٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أنه تمّ الكلام عند قوله {أَوْلِيَاء } ثم ابتدا فقال {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } وروي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبرأ عنده من موالاة اليهود، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر، فنزلت هذه الآية، ومعنى لا تتخذوهم أولياء: أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، ولا تتوددوا إليهم. ثم قال: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قال ابن عباس: يريد كأنه مثلهم، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين، ونظيره قوله {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة: 249]. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن لي كاتباً نصرانياً، فقال: مالك قاتلك الله، ألا اتخذت حنيفاً، أما سمعت قول الله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } قلت: له دينه ولي كتابته، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتم أمر البصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات فما تصنع بعده، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ {ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} مفعولان لِـتَتَّخِذُوا؛ وهذا يدل على قطع الموالاة شرعاً، وقد مضى في «آل عمران» بيان ذلك. ثم قيل: المراد به المنافقون؛ المعنى يأيها الذين آمنوا بظاهرهم، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين. وقيل: نزلت في أبي لبابة، عن عِكرمة. قال السدي: نزلت في قصة يوم أُحُد حين خاف المسلمون حتى همَّ قومٌ منهم أن يوالوا اليهود والنصارى. وقيل: نزلت في عُبَادة بن الصّامت وعبدالله بن أُبيّ بن سَلُول؛ فتبرأ عبادة رضي الله عنه من موالاة اليهود، وتمسك بها ٱبن أبي وقال: إني أخاف أن تدور الدوائر. {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} مبتدأ وخبره؛ وهو يدل على إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض. الثانية ـ قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} أي يعضدهم على المسلمين «فَإنَهُ مِنْهُمْ» بيّن تعالى أن حُكمه كحُكمهم؛ وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ٱبن أُبي ثم هذا الحُكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة؛ وقد قال تعالى: { أية : وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ } تفسير : [هود: 113] وقال تعالى في «آل عمران»: { أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 28] وقال تعالى: { أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 118] وقد مضى القول فيه وقيل: إن معنى {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي في النُّصرة. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} شرط وجوابه؛ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم؛ فصار منهم أي من أصحابهم.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء} فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب. {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} إيماء على علة النهي، أي فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضاً لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضادتكم. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم، وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تتراءى ناراهما»تفسير : أو لأن الموالي لهم كانوا منافقين. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم.
ابن كثير
تفسير : ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله - قاتلهم الله - ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد، يعني: ابن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب، عن عياض: أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر، وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارىء لنا كتاباً في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني. قال: فانتهرني، وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ} الآية، ثم قال: حدثنا محمد ابن الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ} الآية. وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: كل، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وروي عن أبي الزناد نحو ذلك. وقوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: شك وريب ونفاق، يسارعون فيهم، أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. عند ذلك قال الله تعالى: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ} قال السدي: يعني: فتح مكة. وقال غيره: يعني: القضاء والفصل، {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ}. قال السدي: يعني: ضرب الجزية على اليهود والنصارى، {فَيُصْبِحُواْ} يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين {عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ} من الموالاة، {نَـٰدِمِينَ} أي: على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئاً، ولا دفع عنهم محذوراً، بل كان عين المفسدة؛ فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين، لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك، ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: { وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهُـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ}. وقد اختلف القرّاء في هذا الحرف، فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ}، ثم منهم من رفع: {وَيَقُولُ} على الابتداء، ومنهم من نصب، عطفاً على قوله: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} فتقديره: أن يأتيَ، وأن يقولَ. وقرأ أهل المدينة: {يَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا} بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير. قال ابن جرير عن مجاهد: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} تقديره: حينئذ { وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهُـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ} واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا، فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه، وأتهوّد معه؛ لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: أما أنا، فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه، وأتنصر معه، فأنزل الله: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ} الآيات، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى بني قريظة، فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، رواه ابن جرير. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يارسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: «حديث : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه» تفسير : قال: قد قبلت، فأنزل الله عز وجل: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ} الآيتين. ثم قال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري: قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطاً من قريش لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيراً سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود، إني رجل لا بد لي منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه» تفسير : فقال: إذاً أقبل، قال: فأنزل الله: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} إلى قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرسلني»تفسير : . وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأوا لوجهه ظللاً، ثم قال: «حديث : ويحك أرسلني» تفسير : قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي؛ أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هم لك»تفسير : . قال محمد بن إسحاق: فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار، وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة:{يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} - إلى قوله - {أية : وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [المائدة: 56]. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زيادة عن محمد ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد كنت أنهاك عن حب يهود» تفسير : فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زراة فمات، وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ أَوْلِيَاءَ } توالونهم وتوادّونهم {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } لاتحادهم في الكفر {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } من جملتهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } بموالاتهم الكفار.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ } الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة؛ وقيل المراد بهم: المنافقون، ووصفهم بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه. وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك. والأولى: أن يكون خطاباً لكل من يتصف بالإيمان أعمّ من أن يكون ظاهراً وباطناً أو ظاهراً فقط، فيدخل المسلم والمنافق، ويؤيد هذا قوله: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } والاعتبار بعموم اللفظ، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية ما يتضح به المراد. والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء، أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة. وقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تعليل للنهي، والمعنى: أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء } تفسير : [البقرة: 118] وقيل: المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها، وتناصرها على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعداوة ما جاء به، وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادّين. ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أي: فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر، هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تعليل للجملة التي قبلها: أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالى الكافرين. قوله: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ } الفاء للسببية، والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له: أي: ما ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه من الكفر هو بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق. وقوله: {يُسَـٰرِعُونَ } في محل نصب إما على أنه المفعول الثاني إذا كانت الرؤية قلبية أو على أنه حال إذا كانت بصرية، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغوبهم في ذلك، حتى كأنهم مستقرّون فيهم داخلون في عدادهم. وقد قرىء "فيرى" بالتحتية. واختلف في فاعله ما هو؟ فقيل: هو الله عزّ وجلّ؛ وقيل: هو كل من تصح منه الرؤيا؛ وقيل: هو الموصول ومفعوله: {يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ } على حذف أن المصدرية: أي فيرى القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم، فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله:شعر : ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغا تفسير : والمرض في القلوب: هو النفاق والشك في الدين. وقوله: {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } جملة مشتملة على تعليل المسارعة في الموالاة: أي أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة؛ وقيل إن الجملة حال من ضمير يسارعون. والدائرة: ما تدور من مكاره الدهر: أي نخشى أن تظفر الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم، فتكون الدولة لهم وتبطل دولته فيصيبنا منهم مكروه، ومنه قول الشاعر:شعر : يردّ عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا تفسير : أي: دولات الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. وقوله: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ } ردّ عليهم ودفع لما وقع لهم من الخشية، وعسى في كلام الله وعد صادق لا يتخلف. والفتح: ظهور النبيّ صلى الله عليه وسلم على الكافرين، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير؛ وقيل هو فتح بلاد المشركين على المسلمين؛ وقيل فتح مكة. والمراد بالأمر من عنده سبحانه: هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم؛ وقيل: هو إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما أسروا في أنفسهم وأمره بقتلهم؛ وقيل: هو الجزية التي جعلها الله عليهم؛ وقيل: الخصب والسعة للمسلمين، فيصبح المنافقون {عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمِين} من النفاق الحامل لهم على الموالاة {نَـٰدِمِينَ } على ذلك؛ لبطلان الأسباب التي تخيلوها وانكشاف خلافها. قوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِين ءامَنُواْ } قرأ أبو عمرو، وابن أبي إسحاق، وأهل الكوفة بإثبات الواو، وقرأ الباقون بحذفها، فعلى القراءة الأولى مع رفع يقول يكون كلاماً مبتدأ، مسوقاً لبيان ما وقع من هذه الطائفة، وعلى قراءة النصب: يكون عطفاً على {فَيُصْبِحُواْ } وقيل: على {يَأْتِىَ } والأولى أولى؛ لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة الكافرين لا عند إتيان الفتح؛ وقيل هو معطوف على الفتح كقول الشاعر:شعر : للبس عباءة وتقرّ عيني تفسير : وأما على قراءة حذف الواو فالجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والإشارة بقوله: {أَهَـٰؤُلاء } إلى المنافقين أي يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين: {أَهُـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } بالمناصرة والمعاضدة في القتال، أو يقول بعض المؤمنين لبعض مشيرين إلى المنافقين، وهذه الجملة مفسرة للقول. وجهد الأيمان: أغلظها، وهو منصوب على المصدر أو على الحال. أي: أقسموا بالله جاهدين. قوله: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } أي: بطلت وهو من تمام قول المؤمنين، أو جملة مستأنفة، والقائل الله سبحانه. والأعمال هي التي عملوها في الموالاة أو كل عمل يعملونه. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه} قرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين بفك الإدغام، وهي لغة تميم، وقرأ غيرهم بالإدغام. وهذا شروع في بيان أحكام المرتدّين، بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردّة. والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه بالإتيان بهم هم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيشه من الصحابة والتابعين، الذين قاتل بهم أهل الردّة، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدّين في جميع الزمن، ثم وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة، المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم، ومن كونهم: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } والأذلة: جمع ذليل لا ذلول، والأعزّة: جمع عزيز: أي يظهرون العطف والحنوّ والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق، وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوىء، ومناقبهم مثالب، حسداً وبغضاً، وكراهة للحق وأهله، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من الصفات التي اختصهم الله بها. والفضل: اللطف والإحسان. قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ } لما فرغ سبحانه من بيان من لا تحلّ موالاته، بيّن من هو الوليّ الذي تجب موالاته، ومحل {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } الرفع على أنه صفة للذين آمنوا، أو بدل منه، أو النصب على المدح. وقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ } جملة حالية من فاعل الفعلين اللذين قبله. والمراد بالركوع: الخشوع والخضوع: أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم خاشعون خاضعون لا يتكبرون؛ وقيل هو حال من فاعل الزكاة. والمراد بالركوع هو المعنى المذكور: أي يضعون الزكاة في مواضعها غير متكبرين على الفقراء، ولا مترفعين عليهم؛ وقيل المراد بالركوع على المعنى الثاني: ركوع الصلاة، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة في تلك الحال، ثم وعد سبحانه من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوّهم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر، ووضع حزب الله موضع ضمير الموالين لله ولرسوله وللمؤمنين. والحزب: الصنف من الناس، من قولهم حزبه كذا، أي: نابه، فكأن المتحزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة التي تنوب، وحزب الرجل: أصحابه، والحزب: الورد. وفي الحديث: «حديث : فمن فاته حزبه من الليل» تفسير : وتحزّبوا: اجتمعوا. والأحزاب: الطوائف. وقد وقع، ولله الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء رسله، وأولياء عباده المؤمنين من الغلب لعدوّهم، فإنهم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية، حتى صاروا لعنهم الله أذلّ الطوائف الكفرية وأقلها شوكة، وما زالوا تحت كلكل المؤمنين يطحنونهم كيف شاءوا، ويمتهنونهم كما يريدون من بعد البعثة الشريفة المحمدية إلى هذه الغاية. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن أبيّ بن سلول، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. وفيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات في المائدة {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أسلم عبد الله بن أبيّ بن سلول، ثم قال: إن بيني وبين قريظة والنضير حلفاً، وإني أخاف الدوائر، فارتدّ كافراً. وقال عبادة بن الصامت: أتبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ورسوله، فنزلت. وأخرج ابن مردويه أيضاً من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدّه نحو ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة فذكر نحو ما تقدّم. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: غرّكم أن أصبتم رهطاً من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أصررنا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يدان بقتالنا، فقال عبادة، ذكر نحو ما تقدم عنه وعن عبد الله بن أبيّ. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال: إنها في الذبائح «من دخل في دين قوم فهو منهم». وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة قال: «ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، وتلا {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطية {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } كعبد الله بن أبيّ {يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ } في ولايتهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، وابن عساكر، عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه} وقد علم أنه سيرتدّ مرتدّون من الناس، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجواثي من عبد القيس؛ وقال الذين ارتدّوا: نصلي الصلاة ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلم أبا بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل له: إنهم لو قد فقهوا أدّوا الزكاة؛ فقال: والله لا أفرّق بين شيء جمعه الله، ولو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتلوا حتى أقروا بالماعون، وهو الزكاة. قال قتادة: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه، {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } إلى آخر الآية. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه} الآية، قال عمر: أنا وقومي يا رسول الله؟ قال: "حديث : لا بل هذا وقومه"تفسير : ، يعني أبا موسى الأشعري. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة في مسنده، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هم قوم هذا»تفسير : ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم في جمعه لحديث شعبة، والبيهقي وابن عساكر، عن أبي موسى الأشعري قال: تليت عند النبي صلى الله عليه وسلم {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ } الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قومك يا أبا موسى أهل اليمن".تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} الآية، فقال: «حديث : هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم كندة، ثم السكون، ثم تجيب»تفسير : . وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: هم قوم من أهل اليمن، ثم من كندة ثم من السكون. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: هم أهل القادسية. وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم بن مخيمرة قال: أتيت ابن عمر فرحب بي، ثم تلا {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ } الآية، ثم ضرب على منكبي وقال: أحلف بالله إنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عطية ابن سعد. قال في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } إنها نزلت في عبادة بن الصامت. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس قال: تصدّق عليّ بخاتم وهو راكع، فقال النبيّ للسائل: "حديث : من أعطاك هذا الخاتم؟"تفسير : قال: ذاك الراكع، فأنزل الله فيه {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، وابن عساكر، عن عليّ ابن أبي طالب نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عمار، نحوه أيضاً. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجاهيل عنه نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذينَ ءَامُنُوا لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيآءَ} اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في عُبادة بن الصامت، وعبد بن أبي ابن سلول، حين تبرأ عُبادة من حِلْف اليهود وقال: أتولى الله ورسوله حين ظهرت عداوتهم لله ولرسوله. وقال عبد الله بن أبي: لا أتبرأ من حلفهم وأخف الدوائر، وهذا قول الزهري. والثاني: أنها نزلت فى أبي بلابة بن عبد المنذر حين بَعَثَه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لما نقضوا العهد أطاعوا بالنزول على حكم سعد أشار إلى حلقه إليهم أنه الذبح، وهذا قول عكرمة. والثالث، أنها نزلت فى رجلين من الأنصار خافا من وقعة أحد فقال أحدهما لصاحبه: أَلْحَقُ باليهود وأتهود معهم، وقال الآخر: ألحق بالنصارى فأتنصر معهم ليكون ذلك لهما أماناً من إدالة الكفار على المسلمين، وهذا قول السدي. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنْكُمْ فِإِنَّهُ مِنْهُم} يحتمل وجهين: أحدهما: موالاتهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر. والثاني: موالاتهم في الدين فإنه منهم في حكم الكفر، وهذا قول ابن عباس. قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فيه تأويلان: أحدهما: أن المرض الشك وهو قول مقاتل. والثاني: النفاق، وهو قول الكلبي. وفيهم قولان: أحدهما: المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول، وهذا قول عطية بن سعد. والثاني: أنهم قوم من المنافقين. {.... يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} والدائرة ترجع عمن انتقلت إليه إلى من كانت له، سميت بذلك لأنها تدور إليه بعد زوالها عنه، ومنه قول الشاعر: شعر : يَرُدُّ عَنَّا القَدَرَ الْمَقْدُورَا وَدَائرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا تفسير : {فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد فتح مكة، قاله السدي. والثاني: فتح بلاد المشركين على المسلمين. والثالث: أن القضاء الفصل، ومنه قوله تعالى: {أية : افـْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89]، قاله قتادة. {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: هو دون الفتح الأعظم. الثاني: أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين. الثالث والرابع: أنه الجزية، قاله السدي.
ابن عطية
تفسير : نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى: {فإنه منهم} ، وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودياً ورهنه درعه، واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال عطية بن سعد والزهري وابن إسحاق وغيرهم: سببها حديث : أنه لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلهم فقام دونهم عبد الله بن أبي ابن سلول وكان حليفاً لهم، وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله، فلما رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سلكته يهود من المشاقة لله ورسوله جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا والي إلا الله ورسوله، وقال عبد الله بن أبي: أما أنا فلا أبرأ من ولاء يهود، فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر، وحكى ابن إسحاق في السير أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في جيب درعه، وقال: يا محمد أحسن في مواليَّ، فقال له رسول الله: أرسل الدرع من يدك، فقال لا والله حتى تهبهم لي لأنهم ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسراً أفأدعك تحصدهم في غداة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد وهبتهم لكتفسير : ، ونزلت الآية في ذلك، وقال السدي: سبب هذه الآية أنه لما نزل بالمسلمين أمر أحد فزع منهم قوم وقال بعضهم لبعض نأخذ من اليهود عصماً ليعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش وسائر العرب, فنزلت الآية في ذلك، وقال عكرمة: سبب الآية أمر أبي لبابة بن عبد المنذر وإشارته إلى قريظة أنه الذبح حين استفهموه عن رأيه في نزولهم على حكم سعد بن معاذ. قال القاضي أبو محمد: وكل هذه الأقوال محتمل، وأوقات هذه النوازل مختلفة، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس "لا تتخذوا اليهود والنصارى أرباباً بعضهم"، وقوله تعالى: {بعضهم أولياء بعض} جماعة مقطوعة من النهي يتضمن التفرقة بينهم وبين المؤمنين، وقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إنحاء على عبد الله بن أبيّ وكل من اتصف بهذه الصفة من موالاتهم، ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه، وبهذه الآية جوز ابن عباس وغيره ذبائح النصارى من العرب وقال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} فقال من دخل في دين قوم فهو منهم، وسئل ابن سيرين رحمه الله عن رجل أراد بيع داره من نصارى يتخذونها كنيسة فتلا هذه الآية، وقوله تعالى: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} عموم فإما أن يراد به الخصوص فيمن سبق في علم الله أن لا يؤمن ولا يهتدي وإما أن يراد به تخصيص مدة الظلم والتلبس بفعله، فإن الظلم لا هدى فيه، والظالم من حيث هو ظالم فليس بمهديّ في ظلمه. وقوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض} الآية، مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم والإشارة إلى عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومن تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قينقاع، ويدخل في الآية من كان من مؤمني الخزرج يتابعه جهالة وعصبية، فهذا الصنف له حظه من مرض القلب، وقراءة جمهور الناس "ترى" بالتاء من فوق، فإن جعلت رؤية عين {فيسارعون} حال وفيها الفائدة المقصودة، وإن جعلت رؤية قلب فـ {يسارعون} في موضع المفعول الثاني، ويقولون حال، وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب "فيرى" بالياء من تحت والفاعل على هذه القراءة محذوف ولك أن تقدر فيرى الله أو فيرى الرأي و {الذين} مفعول، ويحتمل أن يكون {الذين} فاعل والمعنى أن يسارعوا فحذفت "أن" إيجازاً {يسارعون فيهم} معناه في نصرتهم وتأنيسهم وتجميل ذكرهم، وقوله تعالى: {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} لفظ محظوظ عن عبد الله بن أبيّ، ولا محالة أنه قال بقوله منافقون كثير، والآية تعطي ذلك، و {دائرة} معناه نازلة من الزمان وحادثة من الحوادث تحوجنا إلى موالينا من اليهود، وتسمى هذه الأمور دوائر على قديم الزمان من حيث الليل والنهار في دوران، فكأن الحادث يدور بدورانها حتى ينزل فيمن نزل، ومنه قول الله تعالى: {أية : دائرة السوء} تفسير : [التوبة:98، الفتح: 6] و {أية : يتربص بكم الدوائر} تفسير : [التوبة:98] ومنه قول الشاعر: شعر : والدهر بالإنسان دواريّ تفسير : وقول الآخر: شعر : ويعلم أن النائبات تدور تفسير : وقول الآخر: شعر : يرد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا تفسير : ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الزمان قد استدار ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وفعل عبد الله بن أبيّ في هذه النازلة لم يكن ظاهره مغالبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو فعل ذلك لحاربه رسول الله، وإنما كان يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستبقيهم لنصرة محمد ولأن ذلك هو الرأي، وقوله إني امرؤ أخشى الدوائر أي من العرب وممن يحارب المدينة وأهلها، وكان يبطن في ذلك كله التحرز من النبي والمؤمنين وآلفت في أعضادهم، وذلك هو الذي أسر هو في نفسه ومن معه على نفاقه ممن يفتضح بعضهم إلى بعض، وقوله تبارك وتعالى: {فعسى الله} مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ووعد لهم، و "عسى" من الله واجبة، واختلف المتأولون في معنى {الفتح} في هذه الآية فقال قتادة: يعني به القضاء في هذه النوازل، والفتاح القاضي، فكان هذا الوعد هو مما نزل ببني قينقاع بعد ذلك وبقريظة والنضير، وقال السدي؟ يعني به فتح مكة. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الفتح في هذه الآية ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو كلمته، أي فيبدو الاستغناء عن اليهود ويرى المنافق أن الله لم يوجد سبيلاً إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله عليه السلام والمؤمنين كالذي وقع وظهر بعد، وقوله تعالى: {أو أمر من عنده} قال السدي المراد ضرب الجزية. قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن هذا التقسيم إنما هو لأن الفتح الموعود به هو ما يتركب على سعي النبي وأصحاب ويسببه جدهم وعملهم، فوعد الله تعالى إما بفتح بمقتضى تلك الأفعال وإما بأمر من عنده يهلك أعداء الشرع هو أيضاً فتح لا يقع للبشر فيه تسبيب، وقوله تعالى: {فيصبحوا} معناه يكونون كذلك طول دهرهم، وخص الإصباح بالذكر لأن الإنسان في ليله مفكر متستر، فعند الصباح يرى بالحالة التي اقتضتها فكره أو أمراضه ونحو ذلك ومنه قول الشاعر: شعر : أصبحت لا أحمل السلاح تفسير : إلى غير هذا من الأمثلة، والذي أسروه هو ما ذكرناه من التمرس بالنبي صلى الله عليه وسلم وإعداد اليهود للثورة عليه يوماً ما، وقرأ ابن الزهري "فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين".
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ} لما ظهرت عداوة اليهود تبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله، وقال عبد الله بن أُبي: لا أتبرأ من حلفهم أخاف الدوائر، وأنزلت في أبي لبابة [بن] عبد المنذر لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، وقد نزلوا على حكم سعد فنصح لهم، وأشار إلى أنه الذبح، أو في أنصاريين خافا من وقعة أحدٍ فأراد أحدهما التهود، والآخر التنصر ليكون لهما أماناً، حذراً من إدالة الكفار. {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} مثلهم في الكفر، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما.
