Verse. 722 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَيَقُوْلُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَہٰۗؤُلَاۗءِ الَّذِيْنَ اَقْسَمُوْا بِاللہِ جَہْدَ اَيْمَانِہِمْ۝۰ۙ اِنَّہُمْ لَمَعَكُمْ۝۰ۭ حَبِطَتْ اَعْمَالُہُمْ فَاَصْبَحُوْا خٰسِرِيْنَ۝۵۳
Wayaqoolu allatheena amanoo ahaolai allatheena aqsamoo biAllahi jahda aymanihim innahum lamaAAakum habitat aAAmaluhum faasbahoo khasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويقولُ» بالرفع استئنافا بواو ودونها وبالنصب عطفا على يأتي «الذين آمنوا» لبعضهم إذا هتك سترهم تعجبا «أهؤلاء الذين أقسموا بالله جَهد أيمانهم» غاية اجتهادهم فيها «إنهم لمعكم» في الدين قال تعالى: «حبطت» بطلت «أعمالهم» الصالحة «فأصبحوا» صاروا «خاسرين» الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر {يِقُولُ } بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والشام، والباقون بالواو، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق. قال الواحدي رحمه الله: وحذف الواو ههنا كإثباتها، وذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإن الموصوف بقوله {أية : يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ } تفسير : [المائدة: 52] هم الذين قال فيهم المؤمنون {أَهُـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } فلما حصل في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو وبغير الواو، ونظيره قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو، ثم قال: {أية : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } تفسير : [الكهف: 22] فأدخل الواو، فدل ذلك على أن حذف الواو وذكرها جائز. وقال صاحب «الكشاف» حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا. واختلفوا في قراءة هذه الآية من وجه آخر، فقرأ أبو عمرو {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } نصبا على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وأما من رفع فإنه جعل الواو لعطف جملة على جملة، ويدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو. المسألة الثانية: الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟ المسألة الثالثة: قوله {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، والمعنى ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى، فأصبحوا خاسرين في الدنيا والآخرة، فإنه لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الإتيان بتلك الأعمال، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها، بل استحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة.

البيضاوي

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالرفع قراءة عاصم وحمزة والكسائي على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعاً بغير واو على أنه جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ، وبالنصب قراءة أبي عمرو ويعقوب عطفاً على أن يأتي باعتبار المعنى، وكأنه قال: عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا، أو يجعله بدلاً من اسم الله تعالى داخلاً في اسم عسى مغنياً عن الخبر بما تضمنه من الحدث، أو على الفتح بمعنى عسى الله أن يأتي بالفتح وبقول المؤمنين فإن الإِتيان بما يوجبه كالإِتيان به. {أَهُـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} يقول المؤمنين بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين وتبجحاً بما منَّ الله سبحانه وتعالى عليهم من الإِخلاص أو يقولونه لليهود، فإن المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم {أية : وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ }تفسير : [الحشر: 11] وجهد الأيمان أغلظها، وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال على تقدير وأقسموا بالله يجهدون جهد أيمانهم، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ولذلك ساغ كونها معرفة أو على المصدر لأنه بمعنى أقسموا. {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ} إما من جملة المقول أو من قول الله سبحانه وتعالى شهادة لهم بحبوط أعمالهم، وفيه معنى التعجب كأنه قيل أحبط أعمالهم فما أخسرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَقُولُ } بالرفع استئنافاً بواو ودونها وبالنصب عطفاً على «يأتي» {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لبعضهم -إذا هتك سترهم- تعجباً {أَهُٰؤُلاءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ } غاية اجتهادهم فيها {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } في الدين؟ قال تعالى: {حَبِطَتْ } بطلت {أَعْمَٰلَهُمْ } الصالحة {فَأَصْبَحُواْ } صاروا {خَٰسِرِينَ } الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب.

ابن عطية

تفسير : اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع "يقول" بغير واو عطف وبرفع اللام. وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "ويقول" بإثبات الواو. وكذلك ثبت في مصاحف الكوفيين. وقال الطبري كذلك هي في مصاحف أهل الشرق. وقرأ أبو عمرو وحده "ويقولَ" بإثبات الواو وبنصب اللام. قال أبو علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو والنصب والرفع في اللام. فأما قراءة ابن كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي. لأن الواو ليست عاطفة مفرد على مفرد مشركة في العامل وإنما هي عاطفة جملة على جملة وواصلة بينهما والجملتان متصلتان بغير واو. إذ في الجملة الثانية ذكر من الجملة المعطوف عليها. إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم. {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم} فلما كانت الجملتان هكذا حسن العطف بالواو وبغير الواو. كما أن قوله تعالى: {أية : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم} تفسير : [الكهف:22] لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم اكتفى بذلك عن الواو، وعلى هذا قوله تعالى: {أية : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} تفسير : [البقرة:39 الأعراف:36 يونس: 27] ولو دخلت الواو فقيل "وهم فيها خالدون" كان حسناً. قال القاضي أبو محمد: ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز، ويدل على حسن دخول الواو قوله تعالى: {أية : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } تفسير : [الكهف:22] فحذف الواو من قوله {ويقول الذين آمنوا} كحذفها من هذه الآية، وإلحاقها في قوله {ثامنهم}. قال القاضي أبو محمد: وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون {أهؤلاء الذين أقسموا} [المائدة: 53] الآية. وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض {أية : نخشى أن تصيبنا دائرة} تفسير : [المائدة:52] وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبيّ رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطناً يحسن أن يقول فيه المؤمنون {أهؤلاء الذين أقسموا} الآية، وأما قراءة أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم، لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة في العامل، وتوجه عطف {ويقول} مطرد على ثلاثة أوجه، أحدها على المعنى، وذلك أن قوله {أية : فعسى الله أن يأتي بالفتح} تفسير : [المائدة:52] إنما المعنى فيه فعسى الله أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى: {يقول} على {يأتي} اعتماداً على المعنى، وإلا فلا يجوز أن يقال عسى الله أن يقول المؤمنون. وهكذا قوله تعالى: {أية : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن} تفسير : [المنافقون:10] لما كان المعنى "أخرني إلى أجل قريب" أصدق وحمل {أكن} على الجزم الذي يقتضيه المعنى في قوله {فأصدق}، والوجه الثاني أن يكون قوله {أية : أن يأتي بالفتح} تفسير : [المائدة: 52] بدلاً من اسم الله عز وجل كما أبدل من الضمير في قوله تعالى: {أية : وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} تفسير : [الكهف:63] ثم يعطف {ويقول} على أن يأتي لأنه حينئذ كأنك قلت عسى أن يأتي، والوجه الثالث أن يعطف قوله {ويقول} على {أية : فيصبحوا} تفسير : [المائدة:52] إذ هو فعل منصوب بالفاء في جواب التمني، إذ قوله عسى الله تمن وترج في حق البشر، وفي هذا الوجه نظر وكذلك عندي في منعهم جواز عسى الله أن يقول المؤمنون نظر، إذ الله تعالى يصيرهم يقولون بنصره وإظهار دينه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتماداً على المعنى قوله تعالى: {جهد أيمانهم} نصب جهد على المصدر المؤكد والمعنى أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الإيمان {أنهم لمعكم} ثم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم، ويحتمل قوله تعالى: {حبطت أعمالهم} أن يكون إخباراً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من قول المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه الأحوال، ويحتمل أن يكون قوله {حبطت أعمالهم} على جهة الدعاء إما من الله تعالى عليهم وإما من المؤمنين، وحبط العمل إذا بطل بعد أن كان حاصلاً، وقد يقال حبط في عمل الكفار وإن كان لم يتحصل على جهة التشبيه، وقرأ جمهور الناس "حبِطت بكسر الباء وقرأ أبو واقد والجراح "حبَطت" بفتح الباء وهي لغة. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه} الآية قال فيها الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وقتادة نزلت الآية خطاباً للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة، والإشارة بالقوم الذين يأتي الله بهم إلى أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، وقال هذا القول ابن جريج وغيره. قال القاضي أبو محمد: ومعنى الآية عندي أن الله وعد هذه الأمة من ارتد منها فإنه يجيء بقوم ينصرون الدين ويغنون عن المرتدين فكان أبو بكر وأصحابه ممن صدق فيهم الخبر في ذلك العصر، وكذلك هو عندي أمر عليّ مع الخوارج، وروى أبو موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قرأها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري وقال هذا القول عياض، وقال شريح بن عبيد: لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنا وقومي هم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ولكنهم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى، وقال مجاهد ومحمد بن كعب أيضاً: الإشارة إلى أهل اليمن، وقاله شهر بن حوشب. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله عندي قول واحد، لأن أهل اليمن هم قوم أبي موسى، ومعنى الآية على هذا القول مخاطبة جميع من حضر عصر النبي صلى الله عليه وسلم على معنى التنبيه لهم والعتاب والتوعد، وقال السدي الإشارة بالقوم إلى الأنصار. قال القاضي أبو محمد: وهذا على أن يكون قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} خطاباً للمؤمنين الحاضرين يعم مؤمنهم ومنافقهم. لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، والإشارة بالارتداد إلى المنافقين، والمعنى أن من نافق وارتد فإن المحققين من الأنصار يحمون الشريعة ويسد الله بهم كل ثلم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم "يرتد" بإدغام الدال في الدال، وقرأ نافع وابن عامر "يرتدد" بترك الإدغام، وهذه لغة الحجاز، مكة وما جاورها، والإدغام لغة تميم، وقوله تعالى {أذلة على المؤمنين} معناه متذللين من قبل أنفسهم غير متكبرين، وهذا كقوله تعالى: {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم} تفسير : [الفتح:29] وكقوله عليه السلام "حديث : المؤمن هين لين" تفسير : ، وفي قراءة ابن مسعود "أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين"، وقوله تعالى: {ولا يخافون لومة لائم} إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم كانوا يعتذرون بملامة الأخلاق والمعارف من الكفار ويراعون أمرهم، وقوله تعالى: {ذلك فضل الله} الإشارة بذلك إلى كون القوم يحبون الله ويحبهم، وقد تقدم القول غير مرة في معنى محبة الله للعبد وأنها إظهار النعم المنبئة عن رضاه عنه وإلباسه إياها. و {واسع} معناه ذو سعة فيما يملك ويعطي وينعم.

