٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ونافع {يَرْتَدِدْ } بدالين، والباقون بدال واحدة مشددة، والأول: لإظهار التضعيف، والثاني: للإدغام. قال الزجاج: إظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف، نحو قوله {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } تفسير : [آل عمران: 140] ويجوز في اللغة: إن يمسكم. المسألة الثانية: روى صاحب «الكشاف» أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بنو مدلج: ورئيسهم ذو الحمار، وهو الأسود العنسي، وكان كاهناً ادعى النبوّة في اليمن واستولى على بلادها، وأخرج عمال رسول الله، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي بيته فقتله، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل، فسر المسلمون، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول. وبنو حنيفة قوم مسيلمة، ادعى النبوّة وكتب إلى رسول الله: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجابه الرسول: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام، أراد في جاهليتي وفي إسلامي. وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد: ادعى النبوّة، فبعث إليه رسول الله خالداً، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه. وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوّة وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر. وفرقة واحدة في عهد عمر: غسان قوم جبلة بن الأيهم، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر، وكان يطوف ذات يوم جاراً رداءه، فوطىء رجل طرف ردائه فغضب فلطمه، فتظلم إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه، إلا أن يعفو عنه، فقال: أنا أشتريها بألف، فأبى الرجل، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف، فأبى الرجل إلا القصاص، فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب إلى الروم وارتد. المسألة الثالثة: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار فيرتد عن دينه فليعلم أن الله تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه. وقال الحسن رحمه الله: علم الله أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيّهم، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن الغيب، وقد وقع المخبر على وفقه فيكون معجزاً. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن أولئك القوم من هم؟ فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريح: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردة. وقالت عائشة رضي الله عنها: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، واشتهر النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها. وقال السدي: نزلت الآية في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا الرسول وأعانوه على إظهار الدين. وقال مجاهد: نزلت في أهل اليمن. وروي مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: حديث : هم قوم هذاتفسير : . وقال آخرون: هم الفرس لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن هذه الآية حديث : ضرب بيده على عاتق سلمان تفسير : وقال: هذا وذووه، ثم قال: «حديث : لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس».تفسير : وقال قوم: إنها نزلت في علي عليه السلام، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه عليه السلام لما دفع الراية إلى علي عليه السلام يوم خيبر قال: «حديث : لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، تفسير : وهذا هو الصفة المذكورة في الآية. والوجه الثاني: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } تفسير : [المائدة: 55] وهذه الآية في حق علي، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقه، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية. ولنا في هذه الآية مقامات: المقام الأول: أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض، وتقرير مذهبهم أن الذين أقرنا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام فنقول:( لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم إلى الدين الحق) بدليل قوله{من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم} إلى آخر الآيه وكلمة [من] في معرض الشرط للعموم، فهي تدل على أن كل من صار مرتداً عن دين الإسلام فإن الله يأتي بقوم يقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبداً منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف. المقام الثاني: أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال: إنها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه والدليل عليه وجهان: الأول: أن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين، وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين، ولأنه تعالى قال {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ } وهذا للاستقبال لا للحال، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب. فإن قيل: هذا لازم عليكم لأن أبا بكر رضي الله عنه كان موجوداً في ذلك الوقت. قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال، والثاني: أن معنى الآية أن الله تعالى قال: فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب، وأبو بكر وإن كان موجوداً في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلاً في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنهي، فزال السؤال، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أيضاً أن يكون المراد هو علي عليه السلام، لأن علياً لم يتفق له قتال مع أهل الردة، فكيف تحمل هذه الآية عليه. فإن قالوا: بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً. قلنا: هذا باطل من وجهين: الأول: أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركاً للشرائع الإسلامية، والقوم الذين نازعوا علياً ما كانوا كذلك في الظاهر، وما كان أحد يقول: إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام، وعلي عليه السلام لم يسمهم ألبتة بالمرتدين، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضاً. الثاني: أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح، ولما لم يوجد ذلك ألبتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي، لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين، ولا يمكن أيضاً أن يقال: إنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين، وبتقدير أن يقال: اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعاً وأذنابا، وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر، ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلاً في هذه العبادة ورئيساً مطاعاً فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر. والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر: هو أنا نقول: هب أن علياً كان قد حارب المرتدين، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالاً وأكثر موقعاً في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة، وهو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين، وهو الذي حارب مانعي الزكاة، ولما فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته. أما لما انتهى الأمر إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط في الشرق والغرب، وصار ملوك الدنيا مقهورين، وصار الإسلام مستولياً على جميع الأديان والملل، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي الله عنه أعظم تأثيراً في نصرة الإسلام وتقويته من محاربة علي عليه السلام، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الإسلام، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية. المقام الثالث في هذه الآية: وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول: إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات: أولها: أنه يحبهم ويحبونه. فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو إبو بكر ثبت أن قوله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وصف لأبي بكر، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالماً، وذلك يدل على أنه كان محقاً في إمامته، وثانيها: قوله {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } وهو صفة أبي بكر أيضاً الدليل الذي ذكرناه، ويؤكده ما روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : ارحم أمتي بأمتي أبو بكر» تفسير : فكان موصوفاً بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وكيف كان يلازمه ويخدمه، وما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم، وفي آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد، وأصر على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده، حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام، فكان قوله {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } لا يليق إلا به، وثالثها: قوله {يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف، والكفر كان في غاية القوة، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته، ويذب عن رسول الله بغاية وسعه، وأما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأُحد، وفي ذلك الوقت كان الإسلام قوياً وكانت العساكر مجتمعة، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين: الأول: أنه كان متقدماً عليه في الزمان، فكان إفضل لقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ } تفسير : [الحديد: 10] والثاني: أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم، وجهاد علي كان في وقت القوة، ورابعها: قوله {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ } تفسير : [النور: 22] وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر، ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لا بدّ وأن تكون في أبي بكر، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بدّ وأن تكون لأبي بكر، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه كان موصوفاً بهذه الصفات حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات وبطلت. قلنا: هذا باطل قطعاً لأنه تعالى قال: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل، وذلك يدل على شهادة الله له بكونه موصوفاً بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة، وذلك هو حال إمامته، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة إمامته، أما قول الروافض لعنهم الله: إن هذه الآية في حق علي رضي الله عنه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «حديث : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»تفسير : وكان ذلك هو علي عليه السلام، فنقول: هذا الخبر من باب الآحاد، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل، فكيف يجوز التمسك به في العلم، وأيضاً إن إثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر، ومن جملة تلك الصفات كونه كراراً غير فرار، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محباً لله ولرسوله. وكون الله محباً له وراضياً عنه. قال تعالى في حق أبي بكر {أية : وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } تفسير : [الليل: 21] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة» تفسير : وقال: «حديث : ما صب الله شيئاً في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر» تفسير : وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. وأما الوجه الثاني: وهو قولهم: الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي، فجوابنا: أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي وسنذكر الكلام فيه إن شاء الله تعالى، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم. أما قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 165] فلا فائدة في الإعادة. وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له. ثم قال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } وهو كقوله {أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29] قال صاحب «الكشاف» أذلة جمع ذليل، وأما ذلول فجمعه ذلل، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه ألبتة لا يظهر شيئاً من التكبر والترفع، بل لا يظهر إلا الرفق واللين فكذا ههنا، فقوله {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي يظهرون الغلطة والترفع على الكافرين. وقيل: يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم: عزه يعزه إذا غلبه، كأنهم مشددون عليهم بالقهر والغلبة. فإن قيل: هلا قيل: أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين. قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة، كأنه قيل: راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع، والثاني: أنه تعالى ذكر كلمة {عَلَىٰ } حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع. وقرىء (أذلة وأعزة) بالنصب على الحال. ثم قال تعالى: {يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لنصرة دين الله {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } وفيه وجهان: الأول: أن تكون هذه الواو للحال، فإن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن من كان قوياً في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه لومة لائم. الثاني: أن تكون هذه الواو للعطف، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل الله لا لغرض آخر، ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين، واللومة المرة الواحدة من اللوم، والتنكير فيها وفي اللائم مبالغة، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللائمين. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } فقوله {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف القوم بالمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة، فبيّن تعالى أن كل ذلك بفضله إحسانه، وذلك صريح في أن طاعات العباد مخلوقة لله تعالى، والمعتزلة يحملون اللفظ على فعل الالطاف، وهو بعيد لأن فعل الألطاف عام في حق الكل، فلا بدّ في التخصيص من فائدة زائدة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } فالواسع إشارة إلى كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم، ولما أخبر الله تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود، كامل العلم فيمتنع دخول الخلف في أخباره ومواعيده.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} شرط وجوابه «فَسَوْفَ». وقراءة أهل المدينة والشام «مَنْ يَرْتَدِدْ» بدالين. الباقون «مَنْ يَرْتَدَّ». وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم: إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيباً، فكان على ما أخبر بعد مدّة، وأهل الرّدة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد؛ مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُؤَاثى، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقِسم نبذ وجوب الزكاة وٱعترف بوجوب غيرها؛ قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي؛ فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسَبَاهم؛ على ما هو مشهور من أخبارهم. الثانية ـ قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} في موضع النعت. قال الحسن وقَتَادة وغيرهما: نزلت في أبي بكر الصدّيق وأصحابه. وقال السّدي: نزلت في الأنصار. وقيل: هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وأن أبا بكر قاتل أهل الردّة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية؛ وهم أحياء من اليمن من كندة وبَجِيلة، ومن أشجع. وقيل: إنها نزلت في الأشعريين؛ ففي الخبر أنها لما نزلت قدِم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين، وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عامة فتوح العِراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن؛ هذا أصح ما قيل في نزولها. والله أعلم. وروى الحاكم أبو عبدالله في «المستدرك» بإسناده: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال: «هم قوم هذا» تفسير : قال القُشَيري: فأتباع أبي الحسن من قومه؛ لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع. الثالثة ـ قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} «أَذِلَّة» نعت لقوم، وكذلك {أَعِزَّةٍ} أي يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم؛ من قولهم: دابّة ذلول أي تنقاد سهلة، وليس من الذلّ في شيء. ويغلِظون على الكافرين ويعادونهم. قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد لِلولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبعُ على فريسته؛ قال الله تعالى: { أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29]. ويجوز «أَذِلَّة» بالنصب على الحال؛ أي يحبهم ويحبونه في هذا الحال، وقد تقدّمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له. الرابعة ـ قوله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} في موضع الصفة أيضاً. {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} بخلاف المنافقين يخافون الدوائر؛ فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؛ لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. والله أعلم. {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} ابتداء وخبر. {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل، عليم بمصالح خلقه.
