Verse. 721 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

فَتَرَى الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ يُّسَارِعُوْنَ فِيْہِمْ يَقُوْلُوْنَ نَخْشٰۗى اَنْ تُصِيْبَنَا دَاۗىِٕرَۃٌ۝۰ۭ فَعَسَى اللہُ اَنْ يَّاْتِيَ بِالْفَتْحِ اَوْ اَمْرٍ مِّنْ عِنْدِہٖ فَيُصْبِحُوْا عَلٰي مَاۗ اَسَرُّوْا فِيْۗ اَنْفُسِہِمْ نٰدِمِيْنَ۝۵۲ۭ
Fatara allatheena fee quloobihim maradun yusariAAoona feehim yaqooloona nakhsha an tuseebana dairatun faAAasa Allahu an yatiya bialfathi aw amrin min AAindihi fayusbihoo AAala ma asarroo fee anfusihim nadimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فترى الذين في قلوبهم مرض» ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبي المنافق «يسارعون فيهم» في موالاتهم «يقولون» معتذرين عنها «نخشى أن تصيبنا دائرة» يدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا قال تعالى: «فعسى الله أن يأتي بالفتح» بالنصر لنبيه بإظهار دينه «أو أمر من عنده» بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم «فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم» من الشك وموالاة الكفار «نادمين».

52

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } واعلم أن المراد بقوله {ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } المنافقون: مثل عبد الله بن أُبي وأصحابه، وقوله {يسارعون فيهم أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم، ويقول المنافقون: إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة. قال الواحدي رحمه الله: الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة هي التي تخشى، كالهزيمة والحوادث الخوفة، فالدوائر تدور، والدوائل تدول. قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك. ثم قال تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}. قال المفسرون (عسى) من الله واجب، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له، والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه. وقيل: أو أمر من عنده، يعني أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم. فإن قيل: شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين، وقوله {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِي بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } ليس كذلك، لأن الاتيان بالفتح داخل في قوله {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ }. قلنا: قوله {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق، وقد تقدّم في «البقرة» والمراد ابن أبي وأصحابه {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في موالاتهم ومعاونتهم. {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} أي يدور الدهر علينا إمّا بقحط فلا يَميروننا ولا يُفْضِلوا علينا، وإمّا أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول أشبه بالمعنى؛ كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور الأمر؛ ويدل عليه قوله عز وجل: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ}؛ وقال الشاعر: شعر : يردّ عنك القَدَر المقدورا ودائراتِ الدهر أن تَدورا تفسير : يعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. وٱختلف في معنى الفتح؛ فقيل: الفتح الفصل والحكم؛ عن قَتَادة وغيره. قال ابن عباس: أتى الله بالفتح فقُتِلت مُقاتِلة بني قُرَيظة وسُبيت ذراريهم وأُجْلَي بنو النَّضِير. وقال أبو علي: هو فتح بلاد المشركين على المسلمين. وقال السّدي: يعني بالفتح فتحَ مكة. {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} قال السّدي: هو الجزية. الحسن: إظهار أمر المنافقين والإخبار بأسمائهم والأمر بقتلهم. وقيل: الخصب والسّعة للمسلمين. {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند الموت فبُشّروا بالعذاب. قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام: «يَقُولُ» بغير واو. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق: «وَيَقُولَ» بالواو والنصب عطفاً على «أَنْ يَأَتي» عند أكثر النحويين، التقدير: فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول. وقيل: هو عطف على المعنى؛ لأن معنى {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} وعسى أن يأتي الله بالفتح؛ إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقومَ عمرو، لأنّه لا يصحّ المعنى إذا قلت: وعسى زيد أن يقوم عمرو، ولكن لو قلت: عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيداً. فإذا قدّرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حَسُن؛ لأنه يصير التقدير: عسى أن يأتي وعسى أن يقوم، ويكون من باب قوله: شعر : ورأيت زوجك في الوغى مُتقلِّداً سيفاً ورُمحا تفسير : وفيه قول ثالث ـ وهو أن تعطفه على الفتح؛ كما قال الشاعر: شعر : لَلُبْس عَباءةٍ وَتَقرّ عيني تفسير : ويجوز أن يجعل «أَنْ يَأْتِيَ» بدلاً من اسم الله جل ذكره؛ فيصير التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وقرأ الكوفيون: «وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ» بالرفع على القطع من الأوّل. {أَهَـۤؤُلاۤءِ} إشارة إلى المنافقين. {أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} حلفوا وٱجتهدوا في الإيمان. {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي قالوا إنهم، ويجوز «أنهم» نصب بـ «أقسموا» أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء الذي أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد. ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض؛ أي هؤلاء الذين كانوا يحلِفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم سترهم {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بطلت بنفاقهم. {فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} أي خاسِرين الثواب. وقيل: خسِروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم.

