Verse. 718 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَاَنِ احْكُمْ بَيْنَہُمْ بِمَاۗ اَنْزَلَ اللہُ وَلَا تَتَّبِعْ اَہْوَاۗءَہُمْ وَاحْذَرْہُمْ اَنْ يَّفْتِنُوْكَ عَنْۢ بَعْضِ مَاۗ اَنْزَلَ اللہُ اِلَيْكَ۝۰ۭ فَاِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ اَنَّمَا يُرِيْدُ اللہُ اَنْ يُّصِيْبَہُمْ بِبَعْضِ ذُنُوْبِہِمْ۝۰ۭ وَاِنَّ كَثِيْرًا مِّنَ النَّاسِ لَفٰسِقُوْنَ۝۴۹
Waani ohkum baynahum bima anzala Allahu wala tattabiAA ahwaahum waihtharhum an yaftinooka AAan baAAdi ma anzala Allahu ilayka fain tawallaw faiAAlam annama yureedu Allahu an yuseebahum bibaAAdi thunoobihim wainna katheeran mina alnnasi lafasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم» «أن» لا «يفتنوك» يضلوك «عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا» عن الحكم المنزل وأرادوا غيره «فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم» بالعقوبة في الدنيا «ببعض ذنوبهم» التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الأخرى «وإن كثيرا من الناس لفاسقون».

49

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ يَتَّبِعُ أَهْوَاءهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل: قوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ } معطوف على ماذا؟ قلنا: على {ٱلْكِتَـٰبِ } في قوله{أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 48] كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن أحكم و{أن} وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله {أية : بِٱلْحَقّ }تفسير : [المائدة: 48] أي أنزلناه بالحق وبأن أحكم، وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } قد ذكرنا أن اليهود اجتمعوا وأرادوا إيقاعه في تحريف دينه فعصمه الله تعالى عن ذلك. المسألة الثانية: قالوا: هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله {أية : فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 42]. المسألة الثالثة: أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد، وإما لأنهما حكمان أمر بهما جميعاً، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم. ثم قال تعالى: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ }. قال ابن عباس: يريد به يردوك إلى أهوائهم، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن، ومنه قوله {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } تفسير : [الإسراء: 73] والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أعوذ بك من فتنة المحيا»تفسير : قال هو أن يعدل عن الطريق. قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول، لأن الله تعالى قال: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان. ثم قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي فإن لم يقبلوا حكمك {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا، وهو أن يسلطك عليهم، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء، وإنما خصّ الله تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم، وكان مجازاتهم بالبعض كافياً في إهلاكهم والتدمير عليهم، والله أعلم. المسألة الثانية: دلت الآية على أن الكل بإرادة الله تعالى، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ } لمتمردون في الكفر معتدون فيه، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ولاعتداء في الكفر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة؛ فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين؛ فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأُخرى، وبقي الأمر على حاله. قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول؛ فتكون ناسخة إلا أن يقدّر في الكلام {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إن شئت؛ لأنه قد تقدّم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حُذف التخيير منه لدلالة الأوّل عليه؛ لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} معطوفاً على ما قبله من قوله: { أية : وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [المائدة: 42] ومن قوله: { أية : فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 42] فمعنى {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم؛ فهو كله محكم غير منسوخ؛ لأن الناسخ لا يكون مرتبطاً بالمنسوخ معطوفاً عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله. «وَأَنِ ٱحْكُمْ» في موضع نصب عطفاً على الكتاب؛ أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} «أَنْ» بدل من الهاء والميم في «وَاحْذَرْهُمْ» وهو بدل اشتمال، أو مفعول من أجله؛ أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صُوريا وكعب بن أسد وابن صَلُوبَا وشَأس بن عديّ وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنه عن دينه فإنما هو بشر؛ فأتوه فقالوا: قد عرفت يا محمد أنّا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فٱقِض لنا عليهم حتى نؤمِن بك؛ فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدّم، ثم يختلف معناها؛ فقوله تعالى هنا «يَفْتِنُوكَ» معناه يصدّوك ويردّوك؛ وتكون الفتنة بمعنى الشِّرْك؛ ومنه قوله: { أية : وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ } تفسير : [البقرة: 217] وقوله: { أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } تفسير : [ البقرة: 193]. وتكون الفتنة بمعنى العِبرة؛ كقوله: { أية : لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الممتحنة: 5] و { أية : لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } تفسير : [يونس: 85] وتكون الفتنة الصدّ عن السبيل كما في هذه الآية. وتكرير {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} للتأكيد، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله. وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: « حديث : أَنْ يَفْتِنُوكَ » تفسير : وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ومعنى {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} عن كل ما أنزل الله إليك. والبعض يستعمل بمعنى الكل؛ قال الشاعر: شعر : أو يَعْتَبِطْ بعضَ النّفوسِ حِمامُها تفسير : ويُروى «أو يَرتَبِطْ». أراد كل النفوس؛ وعليه حملوا قوله تعالى: { أية : وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } تفسير : [الزخرف: 63] قال ابن العربي: والصحيح أن «بعض» على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتِنوه عن الكل. والله أعلم. قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل، وكذلك كان. وإنما قال: «ببعض» لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} يعني اليهود.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ } لـ {أن } لا {يَفْتِنُوكَ } يُضِلُوك {عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الحكم المنزل وأرادوا غيره {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم } بالعقوبة في الدنيا {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الأخرى {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ }.