الخازن

تفسير : {ويقول الذين آمنوا} يعني ويقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم} وذلك أن المؤمنين كانوا يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى ويقولون إن المنافقين حلفوا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعنا ومن أنصارنا والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا من اليهود محبين للاختلاط بهم فبان كذب المنافقين في أيمانهم الباطلة {حبطت أعمالهم} أي بطل كل خير عملوه لأجل ما أظهروا من النفاق ومولاة اليهود {فأصبحوا خاسرين} يعني أنهم خسروا في الدنيا بافتضاحهم وخسروا في الآخرة بإحباط ثواب أعمالهم وحصلوا بالعذاب الدائم المقيم. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} يعني من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه وهو دين الإسلام فيبدله ويغيره بدخوله فى الكفر بعد الإيمان فيختار: إما اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من أصناف الكفر فلن يضر الله شيئاً وإنما ضرَّ نفسه برجوعه عن الدين الصحيح الذي هو دين الإسلام قال الحسن: علم الله تعالى أن قوماً سيرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه. وذكر صاحب الكشاف أن إحدى عشرة فرقة من العرب ارتدت ثلاث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم: بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار وهو الأسود العنسي وكان كاهناً فتنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج منها عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله تعالى على يد فيروز الديلمي في بيته فقتله فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بقتله ليلة قتل فسرَّ المسلمون بذلك وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول. وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. "أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك" فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"تفسير : وستأتي قصة قتله فيما بعد وبنو أسد وهم قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وارتد سبع فرق في خلافة أبي بكر الصديق وهم فزارة قوم عيينة بن حصن الفزاري وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة اليربوعي وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب. وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي وبنو بكر بن وائل قوم الحطم بن زيد فكفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفرقة واحدة ارتدت فى خلافة عمر بن الخطاب وهم غسان قوم جبلة بن الأيهم واختلف العلماء في المعنى بقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب كما تقدم تفصيله إلا أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من بني عبد القيس فإنهم ثبتوا على الإسلام ونصر الله بهم الدين ولما ارتد مَن ارتد من العرب ومنعوا الزكاة همَّ أبو بكر بقتالهم وكره ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله"تفسير : فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً أو قال عقالاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. وقال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: هم أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدّاً من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك فى الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصديق لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة وقالت عائشة: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأبَّ النفاق ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها وبعث أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جيش كثير إلى بني حنيفة باليمامة وهم قوم مسيلمة الكذاب فأهلك الله مسيلمة على يد وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة، فكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد بذلك وحشي أنه في حال الجاهلية قتل حمزة وهو خير الناس وفي حال إسلامه قتل مسيلمة الكذاب وهو شر الناس وقال قوم: المراد بقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} حديث : الأشعريون قوم أبي موسى الأشعري، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال لما نزلت هذه الآية {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم هذا"تفسير : يعني أبا موسى الاشعري أخرجه الحاكم في المستدرك وقيل هم أهل اليمن (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً الإيمان يمان والحكمة يمانية " تفسير : وقال السدي: نزلت في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوه على إظهار الدين، وقيل: هم أحياء من أهل اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من أهل كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أخلاط الناس جاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في خلافة عمر، وعلى هذا التقدير، تكون هذه الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع الخبر على وفقه بحمد الله تعالى فتكون هذه الآية معجزة. وأما معنى المحبة، فيقال أحببت فلاناً بمعنى جعلت قلبي معرضاً بأن يحبه والمحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيراً. ومحبة الله تعالى العبد، إنعامه عليه وتوفيقه وهدايته إلى طاعته والعمل بما يرضى به عنه وأن يثيبه أحسن الثواب على طاعته وأن يثني عليه ويرضى عنه ومحبة العبد لله عزّ وجل أن يسارع إلى طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعل ما يوجب سخطه وعقوبته وأن يتحبب بما يوجب له الزلفى لديه جعلنا الله ممن يحبهم ويحبونه بمنّه وكرمه. وقوله تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} هذه من صفات الذين اصطفاهم الله تعالى ووصفهم بقوله: يحبهم ويحبونه، يعني أنهم أرقاء رحماء لأهل دينهم وإخوانهم من المؤمنين ولم يرد ذل الهوان بل أراد لين جانبهم لإخوانهم المؤمنين وهم من رقتهم ورحمتهم ولين جانبهم أشداء أقوياء غلظاء على أعدائهم الكافرين. قال علي بن أبي طالب: أذلة على المؤمنين يعني أهل رقة على أهل دينهم أعزة على الكافرين أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال ابن عباس: تراهم كالولد لوالده والعبد لسيده وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته. وقال ابن الأنباري: أثنى الله على المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم ويعنفون الكافرين إذا لقوهم. وقيل: إن الذل بمعنى الشفقة والرحمة كأنه قال راحمين للمؤمنين مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع وإنما أتى بلفظة على حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم لا لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم بل ذلك التذلل لأجل أنهم ضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع ويدل على صحة هذا سياق الآية وهو قوله: {أعزة على الكافرين} يعني أنهم أشداء أقوياء في أنفسهم وعلى أعدائهم {يجاهدون في سبيل الله} يعني أنهم ينصرون دين الله {ولا يخافون لومة لائم} يعني لا يخافون عدل عادل فى نصرهم الدين وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم فبين الله تعالى في هذه الآية أن من كان قوياً في الدين فإنه لا يخاف في نصره لدين الله بيده أو بلسانه لومة لائم وهذه صفة المؤمنين المخلصين إيمانهم لله تعالى (ق). عن عبادة بن الصامت قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره على أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ثم قال تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصفهم بمحبة الله ولين جانبهم للمؤمنين وشدتهم على الكافرين وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم كل ذلك من فضل الله تعالى تفضل بهم عليهم ومن إحسانه إليهم {والله واسع عليم} يعني أنه تعالى واسع الفضل عليم بمن يستحقه.

