Verse. 719 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اَفَحُكْمَ الْجَاہِلِيَّۃِ يَبْغُوْنَ۝۰ۭ وَمَنْ اَحْسَنُ مِنَ اللہِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُّوْقِنُوْنَ۝۵۰ۧ
Afahukma aljahiliyyati yabghoona waman ahsanu mina Allahu hukman liqawmin yooqinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفحكم الجاهلية يبغون» بالياء والتاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولَّوا إستفهام إنكاري «ومن» أي لا أحد «أحسن من الله حُكما لقوم» عند قوم «يوقنون» به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرون.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر {تبغون} بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على المغايبة، وقرأ المسلمي {لَفَـٰسِقُونَ أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } برفع الحكم على الابتداء، وإيقاع {يَبْغُونَ } خبراً وإسقاط الراجع عنه لظهوره، وقرأ قتادة {أبحكم ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام بالجاهلية، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّـيين حكماً كأولئك الحكام. المسألة الثانية: في الآية وجهان: الأول: قال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام، فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد، وكتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا قتيلاً أعطونا سبعين وسقاً من تمر، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً من تمر، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فقال عليه السلام:(حديث : فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري، ودم النضري وفاء من دم القرظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل، ولا جراحة)تفسير : ، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك عدو لنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } يعني حكمهم الأول. وقيل: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به، فمنعهم الله تعالى منه بهذه الآية، الثاني: أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى. ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } اللام في قوله {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للبيان كاللام في {أية : هَيْتَ لَكَ } تفسير : [يوسف: 23] أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً، ولا أحسن منه بياناً.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} «أَفَحُكْمَ» نصب بـ «يَبْغُونَ» والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع؛ كما تقدم في غير موضع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء؛ فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل. الثانية ـ روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفِسخ؛ وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق؛ فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يردّ، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي؛ واستدلوا بفعل الصدّيق في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقوله عليه السلام: « حديث : فارجعه » تفسير : وقوله « حديث : فأشهِد على هذا غيري » تفسير : . واحتج الأولون بـ حديث : قوله عليه السلام لبشِير: «ألك ولد سوى هذا» قال نعم، فقال: «أَكلّهم وهبتَ له مثل هذا» فقال لا، قال: «فلا تُشهدني إذاً فإني لا أشهد على جَوْر» تفسير : في رواية « حديث : وإني لا أشهد إلا على حق » تفسير : . قالوا: وما كان جَوْراً وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقوله: « حديث : أشهِد على هذا غيري » تفسير : ليس إذناً في الشهادة وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه السلام قد سماه جَوْراً وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله قد كان نَحَل أولاده نُحلاً يعادل ذلك. فإن قيل: الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً، قيل له: الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تَعَارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص؛ ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرّم، وما يؤدي إلى المحرّم فهو ممنوع؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم » تفسير : . قال النعمان. فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله: « حديث : فارجعه » تفسير : محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ؛ كما قال عليه السلام: « حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ » تفسير : أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع. الثالثة ـ قرأ ابن وثَاب والنَخَعي «أَفَحُكْمُ» بالرفع على معنى يبغونه؛ فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله: شعر : قد أصبحت أُم الخِيار تَدَّعي علي ذنباً كلّه لم أصْنِع تفسير : فيمن روى «كلّه» بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير: أفحكمُ الجاهلية حكمٌ يبغونه، فحذف الموصوف. وقرأ الحسن وقَتَادة والأعرج والأعمش «أفَحَكَمَ» بنصب الحاء والكاف وفتح الميم؛ وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحَكَم، وإنما المراد الحُكمْ؛ فكأنه قال: أفحُكمْ حَكَم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحَكَم والحاكم في اللغة واحداً وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية؛ فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، إذ لا يراد به حاكم بعينه؛ وجاز وقوع المضاف جنساً كما جاز في قولهم: منعت مِصر إردبها، وشبهه. وقرأ ٱبن عامر «تبغون» بالتاء الباقون بالياء. وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هذا ٱستفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن؛ فهذا ٱبتداء وخبر. و «حكما» نصب على البيان. لقوله {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عند قوم يوقنون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } بالياء التاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا؟ استفهام إنكاري {وَمنْ } أي لا أحد {أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ } عند قوم {يُوقِنُونَ } به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرونه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏أفحكم الجاهلية يبغون‏}‏ قال‏:‏ يهود‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏أفحكم الجاهلية يبغون‏} ‏ قال‏:‏ هذا في قتيل اليهود، إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم ضعيفهم وعزيزهم ذليلهم‏.‏ قال ‏ {‏أفحكم الجاهلية يبغون‏}.‏ وأخرج البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام سنة جاهلية، وطالب امرئ بغير حق ليريق دمه ‏". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال‏:‏ الحكم حكمان‏:‏ حكم الله، وحكم الجاهلية، ثم تلا هذه الآية ‏ {‏أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال‏:‏ كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة فقالت‏:‏ يا رسول الله، كان في الجاهلية كذا وكذا‏.‏ فأنزل الله ذكر الجاهلية‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} إنكار وتعجيبٌ من حالهم وتوبـيخ لهم، والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقام، أي أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟ وتقديمُ المفعول للتخصيص المفيدِ لتأكيد الإنكار والتعجيب، لأن التولَّيَ عن حكمه عليه الصلاة والسلام وطلبَ حكم آخرَ منكرٌ عجيب، وطلبُ حكم الجاهلية أقبح وأعجب، والمراد بالجاهلية إما المِلةُ الجاهلية التي هي متابعةُ الهوى الموجبةُ للميل والمداهنةُ في الأحكام فيكون تعيـيراً لليهود بأنهم مع كونهم أهلَ كتاب وعلمٍ يبغون حكمَ الجاهلية التي هي هوى وجهلٌ لا يصدُر عن كتاب ولا يرجِعُ إلى وحي، وإما أهلُ الجاهلية، وحكمُهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بـين القتلى، حيث«حديث : رُوي أن بني النضيرِ لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومةِ قتلِ وقعت بـينهم وبـين بني قريظة طلبوا إليه عليه الصلاة والسلام أن يحكم بـينهم بما كان عليه أهلُ الجاهلية من التفاضل، فقال عليه الصلاة والسلام: "القتلى سواءٌ"»تفسير : فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت)، وقرىء برفع (الحكم) على أنه مبتدأ ويبغون خبرُه والراجعُ محذوفٌ حذْفَه في قوله تعالى: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً }تفسير : [الفرقان، الآية 41] وقد استُضعف ذلك في غير الشعر، وقرىء بتاء الخطاب إما بالالتفات لتشديد التوبـيخ وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ، وقرىء بفتح الحاء والكاف أي أفحاكماً كحكام الجاهلية يبغون {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً} إنكار لأن يكون أحدٌ حكمُه أحسنُ من حكمه تعالى أو مساوٍ له، وإن كان ظاهرُ السبك غيرَ متعرِّضٍ لنفي المساواة وإنكارِها، وقد مر تفصيله في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } تفسير : [النساء، الآية 125] {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عندهم، واللام كما في (هَيْتَ لك)، أي هذا الاستفهام لهم فإنهم الذين يتدبرون الأمور بأنظارهم، فيعلمون يقيناً أن حكم الله عز وجل أحسنُ الأحكام وأعدلُها. {يأيها الذين آمنوا} خطاب يعُمّ حكمُه كافةَ المؤمنين من المخلصين وغيرهم، وإن كان سببُ ورودِه بعضاً منهم كما سيأتي، ووصفُهم بعنوان الإيمان لحملَهم من أول الأمر على الانزجار عما نُهوا عنه بقوله عز وجل: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء} فإن تذكيرَ اتصافِهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتِهما، أي لا يتخذْ أحدٌ منكم أحداً منهم ولياً، بمعنى لا تُصافوُهم ولا تعاشِروهم مُصافاةَ الأحباب ومعاشرَتَهم لا بمعنى لا تجعلوهم أولياءَ لكم حقيقة، فإنه أمرٌ ممتنِعٌ في نفسه لا يتعلق به النهي {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} أي بعضُ كلِّ فريق من ذَيْنِك الفريقَيْن أولياءُ بعضٍ آخَرَ من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر، وإنما أوثر الإجمالُ في البـيان تعويلاً على ظهور المُراد لوضوح انتفاءِ الموالاة بـين فريقَي اليهود والنصارى رأساً، والجملة مستأنفةٌ مَسوقة لتعليل النهي وتأكيدِ إيجاب الاجتناب عن المنْهيِّ عنه أو (بعضُهم أولياء بعض) متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون ومن ضرورته إجماعُ الكل على مُضادَّتكم ومضارَّتِكم بحيث يسومونكم السوءَ ويبغونكم الغوائل، فكيف يُتصورُ بـينكم وبـينهم موالاة؟ وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} حكمٌ مستنتَجٌ منه، فإن انحصارَ الموالاة فيما بـينهم يستدعي كونَ من يواليهم منهم، ضرورةَ أن الاتحادَ في الدين الذي عليه يدور أمرُ الموالاة حيث لم يكن بكونهم ممن يواليهم من المؤمنين، تعيّنَ أن يكون ذلك بكَوْنِ من يواليهم منهم، وفيه زجرٌ شديد للمؤمنين عن إظهار صورةِ الموالاة لهم وإن لم تكن موالاةً في الحقيقة وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تعليلٌ لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنَهم فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وَضعَ المُظْهَرَ موضع ضميرِهم تنبـيهاً على أن تولِّيهم ظلمٌ، لما أنه تعريضٌ لأنفسهم للعذاب الخالد ووضعٌ للشيء في غير موضعه.