النسفي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاءَ } أي لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وكلهم أعداء المؤمنين، وفيه دليل على أن الكفر كله ملة واحدة {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } من جملتهم وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } نفاق {يُسَـٰرِعُونَ } حال أو مفعول ثانٍ لاحتمال أن يكون «فترى» من رؤية العين أو القلب {فِيهِمْ } في معاونتهم على المسلمين وموالاتهم {يَقُولُونَ } أي في أنفسهم لقوله على «ما أسروا» {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } أي حادثة تدور بالحال التي يكونون عليها {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ } لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } أي يؤمر النبي عليه السلام بإظهار إسرار المنافقين وقتلهم {فَيُصْبِحُواْ } أي المنافقون {عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ } من النفاق {نَـٰدِمِينَ } خبر «فيصبحوا» {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي يقول بعضهم لبعض عند ذلك. «ويقول» بصري عطفاً على «أن يأتي» «يقول» بغير واو: شامي وحجازي على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا {أَهُـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } أي أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وجهد أيمانهم مصدر في تقدير الحال أي مجتهدين في توكيد أيمانهم {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة لا إيماناً وعقيدة، وهذا من قول الله عز وجل شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجيباً من سوء حالهم {فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ } في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر. «يرتدد» مدني وشامي {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها ويطيعونه ويؤثرون رضاه، وفيه دليل نبوته عليه السلام حيث أخبرهم بما لم يكن فكان، وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد المرتدين، وفي صحة خلافته وخلافة عمر رضي الله عنهما. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب على عاتق سلمان وقال «هذا وذووه لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم {أَذِلَّةٍ } جمع ذليل، وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذُّلِ الذي هو ضد الصعوبة فقد سها لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة. قال الجوهري: الذل ضد العز، ورجل ذليل بيّن الذل، وقوم أذلاء وأذلة، والذل بالكسر اللين وهو ضد الصعوبة يقال: دابة ذلول ودواب ذلل {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولم يقل للمؤمنين لتضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل: عاكفين عليهم على وجه التذلل والتواضع {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أشداء عليهم والعزاز الأرض الصلبة فهم مع المؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده ومع الكافرين كالسبع على فريسته {يُجَـٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يقاتلون الكفار وهو صفة لـ «قوم» كـ «يحبهم» و «أعزة» و «أذلة» {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } الواو يحتمل أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود، فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأما المؤمنون فمجاهدتهم لله لا يخافون لومة لائم. وأن تكون للعطف أي من صفتهم المجاهدة في سبيل الله وهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين لا تزعهم لومة لائم: واللومة المرة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم واحد من اللوام {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } كثير الفواضل {عَلِيمٌ } بمن هو من أهلها. عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } وإنما يفيد اختصاصهم بالموالاة ولم يجمع الولي وإن كان المذكور جماعة تنبيهاً على أن الولاية لله أصل ولغيره تبع، ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع. ومحل {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } الرفع على البدل من «الذين آمنوا»، أو على هم الذين، أو النصب على المدح {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ }. والواو في {وَهُمْ راكعون} للحال أي يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة. قيل: إنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مرجاً في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل يفسد صلاته. وورد بلفظ الجمع وإن كان السبب فيه واحداً ترغيباً للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه. والآية تدل على جواز الصدقة في الصلاة، وعلى أن الفعل القليل لا يفسد الصلاة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاماً لجميع المؤمنين، لأن خصوص السبب لا يمنع من عموم الحكم، فقال قوم: نزلت هذه الآية فى عبادة بن الصامت رضي الله عنه وعبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين وذلك أنهما اختصما فقال عبادة إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود فإني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه فقال: إذن أقبل فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أماناً إني أخاف أن يدال علينا اليهود. وقال رجل آخر: أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أماناً. فأنزل الله هذه الآية ينهاهم عن موالاة اليهود والنصارى. وقال عكرمة: نزل فى أبي لبابة بن عبد المنذر لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا؟ فجعل إصبعه في حلقه أشار إلى أنه الذبح وأنه يقتلكم فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} فنهى الله المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وأعواناً على أهل الإيمان بالله ورسوله وأخبر أنه من اتخذهم أنصاراً وأعواناً وخلفاء من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم وإن الله ورسوله والمؤمنين منه براء {بعضهم أولياء بعض} يعني أن بعض اليهود أنصار لبعض على المؤمنين وأن النصارى كذلك يد واحدة على من خالفهم فى دينهم وملتهم {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} يعني ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين فينصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم لأنه لا يتولى مولى إلا وهو راض به وبدينه وإذا رضيه ورضى دينه صار منهم وهذا تعليم من الله تعالى وتشديد عظيم في مجانبة اليهود والنصارى وكل من خالف دين الإسلام {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} يعني أن الله لا يوفق من وضع الولاية في غير موضعها فتول اليهود والنصارى مع علمه بعداوتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، روي أن أبا موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: مالك وله قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟ يعني مسلماً أما سمعت قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} قلت: له دينه ولي كتابته: فقال: لا أكرّمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله ولا أدنيهم إذا أبعدهم الله. قلت: إنه لا يتم أمر البصرة إلا به. فقال: مات النصراني والسلام يعني: هب أنه مات فما تصنع بعده فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغنِ عنه بغيره من المسلمين. قوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض} يعني فترى يا محمد الذين في قلوبهم شك ونفاق {يسارعون فيهم} يعني يسارعون في مودة اليهود وموالاتهم ومناصحتهم لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار فكانوا يغشونهم ويخالطونهم لأجل ذلك. نزلت في عبد الله بن أبي، المنافق وفي أصحابه من المنافقين {يقولون} يعني المنافقين {نخشى أن تصيبنا دائرة} الدائرة من دوائر الدهر كالدولة التي تدول والمعنى. يقول المنافقون: إنما نخالط اليهود لأنا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه، ويعنون بذلك المكروه الهزيمة فى الحرب والقحط والجدب والحوادث المخوفة. قال ابن عباس: معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور علينا الأمر كما كان قبل محمد {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} قال المفسرون: عسى من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله وهو بمنزلة الواعد لتعلق النفس به ورجائها له والمعنى فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار دينه على الأديان كلها وإظهار المسلمين على أعدائهم من الكفار واليهود والنصارى وقد فعل الله ذلك بمنّه وكرمه فأظهر دينه ونصر عبده. وقيل: أراد بالفتح فتح مكة. وقيل: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك ونحوهما من بلادهم {أو أمر من عنده} يعني أنه تعالى يقطع أصل اليهود من أرض الحجاز ويخرجهم من بلادهم بلا كلفة وتعب ولا يكون للناس فيه فعل ألبتة كما ألقى في قلوبهم الرعب فأخلوا ديارهم وخربوها بأيديهم ورحلوا إلى الشام. وقوله تعالى: {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} يعني فيصبح المنافقون الذين كانوا يوالون اليهود نادمين على ما حدثوا به أنفسهم أنّ أمر محمد لا يتم وقيل ندموا على دس الأخبار إلى اليهود.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاءَ}: نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارَىٰ أولياءَ في النُّصْرة والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ مَنْ أكثر مخالطةَ هذَيْن الصِّنْفين، فله حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى: {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا ٱنْقَضَتْ بدْرٌ وشَجَر أمر بني قَيْنُقَاعٍ، أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ٱبْنُ سَلُولَ مخاصِماً، وقال: يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي ٱمْرُؤٌ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ وهبتُهُمْ لك، ونزلَتِ الآية في ذلك. وقوله عزَّ وجلَّ: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}: جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}: إنحاء علَىٰ عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، وعلَىٰ كلِّ من ٱتَّصَفَ بهذه الصفة. وقوله سبحانه: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ}: المعنى: فترَىٰ يا محمد، {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}؛ إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومَنْ تبعه من المنافقين علَىٰ مذهبه في حماية بني قَيْنُقَاعٍ. وقوله تعالى: {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}: لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومن تبعه من المنافقين، ودَائِرَةٌ: معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ ـــ عليه السلام ـــ، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك. وقوله سبحانه: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ}، وهو ظهورُ نبيه ـــ عليه السلام ـــ، و علوُّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة، {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضاً فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ. وقرأ ابن الزُّبَيْر: «فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ». وقوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَـٰؤُلآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}، قرأ نافعٌ وغيره: «يَقُولُ» ـــ بغير واو ـــ، وقرأ حمزة وغيره: «وَيَقُولُ»، وقرأ أبو عمرو وحْده: «وَيَقُولَ» ـــ بالواو، ونصبِ اللامِ ـــ؛ فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم اللَّه تعالَىٰ، فحينئذ: يقولُ المؤمنون: {أَهـَٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ} الآية. وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ: {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ ـــ عليه السلام ـــ والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ ـــ عليه السلام ـــ بني قَيْنُقَاعٍ؛ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» ـــ بالنصب ـــ، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ. وقوله تعالى: {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنَىٰ: أهؤلاء هم المُقْسِمُون بٱجتهادٍ منهم في الأيمانِ؛ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ ــــ ما يُكَذِّبُ أيمانهم. وقوله: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ}: يحتملُ أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: {حَبِطَتْ} دعاءً، أي: بَطَلَتْ أعمالُهم.
ابن عادل
تفسير : اختلفوا في نُزُول هذه الآية، وإن كان حُكمُهَا عامًّا لجميع المؤمنين، فقال قومٌ: نزلت في عبادة بن الصَّامتِ - رضي الله عنه -، وعبد الله بن أبي ابن سلُول - لعنهُ الله -، وذلك أنَّهما اخْتَصَما، " حديث : فقال عُبَادة: إن لي أوْلِيَاء من اليَهُود كثير عَدَدَهُم شديدةٌ شوْكَتُهُم، وإنِّي أبرأ إلى الله - تعالى - وإلى رسُوله من ولايتهِم وولايَة اليَهُود، ولا مولى لي إلا الله - عزَّ وجلَّ - ورسوله. فقال عبدُ الله - لعنه الله -: لكنِّي لا أبرأ مِنْ ولايَة اليَهُود لأنِّي أخاف الدَّوَائر ولا بُدَّ لِي مِنْهُم فقال النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -: يا أبا الحُبَاب ما نفذت من ولاية اليَهُود على عُبَادة بن الصَّامِت فهو لك دُونه قال: إذْن أقْبَل"تفسير : . فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية. وقال السُّدِّيُّ: لمَّا كانت وقعة [أُحُد] اشتدَّتْ على طائِفَةٍ من النَّاس، وتَخوَّفُوا أن يُدَال عليهم الكُفَّار، فقال [رَجُلٌ] من المُسْلِمين: أنَا ألْحَقُ بِفلانٍ اليهُودِيّ، وآخذ منه أماناً إنِّي أخافُ أن يُدالَ علينا اليَهُود. وقال رجُل آخَر: أما أنا فألْحَقُ بفُلانٍ النَّصْرَانِيِّ من أهْلِ الشَّام، وآخُذ منه أمَاناً، فأنْزَل الله هذه الآية نَهْياً لَهُمَا. وقال عكرمة: نزلت في أبِي لُبَابة بن عبد المُنْذِر بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - إلى بني قُرَيْظَة حين حَاصَرَهُم، فاسْتَشَارُوه في النُّزول، وقالوا: ماذا يَصْنَعُ بنا إذا نَزَلْنَا فجعل إصْبَعَهُ على حَلْقِه أنَّه الذَّبح، أي: يَقْتُلكُمْ، فنَزَلَتْ هذه الآية؛ ومعنى لا تتَّخِذُوهُمْ أي: لا تَعْتَمِدُوا على اسْتِنْصَارِهِم، ولا تتودَّدُوا إلَيْهِم. قوله: {بَعْضُهم أوْلِيَاءُ بَعْضٍ} مُبْتَدأ وَخَبَر، وهذه الجُمْلَة لا مَحَلَّ لها؛ لأنها مُسْتَأنفة، سيقَتْ تعليلاً للنَّهْي المتقدِّم. وزعم الحوفيّ أنها في محلِّ نصب نعتاً لـ "أَولياء"، والأوَّل هو الظّاهر، والضَّمير في "بَعْضِهِم" يعود على اليهُود والنَّصارى على سَبِيل الإجْمَالِ، والقرينة تبين أن بعض اليهود أولياء بعض، وأن بعض النصارى أولياء بعض [وبهذا التقرير لا يحتاج كما زعم بعضهم إلى تقدير محذوف يصح به المعنى، وهو: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض]. قال: لأن اليهود لا يتَوَلَّوْنَ النصارى، والنصارى لا يتولَّوْن اليهود، وقد تقدم جوابه. قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} فيوافقُهُم ويُعينُهم، "فإنَّهُ مِنْهُم" قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما -: يعني كانوا مِثْلَهُم فهذا تَغْلِيظٌ من الله وتشديدٌ في [وجوب] مجانبة المُخالِفِ في الدِّين، ونَظِيره قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} تفسير : [البقرة: 249]، وهذه الآية تدلُّ على مَنْع إثْبَات المِيرَاث للمُسْلِم من المرتَدِّ. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} رُوِي عن أبي مُوسى الأشْعَري - رضي الله عنه - أنَّه قال: قُلْتُ لعمر بن الخَطّاب - رضي الله عنه - إن [لي كاتباً] نَصْرانياً. قال: مَا لَكَ قاتلَك اللَّه؟ ألا اتَّخْذَت حَنِيفاً، أما سَمِعْت قول الله - تعالى -: {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}. قلت: لَهُ دينُهُ ولي كِتَابتُه قال: لا أكرمُهم إذ أهَانَهُم الله، ولا أعزُّهُم إذ أذَلَّهُم، ولا أدْنِيهِمْ إذ أبْعدَهَمُ الله. قلت: لا يَتِمُّ النُّصْرة إلاَّ به، فقال: مَاتَ النَّصْرَانِيُّ والسَّلام، يعني: هَبْ أنَّهُ مات فَمَا تَصْنَعَ بَعْدَهُ، فما تعمله بعد موْتِهِ فاعْمَلْهُ الآنَ، واستعن عنهُ بِغيْرِه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبادة بن الوليد "أن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن سلول وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، - وكان أحد بني عوف بن الخزرج - وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} إلى قوله {فإن حزب الله هم الغالبون}". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إن عبد الله بن أبي بن سلول قال: أن بيني وبين قريظة والنضير حلف، وإني أخاف الدوائر فأرتد كافراً. وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} إلى قوله {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} يعني عبد الله بن أبي. وقوله {أية : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} تفسير : [المائدة: 55] يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: {أية : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون} تفسير : [المائدة: 81]. وأخرج ابن مردويه من طريق عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده عن عبادة بن الصامت قال: فيّ نزلت هذه الآية حين أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبرأت إليه من حلف اليهود، وظاهرت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال "حديث : جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبَيِّ: يا أبا حباب، أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة،.. فهو لك دونه. قال: إذن أقبل. فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} إلى أن بلغ إلى قوله {والله يعصمك من الناس} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما كانت وقعة أُحد اشتد على طائفة من الناس وتخوَّفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألحق بفلان اليهودي، فآخذ منه أماناً وأتهوّد معه فإني أخاف أن يدال على اليهود. وقال الآخر: اما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام، فآخذ منه أماناً وأتنصر معه. فأنزل الله تعالى فيهما ينهاهما {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} في بني قريظة، إذ غدروا ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى أبي سفيان بن حرب، يدعونه وقريشاً ليدخلوهم حصونهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر إليهم ان يستنزلهم من حصونهم، فلما أطاعوا له بالنزول وأشار إلى حلقه بالذبح، وكان طلحة والزبير يكاتبان النصارى وأهل الشام، وبلغني أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يخافون العوز والفاقة، فيكاتبون اليهود من بني قريظة والنضير، فيدسون إليهم الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسون عندهم القرض والنفع، فنهوا عن ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء...} الآية. قال: إنها في الذبائح من دخل في دين قوم فهو منهم. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عياض. أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع اليه ما أخذ وما أعطى في أزيم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتاباً في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد. قال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني. فانتهرني وضرب فخذي ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء...} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة قال: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر وتلا {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .
القشيري
تفسير : لا تجنحوا إلى الموالاة مع أعدائه - سبحانه - إيثاراً للسكون إلى الحظ، أو احتشاماً من القيام للحق، أو ركوناً إلى قرابة نَسَبٍ، أو استحقاقاً لمودة حميم، أو تهيباً من استيحاش صديق. بل صمموا عقودكم على التبرِّي منهم بكل وجه فهم بعضهم أولياء بعض، والضدية بينكم وبينهم قائمة إلى الدين. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} التحق بهم، وانخرط في سِلكهم، وعُدَّ في جملتهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم وان كان سبب وروده بعضا منهم اذ روى ان عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان لى موالى من اليهود كثيرا عددهم وانى ابرأ الى الله ورسوله من ولايتهم واوالى الله ورسوله فقال عبد الله بن ابى انى رجل اخاف الدوائر لا ابرأ من ولاية موالىّ وهم يهود بنى قينقاع فقال تعالى {لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء} اى لا تتخذوا احدا منهم وليا بمعنى لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الاحباب ومعاشرتهم لا بمعنى لا تجعلوهم اولياء لكم حقيقة فانه امر ممتنع فى نفسه لا يتعلق به النهى {بعضهم اولياء بعض} اى بعض كل فريق من ذينك الفريقين اولياء بعض آخر من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر لانه لا موالاة بين فريقى اليهود والنصارى رأسا والكل متفقون على الكفر مجمعون على مضارتكم ومضاركم فيكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة {ومن يتولهم منكم} اى من يتخذهم اولياء {فانه منهم} اى هو على دينهم ومعهم فى النار وهذا اذا تولاهم لدينهم واما الصحبة لمعاملة شراء شىء منهم او طلب عمل منهم مع المخالفة فى الاعتقاد والامور الدينية فليس فيه هذا الوعيد. قال المولى ابو السعود وفيه زجر شديد للمؤمنين عن اظهار صورة الموالاة لهم وان لم تكن موالاة فى الحقيقة {ان الله لا يهدى القوم الظالمين} تعليل لكون من يتولاهم منهم اى لا يرشد الذين ظلموا انفسهم بترك اخوانهم المؤمنين وبموالاة اعداء الله بل يخليهم وشأنهم فيقعون فى الكفر والضلالة اللهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك: قال الحافظ شعر : درره عشق ازان سوى فناصد خطرست تانكوى كه جوعمرم بسر آمدرستم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {يقول الذين آمنوا} قرىء بغير واو؛ استئنافًا، وكأنه جواب عن سؤال، أي: ماذا يقول المؤمنون حينئٍذ؟ فقال: يقول... الخ، وقرىء بالواو والرفع؛ عطف جملة على جملة، وقرىء بالواو والنصب؛ عطف على {فيصبحوا} أو {يأتي}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} تنتصرون بهم، أو تعاشرونهم معاشرة الأحباب، أو تتوددون إليهم، وأما معاملتهم من غير مودة فلا بأس، ثم علل النهي عن موالاتهم فقال: هم {بعضهم أولياء بعض} أي: لأنهم متفقون على خلافكم، يوالي بعضهم بعضًا لا تحادهم في الدين، وإجماعهم على مضادتكم، {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي: من والاهم منكم فإنه من جملتهم. قال البيضاوي: وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : المؤمنُ والمشركُ لا تَتَراءى نَارهَمَا " تفسير : أو لأن الموالين لهم كانوا منافقين. هـ. وقال ابن عطية: من تولهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن تولاهم بأفعاله من العَضد ونحوه، دون معتقد ولا إخلال بإيمان، فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه. هـ. وسُئل ابن سيرين عن رجل أراد بيع داره للنصارى يتخذونها كنيسة، فتلا هذه الآية: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} . هـ. وفي أبي الحسن الصغير: أن بيع غير السلاح للعدو الكافر فسق، وبيع السلاح له كفر. قلت: ولعله إذا قصد تقويتهم على حرب المسلمين، وأما الفداء بالسلاح إذا لم يقبلوا غيره، فيجوز في القليل دون الكثير، وأجازه سحنون مطلقاً، إذا لم يرج فداؤه بالمال. انظر الحاشية. {إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي: ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار. {فترى الذين في قلوبهم مرض} وهم المنافقون، {يسارعون فيهم} أي: في موالاتهم ومناصرتهم، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي: يعتذرون بأنهم يخافون أن تصيبهم دائرة من الدوائر، بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار. رُوِي أن عبادة بن الصامت قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي موالي من اليهود، كثير عددهم، وإني أبرأُ إلى الله ورسوله من ولايتهم، فقال ابن أبي: إني امرؤ أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي، فنزلت الآية، قال تعالى ردًا عليه: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين ونصرهم، {أو أمر من عنده}، يقطع شأفة اليهود، من القتل والإجلاء، {فيُصبحوا} أي: هؤلاء المنافقون، {على ما أسروا في أنفسهم} من الكفر والنفاق، ومن مظاهرة اليهود {نادمين}. {ويقول الذين آمنوا} حينئٍذ ـ أي: حين فتح الله على رسوله وفضح سريرة المنافقين ـ: {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم}، يقولهُ المؤمنون بعضهم لبعض، تعجبًا من حال المنافقين وتبجحًا بما منَّ الله عليهم من الإخلاص، أو يقولونه لليهود؛ لأن المنافقين حلفوا لهم بالمناصرة، كما حكى تعالى عنهم {أية : وَإٍن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَكُمْ } تفسير : [الحَشر:11] قاله البيضاوي. وقوله: {حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}. يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، أو من قول الله تعالى، شهادة عليهم بحبوط أعمالهم، وفيه معنى التعجب، كأنه قال: ما أحبط أعمالهم وما أخسرهم! والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارًا النهيُ عن موالاة الغافلين، وخصوصًا الفجار منهم، ويلتحق بهم القراء المداهنون؛ وهم فسقة الطلبة؛ الذين هم على سبيل الشيطان، والفقراء الجاهلون؛ وهم من لا شيخ لهم يصلح للتربية، والعلماء المتجمدون، فصحبة هؤلاء تقدح في صفاء البصيرة، وتخمد نور السريرة، وكل من تراه من الفقراء يميل إلى هؤلاء خشية الدوائر، ففيه نزعة من المنافقين. والله تعالى أعلم. ثم تكلم بقية حفظ الإيمان، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ}.
الطوسي
تفسير : قوله {بعضهم أولياء بعض} إخبار منه تعالى ان الكفار يوالي بعضهم بعضاً وقوله {ومن يتولهم منكم} يعني من استنصرهم واتخذهم أنصاراً فانه منهم أي محكوم له بحكمهم في وجوب لعنه والبراءة منه ويحكم بأنه من أهل النار. وقوله {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} معناه لا يهديهم الى طريق الجنة لكفرهم، واستحقاقهم العذاب الدائم بل يضلهم عنها الى طريق النار، هذا قول ابي علي. وقال غيره: معناه لا يحكم لهم بحكم المؤمنين في المدح والثناء والنصرة على الاعداء.
الجنابذي
تفسير : { يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} احبّاء تعاشرونهم معاشرة الاحباب وتتوقّعون منهم النّصرة فى البلايا {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} فلا تتوقّعوا منهم الولاية فانّهم لكونهم على دينٍ واحدٍ متوادّون وان كانوا متنازعين من جهةٍ اخرى {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} لانّ التّولىّ والتّودّد لا يكون الاّ من سنخيّة بين المتوادّين والسّنخيّة تقتضى الدّخول في الاسناخ، عن الصّادق (ع) من تولّى آل محمّد (ص) وقدّمهم على جميع النّاس بما قدّمهم من قرابة رسول الله (ص) فهو من آل محمّد (ص) بمنزلة آل محمّد (ص) لانّه من القوم باعيانهم وانّما هو منهم بتولّيه اليهم واتّباعه ايّاهم وكذلك حكم الله فى كتابه {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وقول ابراهيم (ع) {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} تفسير : [إبراهيم:36] {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} يعنى لا تتّخذوا منهم اولياء لانّهم ظالمون بعدم قبول الاسلام وانّ الله لا يهدى القوم الظّالمين، اولا تتّخذوا منهم اولياء فتصيروا ظالمين بتولّيهم وعدم تولّى المؤمنين فلا يهديكم الله الى الحقّ لانّ الله لا يهدى القوم الظّالمين.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} الآية نزلت يوم بني قينقاع في عبادة بن الصامت قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن لي موالي من اليهود، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من موالاتهم، وعبد الله بن أُبي، وذلك أن عبد الله بن أُبي أتى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأدخل يده حيث ورعه وقال: أحسن في موالي أربع مائة حاسر وثلاثمائة دارع أحصدهم في عداة واحدة ثم قال: هم يمنعوني من الأبيض والأحمر وإني امرء أخشى الدوائر، وفي عبد الله بن أُبي نزل قوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض} الآية، المرض الشك، قال جار الله: لا يتخذوهم أولياء ينصرونهم ويؤاخونهم ويعاشرونهم ويصافونهم مصافاة المؤمنين، ثم علَّل النهي بقوله: {بعضهم أولياء بعض} يعني إنما يوالي بعضهم بعضا، قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} يعني من جملتهم، وحكمه حكمهم فهذا تغليظ من الله تعالى وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة يمنعهم الله ألطافه، وقوله تعالى: {يسارعون فيهم} في موالاة اليهود، وقوله تعالى: {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي حوادث تدور، نحتاج إليهم فيها، وقيل: دائرة أن يهلك محمد وأصحابه ويرجع الأمر إلى ما كان عليه في الجاهلية فنحتاج إلى اليهود {فعسى الله} عسى من الله واجب {أن يأتي بالفتح} قيل: الفصل، وقيل: فتح بلاد المشركين، وقيل: فتح مكة {أو أمر من عنده} قيل: إذلال المشركين وظهور الاسلام، وقيل: قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: أن يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإظهار اسرار المنافقين وقتلهم فيبدو نفاقهم، وقيل: أوامر من عنده لا يكون للناس فيه فعل كبني النضير الذي طرح الله في قلوبهم الرعب {فيصبحوا} يعني يصبح المنافقون {نادمين} على ما حدثوا به أنفسهم وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون ما نظن أن يتم له أمرٌ.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ}: حديث : لما انقضت بدر وظهر غدر من بنى قينقاع أراد النبى صلى الله عليه وسلم قتلهم، فقام دونهم عبد الله بن أبى سلول مخاصماً وقال: يا محمد أحسن فى موالى فانى أمرؤ أخاف الدوائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد وهبتهم لك "تفسير : فنزلت الآية. وفى رواية: نزلت فى عبادة بن الصامت رضى الله عنه، وعبد الله بن أبى بن سلول، قال عبادة: حديث : ان لى أولياء من اليهود كثيراً عددهم، شديدة شوكتهم، وانى أبرأ الى الله ورسوله من ولايتهم، ولا مولى لى الا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبى: لكنى لا أبرأ من ولاية اليهود، يعنى يهود بن قينقاع، فانى أخاف الدوائر ولا بد لى منهم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه" فقال لعنه الله: اذن قيلتفسير : فأنزل الله هذه الآية. وقال السدى: لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس ويخافون أن تكون الدولة للمشركين قريش وغيرهم، فقال رجل من المؤمنين: أنا ألحق بفلان اليهودى وآخذ منه أماناً انى أخاف أن تكون الدولة لليهود، وقال رجل آخر: أنا ألحق بفلان النصرانى بالشام، وآخذ منه أماناً فأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة: نزلت فى أبى لبابة وعبد المنذر لما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم الى قريظة حين حدهم فاستشاروه فى النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا اذ أنزلنا، فجعل أصبعه فى خلقه أشار الى أنه الذبح، وأنه يقتلكم فنزلت الآية. {بَعْضُهُم أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ}: بعض اليهود أنصار لبعض على المؤمنين والنصارى، يد واحدة على من خالفهم والعياذ بالله، والمشركون كلهم بعضهم أولياء بعض، اذ قابلوا المؤمنين لاجتماع مللهم على الكفر، والله مع المؤمنين، فكيف توالون أيها المؤمنون بالحب والنصح والاعتماد من خالف دينكم، بل هم يتوالون على معاداتكم لأنهم جميعا على الكفر، ونعوذ بالله. {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم}: بالحب من قبله والنصح أو باخبارهم بخبر المؤمنين. {فَإِنَهُ مِنْهُم}: أى مثلهم فى غضب الله، ودخول النار، وان تولاهم بتصويب دينهم أو بعضه، فهو مثلهم فى ذلك وفى الشرك، ولا تترآى نار المؤمن والمشرك الا على حرب، وقيل: معنى الآية من يتولهم باضمار الشرك فانه مشرك مثلهم لا ينفعه عند الله ما نافق به من اظهار الايمان، والواجب على الموحد أن لا يجالس المشرك ولو كتابياً الا لضرورة، ولا يستعلمه كتاباً أو بواباً أو طبيباً. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لأبى موسى فى كتابه: النصارى لا تكرموهم اذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم اذ خونهم الله، ولا تدنوهم اذ أفضاهم الله، وقال له أبو موسى لأقوام البصرة الآية فقال: ما النصرانى والسلام، أى هب أنه مات كما كنت صانعاً فاصنعه الآن، واستعن بغيره، وروى أنه قال لعمر: ان لى كتاباً نصرانياً، فقال: مالك وله قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا يعنى مسلما، أما سمعت قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} فقال: له دينه ولى كتابته فقال: لا أكرمهم اذ أهانهم الله، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لأن عشت لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها الا مؤمن "تفسير : فمات قبل أن يفعل ذلك. {إِنَّ اللهَ لا يَهدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ}: لأنفسهم وغيرهم بولاية اليهود والنصارى أو غيرهم من المشركين.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إِيمان صدق أَو إِيمان نفاق بالجارحة أَو باضمار شرك ولو كان سبب النزول فيمن نافق باضمار الشرك {لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} بالحب والاعتماد عليهم وإِلقاءِ الأَسرار إِليهم ومشاورتهم بل أبغضوهم لأَنهم أَعداء الله وفيهم مكر {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} بعض اليهود أَولياء لبعض اليهود وبعض النصارى أَولياء لبعض النصارى يد واحدة عليكم واليهود عدو للنصارى والنصارى عدو لهم ومع ذلك هم أَولياء بعض لبعض من حيث الإِشراك ومعاداتهم فكيف تطمئنون إِليهم ولظهور العداوة بين اليهود والنصارى لايتوهم أَن المراد أَن اليهود أَولياء النصارى والنصارى أَولياء اليهود {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} تأْكيد في التحذير يعذب بالنار كما يعذبون وإِن كان توليه إياهم بإِضمار الشرك فهو أَيضا مشرك مثلهم، روى أَنه قال عبادة بن الصامت رضى الله عنه من بنى الحارث بن الخزرج لعبد الله بن أبى بن سلول في تنازعهما: إِن لى أَولياءَ من اليهود كثيرا عددهم شديدا شوكتهم وإنى أَبرأ إِلى الله وإِلى رسوله من ولاية اليهود ولا مولى لى إِلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أَبى: لكنى لا أَبرأ من ولاية اليهود فإِنى أَخاف الدوائر ولا بد لى منهم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : يا أَبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة ابن الصامت فهو لك دونهتفسير : ، أَراد العيب عليه، فقال إِذاً أَقبل، وأَبو الحباب كناية ابن أَبى، ونزلت الآية والتى بعدها في ذلك وفي أَنه تخوف قوم بعد قتال أحد فقال مسلم أَنا ألحق بفلان اليهودى آخذ منه أَمانا وأَتهود معه لعله تكون الدولة لليهود، وقال آخر أَنا ألحق بفلان النصراني بالشام وأَتنصر معه وآخذ منه أَمانا {إِنَّ الله لا يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين سبقت لهم الشقاوة بل يخذلهم باختيارهم الضلال كموالاة الكفار، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتراءَى نار المؤمن والمشرك إِلا على حرب"تفسير : أَى لا تظهر نار أَحدهما لنار الآخر في حال النزول للقرب إِلا على حرب، قال أَبو موسى الأَشعرى لعمر رضى الله عنه: إِن لى كاتبا نصرانيا فقال: مالك قاتلك الله، أَلا تتخذ حنيفيا مسلما أَما سمعت قوله تعالى {يا أَيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أَولياء} فقال: له دينه ولى كتابته، فقال عمر رضى الله عنه: لا تكرموهم إِذ أَهانهم الله ولا تأْمنوهم إِذ خونهم الله ولا تدنوهم إِذ أَقصاهم الله، فقال أَبو موسى: لا قوام للبصرة إِلا به، فقال له: فأَنت النصرانى، أَى فأَنت إِذ وليته، قيل: أَراد هب أَنه مات فما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره.