ابو السعود

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلام مبتدأ مَسوقٌ لبـيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة وقُرىء بغير واو على أنه جواب سؤال نشأ مما سبق كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرىء (ويقولَ) بالنصب عطفاً على يصبحوا، وقيل: على (يأتيَ) باعتبار المعنى كأنه قيل: فعسى أن يأتيَ الله بالفتح ويقولَ الذين آمنوا والأولُ أوجهُ، لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامةِ المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط، والمعنى ويقول الذين آمنوا مخاطِبـين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتَهم ويُظهرون لهم غاية المحبة وعدمَ المفارقة عنهم في السراء والضراء عند مشاهدتهم لخَيْبة رجائِهم وانعكاسِ تقديرهم بوقوع ضدِّ ما كانوا يترقبونه ويتعللون به، تعجيباً للمخاطَبـين من حالهم وتعريضاً بهم {أَهُـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي بالنصر والمعونة كما قالوا فيما حُكيَ عنهم {أية : وإن قوتلتم لننصُرَنَّكم}تفسير : [الحشر، الآية: 11] واسمُ الإشارة مبتدأ وما بعده خبرُه، والمعنى إنكارُ ما فعلوه واستبعادُه وتخطئتُهم في ذلك، أو يقولُ بعضُ المؤمنين لبعضٍ مشيرين إلى المنافقين أيضاً أهؤلاء الذين أقسموا للكَفَرة إنهم لمعكم؟ فالخطابُ في (معكم) لليهود على التقديرين إلا أنه على الأول من جهةِ المؤمنين وعلى الثاني من جهة المُقْسِمين، وهذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإعراب لأنها تفسيرٌ وحكايةٌ لمعنى أقسَموا لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل: إنا معكم، وجَهدُ الأيْمان أغلظُها وهو في الأصل مصدر ونصبُه على الحال على تقدير وأقسموا بالله يَجْهَدون جَهدَ أيمانهم، فحُذِفَ الفعلُ وأقيم المصدرُ مُقامَه، ولا يُبالىٰ بتعريفه لفظاً لأنه مؤوَّلٌ بنكرة أي مجتهدين في أيْمانهم أو على المصدر أي أقسموا إقسامَ اجتهادٍ في اليمين وقوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ} إما جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ من جهته تعالى لبـيان مآلِ ما صنعوه من ادِّعاء الولاية والإقسام على المعيَّةِ في المنشَطِ والمكره إثرَ الإشارة إلى بُطلانه بالاستفهام الإنكاري، وإما خبرٌ ثانٍ للمبتدأ عندَ مَنْ يجوِّزُ كونَه جملةً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ }تفسير : [طه، الآية 20] أو هو الخبرُ والموصول مع ما في حيز صلتِه صفةٌ لاسم الإشارة، فالاستفهامُ حينئذٍ للتقرير، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبَطَ أعمالَهم فما أخسرَهم، والمعنى بطلتْ أعمالُهم التي عمِلوها في شأن موالاتكم وسعوا في ذلك سعياً بليغاً حيث لم تكن لكم دولةٌ فينتفعوا بما صنعوا من المساعي وتحمَّلوا من مكابدة المشاق، وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطَبـين ما لا يخفي، وقيل: قاله بعضُ المؤمنين مخاطِباً لبعض تعجباً من سوء حال المنافقين واغتباطاً بما منّ الله تعالى على أنفسهم من التوفيق للإخلاص: أهؤلاءِ الذين أقسموا لكم بأغلظِ الأيْمان أنهم أولياؤُكم ومعاضِدوكم على الكفار؟ بطَلتْ أعمالُهم التي كانوا يتكلّفونها في رأيِ أعينِ الناس، وأنت خبـير بأن هذا الكلامَ من المؤمنين إنما يليقُ بما لو أظهرَ المنافقون حينئذ خلافَ ما كانوا يدَّعونه ويُقسِمون عليه من ولاية المؤمنين ومعاضَدَتِهم على الكفار فظهر كذِبُهم وافتُضحوا بذلك على رؤوس الأشهاد وبطَلتْ أعمالُهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين المؤمنين، ولا ريب في أنهم يومئذ أشدُّ ادعاءً وأكثر إقساماً منهم قبل ذلك، فضلاً عن أن يظهروا خلافَ ذلك، وإنما الذي يظهر منهم الندامةُ على ما صنعوا وليس ذلك علامةً ظاهرةَ الدلالة على كفرهم وكذبهم في ادعائهم، فإنهم يدّعون أنْ ليست ندامتُهم إلا على ما أظهروه من موالاة الكَفَرةِ خشيةَ إصابةِ الدائرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويقول الذين آمنوا} عند ظهور ندامة المنافقين وهو كلام مبتدأ مسوق لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة اى ويقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين الى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة فى السراء والضراء عند مشاهدتهم لخيبة رجائهم وانعكاس تقريرهم بوقوع ضد ما كانوا يترقبون ويتعللون به تعجيبا للمخاطبين من حالهم وتعريضا بهم {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم} اى بالنصرة والمعونة كما قالوا فيما حكى عنهم {أية : وإن قوتلتم لننصرنكم} تفسير : [الحشر: 11]. فاسم الاشارة مبتدأ وما بعده خبره والمعنى انكار ما فعلوه واستبعاده وتخطئتهم فى ذلك والخطاب فى معكم لليهود من جهة المؤمنين. وجهد الايمان اغلظها وهو فى الاصل مصدر ونصبه على تقدير واقسموا بالله يجهدون جهد ايمانهم فحذف الفعل واقيم المصدر مقامه ولا يبالى بتعريفه لفظا لانه مأول بنكرة اى مجتهدين فى ايمانهم او على المصدر اى اقسموا اقسام اجتهاد فى اليمين {حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} جملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء الولاية والاقسام على المعية فى المنشط والمكره اثر الاشارة الى بطلانه بالاستفهام الانكارى اى بطلت اعمالهم التى عملوها فى شأن الموالاة وسعوا فى ذلك سعيا بليغا حيث لم يكن لليهود دولة فغبنوا بما صنعوا من المساعى وتحملوا من مكاره المشاق: قال الحافظ شعر : اسم اعظم بكندكار خود اى دل خوش باش كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود تفسير : واعلم ان للحق دولة وللباطل صولة والباطل يفوز ثم يغور. فعلى المؤمن ان لا يميل الى جانب الباطل واهله اصلا كائنا من كان ـ روى ـ عن ابى موسى الاشعرى انه قال قلت لعمر بن الخطاب ان لى كاتبا نصرانيا فقال مالك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا اما سمعت قوله تعالى {أية : يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} تفسير : [المائدة: 51]. قلت له دينه ولى كتابه قال لا تكرموهم اذ اهانهم الله ولا تأتمنوهم اذ خونهم الله ولا تدنوهم اذ اقصاهم الله ـ وروى ـ انه قال لا قوام للبصرة الا به فقال مات النصرانى والسلام يعنى هب انه