ابن عطية

تفسير : {وأن احكم} معطوف على {الكتاب} في قوله: {أية : وأنزلنا إليك الكتاب} تفسير : [المائدة:48]، وقال مكي: وهو معطوف على " الحق " في قوله: {أية : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق} تفسير : [المائدة:48]، والوجهان حسنان، ويقرأ بضم النون من "أنُ احكم" مراعاة للضمة في عين الفعل المضارع، ويقرأ بكسرها على القانون في التقاء الساكنين، وهذه الآية ناسخة عند قوم للتخيير الذي في قوله {أية : أو أعرض عنهم} تفسير : [المائدة:42] وقد تقدم ذكر ذلك، ثم نهاه تعالى عن اتباع أهواء بني إسرائيل إذ هي مضلة، والهوى في الأغلب إنما يجيء عبارة عما لا خير فيه، وقد يجيء أحياناً مقيداً بما فيه خير، من ذلك قول عمر بن الخطاب في قصة رأيه ورأي أبي بكر في أسرى بدر: فهوى رسول الله رأي أبي بكر، ومنه قول عمر بن عبد العزيز وقد قيل له ما ألذ الأشياء عندك؟ قال: حق وافق هوى، والهوى مقصور ووزنه فعل، ويجمع على أهواء، والهواء ممدود ويجمع على أهوية، ثم حذر تبارك وتعالى من جهتهم "أن يفتنوه" أي يصرفوه بامتحانهم وابتلائهم عن شيء مما أنزل الله عليه من الأحكام، لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً احكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك على دينك، وقوله تعالى: {فإن تولوا} قبله محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر، تقديره لا تتبع واحذر، فإن حكموك مع ذلك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا فاعلم، ويحسن أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله {الفاسقون} ، قوله تعالى: {فاعلم} الآية وعد للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وقد أنجزه بقصة بني قينقاع وقصة قريظة والنضير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم، وخصص تعالى إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم فيها نوعان: نوع يخصهم كشرب الخمر ورباهم ورشاهم ونحو ذلك، ونوع يتعدى إلى النبي والمؤمنين كمعاملاتهم للكفار وأقوالهم في الدين، فهذا النوع هو الذي يوجد إليهم السبيل وبه هلكوا وبه توعدهم الله في الدنيا، فلذلك خصص البعض دون الكل، وإنما يعذبون بالكل في الآخرة،وقوله تعالى: {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} إشارة إليهم لكن جاءت العبارة تعمهم وغيره ليتنبه سواهم ممن كان على فسق ونفاق وتولٍّ عن النبي عليه السلام فيرى أنه تحت الوعيد. واختلف القراء في قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} فقرأ الجمهور بنصب الميم على إعمال فعل ما يلي ألف الاستفهام بينه هذا الظاهر بعد، وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج "أفحكُم" برفع الميم، قال ابن مجاهد: وهي خطأ، قال أبو الفتح: ليس كذلك ولكنه وجه غيره أقوى منه. وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم: شعر : قد أصبحت أم الخيار تدعي عليَّ ذنباً كلُّه لم أصنع تفسير : برفع كلّ. قال القاضي أبو محمد: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب "كل" لكان ظاهر قوله إنه صنع بعضه، وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح، التقدير يبغونه ولم أصنع، وإنما يحذف الضمير كثيراً من الصلة كقوله تعالى: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً} تفسير : [الفرقان:41]، وكما تقول مررت بالذي أكرمت، ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين: أحدهما أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى: {أفحكم} والثاني أن في البيت عوضاً من الهاء المحذوفة، وذلك حرف الإطلاق أعني الياء في اصنعي فتضعف قراءة من قرأ "أفحكمُ" بالرفع لأن الفعل بعده لا ضمير فيه ولاعوض من الضمير، وألف الاستفهام التي تطلب الفعل ويختار معها النصب وإن لفظ بالضمير حاضرة، وإنما تتجه القراءة على أن يكون التقدير أفحكم الجاهلية حكم يبغون فلا تجعل يبغون خبراً بل تجعله صفة خبر يحرفون فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ومثله قول الشاعر: شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح تفسير : وقرأ سليمان بن مهران "أفحَكَمَ" بفتح الحاء والكاف والميم وهو اسم جنس، وجاز إضافة اسم الجنس على نحو قولهم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومصر أردبها، وله نظائر. وقال القاضي أبو محمد: فكأنه قال أفحكام الجاهلية يبغون؟ إشارة إلى الكهان الذين كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسبه وبحسب الشهوات، ثم ترجع هذه القراءة بالمعنى إلى الأولى لأن التقدير {أفحكم الجاهلية} ، وقرأ ابن عامر "تبغون" بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وباقي السبعة "يبغون" بالياء من تحت، و {يبغون} معناه يطلبون ويريدون، وقوله تعالى: {ومن أحسن من الله حكماً} تقرير أي لا أحد أحسن منه حكماً تبارك وتعالى وحسن دخول اللام في قوله: {لقوم} من حيث المعنى يبين ذلك ويظهر لقوم يوقنون.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله} قال ابن عباس: إن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم وأنّا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود ولم يخالفونا وأن بيننا وبين قومنا خصومة فتتحاكم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك ونصدقك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} يعني احكم بينهم يا محمد بالحكم الذي أنزله الله في كتابه {ولا تتبع أهواءهم} يعني فيما أمروك به. قال العلماء: ليس في هذه الآية تكرار لما تقدم، وإنما أنزلت فى حكمين مختلفين. أما الآية الأولى: فنزلت فى شأن رجم المحصن وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده وهذه الآية نزلت فى شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم قال بعض العلماء هذه الآية ناسخة للتخيير فى قوله: {أية : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}تفسير : [المائدة: 42]. وقوله تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} يعني: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاؤوا إليك أن يصرفوك ويصدوك بمكرهم وكيدهم فيحملوك على ترك العلم ببعض ما أنزل الله إليك في كتابه واتباع أهوائهم {فإن تولوا} يعني فإن أعرضوا عن الإيمان بك والرضا بالحكم بما أنزل الله عليك {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} يعني فاعلم يا محمد أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة فى الدنيا ببعض ذنوبهم وإنما خص بعض الذنوب لأن الله جازاهم فى الدنيا على بعض ذنوبهم بالقتل والسبي والجلاء وأخر مجازاتهم على باقي ذنوبهم إلى الآخرة {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} يعني اليهود لأنهم ردوا حكم الله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون} يعني أفحكم الجاهلية هؤلاء اليهود قال ابن عباس: يعني بحكم الجاهلية ما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام وتحريفهم إياها عما أمر الله به وقال مقاتل حديث : كانت بين بني النضير وقريظة دماء وهما حيان من اليهود وذلك قبل أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه فقالت بنو قريظة بنو النضير إخواننا أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد فإن قتل بنو النضير منا قتيلاً أعطونا سبعين وسقاً من تمر وإن قتلنا منهم قتيلاً أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً وأرش جراحتنا على النصف من جراحتهم فاقض بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضيري، ودم النضيري وفاء من دم القرظي ليس لأحدهما فضل