البيضاوي
تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} قرأه على الأصل نافع وابن عامر وهو كذلك في الإِمام، والباقون بالإِدغام وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها، وقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: بنو ملدج وكان رئيسهم ذا الخمار الأسود العنسي، تنبأ باليمن واستولى على بلاده ثم قتله فيروز الديلمي ليلة قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من غدها وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة فسر المسلمون وأتى الخبر في أواخر ربيع الأول. وبنو حنيفة أصحاب مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجند من المسلمين وقتله وحشي قاتل حمزة. وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه. وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه سبع فزارة قوم غيبنة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة زوجة مسيلمة، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى الله أمرهم على يده، وفي إمرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام. {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قيل هم أهل اليمن لما روي (حديث : أنه عليه الصلاة والسلام أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: هم قوم هذا).تفسير : وقيل الفرس حديث : لأنه عليه الصلاة والسلام سُئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه. تفسير : وقيل الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيله، وثلاثة آلاف من أفناء الناس. والراجع إلى من محذوف تقديره فسوف يأتي الله بقوم مكانهم ومحبة الله تعالى للعباد إرادة الهدى والتوفيق لهم في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، ومحبة العباد له إرادة طاعته والتحرز عن معاصيه. {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} عاطفين عليهم متذللين لهم، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل، واستعماله مع على إما لتضمنه معنى العطف والحنو أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خاضعون لهم أو للمقابلة. {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} شداد متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه، وقرىء بالنصب على الحال. {يُجَـٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} صفة أخرى لقوم، أو حال من الضمير في أعزة. {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} عطف على يجاهدون بمعنى أنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه، أو حال بمعنى أنهم مجاهدون حالهم خلاف حال المنافقين، فإنهم يخرجون في جيش المسلمين خائفين ملامة أوليائهم من اليهود فلا يعملون شيئاً يلحقهم فيه لوم من جهتهم، واللومة المرة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف. {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} يمنحه ويوفق له {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} كثير الفضل. {عَلِيمٌ} بمن هو أهله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلاً، كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]. وقال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} تفسير : [النساء:133] وقال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}تفسير : [فاطر:16-17]. أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى ههنا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} أي: يرجع عن الحق إلى الباطل. قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش. وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}: هم أهل القادسية. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة، من السَّكُون. وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية، يعني: ابن حفص، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. قال: «حديث : هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب»تفسير : ، وهذا حديث غريب جداً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد، يعني: ابن عبد الوارث، حدثنا شعبة عن سماك، سمعت عياضاً يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: لما نزلت: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هم قوم هذا». ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه. وقوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه، قتال لأعدائه. وقوله عز وجل: {يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مراً، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن أبي المثنى: أن أبا ذر رضي الله عنه، قال: بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً، وواثقني سبعاً، وأشهد الله علي سبعاً، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : هل لك إلى بيعة، ولك الجنة؟» تفسير : قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يشترط علي: «حديث : أن لا تسأل الناس شيئاً» تفسير : قلت: نعم. قال: «حديث : ولاسوطك وإن سقط منك»تفسير : . يعني: تنزل إليه فتأخذه. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر عن المعلى القردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق، أو أن يذكر بعظيم» تفسير : تفرد به أحمد. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن زبيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف»تفسير : . ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به. وروى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي: عبدي: أرأيت منكراً فلم تنكره؟ فإذا لقن الله عبداً حجته، قال: أي: رب وثقت بك، وخفت الناس»تفسير : . وثبت في الصحيح: «حديث : ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» تفسير : قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: «حديث : يتحمل من البلاء ما لا يطيق»تفسير : . {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له، {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه. وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين. وقوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات؛ من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام،وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين والمساكين. وأما قوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} قال: هم المؤمنون، وعلي بن أبي طالب. وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد الله، سمعت مجاهداً يقول في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية. نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع، وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية، نزلت في علي بن أبي طالب، عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به. وروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية، الضحاك لم يلق ابن عباس. وروى ابن مردويه أيضاً من طريق محمد بن السائب الكلبي، وهو متروك، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أعطاك أحد شيئاً؟» تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : من؟» تفسير : قال: ذلك الرجل القائم. قال: «حديث : على أي حال أعطاكه؟» تفسير : قال: وهو راكع، قال: «حديث : وذلك علي بن أبي طالب»تفسير : . قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند ذلك وهو يقول: { وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} وهذا إسناد لا يُفرح به. ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه، وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بإسناده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم، وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا عبدة عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا. وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه. وقال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا، رواه ابن جرير، وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: { وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} كما قال تعالى: { أية : ٱكَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ} تفسير : [المجادلة:21-22] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: { وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يـَٰأَيُّهَا ٰلَّذِينَ ءَامَنُوا من يَرْتَدَّ } بالفك والإِدغام[يرتدَّ] يرجع {مِنكُمْ عَن دِينِهِ } إلى الكفر إخبار بما علم الله تعالى وقوعه وقد ارتدّ جماعة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ } بدلهم {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قال صلى الله عليه وسلم « حديث : هم قوم هذا » تفسير : وأشار إلى أبي موسى الأشعري رواه الحاكم في صحيحه {أَذِلَّةٍ } عاطفين {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ } أشدّاء {عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فيه كما يخاف المنافقون لوم الكفار {ذٰلِكَ } المذكور من الأوصاف {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } كثير الفضل {عَلِيمٌ } بمن هو أهله.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم الذين قاتلوا معه أهل الردة، قاله: علي، والحسن، وابن جريج، والضحاك. والثاني: أنهم قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن لأنه كان لهم في نصرة الإِسلام أثر حسن، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية إليه أَوْمَأَ إلى أبي موسى الأشعري بشيء كان فى يده وقال: "حديث : هُمْ قَوْمُ هَذَا" تفسير : قاله: مجاهد وشريح. {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} يعني أهل رقة عليهم. {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} يعني أهل غلظة عليهم، يحكى ذلك عن علي، وابن عباس. وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غُلُظٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}. قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا...} الآية، وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من أصحابه حين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أظهره اليهود من عداوتهم لهم، قاله الكلبي. والثاني: أنها نزلت فى عُبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود وقال: أتولى الله ورسوله. وفي قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} قولان: أحدهما: أنه علي، تصدق وهو راكع، قاله مجاهد. والثاني: أنها عامة في جميع المؤمنين، قاله الحسن، والسدي. وفي قوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم. والثاني: أنها نزلت فيهم وهم في ركوعهم. والثالث: أنه أراد بالركوع التنفل، وبإقامة الصلاة الفرض من قولهم فلان يركع إذا انتفل بالصلاة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} أبو بكر وأصحابه، الذين قاتلوا أهل الردة، أو قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن فكان لهم في نصرة الإسلام أثر حسن، ولما نزلت "أومأ الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء في يده إلى أبي موسى، وقال: هم قوم هذا"، أو هم الأنصار. {أَذِلَّةٍ} ذوي رقة. {أَعِزَّةٍ} ذوي غلظة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...} الآية: خطابٌ للمؤمنين إلَىٰ يوم القيامة، ومعنى الآية؛ أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين. قال الفَخْر: وقدَّم اللَّه تعالَىٰ محبَّته لهم علَىٰ محبَّتهم له؛ إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له. انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه»؛ للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟ قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم؛ كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم؛ حتى إذا صاروا إلَىٰ خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلَىٰ حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟ قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ؛ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ علَىٰ قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟ قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم علَىٰ طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى. انتهى. وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلَىٰ من ٱرتدَّ في مدة النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال الفَخْر: وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر علَىٰ وَفْقِهِ؛ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتَىٰ بخَيْرٍ منهم. انتهى. وقوله سبحانه: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح:29]؛ وكقوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»تفسير : ، وفي قراءة ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ». وقوله تعالى: {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده علَىٰ أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلَىٰ مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلَىٰ مَنْ هُوَ فَوْقِي ـــ يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا ـــ، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ». انتهى. وقوله سبحانه: {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ}: الإشارةُ بـ «ذلك» إلى كون القومِ يحبُّون اللَّه عزَّ وجلَّ ويحبُّهم، وَوَاسِع: معناها ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه. وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ...} الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود: «إنَّمَا مَوْلاَكُمُ اللَّهُ»، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر؛ لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ؛ كما قال سبحانه: {أية : وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الحج:26] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن ٱتَّفَقَ مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعْطَىٰ خاتَمَهُ، وهو راكعٌ. قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين. ثم أخبر تعالَىٰ: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهَىٰ سبحانه المؤمنينَ عنِ ٱتخاذِ الَّذينَ ٱتخَذُوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت ٱستهزاءُ الكُفَّار في قوله سبحانه: {أية : إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ} تفسير : [الحجر:95] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: {أية : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [البقرة:14]. ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. وقوله سبحانه: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً...} الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم. وقوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ}: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ؛ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون؛ كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا, وَكَذَبْتَ أَنْتَ, وقال بعضُ المتأوِّلين: {وأنَّ أكثركُمْ}: معطوفٌ علَى {ما}؛ كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيمُ المعنَىٰ، وقال: {أَكْثَرَكُمْ}، من حيث إنَّ فيهم مَنْ آمن؛ كَٱبْنِ سَلاَمٍ وغيرِهِ.
