السابقة واللاحقة، كلهم سيجمعهم الله ليوم لا ريب فيه. { فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الشرائع والأعمال، فيثيب أهل الحق والعمل الصالح، ويعاقب أهل الباطل والعمل السيئ. { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ } هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: {أية : فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } . تفسير : والصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم مخير بين الحكم بينهم وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق. وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم، فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله من الكتاب والسنة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ } ودل هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك فهو جور وظلم. { وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها. ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق، ولهذا قال: { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما أنزل [الله] إليك، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، والفرض اتباعه. { فَإِن تَوَلَّوْا } عن اتباعك واتباع الحق { فَاعْلَمْ } أن ذلك عقوبة عليهم وأن الله يريد { أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه. { وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله. { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى. { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 250 : 19 : 2 - سفين عن أبي اسحاق السبيعي عن التميمي عن بن عباس {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} قال، سبيلا وسنة. [الآية 48].
همام الصنعاني
تفسير : 709- معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}: [الآية: 48]، قال: شهيداً عَلَيْهِ. 720- حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}: [الآية: 48]، قال: الدِّينُ واحد والشريعة مختلفة. 721- عبد الرزاق، قال حدثنا الثَّوري، عن أبي إسحاق، عن التيمي، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}: [الآية: 48]، قال: سبيل وسنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):