البيضاوي

تفسير : {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعنى ابن أبي وأضرابه. {يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ} أي في موالاتهم ومعاونتهم. {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} يعتذرون بأنهم يخافون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار. روي (أن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وأوالي الله ورسوله، فقال ابن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية موالي) فنزلت. {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين. {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ} يقطع شأفة اليهود من القتل والإِجلاء، أو الأمر بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم. {فَيُصْبِحُواْ} أي هؤلاء المنافقون. {عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ} على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلاً عما أظهروه مما أشعر على نفاقهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ضعف اعتقاد كعبد الله بن أُبّي المنافق {يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ } في موالاتهم {يَقُولُونَ } معتذرين عنها {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } يدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا، قال تعالى {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ } بالنصر لنبيه بإظهار دينه {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ } من الشك وموالاة الكفار {نَٰدِمِينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّرَضٌ} شك، أو نفاق، نزلت في ابن أُبي، وعبادة، أو في قوم منافقين. {فِيهِمْ} في موالاتهم. {دَآئِرَةٌ} هي الدولة ترجع عمّن انتقلت إليه إلى من كانت لهم سميت بذلك، لأنها تدور إليه إلى بعد زوالها عنه. {بِالْفَتْحِ} فتح مكة، أو فتح بلاد المشركين، أو الحكم والقضاء. {أَوْ أمْرٍ} دون الفتح الأعظم، أو موت من تقدّم ذكره من المنافقين أو إظهار نفاقهم، والأمر بقتلهم، أو الجزية.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ}: الجمهورُ على "تَرَى" بتاء الخطاب، و"الذين" مفعُول، فإن كانت الرُّؤيَة بَصَرِيَّةً أو عرفانية - فيما نقله أبُو البقاء وفيه نظر - فتكون الجُمْلَة من "يُسَارِعُون" في محلِّ نصبٍ على الحال من الموصُول، وإن كانت قَلْبِيَّةً، فيكون "يُسَارِعُون" مفعولاً ثانياً. وقرأ النَّخْعِي، وابن وثَّاب "فَيَرَى" باليَاء وفيها تَأويلان: أظهرهما: أنَّ الفاعِل ضمير يَعُود على الله تعالى، وقيل: على الرَّأي من حيث هُو: و"يُسَارِعون" بحالتها. والثاني: أن الفاعل نفس الموصُول، والمفعول هو الجملة من قوله: "يسارعون"، وذلك على تأويل حذْفِ "أنْ" المصدريَّة، والتقدير: ويرى القوم الذين في قُلُوبهم مَرَضٌ أن يُسَارِعُوا، فلما حُذِفَتْ: "أنْ" رُفِعَ الفِعْلُ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1980- ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى ..................... تفسير : فصل أجاز ابْنُ عطيَّة حذف "أن" المصدريّة، إلا أنَّ هذا غير مَقِيسٍ؛ إذ لا تُحْذَفُ "أن" عند البصريين إلا في مواضع مُحفُوظة. وقرأ قتادةُ والأعْمش: "يُسْرِعُونَ" من أسْرَعَ. و"يَقُولُون" في محل نَصْب [على الحالِ من فاعل "يُسَارِعُون"، و"نَخْشَى" في محل نَصْبٍ بالقَوْل، و"أنْ تُصِيبنَا" في محلِّ نَصْبٍ] بالمفعُول أي: "نَخْشَى إصابَتَنَا"، والدَّائرة صفة غَالِبة لا يذكر موصُوفها، والأصل: دَاوِرَة؛ لأنَّها من دار يَدُور. قال الواحدي: الدَّائرة من دَوَائِر الزَّمن، كالدَّولة والدَّوَائِل تَدُولُ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1981- يَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَا أوْ دَائِرَاتِ الدَّهْرِ أنْ تَدُورَا تفسير : يعني بدور الدَّهر: هو الدَّائِرة من قَوْم إلى قَوْم. فصل المُرَاد بقوله تعالى {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هم المُنَافِقُون يعني: عبد الله بن أبَيّ وأصحابه - لعنهم الله - "يُسَارِعُون [فيهم" أي: في] مودَّة اليَهُود ونَصَارى نَجْران؛ لأنَّهم كانوا أهل ثرْوَة، وكانوا يُعِينُونَهُم على مُهِمَّاتِهِم، ويُقْرِضُونَهُم. ويقول المَنَافِقُون: إنَّما نُخَالِطُهم لأنّا نَخْشَى أن تُصِيبنَا دَائِرَةٌ قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والزَّجَّاج: أي: نَخْشَى ألا يَتِمَّ الأمْرُ - لمحمَّد - عليه الصلاة والسلام -، فيدُور الأمْر كما كان قبل ذلك. وقيل: نَخْشَى أن يدُور الدَّهْر علينا بِمَكْرُوه من جَدْب أو قَحْط، فلا يُعْطُون المِيَرة والقَرْض. قوله: {فَعَسَى اللَّهُ أن يَأتِيَ بِالفتْحِ}، "أن يَأتِي" في محلِّ نَصْبٍ إمَّا [على] الخبر لـ "عسى"، وهو رأي الأخْفَش، وإمَّا على أنَّهُ مَفْعُول به، وهو رأيُ سيبوَيْه لئلاَّ يلزم الإخْبَار عن الجُثَّةِ بالحدَثِ في قولك: "عَسَى زَيْدٌ أن يَقُوم". وأجاز أبو البقاء أن يكون "أنْ يأتِي" في محلِّ رفعٍ على البَدَلِ من اسْمِ "عسى"، وفيه نظر. فصل قال المُفَسِّرُون - رحمهم الله -: عسى من اللَّه واجِب؛ لأنَّ الكَرِيم إذا طَمِعَ في خَيْر فعله، وهو بِمَنْزِلَةِ الوَعْدِ؛ لتعلُّق النَّفْسِ به ورَجَائِها له، قال قتادةُ ومُقَاتِل: فَعَسَى اللَّه أن يَأتِي بالقَضَاء الفَصْل من نَصْر مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم - على من خَالَفَهُ. وقال الكَلْبِي والسُّدِّيُّ: فتح "مَكَّةَ"، وقال الضَّحَّاك: فتح قُرَى اليَهُود مثل خَيْبَر وفدك. {أوْ أمْر مِنْ عِنْدِه}. قال السُّدِّي: هي الجِزْيَة، وقال الحَسَن: إظْهَار أمر المُنَافِقِين والأحبار بأسْمَائهم والأمر بِقَتْلِهِم، وقيل: الخَصْبُ والسَّعَة للمُسْلِمِين، وقيل: إتْمَام أمْر محمَّد - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وقيل: {هذا عذابٌ أليم}. وقيل: إجْلاء بَنِي النَّضِير، "فَيُصْبِحُوا" أي: هؤلاء المُنَافِقِين {عَلى مَا أَسَرُّوا في أنْفُسِهِم} مِنْ مُوالاة اليَهُود ودسِّ الأخْبَار إليْهم "نَادِمِين" وذلك لأنهم كانوا يشكُّون في أمْرِ رسُول اللَّه - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، ويقولون: الظَّاهِر أنَّهم لا يتمُّ لهم أمْر، وأن الدولة والغلبَة تصير لأعْدَائه. قوله تعالى: "فَيُصْبِحُوا" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّه منصوب عَطْفاً على "يأتي" المَنْصُوب بـ "أنْ"، والذي يُسَوِّغُ ذلك وُجُود "الفَاء" السَّبَبِيَّة، ولولاَهَا لم يَجُزْ ذلك؛ لأن المعطُوف على الخبر خبر، و"أنْ يَأتِي" خبر "عَسَى"، وفيه راجعٌ عائِدٌ على اسْمِهَا. وقوله: "فَيُصْبِحُوا" ليس فيه ضَمِيرٌ يَعُود على اسْمِهَا، فكان من حَقِّ المسألة الامْتِنَاع، لكن "الفَاء" للسببِيَّة، فجعلت الجُمْلَتَيْن كالجملة الواحِدة، وذلك جَارٍ في الصِّلة نحو: "الذي يطير فيَغْضَبُ زَيْدٌ الذُّبابُ". والصِّفة نحو: "مررت بِرَجُلٍ يَبْكِي فَيَضْحَكُ عَمْرو"، والخبر نحو: "زيدٌ يبكي فيضحَكُ خالد"، ولو كان العَاطِفُ غير "الفَاء" لم يجُزْ ذلك. والثاني: أنه منْصُوب بإضْمَار "أنْ" بعد الفَاءِ في جواب التَّمَنِّي قالوا: "لأن "عَسَى" تَمَنٍّ وتَرَجٍّ في حَقّ البَشَر". {على ما أسَرُّوا} متعلِّق بـ "نَادِمِين"، و"نَادِمِين" خَبر "أصْبَح". قوله تعالى: "ويَقُولُ": قرأ أبُو عمرو، والكُوفِيُّون بالواو قَبْلَ "يَقُول" والباقُون بإسْقَاطِها، إلا أنَّ أبا عمرو نَصَب الفِعْلَ بعد "الوَاوِ"، وروى عنه عَلِيُّ بن نَصْر: الرَّفع كالكُوفِيِّين، فتحصَّلَ فيه ثلاث قراءات: "يَقُولُ" من غير واو ["ويقول" بالواوِ والنَّصْب،] "ويقول" بالواو والرَّفع، فأمَّا قِرَاءة من قرأ "يَقُول" من غير واوٍ فهي جُمْلَة مُسْتأنَفَةٌ سِيقَتْ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّر، كأنه لمَّا تقدَّم قوله تعالى: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} إلى قوله "نَادِمِين"، سأل سَائِلٌ فقال: ماذا قال المُؤمِنُون حِينَئِذٍ؟ فأجيب بِقَوْله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إلى آخره، وهو واضح، و"الواو" سَاقِطَةٌ في مصاحِفِ "مَكَّةَ" و"المدينَةِ" و"الشَّام"، والقارئُ بذلك هو صاحِبُ هذه المصاحِف، فإن القَارِئين بذلك ابن كَثِير المَكِّي، وابنُ عَامِر الشَّاميُّ، ونافع المدنِي، فقراءتُهُمْ موافقة لَمصَاحِفِهم [وليس في هذا أنهم إنما قرأوا كذلك لأجل المصحف فقط، بل وافقت روايتهم مصاحفهم] على ما تَبيَّن غير مَرَّة، وأما قِرَاءة "الواو" والرَّفع فواضحةٌ أيْضاً؛ لأنَّها جملة ابْتُدِئَ بالإخْبَارِ بِهَا، فالواو اسْتِئنَافِيَّة لمجرَّدِ عَطْفِ جُمْلة على جُمْلة، و"الواو" ثابِتَةٌ في مصاحِفَ "الكُوفَة" و"المشرق"، والقارىءُ بذلك هو صَاحِبُ ذلك المُصْحف، والكلام كما تقدَّم أيضاً. قال الواحدي - رحمه الله -: وحَذْف "الواو" هاهنا كإثباتها، وذلك أنَّ في الجُمْلَة المعطُوفَة ذكراً من المَعْطُوف عليْهَا، فإن الموصُوفين بِقَوْله تعالى "يُسَارِعُونَ فِيهِمْ"، هم الَّذِين قال فيهم المُؤمِنُون: {أهولاءِ الَّذِين أقْسَمُوا باللَّه}، فلما حَصَل في كل وَاحِدَة من الجُمْلَتَيْن ذكر من الأخْرَى حسن العَطْفُ بالواوِ وبِغَيْرِ الواو، ونَظِيرُه قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22] لما كان في كلِّ واحدةٍ من الجُمْلَتيْن ذِكْر ما تقدَّم، عنى ذلك أن حَذْفَ الواوِ وذكرهَا جائِزٌ. وأمَّا قِرَاءة أبي عَمْرو فهي الَّتِي تَحْتَاج إلى فَضْل نظر. واخْتَلَفُوا في ذلك على ثلاثةِ أوجُه: أحدُهَا: أنه منصُوب عَطْفاً على "فَيُصْبِحُوا" على أحد الوَجْهَيْن المذكُوريْن في نَصْب "فَيُصْبِحُوا"، وهو الوجهُ الثَّاني، أعْني: كَوْنَهُ مَنْصُوباً بإضْمَار في جواب التَّرَجِّي بعد "الفَاء"، إجراءً للتَّرَجِّي مُجْرَى التَّمَنِّي، وفيه خلافٌ بين البَصْرِيِّين والكوفيِّين، فالبَصريُّون يَمْنَعُونَهُ، والكوفِيُّون يجيزُونَهُ مستدِلِّين على ذلك بقراءة نَافِع {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} [عبس: 3، 4] بِنَصبِ "تَنْفَعَهُ" وبقراءة عَاصِم في رواية حَفْصٍ: {لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} [غافر: 36، 37] بنصب "فأطَّلِع"، وسيأتي الجوابُ عن الآيتين في مَوْضِعِه. وهذا الوجه - أعني: عَطْفَ "ويقُول" على "فَيُصْبِحوا" - قاله الفَارِسيُّ وجماعة، ونقله ابن عطيَّة، وذكره أبو عَمْرو بن الحَاجِب. قال شهاب الدِّين أبُو شَامة بعد ذِكْرِه الوجهَ المُتقدِّم: "وهذا وجه جَيِّد أفادنيهِ الشَّيْخ أبو عَمْرو بن الحَاجِب، ولم أره لِغَيْره، وذكروا وُجُوهاً كلها بعيدة مُتعسِّفة" انتهى. قال شهاب الدِّين: وهذا - كما رأيت - مَنْقُول مَشْهُود عن أبي عَلِيّ الفارسيِّ، وأمَّا ما استجاد به هذا الوجْهَ فإنما يتَمشَّى على قَوْل الكُوفيِّين، وهو مرْجوحٌ كا تقرَّر في علم النَّحْو. الثاني: أنه منصُوب عَطْفاً على المصدر قبْله، وهو الفَتْح كأنَّه قيل: {فَعَسَى اللَّهُ أنْ يَأتي بِالفَتْح}، وبأن يقول، أي: {ويقول الَّذِين آمَنُوا}، وهذا الوجْه ذكره أبُو جعفر النَّحَّاس، ونَظَّرُوه بقوْل الشاعر: [الوافر] شعر : 1982- للبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1983- لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ تَقَضِّي لُبانَاتٍ وَيَسْأمَ سَائِمُ تفسير : وهذا مردودٌ من ثلاثةِ أوْجُه: أحدها: أنه يُؤدِّي ذلك إلى الفَصْل بين أبْعَاض الصِّلةِ بأجْنَبِيٍّ، وذلك لأنَّ الفَتْحَ على قول مَؤوَّل بـ "أن" والفعل تقديره: أن يَأتِي بأن يفتح، وبأنْ يقول، فيقعُ الفصلُ بقوله "فَيُصبِحُوا" وهو أجنبي؛ لأنَّه مَعْطُوف على "يأتي". الثاني: أن هذا المصْدر - وهو الفَتْح - ليس يُرادُ به انحلاله لحرفٍ مصدري وفعل، بل المراد به مَصْدَر غير مُرادٍ به ذلك، نحو: يُعْجِبُنِي ذكاؤك وعِلْمُك. الثالث: أنه وإن سُلِّمَ انحِلاله لحرف مَصْدري وفعل، فلا يكون المعنى على: "فعسى اللَّه أن يأتي بأنْ يقولَ الذين آمنوا"، فإنه نابٍ عنه نُبُوّاً ظاهراً. الثالث - من أوجُه نَصْب "ويقول" -: أنه منصوبٌ عَطْفاً على قوله: "يَأتي" أي: فَعَسَى اللَّه أن يَأتِي ويقول، وإلى هذا ذهب الزَّمَخْشَرِي، ولم يَعْتَرِض عليْه بِشَيْء. وقد رُدَّ ذلك بأنَّهُ يلزَمُ عَطفُ ما لا يجُوزُ أن يكُون خبراً على ما هُوَ خَبَر، وذلك أن قوله: "أن يأتي" خبر "عَسَى" وهو صحيحٌ؛ لأن فيه رابطاً عائِداً على اسم "عَسَى" [وهو ضمير الباري تعالى، وقوله: "ويقول" ليس فيه ضمير يعود على اسم "عسى"] فكيف يَصِحُّ جعلُهُ خبراً؟ وقد اعتذر من أجاز ذَلِك عنه بثلاَثَةِ أوْجُه: أحدها: أنه من بَابِ العَطْف على المَعْنَى، والمعنى: فَعَسى أنْ يأتي الله بالفَتْح، وبقولِ الذين آمَنُوا، فتكون "عَسَى" تامَّة؛ لإسنادها إلى "أنْ" وما في حَيِّزهَا، فلا تحتاجُ حينئذٍ إلى رابطٍ، وهذا قرِيبٌ من قولهم: "العطْفُ على التَّوهُّم" نحو: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون: 10]. الثاني: أنَّ "أنْ يَأتِيَ" بَدَلٌ من اسْمِ الله - تعالى - لا خبر، وتكون "عَسَى" حينئذٍ تامَّة، وكأنه قِيل: فعسَى أن يَقُول الذين آمَنُوا، وهذان الوَجْهَان مَنقُولان عن أبِي عَلِيٍّ الفارسيّ، إلا أنَّ الثَّاني لا يَصحُّ؛ لأنهم نَصُّوا على أن "عَسَى" و"اخْلَوْلَق" و"أوْشَكَ" من بين سَائِر أخَوَاتِهَا يجُوزُ أن تَكُون تامّةً، بشرط أن يكُون مَرْفُوعُها: "أنْ يَفعل"، قالوا: ليُوجَدَ في الصُّورة مُسْندٌ ومُسْنَدٌ إليه، كما قالوا ذَلِكَ في "ظَنّ" وأخواتها: إنَّ "أنْ" و"أنَّ" تسدُّ مَسدَّ مَفْعُوليها. والثالث: أن ثَمَّ ضميراً مَحْذُوفاً هو مُصَحِّحٌ لوُقُوع "وَيَقُول" خبراً عن "عَسَى"، والتقدير: ويقول الذين آمَنُوا به، أي: بِاللَّه، ثم حذف للعلْم به، ذكر ذلك أبو البقاء. وقال ابن عطيَّة بعد حكايته نَصْبَ "ويقُولَ" عَطْفاً على "يَأتيَ": "وعندي في مَنْع "عسى الله أنْ يقُول المُؤمِنُون" نظرٌ؛ إذ اللَّه - تعالى - يُصَيِّرهم يقولون ذلك بِنَصْرهِ وإظْهَارِ دينه". قال شهاب الدِّين: قول ابن عطيَّة في ذلك، قول أبِي البَقَاء في كونه قدَّره ضَمِيراً عائداً على اسم "عَسَى" يَصِحُّ به الرَّبط، ويعضُ النَّاس يكثرُ هذه الأوْجُه، ويُوصِلُهَا إلى سَبْعَة وأكثر، وذلك باعْتِبَار تَصْحيح كُلِّ وَجْه من الأوَّجُه الثلاثة التي تقدَّمت، ولكن لا يَخْرج حاصلها عن ثلاثة، وهو النَّصْب: إما عطفاً على "أنْ يَأتِي"، وإما على "فَيُصْبِحُوا"، وإمَّا على "بالفَتْح" وقد تقدم تَحقِيقُهَا. قوله - تعالى -: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} في انتصَابِه وجهان: أظهرهما: أنَّه مصدر مؤكدٌ ناصبُهُ "أقْسَمُوا" فهو مِنْ مَعْناه، والمعنى: أقْسَمُوا إقسامَ اجتهادٍ في اليَمِين. والثاني: - أجازه أبو البقاء وغيره - أنه منصُوب على الحَالِ كَقَوْلهم: "افعل ذلك جَهْدَك" أي: مُجْتَهِداً، ولا يُبَالي بِتَعْرِيفه لَفْظاً، فإنه مُؤوَّل بِنَكِرة على ما تقدَّم ذكره، والمعنى هُنَا: "وأقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم". قوله تعالى: "إنَّهُم لمَعَكُمْ" هذه الجُمْلَة لا مَحَلَّ لها من الإعراب، فإنها تَفْسِيرٌ وحكاية لِمَعْنَى القَسَم لا لألْفَاظِهِم؛ إذ لو كانَت حِكَاية لألْفَاظِهِم لَقِيلَ: إنَّا مَعَكُم، وفيه نَظَرٌ؛ إذ يجُوز لك أن تقول: "حَلَفَ زيد لأفْعَلَن" أو "ليفْعَلَنَّ"، فكما جَازَ أنْ تقول: ليفعلن جاز أن يقال: "إنَّهُمْ لَمَعكُم" على الحِكَاية. فإن قيل: الفائدة في أنَّ المؤمنين يقولون هذا القول: هو أنَّهم يتعجَّبُون من حال المُنَافِقِين، عندما أظهروا المَيْل إلى مُوالاة اليَهُود والنَّصَارى، وقالوا: إنَّهم كانوا يُقسِمُون باللَّه جَهْدَ أيْمانهم أنَّهُم مَعَنَا ومن أنْصَارنا، والآن كيف صاروا مُوالِين لأعْدَائِنَا مُحِبِّين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟ قوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فيها أوجه: أحدها: أنَّها جملة مُسْتَأنَفَة، والمقصُود بِهَا الإخْبَار من البَارِي - تعالى - بذلك. الثاني: أنها دُعَاءٌ عليهم بذلك، وهو قولُ الله - تعالى - نحو: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17]. الثالث: أنها في محلِّ نَصْبٍ؛ لأنَّها من جملة قوْلِ المُؤمنين، ويحتمل معنييْن كالمَعْنَيَيْن في الاسْتِئْنَاف، أعني: كونَهُ إخْبَاراً أو دُعَاءً. الرابع: أنَّها في محلِّ رفع على أنَّها خبر المُبْتدأ، وهو "هؤلاء"، وعلى هذا فيحتمل قوله "الَّذين أقْسَمُوا" وَجْهَيْن: أحدهما: أنَّه صفة لاسْم الإشارة، والخبر: "حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ". والثاني: أن "الَّذِين" خَبَر أوَّل، و"حَبِطَتْ" خبر ثانٍ عند من يُجِيزُ ذلك، وجعل الزمخْشَرِيّ "حَبِطَت أعمَالهم" مفهمة للتَّعجُّب. قال: وفيه معنى التَّعجُّب كأنَّه قيل: "ما أحَبَطَ أعْمَالَهُم ما أخْسَرَهُمْ"، وأجاز مع كونه تعجُّباً أن يكون من قولِ المؤمنين، فيكون في محلِّ نَصْب، وأن يكون من قَوْلِ الباري - تعالى - لكنَّه أوَّل التَّعَجُّبَ في حقِّ الله - تعالى - بأنه تَعْجِيبٌ، قال: "أوْ مِنْ قول الله - عز وجلَّ - شهادة لهم بِحُبُوطِ الأعْمَال، وتعْجِيباً من سُوءِ حالِهِمْ" والمعنى: ذهب ما أظْهَرُوه من الإيمان، وبطل كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوه؛ لأجل أنَّهم الآن أظْهرَوا مُوالاة اليَهُود والنَّصَارى فأصْبَحوا خَاسِرِين في الدُّنْيَا والآخرة، [أمَّا في الدُّنْيا فلذهَاب ما عَمِلُوا ولم يَحْصُل لهم شيء من ثَمَرتِهِ، وأمَّا في الآخرة] فلاسْتِحْقَاقِهم اللَّعْن والعذاب الدائم، وقرأ أبُو واقد والجرَّاح "حَبَطت" بفتح "الباء"، وهما لُغَتَان، وقد تقدَّم ذلك. وقوله تعالى: "فأصْبَحُوا" وجه التسبب في هذه الفاء ظاهر.