على الآخر فى دم ولا عقل ولا جراحةتفسير : . فغضبت بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك لنا عدو وإنك ما تألو فى وضعنا وتصغيرنا. فأنزل الله: أفحكم الجاهلية يبغون. وقرئ بالتاء على الخطاب. والمعنى: قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} يعني: أي حكم أحسن من حكم الله إن كنتم موقنين أنّ لكم رباً وأنه عدل في أحكامه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم}: فيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنَّ محلَّها النَّصب عَطْفاً على "الكِتَاب"، أي: "وأنزلنا إليكم الحكم". والثاني: أنَّها في محلِّ جرٍّ عَطْفاً على "بالحقِّ"، أي: "أنزلناه بالحق وبالحكم" وعلى هذا الوجْهِ فيَجُوزُ في محلِّ "أنْ" النَّصْب والجرّ على الخلافِ المَشْهُور. والثالث: أنَّها في محلِّ رفع على الابتداء، وفي تقدير خَبَرهِ احتمالان: أحدهما: أن تقدِّره مُتَأخِّراً، أي: حكمك بما أنْزَل اللَّه أمْرُنا أو قولنا. والآخر: أن تقدِّره متقدِّماً أي: ومِن الواجِبِ أن احكُم أي: حُكْمُك. والرابع: أنَّهَا تَفْسِيريَّة. قال أبُو البقاء: "وهو بعيدٌ؛ لأنَّ "الواو" تَمْنَع من ذلك، والمعنى يفسد ذلِك؛ لأنَّ "أن" التَّفْسِيريَّة يَنْبَغِي أن يَسْبِقَها قولٌ يُفسَّر بِهَا"، أما ما ذَكَرَهُ من مَنْع "الواو" أن تكُون "أنْ" تَفسيريَّة فَوَاضِحٌ. وأمَّا قوله: "يَسْبِقُها قوْل" إصلاحُهُ أن يقول: "مَا هُو بمعنى القَوْل لا حُرُوفه"، ثم قال: ويمكن تَصْحِيحُ هذا القول بأن يكون التَّقدير: وأمَرْنَاك، ثم فسَّر هذا الأمْر بـ "احْكُمْ"، ومنع الشَّيْخ من تصحيح هذا القَوْل بما ذكرهُ أبو البقاء، قال: لأنَّه لم يُحْفَظ من لِسَانهم حذف الجُمْلَة المُفسَّرَة بـ "أن" وما بعدها، وهو كما قال. وقراءتَا ضمِّ نُونِ "أن" وكَسْرِهَا واضحتَان ممَّا تقدَّم في البَقَرَة: الضمَّة للإتبَاع، والكَسْر على أصْل التِقَاء السَّاكِنَيْن. والضَّمِير في "بَيْنَهُم": إمَّا لليهُود خَاصَّة، وإمَّا لِجَمِيع المُتَحَاكِمين. فإن قيل: قالوا: هذه الآية نَاسِخَةٌ للتَّخْيِير في قوله: {أية : فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 42]، وأعَادَ ذِكْر الأمْر بالحُكْمِ بعد ذِكْرِهِ أوَّلاً: إما للتَّأكيد، وإمَّا لأنَّهما حُكْمَان أمَر بهما جَمِيعاً؛ لأنَّهمُ احْتَكموا إليه في زِنَا المُحْصَن، ثُمَّ احْتَكَمُوا إليه في قتلٍ كائنٍ فيهِم. قوله تعالى: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما -: يردُّوكَ إلى أهْوائِهِم. وقد ذكرنا أنَّ اليهُود اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دينهِ فعصمَهُ اللَّه عن ذلك، فإن كلَّ من صُرِفَ من الحقِّ إلى الباطِلِ فقد فُتِن، ومنه قولُهُ تعالى: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} تفسير : [الإسراء: 73] والفِتْنَةُ هاهنا: المَيْلُ عن الحقِّ والإلْقَاء في الباطِل، وكان - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يقول: "حديث : أعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا"تفسير : ، قال: هو أن يَعْدِلَ عن الطَّرِيق. قال العُلَمَاءُ - رضي الله عنهم -: هذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الخَطَأ والنِّسْيَان جائِزٌ على الرُّسُل؛ لأن الله قال: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}، والتَّعَمُّد في مثل هذا غير جائز على الرُّسل فلم يَبْقَ إلا الخَطَأ والنسيان. قوله تعالى: "أن يفْتِنُوكَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مفعول من أجلِهِ، أي: احْذَرْهُمْ مخافةَ أن يَفْتِنُوك. والثاني: أنَّها بدل من المفعُول على جهة الاشْتِمَال، كأنَّه [قال]: واحذرهُم فِتْنَتَهُمْ، كقولك: "أعجَبني زَيْدٌ عِلْمُه". وقوله تعالى: "فإن تَوَلَّوْا". قال ابنُ عطيَّة: قبله محذُوفٌ يَدُلُّ عليه الظَّاهِر، تقديره: "لا تَتَّبعْ واحْذَر، فإن حكَّمُوك مع ذَلِك، واسْتقامُوا لك فَنِعمَّا ذلك وإن تولَّوا فاعْلَمْ". ويحسُنُ أن يقدَّر هذا المحذُوف المعادل بعد قوله: "لَفَاسِقُون"، والذي يَنْبَغِي ألاَّ يُقَال: في هذا النَّوْع ثَمَّ حذف؛ لأنَّ ذلك من بَابِ فَحْوَى الخِطَابِ، والأمْر فيه واضِحٌ. فصل المعنى: "فإن تَولَّوْا": أعرضوا عن الإيمَان ولَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَكَ، {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم} أي: فاعْلَم أن إعْراضهم من أجْلِ أن يُرِيد الله أن يعجِّل لهم العُقُوبَة في الدُّنْيَا، بأن يُسَلِّط عَلَيْهِم ويُعذِّبَهُم في الدُّنْيَا [بالقَتْلِ والجَلاَء]، وخصَّ تعالى بَعْضَ الذُّنُوب؛ لأنَّ القَتْل جُوزُوا به في الدُّنْيَا بِبَعْضِ ذُنُوبهم، وكانت مُجَازَاتهم بالبعض كَافِياً في إهلاكهم، {وإن كثيراً من النَّاسِ}، يعني: اليَهُود. "لفاسقون" لمتمردّون في الكُفْرِ ومُعْتَدُون فيه. قوله تعالى: "أفَحُكْمَ": الجمهور على ضمِّ الحاء، وسُكُون الكَافِ ونَصْبِ الميم، وهي قِرَاءَة واضِحَةٌ. و"حُكْمَ" مَفْعُول مقدَّم، و"يَبْغُون" فعل وفاعل، وهو المْستفْهَم عَنْه في المَعْنَى. و"الفَاء" فيها القَوْلان المشهوران: هل هي مُؤخَّرة عن الهَمْزة وأصلُهَا التَّقدِيم، أو قَبْلَها جملة عَطَفَتْ ما بعدها عليها تقديره: أيعدِلُون عن حُكْمِكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهليَّة؟ وقرأ ابن وثَّاب، والأعْرج، وأبو رجَاء، وأبو عبد الرَّحمن برفع الميمِ، وفيها وجهان: أظهرهما - وهو المَشْهُور عند المُعربين -: أنه مُبْتَدأ، و"يَبْغُون" خبره، وعائِدُ المبتدأ محذُوفٌ تقديرُه: "يَبْغُونَهُ" حَمْلاً للخبر على الصِّلَة، إلا أنَّ بعضهُم جَعَلَ هذه القِرَاءة خَطَأ، حتى قال أبُو بكر بن مُجَاهِد: "هذه القراءةُ خَطَأ"، وغيره يَجْعَلُهَا ضَعِيفَة، ولا تَبْلُغ دَرَجَةَ الخَطَأ. قال ابن جنِّي في قول ابن مُجاهد: لَيْس كذلك، ولكنَّه وَجْهٌ غَيْرُه أقْوى منه، وقد جَاءَ في الشِّعْر، قال أبو النَّجْم: [الرجز] شعر : 1977- قَدْ أصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ تفسير : أي: لم أصْنَعْهُ. قال ابن عطيَّة: وهكذا الرِّواية، وبها يَتِمُّ المَعْنى الصَّحِيح؛ لأنَّه أراد التبَرُّؤ من جَمِيع الذُّنُوبِ، ولو نَصب "كُل" لكان ظَاهِر قوله أنَّه صنع بَعْضَه، وهذا الذي ذكره ابن عطيَّة معنى صَحيح نصَّ عليه أهل علم المعاني والبيان، واستَشْهَدُوا على ذلك بقوله - عليه السلام - "حديث : حين سأله ذُو اليَديْن، فقال: "أقصرت الصَّلاةُ أمْ نَسِيتَ؟" فقال: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"" تفسير : أراد - عليه السلام - انتفاء كلِّ فردٍ فردٍ، وأفَادَ هذا المَعْنَى تقديم "كُلّ"، قالوا: ولو قال: "لَمْ يَكُن كُلُّ ذَلِك" لاحتمل الكلام أنَّ البعض غير مَنْفِي، وهذه المَسْألَةُ تُسَمَّى عموم السَّلْب، وعكسها نحو: "لَمْ أصْنَع كلَّ ذلك" يُسمَّى سَلْبَ العُمُوم، وهذه مسألة مُفِيدَةٌ، وإن كان بَعْضُ النَّاسِ قد فَهِم عن سيبويه غير ما [ذكرت لك]. ثُمَّ قال ابن عطيَّة: وهو قَبِيحٌ - يعني: حذف العَائِد من الخَبَرِ - وإنَّما يُحْذَف الضَّمِير كثيراً من الصِّلَةِ، ويحذف أقَلّ مِنْ ذلك من الصِّفَة، وحذْفُه من الخبر قَبِيحٌ. ولكنَّه رجَّح البَيْتَ على هذه القِرَاءةِ بِوَجْهَيْنِ. أحدهما: أنَّه ليس في صَدْرِ قوله [ألِف] استفهام تَطْلُب الفعل، كما هي في "أفَحُكْمَ". والثاني: أن في البيت عِوَضاً من "الهَاء" المحذُوفَة، وهو حَرْف الإطلاَق أعني "اليَاء" في "اصنَعِي"، فتضعف قِرَاءة من قَرَأ "أفحكمُ الجاهلِيَّة يَبْغُونَ"، وهذا الَّذي ذكره ابن عطيَّة