الالوسي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم، وإن كان سبب وروده بعضاً ـ كما ستعرفه إن شاء الله تعالى ـ ووصفهم بعنوان الإيمان لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه بقوله سبحانه: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء} فإن تذكير اتصافهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتهما أي لا يتخذ أحد منكم أحداً منهم ولياً بمعنى لا تصافوهم مصافاة الأحباب ولا تستنصروهم. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن السدي قال: لما كانت وقعة أحد اشتد على طائفة من الناس وتخوفوا أن تدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألحق بذلك اليهودي فآخذ منه أماناً وأتهود معه فإني أخاف أن تدال علينا اليهود، وقال الآخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام فآخذ منه أماناً وأتنصر معه، فأنزل الله تعالى فيهما ينهاهما {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ. / وأخرج ابن جرير وابن أبـي شيبة عن عطية بن سعد قال: «جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من ولاية يهود وأتولى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي» فنزلت. {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} أي بعض اليهود أولياء لبعض منهم، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم، وأوثر الإجمال لوضوح المراد بظهور أن اليهود لا يوالون النصارى كالعكس، والجملة مستأنفة تعليلاً للنهي قبلها وتأكيداً لإيجاب اجتناب المنهي عنه أي بعضهم أولياء بعض متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون، ومن ضرورة ذلك إجماع الكل على مضادتكم ومضارتكم بحيث يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة، وزعم الحوفي أن الجملة في موضع الصفة لأولياء، والظاهر هو الأول. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي من جملتهم، وحكمه حكمهم كالمستنتج مما قبله، وهو مخرج مخرج التشديد والمبالغة في الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافراً وليس بمقصود، وقيل: المراد ومن يتولهم منكم فإنه كافر مثلهم حقيقة، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً أو نصارى، وقيل: لا بل لأن الآية نزلت في المنافقين، والمراد أنهم بالموالاة يكونون كفاراً مجاهرين. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم، تعليل آخر على ما قيل: يتضمن عدم نفع موالاة الكفرة بل ترتب الضرر عليها، وقيل: هو تعليل لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تنبيهاً على أن توليهم ظلم لما أنه تعريض للنفس للعذاب الخالد ووضع للشيء في غير موضعه.
سيد قطب
تفسير : نصوص هذا الدرس كله تؤيد ما ذهبنا إليه في تقديم السورة، من أن هذه السورة لم تنزل كلها بعد سورة الفتح التي نزلت في الحديبية في العام السادس الهجري؛ وأن مقاطع كثيرة فيها يرجح أن تكون قد نزلت قبل ذلك؛ وقبل إجلاء بني قريظة في العام الرابع - عام الأحزاب - على الأقل، إن لم يكن قبل هذا التاريخ أيضاً.. قبل إجلاء بني النضير بعد أحد، وبني قينقاع بعد بدر.. فهذه النصوص تشير إلى أحداث، وإلى حالات واقعة في الجماعة المسلمة بالمدينة، وإلى ملابسات ومواقف لليهود وللمنافقين، لا تكون أبداً بعد كسر شوكة اليهود؛ وآخرها كان في وقعة بني قريظة. فهذا النص عن إتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وهذا التحذير - بل التهديد - بأن من يتولهم فهو منهم. وهذه الإشارة إلى أن الذين في قلوبهم مرض يوالونهم، ويحتجون بأنهم يخشون الدوائر. وتنفير المسلمين من الولاء لمن يتخذون دينهم هزواً ولعباً, والإشارة إلى أن هؤلاء يتخذون صلاة المسلمين - إذا قام المسلمون إلى الصلاة - هزواً ولعباً... كل أولئك لا يكون إلا ولليهود في المدينة من القوة والنفوذ والتمكن، ما يجعل من الممكن أن تقوم هذه الملابسات، وأن تقع هذه الحوادث؛ وأن يحتاج الأمر إلى هذا التحذير المشدد، وإلى هذا التهديد المكرر؛ ثم إلى بيان حقيقة اليهود؛ والتشهير بهم والتنديد؛ وإلى كشف كيدهم ومناوراتهم ومداوراتهم على هذا النحو، المنوع الأساليب. وقد ذكرت بعض الروايات أسباباً لنزول آيات في هذا الدرس؛ يرجع بعضها إلى حادث بني قينقاع بعد غزورة بدر. وموقف عبدالله بن أبى بن سلول. وقوله في ولائه لليهود وولاء اليهود له: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي! وحتى بدون هذه الروايات، فإن الدراسة الموضوعية لطبيعة النصوص وجّوها، ومراجعتها على أحداث السيرة ومراحلها وأطوارها في المدينة، تكفي لترجيح ما ذهبنا إليه في تقديم السورة عن الفترة التي نزلت فيها.. وتشير نصوص هذا الدرس إلى طريقة المنهج القرآني في تربية الجماعة المسلمة وإعدادها لدورها الذي قدره الله لها؛ كما تشير إلى مقّومات هذا المنهج والمبادىء التي يريد تقريرها في النفس المسلمة وفي الجماعة المسلمة في كل حين. وهي مقومات ومبادىء ثابته، ليست خاصة بجيل من هذه الأمة دون جيل. إنما هي أساس النشأة للفرد المسلم وللجماعة المسلمة في كل جيل.. إن هذا القرآن يربي الفرد المسلم على أساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وعقيدته وجماعته المسلمة، وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الذي يقف فيه وكل صف آخر لا يرفع راية الله، ولا يتبع قيادة رسول الله؛ ولا ينضم إلى الجماعة التي تمثل حزب الله. وإشعاره أنه موضع اختيار الله، ليكون ستاراً لقدرته، وأداة لتحقيق قدره في حياة البشر وفي وقائع التاريخ. وأن هذا الاختيار - بكل تكاليفه - فضل من الله يؤتيه من يشاء. وأن موالاة غير الجماعة المسلمة معناه الارتداد عن دين الله، والنكول عن هذا الاختيار العظيم، والتخلي عن هذا التفضل الجميل.. وهذا التوجه واضح في النصوص الكثيرة في هذا الدرس: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض.. ومن يتولهم منكم فإنه منهم.. إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم}.. {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.. ثم يربي القرآن وعي المسلم بحقيقة أعدائه، وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه. إنها معركة العقيدة. فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه.. وهم يعادونه لعقيدته ودينه، قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ لأنهم هم فاسقون عن دين الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل من قبل. وأن أكثركم فاسقون؟؟} فهذه هي العقدة؛ وهذه هي الدوافع الأصيلة! وقيمة هذا المنهج، وقيمة هذه التوجيهات الأساسية فيه، عظيمة. فإخلاص الولاء لله ورسوله ودينه وللجماعة المسلمة القائمة على هذا الأساس، ومعرفة طبيعة المعركة وطبيعة الأعداء فيها.. أمران مهمان سواء في تحقيق شرائط الإيمان أو في التربية الشخصية للمسلم، أو في التنظيم الحركي للجماعة المسلمة.. فالذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها أصلاً، ولا يكونون في ذواتهم شيئاً، ولا يحققون في واقع الأرض أمراً ما لم تتم في نفوسهم المفاصلة الكاملة بينهم وبين سائر المعسكرات التي لا ترفع رايتهم، وما لم يتمحض ولاؤهم لله ورسوله ولقيادتهم الخاصة المؤمنة به، وما لم يعرفوا طبيعة أعدائهم وبواعثهم وطبيعة المعركة التي يخوضونها معهم، وما لم يستيقنوا أنهم جميعاً إلب عليهم، وأن بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة والعقيدة الإسلامية على السواء. والنصوص في هذا الدرس لا تقف عند كشف بواعث المعركة في نفوس أعداء الجماعة المسلمة. بل تكشف كذلك طبيعة هؤلاء الأعداء ومدى فسقهم وانحرافهم، ليتبين المسلم حقيقة من يحاربه، وليطمئن ضميره إلى المعركة التي يخوضها، وليقتنع وجدانه بضرورة هذه المعركة، وأنه لا مفر منها: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض}.. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء. واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}.. {وإذا جاءوكم قالوا: آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به، والله أعلم بما كانوا يكتمون. وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون!}.. {وقالت اليهود: يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً}.. ومن هذه صفاتهم، ومواقفهم من الجماعة المسلمة، وتألبهم عليها، واستهزاؤهم بدينها وصلاتها، لا مناص للمسلم من دفعهم وهو مطمئن الضمير.. كذلك تقرر النصوص نهاية المعركة ونتيجتها، وقيمة الإيمان في مصائر الجماعات في هذه الحياة الدنيا قبل الجزاء في الحياة الآخرة: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.. {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}.. كما تقرر صفة المسلم الذي يختاره الله لدينه، ويمنحه هذا الفصل العظيم في اختياره لهذا الدور الكبير: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}.. وكل هذه التقريرات خطوات في المنهج، وفي صياغة الفرد المسلم، والجماعة المسلمة على الأساس المتين. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة. فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين: ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم؟ حبطت أعمالهم، فأصبحوا خاسرين}.. ويحسن أن نبين أولاً معنى الولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى.. إنها تعني التناصر والتحالف معهم. ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم. فبعيد جداً أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر، الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم، بحكم ما كان واقعاً من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام، وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة، حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله. بعد ما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة.. وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية. وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام. فقال الله سبحانه: {أية : ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}تفسير : .. وطبيعي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين. فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال. إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون. فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم.. وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال، بعد ما كان قائماًَ بينهم أول العهد في المدينة. إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض، وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية؛ وتصطدم - من ثم - بالتصورات والأوضاع المخالفة، كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله، وتدخل في معركة لا حيلة فيها، ولا بد منها، لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده، وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة.. وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة، كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها؛ ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة. ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب.. بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة.. وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم. وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة. وأنهم قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفي صدورهم أكبر.. إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة. إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب، ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم. وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب، ومهما أبدى لهم من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه، ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له.. وسذاجة أية سذاجة وغفلة أية غفلة، أن نظن أن لنا وإياهم طريقاً واحداً نسلكه للتمكين للدين! أمام الكفار والملحدين! فهم مع الكفار والملحدين، إذا كانت المعركة مع المسلمين!!! وهذه الحقائق الواعية يغفل عنها السذج منا في هذا الزمان وفي كل زمان؛ حين يفهمون أننا نستطيع أن نضع أيدينا في أيدي أهل الكتاب في الأرض للوقوف في وجه المادية والإلحاد - بوصفنا جميعاً أهل دين! - ناسين تعليم القرآن كله؛ وناسين تعليم التاريخ كله. فأهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين: {أية : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}تفسير : .. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعاً وردءاً. وأهل الكتاب هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذي شردوا العرب المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم، متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية! وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان.. في الحبشة والصومال واريتريا والجزائر، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية، في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند، وفي كل مكان! ثم يظهر بيننا من يظن - في بعد كامل عن تقريرات القرآن الجازمة - أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر. ندفع به المادية الإلحادية عن الدين! إن هؤلاء لا يقرأون القرآن. وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام؛ فظنوها دعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن. إن هؤلاء لا يعيش الإسلام في حسهم، لا بوصفه عقيدة لا يقبل الله من الناس غيرها، ولا بوصفه حركة إيجابية تستهدف إنشاء واقع جديد في الأرض؛ تقف في وجه عداوات أهل الكتاب اليوم، كما وقفت له بالأمس. الموقف الذي لا يمكن تبديله. لأنه الموقف الطبيعي الوحيد! وندع هؤلاء في إغفالهم أو غفلتهم عن التوجيه القرآني، لنعي نحن هذا التوجيه القرآني الصريح: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض.. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. هذا النداء موجه إلى الجماعة المسلمة في المدينة - ولكنه في الوقت ذاته موجه لكل جماعة مسلمة تقوم في أي ركن من أركان الأرض إلى يوم القيامة.. موجه لكل من ينطبق عليه ذات يوم صفة: {الذين آمنوا}.. ولقد كانت المناسبة الحاضرة إذ ذاك لتوجيه هذا النداء للذين آمنوا، أن المفاصلة لم تكن كاملة ولا حاسمة بين بعض المسلمين في المدينه وبعض أهل الكتاب - وبخاصه اليهود - فقد كانت هناك علاقات ولاء وحلف، وعلاقات اقتصاد وتعامل، وعلاقات جيره وصحبه.. وكان هذا كله طبيعياً مع الوضع التاريخي والاقتصادي والاجتماعي في المدينة قبل الإسلام، بين أهل المدينة من العرب وبين اليهود بصفة خاصة.. وكان هذا الوضع يتيح لليهود أن يقوموا بدورهم في الكيد لهذا الدين وأهله؛ بكل صنوف الكيد التي عددتها وكشفتها النصوص القرآنية الكثيرة؛ والتي سبق استعراض بعضها في الأجزاء الخمسة الماضية من هذه الظلال؛ والتي يتولى هذا الدرس وصف بعضها كذلك في هذه النصوص. ونزل القرآن ليبث الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي يخوضها بعقيدته، لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة. ولينشئ في ضمير المسلم تلك المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة ولا يقف تحت رايتها الخاصة. المفاصلة التي لا تنهي السماحة الخلقية. فهذه صفة المسلم دائماً. ولكنها تنهي الولاء الذي لا يكون في قلب المسلم إلا لله ورسوله والذين آمنوا.. الوعي والمفاصلة اللذان لا بد منهما للمسلم في كل أرض وفي كل جيل. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين}. بعضهم أولياء بعض.. إنها حقيقة لا علاقة لها بالزمن.. لأنها حقيقة نابعة من طبيعة الأشياء.. إنهم لن يكونوا أولياء للجماعة المسلمة في أي أرض ولا في أي تاريخ.. وقد مضت القرون تلو القرون ترسم مصداق هذه القولة الصادقة.. لقد ولي بعضهم بعضاً في حرب محمد - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة في المدينة. وولي بعضهم بعضاً في كل فجاج الأرض، على مدار التاريخ.. ولم تختل هذه القاعدة مرة واحدة؛ ولم يقع في هذه الأرض إلا ما قرره القرآن الكريم، في صيغة الوصف الدائم، لا الحادث المفرد.. واختيار الجملة الأسمية على هذا النحو.. بعضهم أولياء بعض.. ليست مجرد تعبير! إنما هي اختيار مقصود للدلالة على الوصف الدائم الأصيل! ثم رتب على هذه الحقيقة الأساسية نتائجها.. فإنه إذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض فإنه لا يتولاهم إلا من هو منهم. والفرد الذي يتولاهم من الصف المسلم، يخلع نفسه من الصف ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف "الإسلام" وينضم إلى الصف الآخر. لأن هذه هي النتيجة الطبيعية الواقعية: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}.. وكان ظالماً لنفسه ولدين الله وللجماعة المسلمة.. وبسبب من ظلمه هذا يدخله الله في زمرة اليهود والنصارى الذين أعطاهم ولاءه. ولا يهديه إلى الحق ولا يرده إلى الصف المسلم: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. لقد كان هذا تحذيراً عنيفاً للجماعة المسلمة في المدينة. ولكنه تحذير ليس مبالغاً فيه. فهو عنيف. نعم؛ ولكنه يمثل الحقيقة الواقعة. فما يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى - وبعضهم أولياء بعض - ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم، الذين يتولى الله ورسوله والذين آمنوا.. فهذا مفرق الطريق.. وما يمكن أن يتميع حسم المسلم في المفاصلة الكاملة بينة وبين كل من ينهج غير منهج الإسلام؛ وبينه وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام؛ ثم يكون في وسعه بعد ذلك أن يعمل عملاً ذا قيمة في الحركة الإسلامية الضخمة التي تستهدف - أول ما تستهدف - إقامة نظام واقعي في الأرض فريد؛ يختلف عن كل الأنظمة الأخرى؛ ويعتمد على تصور متفرد كذلك من كل التصورات الأخرى.. إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم، الذي لا أرجحة فيه ولا تردد، بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس - بعد رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه، منهج متفرد؛ لا نظير له بين سائر المناهج؛ ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر؛ ولا يمكن أن يقوم مقامه منهج آخر؛ ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه؛ ولا يعفيه الله ولا يغفر له ولا يقبله إلا إذا هو بذل جهد طاقته في إقامة هذا المنهج بكل جوانبه: الاعتقادية والاجتماعية؛ لم يأل في ذلك جهداً، ولم يقبل من منهجه بديلاً - ولا في جزء منه صغير - ولم يخلط بينه وبين أي منهج آخر في تصور اعتقادي، ولا في نظام اجتماعي، ولا في أحكام تشريعية، إلا ما استبقاه الله في هذا المنهج من شرائع من قبلنا من أهل الكتاب... إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو - وحده - الذي يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس؛ في وجه العقبات الشاقة، والتكاليف المضنية، والمقاومة العنيدة، والكيد الناصب، والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان.. وإلا فما العناء في أمر يغني عنه غيره - مما هو قائم في الأرض من جاهلية.. سواء كانت هذه الجاهلية ممثلة في وثنية الشرك، أو في انحراف أهل الكتاب، أو في الإلحاد السافر.. بل ما العناء في إقامة المنهج الإسلامي، إذا كانت الفوارق بينه وبين مناهج أهل الكتاب أو غيرهم قليلة؛ يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة والمهادنة؟ إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة، باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية، يخطئون فهم معنى الأديان كما يخطئون فهم معنى التسامح. فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي.. إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل ديناً إلا الإسلام، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلاً؛ ولا يقبل فيه تعديلاً - ولو طفيفاً - هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} {أية : واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم}.. وفي القرآن كلمة الفصل.. ولا على المسلم من تميع المتميعين وتمييعهم لهذا اليقين! ويصور السياق القرآني تلك الحالة التي كانت واقعة؛ والتي ينزل القرآن من أجلها بهذا التحذير: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة}.. روى ابن جرير، قال حدثنا أبو كريب، حدثنا إدريس، قال سمعت أبي، عن عطية بن سعد. قال: "حديث : جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله. إن لي موالي من يهود كثير عددهم؛ وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي (رأس النفاق): إني رجل أخاف الدوائر. لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبي: يا أبا الحباب. ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه! قال: قد قبلت! فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء}... " تفسير : وقال ابن جرير. "حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري؛ قال: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطاً من قريش، لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أصررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. "حديث : فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيراً سلاحهم، شديدة شوكتهم. وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود. ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود. إني رجل لا بد لي منهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة ابن الصامت؟ فهو لك دونه!" فقال: إذن أقبل.. " "حديث : قال محمد بن إسحق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنو قينقاع. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة. قال: فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبدالله بن أبي بن سلول - حين أمكنه الله منهم - فقال: يا محمد أحسن في مواليّ - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال: يا محمد أحسن في مواليّ. قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرسلني" وغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأوا لوجهه ظللاً. ثم قال: "ويحك! أرسلني". قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر. قال. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:هم لك ".. تفسير : قال محمد بن إسحق: فحدثني أبي إسحق بن يسار، عن عبادة، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشبث بأمرهم عبدالله بن أبي وقام دونهم؛ ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أحد بني عوف بن الخزرج. له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي فجعلهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله أبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبدالله بن أبي نزلت الآية في المائدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض} إلى قوله: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.. وقال الإمام أحمد حدثنا: قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زيادة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عودة، "حديث : عن أسامة بن زيد. قال: دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عبدالله بن أبى نعوده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:قد كنت أنهاك عن حب يهودفقال عبدالله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات"تفسير : .. (وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن إسحق) فهذه الأخبار في مجموعها تشير إلى تلك الحالة التي كانت واقعة في المجتمع المسلم؛ والمتخلفة عن الأوضاع التي كانت قائمة في المدينة قبل الإسلام؛ وكذلك عن التصورات التي لم تكن قد حسمت في قضية العلاقات التي يمكن أن تقوم.. بين الجماعة المسلمة واليهود والتي لا يمكن أن تقوم.. غير أن الذي يلفت النظر أنها كلها تتحدث عن اليهود، ولم يجئ ذكر في الوقائع للنصارى.. ولكن النص يجمل اليهود والنصارى.. ذلك أنه بصدد إقامة تصور دائم وعلاقة دائمة وأوضاع دائمة بين الجماعة المسلمة وسائر الجماعات الأخرى، سواء من أهل الكتاب أو من المشركين (كما سيجيء في سياق هذا الدرس).. ومع اختلاف مواقف اليهود من المسلمين عن مواقف النصارى في جملتها في العهد النبوي، ومع إشارة القرآن الكريم في موضع آخر من السورة إلى هذا الاختلاف في قوله تعالى: {أية : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى...الخ}تفسير : مع هذا الاختلاف الذي كان يومذاك، فإن النص هنا يسوي بين اليهود والنصارى - كما يسوي النص القادم بينهم جميعاً وبين الكفار.. فيما يختص بقضية المحالفة والولاء. ذلك أن هذه القضية ترتكز على قاعدة أخرى ثابتة. هي: أن ليس للمسلم ولاء ولا حلف إلا مع المسلم؛ وليس للمسلم ولاء إلا لله ولرسوله وللجماعة المسلمة.. ويستوي بعد ذلك كل الفرق في هذا الأمر.. مهما اختلفت مواقفهم من المسلمين في بعض الظروف.. على أن الله - سبحانه - وهو يضع للجماعة المسلمة هذه القاعدة العامة الحازمة الصارمة، كان علمه يتناول الزمان كله، لا تلك الفترة الخاصة من حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وملابساتها الموقوتة.. وقد أظهر التاريخ الواقع فيما بعد أن عداء النصارى لهذا الدين وللجماعة المسلمة في معظم بقاع الأرض لم يكن أقل من عداء اليهود.. وإذا نحن استثنينا موقف نصارى العرب ونصارى مصر في حسن استقبال الإسلام، فإننا نجد الرقعة النصرانية في الغرب، قد حملت للإسلام في تاريخها كله منذ أن احتكت به من العداوة والضغن، وشنت عليه من الحرب والكيد، ما لا يفترق عن حرب اليهود وكيدهم في أي زمان! حتى الحبشة التي أحسن عاهلها استقبال المهاجرين المسلمين واستقبال الإسلام، عادت فإذا هي أشد حرباً على الإسلام والمسلمين من كل أحد؛ لا يجاريها في هذا إلا اليهود.. وكان الله - سبحانه - يعلم الأمر كله. فوضع للمسلم هذه القاعدة العامة. بغض النظر عن واقع الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها وملابساتها الموقوتة! وبغض النظر عما يقع مثلها في بعض الأحيان هنا وهناك إلى آخر الزمان. وما يزال الإسلام والذين يتصفون به - ولو أنهم ليسوا من الإسلام في شيء - يلقون من عنت الحرب المشبوبة عليهم وعلى عقيدتهم من اليهود والنصارى في كل مكان على سطح الأرض، ما يصدق قول الله تعالى: {بعضهم أولياء بعض}.. وما يحتم أن يتدرع المسلمون الواعون بنصيحة ربهم لهم. بل بأمره الجازم، ونهيه القاطع؛ وقضائه الحاسم في المفاصلة الكاملة بين أولياء الله ورسوله، وكل معسكر آخر لا يرفع راية الله ورسوله.. إن الإسلام يكلف المسلم أن يقيم علاقاته بالناس جميعاً على أساس العقيدة. فالولاء والعداء لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على السواء إلا في العقيدة.. ومن ثم لا يمكن أن يقوم الولاء - وهو التناصر - بين المسلم وغير المسلم؛ إذ أنهما لا يمكن أن يتناصرا في مجال العقيدة.. ولا حتى أمام الإلحاد مثلاً - كما يتصور بعض السذج منا وبعض من لا يقرأون القرآن! - وكيف يتناصران وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه؟ إن بعض من لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون حقيقة الإسلام؛ وبعض المخدوعين أيضاً.. يتصورون أن الدين كله دين! كما أن الإلحاد كله إلحاد! وأنه يمكن إذن أن يقف "التدين" بجملته في وجه الإلحاد. لأن الإلحاد ينكر الدين كله، ويحارب التدين على الإطلاق.. ولكن الأمر ليس كذلك في التصور الإسلامي؛ ولا في حس المسلم الذي يتذوق الإسلام. ولا يتذوق الإسلام إلا من يأخذه عقيدة، وحركة بهذه العقيدة، لإقامة النظام الإسلامي. إن الأمر في التصور الإسلامي وفي حس المسلم واضح محدد.. الدين هو الإسلام.. وليس هناك دين غيره يعترف به الإسلام.. لأن الله - سبحانه - يقول هذا. يقول: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : ويقول: {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}تفسير : وبعد رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يعد هناك دين يرضاه الله ويقبله من أحد إلا هذا "الإسلام".. في صورته التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - وما كان يقبل قبل بعثة محمد من النصارى لم يعد الآن يقبل. كما أن ما كان يقبل من اليهود قبل بعثة عيسى عليه السلام، لم يعد يقبل منهم بعد بعثته.. ووجود يهود ونصارى - من أهل الكتاب - بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليس معناه أن الله يقبل منهم ما هم عليه؛ أو يعترف لهم بأنهم على دين إلهي.. لقد كان ذلك قبل بعثة الرسول الأخير.. أما بعد بعثته فلا دين - في التصور الإسلامي وفي حس المسلم - إلا الإسلام..وهذا ما ينص عليه القرآن نصاً غير قابل للتأويل.. إن الإسلام لا يكرههم على ترك معتقداتهم واعتناق الإسلام.. لأنه {أية : لا إكراه في الدين}تفسير : ولكن هذا ليس معناه أنه يعترف بما هم عليه "ديناً" ويراهم على "دين".. ومن ثم فليس هناك جبهة تدين يقف معها الإسلام في وجه الإلحاد! هناك "دين" هو الإسلام.. وهناك "لا دين" هو غير الإسلام.. ثم يكون هذا اللادين.. عقيدة أصلها سماوي ولكنها محرفة، أو عقيدة أصلها وثني باقية على وثنيتها. أو إلحاداً ينكر الأديان.. تختلف فيما بينها كلها. ولكنها تختلف كلها مع الإسلام. ولا حلف بينها وبين الإسلام ولا ولاء... والمسلم يتعامل مع أهل الكتاب هؤلاء؛ وهو مطالب بإحسان معاملتهم - كما سبق - ما لم يؤذوه في الدين؛ ويباح له أن يتزوج المحصنات منهن - على خلاف فقهي فيمن تعتقد بألوهية المسيح أو بنوته، وفيمن تعتقد التثليث أهي كتابية تحل أم مشركة تحرم - وحتى مع الأخذ بمبدأ تحليل النكاح عامة.. فإن حسن المعامله وجواز النكاح، ليس معناها الولاء والتناصر في الدين؛ وليس معناها اعتراف المسلم بأن دين أهل الكتاب - بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - هو دين يقبله الله؛ ويستطيع الإسلام أن يقف معه في جبهة واحدة لمقاومة الإلحاد! إن الإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب؛ كما جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء. ودعاهم إلى الإسلام جميعاً، لأن هذا هو "الدين" الذي لا يقبل الله غيره من الناس جميعاً. ولما فهم اليهود أنهم غير مدعوين إلى الإسلام، وكبر عليهم أن يدعوا إليه، جابههم القرآن الكريم بأن الله يدعوهم إلى الإسلام، فإن تولوا عنه فهم كافرون! والمسلم مكلف أن يدعوا أهل الكتاب إلى الإسلام، كما يدعو الملحدين والوثنيين سواء. وهو غير مأذون في أن يكره أحداً من هؤلاء ولا هؤلاء على الإسلام. لأن العقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه فالإكراه. في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمرة له. ولا يستقيم أن يعترف المسلم بأن ما عليه أهل الكتاب - بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - هو دين يقبله الله.. ثم يدعوهم مع ذلك إلى الإسلام!.. إنه لا يكون مكلفاً بدعوتهم إلى الإسلام إلا على أساس واحد؛ هو أنه لا يعترف بأن ما هم عليه دين. وأنه يدعوهم إلى الدين. وإذا تقررت هذه البديهية، فإنه لا يكون منطقياً مع عقيدته إذا دخل في ولاء أو تناصر للتمكين للدين في الأرض، مع من لا يدين بالإسلام. إن هذه القضية في الإسلام قضية اعتقادية إيمانية. كما أنها قضية تنظيمية حركية! من ناحية أنها قضية إيمانية اعتقادية نحسب أن الأمر قد صار واضحاً بهذا البيان الذي أسلفناه، وبالرجوع إلى النصوص القرآنية القاطعة بعدم قيام ولاء بين المسلمين وأهل الكتاب. ومن ناحية أنها قضية تنظيمية حركية الأمر واضح كذلك.. فإذا كان سعي المؤمن كله ينبغي أن يتجه إلى إقامة منهج الله في الحياة - وهو المنهج الذي ينص عليه الإسلام كما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - بكل تفصيلات وجوانب هذا المنهج، وهي تشمل كل نشاط الإنسان في الحياة.. فكيف يمكن إذن أن يتعاون المسلم في هذا السعي مع من لا يؤمن بالإسلام ديناً ومنهجاً ونظاماً وشريعة؛ ومن يتجه في سعيه إلى أهداف أخرى - إن لم تكن معادية للإسلام وأهدافه فهي على الأقل ليست أهداف الإسلام - إذ الإسلام لا يعترف بهدف ولا عمل لا يقوم على أساس العقيدة مهما بدا في ذاته صالحاً - {أية : والذين كفروا أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } تفسير : والإسلام يكلف المسلم أن يخلص سعيه كله للإسلام.. ولا يتصور إمكان انفصال أية جزئية في السعي اليومي في حياة المسلم عن الإسلام.. لا يتصور إمكان هذا إلا من لا يعرف طبيعة الإسلام وطبيعة المنهج الإسلامي.. ولا يتصور أن هناك جوانب في الحياة خارجة عن هذا المنهج يمكن التعاون فيها مع من يعادي الإسلام، أو لا يرضى من المسلم إلا أن يترك إسلامه، كما نص الله في كتابه على ما يطلبه اليهود والنصارى من المسلم ليرضوا عنه!.. إن هناك استحالة اعتقادية كما أن هناك استحالة عملية على السواء.. ولقد كان اعتذار عبدالله بن أبي بن سلول، وهو من الذين في قلوبهم مرض، عن مسارعته واجتهاده في الولاء ليهود، والاستمساك بحلفه معها، هي قوله: إنني رجل أخشى الدوائر! إني أخشى أن تدور علينا الدوائر وأن تصيبنا الشدة، وأن تنزل بنا الضائقة.. وهذه الحجة هي علامة مرض القلب وضعف الإيمان.. فالولي هو الله؛ والناصر هو الله؛ والاستنصار بغيره ضلالة، كما أنه عبث لا ثمرة له.. ولكن حجة ابن سلول، هي حجة كل بن سلول على مدار الزمان؛ وتصوره هو تصور كل منافق مريض القلب، لا يدرك حقيقة الإيمان.. وكذلك نفر قلب عبادة بن الصامت من ولاء يهود بعد ما بدا منهم ما بدا. لأنه قلب مؤمن فخلع ولاء اليهود وقذف به، حيث تلقاه وضم عليه صدره وعض عليه بالنواجذ عبدالله بن أبي بن سلول! إنهما نهجان مختلفان، ناشئان عن تصورين مختلفين، وعن شعورين متباينين، ومثل هذا الاختلاف قائم على مدار الزمان بين قلب مؤمن وقلب لا يعرف الإيمان! ويهدد القرآن المستنصرين بأعداء دينهم، المتألبين عليهم، المنافقين الذين لا يخلصون لله اعتقادهم ولا ولاءهم ولا اعتمادهم.. يهددهم برجاء الفتح أو أمر الله الذي يفصل في الموقف؛ أو يكشف المستور من النفاق. {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}. وعندئذ - عند الفتح - سواء كان هو فتح مكة أو كان الفتح بمعنى الفصل أو عند مجيء أمر الله - يندم أولئك الذين في قلوبهم مرض، على المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى وعلى النفاق الذي انكشف أمره، وعندئذ يعجب الذين آمنوا من حال المنافقين، ويستنكرون ما كانوا فيه من النفاق وما صاروا إليه من الخسران! {ويقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم؟ حبطت أعمالهم، فأصبحوا خاسرين!}.. ولقد جاء الله بالفتح يوماً، وتكشفت نوايا، وحبطت أعمال، وخسرت فئات. ونحن على وعد من الله قائم بأن يجيء الفتح، كلما استمسكنا بعروة الله وحده؛ وكلما أخلصنا الولاء لله وحده. وكلما وعينا منهج الله، وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعنا. وكلما تحركنا في المعركة على هدى الله وتوجيهه. فلم نتخذ لنا ولياً إلا الله ورسوله والذين آمنوا.. وإذ ينتهي السياق من النداء الأول للذين آمنوا، أن ينتهوا عن موالاة اليهود والنصارى، وأن يحذروا أن يصيروا منهم بالولاء لهم، وأن يرتدوا بذلك عن الإسلام - وهم لا يشعرون أو لا يقصدون - يرسل بالنداء الثاني، يهدد من يرتد منهم عن دينه - بهذا الولاء أو بسواه من الأسباب - بأنه ليس عند الله بشيء، وليس بمعجز الله ولا ضار بدينه، وأن لدين الله أولياء وناصرين مدخرين في علم الله، إن ينصرف هؤلاء يجيء بهؤلاء. ويصور ملامح هذه العصبة المختارة المدخرة في علم الله لدينه، وهي ملامح محببة جميلة وضيئة. ويبين جهة الولاء الوحيدة التي يتجه إليها المسلم بولائه. ويختم هذا النداء بتقرير النهاية المحتومة للمعركة التي يخوضها حزب الله مع الأحزاب! والتي يتمتع بها من يخلصون ولاءهم لله ولرسوله وللمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.. إن تهديد من يرتد عن دينه من الذين آمنوا - على هذه الصورة. وفي هذا المقام - ينصرف - ابتداء - إلى الربط بين موالاة اليهود والنصارى وبين الارتداد عن الإسلام. وبخاصة بعد ما سبق من اعتبار من يتولاهم واحداً منهم، منسلخاً من الجماعة المسلمة منضماً إليهم: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}.. وعلى هذا الاعتبار يكون هذا النداء الثاني في السياق توكيداً وتقريراً للنداء الأول.. يدل على هذا كذلك النداء الثالث الذي يلي هذا النداء والسياق، وهو منصب على النهي عن موالاة أهل الكتاب والكفار، يجمع بينهم على هذا النحو، الذي يفيد أن موالاتهم كموالاة الكفار سواء، وأن تفرقة الإسلام في المعاملة بين أهل الكتاب والكفار، لا تتعلق بقضية الولاء، إنما هي في شئون أخرى لا يدخل فيها الولاء.. {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}.. إن اختيار الله للعصبة المؤمنة، لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض، وتمكين سلطانه في حياة البشر، وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم، وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم، وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة.. إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل الله ومنته. فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة.. فهو وذاك. والله غني عنه - وعن العالمين. والله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم. والصورة التي يرسمها للعصبة المختارة هنا، صورة واضحة السمات قوية الملامح، وضيئة جذابة حبيبة للقلوب: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}.. فالحب والرضى المتبادل هو الصلة بينهم وبين ربهم.. الحب.. هذا الروح الساري اللطيف الرفاف المشرق الرائق البشوش.. هو الذي يربط القوم بربهم الودود. وحب الله لعبد من عبيده، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله - سبحانه - بصفاته كما وصف نفسه، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها.. أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي.. الذي يعرف من هو الله.. من هو صانع هذا الكون الهائل، وصانع الإنسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغير! من هو في عظمته. ومن هو في قدرته. ومن هو في تفرده. ومن هو في ملكوته.. من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل الله عليه منه بالحب.. والعبد من صنع يديه - سبحانه - وهو الجليل العظيم، الحي الدائم، الأزلي الأبدي، الأول والآخر والظاهر والباطن. وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها.. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمراً هائلاً عظيماً، وفضلاً غامراً جزيلاً، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الذي الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه.. هو إنعام هائل عظيم.. وفضل غامر جزيل. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمراً فوق التعبير أن يصفه، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين.. وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد، وهي تقول: شعر : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب تفسير : وهذا الحب من الجليل لعبد من العبيد، والحب من العبد للمنعم المتفضل، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض، وينطبع في كل حي وفي كل شيء، فإذا هو جو وظل يغمران هذا الوجود، ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلاً في ذلك العبد المحب المحبوب.. والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب.. وليست مرة واحدة ولا فلتة عابرة.. إنما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور أصيل: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً} {أية : إن ربي رحيم ودود} {أية : وهو الغفور الودود} {أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} {أية : والذين آمنوا أشد حباً لله} {أية : قل: إن كنم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}تفسير : وغيرها كثير.. وعجباً لقوم يمرون على هذا كله، ليقولوا: إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف، يصور العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع... لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن الله وأقنوم الإله، فيربط بين الله والناس، في هذا الازدواج! إن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، لا تجفف ذلك الندى الحبيب، بين الله والعبيد، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل، وهي علاقة الود كما أنها علاقة التجريد، وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزيه.. إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين. وهنا - في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدين - يرد ذلك النص العجيب: {يحبهم ويحبونه} ويطلق شحنته كلها في هذا الجو، الذي يحتاج إليه القلب المؤمن، وهو يضطلع بهذا العبء الشاق. شاعراً أنه الاختيار والتفضل والقربى من المنعم الجليل.. ثم يمضي السياق يعرض بقية السمات: {أذلة على المؤمنين}.. وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين.. فالمؤمن ذلول للمؤمن.. غير عصيٍّ عليه ولا صعب. هين لين.. ميسر مستجيب.. سمح ودود.. وهذه هي الذلة للمؤمنين. وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة. إنما هي الأخوة، ترفع الحواجز، وتزيل التكلف وتخلط النفس بالنفس، فلا يبقى فيها ما يستعصي وما يحتجز دون الآخرين. إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموساً عصياً شحيحاً على أخيه. فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه، فلن يجد فيها ما يمنعه وما يستعصي به.. وماذا يبقى له في نفسه دونهم، وقد اجتمعوا في الله إخواناً؛ يحبهم ويحبونه، ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه؟! {أعزة على الكافرين}.. فيهم على الكافرين شِماس وإباء واستعلاء.. ولهذه الخصائص هنا موضع.. إنها ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس. إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين. إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير، وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين! ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى؛ وبغلبة قوة الله على تلك القوى؛ وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية.. فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك، في أثناء الطريق الطويل.. {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}.. فالجهاد في سبيل الله، لإقرار منهج الله في الأرض، وإعلان سلطانه على البشر، وتحكيم شريعته في الحياة، لتحقيق الخير والصلاح والنماء للناس.. هي صفة العصبة المؤمنة التي يختارها الله ليصنع بها في الأرض ما يريد.. وهم يجاهدون في سبيل الله؛ لا في سبيل أنفسهم؛ ولا في سبيل قومهم؛ ولا في سبيل وطنهم؛ ولا في سبيل جنسهم.. في سبيل الله. لتحقيق منهج الله، وتقرير سلطانه، وتنفيذ شريعته، وتحقيق الخير للبشر عامة عن هذا الطريق.. وليس لهم في هذا الأمر شيء، وليس لأنفسهم من هذا حظ، إنما هو لله وفي سبيل الله بلا شريك.. وهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. وفيم الخوف من لوم الناس، وهم قد ضمنوا حب رب الناس؟ وفيم الوقوف عند مألوف الناس، وعرف الجيل، ومتعارف الجاهلية، وهم يتبعون سنة الله، ويعرضون منهج الله للحياة؟ إنما يخشى لوم الناس من يستمد مقاييسه وأحكامه من أهواء الناس؛ ومن يستمد عونه ومدده من عندالناس؛ أما من يرجع إلى موازين الله ومقاييسه وقيمه ليجعلها تسيطر على أهواء الناس وشهواتهم وقيمهم؛ وأما من يستمد قوته وعزته، من قوة الله وعزته، فما يبالي ما يقول الناس وما يفعلون. كائناً هؤلاء الناس ما كانوا؛ وكائنا واقع هؤلاء الناس ما كان، وكائنة "حضارة" هؤلاء الناس وعلمهم وثقافتهم ما تكون! إننا نحسب حساباً لما يقول الناس؛ ولما يفعل الناس؛ ولما يملك الناس؛ ولما يصطلح عليه الناس؛ ولما يتخذه الناس في واقع حياتهم من قيم واعتبارات وموازين.. لأننا نغفل أو نسهو عن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه في الوزن والقياس والتقويم.. إنه منهج الله وشريعته وحكمه.. فهو وحده الحق وكل ما خالفه فهو باطل؛ ولو كان عرف ملايين الملايين، ولو أقرته الأجيال في عشرات القرون! إنه ليست قيمة أي وضع، أو أي عرف، أو أي تقليد، أو أية قيمة.. أنه موجود؛ وأنه واقع؛ وأن ملايين البشر يعتنقونه، ويعيشون به، ويتخذونه قاعدة حياتهم.. فهذا ميزان لا يعترف به التصور الإسلامي. إنما قيمة أي وضع، وأي عرف، وأي تقليد، وأية قيمة، أن يكون لها أصل في منهج الله، الذي منه - وحده - تستمد القيم والموازين.. ومن هنا تجاهد العصبة المؤمنة في سبيل الله ولا تخاف لومة لائم.. فهذه سمة المؤمنين المختارين.. ثم إن ذلك الاختيار من الله، وذلك الحب المتبادل بينه وبين المختارين، وتلك السمات التي يجعلها طابعهم وعنوانهم، وهذا الاطمئنان إلى الله في نفوسهم، والسير على هداه في جهادهم.. ذلك كله من فضل الله. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم}. يعطي عن سعة، ويعطي عن علم.. وما أوسع هذا العطاء؛ الذي يختار الله له من يشاء عن علم وعن تقدير. ويحدد الله للذين آمنوا جهة الولاء الوحيدة التي تتفق مع صفة الإيمان؛ ويبين لهم من يتولون: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}.. هكذا على وجه القصر الذي لا يدع مجالاً للتمحل أو التأول؛ ولا يترك فرصة لتمييع الحركة الإسلامية أو تمييع التصور.. ولم يكن بد أن يكون الأمر كذلك! لأن المسألة في صميمها - كما قلنا - هي مسألة العقيدة. ومسألة الحركة بهذه العقيدة. وليكون الولاء لله خالصاً، والثقة به مطلقة، وليكون الإسلام هو "الدين". وليكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وسائر الصفوف التي لا تتخذ الإسلام ديناً، ولا تجعل الإسلام منهجاً للحياة. ولتكون للحركة الإسلامية جديتها ونظامها؛ فلا يكون الولاء فيها لغير قيادة واحدة وراية واحدة. ولا يكون التناصر إلا بين العصبة المؤمنة؛ لأنه تناصر في المنهج المستمد من العقيدة.. ولكن حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان، أو مجرد راية وشعار، أو مجرد كلمة تقال باللسان، أو مجرد نسب ينتقل بالوراثة، أو مجرد وصف يلحق القاطنين في مكان! فإن السياق يذكر بعض السمات الرئيسية للذين آمنوا: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم راكعون}.. فمن صفتهم إقامة الصلاة - لا مجرد أداء الصلاة - وإقامة الصلاة تعني أداءها أداء كاملاً، تنشأ عنه آثارها التي يقررها قوله تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يقم الصلاة؛ فلو أقامها لنهته كما يقول الله! ومن صفتهم إيتاء الزكاة.. أي أداء حق المال طاعة لله وقربى عن رضى نفس ورغبة. فليست الزكاة مجرد ضريبة مالية، إنما هي كذلك عبادة. أو هي عبادة مالية. وهذه هي ميزة المنهج الإسلامي. الذي يحقق أهدافاً شتى بالفريضة الواحدة. وليس كذلك الأنظمة الأرضية التي تحقق هدفاً وتفرط في أهداف.. إنه لا يغني في إصلاح حال المجتمع أن يأخذ المجتمع المال ضريبة (مدنية!) أو أن يأخذ المال من الأغنياء للفقراء باسم الدولة، أو باسم الشعب، أو باسم جهة أرضية ما.. فهي في صورتها هذه قد تحقق هدفاً واحداً؛ وهو إيصال المال للمحتاجين.. فأما الزكاة.. فتعني اسمها ومدلولها.. إنها قبل كل شيء طهارة ونماء.. إنها زكاة للضمير بكونها عبادة لله. وبالشعور الطيب المصاحب لها تجاه الإخوان الفقراء، بما أنها عبادة لله يرجو عليها فاعلها حسن الجزاء في الآخرة، كما يرجو منها نماء المال في الحياة الدنيا بالبركة وبالنظام الاقتصادي المبارك. ثم بالشعور الطيب في نفوس الفقراء الآخذين أنفسهم؛ إذ يشعرون أنها فضل الله عليهم إذ قررها لهم في أموال الأغنياء؛ ولا يشعرون معها بالحقد والتشفي من إخوانهم الأغنياء (مع تذكر أن الأغنياء في النظام الإسلامي لا يكسبون إلا من حلال ولا يجورون على حق أحد وهم يجمعون نصيبهم من المال).. وفي النهاية تحقق هدف الضريبة المالية في هذا الجو الراضي الخير الطيب.. جو الزكاة والطهارة والنماء.. وأداء الزكاة سمة من سمات الذين آمنوا تقرر أنهم يتبعون شريعة الله في شئون الحياة؛ فهي إقرار منهم بسلطان الله في أمرهم كله.. وهذا هو الإسلام.. {وهم راكعون}.. ذلك شأنهم، كأنه الحالة الأصلية لهم.. ومن ثم لم يقف عند قوله: {يقيمون الصلاة}.. فهذه السمة الجديدة أعم وأشمل. إذ أنها ترسمهم للخاطر كأن هذا هو شأنهم الدائم. فأبرز سمة لهم هي هذه السمة، وبها يعرفون.. وما أعمق إيحاءات التعبيرات القرآنية في مثل هذه المناسبات! والله يعد الذين آمنوا - في مقابل الثقة به، والالتجاء إليه، والولاء له وحده - ولرسوله وللمؤمنين بالتبعية.. ومقابل المفاصلة الكاملة بينهم وبين جميع الصفوف إلا الصف الذي يتمحض لله.. يعدهم النصر والغلبة: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.. وقد جاء هذا الوعد بالغلب بعد بيان قاعدة الإيمان في ذاتها.. وأنها هي الولاء لله ورسوله وللمؤمنين؛ وبعد التحذير من الولاء لليهود والنصارى واعتباره خروجاً من الصف المسلم إلى صف اليهود والنصارى، وارتداداً عن الدين.. وهنا لفتة قرآنية مطردة.. فالله - سبحانه - يريد من المسلم أن يسلم لمجرد أن الإسلام خير! لا لأنه سيغلب، أو سيمكن له في الأرض؛ فهذه ثمرات تأتي في حينها؛ وتأتي لتحقيق قدر الله في التمكين لهذا الدين؛ لا لتكون هي بذاتها الإغراء على الدخول في هذا الدين.. والغلب للمسلمين لا شيء منه لهم. لا شيء لذواتهم وأشخاصهم. وإنما هو قدر الله يجريه على أيديهم، ويرزقهم إياه لحساب عقيدتهم لا لحسابهم! فيكون لهم ثواب الجهد فيه؛ وثواب النتائج التي تترتب عليه من التمكين لدين الله في الأرض، وصلاح الأرض بهذا التمكين.. كذلك قد يعد الله المسلمين الغلب لتثبيت قلوبهم؛ وإطلاقها من عوائق الواقع الحاضر أمامهم - وهي عوائق ساحقة في أحيان كثيرة - فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبهم على اجتياز المحنة؛ وتخطي العقبة، والطمع في أن يتحقق على أيديهم وعد الله للأمة المسلمة، فيكون لهم ثواب الجهاد، وثواب التمكين لدين الله، وثواب النتائج المترتبة على هذا التمكين. كذلك يشي ورود هذا النص في هذا المجال، بحالة الجماعة المسلمة يومذاك، وحاجتها إلى هذه البشريات. بذكر هذه القاعدة من غلبة حزب الله.. مما يرجح ما ذهبنا إليه عن تاريخ نزول هذا القطاع من السورة. ثم تخلص لنا هذه القاعدة؛ التي لا تتعلق بزمان ولا مكان.. فنطمئن إليها بوصفها سنة من سنن الله التي لا تتخلف. وإن خسرت العصبة المؤمنة بعض المعارك والمواقف. فالسنة التي لا تنقض هي أن حزب الله هم الغالبون.. ووعد الله القاطع أصدق من ظواهر الأمور في بعض مراحل الطريق! وأن الولاء لله ورسوله والذين آمنوا هو الطريق المؤدي لتحقق وعد الله في نهاية الطريق! وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقاً منوعة، لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين، ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم. مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي؛ وفي الحركة الإسلامية على السواء.. وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر، وطريق التخويف من أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، فينكشف ستر المنافقين.. وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين؛ وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة. ممن يحبهم الله ويحبونه؛ وطريق الوعد بالنصر لحزب الله الغالب.. فالآن نجده في النداء الثالث في هذا الدرس للذين آمنوا يثير في نفوسهم الحمية لدينهم ولعبادتهم ولصلاتهم التي يتخذها أعداؤهم هزواً ولعباً. ونجده يسوي في النهي عن الموالاة بين أهل الكتاب والكفار، وينوط هذا النهي بتقوى الله؛ ويعلق على الاستماع إليه صفة الإيمان؛ ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنهم لا يعقلون: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}.. وهي ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن؛ الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه، وأهينت عبادته، وأهينت صلاته، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب.. فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة؛ ويرتكبونها لنقص في عقولهم. فما يستهزىء بدين الله وعبادة المؤمنين به، إنسان سويُّ العقل؛ فالعقل - حين يصح ويستقيم - يرى في كل شيء من حوله موحيات الإيمان بالله. وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الموحيات، لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله. فالوجود كله يوحي بأن له إلهاً يستحق العبادة والتعظيم. والعقل حين يصح ويستقيم يستشعر جمال العبادة لإله الكون وجلالها كذلك، فلا يتخذها هزواً ولعباً وهو صحيح مستقيم. ولقد كان هذا الاستهزاء واللعب يقع من الكفار، كما كان يقع من اليهود خاصة من أهل الكتاب، في الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجماعة المسلمة في ذلك الحين. ولم نعرف من السيرة أن هذا كان يقع من النصارى.. ولكن الله - سبحانه - كان يضع للجماعة المسلمة قاعدة تصورها ومنهجها وحياتها الدائمة. وكان الله - سبحانه - يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال المسلمين. وها نحن أولاء رأينا ونرى أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة المسلمة على مدار التاريخ أمس واليوم من الذين قالوا: إنهم نصارى كانوا أكثر عدداً من اليهود ومن الكفار مجتمعين! فهؤلاء - كهؤلاء - قد ناصبوا الإسلام العداء، وترصدوه القرون تلو القرون، وحاربوه حرباً لا هوادة فيها منذ أن اصطدم الإسلام بالدولة الرومانية على عهد أبى بكر وعمر - رضي الله عنهما - حتى كانت الحروب الصليبية؛ ثم كانت"المسألة الشرقية" التي تكتلت فيها الدول الصليبية في أرجاء الأرض للإجهاز على الخلافة؛ ثم كان الاستعمار الذي يخفي الصليبية بين أضلاعه فتبدو في فلتات لسانه؛ ثم كان التبشير الذي مهد للاستعمار وسانده؛ ثم كانت وما تزال تلك الحرب المشبوبة على كل طلائع البعث الإسلامي في أي مكان في الأرض.. وكلها حملات يشترك فيها اليهود والنصارى والكفار والوثنيون.. وهذا القرآن جاء ليكون كتاب الأمة المسلمة في حياتها إلى يوم القيامة. الكتاب الذي يبني تصورها الاعتقادي، كما يبني نظامها الاجتماعي، كما يبني خطتها الحركية.. سواء.. وها هو ذا يعلمها ألا يكون ولاؤها إلا لله ولرسوله وللمؤمنين؛ وينهاها أن يكون ولاؤها لليهود والنصارى والكافرين. ويجزم ذلك الجزم الحاسم في هذه القضية، ويعرضها هذا العرض المنوع الأساليب. إن هذا الدين يأمر أهله بالسماحة، وبحسن معاملة أهل الكتاب؛ والذين قالوا: إنهم نصارى منهم خاصة.. ولكنه ينهاهم عن الولاء لهؤلاء جميعاً.. لأن السماحة وحسن المعاملة مسألة خلق وسلوك. أما الولاء فمسألة عقيدة ومسألة تنظيم. إن الولاء هو النصرة. هو التناصر بين فريق وفريق؛ ولا تناصر بين المسلمين وأهل الكتاب - كما هو الشأن في الكفار - لأن التناصر في حياة المسلم هو - كما أسلفنا - تناصر في الدين؛ وفي الجهاد لإقامة منهجه ونظامه في حياة الناس؛ ففيم يكون التناصر في هذا بين المسلم وغير المسلم. وكيف يكون؟! إنها قضية جازمة حاسمة لا تقبل التميع، ولا يقبل الله فيها إلا الجد الصارم؛ الجد الذي يليق بالمسلم في شأن الدين.. وحين تتم النداءات الثلاثة للذين آمنوا، يتوجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليواجه أهل الكتاب، فيسألهم: ماذا ينقمون من الجماعة المسلمة؟ وهل ينقمون منها إلا الإيمان بالله، وما أنزل إلى أهل الكتاب؛ وما أنزله الله للمسلمين بعد أهل الكتاب..؟ هل ينقمون إلا أن المسلمين يؤمنون، وأنهم هم - أهل الكتاب - أكثرهم فاسقون؟ وهي مواجهة مخجلة. ولكنها كذلك كاشفة وحاسمة ومحددة لأصل العداوة ومفرق الطريق: {قل: يا أهل الكتاب، هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل من قبل، وأن أكثركم فاسقون؟ قل: هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله؟ من لعنه الله، وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت.. أولئك شر مكاناً، وأضل عن سواء السبيل}.. إن هذا السؤال الذي وجه الله رسوله إلى توجيهه لأهل الكتاب، هو من ناحية سؤال تقريري لإثبات ما هو واقع بالفعل منهم؛ وكشف حقيقة البواعث التي تدفع بهم إلى موقفهم من الجماعة المسلمة ودينها وصلاتها. وهو من ناحية سؤال استنكاري، لاستنكار هذا الواقع منهم، واستنكار البواعث الدافعة عليه.. وهو في الوقت ذاته توعية للمسلمين، وتنفير لهم من موالاة القوم، وتقرير لما سبق في النداءات الثلاثة من نهي عن هذه الموالاة وتحذير. إن أهل الكتاب لم يكونوا ينقمون على المسلمين في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم لا ينقمون اليوم على طلائع البعث الإسلامي - إلا أن هؤلاء المسلمين يؤمنون بالله؛ وما أنزله الله إليهم من قرآن؛ وما صدق عليه قرآنهم مما أنزله الله من قبل من كتب أهل الكتاب.. إنهم يعادون المسلمين لأنهم مسلمون! لأنهم ليسوا يهوداً ولا نصارى. ولأن أهل الكتاب فاسقون منحرفون عما أنزله الله إليهم؛ وآية فسقهم وانحرافهم أنهم لا يؤمنون بالرسالة الأخيرة وهي مصدقة لما بين أيديهم - لا ما ابتدعوه وحرفوه - ولا يؤمنون بالرسول الأخير، وهو مصدق لما بين يديه؛ معظم لرسل الله أجمعين. إنهم يحاربون المسلمين هذه الحرب الشعواء؛ التي لم تضع أوزارها قط، ولم يخب أوارها طوال ألف وأربعمائة عام؛ منذ أن قام للمسلمين كيان في المدينة؛ وتميزت لهم شخصية؛ وأصبح لهم وجود مستقل؛ ناشئ من دينهم المستقل، وتصورهم المستقل، ونظامهم المستقل، في ظل منهج الله الفريد. إنهم يشنون على المسلمين هذه الحرب المشبوبة لأنهم - قبل كل شيء - مسلمون ولا يمكن أن يطفئوا هذه الحرب المشبوبة إلا أن يردوا المسلمين عن دينهم؛ فيصبحوا غير مسلمين.. ذلك أن أهل الكتاب أكثرهم فاسقون؛ ومن ثم لا يحبون المستقيمين الملتزمين من المسلمين! والله - سبحانه - يقرر هذه الحقيقة في صورة قاطعة، وهو يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في السورة الأخرى:{أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}تفسير : ويقول له في هذه السورة أن يواجه أهل الكتاب بحقيقة بواعثهم وركيزة موقفهم: {قل: يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله؛ وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون؟}.. وهذه الحقيقة التي يقررها الله سبحانه في مواضع كثيرة من كلامه الصادق المبين، هي التي يريد تمييعها وتلبيسها وتغطيتها وإنكارها اليوم كثيرون من أهل الكتاب، وكثيرون ممن يسمون أنفسهم "مسلمين".. باسم تعاون "المتدينين" في وجه المادية والإلحاد كما يقولون! أهل الكتاب يريدون اليوم تمييع هذه الحقيقة بل طمسها وتغطيتها، لأنهم يريدون خداع سكان الوطن الإسلامي - أو الذي كان إسلامياً بتعبير أصح - وتخدير الوعي الذي كان قد بثه فيهم الإسلام بمنهجه الرباني القويم. ذلك أنه حين كان هذا الوعي سليماً لم يستطع الاستعمار الصليبي أن يقف للمد الإسلامي، فضلاً على أن يستعمر الوطن الإسلامي.. ولم يكن بد لهؤلاء - بعد فشلهم في الحروب الصليبية السافرة، وفي حرب التبشير السافرة كذلك - أن يسلكوا طريق الخداع والتخدير، فيتظاهروا ويشيعوا بين ورثة المسلمين، أن قضية الدين والحرب الدينية قد انتهت! وأنها كانت مجرد فترة تاريخية مظلمة عاشتها الأمم جميعاً! ثم تنور العالم و "تقدم" فلم يعد من الجائز ولا اللائق ولا المستساغ أن يقوم الصراع على أساس العقيدة.. وأنما الصراع اليوم على المادة! على الموارد والأسواق والاستغلالات فحسب! وإذن فما يجوز للمسلمين - أو ورثة المسلمين - أن يفكروا في الدين ولا في صراع الدين! وحين يطمئن أهل الكتاب - وهم الذين يستعمرون أوطان المسلمين - إلى استنامة هؤلاء لهذا التخدير؛ وحين تتميع القضية في ضمائرهم؛ فإن المستعمرين يأمنون غضبة المسلمين لله؛ وللعقيدة.. الغضبة التي لم يقفوا لها يوماً.. ويصبح الأمر سهلاً بعد التنويم والتخدير.. ولا يكسبون معركة العقيدة وحدها. بل يكسبون معها ما وراءها من الأسلاب والمغانم والاستثمارات والخامات؛ ويغلبون في معركة "المادة" بعدما يغلبون في معركة "العقيدة".. فهما قريب من قريب.. وعملاء أهل الكتاب في الوطن الإسلامي، ممن يقيمهم الاستعمار هنا وهناك علانية أو في خفية، يقولون القول نفسه.. لأنهم عملاء يؤدون الدور من داخل الحدود.. وهؤلاء يقولون عن "الحروب الصليبية" ذاتها: إنها لم تكن "صليبية"!!! ويقولون عن "المسلمين" الذين خاضوها تحت راية العقيدة: إنهم لم يكونوا "مسلمين" وإنما هم كانوا "قوميين"! وفريق ثالث مستغفل مخدوع؛ يناديه أحفاد "الصليبين" في الغرب المستعمر: أن تعالوا إلينا. تعالوا نجتمع في ولاء؛ لندفع عن "الدين" غائلة "الملحدين"! فيستجيب هذا الفريق المستغفل المخدوع؛ ناسياً أن أحفاد الصلييبين هؤلاء وقفوا في كل مرة مع الملحدين؛ صفاً واحداً، حينما كانت المواجهة للمسلمين! على مدار القرون! وما يزالون! وأنهم لا يعنيهم حرب المادية الالحادية قدر ما تعنيهم حرب الإسلام، ذلك أنهم يعرفون جيداً أن الإلحادية المادية عرض طارئ وعدو موقوت؛ وأن الإسلام أصل ثابت وعدو مقيم! وإنما هذه الدعوة المموهة لتمييع اليقظة البادئة عند طلائع البعث الإسلامي؛ وللانتفاع بجهد المستغفلين المخدوعين - في الوقت ذاته - ليكونوا وقود المعركة مع الملحدين لأنهم أعداء الاستعمار السياسيون! وهؤلاء كهؤلاء حرب على الإسلام والمسلمين.. حرب لا عدة فيها للمسلم إلا ذلك الوعي الذي يربيه عليه المنهج الرباني القويم.. إن هؤلاء الذين تخدعهم اللعبة أو يتظاهرون بالتصديق، فيحسبون أهل الكتاب جادين إذ يدعونهم للتضامن والولاء في دفع الإلحاد عن "الدين" إنما ينسون واقع التاريخ في أربعة عشر قرناً - لا استثناء فيها - كما ينسون تعليم ربهم لهم في هذا الأمر بالذات، وهو تعليم لا مواربة فيه، ولا مجال للحيدة عنه، وفي النفس ثقة بالله ويقين بجدية ما يقول! إن هؤلاء يجتزئون فيما يقولون ويكتبون بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، التي تأمر المسلمين أن يحسنوا معاملة أهل الكتاب؛ وأن يتسامحوا معهم في المعيشة والسلوك. ويغفلون التحذيرات الحاسمة عن موالاتهم؛ والتقريرات الواعية عن بواعثهم، والتعليمات الصريحة عن خطة الحركة الإسلامية، وخطة التنظيم، التي تحرم التناصر والموالاة، لأن التناصر والموالاة لا يكونان عند المسلم إلا في شأن الدين وإقامة منهجه ونظامه في الحياة الواقعية، وليست هناك قاعدة مشتركة يلتقي عليها المسلم مع أهل الكتاب في شأن دينه - مهما يكن هناك من تلاق في أصول هذه الأديان مع دينه قبل تحريفها - إذ هم لا ينقمون منه إلا هذا الدين، ولا يرضون عنه إلا بترك هذا الدين.. كما يقول رب العالمين.. إن هؤلاء ممن يجعلون القرآن عضين؛ يجزئونه ويمزقونه، فيأخذون منه ما يشاءون - مما يوافق دعوتهم الغافلة الساذجة على فرض براءتها - ويدعون منه ما لا يتفق مع اتجاههم الغافل أو المريب! ونحن نؤثر أن نسمع كلام الله، في هذه القضية، على أن نسمع كلام المخدوعين أو الخادعين! وكلام الله - سبحانه - في هذه القضية حاسم واضح صريح مبين.. ونقف وقفة قصيرة في هذا الموضع عند قوله تعالى - بعد تقرير أن سبب النقمة هو الإيمان بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل - أن بقية السبب: {وأن أكثركم فاسقون} فهذا الفسق هو شطر الباعث! فالفسق يحمل صاحبه على النقمة من المستقيم.. وهي قاعدة نفسية واقعية؛ تثبتها هذه اللفتة القرآنية العجيبة.. إن الذي يفسق عن الطريق وينحرف لا يطيق أن يرى المستقيم على النهج الملتزم.. إن وجوده يشعره دائماً بفسقه وانحرافه. إنه يتمثل له شاهداً قائماً على فسقه هو وانحرافه.. ومن ثم يكرهه وينقم عليه. يكره استقامته وينقم منه التزامه؛ ويسعى جاهداً لجره إلى طريقه؛ أو للقضاء عليه إذا استعصى قياده! إنها قاعدة مطردة، تتجاوز موقف أهل الكتاب من الجماعة المسلمة في المدينة، إلى موقف أهل الكتاب عامة من المسلمين عامة. إلى موقف كل فاسق منحرف من كل عصبة ملتزمة مستقيمة.. والحرب المشيوبة دائماً على الخيرين في مجتمع الأشرار، وعلى المستقيمين في مجتمع الفاسقين، وعلى الملتزمين في مجتمع المنحرفين.. هذه الحرب أمر طبيعي يستند إلى هذه القاعدة التي يصورها النص القرآني العجيب.. ولقد علم الله - سبحانه - أن الخير لا بد أن يلقى النقمة من الشر، وأن الحق لا بد أن يواجه العداء من الباطل، وأن الاستقامة لا بد أن تثير غيظ الفساق، وأن الالتزام لا بد أن يجر حقد المنحرفين. وعلم الله - سبحانه - أن لا بد للخير والحق والاستقامة والالتزام أن تدفع عن نفسها وأن تخوض المعركة الحتمية مع الشر والباطل والفسق والانحراف. وأنها معركة لا خيار فيها، ولا يملك الحق ألا يخوضها في وجه الباطل. لأن الباطل سيهاجمه، ولا يملك الخير أن يتجنبها لأن الشر لا بد سيحاول سحقه.. وغفلة - أي غفلة - أن يظن أصحاب الحق والخير والاستقامة والالتزام أنهم متروكون من الباطل والشر والفسق والانحراف؛ وأنهم يملكون تجنب المعركة؛ وأنه يمكن أن تقوم هناك مصالحة أو مهادنة! وخير لهم أن يستعدوا للمعركة المحتومة بالوعي والعدة؛ من أن يستسلموا للوهم والخديعة.. وهم يومئذ مأكولون مأكولون! ثم نمضي مع السياق القرآني في توجيه الله - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لمواجهة أهل الكتاب، بعد تقرير بواعثهم واستنكار هذه البواعث في النقمة على المسلمين.. فإذا هو يجبههم بتاريخ لهم قديم، وشأن لهم مع ربهم، وعقاب أليم: {قل: هل أنبئكم بشّر من ذلك مثوبة عند الله؟ من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت. أولئك شر مكاناً، وأضل عن سواء السبيل!} وهنا تطالعنا سحنة يهود، وتاريخ يهود! إنهم هم الذين لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير. إنهم هم الذين عبدوا الطاغوت.. وقصة لعنة الله لهم وغضبه عليهم واردة في مواضع شتى من القرآن الكريم؛ وكذلك قصة جعله منهم القردة والخنازير.. فأما قضية عبادتهم للطاغوت، فتحتاج إلى بيان هنا، لأنها لفتة ذات دلالة خاصة في سياق هذه السورة.. إن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله، وكل حكم لا يقوم على شريعة الله، وكل عدوان يتجاوز الحق.. والعدوان على سلطان الله وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغياناً، وأدخله في معنى الطاغوت لفظاً ومعنى.. وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان؛ ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة الله. فسماهم الله عباداً لهم؛ وسماهم مشركين.. وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق. فهم عبدوا الطاغوت.. أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها.. وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع، ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة. وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله. والله - سبحانه - يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ، وبذلك الجزاء الذي استحقوه من الله على هذا التاريخ.. كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة واحدة.. يوجهه ليقول لهم: إن هذا شر عاقبة: {قل: هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله}.. أي شر من نقمة أهل الكتاب على المسلمين، وما يكيدون لهم وما يؤذونهم بسبب إيمانهم. وأين نقمة البشر الضعاف من نقمة الله وعذابه، وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلال عن سواء السبيل: {أولئك شر مكاناً، وأضل عن سواء السبيل}.. ويمضي السياق في التنفير من موالاتهم بعرض صفاتهم وسماتهم - بعد عرض تاريخهم وجزائهم - ويجيء التحذير والتوعية منهم بكشف ما يبيتون.. ويبرز اليهود كذلك في الصورة، لأن الحديث عن وقائع جارية، ومعظم الشر كان يجيء من قبل يهود: {وإذا جاءوكم قالوا: آمنا. وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به. والله أعلم بما كانوا يكتمون. وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان. وأكلهم السحت، لبئس ما كانوا يعملون! لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت. لبئس ما كانوا يصنعون! وقالت اليهود: يد الله مغلولة.. غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا؛ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء - وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله. ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين}.. إنها عبارات تنشئ صوراً متحركة ومشاهد حية - على طريقة التعبير القرآنية الفريدة - ومن وراء القرون يملك قارئ هذه الآيات أن يشهد - بعين التصور - هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن من يهود - على الأرجح - فالسياق يتحدث عنهم، وإن كان من الجائز أنه يعني كذلك بعض المنافقين في المدينة.. يشهدهم يجيئون للمسلمين فيقولون: آمنا.. ويشهد في جعبتهم "الكفر" وهم يدخلون به ويخرجون؛ بينما ألسنتهم تقول غير ما في الجعبة من كفر يحملونه داخلين خارجين! ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض: آمنوا بهذا القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون.. أي لعل المسلمين يرجعون عن دينهم بسبب هذه البلبلة والتشكيك الخبيث اللئيم. {والله أعلم بما كانوا يكتمون}.. يقولها الله - سبحانه - لأنها الحقيقة؛ ثم لكي يطمئن المؤمنون إلى كلاءة ربهم لهم، وحفظهم من كيد عدوهم؛ وإحاطته علماً بهذا الكيد المكتوم، ثم ليهدد أصحاب هذا الكيد لعلهم ينتهون! ويمضي السياق يرسم حركاتهم كأنها منظورة تشهد وتلحظ من خلال التعبير: {وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت. لبئس ما كانوا يعملون}.. والمسارعة مفاعلة تصور القوم كأنما يتسابقون تسابقاً في الإثم والعدوان، وأكل الحرام. وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع، ولكنها تصور حالة من حالات النفوس والجماعات حين يستشري فيها الفساد؛ وتسقط القيم؛ ويسيطر الشر.. وإن الإنسان لينظر إلى المجتمعات التي انتهت إلى مثل هذه الحال، فيرى كأنما كل من فيها يتسابقون إلى الشر.. إلى الإثم والعدوان، قويهم وضعيفهم سواء.. فالإثم والعدوان - في المجتمعات الهابطة الفاسدة - لا يقتصران على الأقوياء؛ بل يرتكبهما كذلك الضعفاء.. فحتى هؤلاء ينساقون في تيار الإثم. وحتى هؤلاء يملكون الاعتداء؛ إنهم لا يملكون الاعتداء على الأقوياء طبعاً. ولكن يعتدي بعضهم على بعض. ويعتدون على حرمات الله. لأنها هي التي تكون في المجتمعات الفاسدة الحمى المستباح الذي لا حارس له من حاكم ولا محكوم؛ فالإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد؛ والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات! وكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام.. وكذلك أكلهم للحرام.. فأكل الحرام كذلك سمة يهود في كل آن! {لبئس ما كانوا يعملون}! ويشير السياق إلى سمة أخرى من سمات المجتمعات الفاسدة؛ وهو يستنكر سكوت الربانيين القائمين على الشريعة، والأحبار القائمين على أمر العلم الديني.. سكوتهم على مسارعة القوم في الإثم والعدوان وأكل السحت؛ وعدم نهيهم عن هذا الشر الذي يتسابقون فيه: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت! لبئس ما كانوا يصنعون!