القشيري

تفسير : أيعودون في ظلمة الحجاب ووحشة الالتباس بعد ما سطع فَجْرُ العرفان، وطلعت شموسُ التحقيق، وانهتكت أستارُ الريب؟ ويقال أيطلبون منك أن تحيدَ عن المحبة المثلى، وقد اتضحت لك البراهين وتجلَّى اليقين؟ ويقال أيطمعون في استتار الحقائق في السرائر وقد تجلت شموس اليقين؟ ويقال أتحسبون أن (....) ظلمة الشك لها سلطان، وقد متَتَعَ نهارُ الحقائق؟.... كلاَّ، فإن ذلك محال.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفحكم الجاهلية يبغون} انكار وتعجب من حالهم وتوبيخ لهم والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية وهى الملة الجاهلية التى هى هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع الى وحى {ومن أحسن من الله حكما} انكار لان يكون احد حكمه احسن من حكمه تعالى او مساو له وان كان ظاهر السبك غير متعرض لنفى المساواة وانكارها يرشدك اليه العرف المطرد والاستعمال الناشىء فانه اذا قيل من اكرم من فلان او الافضل من فلان فالمراد به حتما انه اكرم من كل كريم وافضل من كل فاضل وحكما نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن حكمه احسن من حكم الله {لقوم يوقنون} اى عندهم واللام للبيان فيتعلق بمحذوف كما فى سقيا لك فان سقيا دعاء للمخاطب بان يسقيه الله فيكون لك بيانا له اى هذا الاستفهام لقوم يوقنون فانهم الذين يتدبرون الامور بانظارهم فيعلمون يقينا ان حكم الله عز وجل احسن الاحكام واعدلها وليست اللام متعلقة بقوله {حكما} لان حكم الله لا يخص قوما دون قوم. فقد دلت الآيات على ان الدين واحد من حيث الاصول مختلف من جهة الفروع ولله ان يحكم فى كل عصر وزمان بما اراد ففيه حكم ومصالح فعلينا بالتسليم والانقياد وترك الاعتراض والمسارعة الى الخيرات قبل الموت والفوت وفى الحديث "حديث : اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك " .تفسير : لان الرجل يقدر على الاعمال فى حال شبابه ما لا يقدر عليه فى حال هرمه ولان الشاب اذا تعود فى المعصية لا يقدر على الامتناع منها فى هرمه "حديث : وصحتك قبل سقمك " .تفسير : لان الصحيح نافذ الامر فى ماله ونفسه لانه اذا مرض ضعف بدنه عن الطاعة وقصرت يده عن ماله الا فى مقدار ثلثه "حديث : وفراغك قبل شغلك " .تفسير : يعنى فى الليل تكون فارغا وبالنهار تكون مشغولا فينبغى ان تصلى بالليل فى حال فراغك وتصوم بالنهار فى وقت شغلك خصوصا فى ايام الشتاء لان الصوم فى الشتاء غنيمة المؤمن كما قال عليه السلام "حديث : الشتاء غنيمة المؤمن طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه " .تفسير : وفى رواية اخرى "حديث : الليل طويل فلا تقصره بمنامك والنهار مضيىء فلا تكدره بآثامك" "حديث : وغناك قبل فقرك " .تفسير : يعنى اذا كنت راضيا بما اعطاك الله من القوت فاغتنم ذلك ولا تطمع فيما فى ايدى الناس "حديث : وحياتك قبل مماتك " .تفسير : لان الرجل ما دام حيا يقدر على العمل فاذا مات انقطع عمله ولهذا تتمنى الموتى ان يعودوا الى الدنيا فيتهللوا مرة او يصلوا ركعة فالفرصة غنيمة والعمر قليل: قال الحافظ شعر : بكذشتن فرصت اى برادر دركرم روى جوميغ باشد درياب كه عمربس عزيزست كر فوت شود دريغ باشد تفسير : وقال السيد الشريف لابنه شعر : نصيحت همينست جان يدر كه عمرت عزيزست ضايع مكن تفسير : فينبغى للعاقل ان لا يضيع ايامه: قال الحكيم: بكودكى بازى. بجوان مستى به بيرى سسنى. خداراكى برستى. فاذا تم شغلك بالشريعة فاجتهد فى الطريقة وهى باطن الشريعة واقتد باولى الالباب فانه كما ان لكل نبى شرعة ومنهاجا كذلك لكل ولى طريقة مسلوكة مخصوصة وقد ضل من ضل منارهم.

الطوسي

تفسير : قرأ {تبغون} بالتاء ابن عامر وحده الباقون بالياء. من قرأ بالتاء فعلى معنى قل لهم، ومن قرأ بالياء، فلأن ما قبله على لفظ الغيبة وهو قوله {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} فحملوا عليه. والكناية في قوله {أفحكم الجاهلية تبغون} قيل فيها قولان: أحدهما - إِنها كناية عن اليهود في قول مجاهد، وأبو علي قال أبو علي لأنهم كانوا إِذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إِياه. واذا وجب على أقويائهم بالغنى والشرف في الدنيا لم يأخذوهم به، فقيل لهم {أفحكم الجاهلية} يعني عبدة الأوثان "تبغون" وأنتم أهل كتاب. الثاني - انها كناية عن كل من طلب غير حكم الله أي انما خرج منه الى حكم الجاهلية. وكفى بذلك خزياً أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم. ونصب {أفحكم الجاهلية يبغون} وهو مفعول به ومعنى تبغون تطلبون يقال بغى يبغي بغياً اذا طلبه والبغاة هم الذين يطلبون التآمر على الناس والترأس بغير حق والبغي الفاجرة لانها تطلب الفاحشة، ومنه قوله {أية : ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله } تفسير : أي من طلب عليه الاستعلاء بالظلم. وقوله {ومن أحسن من الله حكماً} نصب على التمييز أي فصلا بين الحق والباطل من غير محاباة، ولا مقاربة لأنه لا يجوز للحاكم أن يحابي في الحكم بأن يعمل على ما يهواه بدلا مما يوجبه العدل وقد يكون حكم أحسن من حكم بأن يكون أولى منه وأفضل منه وكذلك لو حكم بحق يوافق هواه كان ما يخالف هواه أحسن مما يوافقه وقوله {لقوم يوقنون} معناه عند قوم يوقنون بالله وبحكمه فاقيمت اللام مقام (عند) هذا قول ابي علي، وهذا جائز إِذا تقاربت المعاني ولم يقع اللبس لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.