في الوجهِ الثَّانِي كلام لا يُعْبَأ به. وأمَّا الأوَّل فَقَرِيبٌ من الصَّواب، لكنه لم يَنْهَضْ في المنع ولا في التَّقْبِيح، وإنَّمَا يَنْهَضُ دليلاً على الأحْسَنِيّةِ، أو على أنّ غَيْرَه [أوْلى]. وهذه المسألَةُ ذكر بعضُهُم الخِلاف فيها بالنِّسْبَة إلى نَوْع، ونفي الخِلاف عنها، بل حكي الإجْمَاع على الجوازِ بالنِّسْبَة إلى نوع آخر، فحكي الإجْمَاع فيما إذا كان المُبْتَدأ لفظ "كل"، أو ما أشبَهَهَا في العُمُوم والافْتِقَار، فأمَّا "كُل" فنحو: "كلُّ رَجُلٍ ضَرَبْت"، ويقوِّيه قراءة ابن عَامِر: {وكُلًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى} [النساء: 95] ويريد بما أشْبَه "كُلاًّ" نحو: "رَجُلٌ يَقُولُ الحَقَّ انْصُرْ"، أي: انْصُرْهُ، فإنه عامٌّ يفتَقِرُ إلى صِفَة، كما أنَّ "كلاً" عامة، وتَفْتَقِرُ إلى مُضَافٍ إلَيْه. قال: "وإذا لم يكن المُبْتَدأ كذلك، فالكُوفِيُّون يَمْنَعُون حذْفَ العَائِد، بل يَنْصُبُون المتقدِّم مَفْعُولاً به، والبصريُّون يُجِيزُون: "زَيْدٌ ضَرَبْتُ" أي: ضربْتُهُ"، وذكر القراءة. وتعالى بعضهم فقال: "لا يجُوزُ ذلك"، وأطلق، إلا في ضرورةِ شِعْر كقوله: [السَّريع] شعر : 1978- وخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتُنَا بِالحَقِّ، لا يُحْمَدُ بِالبَاطِلِ تفسير : قال: "لأنَّهُ يُؤدِّي إلى تَهْيِئَةِ العامل لِلْعَمَل، وقطعه عَنْهُ". والوجه الثاني من التوجيهين المتقدِّمَيْن: أن يكون "يَبْغُون" ليس خبراً لِلْمُبْتَدأ، بل هو صِفَةُ لموصُوفٍ محذُوفٍ، وذلك المحذوفُ هو الخَبَرُ، والتَّقْدير: "أفحكم الجاهلية حُكمٌ يَبْغُون"، وحذفُ العَائِد هنا أكثر، لأنه كما تقدَّم يكثر حذفُه من الصِّلة، ودونَهُ من الصِّفَةِ، ودونَهُ من الخَبَرِ، وهذا ما اخْتَارَهُ ابن عطيَّة، وهو تَخْرِيجٌ مُمْكن، ونظَّرَهُ بقوله تعالى: {أية : مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ} تفسير : [النساء: 46]، أي: "قومٌ يُحَرِّفُون" يعني: في حذف موصوف، وإقامة صِفَته مُقَامه وإلا فالمَحْذُوف في الآية المُنَظَّرِ بها مُبْتَدأ، ونظَّرها أيْضاً بقوله: [الطويل] شعر : 1979- وَمَا الدَّهْرُ إلاَّ تَارتَانِ: فَمِنْهُمَا أمُوتُ وأخْرى أبْتَغِي العَيشَ أكْدَحُ تفسير : أي: تارةً أمُوت فيها. وقال الزَّمَخْشَرِي: وإسقاطُ الرَّاجع عنه كإسْقاطِهِ في الصِّلة، كقوله: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41]، وعن الصِّفَةِ "في النَّاس رجلان: [رجُلٌ] أهنْتُ، ورجُلٌ أكرمت" أي: رجل أهَنْتُهُ ورجل أكرمْتُه. وعن الحال في نحو: "مررتُ بِهِنْد يَضْرِبُ زَيْدٌ". قال أبو حيَّان: "إنْ عنى التَّشْبيه في الحَذْفِ والحُسْن، فليس كذلك لما تقدَّم [ذكره]، وإن عنى في مُطْلَقِ الحَذف فَمُسَلَّم". وقرأ الأعمش وقتادة: "أفَحَكَمَ" بفتح الحَاء والكاف، ونصب الميم، وهو مفردٌ يُرَادُ به الجِنْس؛ لأنَّ المعنى: أحُكَّامَ الجاهليَّة، ولا بدَّ من حذفِ مُضافٍ في هذه القراءة، هو المصرَّح به في المُتواتِرة تقديره: أفَحُكْمَ حُكَّامِ الجاهليَّة. والقُرَّاءُ غير ابن عَامِرٍ على "يَبْغُونَ" بياء الغَيْبَةِ نَسَقاً على ما تقدَّم من الأسْمَاء الغَائِبَة، وقرأ هو بِتَاءِ الخِطَاب على الالتِفَاتِ؛ ليَكُون أبلغ في زَجْرِهِمْ وردْعِهِمْ ومُبَاكتتهِ لهم، حيث واجهَهُم بهذا الاستفهام الذي يأنَفُ منه ذَوُو البَصَائِر. والمعنى أنَّ هذا الحُكْم الذي يَبْغُونَه إنَّما يحكم به حُكَّام الجاهليَّة. فصل وفي الآية وجهان: الأول: قال مُقَاتِل: "حديث : كان بَيْنَ قُرَيْظَة والنَّضِير دَمٌ في الجاهليَّة، فلما بُعِثَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - واحتكَمُوا إليه، فقال بَنُو قُرَيْظَة [يا رسُول الله إن] بني النَّضِير إخْوَانُنَا، أبُونا واحِدٌ وكِتَابُنَا واحِدٌ ونبيُّنا واحد، فإن قتل بنُو النَّضِير منَّا قَتِيلاً، أعطونا سَبْعِين وَسقاً من تَمْرٍ، وإنَّا إن قتلْنَا وَاحِداً أخَذُوا منَّا مائة وأربعين وسقاً، وأرُوش جِرَاحَاتِنَا على النِّصْف من أرُوش جراحاتِهِم، فاقضِ بَيْنَنا وبَيْنَهُم، فقال - عليه السلام -: "وإنِّي أحْكُم [أنَّ دِمَاء القرظي] وفاءٌ من دم النَّضَري، والنَّضَري وفاءٌ من دمِ القُرظِي، ليْسَ لأحدهمَا فَضْل على الآخر في دم ولا عَقْلٍ ولا جراحةٍ""تفسير : . فَغَضِبَ بنُو النَّضِير وقالُوا: لا نرضى بِحُكْمِكَ فإنَّك عَدُوٌّ لَنَا، فَأنْزَل اللَّه تعالى هذه الآية. وقيل: إنَّهُمْ كانوا إذا وَجَبَ الحكمُ على ضُعَفَائِهِم ألْزَمُوهُم إيَّاه، وإذَا وجبَ على أقْوِيَائِهِم لم يَأخُذُوهُم به فَمَنعهم اللَّه من ذلِكَ بهذه الآية. والثاني: أنَّهُم يَبْغُون حُكْمَ الجاهليَّة، الَّتِي هي محضُ الجهل وصريح الهوى. ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، فقوله - سبحانه وتعالى -: "حُكْماً" نصب على التَّمْييزِ، و"اللاَّم" في قوله تعالى: "لِقَوْم" فيها ثلاثةُ أوجُه: أحدها: أن يتعلّق بنفس "حُكْماً"؛ إذ المعنى: أنَّ حكم الله للمؤمن على الكَافِر. والثاني: أنَّها للبيان فتتعلَّق بمحْذُوف، كَهِي في "سقياً لَكَ" و"هَيْتَ لَكَ"، وهو رأي الزَّمَخْشَرِي، وابنُ عطيَّة قال شيئاً قَرِيباً منه، وهو أنَّ المعنى: "يُبَيِّنُ ذلِكَ ويُظْهِره لِقَوْم". الثالث: أنَّها بمعنى "عِنْد"، أي: عند [قَوْمٍ]، وهذا لَيْسَ بِشَيْء. ومتعلَّقُ "يُوقِنُون" يجُوزُ أن يُرادَ، وتقديرُه: يُوقِنُونَ باللَّهِ وبحُكْمهِ، أو بالقُرْآن، ويجُوزُ ألاَّ يُرَاد على مَعْنَى [وقُوع الإيقان]، وإليه مَيْلُ الزَّجَّاج، فإنَّهُ قال: "يُوقِنُون": "يَتَبَيَّنُون عدل اللَّهِ في حُكْمِهِ" فإنَّهم [هم الذين] يَعْرِفُون أنَّه لا أحَد أعْدَل من اللَّهِ حُكْماً، ولا أحْسَن مِنْهُ بَيَاناً. فصل قال القرطُبِيّ: روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن ابن أبِي نُجَيْح، عن طَاوُوس قال: كان إذا سألُوه عن الرَّجُل يُفَضِّل بعض ولده على بَعْضِ يَقْرأ هذه الآية {أَفَحُكْم الجاهليَّة يبغُون}، فكان طاووس يقول: لَيْس لأحدٍ أنْ يُفَضِّل بَعْضَ ولدِه على بعضٍ، فإن فعل لا ينفذُ ويفسخ، وبه قال أهْلُ الظَّاهِر، وهو مَرْوِيٌّ عن أحْمد بن حَنْبَل - رضي الله عنه -، وكرهه الثَّوْري، وابن المُبَارَك وإسْحَاق فإن فَعلَ ذلك أحد نُفِّذَ ولم يُرَدّ، وأجاز ذلك مَالِك والثَّوْرِي واللَّيْث والشَّافِعِي وأصحاب الرَّأي، واستَدَلُّوا بِفِعْلِ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - في نَخْلَةِ عائِشَةٍ دون سائر ولدِه، واستدَلَّ الأوَّلُون "حديث : بقوله - عليه الصلاة والسلام - لبَشِير: [ألَكَ ولدٌ سِوَى هذا"؟ قال: نعم، فقال "أكُلّهم وهَبْتَ لهُ مِثْلَ هذا"، فقال: لا، قال] "فلا تُشهدْني إذَنْ فإنِّي لا أشْهَدُ على جَوْرٍ"تفسير : ، وفي رِوَاية "حديث : إنِّي لا أشْهَدُ إلاَّ على حَقٍّ ". تفسير : قالُوا: ومَا كان جَوْراً وغير حقٍّ فهو بَاطِل لا يجُوز، وقوله: "أشْهِدْ على هذا غَيْرِي" ليس إذْناً في الشَّهَادَة، وإنَّما هُوَ زَجْرٌ عَنْهَا؛ لأنَّه - عليه السلام - قد سمَّاها [جَوْراً] وامتنع من الشَّهَادَة فيه، فلا يُمْكِن أن يَشْهَد أحَدٌ من المُسْلِمين، وأمَّا فعل أبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - فلا يُعَارضُ به قول النَّبي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ولعلَّه كان [قد] نحل أولادهُ كُلَّهم مثل ذلك. فإن قيل: الأصْلُ تصرُّف الإنْسَان في مَالِهِ مُطْلَقاً، قيل له: الأصل الكُلِّي والواقِعَة المُعَيَّنَةُ المُخَالِفَة لذلك الأصل لا تعارض بَيْنهُمَا كالعُمُوم والخُصُوصِ.

البقاعي

تفسير : ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسبباً عما قبله من إنزال الكتاب على الأحوال المذكورة، أعاد الأمر به سبحانه مصرحاً بذلك لذاته لا لشيء آخر، ليكون الأمر به مؤكداً غاية التأكيد بالأمر به مرتين: مرة لأن الله أمر به، وأخرى لأنه على وفق الحكمة، فقال تأكيداً له وتنويهاً بعظيم شأنه ومحذراً من الأعداء فيما يلقونه من الشبه للصد عنه: {وأن} أي احكم بينهم بذلك لما قلنا من السبب وما ذكرنا من العلة في جعلنا لكل ديناً، ولأنا قلنا آمرين لك أن {احكم بينهم} أي أهل الكتب وغيرهم {بما أنزل الله} أي المختص بصفات الكمال لأنه يستحق أن يتبع أمره لذاته, وبين أن مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو مجرد هوى، لأن كتابهم داع إليه، فقال: {ولا تتبع أهواءهم} أي في عدم التقييد به {واحذرهم أن يفتنوك} أي يخالطوك بكذبهم على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطة تميلك {عن بعض ما أنزل الله} أي الذي لا أعظم منه، فلا وجه أصلاً للعدول عن أمره {إليك فإن تولوا} أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به بينهم مضادين لما دعت إليه الطفرة الأولة من اتباع الحق ودعت إليه كتبهم من اتباعك {فاعلم أنما يريد الله} أي الذي له جميع العظمة العظمة {أن يصيبهم} لأنه لو أراد بهم الخير لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد العقل بما تدعو إليه الفطرة الأولى والنقل بما في كتبهم، إما من الأمر بذلك الحكم بعينه، وإما من الأمر باتباعك {ببعض ذنوبهم} أي التي هذا منها، وأبهمه زيادة في استدراجهم وإضلالهم وتحذيراً لهم من جميع مساوي أعمالهم، لئلا يعلموا عين الذنب الذي اصيبوا به، فيحملهم ذلك على الرجوع عنه، ويصير ذلك كالإلجاء، أو يكون إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد التعظيم، فيؤذن السياق بتعظيم هذا التولي وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على مواقعتها. ولما كان التقدير: فإنهم بالتولي فاسقون، عطف عليه: {وإن كثيراً من الناس} أي هم وغيرهم {لفاسقون *} أي خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات، متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة؛ ولما كان من المعلوم أن من أعرض عن حكم الله أقبل ولا بد على حكم الشيطان الذي هو عين الهوى الذي هو دين أهل الجهل الذين لا كتاب لهم هاد ولا شرع ضابط، سبب عَن إعراضهم الإنكار عليهم بقوله: {أفحكم الجاهلية} أي خاصة مع أن أحكامها لا يرضى بها عاقل، لكونها لم يدع إليها كتاب، بل إنما هي مجرد أهواء وهم أهل كتاب {يبغون} أي يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك، وشهد به كتابك بالعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق، وقراءة ابن عامر بالالتفات إلى الخطاب أدل على الغضب. ولما كان حسن الحكم تابعاً لإتقانه، وكان إتقانه دائراً على صفات الكمال من تمام العلم وشمول القدرة وغير ذلك، قال - معلماً أن حكمه أحسن الحكم عاطفاً على ما تقديره: فمن أضل منهم: {ومن} ويجوز أن تكون الجملة حالاً من واو يبغون، أي يريدون ذلك والحال أنه يقال: من {أحسن من الله} أي المستجمع لصفات الكمال {حكماً} ثم زاد في تقريعهم بكثافة الطباع وجمود الأذهان ووقوف الأفهام بقوله معبراً بلام البيان إشارة إلى المعنى بهذا الخطاب: {لقوم} أي فيهم نهضة وقوة محاولة لما يريدونه {يوقنون *} أي يوجد منهم اليقين يوماً ما وأما غيرهم فليس بأهل الخطاب فكيف بالعتاب! إنما عتابه شديد العقاب، وفي ذلك أيضاً غاية التبكيت لهم والتقبيح عليهم من حيث إنهم لم يزالوا يصفون أهل الجاهلية بالضلال، وأن دينهم لم ينزل الله به من سلطان، وقد عدلوا في هذه الأحكام إليه تاركين جميع ما أنزل الله من كتابهم والكتاب الناسخ له، فقد ارتكبوا الضلال بلا شبهة على علم، وتركوا الحق المجمع عليه. ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم، لأنه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل، فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم، أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال: {لا تتخذوا} أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد! {اليهود والنصارى أولياء} أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه، وترجون منهم مثل ذلك، وهم أكثر الناس استخفافاً بكم وازدراء لكم؛ ثم علل ذلك بقوله: {بعضهم أولياء بعض} أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضاً، وهم جميعاً متفقون - بجامع الكفر وإن اختلفوا في الدين - على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي! {ومن يتولهم منكم} أي يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء {فإنه منهم} لأن الله غني عن العالمين، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم؛ ثم علل ذلك تزهيداً فيهم وترهيباً لمتوليهم بقوله: {إن الله} أي الذي له الغنى المطلق والحكمة البالغة، وكان الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {لا يهدي القوم الظالمين *} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، فهم يمشون في الظلام، فلذلك اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء، لأن الموالي لهم ظالم بموالاته لهم، والظالم لا يهديه الله، فالموالي لهم لا يهديه الله فهو كافر، وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح بالإيمان - والله الهادي، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبه المخالف في الدين واعتزاله - كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا تراءى ناراهما"تفسير : ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ كاتباً نصرانياً: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال: لا قوام للبصرة إلا به، فقال عمر رضي الله عنه: مات النصراني - والسلام، يعني هب أنه مات فما كنت صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ قال كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا‏:‏ يا محمد، إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك، وأنزل الله عز وجل فيهم ‏ {‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏لقوم يوقنون‏}. ‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏{‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله‏}‏ قال‏:‏ أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعدما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ نسخت من هذه السورة ‏{أية : ‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 42‏]‏ قال‏:‏ فكان مخيراً حتى أنزل الله ‏ {‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله‏} ‏ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتاب الله‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله‏} ‏ قال‏:‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم قال‏:‏ نسخت ما قبلها ‏{‏أية : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 42‏]‏‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مسروق‏.‏ أنه كان يحلف أهل الكتاب بالله، وكان يقول ‏ {‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله‏} ‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} عطف على الكتاب، أي أنزلنا إليك الكتابَ والحُكْمَ بما فيه، والتعرُّضُ لعنوان إنزاله تعالى إياه لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم، وحكايةُ إنزال الأمر بهذا الحكم بعد ما مر من الأمر الصريح بذلك تأكيد له وتمهيدٌ لما يعقُبه من قوله تعالى: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي يصرِفونك عن بعضه ولو كان أقلَّ قليلٍ بتصوير الباطل بصورة الحق، وإظهارُ الاسم الجليل لتأكيدِ الأمر بتهويل الخطب، و(أن) بصلته بدلُ اشتمالٍ من ضمير (هم) أي احذر فتنتهم، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك، وإعادة ما أنزل الله لتأكيد التحذير بتهويل الخطب. رُوي (أن أحبارَ اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنُه عن دينه، فذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا أبا القاسم قد عرفت أنّا أحبارُ اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهودُ كلهم، وإن بـيننا وبـين قومنا خصومةً فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنزلت) {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرَضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي بذنب تولِّيهم عن حكم الله عز وجل، وإنما عبر بذلك إيذاناً بأن لهم ذنوباً كثيرة، هذا مع كمال عَظَمةِ واحدٍ من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيمٌ للتولِّي كما في قول لبـيد: [الكامل] شعر : [ترَّكُ أمكنةٍ إذا لم أرْضَها] أو يرتبطْ بعضَ النفوس حِمامُها تفسير : يريد به نفسه أي نفساً كبـيرة ونفساً أيَّ نفس {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ} أي متمردون في الكفر مصرُّون عليه خارجون عن الحدود المعهودة وهو اعتراض تذيـيليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}. قُمْ بالله فيما تحكم بينهم، وأقِمْ حقوقه فيما تؤخر وتقدم، ولا تلاحظ الأغيار فيما (تُؤثِر) أو تَذَر، فإن الكلَّ محوٌ في التحقيق. قوله جلّ ذكره: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ}. يعني (عِظهم) بلسان العلم فإنْ أبَوْا قبولاً فشاهِدْهم بعين الحكم. ويقال: أشْدُدْ عليهم باعتناق لوازم التكليف، فإن أعرضوا فعاينهم بعين التصريف؛ فإنَّ الحقِّ - سبحانه - بشرط التكليف يلزمهم؛ وبحكم التصريف يؤخرهم ويقدمهم، فالتكليف فيما أوجب، والتصريف فيما أوجد، والعبرة بالإِيجاد والإيجاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم} عطف على الكتاب اى انزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه {واحذرهم} مخافة {ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك} اى يضلوك ويصرفوك عن بعضه ولو كان اقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق فالمراد بالفتنة ههنا الميل عن الحق والوقوع فى الباطل كما فى قوله عليه السلام "حديث : اعوذ بك من فتنة المحيا " .تفسير : اى العدول عن الطريق المستقيم وكل من صرف من الحق الى الباطل واميل عن القصد فقد فتن ـ روى ان احبار اليهود قالوا اذهبوا بنا الى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فذهبوا اليه صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا يا ابا القاسم قد عرفت انا احبار اليهود وانا ان اتبعناك اتبعك اليهود كلهم وان بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم اليك فاقض لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك فابى ذلك رسول الله فنزلت. واستدل العلماء بهذه الآية على ان الخطأ والنسيان جائز على الرسل لانه تعالى قال {واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك} والتعمد فى مثل هذا غير جائز على الرسل فلم يبق الا الخطأ والنسيان {فان تولوا} اى اعرضوا عن الحكم بما انزل الله وارادوا غيره {فاعلم انما يريد الله} اى فاعلم ان اعراضهم من اجل ان الله يريد {ان يصيبهم ببعض ذنوبهم} اى يعجل لهم العقوبة فى الدنيا بان يسلطك عليهم ويعذبهم فى الدنيا بالقتل والجلاء والجزية ويجازيهم بالباقى فى الآخرة فالمراد ببعض ذنوبهم ذنب توليهم عن حكم الله تعالى وانما عبر عنه بذلك تنبيها على ان لهم ذنوبا كثيرة هذا مع عظمه واحد من جملتها {وان كثيرا من الناس لفاسقون} اى متمردون فى الكفر مصرون عليه خارجون عن الحدود المعهودة فلذا يتولون عن حكم الله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وأن احكم}: عطف على الكتاب، أي: وأنزلنا إليك الكتاب والحكم بينهم بما أنزل الله، أو على الحق، أي: أنزلناه بالحق وبالحكم بما أنزل الله، و {أن يفتنوك}: بدل اشتمال من الضمير، أي: احذر فتنتهم، واللام في قوله: {لقوم}: للبيان: أي: هذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يعلمون ألاَّ أحسن حكمًا من الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: لرسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {و} أمرناك {أن اُحكم بينهم} أي: بين اليهود {بما أنزل الله}، قيل هو ناسخ للتخيير المتقدم، وقيل: لا، والمعنى أنت مخير، فإن أردت أن تحكم بينهم فاحكم بما أنزل الله {ولا تتبع أهواءهم} الباطلة، التي أرادوا أن يفتنوك بها، {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}، فيصرفوك عن الحكم به. رُوِي أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد، قد عرفت أنَّا أحبار اليهود، وأنّا إن اتبعناك اتبعتك اليهود كلهم، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردَّهم، فنزلت الآية. قال تعالى لنبيّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {فإن تولوا} عن الإيمان، بل وأعرضوا عن اتباعك، {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} في الدنيا، ويدخر جُلَّها للآخرة، وقد أنجز الله وعده، فأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبا نساءهم وذراريهم، وباعهم في الأسواق، وفتح خيبر، وضرب عليه الجزية، {وإنَّ كثيرًا من الناس لفاسقون}؛ خارجون عن طاعة الله ورسوله، {أفحكم الجاهلية يبغون} أي: يطلبون منك حكم الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى، {ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} أي: لا أحد أحسن حكمًا من الله تعالى عند أهل الإيقان؛ لأنهم هم الذين يتدبرون الأمر، ويتحققون الأشياء بأنظارهم، فيعلمون ألاَّ أحسن حكمًا من الله عز وجل. الإشارة: إذا كثرت عليك الخصوم الوهمية أو الواردات القلبية، والتبس عليك أمرهم، ولم تدر أيهما تتبع؟ فاحكم بينهم بالكتاب والسنة، فمن وافق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، فإن من أمَّر الكتاب والسُّنة على نفسه نطق بالحكمة، وإن وافق أكثرُ من واحد الكتاب أو السنة، فانظر أثقلهم على النفس، فإنه لا يثقل عليها إلا ما هو حق، ولا تتبع أهواء النفوس والخواطر، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل على قلبك من العلوم والأسرار، فإن متابعة الهوى يُعمي القلب عن مطالعة الأسرار، إلا إن وافق السُّنة. قيل لعمرَ بن عبد العزيز: ما ألذُ الأشياءِ عندك؟ قال: حق وافق هواي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم " حديث : لاَ يُؤمِنُ أُحَدُكُم حَتَّى يكُون هواه تابعًا لما جئتُ به " تفسير : ، وفي الحِكَم: "يُخاف عليك أن تلتبس الطرقُ عليك، إنما يُخاف عليك من غَلِبَةِ الهوى عليك". فمن تولى عن هذا المنهاج الواضح، وجعل يتبع الهوى ويسلك طريق الرخص، فليعلم أن الله أراد أن يعاقبه ببعض سوء أدبه، حتى يخرج عن منهاج السالكين، والعياذ بالله، أو يؤدبه في الدنيا إن كان متوجهًا إليه. ثم حذَّر من صحبة أهل الأهواء، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ}.