}.. فهذه السمة - سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان - هي سمة المجتمعات التي فسدت وآذنت بالانهيار.. وبنو إسرائيل {أية : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه}تفسير : كما حكى عنهم القرآن الكريم.. إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. وهكذا وصف الله الأمة المسلمة فقال: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}تفسير : ووصف بني إسرائيل فقال: {أية : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه}تفسير : .. فكان ذلك فيصلا بين المجتمعين وبين الجماعتين. أما هنا فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار، الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت؛ الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله. وإنه لصوت النذير لكل أهل دين. فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والأمر كما قلنا من قبل في الظلال، يقتضي "سلطة" تأمر وتنهى، والأمر والنهي أمر غير الدعوة. فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان. وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع؛ فلا يكون مطلق كلام! وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود الغبي اللئيم: {وقالت اليهود يد الله مغلوله - غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء -}.. وذلك من سوء تصور يهود لله سبحانه. فقد حكى القرآن الكريم الكثير من سوء تصورهم ذاك. وقد قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء عندما سئلوا النفقة! وقالوا: يد الله مغلولة، يعللون بذلك بخلهم؛ فالله - بزعمهم - لا يعطي الناس ولا يعطيهم إلا القليل.. فكيف ينفقون؟! وقد بلغ من غلظ حسهم، وجلافة قلوبهم، ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر؛ فاختاروا لفظاً أشد وقاحة وتهجماً وكفراً فقالوا: يد الله مغلولة! ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم، ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهم: {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا}. وكذلك كانوا، فهم أبخل خلق الله بمال! ثم يصحح هذا التصور الفاسد السقيم؛ ويصف الله سبحانه بوصفه الكريم. وهو يفيض على عباده من فضله بلا حساب: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}.. وعطاياه التي لا تكف ولا تنفد لكل مخلوق ظاهرة للعيان.. شاهدة باليد المبسوطة، والفضل الغامر، والعطاء الجزيل، ناطقة بكل لسان. ولكن يهود لا تراها؛ لأنها مشغولة عنها باللم والضم، وبالكنود وبالجحود، وبالبذاءة حتى في حق الله! ويحدث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - عما سيبدو من القوم، وعما سيحل بهم، بسبب حقدهم وغيظهم من اصطفاء الله له بالرسالة؛ وبسبب ما تكشفه هذه الرسالة من أمرهم في القديم والحديث: {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً}.. فبسبب من الحقد والحسد، وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل الله إلى رسوله، سيزيد الكثيرون منهم طغياناً وكفراً. لأنهم وقد أبوا الإيمان، لا بد أن يشتطوا في الجانب المقابل؛ ولا بد أن يزيدوا تبجحاً ونكراً، وطغياناً وكفراً. فيكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - رحمة للمؤمنين، ووبالاً عن المنكرين. ثم يحدثه عما قدر الله لهم من التعادي والتباغض فيما بينهم؛ ومن إبطال كيدهم وهو في أشد سعيره تلهباً؛ ومن عودتهم بالخيبة فيما يشنونه من حرب على الجماعة المسلمة: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله}.. وما تزال طوائف اليهود متعادية. وإن بدا في هذه الفترة أن اليهودية العالمية تتساند؛ وتوقد نار الحرب على البلاد الإسلامية وتفلح! ولكن ينبغي ألا ننظر إلى فترة قصيرة من الزمان ولا إلى مظهر لا يشتمل على الحقيقة كاملة. ففي خلال ألف وثلاثمائة عام.. بل من قبل الإسلام.. واليهود في شحناء وفي ذل كذلك وتشرد. ومصيرهم إلى مثل ما كانوا فيه. مهما تقم حولهم الأسناد. ولكن مفتاح الموقف كله في وجود العصبة المؤمنة، التي يتحقق لها وعد الله.. فأين هي العصبة المؤمنة اليوم، التي تتلقى وعد الله، وتقف ستاراً لقدر الله، ويحقق الله بها في الأرض ما يشاء؟ ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام: تؤمن به على حقيقته؛ وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته.. يومئذ يحق وعد الله على شر خلق الله.. واليهود يعرفون هذا، ومن ثم يسلطون كل ما في جعبتهم من شر وكيد؛ ويصبون كل ما في أيديهم من بطش وفتك، على طلائع البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض، ويضربون - لا بأيديهم - ولكن بأيدي عملائهم - ضربات وحشية منكرة؛ لا ترعى في العصبة المؤمنة إلاًّ ولا ذمة.. ولكن الله غالب على أمره. ووعد الله لا بد أن يتحقق: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله}.. إن هذا الشر والفساد الذي تمثله يهود، لا بد أن يبعث الله عليه من يوقفه ويحطمه؛ فالله لا يحب الفساد في الأرض؛ وما لا يحبه الله لا بد أن يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفي عليه: {ويسعون في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين}.. وفي نهاية الدرس تجيء القاعدة الإيمانية الكبرى - قاعدة أن إقامة دين الله في الأرض معناها الصلاح والكسب والفلاح في حياة المؤمنين في هذه الدنيا وفي الآخرة على السواء. لا افتراق بين دين ودنيا، ولا افتراق بين دنيا وآخرة. فهو منهج واحد للدنيا وللآخرة؛ للدنيا وللدين.. تجيء هذه القاعدة الإيمانية الكبيرة بمناسبة الحديث عن انحراف أهل الكتاب عن دين الله؛ وأكلهم السحت؛ وتحريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضاً من أعراض هذه الأرض.. واتباع دين الله كان أجدى عليهم في الأرض والسماء، وفي الدنيا والآخرة لو أنهم اختاروا الطريق: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم؛ ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون}.. إن هاتين الآيتين تقرران أصلاً كبيراً من أصول التصور الإسلامي، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية. ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل، وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم؛ والعقل البشري، والموازين البشرية والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج، بإزاء هذا الأمر الخطير.. إن الله - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة. وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج الله الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله الله إليهم من التعاليم - كما أنزلها الله بدون تحريف ولا تبديل - لصلحت حياتهم الدنيا, ونمت وفاضت عليهم الأرزاق، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق، ووفرة النتاج وحسن التوزيع، وصلاح أمر الحياة.. ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا يقيمون منهج الله - إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل مقتصدة غير مسرفة على نفسها {وكثير منهم ساء ما يعملون}. وهكذا يبدو من خلال الآيتين أن الإيمان والتقوى وتحقيق منهج الله في واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا، لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده - وإن كان هو المقدّم وهو الأدوم - ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا، ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة.. وفرة ونماء وحسن توزيع وكفاية.. يرسمها في صورة حسية تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}.. وهكذا يتبين أن ليس هنالك طريق مستقل لحسن الجزاء في الآخرة؛ وطريق آخر مستقل لصلاح الحياة في الدنيا. إنما هو طريق واحد، تصلح به الدنيا والآخرة، فإذا تنكب هذا الطريق فسدت الدنيا وخسرت الآخرة.. هذا الطريق الواحد هو الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الإلهي في الحياة الدنيا.. وهذا المنهج ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور قلبي وتقوى فحسب، ولكنه كذلك - وتبعاً لذلك - منهج حياة إنسانية واقعية، يقام، وتقام عليه الحياة.. وإقامته - مع الإيمان والتقوى - هي التي تكفل صلاح الحياة الأرضية، وفيض الرزق، ووفرة النتاج، وحسن التوزيع، حتى يأكل الناس جمعياً - في ظل هذا المنهج - من فوقهم ومن تحت أرجلهم. إن المنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً من الدنيا؛ ولا يجعل سعادة الآخرة بديلاً من سعادة الدنيا، ولا يجعل طريق الآخرة غير طريق الدنيا.. وهذه هي الحقيقة الغائمة اليوم في أفكار الناس وعقولهم وضمائرهم وأوضاعهم الواقعية. لقد افترق طريق الدنيا وطريق الآخرة في تفكير الناس وضميرهم وواقعهم، بحيث أصبح الفرد العادي - وكذلك الفكر العام للبشرية الضالة - لا يرى أن هنالك سبيلاً للالتقاء بين الطريقين. ويرى على العكس أنه إما أن يختار طريق الدنيا فيهمل الآخرة من حسابه؛ وإما أن يختار طريق الآخرة فيهمل الدنيا من حسابه؛ ولا سبيل إلى الجمع بينهما في تصور ولا واقع.. لأن واقع الأرض والناس وأوضاعهم في هذه الفترة من الزمان توحي بهذا.. حقيقة: إن أوضاع الحياة الجاهلية الضالة البعيدة عن الله، وعن منهجه للحياة، اليوم تباعد بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، وتحتم على الذين يريدون البروز في المجتمع، والكسب في مضمار المنافع الدنيوية، أن يتخلوا عن طريق الآخرة؛ وأن يضحوا بالتوجيهات الدينية والمثل الخلقية؛ والتصورات الرفيعة والسلوك النظيف، الذي يحض عليه الدين. كما تحتم على الذين يريدون النجاة في الآخرة أن يتجنبوا تيار هذه الحياة وأوضاعها القذرة، والوسائل التي يصل بها الناس في مثل هذه الأوضاع إلى البروز في المجتمع، والكسب في مضمار المنافع، لأنها وسائل لا يمكن أن تكون نظيفة ولا مطابقة للدين والخلق، ولا مرضية لله سبحانه.. ولكن.. تراها ضربة لازب! ترى أنه لا مفر من هذا الحال التعيس؟ ولا سبيل إلى اللقاء بين طريق الدنيا وطريق الآخرة؟ كلا.. إنها ليست ضربة لازب! فالعداء بين الدنيا والآخرة؛ والافتراق بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، ليس هو الحقيقة النهائية التي لا تقبل التبديل.. بل إنها ليست من طبيعة هذه الحياة أصلاً. إنما هي عارض ناشئ من انحراف طارئ! إن الأصل في طبيعة الحياة الإنسانية أن يلتقي فيها طريق الدنيا وطريق الآخرة؛ وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا. وأن يكون الإنتاج والنماء والوفرة في عمل الأرض هو ذاته المؤهل لنيل ثواب الآخرة كما أنه هو المؤهل لرخاء هذه الحياة الدنيا؛ وأن يكون الإيمان والتقوى والعمل الصالح هي أسباب عمران هذه الأرض كما أنها هي وسائل الحصول على رضوان الله وثوابه الأخروي.. هذا هو الأصل في طبيعة الحياة الإنسانية.. ولكن هذا الأصل لا يتحقق إلا حين تقوم الحياة على منهج الله الذي رضيه للناس.. فهذا المنهج هو الذي يجعل العمل عبادة، وهو الذي يجعل الخلافة في الأرض وفق شريعة الله فريضة. والخلافة عمل وإنتاج، ووفرة ونماء، وعدل في التوزيع يفيض به الرزق على الجميع من فوقهم ومن تحت أرجلهم، كما يقول الله في كتابه الكريم. إن التصور الإسلامي يجعل وظيفة الإنسان في الأرض هي الخلافة عن الله، بإذن الله، وفق شرط الله.. ومن ثم يجعل العمل المنتج المثمر، وتوفير الرخاء باستخدام كل مقدرات الأرض وخاماتها ومواردها - بل الخامات والموارد الكونية كذلك - هو الوفاء بوظيفة الخلافة. ويعتبر قيام الإنسان بهذه الوظيفة - وفق منهج الله وشريعته حسب شرط الاستخلاف - طاعة لله ينال عليها العبد ثواب الآخرة؛ بينما هو بقيامه بهذه الوظيفة على هذا النحو يظفر بخيرات الأرض التي سخرها الله له؛ ويفيض عليه الرزق من فوقه ومن تحت رجليه، كما يصور التعبير القرآني الجميل! ووفق التصور الإسلامي يعتبر الإنسان الذي لا يفجر ينابيع الأرض، ولا يستغل طاقات الكون المسخرة له، عاصياً لله، ناكلاً عن القيام بالوظيفة التي خلقه الله لها، وهو يقول للملائكة: {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : . وهو يقول كذلك للناس:{أية : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}تفسير : ومعطلاً لرزق الله الموهوب للعباد.. وهكذا يخسر الآخرة لأنه خسر الدنيا! والمنهج الإسلامي - بهذا - يجمع بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق. فلا يفّوت على الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يفوت عليه آخرته لينال دنياه. فهما ليسا نقيضين ولا بديلين في التصور الإسلامي. هذا بالقياس إلى جنس الإنسان عامة، وبالقياس إلى الجماعات الإنسانية التي تقوم في الأرض على منهج الله.. فأما بالقياس إلى الأفراد فإن الأمر لا يختلف.. إذ أن طريق الفرد وطريق الجماعة - في المنهج الإسلامي - لا يختلفان ولا يتصادمان ولا يتعارضان.. فالمنهج يحتم على الفرد أن يبذل أقصى طاقته الجسمية والعقلية في العمل والإنتاج؛ وأن يبتغي في العمل والإنتاج وجه الله، فلا يظلم ولا يغدر ولا يغش ولا يخون، ولا يأكل من سحت، ولا يحتجز دون أخيه المحتاج في الجماعة شيئاً يملكه - مع الاعتراف الكامل له بملكيته الفردية لثمرة عمله والاعتراف للجماعة بحقها في ماله في حدود ما فرض الله وما شرع - والمنهج يسجل للفرد عمله - في هذه الحدود ووفق هذه الاعتبارات - عبادة لله يجزيه عليها بالبركة في الدنيا وبالجنة في الآخرة.. ويربط المنهج بين الفرد وربه رباطاً أقوى بالشعائر التعبدية التي يفرضها عليه؛ ليستوثق بهذا الرباط من تجدد صلته بالله في اليوم الواحد خمس مرات بالصلاة، وفي العام الواحد ثلاثين يوماً بصوم رمضان، وفي العمر كله بحج بيت الله. وفي كل موسم أو في كل عام بإخراج الزكاة.. ومن هنا قيمة هذه الفرائض التعبدية في المنهج الإسلامي. إنها تجديد للعهد مع الله على الارتباط بمنهجه الكلي للحياة. وهي قربى لله يتجدد معها العزم على النهوض بتكاليف هذا المنهج، الذي ينظم أمر الحياة كلها، ويتولى شئون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم بين الناس في علاقاتهم وفي خلافاتهم. ويتجدد معها الشعور بعون الله ومدده على حمل التكاليف التي يتطلبها النهوض بهذا المنهج الكلي المتكامل، والتغلب على شهوات الناس وعنادهم وانحرافهم وأهوائهم حين تقف في الطريق.. وليست هذه الشعائر التعبدية أموراً منفصلة عن شئون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم والقضاء، والجهاد لإقرار منهج الله في الأرض، وتقرير سلطانه في حياة الناس.. إنما الإيمان والتقوى والشعائر التعبدية شطر المنهج، المعين على أداء شطره الآخر.. وهكذا يكون الإيمان والتقوى وإقامة منهج الله في الحياة العملية سبيلاً للوفرة والفيض. كما يعد الله الناس في هاتين الآيتين الكريمتين.. إن التصور الإسلامي، وكذلك المنهج الإسلامي المنبثق منه، لا يقدم الحياة الآخرة بديلاً من الحياة الدنيا - ولا العكس - إنما يقدمهما معاً في طريق واحد، وبجهد واحد. ولكنهما لا يجتمعان كذلك في حياة الإنسان إلا إذا اتبع منهج الله وحده في الحياة - دون أن يدخل عليه تعديلات مأخوذة من أوضاع أخرى لم تنبثق من منهج الله، أو مأخوذة من تصوراته الذاتية التي لم تضبط بهذا المنهج - ففي هذا المنهج وحده يتم ذلك التناسق الكامل. والتصور الإسلامي - وكذلك المنهج الإسلامي المنبثق منه - لا يقدم الإيمان والعبادة والصلاح والتقوى، بديلاً من العمل والإنتاج والتنمية والتحسين في واقع الحياة المادية.. وليس هو المنهج الذي يعد الناس فردوس الآخرة ويرسم لهم طريقه؛ بينما يدع الناس أن يرسموا لأنفسهم الطريق المؤدي إلى فردوس الدنيا - كما يتصور بعض السطحيين في هذا الزمان! - فالعمل والإنتاج والتنمية والتحسين في واقع الحياة الدنيا تمثل في التصور الإسلامي - والمنهج الإسلامي - فريضة الخلافة في الأرض، والإيمان والعبادة والصلاح والتقوى، تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع والحوافز لتحقيق المنهج في حياة الناس.. وهذه وتلك معاً هي مؤهلات الفردوس الأرضي والفردوس الأخروي معاً؛ والطريق هو الطريق، ولا فصام بين الدين والحياة الواقعية المادية كما هو واقع في الأوضاع الجاهلية القائمة في الأرض كلها اليوم. والتي منها يقوم في أوهام الواهمين أنه لا مفر من أن يختار الناس الدنيا أو يختاروا الآخرة، ولا يجمعوا بينهما في تصور أو في واقع.. لأنهما لا تجتمعان..! إن هذا الفصام النكد بين طريق الدنيا وطريق الآخرة في حياة الناس، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، وبين العبادة الروحية والإبداع المادي، وبين النجاح في الحياة الدنيا، والنجاح في الحياة الأخرى.. إن هذا الفصام النكد ليس ضريبة مفروضة على البشرية بحكم من أحكام القدر الحتمية! إنما هو ضريبة بائسة فرضتها البشرية على نفسها وهي تشرد عن منهج الله، وتتخذ لنفسها مناهج أخرى من عند أنفسها، معادية لمنهج الله في الأساس والاتجاه.. وهي ضريبة يؤديها الناس من دمائهم وأعصابهم في الحياة الدنيا، فوق ما يؤدونه منها في الآخرة وهو أشد وأنكى.. إنهم يؤدونها قلقاً وحيرة وشقاء قلب وبلبلة خاطر، من جراء خواء قلوبهم من طمأنينة الإيمان وبشاشته وزاده وريه، إذا هم آثروا اطراح الدين كله، على زعم أن هذا هو الطريق الوحيد للعمل والإنتاج والعلم والتجربة، والنجاح الفردي والجماعي في المعترك العالمي! ذلك أنهم في هذه الحالة يصارعون فطرتهم، يصارعون الجوعة الفطرية إلى عقيدة تملأ القلب، ولا تطيق الفراغ والخواء. وهي جوعة لا تملؤها مذاهب اجتماعية، أو فلسفية، أو فنية.. على الإطلاق.. لأنها جوعة النزعة إلى إله.. وهم يؤدونها كذلك قلقاً وحيرة وشقاء قلب وبلبلة خاطر، إذا هم حاولوا الاحتفاظ بعقيدة في الله، وحاولوا معها مزاولة الحياة في هذا المجتمع العالمي الذي يقوم نظامه كله وتقوم أوضاعه وتقوم تصوراته، وتقوم وسائل الكسب فيه ووسائل النجاح على غير منهج الله, وتتصادم فيه العقيدة الدينية والخلق الديني، والسلوك الديني، مع الأوضاع والقوانين والقيم والموازين السائدة في هذا المجتمع المنكود. وتعاني البشرية كلها ذلك الشقاء، سواء اتبعت المذاهب المادية الإلحادية، أو المذاهب المادية التي تحاول استبقاء الدين عقيدة بعيدة عن نظام الحياة العملية.. وتتصور - أو يصور لها أعداء البشرية - أن الدين لله، وأن الحياة للناس! وأن الدين عقيدة وشعور وعبادة وخلق، والحياة نظام وقانون وإنتاج وعمل! وتؤدي البشرية هذه الضريبة الفادحة.. ضريبة الشقاء والقلق والحيرة والخواء.. لأنها لا تهتدي إلى منهج الله الذي لا يفصل بين الدنيا والآخرة بل يجمع؛ ولا يقيم التناقض والتعارض بين الرخاء في الدنيا والرخاء في الآخرة، بل ينسق.. ولا يجوز أن تخدعنا ظواهر كاذبة، في فترة موقوتة، إذ نرى أمماً لا تؤمن ولا تتقي، ولا تقيم منهج الله في حياتها، وهي موفورة الخيرات، كثيرة الإنتاج عظيمة الرخاء.. إنه رخاء موقوت، حتى تفعل السنن الثابتة فعلها الثابت. وحتى تظهر كل آثار الفصام النكد بين الإبداع المادي والمنهج الرباني.. والآن تظهر بعض هذه الآثار في صور شتى: تظهر في سوء التوزيع في هذه الأمم، مما يجعل المجتمع حافلاً بالشقاء، وحافلاً بالأحقاد، وحافلاً بالمخاوف من الانقلابات المتوقعة نتيجة هذه الأحقاد الكظيمة.. وهو بلاء على رغم الرخاء!.. وتظهر في الكبت والقمع والخوف في الأمم التي أرادت أن تضمن نوعاً من عدالة التوزيع واتخذت طريق التحطيم والقمع والإرهاب ونشر الخوف والذعر، لإقرار الإجراءات التي تأخذ بها لإعادة التوزيع.. وهو بلاء لا يأمن الإنسان فيه على نفسه ولا يطمئن ولا يبيت ليلة في سلام! وتظهر في الانحلال النفسي والخلقي الذي يؤدي بدوره - إن عاجلاً أو آجلاً - إلى تدمير الحياة المادية ذاتها. فالعمل والإنتاج والتوزيع، كلها في حاجة إلى ضمانة الأخلاق. والقانون الأرضي وحده عاجز كل العجز عن تقديم الضمانات لسير العمل كما نرى في كل مكان! وتظهر في القلق العصبي والأمراض المنوعة التي تجتاح أمم العالم - وبخاصة أشدها رخاء مادياً - مما يهبط بمستوى الذكاء والاحتمال. ويهبط بعد ذلك بمستوى العمل والإنتاج، وينتهي إلى تدمير الاقتصاد المادي والرخاء! وهذه الدلائل اليوم واضحة وضوحاً كافياً يلفت الأنظار! وتظهر في الخوف الذي تعيش فيه البشرية كلها من الدمار العالمي المتوقع في كل لحظة؛ في هذا العالم المضطرب؛ الذي تحوم حوله نذر الحرب المدمرة.. وهو خوف يضغط على أعصاب الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون؛ فيصيبهم بشتى الأمراض العصبية.. ولم ينتشر الموت بالسكتة وانفجار المخ والانتحار كما انتشر في أمم الرخاء! وتظهر هذه الآثار كلها بصورة متقدمة واضحة في ميل بعض الشعوب إلى الاندثار والدمار - وأظهر الأمثلة الحاضرة تتجلى في الشعب الفرنسي - وليس هذا إلا مثلاً للآخرين، في فعل الافتراق بين النشاط المادي والمنهج الرباني؛ وافتراق الدنيا والآخرة، وافتراق الدين والحياة؛ أو اتخاذ منهج للآخرة من عند الله، واتخاذ منهج للدنيا من عند الناس؛ وإيقاع هذا الفصام النكد بين منهج الله وحياة الناس! وقبل أن ننهي هذا التعليق على التقرير القرآني لتلك الحقيقة الكبيرة، نحب أن نؤكد أهمية التناسق في منهج الله بين الإيمان والتقوى وإقامة المنهج في الحياة الواقعية للناس، وبين العمل والإنتاج والنهوض بالخلافة في الأرض؛ فهذا التناسق هو الذي يحقق شرط الله لأهل الكتاب - ولكل جماعة من الناس - أن يأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم في الدنيا، وأن تكفر عنهم سيئاتهم ويدخلوا جنات النعيم في الآخرة؛ وأن يجتمع لهم الفردوس الأرضي - بالوفرة والكفاية مع السلام والطمأنينة - وفردوس الآخرة بما فيه من نعيم ورضوان.. ولكننا مع هذا التوكيد لا نحب أن ننسى أن القاعدة الأولى والركيزة الأساسية هي الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الرباني في الحياة الواقعية.. فهذا يتضمن في ثناياه العمل والإنتاج والترقية والتطوير للحياة.. فضلاً على أن للصلة بالله مذاقها الذي يغير كل طعوم الحياة؛ ويرفع كل قيم الحياة؛ ويقوّم كل موازين الحياة.. فهذا هو الأصل في التصور الإسلامي، وفي المنهج الإسلامي وكل شيء فيه يجيء تبعاً له، ومنبثقاً منه ومعتمداً عليه.. ثم يتم تمام الأمر كله في الدنيا والآخرة في تناسق واتساق. وينبغي أن نذكر أن الإيمان والتقوى والعبادة والصلة بالله وإقامة شريعة الله في الحياة.. كل أولئك ثمرته للإنسان، وللحياة الإنسانية. فالله - سبحانه - غني عن العالمين.. وإذا شدد المنهج الإسلامي في هذه الأسس، وجعلها مناط العمل والنشاط؛ ورد كل عمل وكل نشاط لا يقوم عليها، وعده باطلاً لا يقبل، وحابطاً لا يعيش، وذاهباً مع الريح.. فليس هذا لأن الله سبحانه يناله شيء من إيمان العباد وتقواهم وعبادتهم له وتحقيق منهجه للحياة.. ولكن لأنه - سبحانه - يعلم أن لا صلاح لهم ولا فلاح إلا بهذا المنهاج.. في الحديث القدسي: عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن ربه - تبارك وتعالى - أنه قال: "حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا.. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم.. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.. يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم.. يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم.. يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد الله؛ ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"تفسير : .. (رواه مسلم) وعلى هذا الأساس ينبغي أن ندرك وظيفة الإيمان والتقوى والعبادة وإقامة منهج الله في الحياة والحكم بشريعة الله.. فهي كلها لحسابنا نحن.. لحساب هذه البشرية.. في الدنيا والآخرة جميعاً.. وهي كلها ضروريات لصلاح هذه البشرية في الدنيا والآخرة جميعاً.. ونحسب أننا لسنا في حاجة لأن نقول: إن هذا الشرط الإلهي لأهل الكتاب غير خاص بأهل الكتاب. فالشرط لأهل الكتاب يتضمن الإيمان والتقوى وإقامة منهج الله المتمثل في ما أنزل إليهم في التوراة والإنجيل. وما أنزل إليهم من ربهم - وذلك بطبيعة الحال قبل البعثة الأخيرة - فأولى بالشرط الذين أنزل إليهم القرآن.. أولى بالشرط الذين يقولون: إنهم مسلمون.. فهؤلاء هم الذين يتضمن دينهم بالنص: الإيمان بما أنزل إليهم وما أنزل من قبل، والعمل بكل ما أنزل إليهم وما استبقاه الله في شرعهم من شرع من قبلهم.. وهم أصحاب الدين الذي لا يقبل الله غيره من أحد.. وقد انتهى إليه كل دين قبله؛ ولم يعد هناك دين يقبله الله غيره.. أو يقبل من أحد غيره. فهؤلاء أولى أن يكون شرط الله وعهده لهم.. وهؤلاء أولى أن يرتضوا ما ارتضاه الله منهم، وأن يستمتعوا بما يشرطه الله لهم من تكفير السيئات ودخول الجنة في الآخرة؛ ومن الأكل من فوقهم ومن تحت أرجلهم في الدنيا.. إنهم أولى أن يستمتعوا بما يشرطه الله لهم بدلاً من الجوع والمرض والخوف والشظف الذي يعيشون فيه في كل أرجاء الوطن الإسلامي - أو الذي كان إسلامياً بتعبير أصح - وشرط الله قائم؛ والطريق إليه معروف.. لو كانوا يعقلون..