البقاعي

تفسير : ولما علل بذلك، كان سبباً لتمييز الخالص الصحيح من المغشوش المريض، فقال: {فترى} أي فتسبب عن أن الله لا يهدي متوليهم أنك ترى {الذين في قلوبهم مرض} أي فساد في الدين كابن أبي وأصحابه - أخزاهم الله تعالى {يسارعون} أي بسبب الاعتماد عليهم دون الله {فيهم} أي في موالاة أهل الكتاب حتى يكونوا من شدة ملابستهم كأنهم مظروفون لهم كأن هذا الكلام الناهي لهم كان إغراء، ويعتلون بما بما لا يعتل به إلا مريض الدين من النظر إلى مجرد السبب في النصرة عند خشية الدائرة {يقولون} أي قائلين اعتماداً عليهم وهم أعداء الله اعتذاراً عن موالاتهم {نخشى} أي نخاف خوفاً بالغاً {أن تصيبنا دائرة} أي مصيبة محيطة بنا، والدوائر: التي تخشى، والدوائل: التي ترجى. ولما نصب سبحانه هذا الدليل الذي يعرف الخالص من المغشوش، كان فعلهم هذا للخالص سبباً في ترجي أمر من عند الله ينصر به دينه، إما الفتح أو غيره مما أحاط به علمه وكوّنته قدرته يكون سبباً لندمهم، فلذا قال: {فعسى الله} أي الذي لا أعظم منه فلا يطلب النصر إلا منه {أن يأتي بالفتح} أي بإظهار الدين على الأعداء {أو أمر من عنده} بأخذهم قتلاً بأيديكم أو بإخراج اليهود من أرض العرب أو بغير ذلك فينكشف لهم الغطاء. ولما كانت المصيبة عند الإصباح أعظم، عبر به وإن كان المراد التعميم فقال: {فيصبحوا} أي فيسبب عن كشف غطائهم أن يصبحوا, والأحسن في نصبه ما ذكره أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي من أنه جواب "عسى" إلحاقاً لها بالتمني لكونها للطمع وهو قريب منه، ويحسنه أن الفتح وندامتهم المترتبة عليه عندهم من قبيل المحال، فيكون النصب إشارة إلى ما يخفون من ذلك، وهو مثل ما يأتي إن شاء الله تعالى في توجيه قراءة حفص عن عاصم في غافر {أية : فاطلع}تفسير : [غافر: 37] بالنصب {على ما أسروا}. ولما كان الإسرار لا يكون إلاّ لما يخشى من إظهاره فساد، وكان يطلق على ما دار بين جماعة خاصة على وجه الكتمان عن غيرهم، بين أنه أدق من ذلك وأنه على الحقيقة مَنَعهم خوفهم من غائلته وغرته عندهم أن يبرزوه إلى الخارج فقال: {في أنفسهم} أي من تجويز محو هذا الدين وإظهار غيره عليه {نادمين *} أي ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره {ويقول الذين آمنوا} من رفعه عطفه على معنى {نادمين} فإن أصله: يندمون، ولكنه عبر بالاسم إعلاماً بدوام ندمهم بشارة بدوام الظهور لهذا الدين على كل دين، أو على {يقولون نخشى}، ومن أسقط الواو جعله حالاً، ومن نصبه جاز أن يعطفه على "يصبحوا" أي يكون ذلك سبباً لتحقق المؤمنين أمر المنافقين بالمسارعة في أهل الكتاب عند قيامهم سروراً بهم والندم عند خذلانهم ومحقهم، فيقول بعض المؤمنين لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما من الله عليهم به من التوفيق في الإخلاص مشيرين إلى المنافقين تنبيهاً وإنكاراً: {أهؤلاء} أي الحقيرون {الذين أقسموا بالله} أي وهو الملك الأعظم {جهد أيمانهم} أي مبالغين في ذلك اجتراء على عظمته {إنهم لمعكم} أيها المؤمنون! ويجوز أن يكون هذا القول من المؤمنين لليهود في حق المنافقين حيث قاسموهم على النصرة؛ ثم ابتدأ جواباً من بقية كلام المؤمنين أو من كلام الله لمن كأنه قال: فماذا يكون حالهم؟ فقال: {حبطت} أي فسدت فسقطت {أعمالهم فأصبحوا} أي فتسبب عن ذلك أنهم صاروا {خاسرين} أي دائمي الخسارة بتعبهم في الدنيا بالأعمال وخيبة الآمال، وجنايتهم في الآخرة الوبال، وعبر بالإصباح لأنه لا أقبح من مصابحة السوء لما في ذلك من البغتة بخلاف ما ينتظر ويؤمل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية ‏ {‏فترى الذين في قلوبهم مرض‏}‏ كعبد الله بن أبي ‏ {‏يسارعون فيهم‏} ‏ في ولايتهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم‏}‏ قال‏:‏ هم المنافقون في مصانعة اليهود وملاحاتهم واسترضاعهم أولادهم اياهم ‏ {‏يقولون نخشى‏} ‏ أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ ‏ {‏فعسى الله أن يأتي بالفتح‏} ‏ على الناس عامة ‏ {‏أو أمر من عنده‏}‏ خاصة للمنافقين ‏ {‏فيصبحوا‏} ‏ المنافقون ‏ {‏على ما أسروا في أنفسهم‏} ‏ من شأن يهود ‏ {‏نادمين‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ‏ {‏فترى الذين في قلوبهم مرض‏} ‏ قال‏:‏ شك ‏ {‏يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة‏} ‏ والدائرة ظهور المشركين عليهم ‏ {‏فعسى الله أن يأتي بالفتح‏} ‏ فتح مكة ‏ {‏أو أمر من عنده‏} ‏ قال‏:‏ والأمر هو الجزية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏فترى الذين في قلوبهم مرض‏} ‏ قال‏:‏ أناس من المنافقين كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين‏.‏ قال الله تعالى ‏ {‏فعسى الله أن يأتي بالفتح‏} ‏ أي بالقضاء ‏ {‏أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين‏}. وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو‏.‏ انه سمع ابن الزبير يقرأ ‏"‏فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موادتهم اليهود ومن غمهم الإسلام وأهله نادمين‏"‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو‏.‏ أنه سمع ابن الزبير يقرأ ‏"‏فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين‏"‏ قال عمر‏:‏ ولا أدري كانت قراءته أم فسر‏.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} بـيان لكيفية توليهم، وإشعارٌ بسببه وبما يؤول إليه أمرُهم، والفاء للإيذان بترتُّبه على عدم الهداية، والخطابُ إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، وإما لكل أحدٍ ممن له أهليةٌ له، وفيه مزيدُ تشنيع للتشنيع، أي لا يهديهم بل يذرهم وشأنَهم فتراهم الخ، وإنما وُضع موضعَ الضمير الموصولُ ليُشارَ بما في حيز صلته إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق ورَخاوة العَقْد في الدين، وقوله تعالى: {يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ} حال من الموصول والرؤية بصرية، وقيل: مفعولٌ ثانٍ والرؤية قلبـية، والأول هو الأنسبُ بظهور نفاقهم، أي تراهم مسارعين في موالاتهم، وإنما قيل: فيهم مبالغةً في بـيان رغبتِهم فيها وتهالُكِهم عليها، وإيثارُ كلمة (في) على كلمة (إلى) للدلالة على أنهم مستقرون في الموالاة، وإنما مسارعتُهم من بعضِ مراتبها إلى بعضٍ آخر منها كما في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ }تفسير : [المؤمنون، الآية 61] لا أنهم خارجون عنها متوجِّهون إليها كما في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } تفسير : [آل عمران، الآية 133] وقرىء (فيَريَ) بـياء الغَيْبة على أن الضمير لله سبحانه، وقيل: لمن تصِحُّ منه الرؤية، وقيل: الفاعل هو الموصولُ والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية، والرؤية قلبـية أي ويرى القومُ الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم، فلما حُذفت أنْ انقلب الفعلُ مرفوعاً كما في قول من قال: شعر : ألا أيُّهذا الزَّاجِريْ أحْضُرُ الوغى [وأن أشْهَدَ اللذَّاتِ هل أنت مُخْلدي] تفسير : والمراد بهم عبدُ اللَّه بنُ أُبـيّ وأضرابُه الذين كانوا يسارعون في مُوادَّةِ اليهود ونَصارى نجرانَ، وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا يأمنون أن تصيبَهم صروفُ الزمان وذلك قوله تعالى: {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} وهو حال من ضمير يسارعون، والدائرةُ من الصفات الغالبة التي لا يُذكر معها موصوفُها، أي تدور علينا دائرةٌ من دوائر الدهر ودَوْلةٌ من دُولِه بأن ينقلبَ الأمرُ وتكون الدولةُ للكفار، وقيل: نخشى أن يصيبنا مكروهٌ من مكاره الدهر كالجدْب والقَحْط فلا يعطونا المِيرةَ والقَرْض. روي (أن عبادة بنَ الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي مواليَ من اليهود كثيراً عددُهم وإني أبرأ إلى الله ورسولِه من وَلايتهم، وأُوالي الله ورسوله. فقال عبد اللَّه بنُ أُبـي: إني رجل أخاف الدوائرَ لا أبرأ من وِلاية مواليَّ) وهم يهودُ بني قَيْنُقاع، ولعله يُظهرُ للمؤمنين أنه يريد بالدوائر المعنى الأخيرَ ويُضمِرُ في نفسه المعنى الأول وقوله تعالى: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ} رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطعٌ لأطماعهم الفارغة وتبشيرٌ للمؤمنين بالظفر، فإن (عسى) منه سبحانه وعدٌ محتوم، لما أن الكريمَ إذا أطْمَعَ أطعم لا محالة فما ظنك بأكرمِ الأكرمين؟ و(أن يأتي) في محل النصب على أنه خبرُ عسى وهو رأي الأخفش، أو على أنه مفعول به وهو رأيُ سيبويه، لئلا يلزَمَ الإخبارُ عن الجُثَّة بالحدَث كما في قولك: عسى زيد أن يقوم، والمراد بالفتح فتحُ مكةَ، قاله الكلبـي والسُّديّ، وقال الضحاك: فتحُ قُرى اليهودِ من خيبرَ وفَدَك، وقال قَتادة ومقاتِلٌ: هو القضاءُ الفصلُ بنصره عليه الصلاة والسلام على من خالفه وإعزازِ الدين {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ} بقطع شأفةِ اليهود من القتل والإجلاء {فَيُصْبِحُواْ} أي أولئك المنافقون المتعلَّلون بما ذُكر وهو عطفٌ على ما يأتي داخلٌ معه في حيز خبرِ عسى، وإن لم يكن فيه ضميرٌ يعود إلى اسمها، فإن فاء السببـية مغنيةٌ عن ذلك، فإنها تجعل الجملتين كجملة واحدة {عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ} وهو ما كانوا يكتمونه في أنفسهم من الكفر والشك في أمره عليه الصلاة والسلام، وتعليقُ الندامة به لا بما كانوا يُظهرونه من موالاة الكفرة لِما أنه الذي كان يحمِلُهم على الموالاة ويُغريهم عليها فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها.