الجنابذي

تفسير : {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} وهذا مؤيّد لوجه التّعريض، فانّ توبيخ الامّة بعد تصديق الرّسول (ص) على طلب حكم الجاهليّة له موقع دون توبيخ غير المصدّقين {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} اللاّم لام اختصاص والظّرف متعلّق بحكماً او بأحسن، والاستفهام للانكار يعنى لا احسن من الله حكماً لقوم يوقنون والمقصود انّ الله احسن حكماً فانّه وان كان بحسب المفهوم اعمّ، لكن استعماله فى مثل هذا المقام لاثبات الاحسنيّة للمفضّل عليه ونفيها من غيره والتّعبير عنه بحيث يظهر تعلّق اللاّم هكذا الله يحسن حكومته لقوم يوقنون اشدّ حسن، او حكومة الله تحسن لقوم يوقنون، وتخصيص احسنيّة الحكومة بالموقنين لظهورها عليهم ولموافقتها لهم دون غيرهم من اصحاب الاهواء والظّنون، وقيل: اللاّم بمعنى عند ويكون حينئذٍ متعلّقاً بأحسن، وقيل: اللاّم للبيان اى لبيان متعلّق الاستفهام اى هذا الاستفهام لقوم لا يوقنون.

اطفيش

تفسير : {أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}: أتتولى اليهود فتبغى حكم الجاهلية مع أن فى أيديهم التوراة المبينة، وفى جوارهم خاتم النبيين والقرآن، قال مقاتل: حديث : كان بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، ولما بعث وهاجر الى المدينة تحاكموا اليه، فقالت قريظة: ان بنى النضير اخواننا، أبونا واحد وديننا واحد، وكتابنا واحد، فان قتلوا منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وان قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً، وأرش جراحتنا نصف أرش جراحتهم، فاقض بيننا وبينهم. فقال صلى الله عليه وسلم: القتلى بواء أى سواء فى القصاص والدية، فقالت النضير: لا نرضى بحكمك، فانك لنا عدو ما تقصر فى تصغيرنا، فنزل: {أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ} تفسير : وكذلك لفظ الآية يشمل كل ضلالة أرادت اليهود البقاء عليها، كما قال به ابن عباس، وعن الحسن: الآية عامة فى كل من يبتغى غير حكم الله من أحكام الجاهلية، وقد سئل طاووس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية. وقيل: وردت الآية فى حكم الكهان فى الجاهلية، وأخذهم الحلوان على ذلك، فان فيه ضلالين: الحكم بالباطل، وأخذ الأجرة عليه، وقرأ ابن عامر: تبغون بالخطاب، خاطب الله اليهود وأمر رسوله بالخطاب، أى قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون، وقرأ السلمى أفحكم الجاهلية يبغون برفع حكم على الابتداء، ويبغون خبره، والعائد محذوف، أى يبغونه، وهى قراءة ضعيفة، لأن حذف العائد الى المبتدأ اذا أدى حذفه الى ايهام كون المبتدأ مفعولا مقدماً لولا رفعه، وليس كحذف عائد الموصول والموصوف أو الحال، وقرأ قتادة أفحكم الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكماً لأولئك الحكام، أى أفيبغون حكم الجاهلية فأرادوا. {وَمَن أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا}: لا يفضل حكم أحد حكم الله ولا يساويه. {لِّقَومٍ يُوقِنُونَ}: أن لهم رباً حكماً عدلا، واللام تتعلق بأحسن، فان عظم حسن حكم الله منفعة وصلاح للموقنين كما تقول لمن أمرك أن تختار له أفضل الأمرين هذا أحسن لك، ويجوز أن تعلق بمحذوف خبر المحذوف، أى ذلك لقوم يوقنون، وخص الموقنين لأنهم المنتفعون، والاشارة المقدرة للحسن أو للاستفهام التقريرى، وان تعلق كذلك ويكون بمعنى عند.

اطفيش

تفسير : {أَفَحُكْمَ الجَاهِليَّةِ يَبْغُونَ} الفاء عاطفة لما بعدها وللهمزة قبلها على الجملة قبل هى أَن كثيراً إِلخ، أَو فإِن تولوا إِلخ، أَو عاطفة على جملة مقدرة بعد الهمزة أَى أَيتولون عن قبول حكمك فيبغون حكم الجاهلية، فإِن حكم مفعول يبغون، وبخهم الله على طلب حكم الجاهلية وأَنكر لياقته وهو المداهنة والميل عن الحق إِلى الهوى مع أَن الله أنزل التوراة والإِنجيل والقرآن على خلافه، ويقال نزلت في النضير إِذ طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يبقيهم على أَن دية أحدهم تامة على القرظى ودية القرظى عليهم نصف، وفي قريظة إذ قالوا النضير إِخواننا أَبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد فإِن قتل النضير منا أَعطونا سبعين وسقا تمراً وإِن قتلنا منهم أَخّذوا مائة وأَربعين وسقا وجراحتنا نصف جراحتهم فاقض بيننا فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا فضل لأَحدكم على الآخر في دم ولا عقل - أَى دية - ولا جرح"تفسير : . فغضب النضير فقالوا: لا نرضى بحكمك إِنك لنا عدو تجتهد في وضعنا فنزلت، وتقديم المفعول للحصر، عاب الله عليهم التولى وعاب عليهم أَنهم لا يبغون في ذلك إِلا حكم الجاهلية، والجاهلية الملة الجاهلية وعبارة بعضهم أَهل الجاهلية والمراد على كل حال اتباع الهوى {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً} نفى لحصول حكم أَفضل من حكم الله بالعبارة ونفى لحصول حكم مساو لحكمه بالعرف في مثل هذا والمراد لا مساوى فضلا عن فائق، وهذا عرف مستعمل يقال لا أَحسن من زيد ويراد هو أَفضل من غيره {لِقَومٍ يُُوقِنُونَ} بالله أَى عند قوم، متعلق بأَحسن أَو اللام للبيان أَى قلنا ذلك لقوم يوقنون، أَو الخطاب لقوم يوقنون، وعلى الأَوجه كلها خصهم لأَنهم المتأَملون المدركون الحق بتأَملهم وإِلا فحكم الله لا يختص فلا يتعلق اللام بحكما وقيل تعلق به بمعنى لا أَحسن من حكم الله للمؤمنين بالغلبة والنصر على الكفرة.