ابن عاشور
تفسير : تهيّأت نفوس المؤمنين لقبول النّهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليبَ الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى} الآية، لأنّ الولاية تنبنِي على الوفاق والوئام والصّلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبُعد ما بين الأخلاق الدّينيّة، ولإضمارهم الكَيد للمسلمين. وجرّد النّهي هنا عن التّعليل والتّوجيه اكتفاء بما تقدّم. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وسبب النّهي هو ما وقع من اليهود، ولكن لمّا أريد النّهي لم يُقتصر عليهم لكيلا يحسب المسلمون أنّهم مأذونون في موالاة النّصارى، فلدفع ذلك عطف النّصارى على اليهود هنا، لأنّ السبب الدّاعي لعدم الموالاة واحد في الفريقين، وهو اختلاف الدّين والنفرةُ الناشئة عن تكذيبهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم فالنّصارى وإن لم تجىء منهم يومئذٍ أذاة مثل اليهود فيوشك أن تجيء منهم إذا وُجد داعيها. وفي هذا ما ينبّه على وجه الجمع بين النّهي هنا عن موالاة النّصارى وبين قوله فيما سيأتي {أية : ولتجِدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى}تفسير : [المائدة: 82]. ولا شكّ أنّ الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو قُربَهَا، وقد أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب. وعن السُدّي أنّ بعض المسلمين بعْد يوم أحُد عزم أن يوالي يهودياً، وأنّ آخر عزم أن يوالي تصرانياً كما سيأتي، فيكون ذكر النّصارى غير إدماج. وعقّبه بقوله: {بعضهم أولياء بعض} أي أنّهم أجدر بولاية بعضهم بعضاً، أي بولاية كلّ فريق منهم بعض أهللِ فريقِه، لأنّ كلّ فريق منهم تتقارب أفراده في الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم، وليس المعنى أنّ اليهودَ أولياء النّصارى. وتنوين {بعضٍ} تنوين عوض، أي أولياء بعضهم. وهذا كناية عن نفي موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما. والولاية هنا ولاية المودّة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث، ولذلك لم يقل مالك بتوريث اليهودي من النّصراني والعكس أخذاً بقول النّبيء صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتوارث أهل ملّتين"تفسير : . وقال الشّافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملّة واحدة أخذاً بظاهر هذه الآية، وهو مذهب داوود. وقوله: {ومن يتَولّهم منكم فإنّه منهم}، (مَن) شرطيّة تقتضي أنّ كلّ من يتولاّهم يصير واحداً منهم. جعل ولايتهم موجّبة كونَ المتولّي منهم، وهذا بظاهره يقتضي أنّ ولايتهم دخولٌ في ملّتهم، لأنّ معنى البعضية هنا لا يستقيم إلاّ بالكون في دينهم. ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلماً لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل، وقد تأوّلها المفسّرون بأحد تأويلين: إمّا بحمل الولاية في قوله: {ومن يتولّهُم} على الولاية الكاملة الّتي هي الرّضى بدينهم والطعنُ في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطيّة: ومن تولاّهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النّار. وأمّا بتأويل قوله: {فإنّه منهم} على التشبيه البليغ، أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب. قال ابن عطيّة: من تولاّهم بأفعاله من العَضْد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمّة الواقعة عليهم اهـــ. وهذا الإجمال في قوله: {فإنّه منهم} مبالغة في التّحذير من موالاتهم في وقت نزول الآية، فالله لم يرض من المسلمين يومئذٍ بأن يتولّوا اليهود والنّصارى، لأنّ ذلك يلبسهم بالمنافقين، وقد كان أمر المسلمين يومئذٍ ي حيرة إذ كان حولهم المنافقُون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعيّن لحفظ الجامعة التّجرّد عن كلّ ما تتطرّق مِنه الرّبية إليهم. وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يُوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم، وهو مراتب في القُوّة بحسب قوّة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين. وأعظم هذه المراتب القضية الّتي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة الّتي سئل عنها فقهاء غرناطة: محمد الموّاق، ومحمد بن الأزرق، وعليّ بن داوود، ومحمد الجعدالة، ومحمد الفخار، وعليّ القلصادي، وأبو حامد بن الحسن، ومحمد بن سرحونة، ومحمد المشذّالي، وعبد الله الزليجي، ومحمد الحذام، وأحمد بن عبد الجليل، ومحمد بن فتح، ومحمد بن عبد البرّ، وأحمد البقني، عن عصابة من قُواد الأندلس، وفرسانهم لَجَأُوا إلى صاحب قشتالة (بلاد النصارى) بعد كائنة (اللَّسانة) ـــ كذا ـــ واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبْل جواره وسكنوا أرض النّصارى فهل يحلّ لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يأوُوهم. فأجابوا بأنّ رُكونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى: {ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم} فمن أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله، هذا ما داموا مصرّين على فعلهم فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم. فاستِدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدلّ على أنّهم تأوّلوها على معنى أنّه منهم في استحقاق المقت والمذمة، وهذا الّذي فعلوه، وأجاب عنه الفقهاء هو أعظمُ أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر. وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التّجارة ونحوها. ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلاً، وهو المعاملة. وقد عامَل النّبيء صلى الله عليه وسلم يهود خيبر مساقاة على نخل خيبر، وقد بيّنّا شيئاً من تفصيل هذا عند قوله تعالى: {أية : لا يَتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} تفسير : في سورة آل عمران (28). وجملة {إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين} تذييل للنّهي، وعموم القوم الظّالمين شمل اليهود والنّصارى، وموقع الجملة التذييلية يقتضي أنّ اليهودَ والنّصارى من القوم الظّالمين بطريق الكناية. والمراد بالظّالمين الكافرون. وقوله: {فترى الّذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} تفريع لحالة من موالاتهم أريد وصفها للنّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وقعت في حضرته. والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : في قلوبهم مرض}تفسير : في سورة البقرة (10). أطلق عليه مرض لأنّه كفر مفسد للإيمان. والمسارعة تقدّم شرحها في قوله تعالى: {أية : لا يحْزنك الّذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41]. وفي المجرور مضاف محذوف دلّت عليه القرينة، لأنّ المسارعة لا تكون في الذوات، فالمعنى: يسارعون في شأنهم من موالاتهم أو في نصرتهم. والقولُ الواقع في {يقولون نَخشى} قولُ لسان لأنّ عبد الله بن أبيّ بنَ سلول قال ذلك، حسبما رُوي عن عطيّة الحوفي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة أنّ الآية نزلت بعد وقعة بدر أوبعد وقعة أحُد وأنّها نزلت حين عزم رسول الله على قتال بني قينقاع. وكان بنو قينقاع أحلافاً لعبد الله بن أبي بن سلول ولعُبادة بن الصامت، فلمّا رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فقال: يا رسول الله إنّي أبرأ إلى الله من حِلف يهود وولائهم ولا أوالي إلاّ الله ورسولَه، وكان عبد الله بن أبيّ حاضراً فقال: أمَّا أنا فلا أبرأ من حلفهم فإنّي لا بدّ لي منهم إنّي رجل أخاف الدّوائر. ويحتمل أن يكون قولهم: {نخشى أن تصيبنا دائرة}، قولاً نفسياً، أي يقولون في أنفسهم. فالدّائرة المخشيّة هي خشية انتقاض المسلمين على المنافقين، فيكون هذا القول من المرض الّذي في قلوبهم، وعن السديّ: أنّه لمّا وقع انهزام يوم أحُد فزع المسلمون وقال بعضهم: نأخذ من اليهود حلفاً ليُعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش. وقال رجل: إنّي ذاهب إلى اليهود فلان فآوي إليه وأتهوّدُ معه. وقال آخر: إنّي ذاهب إلى فلان النّصراني بالشّام فآوي إليه وأتنصّر معه، فنزلت الآية. فيكون المرض هنا ضعف الإيمان وقلّة الثّقة بنصر الله، وعلى هذا فهذه الآية تقدّم نزولها قبل نزول هذه السورة، فإمّا أعيد نزولها، وإمّا أمر بوضعها في هذا الموضع. والظاهر أنّ قوله {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين} يؤيّد الرواية الأولى، ويؤيّد مَحملنا فيها: أنّ القول قول نفسيّ. والدائرة اسم فاعل من دار إذا عَكس سيره، فالدائرة تغيّر الحال، وغلب إطلاقها على تغيّر الحال من خير إلى شرّ، ودوائر الدّهر: نُوبه ودولُه، قال تعالى: {أية : ويتربّص بكم الدوائر}تفسير : [التوبة: 98] أي تبدّل حالكم من نصر إلى هزيمة. وقد قالوا في قوله تعالى: {أية : عليهم دائرة السَّوْء}تفسير : [الفتح: 6] إنّ إضافة (دائرة) إلى (السَّوْء) إضافة بيان. قال أبو عليّ الفارسي: لو لم تُضف الدائرة إلى السَّوْء عرف منها معناه. وأصل تأنيثها للمرّة ثمّ غلبت على التغيّر مُلازمة لصبغة التّأنيث. وقوله: {يقول الّذين آمنوا} قرأه الجمهور {يقول} بدون واو في أوّله على أنّه استئناف بياني جواب لسؤال من يسأل: ماذا يقول الّذين آمنوا حينئذٍ. أي إذا جاء الفتح أو أمر من قوة المسلمين ووهنَ اليهود يقول الّذين آمنوا وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف {ويَقول} بالواو ـــ وبرفع {يقول} عطفاً على {فعسى الله}، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب ـــ بالواو ـــ أيضاً وبنصب {يقول} عطفاً على {أن يأتي}. والاستفهام في {أهؤلاء} مستعمل في التعجّب من نفاقهم. و{هؤلاء} إشارة إلى طائفة مقدّرة الحصول يومَ حصول الفتح، وهي طائفة الّذين في قلوبهم مرض. والظاهر أنّ {الّذين} هو الخبر عن {هؤلاء} لأنّ الاستفهام للتّعجب، ومحلّ العجب هو قَسمَهم أنّهم معهم، وقد دلّ هذا التعجّب على أنّ المؤمنين يظهر لهم من حال المنافقين يوم إتيان الفتح ما يفتضح به أمرهم فيعجبون من حلفهم على الإخلاص للمؤمنين. وجَهْدُ الأيمان ـــ بفتح الجيم ـــ أقواها وأغلظها، وحقيقة الجَهد التعب والمشقّة ومنتهى الطاقة، وفِعله كمنع. ثم أطلق على أشدِّ الفعللِ ونهاية قوّته لِمَا بَيْن الشدّة والمشقّة من الملازمة، وشاع ذلك في كلامهم ثُمّ استعمل في الآية في معنى أوْكَدِ الأيمان وأغظلها، أي أقسموا أقوى قَسَم، وذلك بالتّوكيد والتّكرير ونحو ذلك ممّا يغلّظ به اليمين عُرفاً. ولم أر إطلاق الجَهد على هذا المعنى فيما قبلَ القرآن. وانتصبَ {جَهدَ} على المفعولية المطلقة لأنّه بإضافته إلى «الأيمان» صار من نوع اليمين فكان مفعولاً مطلقاً مبيّناً للنّوع. وفي «الكشاف» في سورة النّور جعله مصدراً بدلاً من فعله وجعل التّقدير: أقسموا بالله يجهدون أيمانَهم جَهداً، فلمّا حذف الفعل وجعل المفعول المطلق عوضاً عنه قدّم المفعول المطلق على المفعول به وأضيف إليه. وجملة {حَبِطت أعمالهم} استئناف، سواء كانت من كلام الّذين آمنوا فتكون من المحكي بالقَول، أم كانت من كلام الله تعالى فلا تكونه. وحبطت معناه تلِفت وفسَدت، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : فأولئك حبطت أعمالهم في الدّنيا والآخرة} تفسير : في سورة البقرة (217).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ولكنه بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة، لأنها لا تستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى يوم القيامة، بقوله: {أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَة} تفسير : [المائدة: 14]، وبين مثل ذلك في اليهود أيضاً، حيث قال فيهم: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [المائدة: 64]، والظاهر أنها في اليهود فميا بينهم، كما هو صريح السياق، خلافاً لمن قال: إنها بين اليهود، والنصارى. وصرح تعالى بعدم اتفاق اليهود معللاً له بعدم عقولهم في قوله: {أية : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الحشر: 14]. تنبيه أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أن اليهودي، والنصراني، يتوارثان، ورده بعض العلماء، بأن المراد بالآية، ولاية اليهود لخصوص اليهود، والنصارى لخصوص النصارى، وعلى هذا المعنى فلا دليل في الآية لتوارث اليهود والنصارى. قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. ذكر في هذه الآية الكريمة، أن من تولى اليهود، والنصارى، مِن المسلمين، فإنه يكون منهم بتوليه إياهم. وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وهو قوله تعالى: {أية : تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 80-81]. ونهى في موضِع آخر عن تَوليهم مبيناً سبب التنفير منه. وهو قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُور} تفسير : [الممتحنة: 13]. وبين في موضع آخر: أن محل ذلك، فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاة} تفسير : [آل عمران: 28] فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً وإيضاح، لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة. شعر : ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختيارا تفسير : ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. أولياء: لكم توالونهم بالنصرة والمحبة. بعضهم أولياء بعض: أي اليهود ولي أخيه اليهودي، والنصراني ولي أخيه النصراني. الظالمين: الذين يوالون أعداء الله ورسوله ويتركون موالاة الله ورسوله والمؤمنين. مرض: نفاق وشك وشرك. يسارعون فيهم: أي في البقاء على موالاتهم أي موالاة اليهود والنصارى. دائرة: تدور علينا من جدب، أو انتهاء أمر الإِسلام. بالفتح: نصر المؤمنين على الكافرين والقضاء لهم بذلك كفتح مكة. جهد أيمانهم: أقصاها وأبلغها. حبطت أعمالهم: بطلت وفسدت فلم ينتفعوا منها بشيء لأنها ما كانت لله تعالى. معنى الآيات: ورد في سبب نزول هذه الآية أن عبادة بن الصامت الأنصاري، وعبد الله بن أبي كان لكل منهما حلفاء من يهود المدينة، ولما انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون في بدر اغتاظ اليهود وأعلنوا سوء نياتهم فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفائه ورضي بموالاة الله ورسوله والمؤمنين وأبى ابن أبي ذلك وقال بعض ما جاء في هذه الآيات فأنزل الله تعالى قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} أي لكم من دون المؤمنين وقوله تعالى {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تعليل لتحريم موالاتهم، لأن اليهودي ولي لليهودي والنصراني ولي للنصراني على المسلمين فكيف تجوز إذاً موالاتهم، وكيف يصدقون أيضاً فيها فهل من المعقول أن يحبك النصراني ويكره أخاه، وهل ينصرك على أخيه؟ وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} أي أيها المؤمنين {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، لأنه بحكم موالاتهم سيكون حرباً على الله ورسوله والمؤمنين وبذلك يصبح منهم قطعاً وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} جملة تعليلية تفيد أن من والى اليهود والنصارى من المؤمنين أصبح مثلهم فيحرم هداية الله تعالى لأن الله لا يهدي القوم الظالمين، والظلم وضع الشيء في غير محله وهذا الموالي لليهود والنصارى قد ظلم بوضع الموالاة في غير محلها حيث عادى لله ورسوله والمؤمنين ووالى اليهود والنصارى أعداء الله ورسوله والمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية [52] فقد تضمنت بعض ما قال ابن أبي مبرراً به موقفه المخزي وهو الإِبقاء على موالاته لليهود إذ قال تعالى لرسوله وهو يخبره بحالهم: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} كابن أبي والمرض مرض النفاق {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في موالاتهم ولم يقل يسارعون إليهم لأنهم ما خرجوا من دائرة موالاتهم حتى يعودوا إليها بل هم في داخلها يسارعون، يقولون كالمعتذرين {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} من تقلب الأحوال فنجد أنفسنا مع أحلافنا ننتفع بهم. وقوله تعالى: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} وعسى من الله تفيد تحقيق الوقوع فهي بشرى لرسول الله والمؤمنين بقرب النصرب والفتح {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ} أي أولئك الموالون لليهود {عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} من النفاق وبغض المؤمنين وحب الكافرين {نَادِمِينَ} حيث لا ينفعهم ندم. هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة [53] وهي قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عندما يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيه نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ويصبح المنافقون نادمين يقول المؤمنون مشيرين إلى المنافقين: {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} أغلظ الأَيمان {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} لأنها لم تكن لله {فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة موالاة اليهود والنصارى وسائر الكافرين. 2- موالاة الكافر على المؤمن تعتبر ردة عن الإِسلام. 3- موالاة الكافرين ناجمة عن ضعف الإِيمان فلذا تؤدي إلى الكفر. 4- عاقبة النفاق سيئة ونهاية الكفر مريرة.
القطان
تفسير : الولاية: التناصر والمحالفة. ومن يتولهم منكم: من يتخذهم أنصاراً وحلفاء. لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفّار معه ثلاثة أقسام. قسم صالحهم ووادعهم على ان لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه أحدا ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على دينهم آمنون على دمائهم وأموالهم. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم تركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا إلامَ يؤول أمره وأمر اعدائه. وقد عامل الرسول كل طائفة من هؤلاء بما أمره الله به. فصالَح يهودَ المدينة، وكتب بينه وبينهم عهداً بكتاب. وكانوا ثلاثة طوائف هم: بنو قينقاع، وبنو النُضير، وبنو قريظة. فحاربه بنو قينقاع بعد معركة بدْرٍ وأظهروا البغي والحسد. ثم نقض العهدَ بنو النُّضير بعد ذلك بستة أشهر. ثم نقض بنو قُريظة العهدَ لما خرج الى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي والاسلام. واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير في تفسيره عن عطية بن سعد قال: "حديث : جاء الصحابي عبادة ابن الصامت، من الخزرج، الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ان لي موالي من اليهود كثيرٌ عددُهم، وإني أبرأُ الى الله ورسوله من ولاية يهود، واتولى الله ورسوله. وكان عبد الله بن أُبي ـ رأس المنافقين ـ حاضراً، فقال: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من مولاة مواليّ. فقال له رسول الله: يا أبا الحباب، أرأيتَ الذي نفِستَ به من ولاء يهود على عُبادة، فهو لك دونه"تفسير : . قال: اذنْ أقبَل. فأنزل الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ} يا أيها الّذين آمنوا، لا يحِلُّ لكم أن تتّخذوا اليهودَ ولا النصارى نُصراءَ لكم على أهل الإيمان بالله ورسوله، فمن اتخذَهم كذلك فهو منهم، واللهُ ورسوله بريئان منه. {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}. ان اليهود بعضُهم أنصار بعض، والنصارى بعضهم أنصار بعض، وقد يتحالف اليهود والنصارى معاً، أما أن يتحالفوا أو يصدُقوا مع المسلمين فلا. وفي واقعنا الحاضر شاهد على ذلك.. ولقد نقض اليهود ما عقَده الرسول الكريم معهم من العهد من غير أن يبدأهم بقتال. وكذلك فعلت اوروبا في الحروب الصليبية، وتفعل امريكا اليوم مع كل من يطلب الحرية لشعبه، والمسلمين خاصة. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} ان الله لا يهدي الذين يظلمون أنفسهم منكم بموالاة أعداء المؤمنين. فإن اليهود بتدبير من النصارى، وبقوة سلاحهم أيضاً جاؤا واغتصبوا فلسطين وأجزاء من سورية ومصر، بمعونة أمريكا وسلاحها ومالها، ولا يزالون في حماية امريكا. وحتى اوروبا والدول الغربية جميعاً فإنهم يعطِفون على اليهود أعداء العالم أجمع, ونحن بحكم جهلنا، لانزال نستنصر أمريكا وغيرها ونطلب المعونة منها، مع أننا لو اجتمعت كلمتُنا ووحّدنا صفوفنا، لما احتجنا الى شيء من ذلك. ولكنّنا تفرّقنا، وبعُدنا عن ديننا ومزّقتنا الأهواء وحب المناصب. بذلك قوي اليهود من ضعفنا، فهم يهدّدوننا، ويهاجمون بلداننا وقرانا، ويعيثون في الأرض فسادا. هذا وكلُّ منّا يود المحافظة على منصبه ويبيع في سبيله كل ما عداه. ثم أخبر سبحانه وتعالى أن فريقاً من ضعاف الإيمان يفعل ذلك فقال: فترى الذين في قلوبهم مرض.. الآية 52.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {وَٱلنَّصَارَىٰ} {ٱلظَّالِمِينَ} (51) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَنْ مُوَالاَةِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَاتِّخَاذِهِمْ حُلَفاءَ لَهُمْ عَلَى أهْلِ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ إنَّ مَنْ يَتَّخِذُهُمْ نُصَرَاءَ وَحُلَفَاءَ وَأَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ مِنْهُمْ فِي التَّحَزُّبِ عَلى اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنينَ. وَإنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ. وَمَنْ يَتَولَّى أعْدَاءَ اللهِ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَاللهُ لاَ يَهْدِيهِ إلى الخَيْرِ. وَاليَهُودُ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنينَ مِنْهُمْ وَلِيٌّ وَلاَ نَصِيرٌ. الوَلاَيَةُ - التَّنَاصُرُ وَالمُحَالَفَةُ.
الثعلبي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} إختلفوا في نزول هذه الآية، فإن كان حكمها عاماً لجميع المؤمنين. فقال العوفي والزهري: حديث : لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود أهربوا قبل أن يصيبكم اللّه بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: أغرّكم أن أصبتم رهطاً من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقتلونا. فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، قويّة أنفسهم، شديدة شوكتهم كثيراً سلاحهم وإني أبرأ إلى اللّه وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولا لي إلاّ الله ورسوله، قال عبد اللّه بن أُبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "يا أبا الحباب ما نفست من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه" قال: قد قبلت فأنزل اللّه عز وجل هذه الآيةتفسير : . قال السدّي: لما كانت وقعة أحد إشتد على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدل عليهم الكفار. فقال رجل من المسلمين: أما أنا فألحق بدهلك اليهودي وأخذ منه أماناً فإني أخاف أن يدل علينا اليهود. وقال رجل آخر: أما أنا فالحق بفلان النصراني ببعض أهل الشام فأخذ منه أماناً وأنزل اللّه هذه الآية ينهاهما. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبانة بن عبد المنذر حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} في العون والنصرة، ويدهم واحدة على المسلمين. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} فيوافقهم على دينهم ويعينهم {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} يقول ابن سيرين: عن رجل بيع داره من النصارى، يتخذونها بيعة فتلا هذه الآية {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} الآية، يعني عبد اللّه بن أُبي وصحبه من المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود ويصانعونهم ويناصحونهم {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في موالاتهم {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} دولة يعني أن يدور الدهر فنحتاج إلى نصرهم أيّانا فنحن نواليهم بذلك. قال الراجز: شعر : يرد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا تفسير : {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} أي القضاء وقيل: النصر. وقال السدّي: فتح مكّة. {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ} يعني هؤلاء المنافقين {عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} وحينئذ {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إختلف القرّاء فيه: فقرأ أهل الكوفة: (ويقول) بالواو والرفع على الإستئناف وقرأ أهل البصرة: (ويقول) نصباً والواو عطفاً على (أن يأتي) وقرأ الباقون: رفع اللام وحذف الواو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ} وقرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين على إظهار التخفيف {مِنكُمْ عَن دِينِهِ} فيرجع إلى الكفر وهذا المجاز للقرآن وللمصطفى صلى الله عليه وسلم إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان عهده وكان على ما أخبره بعد مدّة، وأهل الردّة كانوا أحد عشر قوماً ثلاثة على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آخر عمره وسبعة على عهد أبي بكر وواحد في عهد عمر. فأما الثلاثة الذين كانوا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فمنهم بنو مذحج ورئيسهم ذو الخمار عيهلة بن كعب القيسي فلقّب بالأسود وكان كاهناً مشعبذاً فتنبّأ باليمن وكان (عليه السلام) ولّى بأذان اليمن بجميع نواحيها وكان أوّل من أسلم من ملوك العجم وأول أمير لبلاد اليمن في الإسلام فمات، وولي رسول اللّه مكانه شهراً فقتل الأسود الكذّاب شهر بن بأذان وتزوج إمرأته لباد واستولى على بلاد اليمن وأخرج عمّال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منها، وكتب عليه إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسّك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود إما غيلة وإما مصادمة، وكتب (عليه السلام) بمثل ذلك إلى حمير من سادات اليمن عامر ابن سهو، وذي رود وذي مران وذي الكلاع وذي ظلم ففعلوا ما أمرهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقاموا بحرب الأسود حتى أهلك اللّه الأسود على يدي فيروز الديلمي، وذلك أنه رماه وقتله على رأسه. قال ابن عمر: حديث : أتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي. فقال (عليه السلام): قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز: فاز فيروز فبشر أصحابه اليوم بهلاك الأسود وقبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أخذ تفسير : وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد مخرج أسامة وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر، والفرقة الثانية: بنو حنيفة واليمامة، ونبيهم مسيلمة الكذّاب، وكان تنبأ في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آخر ستة عشر وزعم أنه أشرك مع محمد في النبوة. حديث : فكتب إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث بذلك رجلين من أصحابه الرجال بن شهب والحكم بن الطفيل وكان من سادات أهل اليمامة، فقال لهما رسول اللّه: "أتشهدان أن مسيلمة رسول اللّه؟ قالا: نعم، فقال: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما". ثم أجاب: "من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب، أما بعد (إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) ". تفسير : ومرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتوفي، وجعل مسيلمة يعلو أمره باليمامة يوماً بعد يوم، فبعث أبو بكر (رضي الله عنه) خالد بن الوليد إليه في جيش كثير حتى أهلكه اللّه على يدي وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب صعب شديد وكان وحشي: يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وقتلت شر الناس في الإسلام. والفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتدّ فادعى النبوة في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأول من قُتل بعد وفاته (عليه السلام) من أهل الردة، فعسكر واستكشف أمره فبعث إليه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) خالد بن الوليد فهزموهم بخالد بعد قتال شديد وأفلت طليحة ومرّ على امرأته هارباً نحو الشام فلجأ إلى بني جفنة فأجاروه ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فهذه الثلاث الذين ارتدّت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأما السبعة الذين ارتدّوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه)، لما مات رسول اللّه (عليه السلام) شمتت اليهود والنصارى وأظهر النفاق من كان يخفيه وماج الناس وكثر القيل والقال. وارتدت العرب على أعقابها، فارتدت فزار ورأسوا عليهم عيينة بن عين بن بدر، وارتدت غطفان، وأمّروا عليهم قرّة بن سلمة القسري، وارتدت بنو سليم ورأسوا عليهم النجاخ ابن عبد ياليل، وارتدت بنو يربوع ورأسوا عليهم مالك بن نويرة. وارتدت طائفة أخرى من بني تميم ورأسوا إمرأة منهم يقال لها: سجاح بنت المنذر وادّعت النبوّة ثم إنها زوّجت نفسها من مسيلمة الكذّاب. وارتدت كندة ورأسوا على أنفسهم الأشعث بن قيس.وارتدت بنو بكر بن وائل بأرض البحرين ورأسوا عليهم الحطم بن زيد فلقى اللّه أمر هؤلاء المرتدّين ونصر دينه على يدي أبي بكر (رضي الله عنه) وأما الذي كان على عهد عمر (رضي الله عنه) رأسهم الغاني وأصحابه، وأخبار أهل الردة مشهورة في التواريخ مسطورة يطول بذكرها الكتاب. {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه، مجاهد: هم أهل اليمن، وقال غياض بن غنم الأشعري: حديث : لما نزلت هذه الآية أومى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال: هم قوم هذا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوباً وأرق أفئدة الإيمان يماني والحكمة يمانية ". تفسير : الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة ألآف من كندة وبجيلة وثلاث آلاف من سائر الناس فجاهدوا في سبيل اللّه بالقادسية. السدّي: هم الأنصار، ويروى حديث : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان الفارسي فقال: هذا وذووه، ثم قال: "لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله من أبناء فارس ". تفسير : {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني أرقاء رحماء، كقوله {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 24] وقيل: هو من الذل، من قولهم دابّة ذلول بينة الذل يعني إنهم متواضعون كقوله {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63] {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي أشداء غلظاء من قول العرب عز جانبه عزاً. وقرأ ابن مسعود: أذلة على المؤمنين غلظاً على الكفّار بالنصب على الحال. وقال عطاء: أذلة على المؤمنين كالولد لوالده وكالعبد لسيده.أعزة على الكافرين كالسبع على فريسته، ونظير الآية {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}. عبد اللّه بن حمدون نا أحمد بن محمد بن الحسين نا محمد بن يحيى نا أحمد بن شبيب، عن يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُجلون عن الحوض فأقول ربّ أصحابي أصحابي فيقال لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم إرتدّوا على أدبارهم القهقرى ". تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية. أبو عبد اللّه الحسين عن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان عن شبر بن موسى الأسدي عن إسماعيل بن خليل الكوفي عن سلمة بن رجاء عن سلمة بن سابور قال: سمعت عطية العوفي يقول: قال ابن عباس: أسلم عبد اللّه بن أُبي بن سلول، ثم قال: بيني وبين قريظة والنضير حلف وأنا أخاف الدوائر، فارتد كافراً. وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى اللّه عز وجل من حلف قريظة والنضير، وأتولى اللّه والرسول والذين آمنوا فأنزل اللّه تعالى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ أن الخطاب هنا للذين آمنوا. والمنهي عنه هو اتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وما معنى الوليّ؟. الوليّ هو الناصر وهو المعين. وهذا القول مأخوذ من ولي يلي؛ أي يقف في جانبه. ونسمي الذي ينوب عن المرأة في عقد النكاح "الوليّ". وكذلك "وليّ المقتول". والمراد هو: يا من آمنتم لاحظوا تماماً أنكم أصحاب مهمة وهي أن تخرجوا الضلالات من البشر، هذه الضلالات تمثلت في تحريف ديانات كان أصلها الهدى فصارت إلى ضلال، فإياكم أن تضعوا أيديكم لطلب المعونة والنصرة. إذن قوله الحق: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} هو حكم تكليفي. وحيثية الإيمان بالله. فما دمت قد آمنت بالله فكل من تقدح أنت في إيمانه بمخالفته لمنهج ربه لا يصح أن يكون مؤتمناًَ على نصرتك؛ لأنه لم يكن أميناً على ما معه فهل تتوقع منه أن يعينك على الأمانة التي معك لا؛ لأنه لم يكن أميناً على ما نزل عليه من منهج. والولاية نصرة، والنصرة انفعال الناصر لمساعدة المنصور. وهل تجد فيهم انفعالاً لك ينصرك ويعينك، أو يتظاهرون بنصرتك، ولتعلموا أنهم سيفعلون ما قاله الحق: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47] إنهم لو دخلوا في صفوفكم لفعلوا فيكم مثلما يفعل المنافقون، فما بالنا بالذين خانوا أمانة الكتب المنزلة عليهم؟ إذن فالموالاة والنصرة والمعونة يجب أن تكون من متحد معك في الغاية العليا. وما دام هناك من يختلف مع الإسلام في الغاية العليا وهي الإيمان فلا يصح أن يأمنه المسلم. وسبحانه يقول: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}. وقد يتساءل الإنسان: كيف يقول الحق فيهم: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [البقرة: 113] ويقول سبحانه أيضاً: {أية : وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [البقرة: 113] ويقول جل شأنه: {أية : كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} تفسير : [البقرة: 113] نحن - إذن - أمام ثلاثة أقسام؛ يهود، ونصارى، ومشركون، وقد قال مشركو قريش مثل قول أهل الكتاب بشقيهم برغم أنهم في خلاف متضارب وكل منهم ينكر الآخر، وسبحانه قال: {أية : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ} تفسير : [المائدة: 14] فكيف من بعد ذلك يقول سبحانه: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}؟ وهذا أمر يحتاج إلى وقفة إيمان لنرى الصورة كاملة، ونعلم أن الذين يخالفون منهج الحق قد يصح أن يكون بينهم خلاف على السلطات الزمنية، لكنهم عندما يواجهون عملاقاً قادراً على دحر كل بنيان أكاذيبهم يتفقون معاً. وهذا ما نراه في الواقع الحياتي: معسكر الشرق - الذي كان - يعادي معسكر الغرب، ولكن ما إن يجيء شيء يتصل بالإسلام حتى يتفقوا معاً على الرغم من هزيمة المعسكر الشرقي؛ لأن الإسلام بمنهجه خطر على هؤلاء وهؤلاء وعلى سلطاتهم ولكنه في الحقيقة رحمة بهم إنه يخرجهم من الظلمات إلى النور وهم يتصرفون في ضوء ما قاله الحق: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}. وعندما ينفرد كل منهم بالآخر فإنه ينطبق عليهم قول الحق: {أية : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} تفسير : [المائدة: 14] هكذا نفهم طبيعة العلاقات بين أعداء الإسلام. ويقول الحق: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي أن من يتخذهم نصراء ومعينين فلا بد أنّه يقع في شرك النفاق؛ لأنه سيكون مع المسلمين بلسانه ومع أعداء الإسلام بقلبه. ويذيل الحق الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} ونعرف أن الظلم هو نقل حق إلى غير صاحبه، وأعلى مراتب الظلم هو الشرك بالله، وهو الظلم العظيم؛ فالحق يقول: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] ذلك أن الإنسان حين يظلم إنساناً آخر ويأخذ منه شيئاً ليعطيه لآخر فهل هناك إنسان يقدر على أن يأخذ من الله شيئاً؟ لا، فالإنسان لا يستطيع أن يظلم الله، لكنه ينال عقوبة الشرك وهذا ظلم خائب للنفس والذي يشرك بالله لا يأخذ إلا الخسار، وذلك هو كل الخيبة. لأن الظلم حينما يحقق للظالم فهو ظلم هين، ولكن الظلم العظيم هو أن يشرك إنسان بالله ولا يأخذ إلا العقاب الصارم. فإذا كان المشرك يتأبّى على منهج الله في الأشياء فهل يجرؤ على أن يتأبّى على قدريات الله غير الاختيارية فيه كالموت مثلاً؟. والحق يأمر الإنسان بالإيمان. ومتعلقات الإيمان من شهادة بوحدانيته وإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. والمشرك يتأبّى على الإيمان والتكاليف فهل يجرؤ على التأبي على المرض أو الموت؟. لا؛ لذلك فهو يظلم نفسه ظلماً خائباً. والحق سبحانه لا يهديه؛ لأن معنى الهداية هو أن يجد الإنسان من يدله على الطريق الموصل للغاية. فهداه أي دلّه على الطريق الموصل للغاية. ولا يتجنّى سبحانه على خلقه فلا يهديهم، بل الذين ظلموا أنفسهم ولم يؤمنوا هم الذين لا ينالون عناية الحق سبحانه وتعالى باختيارهم. والحق سبحانه يقول: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى عن أهل الكتاب أنهم تركوا العمل بالتوراة والإِنجيل وحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق، حذّر تعالى في هذه الآيات من موالاة اليهود والنصارى، ثم عدّد جرائم اليهود وما اتهموا به الذات الإِلهية المقدسة من شنيع الأقوال وقبيح الفعال. اللغَة: {دَآئِرَةٌ} واحدة الدوائر وهي صروف الدهر ونوازله قال الراجز: شعر : تردُّ عنكَ القَدرَ المَقْدُورَا ودائرتِ الدَّهر أنْ تَدُورا تفسير : {حَبِطَتْ} بطلت وذهبت {تَنقِمُونَ} تنكرون وتعيبون {ٱلسُّحْتَ} الحرام وقد تقدم {مَغْلُولَةٌ} مقبوضة والغلُّ: القيد يوضع في اليد وهو كناية عن البخل، وغلّه وضع القيد في يده {أَطْفَأَهَا} الإِطفاء: الإِخماد حتى لا يبقى هناك أثر {مُّقْتَصِدَةٌ} أي عادلة غير متغالية من القصد وهو الاعتدال. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: كان "رفاعةُ بن زيد" و "سُوَيْد بن الحارث" قد أظهرا الإِسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...} الآية. ب - عن ابن عباس قال: جاء نفرٌ من اليهود إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: أومن بالله وما أُنزل إِلينا وما أُنزل إِلى إِبراهيم وإِسماعيل إِلى قوله "ونحن له مسلمون" فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دينٍ أقلَّ حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم فأنزل الله {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} الآية. التفسِير: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} نهى تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ينصرونهم ويستنصرون بهم ويصافونهم ويعاشرونهم معاشرة المؤمنين {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي هم يدٌ واحدة على المسلمين لاتحادهم في الكفر والضلال، وملةُ الكفر واحدةٌ {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي من جملتهم وحكمُه حكمُهم قال الزمخشري: وهذا تغليظٌ من الله وتشديدٌ في مجانبة المخالف في الدين واعتزاله كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تراءى نارهما" تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يهديهم إِلى الإِيمان {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي شك ونفاق كعبد الله بن أُبيّ وأصحابه يسارعون في مُوالاتهم ومُعاونتهم {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} أي يقولون معتذرين عن موالاة الكافرين نخاف حوادث الدهر وشروره أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يتم الأمر لمحمد قال تعالى رداً على مزاعمهم الفاسدة {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} يعني فتح مكة وهذه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصرة {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} أي يُهلكهم بأمرٍ من عنده لا يكون فيه تسبّبٌ لمخلوق كإِلقاء الرعب في قُلوبهم كما فعل ببني النضير {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي يصير المنافقون نادمين على ما كان منهم من موالاة أعداء الله من اليهود والنصارى {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يقول المؤمنون تعجباً من حال المنافقين إِذا هتك الله سترهم {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي حلفوا لكم يا معشر اليهود بأغلظ الإِيمان إِنهم لمعكم بالنصرة والمعونة كما حكى تعالى عنهم {أية : وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} تفسير : [الحشر: 11] {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} أي بطلت أعمالهم بنفاقهم فصاروا خاسرين في الدنيا والآخرة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} خطابٌ على وجه التحذير والوعيد والمعنى: يا معشر المؤمنين من يرجع منكم عن دينه الحق ويبدّله بدينٍ آخر ويرجع عن الإِيمان إِلى الكفر {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} أي فسوف يأتي الله مكانهم بأناسٍ مؤمنين يحبّهم الله ويحبّون الله {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين قال ابن كثير: وهذه صفاتُ المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه متعززاً على عدوه كقوله تعالى {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن أن يكون ليّن الجانب متواضعاً لإِخوانه المؤمنين متسربلاً بالعزّة حيال الكافرين والمنافقين {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} أي يجاهدون لإِعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم فهم صلاب في دين الله لا يخافون في ذات الله أحداً {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي من اتصف بهذه الأوصاف الحميدة فإِنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الإِفضال والإِحسان عليمٌ بمن يستحق ذلك، ثمّ لما نهاهم تعالى عن موالاة الكفرة ذكر هنا من هم حقيقون بالموالاة فقال {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ليس اليهود والنصارى بأوليائكم إِنما أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة من إِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة وهم خاشعون متواضعون لله عز وجل قال في التسهيل: ذكر تعالى الوليَّ بلفظ المفرد إِفراداً لله تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التّبع، ولو قال "إِنما أولياؤكم" لم يكن في الكلام أصلٌ وتبع {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ} أي من يتولّ الله ورسوله والمؤمنين فإِنه من حزب الله وهم الغالبون القاهرون لأعدائهم {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} أي لا تتخذوا أعداء الدين الذين يسخرون من دينكم ويهزءون {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} أي من هؤلاء المستهزئين اليهود والنصارى وسائر الكفرة أولياء لكم تودّونهم وتحبونهم وهم أعداء لكم، فمن اتخذ دينكم سخرية لا يصح لكم أن تصادقوه أو توالوه بل يجب أن تبغضوه وتعادوه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي اتقوا الله في موالاة الكفار والفجار إِن كنتم مؤمنين حقاً، ثمَّ بيّن تعالى جانباً من استهزائهم فقال {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} أي وإِذا أذنتم إِلى الصلاة ودعوتم إِليها سخروا منكم ومن صلاتكم قال في البحر: حسد اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم حين سمعوا الأذان وقالوا: ابتدعتَ شيئاً لم يكن للأنبياء فمن أين لك الصياح كصياح العير فما أقبحه من صوت فأنزل الله هذه الآية نبّه تعالى على أنَّ من استهزأ بالصلاة ينبغي أن لا يُتّخذ ولياً بل يُهجر ويطرد، وهذه الآية جاءت كالتوكيد للآية قبلها {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي ذلك الفعل منهم بسبب أنهم فجرة لا يعقلون حكمة الصلاة ولا يدركون غايتها في تطهير النفوس، ونفى العقل عنهم لكونهم لم ينتفعوا به في أمر الدين وإِن كان لهم عقول يدركون بها مصالح الدنيا {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} أي قل يا محمد: يا معشر اليهود والنصارى هل تعيبون علينا وتنكرون منا {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ} أي إِلا إِيماننا بالله وبما جاء به رسل الله قال ابن كثير: أي هل لكم علينا مطعنٌ أو عيبٌ إِلا هذا؟ وهذا ليس بعيبٍ ولا مذمة فيكون الاستثناء منقطعاً {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أي خارجون عن الطريق المستقيم {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} أي هل أخبركم بما هو شرٌّ من هذا الذي تعيبونه علينا؟ {مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} أي ثواباً وجزاءً ثابتاً عند الله قال في التسهيل: ووضع الثوابَ موضع العقاب تهكماً بهم نحو قوله {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21] {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} أي طرده من رحمته {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} أي سخط عليه بكفره وانهماكه في المعاصي بعد وضوح الآيات {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} أي ومسخ بعضَهم قردةً وخنازير {وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} أي وجعل منهم من عَبَد الشيطان بطاعته {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} أي هؤلاء الملعونون الموصوفون بتلك القبائح والفضائح شرٌّ مكاناً في الآخرة وأكثر ضلالاً عن الطريق المستقيم قال ابن كثير والمعنى: يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإِفراده بالعبادة دون ما سواه كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ قال القرطبي: ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إِخوة القردة والخنازير فنكّسوا رءوسهم افتضاحاً وفيهم يقول الشاعر: شعر : فلعنة الله على اليهود إِن اليهود إِخوةُ القرود تفسير : {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} الضمير يعود إِلى المنافقين من اليهود أي إِذا جاءوكم أظهروا الإِسلام {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} أي والحال قد دخلوا إِليك كفاراً وخرجوا كفاراً لم ينتفعوا بما سمعوا منك يا محمد من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ والزواجر {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي من كفرهم ونفاقهم وفيه وعيد شديدٌ لهم {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي وترى كثيراً من اليهود يسابقون في المعاصي والظلم {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي أكلهم الحرام {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس أعمالهم القبيحة تلك الأخلاق الشنيعة {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} أي هلاّ يزجرهم علماؤهم وأحبارهم {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي عن المعاصي والآثام وأكل الحرام {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي بئس صنيعهم ذلك تركهم النهي عن ارتكاب محارم الله قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية - يعني على العلماء - وقال أبو حيان: تضمنت هذه الآية توبيخ العلماء والعبَّاد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله وأنشد ابن المبارك: شعر : وهلْ أفسَد الدِّينَ إِلا الملو كُ وأحبارُ سَوْءٍ ورهبانها تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} أي قال اليهود اللعناء إِن الله بخيلٌ يقتّر الرزق على العباد قال ابن عباس: مغلولة أي بخيلة أمسك ما عنده بخلاً ليس يعنون أن يد الله موثقة ولكنهم يقولون إِنه بخيل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} دعاءٌ عليهم بالبخل المذموم والفقر والنكد {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} أي أبعدهم الله من رحمته بسبب تلك المقالة الشنيعة {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} أي بل هو جواد كريم سابغ الإِنعام يرزق ويعطي كما يشاء قال أبو السعود: وتضييق الرزق ليس لقصورٍ في فيضه بل لأن إِنفاقه تابعٌ لمشيئته المبنيّة على الحِكَم وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيّق عليهم {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي وليزيدنَّهم هذا القرآن الذي أُنزل عليك يا محمد كفراً فوق كفرهم وطغياناً فوق طغيانهم إِذ كلّما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم كما أن الطعام للأصحاء يزيد المرضى مرضاً قال الطبري: أعلم تعالى نبيّه أنهم أهل عتو وتمرّد على ربهم وأنهم لا يذعنون لحقٍّ وإِن علموا صحته ولكنهم يعاندونه يسلِّي بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إِيّاه {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي ألقينا بين اليهود العداوة والبغضاء فكلمتهم مختلفة وقلوبهم شتّى لا يزالون متباغضين متعادين إِلى قيام الساعة {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} أي كلما أرادوا إِشعال حربٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطفأها الله {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يجتهدون في الكيد للإِسلام وأهله ويسعون لإِثارة الفتن بين المسلمين قال ابن كثير: أي من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإِفساد في الأرض {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي لا يحب من كانت هذه صفته {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} أي لو أن اليهود والنصارى آمنوا بالله وبرسوله حق الإِيمان واتقوا محارم الله فاجتنبوها {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي محونا عنهم ذنوبهم التي اقترفوها {وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي ولأدخلناهم مع ذلك في جنان النعيم {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} أي ولو أنهم استقاموا على أمر الله وعملوا بما في التوراة والإِنجيل وبما أُنزل إِليهم في هذا الكتاب الجليل الذي نزل على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي لوسّع الله عليهم الأرزاق وأغدق عليهم الخيرات بإِفاضة بركات السماء والأرض عليهم {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} أي منهم جماعة معتدلة مستقيمة غير غالية ولا مقصّرة، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام والنجاشي وسلمان {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي وكثير منهم أشرار بئس ما يعملون من قبيح الأقوال وسوء الفعال. البَلاَغَة: 1- {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} بين لفظ "أعزّة" و "أذلة" طباقٌ وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين لفظ {مِن فَوْقِهِمْ.. وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. 2- {لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} في تنكير لومة ولائم مبالغةٌ لا تخفى لأن اللّومة المرّة من اللوم. 3- {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} هذا على سبيل التهييج. 4- {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا} يسمى مثل هذا عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس فقد جعلوا التمسك بالإِيمان موجباً للإِنكار والنقمة مع أن الأمر بالعكس. 5- {مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} هذا من باب التهكم حيث استعملت المثوبة في العقوبة. 6- {شَرٌّ مَّكَاناً} نسب الشرُّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله وذلك مبالغة في الذم. 7- {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} غلُّ اليد كناية عن البخل وبسطها كناية عن الجود. 8- {أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} إِيقاد النار في الحرب استعارة لأن الحرب لا نار لها وإِنما شبهت بالنار لأنها تأكل أهلها كما تأكل النار حطبها. 9- {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} استعارة أيضاً عن سبوغ النعم وتوسعة الرزق عليهم كما يقال: عمَّه الرزق من فوقه إِلى قدمه. الفوَائِد: الأولى: روي أن عمر بلغه أن كاتباً نصرانياً قد استعمله أبو موسى الأشعري فكتب إِلى أبي موسى: لا تكرموهم إِذْ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إِذْ خوّنهم الله، ولا تُدنوهم إِذْ أقصاهم الله فقال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إِلا به فقال عمر: مات النصراني فماذا تفعل. الثانية: قُتِلَ مسيلمةُ الكذاب في عهد أبي بكر على يد "وحشي" قاتل حمزة وكان يقول: قتلتُ خير الناس في الجاهلية - يريد حمزة - وشرَّ الناس في الإِسلام - يريد مسيلمة الكذاب. الثالثة: قال المفسرون: "عسى" من الله واجب لأن الكريم إِذا أطمع في خيرٍ فعله فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به. الرابعة: قال البيضاوي في قوله تعالى {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ} فيها تحضيضٌ لعلمائهم للنهي عن ذلك فإِنَّ {لَوْلاَ} إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإِذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض.
الأندلسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ} الآية، سبب نزولها قصة عبد الله بن أبيّ واستمساكه بحلف يهود وتبرىء عبادة بن الصامت من حلفهم عن انقضاء بدر وانتجاز أمر بني قينقاع وكانوا حنفاء عبد الله وعبادة في قصة فيها طول هذا ملخصها. والله أعلم. نهى تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ينصرونهم ويستنصرون بهم ويعافونهم ويعاشرونهم معاشرة المؤمنين. والظاهر أن الضمير في "بعضهم" عائد على اليهود والنصارى. وقيل المعنى على أن ثم محذوفاً والتقدير بعض اليهود أولياء بعض وبعض النصارى أولياء بعض لأن اليهود ليسوا أولياء النصارى ولا النصارى أولياء اليهود. ويمكن أن يقال جمعهم في الضمير على سبيل الإجمال ودل ما بينهم من المعاداة على التفصيل وإن بعض اليهود لا يتولى إلا جنسه وبعض النصارى كذلك. قال الحوفي: هي جملة من مبتدأ وخبر في موضع النعت لأولياء. والظاهر أنها جملة مستأنفة لا موضع لها من الإِعراب. {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} قال ابن عباس: فإِنه منهم في حكم الكفر، أي ومن يتولهم في الدين وهذا تشديد عظيم في الانتفاء من أهل الكفر وترك موالاتهم وانحاء عبد الله بن أبيّ ومن اتصف بصفته ولا يدخل في الموالاة معاملة اليهود والنصارى من غير مصافاة. {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وقرأ ابن وثاب فيرى الذين بالياء فيحتمل أن يكون الذين فاعل يرى والمعنى أن يسارعوا فحذفت أنّ إيجازاً. "انتهى". هذا ضعيف لأن حذف إنْ من هذا لا ينقاس والفاعل ضمير يعود على الله أو على الرأي. والذين في قلوبهم مرض عبد الله بن أبيّ ومن تبعه من المنافقين. {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في مودتهم وموالاتهم. {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} هذا محفوظ من قول عبد الله بن أبيّ. وقاله معه منافقون كثير. قال ابن عباس: معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا. {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} هذه بشارة للرسول والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصر. قال قتادة: عني به القضاء في هذه النوازل والفتاح القاضي. قال ابن عطية: وظاهر الفتح في هذه الآية ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو كلمته فيستغني عن اليهود. {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} هو اجلاء بني النضير وأخذ أموالهم لم يكن للناس فيه فعل بل طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب وقتل قريظة وسبى ذراريهم. {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ} أي يصيرون نادمين على ما حدثتهم به أنفسهم ان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم أمره ولا تكون الدولة لهم. و{نَادِمِينَ} خبر فيصبحوا وعلى ما أسروا متعلق بنادمين. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، رأى المؤمنون ما قد ظهر من المنافقين قالوا أي المنافقون. {ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} والمعنى يقول بعضهم لبعض تعجباً من حالهم إذا غلظوا للمؤمنين بالإِيمان أنهم معهم وأنهم معاضد وهم وعلى اليهود فلما حل باليهود ما حل ظهر من المنافقين ما كانوا يسرونه من موالاة اليهود والتمالي على المؤمنين. وقرىء يقول بغير واو كأنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا. وقرىء ويقول بالواو ورفع اللام. وقرىء ويقول بالواو ونصب اللام. وأما قراءة "ويقول" بالنصب فوجّهت على أن هذا القول لم يكن إلا عند الفتح وأنه محمول على المعنى فهو معطوف على أن يأتي إذ معنى فعسى الله أن يأتي معنى فعسى أن يأتي الله، وهذا الذي تسميه النحويون العطف على التوهم يكون الكلام في قالب تقدره في قالب آخر، إذ لا يصح أن يعطف على لفظ أن يأتي لأنه لا يصح أن يقال: فعسى الله أن يقول المؤمنون، إذ ليس في المعطوف ضمير اسم الله ولا سببي منه. وأجاز ذلك أبو البقاء على تقدير ضمير محذوف، أي ويقول الذين آمنوا به أي بالله، فهذا الضمير يصح به الربط. أهؤلاء: استفهام تحقير واستصغار للمنافقين. والجملة من قوله: إنهم لمعكم، مؤكدة بأن واللام مبالغة من المنافقين في إيمانهم إذ جمعوا بين حرفي توكيد انّ واللام. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} استئناف أخبار من الله تعالى بحبوط أعمالهم. والظاهر أنه من كلام المؤمنين. والحبوط: البطلان. وأعمالهم: هي التي كانوا يظهرونها من موافقة المؤمنين في الصلاة وغيرها وهم ولا يعتقدون ثواباً في ذلك.
الجيلاني
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم أن {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} توالونهم، وتصاحبونهم، مثل موالاة المؤمنين، ولا تعتمدوا، ولا تثقوا بودادتهم ومودتهم إذ هم {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} متظاهرون متعاونون، ينتهزون الفرضة لمقتدكم {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} ويعتمد عليهم {مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} من جملتهم، وعدادهم عند الله {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] المجاوزين عن مقتضى أوامر الله، المرتكبين لمناهيه، فكيف لا يكون المتولون معهم من زمرتهم؟!. {فَتَرَى} أيها الرائي {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} كفر ونفاق {يُسَارِعُونَ} ويبادرون {فِيهِمْ} في مودتهم ومؤاخاتهم {يَقُولُونَ} معتذرين لكم؛ نفاقاً: {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} من دوائر الزمان، كان الأمر فيها لهم، والدولة تتوجه نحوههم، فنداريهم ونواليهم؛ خوفاً منها {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} والظفر لرسوله؛ ليظهر دينه على الأديان كلها {أَوْ أَمْرٍ} عظيم، نازل {مِّنْ عِندِهِ} يكفي مؤنة كفرهم ونفاقهم {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} من بغض رسول الله، والإنكار لرسالته، وتكذيب كتابه {نَادِمِينَ} [المائدة: 52] خائبين، خاسرين. {وَ} حينئذ {يَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأخلصوا في إيمانهم بعضهم لبعض، مستهزئين لهؤلاء المنافقين: {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي: أغلظها وأوكدها {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} مؤمنين بنبيكم؛ مظاهرة لكم في إعلاء كلمة الحق وانتشارها {حَبِطَتْ} واضمحلت {أَعْمَالُهُمْ} إلى حيث لا تفيدهم أصلاً {فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} [المائدة: 53] خسراناً عظيماً في الدنيا والآخرة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أمر الأولياء أن لا يتولوا الأعداء بقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} [المائدة: 51]، إشارة إن: يا أهل الإيمان الحقيقي لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في الحقيقة، فإنهم أعداء الله وأعداؤكم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا كما قال تعالى: {أية : نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}تفسير : [فصلت: 31]، وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ}تفسير : [البقرة: 257]، {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51]، فإن الجنسية موجبة القسم ولهذا قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]؛ يعني: ومن يتولهم ممن يتجلى تجلية الإسلام، ويتزيَّ بزي أهل الدين ظاهراً فإنه منهم أي: من طينتهم وخلقهم ووصفهم حقيقة وباطناً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي} [المائدة: 51]، غلى الائتلاف أهل التعارف الروحاني {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، الذين هم أهل التناكر الواضعين المحبة والولاء في غير موضعه. {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [المائدة: 52]، عن جريان نور الإيمان والخلق عن التوحيد والعرفان {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} [المائدة: 52]؛ أي: في قوة أهل التناكر "حديث : فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"تفسير : ، فمن تعمَّ فما يرهم وعمى بصائرهم حين حجبوا عن مقر التوحيد، وتغرقوا في أودية الحسبان والظنون تسبق موالاة الأعداء خوفاً من معادتهم، وطمعاً في المأمول من صحبتهم {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} [المائدة: 52]، من دوائر الزمان وبوائر الحدثان {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} [المائدة: 52]، فتح عين قلوبهم ليشاهدوا أنهم في أسر العجز وذل الافتقار {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} [المائدة: 52]، تصفيته مشارب الإكرام وإضاءة زواهد القرب ومشارق القلوب {فَيُصْبِحُواْ} [المائدة: 52]، عن ليلة الغفلة {عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [المائدة: 52]، من ظنون كاذبة {نَادِمِينَ} [المائدة: 52]، فحينئذ {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 53]، بأنوار الغيب في أستار القلوب {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} [المائدة: 53]، جهلاً عن أحوالهم في ملكهم {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 53]، بالنفاق {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} [المائدة: 53]، في الوفاق {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [المائدة: 53]، وبطلت آمالهم {فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} [المائدة: 53]، بإبطال الاستعداد الفطري في الدنيا واستحقاق دركات جهنم البعد في الآخرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بيَّن لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم، ولهذا قال: { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم. { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: الذين وصْفُهم الظلم، وإليه يَرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك. ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا { نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافؤننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال تعالى -رادا لظنهم السيئ-: { فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ } الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون { أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ } ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم { فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا } أي: أضمروا { فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ } على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم. { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } متعجبين من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: { أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } أي: حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان، وما يلزمه من النصرة والمحبة والموالاة، ظهر ما أضمروه، وتبين ما أسروه، وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم الذي ظنوه بالإسلام وأهله -باطلا فبطل كيدهم وبطلت { أَعْمَالُهُمْ } في الدنيا { فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ } حيث فاتهم مقصودهم، وحضرهم الشقاء والعذاب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 251 : 20 : 7 - سفين عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن بن عباس انه سئل عن ذبايح مشركي العرب، فقرأ {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. [الآية 51]. 252 : 21 : 8 - سفين عن عاصم الأحول عن عكرمة عن بن عباس مثله. 253 : 22 : 9 - سفيان عن منصور عن إبراهيم انه لم يكن يرى بأسا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):