الطوسي

تفسير : موضع "أن احكم" نصب والعامل فيها وانزلنا والتقدير وأنزلنا اليك أن احكم بينهم بما انزل الله. ويجوز أن يكون موضعها رفعاً وتقديره ومن الواجب أن احكم بينهم بما أنزل الله. ووصلت أن بالامر ولا يجوز صلة الذي بالامر لأن (الذي) اسم ناقص مفتقر الى صلة في البيان عنه فتجري مجرى صفة النكرة ولذلك لا بد لها من عائد يعود اليها وليس كذلك "ان" لانها حرف، وهي مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد فلما كان في فعل الأمر معنى المصدر جاز وصل الحرف به على معنى مصدره. وانما كرر الأمر بالحكم بينهم، لامرين: أحدهما - أنهما حكمان أمر بهما جميعاً لانهم احتكموا اليه في زناء المحصن ثم احتكموا اليه في قتيل كان منهم ذكره أبو علي وهو المروي عن ابي جعفر (ع). الثاني - ان الأمر الاول مطلق والثاني دل على أنه منزل. وقوله {ولا تتبع أهواءهم} نهي له (صلى الله عليه وسلم) أن يتبع أهواءهم فيحكم بما يهوونه. وقوله {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} في قولان: أحدهما - قال ابن عباس احذرهم ان يضلوك عن ذلك الى ما يهوون من الأحكام اطماعاً منهم في الاستجابة الى الاسلام. الثاني - قال ابن زيد احذرهم ان يضلوك بالكذب عن التوراة بما ليس فيها فاني قد بينت لك حكمها. وقال الشعبي الآية وان خرجت مخرج الكلام على اليهود فان المجوس داخلون فيها. وقوله {فإن تولوا} معناه فان أعرضوا عن حكمك بما أنزل الله {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال الجبائي انه وان ذكر لفظ الخصوص فان المراد به العموم كما قد يذكر العموم ويراد به الخصوص. الثاني - انه على تغليط العقاب أي يكفي أن يؤخذوا ببغض ذنوبهم في اهلاكهم والتدمير عليهم. الثالث ان يعجل بعض العقاب بما كان من التمرد في الاجرام لان ذلك من حكم الله في العباد. الرابع - قال الحسن: ان المراد به اجلاء بني النضير بنقض العهد وقتل بني قريظة وقوله {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} معناه تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) عن اتباع هؤلاء القوم الى اجابته والاقرار بنبوته بأن قليلا من الناس الذين يؤمنون، وان الاكثر هم الفاسقون، فلا ينبغي ان يعظم ذلك عليك.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} قيل عطف على الكتاب او على الحقّ بجعل ان مصدريّة ودخول ان المصدريّة على الامر نادر وغير فصيح، بل هى فى الاغلب تكون مفسرة اذا وقع بعد ما فيه معنى القول والعطف على المعنى كثير شائع فى كلام الفصحاء، وهو امّا عطف على مصّدقاً باعتبار المعنى اى انزلنا عليك الكتاب ان صدّق لما بين يديك وان احكم فيكون تفسيراً للانزال الّذى فيه معنى القول فانّ الانزال اذا نسب الى اللّفظ كان فى معنى القول، ويحتمل ان يكون بتقدير امرنا عطفاً على انزلنا ويكون ان تفسيريّة ايضاً وتكرار الامر بالحكم بما انزل الله للتّأكيد، او لكون احد هما فى زنا المحصنين والآخر فى قتل وقع بينهم، كما روى عن الباقر (ع) انّما كرّر الامر بالحكم بينهم لانّهما حكمان امر بهما جميعاً لانّهم احتكموا اليه فى زنا المحصنين ثم احتكموا اليه فى قتلٍ كان بينهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} يصرفوك {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} يعنى فاعلم انّ لهم ذنوباً كثيرةً والاقبال عليك مسقط لعقوبتها والتّولىّ عنك دليل على اراداة الله لعقوبتهم ببعضٍ منها {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} خارجون عن طريق الحقّ وهو تعريض بالامّة حيث تولّوا عنه فى امره بولاية علىٍّ (ع) ان كان نزوله فى اهل الكتاب وتسلية للرّسول (ص) بان لا يعظّم توليّهم ولا يحزن عليهم لتولّيهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} قد فسّرناه في الآية الأولى. قوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} أي: يصدوك {عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا} يعني اليهود عن بعض ما أنزل الله إليك، أي عن حكم الله الذي يحكم به محمد {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} فيقتلهم ويجليهم ويخزيهم وتؤخذ منهم الجزية بالصَّغَار والذّلّ، ففعل الله ذلك بهم. ذكروا عن جابر بن عبد الله "حديث : أن رسول الله أمر أن يخرج اليهود من جزيرة العرب ". تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها إلا مسلم تفسير : . فمات قبل أن يفعل. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} يعني اليهود وغيرهم من الكفار، وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق، وكفر فوق كفر. ثم قال: {أَفَحُكْمَ الجَاهِلَيَّةِ يَبْغُونَ} أي: ما خالف كتاب الله وحكمه فهو حكم الجاهلية. قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي لا أحد أحسن من الله حكماً. ثم قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [أي في الدين] {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ}: بين اليهود والنصارى، والواقعة فى اليهود، ويجوز عود الضمير اليهم، روى أن أحبار اليهود: كعب ابن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس قال بعض لبعض: اذهبوا بنا الى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا ان اتبعناك اتبعك اليهود ولم يخالفونا، وان بيننا وبين قومنا خصومة، وذلك فى أمر القتل فنتحاكم اليك، فاقض لنا عليهم نؤمن بك ونصدقك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم} الآية، وليست هذه الآية ناسخة للتخيير فى الحكم بينهم، والاعراض عنهم، كما قال بعض: بل هى دعاء الى أين يكون حكمه واقعاً بما أنزل الله اذا اختار الحكم. {وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُم}: فيما طلبوا منك من الحكم بما أحبوا، وخالف الحق، وليس هذا تكريراً وتوكيداً محضاً مع ما مضى، لأن ما مضى نهى عن أن يتبع أهواءهم فى أمر الرجم، وهذا نهى عن أن يتبع أهواءهم فى أمر الخصومة فى شأن القتل، وشأن القصاص والدماء، وجملة لا تتبع معطوفة على جملة احكم، أو على ما عطف عليه، وأن احكم هو أولى، وذلك أن ان مصدرية دخلت على الأمر فى قول من يقول بجواز دخولها على الأمر والنهى، وأن احكم معطوف على الكتاب، أى أنزلنا اليك الكتاب والحكم بما أنزل الله، أو على الحق أى أنزلناه بالحق، وبأن احكم، ويجوز أن يقدر وأمرنا أن احكم بفتح الميم واسكان الراء فى أمرنا، فيكون أن احكم تفسيراً أو على المصدرية أى بأن احكم. {وَاحذَرْهُم أَن يَفْتِنُوكَ}: يصرفونك. {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ}: وأن يفتنوك بدل اشتمال، واشتمال من الهاء أى احذر فتنتهم اياك أو يقدر مضاف فيكون أن يفتنوك مفعولا من أجله، أو على تقدير لام التعليل ولا النافية، وهذا مرجوح، أى احذر مكرهم مخالفة أن يفتنوك، أو لئلا يفتنوك، والمراد بالفتن تأثيره فيه، لأنهم قد حاولوا أن يصرفوه عن الحق فنهاه الله أن ينصرف. {فَإِن تَوَلَّوْا}: أعرضوا عن الحكم بالحق، وأرادوا أن تحكم لهم بغيره. {فَاعْلَم أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم}: مقتضى الظاهر أن يصيبهم بتوليهم، والمعنى بجزاء توليهم، لكن استعمل مكان لفظ توليهم بلفظ بعض ذنوبهم، ليشعر أن لهم ذنوباً كثيرة، وأن منها هذا الذنب، وليعظم هذا الذنب بابهامه اذ قال: {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم} كقول لبيد: شعر : لو لم تكن تدرى نوار بأننى وصال عقد حبائل جدامها تراك أمكنة اذ لم أرضا أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : أراد أو يرتبط نفسى حمامها فعظم نفسه بابهامها بقوله: بعض النفوس، ولذلك جاء التنكير للتعظيم كما هو مشهور، اذ دل على التبعيض، ونوراً فاعل تدرى أو اسم تكن على التنازع، والتاء فى تكن وتدرى للغيبة والتأنيث لا الخطاب، والا قال: تكونى تدرين، والمراد أن بعض ذنوبهم كاف فى التعذيب الدنيوى والأخروى معاً يقتلون به ويسبون ويجلون ويدخلون النار، وباقى الذنوب لا يطع عنهم. {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}: خارجون عن الحق فعلا وتركاً واعتقاداً، كاليهود اذ ردوا حكم الله وتركوا العمل به، وعملوا بالباطل.

اطفيش

تفسير : {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ} إن مفسرة لمعطوف على أَنزلنا إِليك الكتاب، أَى أمرناك أَن احكم أَو أَوحينا إِليك أَن احكم، ثم رأَيت أَنه اعترض بأَنه لم يحفظ حذف المفسر بأَن، قلنا هذا لصحته معنى أَولى من جعلها مصدرية دخلت على الطلب إِذ لا معنى لذلك، فعندى لا يدخل حرف المصدرية على الأَمر والنفى لأَن المصدر له خارج والأَمر والنهى طلب لا خارج له فلا تقدر وبأَن احكم عطفاً على بالحق ولا وأَمرناك بأَن احكم وما أَوهم ذلك مؤول فكذلك لا يصح أَن تجعل مصدرية ويعطف المصدر على الكتاب أَى أَنزلنا إِليك الكتاب والحكم بينهم، أَو على الحق أَى بالحق وبالحكم وليس ذكر الحكم هنا تكريراً لأَن الأَول في الرجم وهذا فى الدماء والديات، ولأَن هذا فى قول أَحبار اليهود اذهبوا بنا إِلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أَحبار اليهود وأنا إِن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وإِن بينا وبين قومنا خصومة فاحكم لنا عليهم نؤمن بك فنزل قوله تعالى {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ} إلخ مع قوله تعالى: {وأَن احكم بينهم بما أَنزل الله ولا تتبع أَهواءَهم}، ثم إنه لا مانع من أَنه ذكر الحكم تأكيداً ومصدر يُفتن بدل اشتمال من الهاء أَو مفعول من أجله على حذف المضاف المستكمل لشروطه أَى مخافة أَن يفتنوك أَى مخافة فتنتهم إِياك، واستدل بالآية على جواز الغلط والنسيان في حق الرسل لأَنه أَمر بالحذر، وعمد قبول فتنتهم لا تتوهمه منه صلى الله عليه وسلم {فَإِنْ تَوَلَّوْا} عما أَنزل إِليك وأَرادوا غيره أَو أَمسكوا عنه وعن غيره {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُريدُ اللهُ أَنْ يُصِيبُهمْ} يعاقبهم في الدنيا بالقتل والسبى والجلاء، أَجلى النضير وقتل قريظة وأَعم من ذلك ما عدا قينقاع وأَهل خيبر {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} هو ذلك التولى وعبر عنه بالبعض تعظيماً له بالإبهام، ويعاقبهم عليه وعلى سائر ذنوبهم في الآخرة لأَن المصيبة كفارة لمن لم يصر، وذكر البعض مضافاً للذنوب إِشعار بأَن لهم ذنوبا كثيرة يكفى واحد منها في الأَخذ، وأُبهم البعض تعظيماً له وهو التولى وإِن بعضاً منها أّيا كان يوجب إِهلاكهم في الدنيا والباقى في الآخرة، وقيل المراد بالبعض الكل كما يعكس ولا يمنع من إرادة الكل كون الإِصابة في الدنيا لجواز أَن يصيبهم بمصيبة واحدة في الدنيا بذنوبهم كلها ويعاقبهم بها كلها في الآخرة لأَنهم أَصروا، والآية دليل على أَن الله أَراد المعصية كما أََراد الطاعة لأَنه لا يريد إِصابتهم إِلا وقد أَراد معصيتهم بأَن نهاهم ولم ينتهوا {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} خارجون عما أَمر الله به أَو عن ترك ما نهى عنه إِنكار له أَو تشهيا، والمراد أَن مثل هؤلاءِ اليهود كثير وهم من لم يزدجر ولم يأْتمر وأَما التمرد في الفسق والاعتداء فيه فلا دلالة في الآية عليهما، اللهم إلا على معنى أَثبتنا القصاص فى التوراة وقررناه في الإِنجيل وأَنزلنا عليك الكتاب مصدقاً لما فيهما ومع ذلك كله لم يؤمنوا به وخرجوا عنه.