القشيري

تفسير : يعني إن الذين سقمت ضمائرهم، وضعفت في التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم مداراة الأعداء خوفاً من معاداتهم، و طمعاً في المأمول من صحبتهم، ولو استيقنوا أنهم في أسر العجز وذل الإعراض ونفي الطرد لأَملَّوا الموعود من كفاية الحق، والمعهود من جميل رعايته، ولكنهم حُجِبُوا عن محل التوحيد؛ فتفرَّقوا في أودية الحسبان والظنون، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ - أيها المؤمنون، وتُرْزَقُون الفتحَ بحسن الإقبال، والظفر بالمسؤول لسابق الاختيار، فيشعرون الندم، ويقاسون الألم، وأنتم (تعلون) رؤوسكم بعد الإطراق، وتصفوا لكم مَشارِب الإكرام، وتضيء بزواهر القرب مَشَارِقُ القلوب. حينئذٍ يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون بأبصارهم ما تحققوه بالغيب في أسرارهم، ويَصِلُون من موعودهم إلى ما يوفي ويربو على مقصودهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فترى} يا محمد او كل من له اهلية للخطاب رؤية بصرية {الذين فى قلوبهم مرض} اى مرض النفاق ورخاوة العقد فى الدين {يسارعون فيهم} حال من الموصول اى مسارعين فى موالاتهم ومعاونتهم وايثار فى على الى للدلالة على انهم مستقرون فى الموالاة وانما مسارعتهم من بعض مراتبها الى بعض آخر منها والمراد بهم عبد الله بن ابى واضرابه الذين كانوا يسارعون فى موادة اليهود والنصارى نجران وكانوا يعتذرون الى المؤمنين بانهم لا يؤمنون ان تصيبهم صروف الزمان كما قال تعالى {يقولون} معتذرين {نخشى أن تصيبنا دائرة} وهو حال من ضمير يسارعون والدائرة من الصفات الغالبة التى لا يذكر معها موصوفها اى يدور علينا دائرة من دوائر الدهر ودولة من دوله بان ينقلب الامر وتكون الدولة للكفار وقيل نخشى ان يصيبنا مكروه من مكاره الدهر كالجدب والقحط فلا يعطونا الميرة والقرض ولعلهم كانوا يظهرون للمؤمنين انهم يريدون بالدوائر المعنى الاخير ويضمرون فى انفسهم المعنى الاول {فعسى الله ان يأتى بالفتح} رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطع لاطماعهم الفارغة وتبشير للمؤمنين بالظفر فان عسى منه سبحانه وعد محتوم لما ان الكريم اذا اطمع اطعم لا محالة فما ظنك باكرم الاكرمين. والمراد بالفتح فتح مكة او فتح قرى اليهود من خيبر وفدك او هو القضاء الفصل بنصره عليه السلام على من خالفه واعزاز الدين. قال الحدادى وسمى النصر فتحا لان فيه فتح الامر المغلق {أو أمر من عنده} بقطع شأفة اليهود من القتل والاجلاء. والشأفة قرحة تخرج فى اسفل القدم فتكوى وتذهب يقال فى المثل استأصل الله شأفته اى اذهبه الله كما ذهب تلك القرحة بالكى {فيصبحوا} اى اولئك المنافقون المتعللون بما ذكر {على ما أسروا فى أنفسهم نادمين} وهو ما كانوا يكتمون فى انفسهم من الكفر والشك فى امره صلى الله عليه وسلم.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) أعلمه الله أنه يرى الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق {يقولون} في موضع الحال، وتقديره قائلين نخشى أن تصيبنا دائرة. والذين يخشون أن تصيبهم دائرة قيل فيه قولان: أحدهما - قال مجاهد وقتادة والسدي وأبو علي الجبائي: إِنهم قوم من المنافقين. وقال عطية بن سعد وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: إِنه عبد الله ابن ابي بن سلول. و "الدائرة" الدولة التي تحول الى من كانت له عمن هي في يديه، قال الشاعر: شعر : ترد عنك القدر المقدروا ودائرة الدهر أن تدورا تفسير : يعني دول الدهر الدائرة من قوم الى قوم. وقوله {فعسى الله أن يأتي بالفتح} عسى موضوعة في اللغة للشك وهي من الله تعالى تفيد الوجوب، لأن الكريم اذا أطمع في خير يفعله، فهو بمنزلة الوعد به في تعلق النفس به وإِرجائها له، ولذلك حق لا يضيع ومنزلة لا تخيب. والفتح القضاء والفصل - وهو قول قتادة - ومنه قوله { أية : افتح بيننا وبين قومنا بالحق } تفسير : وقال أبو علي هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقال السدي: هو فتح مكة. ويقال للحاكم الفتاح، لأنه يفتح الحكم ويفصل به الأمر. وقوله {أو أمر من عنده} قيل فيه ثلاثة أقوال: قال السدي: هو تجديد أمر فيه إِذلال المشركين وعز للمؤمنين، وقيل هو الجزية. وقيل: هو اظهار نفاق المنافقين مع الأمر بقتلهم في قول الحسن والزجاج. وقال أبو علي: هو أمر دون الفتح الأعظم أو موت هذا المنافق، لأنه إِذا أتى الله المؤمنين ذلك ندم المنافقون والكفار على تقويتهم بأنفسهم ذلك، وكذلك إِذا ماتوا أو تحققوا ما يصيرون اليه من العقاب ندموا على ما فعلوه في الدنيا من الكفر والنفاق.

الجنابذي

تفسير : {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} كابن ابىّ واضرابه {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} فى موالاتهم {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} اعتذار من تودّدهم، والدّائرة عبارة عن نوائب الدّهر تدور على الخلق، روى ان عبادة بن الصّامت قال لرسول الله (ص): انّ لى موالى من اليهود كثيراً عددهم وانّى ابرء الى الله ورسوله (ص) من ولايتهم واوالى الله ورسوله (ص) فقال ابن ابىّ: انّى رجلٌ اخاف الدّوائر لا ابرء من ولاية موالىّ فنزلت {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} لرسوله (ص) وللمؤمنين {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} دون الفتح من غنيمة او اهلاك القائلين يكون فيه اعزاز المؤمنين ويظهر به ذلّة الكافرين والموالين لهم {فَيُصْبِحُواْ} اى هؤلاء المنافقون فى الدّنيا او فى الآخرة {عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} من نفاق المؤمنين وموالاة الكافرين {نَادِمِينَ} ورد فى الاخبار انّ تأويله فى بنى اميّه فنقول ان كان نزوله فى عبد الله بن ابىّ واصحابه فالتّعريض بمخالفى علىّ (ع) ويجرى فى كلّ من خالف الائمّة (ع) ومنهم بنو اميّة الى ظهور القائم عجّل الله فرجه.

الهواري

تفسير : قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في أهل الكتاب، أي يسارعون في مودتهم ونصيحتهم {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} لليهود فينصروا علينا، فنكون قد اتخذنا بيننا وبينهم مودة. قال الله: {فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} أي علي أهل الكتابين {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} يقول: فيباين المنافقون بنفاقهم فيقتلون. {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ} أي على ما أسروا في أنفسَهم من موادتهم لليهود ومِن غشِّهم للإِسلام {نَادِمِينَ}. وهم أناس من اليهود كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين. قال الله: فعسى الله أن يأتي بالفتح، أي: بالفصل. وقال مجاهد: {نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي: نخشى أن تكون الدائرة لليهود. قال الله فعسى الله أن يأتي بالفتح حينئذ. وفي تفسير الكلبي في هذه الآية: إنها نزلت وقد علم الله أن المؤمنين برآء من ولاية اليهود والنصارى. قال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في مودة اليهود، فجاء الله بالفتح فنصر نبيَّه، وجاء أمر الله من عنده، فأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة وسبى ذراريهم، فندم المنافقون حين باينُوا بنفاقهم وأظهروه للمؤمنين. ولما أجلى بني النضير وأجلى أهل ودّهم عن أرضهم فعند ذلك قال الذين آمنوا بعضهم لبعض: {أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الكَافِرِينَ}. هو كقوله: (أية : أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) تفسير : [الفتح:29] {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. قال بعضهم: أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد الناس عن الإِسلام إلا أهل ثلاثة مساجد، مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جواثا من عبد القيس من البحرين فقالوا: أما الصلاة فنصلّي وأما الزكاة فوالله لا نعطي أموالنا. فكُلِّم أبو بكر أن يتجاوز عنهم وأن يخلّي عنهم وقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا أعطوا الزكاة طائعين. فأبى أبو بكر وقال: لا أفرِّق بين اثنين جمع بينهما الله وجمع بينهما رسوله: الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عِقَالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه. وذكروا أن أبا بكر إنما قال: لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله أنه من وجب عليه في الزكاة بعير وجب عليه أن يعطي مع البعير عقالاً. فبعث الله عصابة مع أبي بكر فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيُّ الله حتى أقروا بالماعون، وهي الزكاة المفروضة. ثم إن وفود العرب أتوه بعد ذلك فخيّرهم بين حرب مُجْلِية أو خطة مُخْزِية فاختاروا الخطة المخزية؛ وكانت أهونَ عليهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المسلمين في الجنّة؛ وأن ما أصابوا من مال المسلمين فرَدٌّ عليهم، وأن ما أصاب المسلمون من أموالهم فهو لهم حلال.

اطفيش

تفسير : {فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: شك فى نبوتك وفى دين الله، وهم عبد الله بن أبى، وأشباهه من الشاكين. {يُسَارِعُونَ فِيهِم}: أى فى موالاتهم، أى فى موالاة اليهود والنصارى، وهذه الموالاة شاملة لما مر من حبهم أخذ الأمان من اليهود والنصارى حين خافوا أن يدل على المسلمين، وشاملة لمخالطتهم لهم بأبدانهم وقلوبهم لثروتهم ويسارهم فلشمولهم يكون قوله: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}: بدل بعض من قوله: {يُسَارِعُونَ} لأن هذا القول من جملة المسارعة، أو حال من واو تسارعون، وان قلنا: المراد بالمسارعة أفهم ما مر من حب أخذ الأمان كان بدلا مطابقاً، والدائرة نائبة الدهر كالحرب الغالب، والجدب وعدم تمام أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِىَ بِالفَتْحِ}: لرسوله صلى الله عليه وسلم، واظهار المسلمين على أعدائه بغلبتهم على اليهود والمشركين، وذلك عام، وقيل: المراد فتح مكة، وقيل: فتح بلاد اليهود كخيبر وفدك، وقد أظهر الله دينه على الدين كله. {أَو أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ}: سبب فيه لأحد يفعل مثل أن يهلكهم بطاعون أو صاعقة كلهم، أو أمر من عنده هو الاجلاء الى الشام أو الالقاء الى الرعب، أو هو اظهار أسرار المنافقين وقتلهم، وعسى من الله واجبة، ولا يوصف بالشك، فالمراد حمل المؤمنين على الطمع فى أن يفعل الله هذا وهذا، ولا يناقضه فعل الله للفتح والأمر معا. {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَر‍ُّوا فِى أَنفُسِهِمْ}: من اخبار اليهود بأسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنهم اذ أمره صلى الله عليه وسلم لا يتم، وشكهم فى رسالته وصدقه، {نَادِمِينَ}: ولا سيما ما لم يسروه، بل أظهروه فانهم أشد ندماً عليه، وهم عبد الله بن أبى كما قرأ ابن الزبير، فيصبح الفساق على ما أسروا فى أنفسهم نادمين، وقيل: كان عبد الله بن أبى يظهر أنه يستبقى موالاة اليهود لنصرة النبى صلى الله عليه وسلم، وأن هذا هو الرأى وأبطن خلاف ذلك.