مات فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره. قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر شاهدت دمشق ان الرجال والنساء كانوا يوالون النصارى ويسامحون فى المعاملة ويذهبون باطفالهم وصغارهم الى الكنائس ويرشون عليهم بطريق التبرك من ماء المعمودية وهذا كفر والعياذ بالله والمعمودية ماء للنصارى اصفر كانوا يغمسون فيه اولادهم ويعتقدون انه تطهير للمولود كالختان لغيرهم وقس عليه تعظيم نوروز النصارى واهداء شىء فى ذلك اليوم اليهم والمشاركة معهم ويلزم الحسبة فى بعض الامور قطعا لعرق الموالاة. وفى ملتقطة الناصرى ولا ادع المشرك يضرب البربط. قال محمد كل شىء امنع من المسلم فانى امنع من المشرك الا الخمر والخنزير ولكن يمنع اهل الكفر من ادخال الخمور والخنازير فى الاسواق على سبيل الشهرة لان فيها استخفافا للمسلمين وما صالحناهم ليستخفوا بالمؤمنين وان حضر لهم عيد لا يخرجون فيه صليبهم ويمنعون من اظهار بيع المزامير والطنبور واظهار الغناء وغير ذلك مما منع منه المسلم ويمنعون من احداث الكنيسة. قال عليه الصلاة والسلام "حديث : لا خصاء فى الاسلام ولا كنيسة " .تفسير : والمراء بالخصاء خصاء بنى آدم فيجوز خصاء البهائم وبه نقول فكما يجوز ذبح الحيوان لحاجة الناس الى لحمه فكذلك يجوز خصاء الحيوان اذا كان فى ذلك منفعة للناس. فان قلت لم لا يجوز خصاء بنى آدم وفيه منفعة ايضا. قيل لا منفعة فيه لانه لا يجوز للخصى ان ينظر الى النساء كما لا يجوز للفحل كذا فى بستان العارفين. ثم اعلم ان النفس والشيطان والقوى الشريرة فى وجود الانسان كاليهود والنصارى فكما انه يلزم مجانبتهم وعدم موالاتهم لان الله تعالى عاداهم وامر بمعاداتهم فكذلك ما ذكر من النفس وغيرها لا يجوز موالاتها والحمل على هواها لانها تسوق الى النار نار جهنم ونار القطيعة فالمؤمن مأمور بالمعاداة لمن عادى الله تعالى مطلقا والا لم يصح ايمانه: وفى المثنوى شعر : آنجه در فرعون بود اندر توهست ليك ازدرهات محبوس جهست جه خرابت ميكند نفس لعين دور مى اندازدت سخت اين قرين آتشت را هيزم فرعون نيست زانكه جون فرعون اوراعون نيست تفسير : يعنى ان فرعون ساعده اسباب الدعوى والهوى ولذلك قال ما قال وفعل ما فعل واما انت فليس لك الاسباب مساعدة ولا تجد عونا فى هواك ولذا لا تظهر صورة ما اظهره.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير، وعامر، ونافع "يقول" بلا واو. الباقون بالواو، وكلهم قرأ بضم اللام إِلا أبا عمرو، فانه فتحها. من نصب اللام فالمعنى عسى أن يقول، ومن رفعه فعلى الاستئناف. فان قيل كيف يجوز النصب ولا يجوز أن يقول الذين آمنوا؟ قيل: قال أبو علي الفارسي يحتمل ذلك أمرين غير هذا: أحدهما - أن يحمل على المعنى، لأنه إِذا قال عسى الله أن يأتي بالفتح وكأنه قال عسى أن يأتي الله بالفتح، {ويقول الذين آمنوا} كما قال {فاصدق وأكن} كأنه قال: أصدق وأكن، وقد جاء مثله نحو قوله { أية : وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم } تفسير : وقال{أية : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا}. تفسير : ووجه آخر وهو: أن يبدل {أن يأتي} من اسم الله اسم كما أبدلت (أن) من الضمير الذي في قوله {أية : وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } تفسير : فاذا أبدلته فكأنك قلت عسى أن يأتي الله بالفتح، ويقول الذين آمنوا. وأما من رفع فلانه عطف جملة على جملة، ولم يجعلها عاطفة على مفرد. ويقوى الرفع قراءة من قرأ بلا واو وأما إِسقاط الواو وإِثباتها فجميعاً حسنان: أما الحذف فلان في الجملة المعطوفة ذكراً في المعطوف عليها وذلك أن من وصف بقوله {يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} الى قوله {نادمين} هم الذين قال فيهم {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم} فلما صار في كل واحدة من الجملتين ذكر فيما تقدم من الأخرى حسن عطفها بالواو وبغير الواو، كما أن قوله {أية : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم }تفسير : لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم اكتفى بذلك عن الواو. ويدل على حسن اثبات الواو قوله {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم}. وقوله {ويقول الذين آمنوا} أي الذين صدقوا بالله ورسوله ظاهراً وباطناً تعجباً من نفاق المنافقين {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إِنهم لمعكم} في معاونتكم على أعدائكم ونصرتكم {حبطت أعمالهم} أي ضاعت أعمالهم التي عملوها، لانهم اوقعوها على خلاف الوجه المأمور به، لأن ما فعلوه فعلوه على وجه النفاق دون التقرب به الى الله. وقوله {فأصبحوا خاسرين} ليس المراد به معنى الصباح، وإِنما معناه صاروا خاسرين، ومثل ذلك قولهم: ظل فلان يفعل كذا، وبات يفعل كذا، وليس بمراد وقت بعينه، وإِنما وصفهم بالخسران، لأنهم فوتوا نفوسهم الثواب واستحقوا عوضاً منه العقاب فأي خسران أعظم من ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فى الدّنيا بعد انقلاب الامر على الكفّار او على المنافقين بعد ما رأوا المنافقين فى زمرة الكافرين او فى الآخرة بعد ما رأوهم فى طريق الكافرين، وقرئ بنصب يقول عطفاً على يأتى او يصبحوا {أَهُـۤؤُلاۤءِ} اشارة الى المنافقين يعنى يقول المؤمنون فى حقّ المنافقين بعد ما رأوهم فى زمرة الكافرين ورأوا حسن حال المؤمنين تبجّحاً وسروراً بما للمؤمنين اهولاء {ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} اغلظ ايمانهم {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} فيه معنى التّعجّب.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يقول الذين آمنوا} قال جار الله: قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتي وبالرفع على أنه كلام مبتدأ {ويقول الذين آمنوا} في ذلك الوقت قال: فإن قلت لم يقولون هذا القول؟ قلت: إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما منَّ الله به عليهم من التوفيق في الاخلاص {أهؤلاء الذين أقسموا} لكم بأغلظ الايمان أنهم أولياؤهم ومعاضدوكم على الكفار وأما أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاهدة والنصر كما حكى الله عنهم وان قوتلتم لننصرنكم، قوله: {حبطت أعمالهم} من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم، قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه} فيرجع إلى الكفر وهذا من إعجاز القرآن إذا خبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان على ما أخبر، وقيل: كان أهل الردة إحدى عشر فرقة ثلاث في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي تنبأ باليمن وكان كاهناً فأخرج عمال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنو مسيلمة قوم مسيلمة نبياً وكتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من رسول الله مسيلمة إلى محمد رسول الله، أما بعد... فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجاب: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد... فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"، فحاربه أبو بكر وقتل على يدي وحشي قاتل الحمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإِسلام، وبنو أسد وغطفان وغيرهم {فسوف يأتي الله بقوم} قيل: حديث : لما نزلت أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي موسى الأشعري، وقال: "قوم هذا" وقيل: ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عاتق سلمان وقال: "هذا وذووه"، وقال: "لو كان الايمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" تفسير : وقيل: هم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أبناء الناس، وجاهدوا يوم القادسية، وقيل: هم الأنصار، وقيل: نزلت في علي (عليه السلام)، وقوله تعالى: {يحبهم ويحبونه} محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته ومحبته لهم أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم {أذلة على المؤمنين} أي رحماء بهم غير متكبرين عليهم {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} كانوا يجاهدون لوجه الله تعالى، قوله تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} يوفق له من يشاء ممن يعلم أن له لطفاً {والله واسع عليم} كثير الفواضل والألطاف لمن هو أهلها قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} نزلت في علي (عليه السلام) حين تصدق بخاتمه وهو راكع في صلاته حين سأله سائل فطرح إليه بخاتمه ذكره في الحاكم والثعلبي والكشاف، قال جار الله: عقب النهي عن موالاة من يحب معاداته وذكر من يحب موالاته، بقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} ومعناه إنما وجوب اختصاصهم بالموالاة، فإن قلت: كيف يصح أن يكون لعلي واللفظ لجماعة؟ قلت: جيئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً للترغيب في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه قال في تفسير الثعلبي: قال أبو ذر الغفاري: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهاتين وإلا فصمَّتَا ورأيته بهاتين والا فَعَمِيتَا يقول: "علي قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله" أما اني صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً من الأيام فسأله سائل في المسجد فلم يعطه شيئاً وعلي (عليه السلام) كان راكعاً فأومى اليه بخنصره، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره فنزل فيه {إنما وليكم الله} الآية {فإن حزب الله هم الغالبون} الحزب القوم يجتمعون لأمر وأراد بحزب الله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون ويكون المعنى من يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

اطفيش

تفسير : {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا}: بعضهم لبعض حين أظهر الله تعالى نفاق ابن أبى وأضرابه، وقد قالوا لهم: انا معكم أيها المؤمنون تعجباً من حال ابن أبى وأضرابه، واستبشروا فرحاً بما مَنَّ الله على المؤمنين به من الاخلاص، أو يقول الذين آمنوا حينئذ تعجباً واستبشار اليهود لأن ابن أبى وشيعته اذ قالوا لليهود: ولئن قوتلتم لننصرنكم. {أَهَؤلآءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهدَ أَيْمَانهِم}: ابن أبى وأشياعه، وجهد الأيمان أغلظها كأنه قيل: أقصى ما تبلغه طاقتهم من اليمين، يقال: جهد أيمانهم أى غلظها جهداً أى تغليظاً وهو مفعول مطلق لأقسموا بأنه قسم على حد قعدت جلوساً، أو مفعولا مطلقاً لحال محذوف، أى أقسموا بالله جهد أيمانهم يجهدون فى اقسامهم جهد أيمانهم. {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}: أيها المؤمنون، قال المؤمنون بعضهم لبعض: ان هؤلاء يقولون انهم لمعكم وليسوا معكم قد فضحهم الله. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}: ظهر لنا حبوطها الآن بما علمنا أنهم منافقون، أو خاطب المؤمنون اليهود بأن هؤلاء زعموا أنهم معكم لم ينفعوهم ولم ينفعوكم حين جاء الضر، وحبطت أعمالهم ظهر لنا حبوطها لما ظهر نفاقهم اليكم، أو حبط كيدهم الذى يضمرونه معكم علينا، والاستفهام تعجب، وهؤلاء مبتدأ والخبر حبطت أعمالهم، وانهم لمعكم جواب أقسموا، وقرأ عاصم، وحمزة والكسائى: ويقول بواو العاطفة لقصة على أخرى، والكلام معها على صورة الوصل، والمراد الفصل، ويدل به قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، باسقاط الواو على أنه جواب سؤال، كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقراءة أبى عمرو ويعقوب بالواو والنصب عطفاً على يأتى على حذف العائد الى اسم عسى فانه لا بد فى المعطوف على خبر عسى من ضمير اسمها كخبرها، وتقديره: ويقول الذين آمنوا به، أى بالله، وانما صح هذا العطف، لأن قول المؤمنين أهؤلاء الى أخره مما يمن الله به على المؤمنين، ومما يأمرنا بالطمع فيه وترجيه، لأنه عن ظهور المؤمنين وخزى المنافقين. ويجوز أن يكون نصبه بطريق عطف المصدر غير الصريح على اسم خالص، فيكون معطوفاً على اسم عسى عطفاً لمعمول على أحد معمولى عامل واحد، لكون ذلك المعمول بمنزلة معمولين، فكأنه معمولان عطفا على معمولى عامل واحد، كأنه قيل: عسى الله أن يأتى بالفتح، والذين آمنوا أن يقولوا: أى وعسى الذين آمنوا أن يقولوا، أو يجوز أن يعود النصب عطفاً لمصدره على الفتح عطفاً على اسم خالص، أى أن يأتى بالفتح، وبأن يقول الذين آمنوا والنصب بأن مضمرة جوازاً فى الوجهين. {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}: هذا من كلام الذين آمنوا، وقيل: من كلام الله تعالى عطفاً لما هو من كلامه على ما هو من كلامهم شهادة بحبوط أعمالهم.