الالوسي

تفسير : {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} عطف على {أية : ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [المائدة: 48]، كأنه قيل: وأنزلنا إليك الكتاب وقولنا احكم أي الأمر بالحكم لا الحكم لأن المنزل الأمر بالحكم لا الحكم، ولئلا يلزم إبطال الطلب بالكلية، ولك أن تقدر الأمر بالحكم من أول الأمر من دون إضمار القول كما حققه في «الكشف»، وجوز أن يكون عطفاً على {أية : ٱلْحَقّ} تفسير : [المائدة: 48]، وفي المحل وجهان: الجر والنصب على الخلاف المشهور، وقيل: يجوز أن يكون الكلام جملة اسمية بتقدير مبتدأ أي وأمرنا أن احكم، وزعم بعضهم أن {أن} هذه تفسيرية، ووجه أبو البقاء بأن يكون التقدير وأمرناك، ثم فسر هذا الأمر باحكم، ومنع أبو حيان من تصحيحه بذلك بأنه لم يحفظ من لسانهم حذف المفسر بأن والأمر كما ذكر، وقال الطيبـي: ولو جعل هذا الكلام عطفاً على {أية : فَٱحْكُمْ} تفسير : [المائدة: 42] / من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله سبحانه: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} كان أحسن، ورد بأن {أن} هي المانعة من ذلك العطف، وأمر الإناطة ملتزم على كل حال، وقال بعضهم: إنما كرر الأمر بالحكم لأن الإحتكام إليه صلى الله عليه وسلم كان مرتين: مرة في زنا المحصن ومرة في قتيل كان بينهم، فجاء كل أمر في أمر، وحكي ذلك عن الجبائي والقاضي أبـي يعلى، ونون {أن} فيها الضم والكسر، والمنسبك من {أَن يَفْتِنُوكَ} بدل من ضمير المفعول بدل اشتمال، أي: واحذر فتنتهم لك وأن يصرفوك عن بعض ما أنزل الله ـ تعالى ـ إليك ولو كان أقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق؛ وقال ابن زيد: بالكذب على التوراة في أن ذلك الحكم ليس فيها، وجوز أن يكون مفعولاً من أجله، أي احذرهم مخافة أن يفتنوك وإعادة {مَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ} ـ تَعَالَى ـ {إِلَيْكَ} لتأكيد التحذير بتهويل الخطب، ولعل هذا لقطع أطماعهم قاتلهم الله تعالى، أخرج ابن أبـي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم. وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن قبول الحكم بما أنزل الله تعالى إليك وأرادوا غيره {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} وهو ذنب التولي والإعراض، فهو بعض مخصوص والتعبير عنه بذلك للإيذان بأن لهم ذنوباً كثيرة، وهذا مع كمال عظمه واحد من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيم للتولي كما في قوله:شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : يريد بالبعض نفسه أي نفساً كبيرة ونفساً أي نفس، وقال الجبائي: ذكر البعض وأريد الكل كما يذكر العموم ويراد به الخصوص، وقيل: المراد بعض مبهم تغليظاً للعقاب كأنه أشير إلى أنه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم أي بعض كان، ويهلكوا ويدمر عليهم بذلك، وزعم بعضهم أنه لا يصح إرادة الكل لأن المراد بهذه الإصابة عقوبة الدنيا وهي تختص ببعض الذنوب دون بعض، والذي يعم إنما هو عذاب الآخرة وهذه الإصابة ـ على ما روي عن الحسن ـ إجلاء بني النضير، وقيل: قتل بني قريظة، وقيل: هي أعم من ذلك، وما عرى بني قينقاع وأهل خيبر وفدك، ولعله الأولى. {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ} أي متمردون في الكفر مصرون عليه خارجون من الحدود المعهودة، وهو اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله، وفيه من التسلية للنبـي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، وقيل: إنه عطف على قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} تفسير : [المائدة: 45] يعني كتبنا حكم القصاص في التوراة وقررناه في الإنجيل، وأنزلنا عليك الكتاب مصدقاً لما فيهما وإن كثيراً من الناس لفاسقون من الأحكام الإلٰهية المقررة في الأديان ولا يخفى بعده، والمراد من الناس: العموم، وقيل: اليهود.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون قوله {وأن احكم} معطوفاً عطفَ جملة على جملة، بأن يجعل معطوفاً على جملة {أية : فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم}تفسير : [المائدة: 48]، فيكون رجوعاً إلى ذلك الأمر لتأكيده، وليبنى عليه قوله: {واحْذَرْهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} كما بُني على نظيره قوله: {أية : لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}تفسير : [المائدة: 48] وتكُون (أنْ) تفسيرية. و(أنْ) التفسيريّة تفيد تقويّة ارتباط التّفسير بالمفسَّر، لأنّها يمكن الاستغناء عنها، لصحّة أن تقول: أرسلتُ إليه افْعَل كذا، كما تقول: أرسلت إليه أنْ افعَلْ كذا. فلمّا ذكر الله تعالى أنّه أنزل الكتاب إلى رسوله رتّب عليه الأمر بالحكم بما أنزل به بواسطة الفاء فقال: {أية : فاحكم بينهم}تفسير : [المائدة: 48]، فدلّ على أنّ الحكم بما فيه هو من آثار تنزيله. وعطَف عليه ما يدلّ على أنّ الكتاب يأمر بالحكم بما فيه بما دلّت عليه (أنْ) التفسيرية في قوله: {وأنْ احكم بينهم بما أنزل الله}، فتأكَّد الغرض بذِكْره مرّتين مع تفنّن الأسلوب وبداعته، فصار التّقدير: وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ أنْ احكم بينهم بما أنزل الله فاحكم بينهم به. وممّا حسَّن عطفَ التّفسير هنا طولُ الكلام الفاصِل بين الفعل المفسَّر وبين تفسيره. وجعله صاحب «الكشاف» من عطف المفردات. فقال: عُطف {أن احكم} على {الكِتاب} في قوله: {أية : وأنزلنا إليك الكتاب}تفسير : [المائدة: 48] كأنّه قيل: وأنزلنا إليك أنْ احْكُم. فجعل (أنْ) مصدريّة داخلة على فعل الأمر، أي فيكون المعنى: وأنزلنا إليك الأمر بالحكم بما أنزل الله كما قال في قوله: {أية : إنّا أرسلنا نُوحاً إلى قومه أن أنذر قومك}تفسير : [نوح: 1]، أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، وبيّن في سورة يونس (105) عند قوله تعالى: {أية : وأن أقم وجهك للدّين حنيفاً} تفسير : أنّ هذا قول سيبويه إذ سوّغ أن توصل (أنْ) المصدريّة بفعل الأمر والنّهي لأنّ الغرض وصلها بما يكون معه معنى المصدر، والأمرُ والنّهي يدلاّن على معنى المصدر، وعلّله هنا بقوله: لأنّ الأمر فعل كسائر الأفعال. والحملُ على التفسيرية أوْلَى وأَعرب، وتكون (أنْ) مقحمة بين الجملتين مفسّرة لفعل أنْزَل} من قوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله}؛ فإنّ {أنزل} يتضمّن معنى القول فكان لحرف التّفسير موقع. وقوله: {ولا تتّبع أهواءهم} هو كقوله قبلَه {أية : ولا تتّبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ}تفسير : [المائدة: 44]. وقولُه: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} المقصود منه افتضاح مكرهم وتأييسهم ممّا أمَّلوه، لأنّ حذر النّبيء صلى الله عليه وسلم من ذلك لا يحتاج فيه إلى الأمر لعصمته من أن يخالف حكم الله. ويجوز أن يكون المقصود منه دحض ما يتراءى من المصلحة في الحكم بين المتحاكمين إليه من اليهود بعوائدهم إن صحّ ما روي من أنّ بعض أحبارهم وعدوا النّبيء بأنّه إن حكم لهم بذلك آمنوا به واتّبعتهم اليهود اقتداء بهم، فأراه الله أنّ مصلحة حرمة أحكام الدين ولو بينَ غير أتباعه مقدّمة على مصلحة إيمان فريق من اليهود، لأجل ذلك فإنّ شأن الإيمان أن لا يقاوِل النّاس على اتّباعه كما قدّمناه آنفاً. والمقصود مع ذلك تحذير المسلمين من توهّم ذلك. ولذلك فرّع عليه قوله: {فإن تولّوا}، أي فإن حكمت بينهم بما أنزل الله ولم تتّبع أهواءهم وتولّوا فاعلم، أي فتلك أمارة أنّ الله أراد بهم الشّقاء والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في تولّيهم حرج. وأراد ببعض الذنوب بعضاً غيرَ معين، أي أنّ بعض ذنوبهم كافية في إصابتهم وأنّ تولّيهم عن حكمك أمارة خذلان الله إيّاهم. وقد ذيّله بقوله: {وإنّ كثيراً من النّاس لفاسقون} ليَهُونَ عنده بقاؤهم على ضلالهم إذ هو شنشنة أكثر النّاس، أي وهؤلاء منهم فالكلام كناية عن كونهم فاسقين.