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله تعالى إليك فيبغون حكم الجاهلية؟ وقيل: محل الهمزة بعد الفاء، وقدمت أن لها الصدارة، وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجب لأن التولي عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب حكم آخر منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب، / والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، أو الأمة الجاهلية، وحكمهم: ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أهل الجاهلية، وحكمهم: ما ذكر، فقد روي حديث : أن بني النضير لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بني قريظة طلب بعضهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل، فقال عليه الصلاة والسلام: «القتلى بواء فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك»تفسير : فنزلت، وقرأ ابن عامر ـ تبغون ـ بالتاء، وهي إما على الالتفات لتشديد التوبيخ، وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ، وقرأ ابن وثاب والأعرج وأبو عبد الرحمن وغيرهم {أَفَحُكْمَ} بالرفع على أنه مبتدأ، و {يَبْغُونَ} خبره، والعائد محذوف، وقيل: الخبر محذوف، والمذكور صفته أي حكم يبغون، واستضعف حذف العائد من الخبر، وذكر ابن جني أنه جاء الحذف منه كما جاء الحذف من الصلة والصفة كقوله:شعر : قد أصبحت أم الخيار تدّعي عليّ ذنباً كله لم أصنع تفسير : وقال أبو حيان وحسن الحذف في الآية شبه {يَبْغُونَ} برأس الفاصلة فصار كالمشاكلة، وزعم ـ أن القراءة المذكورة خطأ ـ خطأ كما لا يخفى، وقرأ قتادة {أَفَحُكْمَ} بفتح الفاء والحاء والكاف، أي أفحاكما كحكام الجاهلية يبغون وكانت الجاهلية تسمى من قبل ـ كما أخرج ابن أبـي حاتم عن عروة ـ عالمية حتى جاءت امرأة فقالت يا رسول الله كان في الجاهلية كذا وكذا فأنزل الله تعالى ذكر الجاهلية وحكم عليهم بهذا العنوان. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً} إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم الله تعالى، أو مساو له كما يدل عليه الاستعمال وإن كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارها {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عند قوم، فاللام بمعنى عند، وإليه ذهب الجبائي، وضعفه في «الدر المصون»، وصحح أنها للبيان متعلقة بمحذوف كما في {أية : هَيْتَ لَكَ} تفسير : [يوسف: 23] وسقياً لك، أي تبين وظهر مضمون هذا الاستفهام الإنكاري لقوم يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم وأما غيرهم فلا يعلمون أنه لا أحسن حكماً من الله تعالى، ولعل من فسر بعند أراد بيان محصل المعنى، وقيل: إن اللام على أصلها، وأنها صلة أي حكم الله تعالى للمؤمنين على الكافرين أحسن الأحكام وأعدلها، وهذه الجملة حالية مقررة لمعنى الإنكار السابق.

ابن عاشور

تفسير : فَرّعت الفاء على مضمون قوله: {أية : فإن تولّوا فاعلم}تفسير : [المائدة: 49] الخ استفهاماً عن مرادهم من ذلك التولّي، والاستفهام إنكاري، لأنّهم طلبوا حكم الجاهليّة. وحكم الجاهليّة هو ما تقرّر بين اليهود من تكايُل الدّماء الّذي سرى إليهم من أحكام أهل يثرب، وهم أهلُ جاهلية، فإنّ بني النضير لم يرضوا بالتساوي مع قريظة كما تقدّم؛ وما وضعوه من الأحكام بين أهل الجاهلية، وهو العدول عن الرجم الّذي هو حكم التّوراة. وقرأ الجمهور {يَبغون} ـــ بياء الغائب ـــ، والضمير عائد لــ{مَن} من قوله: {أية : ومَنْ لم يحكم بما أنزل الله}تفسير : [المائدة: 47]. وقرأ ابن عامر ـــ بتاء الخطاب ـــ على أنّه خطاب لليهود على طريقة الالتفات. والواو في قوله: {ومن أحسن من الله حكماً} واو الحال، وهو اعتراض، والاستفهام إنكاري في معنى النفي، أي لا أحسن منه حكماً. وهو خطاب للمسلمين، إذ لا فائدة في خطاب اليهود بهذا. وقوله: {لقوم يوقنون} اللام فيه ليست متعلّقة بــ {حكماً} إذ ليس المراد بمدخولها المحكومَ لهم، ولا هي لام التّقوية لأنّ {لقوم يوقنون} ليس مفعولاً لــ {حُكماً} في المعنى. فهذه اللامُ تُسمّى لام البيان ولام التبيين، وهي الّتي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبراً أم إنشاء، وهي الواقعة في نحو قولهم: سَقْيَاً لك، وَجَدْعاً له، وفي الحديث «حديث : تبّاً وسُحقاً لمن بَدّل بَعْدي»تفسير : ، وقوله تعالى: {أية : هيهات هيهات لِما توعدون}تفسير : [المؤمنون: 36] {أية : حاش لله}تفسير : [يوسف: 51]. وذلك أنّ المقصود التّنبيه على المراد من الكلام. ومنه قول تعالى عن زليخا {أية : وقالت هيتَ لك}تفسير : [يوسف: 23] لأنّ تهيّؤَها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له {أية : هيت لك}تفسير : [يوسف: 23]، إذا كان (هيت) اسمَ فِعْللِ مُضي بمعنى تهيّأتُ، ومثل قوله تعالى هنا: {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}. وقد يكون المقصود معلوماً فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو {أية : حاشَ لله}تفسير : [يوسف: 51]، وهي حينئذٍ جديرة باسم لام التبيين، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم: سَقياً لك ورعياً، ونحوهما، وفي قوله: {هِيتَ} [يوسف: 23] اسمَ فعل أمر بمعنى تَعالَ. وإنّما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية، لأنّ لام التّقوية يصحّ الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها، وَفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلاّ معها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 50- أيريد أولئك الخارجون عن أمر الله ونهيه أن يحكموا بأحكام الجاهلية التى لا عدل فيها، بل الهوى هو الذى يحكم، بأن يجعلوا أساس الحكم الميل والمداهنة؟ وهذه هى طريقة أهل الجاهلية - وهل يوجد أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون بالشرع ويذعنون للحق؟ إنهم هم الذين يدركون حسن أحكام الله. 51- يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تتخذوا اليهود ولا النصارى نصراء توالونهم، فهم سواء فى معاداتكم. ومن جعل لهم الولاية عليه فإنه من جملتهم، وإن الله لا يهدى الذين يظلمون أنفسهم بجعل ولايتهم للكافرين. 52- وإذا كانت ولايتهم لا يتبعها إلا الظالمون، فإنك ترى الذين يوالونهم فى قلوبهم مرض الضعف والنفاق، إذ يقولون: نخاف أن تصيبنا كارثة عامة فلا يساعدونا، فعسى الله أن يحقق الفتح لرسوله والنصر للمسلمين على أعدائهم، أو يظهر نفاق أولئك المنافقين، فيصبحوا نادمين آسفين على ما كتموه فى نفوسهم من كفر وشك. 53- وحينئذ يقول المؤمنون الصادقون - متعجبين من المنافقين -: أهؤلاء الذين أقسموا وبالغوا فى القسم بالله على أنهم معكم فى الدين، مؤمنون مثلكم؟ كذبوا وبطلت أعمالهم، فصاروا خاسرين للإيمان، ونصرة المؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْجَاهِلِيَّةِ} (50) - أَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ؟ فَهَلْ يُرِيدُونَ حُكْماً كَحُكْمِ الجَاهِلِيَّةِ المَبْنِيِّ عَلَى التَحَيُّزِ وَالهَوَى، وَتَرْجِيحِ جَانِبِ القَويِّ عَلَى الضَّعِيفِ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً، وَمَنْ أَعْدَلُ مِنْهُ فَصْلاً؟ لِمَنْ عَقَلَ شَرْعَ اللهِ وَآمَنَ بِهِ؟ (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَمَا تَخَاصَمَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَهُودٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَهُودٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، طَالِبِينَ إلَيهِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا كَانُوا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي المَاضِي (أَيَّامَ الجَاهِلِيَّةِ) مِنْ أنْ تَكُونَ دِيَةُ القُرَظيِّ نِصْفَ دِيَةِ النَّضِيرِيِّ، لأنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانُوا أَقْوَى مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأعَزَّ جَانِباً، فَفَرَضُوا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (القَتْلَى بَوَاءٌ - أيْ سَواءٌ). فَقَالَ بَنُو النَّضِير: لا نَقْبَلُ ذَلِكَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والجاهلية هي نسبة إلى جاهل. ولو كانت نسبة مأخوذة من الجهل لجاء القول "جهلية"، لكن الحق يقول هنا: "جاهلية" نسبة إلى جاهل. وحتى نعرف معنى الجاهل بالتحديد لا بد لنا أن نتذكر ونستعيد تقسيم النسب الذي قلناه قديماً، ونعرف أن كل لفظ نتكلم به له معنى، وساعة نسمع اللفظ فالمعنى يأتي إلى الذهن إفرادياً. مثلما نسمع كلمة "جبل" فيقفز إلى الذهن صورة الجبل، لكن لا توجد حالة واضحة للجبل؛ لأن الكلمة لم تكن مصحوبة بحكم. إذن فهناك معنى للفظ، ولكن هذا المعنى لا يستقل بفائدة. ولكن إن قلنا إن القاهرة مكتظة بالسكان، أو أن مرافقها متعبة، هناك نكون قد أتينا بحكم يوضح لنا ماذا نقصد بقولنا القاهرة. إن هناك فرقا بين اللفظ حين يؤدي إلى معنى مفرد لا حكم له، وبين لفظ له حكم، ولذلك نجد العربي القديم حين يأتيه لفظ بلا حكم لم يكن لقبله. وها هوذا رجل عربي قال: أشهد أن محمداً رسولَ الله - بفتح اللام في كلمة "رسول" - وبهذا القول تكون "رسول الله" صفة لمحمد وليس فيها الخبر المطلوب. لذلك قال عربي آخر: وماذا يصنع محمدا؟ ليفلت القائل إلى أنه لم يتلق الخبر. إذن كل لفظ له معنى، وهذا المعنى مفرد ولا بد له من نسبة. مثلما نقول لصديق: "محمد"، ويعرف هذا الصديق محمدا، فيسألك: "وما لمحمد"؟ وبقوله هذا إنما يطلب الخبر ليعرف ماذا حدث له أو منه، فتقول: "محمد زارني أمس". وهكذا تكتمل الفائدة. إذن فكل لفظ من الألفاظ المفردة له معنى حين يفرد. فإذا ما جاء الحكم تنشأ عنه النسبة. وإن كانت النسبة واقعة وبعتقدها قائلها؛ ويستطيع إقامة الدليل عليها فهذه نسبة علم؛ لأن العلم نسبة مجزوم بها وواقعة ونستطيع إقامة الدليل عليها تماما مثلما نقول: (الأرض كروية) حيث توحي الكلمة أولاً بصورة الأرض وأضفنا إليها نسبة هي "كروية" لأننا نعتقد أنها كروية والواقع يؤكد ذلك، فإذا ما جئنا بالدليل عليها فهذه نسبة علم. إذن فالعلم نسبة مُعتقَدة وواقعة وعليها دليل. أما إذا كانت النسبة واقعة ومعتقدة ولا نستطيع التدليل عليها فذلك هو التقليد مثلما يكرر الطفل عن والده بعضاً من الحقائق ولكنه لا يستطيع إقامة الدليل عليها، إنه يقلد من يثق به، إذن فالمرحلة الأقل من العلم هي التقليد. أما إذا كان الإنسان يعتقد أن النسبة قد حدثت ولكن الواقع غير ذلك، فهذا هو الجهل، فالجهل ليس معناه أنك لا تعرف، ولكن أن تعرف قضية مناقضة للواقع. والجاهل يختلف عن الأمي، فالأمي هو الذي لا يعرف، أما الجاهل فهو الذي يعرف قضية مخالفة للواقع ومتشبث بها. {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} والحق هنا يتساءل: هل يرغبون في الاستمرار بالاعتقاد الخاطئ الجاهل؟ والأمر مع الأمي - كما عرفنا - يختلف عن الأمر مع الجاهل؛ لأنه يكفيك أن تقول للأمي العلم الذي تريد تعليمه إياه ويقبله منك، أما الجاهل فلا بد للتعامل معه من عملين.. الأول أن تجعله يحذف ويستبعد من باله القضية الخاطئة، والثاني أن تجعله يقتنع بالقضية الصحيحة. والذي يرهق الدعاة إلى الدين هم الجهلة هؤلاء الذين يعتقدون اعتقاداً خاطئاً يتضمن قضايا باطلة. لكن ماذا إن كانت النسبة مجالاً للنفي ومجالأً للإثبات؟ إن كان النفي مساوياً للإثبات فهي نسبة شك. وإن غلب الإثبات فهذا ظن. وإن كان النفي راجحاً فذلك هو الوهم. وهكذا يتضح لنا أن قضية الجهل قضية صعبة، والذي يسبب التعب في هذه الدنيا هم الجهلة؛ لأنهم يعتقدون في قضايا خاطئة. فإذا كان هناك حكم من الله. فلماذا لا يرتضون إذن؟ أيريدون حكم الجاهلية؟ وكان أهل الكتاب أنفسهم يسفهون حكم الجاهلية. ولنلحظ أن هذا التسفيه كان في زمن المواجهة بين الجاهلية وبين أهل الكتاب. وكانوا يستفتحون عن أهل المدينة ومكة. وكثيراً ما قالوا: لقد أظلّنا عهد نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ولكن ما إن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قالوا العكس، ماذا قالوا للجاهلين؟ هاهوذا الحق يخبرنا بما قالوا: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 51] وقد ذهب بعض من أحبار اليهود إلى قريش، وسألهم بعض من سادة قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم فأخبرونا عنا وعن محمد. فقال الأحبار: ما أنتم وما محمد؟ فقال سادة قريش: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونفك العاني ونصل الأرحام ونسقي الحجيج وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال الأحبار: أنتم خير منه وأهدى سبيلا. وبذلك زوروا القول. وينقل الرواة قصة أخرى في هذا الموضع، أن واحداً من أحبار اليهود قال لأبي سفيان: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه. وقال الأحبار ذلك حسداً لرسول الله. إذن فهل يرتضي أهل الكتاب حكم الجاهلية؟ لا. ولكنه التناقض والتضارب. وماداموا قد تناقضوا مع أنفسهم صار من السهل أن يتناقضوا مع الكتاب الذي نزل إليهم. ولذلك يتساءل الحق: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} ثم يأتي من بعد ذلك بالمقابل وهو قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً}. وسبحانه لم يقل: إن الأحسن في الحكم هم المسلمون لجواز أن يكون من المسلمين من ينحرف، لذلك رد الأمر إلى ما لا يتغير أبداً وهو حكم الله. وحين يقرر سبحانه ذلك فإنه - اولا - يعلم أنه سيأتي قوم مسلمون وينحرفون عن المنهج. ونحن نرى في بعض الأحيان سلوكاً منحرفاً من مسلم، فهل نلصق هذا السلوك بالإسلام؟ لا. بل ننظر إلى حكم الله في كتابه. وعندما نرى أن حكم الله يجرم فعلاً وله عقوبة، فالعقوبة تقع على المسلم المنحرف أيضاً. والمثال قوله الحق: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38] وهذا الحكم يطبق على المسلم وغير المسلم، إذن فلا نقول هذا حكم المسلمين وذلك حكم الجاهلية. ولكننا نقول: إنه حكم صاحب المنهج وهو الله. ونلحظ أن هناك استفهاماً في قوله الحق: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً}. والاستفهام هو نقل صورة الشيء في الذهن، لا نقل حقيقة الشيء. وساعة يطلب المتكلم من المخاطب أن ينقل إليه الفهم، هنا نقول: هل كان المتكلم لا يعلم الحكم؟ قد يصح ذلك في الحياة العادية. وقد نراه حين يقول إنسان لآخر: من زارك أمس؟ فنكون أمام حالة استفهام عن الذي زاره، تلك هي حقيقة الاستفهام، لكن ما بالنا إذا كان الذي يتكلم ويستفسر لا تخفى عليه خافية، إنه - سبحانه - يطلب - منا أن نجيب على سؤاله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً}. وتلك عظمة الأداء. وأضرب مثالاً آخر - ولله المثل الأعلى - عندما يأتيك إنسان ويدعي أنك لم تحسن إليه لأنه كان سجيناً مثلاً وأنت الذي أخرجته من السجن. فتقول له: من الذي ذهب ودفع عنك الكفالة وأخرجك من الحبس؟ إنك أنت الذي فعلت ولا تريد أن تقول له: لقد فعلت من أجلك كذا وكذا، ولكنك تريده هو أن ينطق بما فعلته له، ولا تقول ذلك إلا وأنت واثق أنه لن يجد جواباً إلا الاعتراف بأنك أنت الذي صنعت له كذا وكذا، وبذلك تصبح المسألة إقراراً وليس إخباراً. {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} فالحق عالم أنهم حين يديرون رءوسهم في الجواب، لن يجدوا إلا أن يقولوا: يارب أنت أحسن حكماً. وهذا إقرار منهم وإخبار أيضاً. أما عند المؤمن فالأمر يختلف تماماً؛ لأن المؤمن بعترف ويقر بفضل الله عليه. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فالذي يفهم أن حكم الله هو الأفضل هم القوم الذين دخلوا إلى مرحلة اليقين. ونعلم أن مراحل اليقين تتفاوت فيما بينها، فعندما يخبرك إنسان صادق في قضية ما فأنت تعلم هذه القضية. كأن يقول لك: لقد ذهبت إلى نيويورك. وهذه المدينة تقع على عدد من الجزر وبها عمارات شاهقة والعنف منتشر فيها. والناس تبدو وكأنها ممسوسة من فرط الهوس على الثروة. وحين تسمع هذا الصادق فأنت تأخذه على محمل الجد وتعتبر كلامه يقيناً وهذا هو علم اليقين، أي أنه إخبار من إنسان تثق فيه لأنه صادق. وبعد ذلك يأتي هذا الإنسان ليوجه لك الدعوة، فتركب معه الطائرة، وتطير الطائرة على ارتفاع يساوي أربعين ألف قدم، وبعد إحدى عشرة ساعة تهبط الطائرة قليلاً؛ لترى أضواء مدينة صاخبة، ويقول لك صاحبك: هذه هي نيويورك، وتلك هي ناطحات السحاب. هكذا صار علم اليقين عين يقين. وعندما تنزلان معاً إلى شوارع نيويورك فأنتما تسيران إلى جزيرة مانهاتن. وتصعد إلى برج التجارة أعلى ناطحات السحاب في نيويورك، وهذا هو حق اليقين. إذن: فمراحل اليقين ثلاث: علم يقين: إذا أخبرك صادق بخبر ما، وعين يقين: إذا رأيت أنت هذا الخبر، وحق يقين: إذا دخلت وانغمست في مضمون وتفاصيل هذاالخبر. وقديماً قلت لتلاميذي مثالاً محدداً لأوضح الفارق بين ألوان اليقين، قلت لهم: لقد رأيت في أندونيسيا ثمرة من ثمار الموز يبلغ طول الثمرة الواحدة نصف المتر. وبالطبع صدقني التلاميذ؛ لأنهم يصدفون قولي. وقد نقلت لهم صورة علمية. وصار لديهم علم يقين. وبعد ذلك أدخل إلى غرفة وأفتح حقيبة وأخرج منها ثمرة الموز التي يبلغ طولها نصف المتر. وبذلك يصير علم اليقين عين يقين. وبعد ذلك أمسكت بسكين وقمت بتقشير ثمرة الموز ووزعت على كل واحد منهم قطعة. وهكذا صار لديهم حق يقين. وحين يطلق الحق "اليقين" فهو يشمل الذي علم والذي تحقق. فأهل الأدلة، علموا علم اليقين، وأهل المرائي والمشاهدات علموا عين اليقين، وأهل الفيوضات والتجليات وصلوا إلى حق اليقين. والمؤمنون بالله يقول الواحد منهم: أنا بمجرد علم اليقين موقن تماماً ولا انتظر حق اليقين لأني لا أجرؤ على التكذيب؛ لذلك نجد أن سيدنا الإمام عليا - كرم الله وجهه - يقول: لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقيناً. {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 1-7] والبداية تكون علم اليقين، ثم نرى الجحيم ونحن نسير على الصراط فتصير عين اليقين، ومن لطف الله أنه جعلنا - نحن المسلمين - لا نراها حق اليقين. وهو القائل: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] هو يعطينا صورة الجحيم. لكن حينما أراد الحق أن يعطينا صورة حق اليقين، فقد جاء بها في قوله الحق: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 75-82] كل ذلك مقدمة ليقول الحق: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 95] وما يذكره الحق هنا عن منزلة المصدق المؤمن إن هذه المنزلة هي الجنة ويرى ذلك عين اليقين. أما منزلة المكذب الكافر، فله مكانه في النار؛ لذلك سيرى كل الناس النار كعين اليقين. أما من يدخله الحق النار - والعياذ بالله - فسيعاني منها حق اليقين، وسينعم المؤمنون بالجنة حق اليقين. ومن بعد ذلك يقول الحق: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}