ابن عادل
تفسير : قوله: "مَنْ يَرْتَدَّ" "مَنْ" شرطيَّة فقط لِظُهُور أثَرِها. وقوله تعالى: "فَسَوْفَ" جوابها وهي مُبْتَدأة، وفي خَبَرِها الخِلافُ المَشْهُور وبظاهره يتمسَّكُ مَنْ لا يَشْتَرِطُ عَوْدَ الضَّمِير على اسْمِ الشَّرْط من جُمْلَة الجواب، ومن الْتَزَم ذلك قدَّر ضَمِيراً مَحْذُوفاً تقديره: "فسوْفَ يأتي الله بِقَوْم غَيْرهم"، فـ "هُمْ" في "غَيْرهم" يعُود على "مَنْ" على مَعْناها. وقرأ ابنُ عامرٍ، ونافع: "يَرْتَدِد" بداليْن. قال الزَّمَخْشَري: "وهي في الإمَام - يعني رسم المُصْحَفِ - كذلك"، ولم يتبين ذلك، ونَقَل غَيْرُهُ أنَّ كل قَارِىء وافَق مُصْحَفَه، فإنَّها في مَصَاحِف "الشَّام" و"المدينة": "يَرْتَدِدْ" بدالين، وفي البَاقِية: "يَرْتَدَّ"، وقد تقدَّم أنَّ الإدغام لغة "تمِيم"، والإظهَار لغة "الحِجاز"، وأن وجه الإظْهَار سكون الثَّانِي جَزْماً أو وَقْفاً، ولا يُدْغَمُ إلا في مُتَحَرِّك، وأنَّ وجه الإدْغَام تحْرِيك هذا السَّاكن في بَعْضِ الأحْوَال نحو: رُدَّا، ورُدُّوا، ورُدِّي، ولم يَرُدَّا، ولم يَرُدُّوا، واردُدِ القوم، ثم حُمِل "لم يَرُدَّ"، و"رُدَّ" على ذلك، فَكَأنَّ التَميميّين اعتبروا هذه الحركة العارضة، والحِجازيِّين لم يَعْتَبِرُوها. و"مِنْكُم" في محلِّ نصب على الحال من فاعل "يَرْتَدّ"، و"عَنْ دينهِ" متعلِّق بـ "يَرْتدَّ". قوله: "يحبُّهم" في محلِّ جر؛ لأنها صفةٌ لـ "قَوْم"، و"يُحِبُّونه" فيه وجهان: أظهرهما: أنه معطوف على ما قَبْلَهُ، فيكُون في محلِّ جرِّ أيضاً، فوصفهم بِصفتين: وصفهم بكونه تعالى يُحِبُّهم، وبكوْنِهِم يُحِبُّونَه. والثاني: أجازه أبُو البقاءِ أن يكُون في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من الضَّمِير المنصُوب في "يُحِبُّهم"، قال: تقديره: "وهُمْ يُحِبُّونَهُ". قال شهاب الدِّين: وإنما قدَّر أبُو البقاءِ لفظة "هُمْ" ليخرج بذلك من إشْكال، وهو أنَّ المُضارع المُثْبَت متى وَقَعَ حالاً، وجبَ تجرُّدُه من "الواو" نحو: "قُمْتُ أضْحَكُ" ولا يجوز: "وأضْحَكُ" وإن وَرَدَ شيءٌ أوِّلَ بما ذَكَرَهُ أبُو البقاء، كقولهم: "قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَه". وقوله: [المتقارب] شعر : 1984-.................. نَجَوْتُ وَأرْهَنُهُمْ مَالِكَا تفسير : أي: وأنَا أصُكُّ، وأنا أرهَنُهم، فتؤوَّل الجملة إلى جُمْلة اسميَّة، فيصحُّ اقترانها بالواو، ولكن لا ضَرُورةَ في الآيَة الكريمَة تدعو إلى ذلك حتَّى يُرْتَكَب، فهو قولٌ مَرْجُوحٌ. وقدمت محبَّة الله - تعالى - على مَحبتهم لشرفِها وسَبْقِهَا؛ إذ مَحَبَّتُهُ - تعالى - لهم عِبَارة عن إلْهامهم فِعْلَ الطَّاعةِ، وإثابته إيَّاهُم عليها. فصل روى الزَّمخشري: أنَّه كان أهْلُ الرِّدَّة إحدى عشرة فرقة في عهد رَسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم - بنو مدُلج [ورئِيسُهم] وهو "عَيْهَلة بن كعب" لقبه "ذُو الخِمَار" وهو الأسْوَد العَنْسي وكان كاهِناً - ادّعى النُّبُوّة باليمن، واستولى [على بلادِها] وأخرج عُمَّال رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - مثل مُعَاذِ بن جَبَل وساداتِ اليمن، فأهلكه الله على يد "فَيْرُوز الدَّيْلَمِي"، فقتله وأخبر رسُول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- [بقتله ليلة قُتل فَسُرَّ المُسْلمون، وقُبض رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -] من الغد، وأتَى خَبَرُه في آخِر رَبِيع الأوَّل، وبنو حنيفَة: قوم "مُسَيْلِمَة الكَذَّاب" ادَّعى النُّبُوَّة، وكتب إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -: "من مسيلمة رسُول الله إلى محمَّد رسول الله، أما بعد: فإن الأرْض نصفُهَا لك ونِصْفُها لِي"، فأجاب - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - من محمَّد رسُول الله إلى مُسَيْلمة الكذَّاب أما بعد: {أية : إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128] فحارَبَهُ أبو بكر - رضي الله عنه - بجُنُود المُسْلِمين رضي الله عنهم - وقُتل على يَدِ وَحْشِيٍّ قاتل حَمْزة وقال: قَتَلْتُ خير النَّاسِ في الجاهليَّة، وشرَّ النَّاسِ في الإسلام أراد في جاهليَّته وفي إسلامه. وبنو أسَد: قوم طُلَيْحة بن خُوَيْلِد ادّعى النُّبوة، فبعَثَ رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - خالداً فانْهَزَم بعد القِتَال إلى الشَّام، ثمَّ أسْلَم، وحَسُن إسلامه في عَهْد أبِي بكر - رضي الله عنه-، وفِزَارة: قوم عُيَيْنَة بن حِصْن، وغَطَفَان: قوم قُرَّة بن سلمة القُشَيْري، وبنو سَلِيم: قوم فُجاءَة بن عبد يَالِيل، وبنو يَرْبُوع: قوم مَالِك بن نُوَيْرة، وبعض بني تَمِيم: قوم سجاح بِنْت المُنْذِر التي ادَّعت النُّبُوَّة، وزوجت نفسها من مُسَيْلمة الكَذَّاب، وكِنْدة: قوم الأشعَث بن قَيْس، وبنو بكر بن وَائِل بـ "البحرين"، وقوم الحَطْم ابن زَيْد، وكُفِيَ أمْرُهم على يد أبِي بكر - رضي الله عنه - وفرقةَ واحدةُ على عهد عُمَر - رضي الله عنه - غسان قوم جبلة بن الأيْهَمِ، وذلِك أنَّ جبلة أسلم على يد عُمَر رضي الله عنه كان يَطُوفُ ذاتَ يومٍ جارًّا رداءَهُ، فوطئ رَجُلٌ طرَفَ رِدائِه فغَضِبَ فَلَطَمُه، فتظلَّم إلى عمر - رضي الله عنه -، فقضى بالقِصَاص عليه، فقال: أنّا أشْتَرِيها بألْفٍ، فأبي الرَّجُل، فلم يَزَل يزيد في الفِدَاءِ حتى بلغ عَشْرَة آلاَف فأبى الرجل إلا القِصَاص، فاسْتَنْظَره [عُمر] فأنْظَرَهُ فَهَرَب إلى الرُّوم وارتد. ومعنى الآية: يا أيُّها الذين آمنُوا من يتول منكم الكُفَّار، فَيَرْتَدَّ عن دينه، فليعلم: أنَّ الله تعالى يأتي بِقَوْم آخَرِين يتدينوا بهذا الدِّين على أبْلَغ الوُجُوه. وقال الحسن: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ قوماً يَرْجِعُون عن الإسْلام بعدَ مَوْت نَبِيِّهِم، فأخْبَرَهُم بأنه سَيَأتِي الله بِقَوْم يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ. وعلى هذا التقدير: تكون هذه الآيَةُ إخْباراً عن الغَيْبِ، وقد وقع المخبر على وِفْقِه، فيكون مُعْجِزاً. واخْتَلَفُوا في القَوْم مَنْ هُم؟ فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضَّحَّاك وابن جُرَيْج: أبو بكر وأصحابه - رضي الله عنهم - الَّذين قاتلوا أهْلَ الرِّدَّة، قالت عائشة - رضي الله عنها - مات رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وارتدَّ من العرب قوم [واشْتَهَر] النِّفَاق، ونزل بِأبي ما لوْ نزل بالجبال الرَّاسِيَات لهاضها، وذلك بأن النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - لما قبض ارتدَّ عامَّة العرب إلا أهْل مَكَّة والمدِينَة. والبَحْرين من عَبْد القَيْس، ومنع بعضهم الزَّكاة، وهمَّ أبُو بَكْر بقتالهم، فكره ذلك أصْحَاب رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -. وقال عمر - رضي الله عنه -: كيف نُقَاتِلُ النَّاس، وقد قال رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -: "حديث : أمرت أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوا: لا إله إلا الله محمُّد رسولُ الله، فمن قَالَهَا فقدْ عَصَم مِنَّي ماله ونَفْسَهُ، إلا بحقِّه، وحِسَابُهُ على اللَّه" تفسير : فقال أبُو بكر - رضي الله تعالى عنه -: "واللَّهِ لأقَاتِلنَّ من فرق بين الصَّلاة والزَّكاة، فإن الزَّكاة حقُّ المَال، واللَّه لَوْ مَنَعُونِي عنَاقاً كانُوا يُؤدُّونَها إلى رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، لقاتَلْتُهُم على مَنْعِها". قال أنس - رضي الله عنه -: كَرِهَت الصَّحابة - رضي الله عنهم - قتال مانِعِي الزَّكاة، وقالوا أهْل القِبْلة، فتقلَّد أبُو بكر سَيْفَهُ، وخرج وحده، فلم يَجِدُوا بُدًّا من الخروج على أثره. قال ابن مسعود: كَرِهْنَا ذلك في الابتدَاء، ثم حَمِدْناهُ عليه في الانتهاء، قال أبو بكر ابن عيَّاش: سمعت أبا حُصَيْن يقول: ما وُلِد بَعْد النَّبِيِّين مَوْلُود أفْضَل من أبِي بَكْر - رضي الله عنه -، لقد قام مَقَامَ نَبَيٍّ من الأنْبِيَاء في قتال أهْلِ الرِّدَّة. وقال السُّديُّ: نزلت الآية في الأنْصَار؛ لأنَّهُم الذين نَصَرُوا الرَّسُول وأعانُوه على إظْهَار الدِّين. وقال مُجَاهِد: نزلتْ في أهل "اليَمَن". وقال الكلبي: هُمْ أحْيَاء من اليمن، ألْفان من النَّخْع، وخمسة آلافٍ من كِنْدة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء النَّاس، فجَاهَدُوا في سَبِيل الله يوم القَادِسيَّة في أيَّام عُمر - رضي الله عنه -، وروي مَرْفوعاً أن النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - " حديث : لما نزلَتْ هذه الآية، أشار إلى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيّ وقال: "هُمْ قَوْمُ هَذَا"، وقال آخَرُون: هم الفُرْسُ؛ لأنه رُوِي أنَّ النَّبِيَّ - صلًّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - لمّا سُئِلَ عن هذه الآية ضَرَبَ يَدَهُ على عَاتِق سَلْمَان الفارسيِّ وقال: هذا وَذَوُوُه، ثمَّ قال: لو كان الدِّين معلَّقاً بالثُّرَيَّا لنالَهُ رِجَالٌ من أبْنَاء فَارِس ". تفسير : وقال قوم: إنَّهَا نزلت في عَلِيٍّ - رضي الله عنه -؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - "حديث : لما دفع الراية إلى عَلِيّ قال: لأدْفَعَنَّ الرَّاية إلى رَجُلٍ يحبُّ الله ورسُوله ". تفسير : قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. هاتان أيضاً صِفَتَان لـ "قَوْم"، واستدلَّ بعضُهم على جواز تَقْدِيم الصِّفَة غير الصَّريحة على الصِّفَة الصَّريحة بهذه الآية، فإن قوله تعالى: "يُحِبُّهم" صِفةٌ وهي غير صَرِيحةٌ؛ لأنَّها جملة مؤوَّلة بمفْرَد، وقوله: "أذلّة - أعزّة" صِفتَان صريحَتَان؛ لأنَّهُمَا مفردتان، وأما غيره من النَّحْوِيِّين فيقول: متى اجْتَمَعَت صِفَةٌ صَرِيحة، وأخرى مؤوَّلة وَجَبَ تقدِيم الصَّريحة، إلاَّ في ضرورة شِعْرٍ، كقول امْرِىء القيس: [الطويل] شعر : 1985- وَفَرْعٍ يُغَشِّي الْمَتْنَ أسْوَدَ فَاحِم أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ تفسير : فقدَّم قوله: "يُغَشِّي" - وهو جملة - على "أسْوَد" وما بعده، وهُنَّ مفردات، وعِند هذا القَائِل أنه يُبْدَأ بالمُفْرَد، ثم بالظَّرْف أو عديله، ثم بالجُمْلة، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} تفسير : [غافر: 28] {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} تفسير : [الأنعام: 155]. قال أبو حيَّان: وفيها دليل على بطلان من يَعْتَقِد وجوب تَقْديم الوصْفِ بالاسْمِ على الوَصْف بالفِعْل إلا في ضَرُورَة، ثُمَّ ذكر الآية الآخرى. قال شهاب الدين: وليْسَ في هاتين الآيتين الكَرِيمتين ما يَرُدُّ قول هذا القَائِل، أمَّا هذه الآية فيحتمل أن يكون قوله تعالى: "يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَه" جملة اعتراض، لأنَّ فيها تأكيداً وتَشدِيداً للكلام. وجملة الاعْتِرَاض تقع بين الصِّفة ومَوْصُوفها، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 76] فـ "عَظِيم" صفة لـ "قَسَم"، وقد فصل بينهما بقوله: "لَوْ تَعْلَمُون"، فكذلك فصل هنا بين "بِقَوْم"، وبين صفتهم وهي "أذِلَّة - أعِزَّة" بقوله: "يُحِبُّهم ويُحِبُّونه"، فعلى هذا لا يكون لها مَحَلٌّ من الإعراب. وأمَّا {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} تفسير : [الأنعام: 155] فلا نسلّم أن "مباركٌ" صفة، ويجوز أن يكون [خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مُبارك] ولو استدلَّ على ذلك بآيتين غير هاتَيْن لكان أقْوى، وهما قوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} تفسير : [الأنبياء: 2]، {أية : وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ} تفسير : [الشعراء: 5] فقدَّم الوصف بالجار على الوَصْفِ بالصَّرِيح، وكذا يحتمل أن يُقَال: لا نسلِّم أن "مِنْ رَبِّهم" و"مِنَ الرَّحْمن" صفتان لجواز أن يكونا حاليْنِ مُقدَّمين من الضَّمِير المسْتَتِر في "مُحْدَث" أي: مُحَدث إنزالهُ حال كَوْنه من رَبِّهِم. و"أذلَّة" جمع ذَلِيل بمعنى متعطّف؛ ولا يُرَادُ به الذليل الذي هو ضعيف خَاضِعٌ مُهَان: ولا يجوز أن يكُون جمع "ذَلُول"؛ لأن ذَلُولاً يجمع على "ذُلُل" لا على أذِلَّة، وإن كان كلام بَعْضِهِم يوهِمُ ذلك. قال الزَّمَخْشَرِي: ومن زَعَم أنَّه من "الذُّل" الذي هو نَقِيضُ الصُّعُوبة، فقد غَبِيَ عن أن "ذَلُولاً" لا يُجْمَع على "أذِلَّة". و"أذلَّة" و"أعِزّة" جمعان لـ "ذليل" و"عَزِيز" وهما مِثَالا مُبَالَغَة، وعدَّى "أذلّة" بـ "على" وإن كان أصْلُه أن يتعدّى باللاَّم لما ضُمِّن من معنى الحُنُوِّ والعطف، والمعنى: عَاطِفين [على المؤمنين] على وجه التَّذَلُّل والتَّواضُع، ويجُوزُ أن يكون المعنى أنَّهُم مع شَرَفِهم وعلو طَبَقَتِهِم وفَضْلِهِم على المُؤمنين خافِضُون لهم أجنحتهم؛ كقوله تعالى: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] ذكر هَذَيْن الوَجْهَيْن الزَّمخْشَري. قال أبو حيَّان: قيل: "أو لأنَّه على حَذْفِ مضافٍ، التَّقدير: على فَضْلِهِم على المُؤمِنِين، والمعنى: أنَّهُمْ يَذِلُّون، ويَخْضَعُون لمن فُضِّل عَلَيْه مع شَرَفِهِم وعلو مَكَانتهم". وذكر آيَة الفَتْح، وهذا هو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِي بعينه، إلا أن قوله: "عَلى حَذْفِ مُضَافٍ" يوهم حَذْفه، وإقامَةِ المُضَاف إليه مَقَامَه، وهنا حَذفَ "عَلَى" الأولى، وحذف المُضَاف إليه، والمُضَاف معاً. قال شهابُ الدِّين: ولا أدْرِي ما حَمَلَهُ على ذلك؟ ووقع الوصف في جانب المَحبَّة بالجُمْلَة الفِعْلِيَّة، لأنَّ الفِعْل يَدُلُّ على التَّجَدد والحُدُوثِ وهو مُنَاسِب، فإن مَحَبَّتَهُمْ لله - تعالى - تَجَدُّدُ طاعَاتِه وعبادَتِه كُلَّ وقت، ومحبَّةُ اللَّه إياهم تجدد ثوابه وإنْعامه عليهم كُلَّ وَقْت، ووقع الوَصْفُ في جَانِبِ التَّواضُع للمُؤمنين والغِلْظَةِ على الكَافِرين بالاسْمِ الدَّال على المُبَالَغة، دلالة على ثُبُوتِ ذَلِك واسْتِقْرَاره، وأنه عَزِيزٌ فِيهِم، والاسْم يدلُّ على الثُّبُوت والاسْتِقْرار، وقدم الوصْفَ بالمحبَّة مِنْهم ولهم على وَصْفِهم بـ "أذلَّة - وأعِزَّة"، لأنَّهما ناشئتان عن المحبتين، وقدّم وصْفَهم المتعلّق بالمؤمنين على وَصْفِهم المتعلِّق بالكَافرين؛ لأنه آكَدُ وألْزَمُ منه، ولِشَرفِ المُؤمِن أيْضاً، والجُمْهُور على جَرِّ "أذلَّةٍ" - "أعِزَّةٍ" على الوصف كما تقدَّم. قال الزَّمَخْشري: "وقُرِىء "أذِلَّةً وأعِزَّةً" بالنَّصْب على الحَالِ". قلت: الذي قرأ "أذلَّةً"، هو عبد الله بن مَسْعُود - رضي الله عنه -، إلا أنَّه قرأ بَدَل "أعِزَّة": "غُلظَاءَ على الكَافِرِين" وهو تفسيرٌ، وهي حال من "قَوْم"، وجازَ ذلك، وإنْ كان "قَوْم" نَكِرة لقُرْبِهِ من المَعْرِفة؛ إذ قد تُخَصَّصُ بالوَصْف. فصل معنى "أذِلَّة" أي: أرقَّاء رحماء، كقوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 24] من قولهم دابَّه ذَلُولٌ، أي: تَنْقَادُ سَهْلةً، وليْسَ من الذُّل في شَيْءٍ {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} يُعَادُونهم ويُغَالِبُونهم، من قولهم: عَزَّه إذا غَلَبَه. قال عطاء: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} كالولد لِوَالده والعَبْد لسَيِّدِه: أعزَّة على الكَافِرِين كالسَّبُع على فَرِيسَتِه. قوله تعالى: "يُجَاهِدُون" يحتمل ثلاثة أوْجُه: أحدها: أن يكُون صِفَةً أخرى لـ "قوم"، ولذلك جاء بِغَيْر واو، كما جاءت الصِّفَتان قَبْلَهُ بِغَيْرها. الثاني: أنه في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في "أعِزَّة"، أي: يَعُزُّون مُجَاهِدِين. قال أبُو البقاء: وعلى هذا فيجُوز أن تكون مِنَ الضَّمير في "أذلَّة"، أي: يَتَواضَعُون للمُؤمنين حال كَوْنِهِم مُجاهدين، أي: لا يَمْنَعُهم الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّه من التَّواضُع للمُؤمِنِين، وحاليَّتُهَا من ضمير "أعِزَّة" أظْهَرُ من حاليَّتها ممَّا ذكرت، وذلك لَمْ يَسُغْ أن يَجْعَل المسْألة من التَّنازُع. الثالث: أن يكون مُسْتَأنفاً، سِيقَ للإخْبار بأنّهم يُجَاهِدُون في نُصْرَةِ دينِ اللَّه تعالى. قوله تعالى: "ولا يَخَافُون" فيه أوجه: أحدها: أن يكُون مَعْطُوفاً على "يُجَاهِدُون" فتجري فيه الأوْجُه السَّابقة فيما قَبْله. الثاني: أن تكُون "الواوُ" للحَالِ، وصاحب الحال فاعل "يُجَاهِدُون"، قال الزَّمَخْشَرِي: "أي: يُجَاهِدُون" وحالهم في المُجَاهَدَةِ غَيْرُ حَالِ المُنافِقِين. وتَبِعَهُ أبو حيَّان ولم يُنْكِر عليه، وفيه نَظَر؛ لأنهم نَصُّوا عَلَى أن المُضَارع المَنْفِي بـ "لاَ" أو "مَا" كالمُثْبَتِ في أنَّه [لا يجوزُ أن] تباشِرَه واو الحَال، وهذا كما تَرَى مضارع مَنْفِيٌّ بـ "لاَ"، إلاَّ أن يُقَال: إن ذلك الشَّرْط غير مُجْمَعٍ عليه، ولكن العِلَّةَ التي مَنَعُوا لها مُبَاشَرة "الواو" للمُضَارع المُثْبت موجودة في المُضَارع المَنْفِي بـ "لاَ" و"مَا"، وهي أنَّ المُضَارع المُثْبَتَ بِمَنْزِلة الاسْمِ الصَّرِيح، فإنَّك إذا قُلْتَ: "جاء زَيْد يَضْحَكُ" كان في قُوة "ضَاحِكاً" و"ضَاحِكاً" لا يجوز دخول "الوَاو" عليه، فكذلكَ ما أشْبَهَه وهُوَ في قُوَّتِهِ، وهذه مَوْجُودة في المَنْفِي، فإن قولك: "جَاءَ زَيْدٌ يَضْحَكُ" في قوَّة "غَيْر ضَاحِكٍ" و"غيْر ضاحك" لا تَدْخل عليه الواو [إلاَّ أنَّ هذا يُشْكِلُ بأنَّهم نَصُّوا على أنَّ المنفي بـ "لَمْ" و"لَمَّا" يجُوز فيه دخول الواو، مع أنَّه في قولك: "قَامَ زيدٌ لَمْ يَضْحَكْ" بمنزلة "غَيْرِ ضَاحِك"] ومن دخول الواو، وقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم} تفسير : [البقرة: 214] ونحوه. الثالث: أن تكون "الواوُ" للاستِئْنَاف، فيكون ما بَعْدَها جُمْلةً مُسْتَأنَفَةً مُسْتَقِلَّة بالإخْبار، وبهذا يَحْصُلُ الفَرْق بين هَذَا الوَجْهِ، وبين الوَجْهِ الذي جُوِّزَت فيه أن تكون "الوَاو" عَاطِفَةً، مع اعْتِقَادِنا أن "يُجَاهِدُون" مستَأنفٌ، وهو وَاضِح. و"اللَّوْمَةُ": المرَّة من اللَّوْمِ. قال الزمخشري: وفيها وفي التَّنْكِير مبالغتان، كأنَّه قيل: "لا يخافُون شيئاً قط من لَوْم أحَد من اللُّوَّام"، و"لومة" مصدر مُضاف لِفاعِلِه في المعنى. فإن قِيلَ: هل يجُوزُ أن يكُونَ فاعِلُهُ مَحْذُوفاً، أي: لا يَخَافُون لَوْمَة لائِمٍ إيَّاهم؟ فالجوابُ أنَّ ذلك لا يجُوز عند الجُمْهُور؛ لأنَّ المصدر المحدُودَ بتاء التَّأنيثِ لا يَعْمَل، فلو كان مَبْنيّاً على التَّاء عمل، كقوله: [الطويل] شعر : 1986- فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا بِالْموَارِدِ تفسير : فأعمل "رَهْبَة"؛ لأنه مَبْنِيٌّ على "التَّاء"، ولا يجُوز أن يعمل المَحْدُود بالتَّاءِ إلا في قَليلٍ في كلامهم؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1987- يُحَايِي بِه الْجَلْدُ الَّذِي هُوَ حَازِمٌ بِضَرْبَةِ كَفَّيْهِ المَلاَ وَهْوَ رَاكِبُ تفسير : يصف رَجُلاً سقى رجُلاً مَاءً فأحْيَاهُ به، وتيمّم بالتُّراب. والمَلاَ: التُّراب، فنصب "المَلاَ" بـ "ضَرْبة"، وهو مصدر محدُود بالتَّاء وأصل "لاَئِم": لاَوِم؛ لأنه من اللَّوْم، فَأعِلَّ كـ "قَائِم". فصل في معنى الآية المعنى لا يخافُون في نُصْرة دِين اللَّه لَوْمة النَّاس، وذلك [أنَّ] المُنافِقِين يُرَاقِبُون الكفَّار ويَخَافُون لَوْمَهُم. وروى عُبَادة بن الصَّامِت، قال: بايَعنا رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - على السَّمْع والطَّاعة، وأن نَقُوم للَّه وأن نقُول الحَقَّ حيث ما كُنَّا لا نخاف في اللَّهِ لَوْمَة لائِم. قوله تعالى: "وذلك" في المُشَار إليه ثلاثةُ أوجه: أظهرُها: أنه جَمِيع ما تقدَّم من الأوْصَاف التي وُصِفَ بها القَوْم، من المحبّةِ، والذِّلَّة، والعِزَّة، والمُجَاهدة في سبيل الله، وانتِفَاء خوف اللاَّئِمَة من كل أحَدٍ، واسْمُ الإشارَة يَسُوغُ فيه ذلك، أعْنِي: أنه يقع بِلَفْظِ الإفْرَاد مُشَاراً به لأكثر مِنْ وَاحدٍ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُهُ في قوله تعالى: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68]. والثاني: أنَّه مشار به إلى حُبِّ اللَّه لهم، وحُبِّهم لَهُ. والثالث: أنَّه مشارٌ به إلى قوله: "أذِلَّةٍ"، أي: لِينُ الجَانِب، وترك التَّرَفُّع، وفي هذين تَخْصِيصٌ غير وَاضِح، وكأنَّ الحَامِل على ذلك من مَجِيء اسمِ الإشَارَةِ مُفْرَداً. و"ذَلِك" مبتدأ، و"فَضْلُ الله" خبرُه. و"يُؤتِيهِ" يحتمل ثلاثة أوجُه: أظهرُهَا: أنه خَبَرٌ ثانٍ. والثاني: أنه مُسْتَأنف. والثالث: أنَّه في مَحَلِّ نصب على الحَالِ، كقوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72]. فصل ومعنى الكلام: أنَّ الوصف بالمحبَّة، والذلَّة، والعِزَّة، والمُجاهَدَةِ، وانتِفَاء خَوْفِ اللاَّئمة حصل بِفَضْل اللَّه - تعالى -، وهذا يدلُّ على أنَّ طاعَات العِبَاد مَخْلُوقة للَّه تعالى، والمعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونه على فِعْل الألْطَاف وهو بعيد؛ لأنَّ فعل الألْطَاف عامٌّ في حقِّ الكُلِّ، فلا بدَّ في التَّخْصِيصِ من مَزِيدِ فَائِدة. ثم قال - عزَّ وجلَّ -: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، قالوا: فالوَاسِع إشَارَة إلى كمال المُقْدرة. والعَلِيم إشارةٌ إلى كمال العِلْم، ومن هذا صِفَتُه - سُبْحَانه وتعالى -، فلا يُعْجِزُه أنَّه سيجيء بأقْوَام هذا شأنْهُم.