اطفيش

تفسير : {فَتَرَى} تعلم يا محمد أَو يا مطلق من يتأَهل، أَو سمى سماع الأذن بمسارعتهم في الكفر رؤية بصر ولعل لهم أَيضا أَفعالا في المسارعة فسمى مشاهدتها إِبصارا وكل ذلك مجاز {الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شك في الإِيمان مضر كمضرة المرض كعبد الله بن أَبى المنافق والفاء للسببية والعطف على لا يهدى فإِن انتفاءً هدايتهم أَى انتفاء توفيقهم سبب للمسارعة المعلومة أَو المشاهدة، وذكر القلب لرسوخ المرض المذكور فيه فهم راغبون في المسارعة وإِنما الحادث التنقل في مراتبها من نوع إِلى آخر، وهذا التنقل مراد في قوله تعالى {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} في موالاتهم كابن أبىٍّ يسارع في موالاة اليهود، وكمن يسارع في موالاة نصارى نجران وحذف المضاف لمبالغتهم في الرغبة فيهم وقال فيهم دون إِليهم لأَنهم استقروا في الموالاة، وإِنما يسارعون من كفر إلى كفر {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيَنَا دَائِرَةٌ} هلكة دائرة أَو مضرة دائرة هذا أَصله، ثم تغلبت عليه الاسمية والمراد أمر يدور في الذهن من غلبة الكفار فلا يتم أَمر محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الجدب فلا نجد من يعطينا طعاما ببيع أَو قرض أَو هبة أَو غير ذلك، والدائرة لغة ما أَحاط بالشيءِ وفي الاصطلاح سطح مستو يحيط به خط مستدير في وسطه نقطة يستوى إِليها من دار من كل جهة على سواء وليس الخط والنقطة مشخصتين بل تفرضهما بمعناهما باعتبار، والدائرة حقيقة في الخط وقيل في السطح واستعير لفظ الدائرة لنوائب الزمان بملاحظة إِحاطتها ولفظ الدائرة في الشر كالدولة في الخير {فَعَسَى} الفاء لعطف الإِنشاءِ على الخبر الذي هو ترى {اللهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ} فتح الخيور لنبيه صلى الله عليه وسلم من النصر وإِعلاءِ دينه والتملك على البلاد، وقال السدى فتح مكة، وقيل فتح بلاد الكفار {أَوْ أَمْرٍ مِن عِنْدِهِ} كقتل اليهود وإِجلائهم والسبى وإِظهار أَسرار المنافقين والأَمر بقتلهم، وقيل موت رأس النفاق وعبارة بعض قتل قريظة وسبى ذراريهم وإِجلاء النضير وإِظهار نفاق المنافقين {فَيُصْبِحُوا} عطف على خبر عسى ولو لم يكن فيه ضمير يعود إلى اسم عسى استغناء بالربط بالفاء السببية، والاصباح على ظاهره يندمون صباحا بما نزل عليهم فيه أَو في ليله ويستمر، أَو معناه يصيرون والواو للمنافقين {عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنْفُسِهِمْ} على ما أَرسخوا فيها وربما نطقوا به من موالاة الكفار للشك أَو للإنكار {نَادِمينَ} على أَن لم يخلصوا الإِيمان فلم ينجو، وتخصيص إِسرار الموالاة بالندامة لا بما كانوا يظهرونه من الموالاة، لأَن ذلك إِسرار هو الذى حملهم على فعلها، فالندامة على التولى بأَصله وسببه وكأَنه قيل فماذا يقول المؤمنون فأَجاب بقوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} بعضهم لبعض حين نزل بهؤلاءِ ما ندموا به {أَهَؤُلاَءِ} المنافقون استفهام تعجب {الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} مفعول مطلق أَى إِقساما جهد أيمانهم وجاهدين جهد أيمانهم غاية طاقتهم فيها {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} يا معشر اليهود في الدنيا وهذا جواب القسم وفيه التفات سكاكى ومقتضى الظاهر إِنا لمعكم بالنصر كما قالوا{وإِن قوتلتم لننصركم} {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أَى الصالحات التي يظهرونها وما عملوا من الصالحات راجين به النجاة والثواب، والجملة خبر هؤلاء والذين تابع أَو خبر والجملة حال {فَأَصْبَحُوا} كالاصباح الذى مر {خَاسِرِينَ} دنيا وأُخرى وهنا تم كلام الذين آمنوا متعجبين من حبوط عملهم كأَنهم قالوا ما أَحبط أَعمالهم وما أَشد إِصباحهم خاسرين، وقيل الجملة من مقولهم المحذوف لا المذكور كأَنه قيل ماذا قال المؤمنون بعد قولهم المذكور فقيل قالوا حبطت أَعمالهم إِلخ، وهو قول بارد لا حاجة إِليه ولا دليل عليه ولا داعى إِليه، وأَجيز أَن تكون من كلامه صلى الله عليه وسلم على طريق الدعاءِ أَو الإِخبار ولا دليل على هذا القول أَيضا ولا داعى، ويجوز أَن يكون المراد بأَعمالهم ما اجتهدوا فيه من موالاة اليهود وإِطفاء دين الإِسلام، وذلك أَولى من أَن يقال هؤلاء الذين مبتدأ وخبر وحبطت أَعمالهم إلخ مستأَنف من كلام الله عز وجل وشهادة منه بحبوط عملهم أَى انتفاء الثواب له، ولو قال الجمهور بهذا والمعنى: يقول الذين آمنوا مخاطبين اليهود مشيرين إِلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة فى السراءِ والضراءِ عند مشاهدة خيبتهم ومضادة ما أَملوا: أَهؤلاءِ الذين إلخ، أَو المعنى: يقول المؤمنون بعضهم لبعض أَهؤلاءِ الذين أَقْسموا بالله تعالى لليهود إِنهم لمعكم والخطاب على المعنيين لليهود إِلا أَنه على الأَول من جهة المؤمنين وعلى الثانى من جهة المقسمين، والمختار عند بعض المعنى الثانى ويضعف ما قبل أَن الخطاب للمؤمنين أَى يقول الذين آمنوا بعض لبعض تعجبا من حال المنافقين إِذ أَقسموا لليهود أَنهم مع اليهود بالنصر ولما حل باليهود ما حل أَظهروا ما أَسروا من موالاتهم.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي نفاق ـ كعبد الله بن أبـيّ وأضرابه ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بيان لكيفية توليتهم وإشعار بسببه؛ وبما يؤول إليه أمرهم، والفاء للإيذان بترتبه على عدم الهداية وهي للسببية المحضة. وجوز الكرخي كونها للعطف على {أية : إِنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [المائدة: 51] الخ من حيث المعنى، والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، وإما لكل من له أهلية، والإتيان بالموصول دون ضمير القوم ليشار بما في حيز الصلة إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما (كمن من المرض). والرؤية إما بصرية. وقوله تعالى: {يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ} حال من (المفعول) وهو الأنسب بظهور نفاقهم، وإما قلبية والجملة في موضع المفعول الثاني، والمراد على التقديرين مسارعين في موالاتهم إلا أنه قيل فيهم مبالغة في بيان رغبتهم فيها وتهالكهم عليها، وإيثار كلمة {فِى} على كلمة ـ إلى ـ للدلالة على أنهم مستقرون في الموالاة، وإنما مسارعتهم من بعض مراتبها إلى بعض آخر منها. وفسر الزمخشري المسارعة بالانكماش لكثرة استعماله بفي، وعدل عنه بعض المحققين لكونه تفسيراً بالأخفى. واختير أن تعدّى المسارعة هنا بإلى لتضمنها معنى الدخول، وقرىء ـ فيرى ـ بياء الغيبة على أن الضمير ـ كما قال أبو البقاء ـ لله تعالى، وقيل: لمن يصح منه الرؤية، وقيل: الفاعل هو الموصول، والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية، والرؤية قلبية أي فيرى القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم فلما حذفت / أن انقلب الفعل مرفوعاً كما في قوله:شعر : ألا أي هذا الزاجري احضر الوغى تفسير : وقوله عز وجل: {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} حال من فاعل {يُسَـٰرِعُونَ}، و ـ الدائرة ـ من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها، وأصلها داورة لأنها من دار يدور، ومعناها لغة ـ على ما في «القاموس» ـ ما أحاط بالشيء، وفي «شرح الملخص» إن الدائرة سطح مستو يحيط به خط مستدير يمكن أن يفرض في داخله نقطة يكون البعد بينها وبينه واحداً في جميع الجهات، وقد تطلق الدائرة على ذلك الخط المحيط أيضاً انتهى، واختلف في أن أي المعنيين حقيقة؟ فقيل: إنها حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل: بالعكس، قال البرجندي: وتحقيق ذلك أنه إذا ثبت أحد طرفي خط مستقيم وأدير دورة تامة يحصل سطح دائرة يسمى بها لأن هيئة هذا السطح ذات دور، على أن صيغة الفاعل للنسبة، وإذا توهم حركة نقطة حول نقطة ثابتة دورة تامة بحيث لا يختلف بعد النقطة المتحركة عن النقطة الثابتة يحصل محيط دائرة يسمى بها لأن النقطة كانت دائرة؛ فسمى ما حصل من دورانها دائرة فإن اعتبر الأول ناسب أن يكون إطلاق الدائرة على السطح حقيقة وعلى المحيط مجازاً، وإذا اعتبر الثاني ناسب أن يكون الأمر بالعكس انتهى. وتعقبه بعض الفضلاء بأنه لا يخفى ما فيه، لأن إطلاقها بالاعتبار الثاني على المحيط أيضاً مجاز لأنه من باب تسمية المسبب باسم السبب اللهم إلا أن يقال: إنه أراد بكون إطلاقها على المحيط حقيقة أن إطلاقها عليه ليس مجازاً بالوجه الذي كان به مجازاً في الاعتبار الأول، فإن وجه المجاز فيه التسمية للمحيط باسم المحاط، وههنا ليس كذلك كما سمعت لكن هذا تكلف بعيد، ولو قال في وجه التسمية في اللاحق لأن هيئة الخط ذات دور على وفق قوله في وجه التسمية السابق لم يرد عليه هذا فتدبر، وكيفما كان فقد استعيرت لنوائب الزمان بملاحظة إحاطتها، وقولهم هذا كان اعتذاراً عن الموالاة أي نخشى أن تدور علينا دائرة من دوائر الدهر ودولة من دوله بأن ينقلب الأمر للكفار وتكون الدولة لهم على المسلمين فنحتاج إليهم قاله مجاهد وقتادة والسدي. وعن الكلبـي أن المعنى نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه ـ كالجدب والقحط ـ فلا يميروننا ولا يقرضوننا، ولا يبعد من المنافقين أنهم يظهرون للمؤمنين أنهم يريدون بالدائرة ما قاله الكلبـي، ويضمرون في دوائر قلوبهم ما قاله الجماعة المنبىء عن الشك في أمر النبـي صلى الله عليه وسلم. وقد رد الله تعالى عليهم عللهم الباطلة وقطع أطماعهم الفارغة وبشر المؤمنين بحصول أمنيتهم بقوله سبحانه: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ} فإن ـ عسى ـ منه عز وجل وعد محتوم لما أن الكريم إذا أطمع أطعم فما ظنك بأكرم الأكرمين، والمراد بالفتح فتح مكة ـ كما روي عن السدي ـ وقيل: فتح بلاد الكفار واختاره الجبائي، وقال قتادة ومقاتل: هو القضاء الفصل بنصره عليه الصلاة والسلام على من خالفه وإعزاز الدين، وأن يأتي في تأويل المصدر، وهو خبر ـ لعسى ـ على رأي الأخفش، ومفعول به على رأي سيبويه لئلا يلزم الإخبار بالحدث عن الذات، والأمر في ذلك عند الأخفش سهل {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ} وهو القتل وسبي الذراري لبني قريظة، والجلاء لبني النضير عند مقاتل، وقيل: إظهار نفاق المنافقين مع الأمر بقتلهم، وروي عن الحسن والزجاج، وقيل: موت رأس النفاق، وحكى ذلك عن الجبائي. {فَيُصْبِحُواْ} أي أولئك المنافقون، وهو عطف على {يَأْتِىَ} داخل معه في حيز / خبر عسى، وفاء السببية لجعلها الجملتين كجملة واحدة مغنية عن الضمير العائد على الاسم، والمراد فيصيروا {عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ} من الكفر والشك في أمر النبـي صلى الله عليه وسلم {نَـٰدِمِينَ} خبر ـ يصبح ـ وبه يتعلق {عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ} وتخصيص الندامة به لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة لما أنه الذي كان يحملهم على تلك الموالاة ويغريهم عليها، فدل ذلك على أن ندامتهم على التولي بأصله وسببه. وأخرج ابن منصور وابن أبـي حاتم عن عمرو أنه سمع ابن الزبير يقرأ ـ عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين ـ قال عمرو: لا أدري أكان ذلك منه قراءة أم تفسيراً.