القطان

تفسير : ان يفتنوك: ان يميلوا بك من الحق الى الباطل. يبغون: يريدون. نحن نأمرك أيها الرسول ان تحكم بينهم وفق شريعتك التي أنزلناها عليك، فلا تتبع رغباتهم أبداً، ولو لمصلحة في ذلك، كتأليف قلوبهم وجذبهم الى الاسلام. فالحق لا يوصل اليه بطريق الباطل. واحذَرهم أن يميلوا بك من الحق الى الباطل، كأن يصرفوك عما أُنزل اليك لتحكم بغيره. أَخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من زعماء اليهود: اذهبوا بنا الى محمد لعلنا نفتنه عن دينه. فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك عرفت أنّا أحبار اليهود واشرافهم وساداتهم، وأنّا إن اتّبعناك اتبَعنا اليهودَ ولم يخالفونا. وأن بيننا وبين قومنا خصومةً، فنخاصمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدّقك. فأبى الرسول ذلك، فأنزل الله عز وجل فيه {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ....} الآية. فإن أعرضوا عن حكمك يا محمد بعد تحاكُمهم اليك، فاعلم ان الله إنما يريد أن يصيبهم بفساد أمورهم، لفسادِ نفوسهم، بسبب ذنوبهم التي ارتكبوها، ثم يجازيهم على أعمالهم في الآخرة. وهذا النص يسمو بالشرع الاسلامي عن غيره، في الحكم بين الناس: أولا ـ لأنه يسمو بالأحكام العادلة عن ان تكون تابعة لأوضاع الناس، فهي حاكمة على أوضاع الناس بالخير والشر. وثانيا: لأنه جعل باب القانون في الدولة واحداً لكل الناس ولكل الطبقات. {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أيريد أولئك الخارجون عن أمر الله ونهيه ان يحكموا بأحكام الجاهلية التي لا عدل فيها ولا هدى، بل الحِيل والمداهنة!! روي "حديث : ان بني النَّضِير، من اليهود، تحاكموا الى الرسول الكريم في خصومة كانت بينهم وبين بني قُريظة. وقد طلب بعضُهم ان يجري الحكم وفق ما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل وجعل دية القرظي ضعفَي دية النضيري. فقال عليه الصلاة والسلام: القتلى براء، يعنى سواء. فقالوا: نحن لا نرضى بذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية توبيخاً لهم. اذ كيف لهم وهم أهل كتاب وعلم أن يبغوا حكم الجاهلية "؟ تفسير : قراءات: قرأ ابن عامر "تبغون" بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَفَاسِقُونَ} (49) - قَالَ بَعْضُ رُؤَسَاءِ اليَهُودِ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ. فَأتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إنَّكَ عَرَفْتَ أَنَّا أحْبَارُ يَهُودَ وَأشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ، وَإِنَّا إنِ اتَّبَعَنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنَّ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً، فَنُخَاصِمُهُمْ إلَيكَ فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ لَكَ وَنُصَدِّقُكَ. فَأَبَى الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ وَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ فِيهِمْ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الكِتَابِ بِمَا أنْزَلَ اللهُ إلَيْهِ فِي القُرْآنِ، وَيُحَذِّرُهُ مِنْ أَنْ يَفْتِنَهُ اليَهُودُ، وَيَصْرِفُوهُ عَنِ الحَقِّ، وَيَأمُرُهُ بألاَّ يَغْتَرَّ بِهِمْ، فَهُمْ كَذَبَةٌ كَفَرَةٌ. ثٌمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنْ حُكْمِكَ بَعْدَ تَحَاكُمِهِمْ إِلَيْكَ، فَاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ عَنْ إِرَادَةِ اللهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَحكْمَتِهِ فِيهِمْ، أنْ يَصْرِفَهُمْ عَنِ الهُدَى لِيُعَذِّبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَإنَّ أكْثَرَ النَّاسِ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، مُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ. أنْ يَفْتِنُوكَ - أنْ يَمِيلُوا بِكَ عَنِ الحَقِّ إلَى البَاطِلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى قال من قبل: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 48] وتكون الإجابة: أن الحق بيّن إن القرآن قد نزل مهيمناً، وعلى الرسول أن يباشر مهمة التنفيذ؛ لذلك يأتي هنا قوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} بلاغاً للرسول وإيضاحاً: أنا أنزلت إليك الكتاب مصدقاً لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمناً فاحكم، فإذا جاءك قوم بشيء مخالف لما نزل من القرآن، فاحكم بينهم بالقرآن. والذي زاد في هذه الآية هو قوله الحق: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} والحذر هو احتياط الإنسان واحترازه مِمَّن يريد أن يوقع به ضرراً في أمر ذي نفع، والذي يرغب الضر قد يزين لنفسه ولغيره الذر كأنه الخير، على الرغم من أن ما في باطنه هو كل الشر. إذن فالحذر هو ضرورة الانتباه لمن يريد بالإنسان شراً حتى لا يدخل عليه ضُرّاً في صورة نفع، كأن يأتي خصم ويقول لك: سأضع لك كذا وافعل من أجلك كذا وكذا. يجب عليك هنا أن تقول له: لا. والحذر - إذن - يقتضي عقلاً مركباً، ولذلك كانوا يعرفون الحذر من الغراب. فها هوذا الغراب يعلم ابنه في قصة شعبية فيقول الغراب لابنه: احذر الإنسان؛ لأن الإنسان عندما ينحني ليلتقط شيئاً من الأرض فهو يلتقط قطعة من الطوب ليرميك بها. وهنا يقول الغراب الصغير لوالده: وماذا أفعل لو كان هذا الإنسان يخبئ قطعة الطوب في جيبه؟ إنها قصة توحي بأن الغراب حذر بفطرته. ونرى مثل ذلك في مظاهر الأشياء كالمرابي الذي يزين للناس أن يضعوا أموالهم عنده ويعطيهم فائدة تبلغ عشرين بالمائة، هذه صورة شيء ينفع ولكنها ضارة بالفعل؛ لأنها تزيد المال ظاهراً ولكن ينطبق عليها قول الله: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا}. وهذا أمر ضار يزينه الخصم وكأنه أمر نافع. والحق يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون حذراً، فماذا يكون المطلوب من الأتباع؟. إنه الحذر نفسه؛ لأن أفضل البشر وَجَّهَهُ الله إلى الحذر: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} لأن الصورة التي دخلوا بها هي صورة تزين الخداع، فقد قالوا: نحن جئناك لتحكم لنا، فإن حكمت لصالحنا فلسوف نتبعك، وهذا أمر يبدو في صورة شيء نافع. وجاء القول الحق ليحسم هذه المسألة: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} وهنا يحذر الله ورسوله من الفتنة عن بعض ما أنزله إليه سبحانه. ويتابع الحق: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} وهم إن تولوا، فاعلم أن الله يحميك أن تنزلق إلى شبهة باطل. فهم قد اختاروا أن يوغلوا في الكفر، وفي الابتعاد عن منهج الله، وسيصيبهم ببعض عذابه مقابل ذنوبهم، وسبحانه لا يصيبهم ظلماً، بل يصيبهم ببعض الذنوب التي ارتكبوها. وهو أعلم بهم، لأنه الأعلم بالناس جميعاً. ويختم الحق الآية بقول: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} أي خارجون عن طاعة كتبهم ورسلهم؛ لأن طاعة الكتب السابقة على القرآن تنص على ضرورة الإيمان بالرسول النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الأعراف: 157] إذن فطريق الفلاح كان مكتوباً في التوراة والإنجيل، وكان الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي موجوداً في الكتب السابقة على القرآن، وكانت البشارة بمحمد رسولا من عند الله يأمر بكل الخير وينهى عن كل الشر ويحل للناس كافة الأشياء التي تُحْسِن الفطرة الإنسانية استقبالها، ويحرم عليهم أن يزيفوا ويغيروا المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يستسلموا للعناد، فقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليزيل عنهم عبء تزييف المنهج. فمن اتبع نور رسول الله صلى الله عليه وسلم أحس بالنجاة والفوز. ومن لم يتبع هذا النور فهو الخارج عن طاعة كتاب السماء. ومحاولة إنكار رسالة رسول الله محكوم عليها بالفشل، فالعارفون بالتوراة والإنجيل يعرفون وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الكتب. {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 146] ونعلم جميعاً ما فعله عبدالله بن سلام عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه. قال عبدالله بن سلام: - لأنا أشد معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم منّي بابني. فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:- وكيف ذلك يا ابن سلام؟. قال عبدالله بن سلام: لأني أشهد أن محمداً رسول الله حقاً ويقيناً وأنا لا أشهد بذلك على ابني لأني لا أدري، أحداث النساء. فقال عمر بن الخطاب: - وفقك الله يا ابن سلام. ولكن بعض علماء بني إسرائيل وأحبارهم كتموا البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يرجون الرئاسة والطمع في الهدايا التي كان يقدمها الناس إليهم. لذلك عمدوا إلى صفة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها. وماداموا قد فعلوا ذلك فلنعلم أن الله يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. ونلحظ أن الحق حين أجرى على لسان رسوله خطاباً إلى اليهود. ولم يأت على لسانه صلى الله عليه وسلم اتهام شامل لليهود، بل اتهام لبعضهم فقط، وإن كان هذا البعض كثيراً، فلنعلم أن ذلك هو أسلوب صيانة الاحتمال؛ لأن بعضهم يدير أمر الإيمان بقلبه. صحيح أن كثيراً منهم فاسقون، ولكن القليل منهم غير ذلك. فها هوذا أبو هريرة رضي الله عنه ينقل لنا ما حدث: حديث : زنى رجل من اليهود بامرأة وقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي مبعوث للتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججناها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد مع أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في امرأة ورجل زنيا؟. فلم يكلمهم حتى ذهب إلى مِدْراسهم. وهناك طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاب رفض أن يتكلم بالكلام غير الصدق الذي يتكلمه قومه. وقال الشاب: إنا نجد في التوراة الرجم. وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم . حديث : عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي مُحَمَّماً مجلوداً، فدعاهم فقال: هكذا تجدون الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم. قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالَوْا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إِذْ أَمَاتُوه)، فأمر به فرُجم فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إلى قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} يَقُولون ائتوا محمداً فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا . تفسير : إذن فالكثير منهم فاسقون، والقليل منهم غير فاسق لأنهم يديرون فكرة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو أن الاتهام كان شاملاً للكل بأنهم فاسقون؛ لما أحس الذين يفكرون في أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالنور الذي جاء به. وعندما قال الحق: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} يعني أن الذين يديرون في رؤوسهم فكرة الإيمان برسول الله سيجدون النور واضحاً في كلماته. ونتساءل: لماذا أرادوا أن يلووا أحكام الله ليحققوا لأنفسهم سلطة زمنية وثمناً تافهاً من تلك الأشياء التي يتقاضونها، لماذا يفعلون ذلك؟ ها هوذا قول الحق سبحانه: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَن يَفْتِنُوكَ} معناهُ يَضِلُوكَ. تفسير : وقوله تعالى: {أية : دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} تفسير : [التوبة: 98] [الفتح: [6] معناهُ دَولَةُ السُّوءِ.

همام الصنعاني

تفسير : 710- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجزري، في قوله تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}: [الآية: 49]، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عِدِيّ بن أرْطاة: إذَا جاءك أهْل الكِتابِ فاحكم بينهم بما في كتاب الله.