الالوسي

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلام مستأنف مسوق لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه استئناف بياني كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرأ أبو عمرو ويعقوب {وَيَقُولُ} بالنصب عطفاً على {أية : فَيُصْبِحُواْ} تفسير : [المائدة: 52]، وقيل: على {أية : أَن يَأْتِىَ} تفسير : [المائدة: 52] بحسب المعنى كأنه قيل: عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا بإسناد يأتي إلى الاسم الجليل دون ضميره، واعتبر ذلك لأن العطف على خبر ـ عسى ـ أو مفعولها يقتضي أن يكون فيه ضمير الله تعالى ليصح الإخبار به أو ليجري على استعماله، ولا ضمير فيه هنا ولا ما يغني عنه، وفي صورة العطف باعتبار المعنى تكون ـ عسى ـ تامة لإسنادها إلى {أية : أن} تفسير : [المائدة: 52] وما في حيزها فلا حاجة حينئذ إلى ضمير، وهذا كما قيل: قريب من عطف التوهم، وكأنهم عبروا عنه بذلك دونه تأدباً، وجوز بعضهم أن يكون {أَن يَأْتِىَ} بدلاً من الاسم الجليل، والعطف على البدل، و ـ عسى ـ تامة أيضاً كما صرح به الفارسي، وبعضهم يجعل العطف على خبر ـ عسى ـ ويقدر ضميراً أي: ويقول الذين آمنوا به وذهب ابن النحاس إلى أن العطف على الفتح وهو نظير:شعر : ولبس عبـاءة وتقـر عينـي تفسير : واعترض بأن فيه الفصل بين أجزاء الصلة وهو لا يجوز وبأن المعنى حينئذ: عسى الله تعالى أن يأتي بقول المؤمنين وهو ركيك، وأجيب عن الأول: بالفرق بين الإجزاء بالفعل والإجزاء بالتقدير، وعن الثاني: بأن المراد عسى الله سبحانه أن يأتي بما يوجب قول المؤمنين من النصرة المظهرة لحالهم. واختار شيخ الإسلام قدس سره ما قدمناه، ولا يحتاج إلى تكلف مؤونة تقدير الضمير لأن {أية : فَيُصْبِحُواْ}تفسير : [المائدة: 52] كما علمت معطوف على يأتي والفاء كافية فيه عن الضمير، فتكفي عن الضمير في المعطوف عليه أيضاً لأن المتعاطفين كالشيء الواحد، ولا حاجة مع هذا إلى القول بأن العطف عليه بناءاً على أنه منصوب في جواب الترجي إجراءاً له مجرى التمني ـ كما قال ابن الحاجب ـ لأن هذا إنما يجيزه الكوفيون فقط بخلاف الوجه الذي ذكرناه، والمعنى ويقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة عنهم في السراء والضراء عند مشاهدتهم تخيبة رجائهم وانعكاس تقديرهم لوقوع ضد ما كانوا يترقبونه، ويتعالون به تعجيباً للمخاطبين من حالهم وتعريضاً بهم. {أَهُـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي بالنصرة والمعونة ـ كما قالوه ـ فيما حكي عنهم {أية : وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} تفسير : [الحشر: 11]، فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبره، والمعنى إنكار ما فعلوه واستبعاده وتخطئتهم في ذلك ـ قاله شيخ الإسلام وغيره، واختار غير واحد ـ أن المعنى يقول المؤمنون الصادقون بعضهم لبعض أهؤلاء الذين أقسموا بالله تعالى لليهود إنهم لمعكم والخطاب على التقديرين لليهود إلا أنه على الأول: من / جهة المؤمنين، وعلى الثاني: من جهة المقسمين، وفي «البحر» [3/ 509] أن الخطاب على التقدير الثاني للمؤمنين أي «يقول الذين آمنوا بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين إذ أغلظوا بالأيمان لهم وأقسموا أنهم معكم وأنهم معاضدوكم على أعدائكم اليهود فلما حل باليهود ما حل أظهروا ما كانوا يسرونه من موالاتهم والتمالؤ على المؤمنين»، وإليه يشير كلام عطاء وليس بشيء كما لا يخفى، وجملة {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} لا محل لها من الإعراب لأنها تفسير وحكاية لمعنى أقسموا لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل: إنا معكم، وذكر السمين وغيره أنه يجوز أن يقال: حلف زيد لأفعلن وليفعلن، و {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} منصوب على أنه مصدر ـ لأقسموا ـ من معناه، والمعنى أقسموا إقساماً مجتهداً فيه، أو هو حال بتأويل مجتهدين، وأصله يجتهدون جهد أيمانهم، فالحال في الحقيقة الجملة، ولذا ساغ كونه حالاً كقولهم: افعل ذلك جهدك مع أن الحال حقها التنكير لأنه ليس حالاً بحسب الأصل. وقال غير واحد: لا يبالى بتعريف الحال هنا لأنها في التأويل نكرة وهو مستعار من جهد نفسه إذا بلغ وسعها، فحاصل المعنى أهؤلاء الذين أكدوا الأيمان وشدّدوها. {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ} يحتمل أن يكون هذا جملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء الولاية والقسم على المعية في كل حال إثر الإشارة إلى بطلانه بالاستفهام، وأن يكون من جملة مقول المؤمنين بأن يجعل خبراً ثانياً لاسم الإشارة، وقد قال بجواز نحو ذلك بعض النحاة، ومنه قوله سبحانه: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 20]، أو يجعل هو الخبر والموصول مع ما في حيز صلته صفة للمبتدأ، فالاستفهام حينئذ للتقرير، وفيه معنى التعجيب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم، والمعنى بطلت أعمالهم التي عملوها في شأن موالاتكم وسعوا في ذلك سعياً بليغاً حيث لم تكن لكم دولة كما ظنوا فينتفعوا بما صنعوا من المساعي وتحملوا من مكابدة المشاق، وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين ما لا يخفى ـ قاله شيخ الإسلام ـ وذهب بعضهم إلى أنه إذا كانت من جملة المقول فهي في محل نصب بالقول بتقدير أن قائلاً يقول: ماذا قال المؤمنون بعد كلامهم ذلك؟ فقيل: قالوا: حبطت أعمالهم الخ، والجملة إما إخبارية، وشهادة المؤمنين بمضمونها على تقدير أن يكون المراد به خسران دنيوي وذهاب الأعمال بلا نفع يترتب عليها هو ما أملوه من دولة اليهود مما لا إشكال فيه، وعلى تقدير أن يكون المراد أمراً أخروياً فيحتمل أن يكون باعتبار ما يظهر من حال المنافقين في ارتكاب ما ارتكبوا، وأن تكون باعتبار إخبار النبـي صلى الله عليه وسلم بذلك، وإما جملة دعائية ولا ضير في الدعاء بمثل ذلك على ما مرت الإشارة إليه، وأشعر كلام البعض أن في الجملة معنى التعجب مطلقاً سواء كانت من جملة المقول أو من قول الله تعالى، ولعله غير بعيد عند من يتدبر.

القطان

تفسير : جهد أيمانهم: أغلظ أيمانهم. حبطت أعمالهم: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها نفاقاً كالصلاة والصيام، فخسروا أجرها وثوابها. ويقول المؤمنون الصادقون، متعجبين من حال المنافقين اذ أقسموا بأغلظ الايمان لهم أنهم معهم، وأنهم مناصروهم على أعدائهم اليهود، أهؤلاء الذين بالغوا في حلْفهم بالله أنهم معكم في الدين مؤمنون مثلكم؟ لقد كذبوا فبطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها نفاقاً. بذلك خسروا ما كانوا يرجون من الله. لقد صدق الله وعدَه مع المؤمنين المخلصين وخذَل الكافرين. قراءات: قرأ عاصم وحمزة والكسائي "ويقول" بالواو، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر "يقول" بدون واو، وقرأ ابو عمرو "ويقول" بنصب اللام.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {أَيْمَانِهِمْ} {أَعْمَالُهُمْ} {خَاسِرِينَ} (53) - لَمَّا التَجَأَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ إلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى يُوالُونَهُمْ وَيُوادُّونَهُمْ، افْتَضَحَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أنْ كَانُوا يَتَسَتَّرُونَ، لاَ يَدْرِي أحَدٌ كَيْفَ حَالُهُمْ، فَتَعَجَّبَ المُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ، كَيْفَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنَ المُؤْمِنينَ، يُعَاضِدُونَهُمْ وَيُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى أعْدَائِهِمِ اليَهُودِ، فَلَمَّا جَدَّ الجِدُّ أَظْهَرُوا مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ مُوَالاَتِهِمْ وَمُمَالأَتِهِمْ عَلَى المُؤْمِنينَ. وَلَمَّا اسْتَبَانَ حَالُهُمْ لِلْمُؤْمِنينَ قَالُوا: لَقَدْ هَلَكَتْ أَعْمَالُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَجِهَادٍ، وَخَسِرُوا بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ مِنَ الثَّوَابِ. حَبِطَتْ أَعْمَالُهم - هَلَكَتْ وَبَطلَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يرى المؤمنون رأي العين ندم هؤلاء. والندم انكسار القلب في الحاضر على تصرف سابق مثلما يرتكب إنسان حماقة وتظهر آثارها من بعد ذلك، فيقول: يا ليتني لم أكن قد فعلت ذلك. إنه انكسار نفس على تصرف سابق. وانكسار النفس يتضح على بشرة الوجه. وساعة يأتي الفتح تجد المنافقين وأهل الكتاب مكبوتين كبتاً قسرياً وهو الكبت الذي لا يجرؤ صاحبه عليه فيدعي أنه فرحان، إنه قسري بإلحاح بِنْيَة، وظهور أثر ذلك على وجوههم. وهنا يفطن المؤمنون إلى ذلك فيقولون: {أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}. ولو كان هؤلاء المنافقون من الصادقين لفرحوا ولكانت أساريرهم متهللة، ولظهرت عليهم الغبطة. لكنهم صاروا عكس ذلك، صاروا نادمين مكبوتين. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ} أي حبط عملهم وقولهم: "إنا معكم". والحبط هو - كما قلنا - الانتفاخ الذي يصيب البهيمة التي تأكل طعاماً غير مناسب لها، فيظن الناس أنها قد سمنت ولكنهم ياتفتون فيجدون أنها مصابة بانتفاخ قاتل. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} والخسارة في معناها الواضح أن يقل رأس المال. لقد فعل المنافقون ذلك ليستروا وراء المسلمين ولم يسلم لهم هذا الأمر وانكشفوا. ويقول الحق بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}