الشنقيطي

تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، يعتذرون عن موالاة الكفّار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، أي دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم، كما قال الشاعر: شعر : إذا ما الدهر جر على أناس كلا كله أناخ بآخرينا تفسير : يعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلوا علينا، وإما بظفر الكفار بالمسلمين، فلا يدوم الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، زعماً منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر. يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من صديقه، وأن المسلمين يتعجّبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم، إنهم لمع المسلمين: وبين في هذه الآية: أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، أنها لا تدور إلا على اليهود، والكفار، ولا تدور على المسلمين، بقوله: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} الآية، وعسى من الله نافذة، لأنه الكريم العظيم الذي لا يطمع إلا فيما يعطي. والفتح المذكور قيل: هو فتح المسلمين لبلاد المشركين، وقيل: الفتح الحكم، كقوله {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِين}تفسير : [الأعراف: 89]، وعليه فهو حكم الله بقتل مقاتلة بني قريظة، وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل: هو فتح مكة، وهو راجع إلى الأول. وبيَّن تعالى في موضع آخر أن سبب حلفهم بالكذب للمسلمين، أنهم منهم، إنما هو الفرق أي الخوف، وأنهم لو وجدوا محلاً يستترون فيه عن المسلمين لسارعوا إليه، لشدة بغضهم للمسلمين، وهو قوله: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} تفسير : [التوبة: 56-57] ففي هذه الآية بيان سبب أيمان المنافقين، ونظيرها قوله: {أية : ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّة} تفسير : [المجادلة: 16]. وبين تعالى في موضع آخر، أنهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى عنهم المؤمنون، وأنهم إن رضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عنهم، وهو قوله: {أية : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِين} تفسير : [التوبة: 96]. وبين في موضع آخر: أنهم يريدون بأيمانهم إرضاء المؤمنين، وإن الله ورسوله أحق بالإرضاء، وهو قوله {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِين}تفسير : [التوبة: 62]. وبين في موضع آخر أنهم يحلفون لهم ليرضوا عنهم، بسبب أن لهم عذراً صحيحاً، وأن الله أمرهم بالإعراض عنهم، لا لأن لهم عذراً صحيحاً، بل مع الإعلام بأنهم رجس، ومأوام النار بسبب ما كسبوا من النفاق، وهو قوله: {أية : سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون} تفسير : [التوبة: 95]. وبيَّن في موضع آخر. أن أيمانهم الكاذبة سبب لإهلاكهم أنفسهم وهو قوله: {أية : وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُم} تفسير : [التوبة: 42] الآية. وهذه الأسباب لحلف المنافقين التي ذكرت في هذه الآيات راجعة جميعاً إلى السبب الأول، الذي هو الخوف. لأن خوفهم مِن المؤمنين هو سبب رغبتهم في إرضائهم، وإعراضهم عنهم بأن لا يؤذوهم، ولذا حلفوا لهم، ليرضوهم، وليعرضوا عنهم، خوفاً من أذاهم، كما هو ظاهر. تنبيه قوله في هذه الآية الكريمة: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ} فيه ثلاث قراءات سبعيات. الأولى: {يقول}: بلا واو مع الرفع، وبها قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر. الثانية: {ويقول} بإثبات الواو مع رفع الفعل أيضاً، وبها قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي. الثالثة: بإثبات الواو، ونصب {يقول} عطفاً على {أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْح} [المائدة: 52] وبها قرأ أبو عمرو.

الواحدي

تفسير : {فترى الذين في قلوبهم مرض} يعني: عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه {يسارعون فيهم} في مودَّة أهل الكتاب ومعاونتهم على المسلمين بإلقاء أخبارهم إليهم {يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة} أَيْ: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها. يعنون: الجدب فتنقطع عنا الميرة والقرض {فعسى الله أن يأتي بالفتح} يعني: لمحمدٍ على جميع مَنْ خالفه {أو أمرٍ من عنده} بقتل المنافقين، وهتك سترهم {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم} يعني: أهل النِّفاق على ما أضمروا من ولاية اليهود، ودسِّ الأخبار إليهم {نادمين}. {ويقول الذين آمنوا} المؤمنون إذا هتك الله ستر المنافقين: {أهؤلاء} يعنون: المنافقين {الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم} حلفوا بأغلظ الأيمان {إنهم لمعكم} إنَّهم مؤمنون وأعوانكم على مَنْ خالفكم {حبطت أعمالهم} بطل كلُّ خيرٍ عملوه بكفرهم {فأصبحوا خاسرين} صاروا إلى النَّار، وورث المؤمنون منازلهم من الجنَّة. {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} علم الله تعالى أنَّ قوماً يرجعون عن الإِسلام بعد موت نبيِّهم صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم تعالى أنَّه سـ {يأتي اللَّهُ بقوم يحبهم ويحبونه} وهم أبو بكر رضي الله عنه وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرِّدة {أذلة على المؤمنين} كالولد لوالده، والعبد لسيِّده {أعزة على الكافرين} غلاظٍ عليهم، كالسَّبع على فريسته {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} كالمنافقين الذين كانوا يرقبون الكافرين، ويخافون لومهم في نصرة الدِّين {ذلك فضل الله} أَيْ: محبَّتهم لله عزَّ وجلَّ، ولين جانبهم للمسلمين، وشدَّتهم على الكفَّار بفضلٍ من الله عليهم.