البقاعي
تفسير : ولما نهى عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم. نفى المجاز مصرحاً بالمقصود فقال مظهراً لنتيجة ما سبق: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان! من يوالهم منكم - هكذا كان الأصل، ولكنه صرح بأن ذلك ترك الدين فقال: {من يرتد} ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين وابن عامر {منكم عن دينه} أي الذي معناه موالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه، فيبغضهم الله ويبغضونه، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين، فالله غني عنهم {فسوف يأتي الله} اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه {بقوم} أي يكون حالهم ضد حالهم، يثبتون على دينهم، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم. ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال: {يحبهم} فيثبتهم عليه ويثيبهم بكرمه أحسن الثواب {ويحبونه} فيثبتون عليه، ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال: {أذلة} وهو جمع ذليل؛ ولما كان ذلهم هذا إنما هو الرفق ولين الجانب لا الهوان، كان في الحقيقة عزاً، فأشار إليه بحرف الاستعلاء مضمناً له معنى الشفقة، فقال مبيناً أن تواضعهم عن علو منصب وشرف: {على المؤمنين} أي لعلمهم أن الله يحبهم {أعزة على الكافرين} أي يظهرون الغلظة والشدة عليهم لعلهم أن الله خاذلهم ومهلكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم، فالآية من الاحتباك: حذف أولاً البغض وما يثمره لدلالة الحب عليه، وحذف ثانياً الثبات لدلالة الردة عليه؛ ثم علل ذلك بقوله: {يجاهدون} أي يوقعون الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين، وحذف المفعول تعميماً ودل عليه مؤذناً بأن الطاعة محيطة بهم فقال: {في سبيل الله} أي طريق الملك الأعظم الواسع المستقيم الواضح، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين. ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد، فصلهم منهم بقوله: {ولا} أي والحال أنهم لا {يخافون لومة} أي واحدة من لوم {لائم} وإن كانت عظيمة وكان هو عظيماً، فبسبب ذلك هم صلاب في دينهم, إذا شرعوا في أمر من أمور الدين - أمر بالمعروف أو نهي عن منكر - كانوا كالمسامير المحماة، لا يروِّعهم قول قائل ولا اعتراض معترض، ويفعلون في الجهاد في ذلك جميع ما تصل قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ومعاضدتهم، وليسوا كالمنافقين يخافون لومة أوليائهم من اليهود فلا يفعلون وإن كانوا مع المؤمنين شيئاً ينكيهم. ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق، قال مشيراً إليها بأداة البعد واسم المذكر: {ذلك} أي الذي تقدم من أوصافهم العالية {فضل الله} أي الحاوي لكل كمال {يؤتيه} أي الله لأنه خالق لجميع أفعال العباد {من يشاء} أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {واسع} أي محيط بجميع أوصاف الكمال، فهو يعطي من سعة ليس لها حد ولا يلحقها أصلاً نقص {عليم *} أي بالغ العلم بمن يستحق الخير ومن يستوجب غيره، وبكل ما يمكن علمه. ولما نفى سبحانه ولايتهم بمعنى المحبة وبمعنى النصرة وبمعنى القرب بكل اعتبار، أنتج ذلك حصر ولاية كل من يدعي الإيمان فيه وفي أوليائه فقال: {إنما وليكم الله} أي لأنه القادر على ما يلزم الولي، ولا يقدر غيره على شيء من ذلك إلاّ به سبحانه؛ ولما ذكر الحقيق بإخلاص الولاية له معلماً بأفراد المبتدأ أنه الأصل في ذلك وما عداه تبع، أتبعه من تعرف ولايته سبحانه بولايتهم بادئاً بأحقهم فقال: {ورسوله} وأضافة إليه إظهاراً لرفعته {والذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان وأقروا به, ثم وصفهم بما يصدق دعواهم الإيمان فقال: {والذين يقيمون الصلاة} أي تمكيناً لوصلتهم بالخالق {ويؤتون الزكاة} إحساناً إلى الخلائق، وقوله: {وهم راكعون *} يمكن أن يكون معطوفاً على {يقيمون} أي ويكونون من أهل الركوع، فيكون فضلاً مخصصاً بالمؤمنين المسلمين، وذلك لأن اليهود والنصارى لا ركوع في صلاتهم - كما مضى بيانه في آل عمران، ويمكن أن يكون حالاً من فاعل الإيتاء؛ وفي أسباب النزول أنها نزلت في عليّ رضي الله عنه، سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه. وجمع وإن كان السبب واحداً ترغيباً في مثل فعله من فعل الخير والتعجيل به لئلا يظن أن ذلك خاص به. ولما كان التقدير: فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم الخاسرون، عطف عليه: {ومن يتول الله} أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع العز {ورسوله} الذي خُلقه القرآن {والذين آمنوا} وأعاد ذكر من خص الولاية بهم تبركاً بأسمائهم وتصريحاً بالمقصود، فإنهم الغالبون - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر ما شرفهم به ترغيباً لهم في ولايته فقال: {فإن حزب الله} أي القوم الذين يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي اشتد عليهم فيه {هم الغالبون *} أي لا غيرهم، بل غيرهم مغلوبون، ثم إلى النار محشورون، لأنهم حزب الشيطان. ولما نبه سبحانه على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه سبحانه، أنتج ذلك قطعاً قوله منبهاً على علل أخرى موجهاً للبراءة منهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، ونبه بصيغة الافتعال على أن من يوالهم يجاهد عقله على ذلك اتباعاً لهواه فقال: {لا تتخذوا الذين اتخذوا} أي بغاية الجد والاجتهاد منهم {دينكم} أي الذي شرفكم الله به {هزواً ولعباً} ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله: {من الذين}. ولما كان المقصود بهم منح العلم، وهو كاف من غير حاجة إلى تعيين المؤتي، بني للمجهول قوله: {أوتوا الكتاب} ولما كان تطاول الزمان له تأثير فيما عليه الإنسان من طاعة أو عصيان، وكان الإيتاء المذكور لم يستغرق زمان القبل قال: {من قبلكم} يعني أنهم فعلوا الهزو عناداً بعد تحققهم صحة الدين. ولما خص عم فقال: {والكفار} أي من عبدة الأوثان الذين لا علم لهم نُقِلَ عن الأنبياء، وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة فكانوا ضالين، وكذا غيرهم، سواء علم أنهم يستهزؤون أولا، كما أرشد إليه غير قراءة البصريين والكسائي بالنصب {أولياء} أي فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم، فلا تصح لكم موالاتهم أصلاً. ولما كان المستحق لموالاة شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته، حذرهم وقوعهم بموالاتهم على ضد مقصودهم فقال: {واتقوا الله} من له الإحاطة الكاملة، فإن من والى غيره عاداه، ومن عاداه هلك هلاكاً لا يضار معه {إن كنتم مؤمنين *} أي راسخين في الإيمان بحيث صار لكم جبلة وطبعاً، فإن لم تخافوه بأن تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان. ولما عم في بيان استهزائهم جميع الدين، خص روحه وخالصته وسره فقال: {وإذا ناديتم} أي دعا بعضكم الباقين إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع، فأجابه الباقون بغاية الرغبة، ومنه دار الندوة، أو يكون المعنى أن المؤذن كلم المسلمين برفع صوته كلام من هو معهم في الندى بالقول فأجابوه بالفعل، فكان ذلك مناداة - هذا أصله، فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها فقال مضمناً له الانتهاء: {الى الصلاة} أي التي هي أعظم دعائم الدين، وموصل إلى الملك العظيم، وعاصم بحبلة المتين {اتخذوها} على ما لها من العظمة والجد والبعد من الهزء بغاية هممهم وعزائمهم {هزواً ولعباً} فيتعمدون الضحك والسخرية ويقولون: صاحوا كصياح العير - ونحو هذا، وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم، وذلك لأن تأملها - في التطهر لها وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي عن الدنيا جملة والإقبال على الحضرة الإلهية، والتحلي بالقراءة لأعظم الكلام، والتخشع والتخضع لملك الملوك الذي لم تخف عظمته على أحد، ولا نازع قط في كبريائه وقدرته منازع - بمجرده كافٍ في اعتقاد حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الشناعة {بأنهم قوم} وإن كانوا أقوياء لهم قدرة على القيام في الأمور {لا يعقلون *} أي ليست لهم هذه الحقيقة، ولو كان لهم شيء من عقل لعلموا أن النداء بالفم أحسن من التبويق وضرب الناقوس بشيء لا يقاس، وأن التذلل بين يدي الله بالصلاة أمر لا شيء أحسن منه بوجه، وللأذان من الأسرار ما تعجز عنه الأفكار، منه أنه جعل تسع عشرة كلمة، ليكف الله به عن قائله خزنة النار التسعة عشر، وجعلت الإقامة إحدى عشرة كلمة رجاء أن يكون معتقدها رفيقاً لأحد عشر: العشرة المشهود لهم بالجنة، وقطبهم وقطب الوجود كله النبي صلى الله عليه وسلم، وناهيك أن من أسراره أنه جمع الدين كله أصولاً وفروعاً - كما بنت ذلك في كتابي "الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل الجواثي من عبد القيس، وقال الذين ارتدوا: نصلي الصلاة ولا نزكي والله يغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل لهم أنهم قد فقهوا أداء الزكاة فقال: والله لا أفرق بين شيء جمعه الله، والله لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله تعالى عصائب مع أبي بكر، فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة، قال قتادة: فكنا نحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه...} إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال: هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وخيثمة الاترابلسي في فضائل الصحابة والبيهقي في الدلائل عن الحسن {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال: هم الذين قاتلوا أهل الردة من العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وأصحابه. وأخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال "حديث : لما أنزل الله {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟ قال: بل هذا وقومه، يعني أبا موسى الأشعري ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عياض الأشعري قال: حديث : لما نزلت {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في جمعه لحديث شعبة والبيهقيحديث : {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} فقال النبي صلى الله عليه وسلم"هم قومك يا أبا موسى، أهل اليمن". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال: "هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة، من السكون، ثم من التحبيب" . تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال: هم قوم من أهل اليمن، ثم كندة من السكون. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس {فسوف يأتي الله بقوم} قال: هم أهل القادسية. وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم بن مخيمرة قال: أتيت ابن عمر فرحَّب بي، ثم تلا {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم} ثم ضرب على منكبي وقال: احلف بالله أنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثاً. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {فسوف يأتي الله بقوم} قال: هم قوم سبأ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال: هذا وعيد من عند الله، انه من ارتد منكم سيتبدل بهم خيراً. وفي قوله {أذلة} له قال: رحماء. وأخرج ابن جرير عن قوله {أذلة على المؤمنين} قال: أهل رقة على أهل دينهم {أعزة على الكافرين} قال: أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {أذلة على المؤمنين} قال: رحماء بينهم {أعزة على الكافرين} قال: أشداء عليهم. وفي قوله {يجاهدون في سبيل الله} قال: يسارعون في الحرب. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد طوائف من العرب، فبعث الله أبا بكر في أنصار من أنصار الله، فقاتلهم حتى ردهم إلى الإسلام، فهذا تفسير هذه الآية. قوله تعالى: {ولا يخافون لومة لائم} أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها من كنز تحت العرش، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا، ولا أخاف في الله لومة لائم، وأن لا أسأل الناس شيئاً". وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق إذا رآه وتابعه، فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو أن يذكر بعظيم ". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه يقال فلا يقول فيه مخافة الناس، فيقال: إياي كنت أحق أن تخاف ". تفسير : وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن سهل بن سعد الساعدي قال: "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أنا، وأبو ذر، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، وسادس، على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم، فأما السادس فاستقاله فأقاله". وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الزهري أن عمر بن الخطاب قال: إن وليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال لومة لائم. وأخرج ابن سعد عن أبي ذر قال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقاً. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال "بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة".