القطان

تفسير : هذا تصويرٌ لحال المنافقين وبعضِ ضعاف الإيمان في المدنية. لم يكونوا واثقين من نجاح دعوة الإسلام، فكانوا يوالون اليهود ويسارعون الى ذلك كلّما سنحت لهم فرصة. لذا ورد قوله تعالى {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} بمعنى إننا نخاف أن نتعرض لكارثة عامة فلا يساعدوننا. عسى الله يا محمد أن يحقق النصر لرسوله وللمسلمين على أعدائهم، أو يُظهر نفاق أولئك المنافقين، فيصبحوا نادمين آسفين على ما كتموا في نفوسهم من كفر وشك. وقد تحقق وعد الله بالنصر للمؤمنين. كان هذا النداء موجهاً في الأصل الى المسلمين في المدينة المنورة، لكنه جاء في الوقت ذاته موجّها لكل المسلمين في جميع أركان الأرض، وفي كل زمان ومكان. وقد أثبت التاريخ والواقع أن عِداء النصارى لهذا الدين وأهله في معظم بقاع الأرض ـ لم يكن أقلَّ من عداء اليهود. وأكبر شاهدٍ هو ما يجري اليوم من دَعم أمريكا وأوروبا جميعها لليهود وتثبيتهم في فلسطين بكل ما يستطيعون من قوة ومال. فالنصارى بدافعٍ من تعصبهم قد حملوا للإسلام منذ ظهوره كلَّ عداوة وضغنٍ ولا يزالون. ولا نزال نعاني من الحروب الصليبية التي لم تنته الى الآن. ولذلك فإن قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} حقيقةٌ قائمة. أما النصارى العرب الذين يعيشون معنا, ولا يمالئون الأعداء ضدّنا فإنهم مواطنون في ديار الاسلام، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. والمعاملة التي يلقَونها أكبر شاهد على ذلك. بل إنهم في كثير من الحالات قد أخذوا أكثرَ مما لهم. وحتى اليهودُ الذين يعيشون في البلاد العربية، فإنهم معزَّزون مكرمون ما داموا يخدمون المجتمع الذي يعيشون فيه ضمن القانون، ونحن عندما نطلق كلمة نصارى او يهود نقصد بذلك أولئك المعتدين من الغربيين وغيرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُسَارِعُونَ} {دَآئِرَةٌ} {نَادِمِينَ} (52) - وَإذْ كَانَتْ وَلاَيَةُ أهْلِ الكِتَابِ لاَ يَتْبَعُها إلاَّ الظَّالِمُونَ فَإنَّكَ تَرَى الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ شَكٌّ وَنِفَاقٌ (مَرَضٌ) يُبَادِرُونَ إلى مُوَالاَتِهِمْ، وَإلَى مُوَادَّتِهِمْ فِي البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَيَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتِهِمْ وَفِي مُوَالاَتِهِمْ، أنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَعَ أمْر مِنْ ظَفَرِ الكَافِرِينَ بِالمُسْلِمِينَ (تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) فَتَكُونَ لَهُمْ أَيَادٍ عِنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ. فَعَسَى اللهُ أَنْ يُتِمَّ أمْرَهُ بِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، وَيُحَقِّقَ لَهُمُ الفَتْحَ وَالغَلَبَةَ، أَوْ يَتِمَّ أمْرٌ مِنْ عِنْدِهِ كَفَرْضِ الجِزْيَةِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيُصْبحَ الذِينَ وَالَوْا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ المُنَافِقِينَ نَادِمِينَ عَلَى مَا أسَرُّوا فِي أنْفُسِهِمْ مِنْ مُوَالاَةِ هَؤُلاَءِ تَحَسُّباً لِمَا لَمْ يَقَعْ، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ شَيْئاً، وَلاَ دَفَعَ عَنْهُمْ مَحْذُوراً. (هَذِهِ الآيَةُ وَالتِي قَبْلَهَا نَزَلَتَا فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ مِنَ الخَزْرَجِ، فَقَدْ كَانَ لَهُمَا حُلَفَاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَجَاءَ عُبَادَةَ إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لِي مَوَالٍ مِنَ اليَهُودِ كَثيرُ عَدَدُهُمْ، وَإني أبْرأ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ مِنْ وَلاَيَةِ يَهُودٍ، وَأتَوَلَّى اللهَ وَرَسُولَهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: إنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ وَلاَ أبْرَأ مِنْ وَلاَيَةِ مَوَالِيَّ). الدَّائِرَةُ - مَا يَدُورُ بِهِ الزَّمَانُ مِنَ المَصَائِبِ. الفَتْحُ - القَضَاءُ - أَوْ فَتْحُ المُدُنِ وَغَيْرِهَا أوْ نَصْرُ الرَّسُولِ. أسَرُّوا - أخْفَوْا فِي أَنْفُسِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المجال هنا كان عن النهي عن اتخاذ أهل الكتاب أولياء من دون الله، ومن سمع هذا النهي وفي قلبه الإيمان نفّذ النصيحة. ولكن الذي طمس المرض - وهو النفاق - قلبه فهو الذي يتولاهم. وهو يسارع إلى هذه الولاية. ونعرف أن المسارعة هي تقليل الزمن في قطع المسافة الموصلة للغاية فإذا كانت هناك مسافة تقتضي السير لمدة خمس عشرة دقيقة فالمسارعة تفرض على الإنسان أن يقطعها في وقت أقل من ذلك. وهناك "يسارع إلى" و"يسارع في"، مثل قول الحق: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عمران: 133] والغاية هنا هي المغفرة من الله وعلى المؤمن أن يسارع إليها، أما عندما يقال: (يسارع في كذا) أي أنه كان في الأصل منغمساً في هذا الموضوع. وعندما يقول الحق: {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي كانهم كانوا مع هؤلاء الكفار من البداية، ولذلك فالمسارعة في ظرفيتهم. وبذلك يتهافتون عليهم. والعلّة العامة أن في قلوبهم مرضاً جعلهم يبتكرون ويلفقون أسباباً، هذه الأسباب هي {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} والموالاة هنا من الخوف أن تدور الدوائر، ونحتاج إليهم لأن عندهم الأموال والسلاح، وهذا ما قاله المنافق عبدالله بن أبيّ؛ فقد قال: أنا رجل أخشى الدوائر. أي أنه يخشى الأحداث والمصائب. مثلما نقول: "الأيام دول". ولكن كلمة "دول" هي انتقالية وقد لا يكون فيها ضرر، أما "دوائر" فهي انتقالية فيها ضرر. وعكس ذلك ما قاله عبادة بن الصامت قال رضي الله عنه: - أنا سآخذ ولاية الله ورسوله والمؤمنين وسأنفض عني ولاية اليهود والنصارى. وأورد الحق قول المنافق: {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} وساعة نسمع كلمة "الفتح"، فلنعرف أدلّ مدلولاتها أنه الحكم. {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89] أي احكم يا رب بيننا وبينهم. إذن فقوله الحق: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} أي الحكم الذي يضع حدّاً لمسألة موالاة أهل الكتاب والذين لا يعلمون. والأمر من عند الله هو حكم من الله أيضاً. يخاطب المؤمنين به. والمؤمن بالله له أعمال تؤدى كأسباب إلى مسببات، وقد يأتي للمؤمنين أشياء بدون مقدمات منهم، وهي الفضل من الله. إذن فعسى الله أن يأتي بالفتح، أي بأسباب أنتم تصنعونها وتعدّون ما استطعتم من عِدِّة وعُدَّة وتؤذونهم، ولذلك قال في آية أخرى: {أية : فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} تفسير : [الحشر: 6] مثال ذلك ما حدث لبني النضير، فكان الإجلاء، واستولى المسلمون على أرض بني قريظة، وهذا هو الفتح من عند الله. وسبحانه - إذن - يعامل المؤمنين معاملتين: الأولى أن يصنع المؤمنون مقدمات تؤدي إلى نتائج: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14] وهنا جعل الحق قتال المؤمنين سبباً، أما الثانية فهي الأمر من عنده بالنصرة بالربوبية. وساعة تسمع "عسى" و"لعل" فهذا معناه الرجاء. والرجاء أن المتكلم يرجو أن يقع ما دخلت عليه "عسى". مثال ذلك قولنا: {عسى أن تكرم زيداً). ومن يقولها إنما يرجو سامعها أن يكرم زيداً، وهذا يعني أن القائل ليس في يده إكرام زيد. أما إذا قال القائل: (عسى الله أن يكرم زيداً)، فهذا نقل للرجاء من البشر إلى الله. والقائل هنا بشر ويتكلم عن بشر، والمرجو هو الله، وقدرة الله أوسع من كل قدرة. هنا ندخل في اتساع دائرة الرجاء فما بالنا إذا كان المتكلم هو الله؟ إذن فهذا إطماع من كريم لا بد أن يتحقق. ونتعرف بذلك على درجات الرجاء: رجاء من بشر لبشر، رجاء بشر من إله لبشر، رجاء إله من إله لبشر، ولأن الرجاء الأخير من المالك الأعلى لذاته فهو الذي يعطي {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي أنهم صاروا إلى الندم. وبذلك صار قولهم: {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} هو كشف لما في قلوبهم من مرض النفاق، وقد خلعوا على المرض وعبروا عنه بهذا الكلام سترا لما في قلوبهم، فكأن الذي أسروه في نفوسهم هو كراهية هذا الدين وكراهية هذا المنهج وأنهم لا يحبون أن يستعلي هذا المنهج على غيره. إذن فالحق سبحانه وتعالى يدلنا على أن القول الذي نشأ منهم: {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} لم يكن هو السبب المباشر. ولكن السبب هو المرض في قلوبهم. والمرض: أنهم لا يحبون أن ينتصر منهج الإسلام؛ لأنهم يعيشون على ثروات المخالفين للدين، وساعة تكون السيطرة للإسلام ينتهي ثراؤهم. وكذلك كان أهل الكتاب في المدينة قبل أن يأتي الإسلام كانوا أصحاب العلم والمال والجاه، وكانت الأوس والخزرج يأخذون منهم المال بالربا ويشترون منهم السلاح، ويأخذون منهم العلم. ولما جاء الإسلام ضاع من اليهود كل ذلك فتمكن من قلوبهم المرض؛ لأن الإسلام سلبهم السلطة الزمنية، هذه السلطة التي جعلتهم يحرفون كتب الله. فإذا كانوا قد دخلوا مع الله في تحريف كتبه، أفلا يدخلون معكم - أيها المسلمون - في عداوة ويلبسون عليكم بأنهم يعينون وهم يُخَذِّلون؟ {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} وساعة يسمعون هذا القول الرباني وهو قرآن يتلى ويتعبد بتلاوته ويُقرأ في المساجد ويسمعونه، ولم يكن هناك فتح، ولم يكن هناك أمر، ويخبرهم الله بمصيرهم: {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} ومعنى ذلك أنه سبحانه كتب الذي في نفوسهم. مثلما قال من قبل: {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ}. أي أنهم قالوا في أنفسهم وسمعهم الخالق. ولو لم يقولوا في أنفسهم لأعلنوا أنهم لم يقولوا ذلك، لكنهم بهتوا حين كشفهم الحق وفضحهم وسجل ما في أنفسهم وأورد مضمون القول، وكان من اللازم أن يعترفوا بمضمون القول، وكان لا بد لهم أن يتجهوا إلى الإيمان. لكنهم لم يفعلوا فصاروا إلى الندم. بنص الآية التي نزلت قبل أن يأتي فتح أو أمر من الله. ويقول الحق بعد ذلك: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}. قال: هم المنافقون، {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ}. يقول: يُسارعون في مصانعة اليهود وملاحاتهم واسترضاعهم أَولادهم {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ}. أَن تكون الدائرة لليهود {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ}، يعني: حينئذ [الآية: 52]. أنبا عبد / 19ط / الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [الآية: 54]. قال: ناس من أَهل اليمن. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} [الآية: 60]. قال: القردة والخنازير مسخت من يهود. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} [الآية: 64]. قالوا: لقد تحمدنا الله بقوله (يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ)، حتى جعل يده مغلولة إِلى عنقه, وكذب أَعداءُ الله. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} [الآية: 64]. يعني: حرب محمد، صلى الله عليه وسلم، أَطفأَ الله نارهم.