ابو السعود
تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} وقرىء (يرتدِدْ) بالفك على لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم، لمّا نهيَ فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى وبـيّن أن موالاتَهم مستدعيةٌ للارتداد عن الدين وفصَّل مصيرَ أمْرِ من يواليهم من المنافقين شَرَع في بـيان حال المرتدين على الإطلاق وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآنُ قبل وقوعِها. (روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فِرقةً، ثلاثٌ في عهد رسولِ الله عليه الصلاة والسلام بنو مدلج ورئيسُهم ذو الخِمار، وهو الأسود العنْسي، كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها عُمّالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذِ بنِ جبلٍ وإلى ساداتِ اليمنِ فأهلكه الله تعالى على يَدَيْ فيروزَ الدَّيْلمي، بـيَّته فقتله، وأخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتلِه ليلةَ قُتل، فسُرَّ به المسلمون وقُبضَ عليه الصلاة والسلام من الغدِ، وأتى خبرُه في آخرِ شهرِ ربـيع الأول، وبنو حنيفةَ قومُ مسيلِمَةَ الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلِمةَ رسولِ الله إلى محمدٍ رسولِ الله أما بعد فإن الأرضَ نصفُها لي ونصفُها لك. فأجاب عليه الصلاة والسلام: «حديث : من محمدٍ رسولِ الله إلى مسيلِمَةَ الكذاب، أما بعد فإن الأرضَ لله يورثُها من يشاء من عباده والعاقبةُ للمتقين»تفسير : فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنودِ المسلمين، وقتل على يدَيْ وحشيَ قاتلِ حمزةَ رضي الله عنه. وكان يقول: قتلتُ في جاهليتي خيرَ الناس وفي إسلامي شرَّ الناس، وبنو أسد قومُ طليحةَ بنِ خويلد، تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه خالدَ بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشامِ فأسلم وحسُنَ إسلامُه، وسبعٌ في عهد أبـي بكر رضي الله عنه فَزارةُ قومُ عيـينةَ بنِ حِصْن، وغطَفانُ قوم قرَّةَ بنِ سلمة القشيري، وبنو سُلَيم قومُ الفُجاءة بنُ عبدِ ياليلَ، وبنو يَرْبوعٍ قومُ مالكِ بنِ نُوَيرة، وبعضُ تميم قومُ سَجاح بنتِ المنذر المتنبّئة، التي زوَّجَتْ نفسها من مسيلِمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب [استغفرْ واستغفري]: [البسيط] شعر : آمتْ سَجاحِ ووالاها مسيلِمةٌ كذابةٌ في بني الدنيا وكذّابُ تفسير : وكِندةُ قومُ الأشعث بن قيس، وبنو بكر بنِ وائل بالبحرَيْن قومُ الحطَمِ بنِ زيد، وكفى الله تعالى أمرَهم على يد أبـي بكر رضي الله عنه، وفِرقة واحدةٌ في عهد عمرَ رضي الله عنه غسانُ قومُ جَبَلةَ بنِ الأيهم نصَّرتْه اللطمة، وسيَّرتْه إلى بلاد الروم وقصتُه مشهورة وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ} جواب الشرط والعائد إلى اسم الشرط محذوفٌ أي فسوف يأتي الله مكانهم بعد إهلاكهم {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} أي يريد بهم خيري الدنيا والآخرة، ومحل الجملة الجرُّ على أنها صفة لقوم، وقوله تعالى: {وَيُحِبُّونَهُ} أي يريدون طاعته ويتحرّزون عن معاصيه، معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها، قيل: هم أهلُ اليمن لما روي أن النبـي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أبـي موسى الأشعري وقال قومُ هذا، وقيل: هم الأنصارُ رضي الله عنهم، وقيل: هم الفرسُ لما روي أنه عليه السلام سئل عنهم فضرب بـيده الكريمة على عاتق سَلمان رضي الله عنه وقال: «هذا وذوُوه» ثم قال: «لو كان الإيمانُ معلقاً بالثريا لنالَه رجالٌ من أبناء فارسَ» وقيل: (هم ألفان من النخَع وخمسةُ آلافٍ من كِندةَ وثلاثةُ آلاف من أفياءِ الناس جاهدوا يوم القادسية). {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} جمع ذليلٍ لا ذلول، فإن جمعه ذُلُلٌ أي أرِقّاءَ رحماءَ متذللين ومتواضعين لهم، واستعماله (بعلى) إما لتضمين معنى العطف والحُنُوّ، أو للتنبـيه على أنهم مع علو طبقتِهم وفضلِهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتَهم، أو لرعاية المقابلة بـينه وبـين على في قوله تعالى: {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي أشداء متغلبـين عليهم من عزّه إذ غلبه كما في قوله عز وعلا: {أية : أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }تفسير : [الفتح، الآية 29] وهما صفتان أُخريان لقومٍ تُرك بـينهما العاطفُ للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما، وفيه دليل على صحة تأخير الصفة الصريحة من الجملة والظرف، كما في قوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } تفسير : [الأنعام، الآية 92, 155] وقوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ }تفسير : [الأنبياء، الآية 2] وقوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ }تفسير : [الشعراء، الآية 5] وما ذهب إليه من لا يجوِّزه من أن قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} كرم معترِضٌ وأن (مبارك) خبرٌ بعد خبر أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وأن (من ربهم) و(من الرحمٰن) حالان مقدمتان من ضمير (محدَثٍ) تكلفٌ لا يخفى، وقرىء (أذلةً) و(أعزةً) بالنصب على الحالية من قوم لتخصصه بالصفة. {يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} صفة أخرى لقومٍ مترتبةٌ على ما قبلها مُبـيِّنةٌ مع ما بعدها لكيفية عزتهم، أو حالٌ من ضميرٍ في (أعزة) {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} عطف على يجاهدون بمعنى أنهم جامعون بـين المجاهدة في سبـيل الله وبـين التصلب في الدين وفيه تعريضٌ بالمنافقين، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءَهم اليهودَ فلا يكادون يعملون شيئاً يلحقهم فيه لومٌ من جهتهم، وقيل: هو حال من فاعل يجاهدون بمعنى أنهم يجاهدون وحالُهم خلافُ حال المنافقين، واعتُرض عليه بأنهم نصُّوا على أن المضارعَ المنفيَّ بلا أو ما كالمُثْبَت في عدم جواز مباشرة واو الحال له واللَّوْمةُ المرةُ من اللوم، وفيها وفي تنكيرِ لائمٍ مبالغة لا تخفىٰ. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف الجليلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتها في الفضل {فَضَّلَ ٱللَّهُ} أي لطفُه وإحسانُه لا أنهم مستقلون في الاتصاف بها {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} إيتاءً إياه ويوفقُه لكسبه وتحصيلِه حسبما تقتضيه الحِكْمةُ والمصلحة {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} كثيرُ الفواضل والألطاف {عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلم بجميع الأشياء التي من جملتها مَنْ هو أهلٌ للفضل والتوفيق، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله، وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية.
التستري
تفسير : قوله: {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}[54] يعني غليظة عليهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} [الآية: 54]. قال أبو بكر الورَّاق: الجهاد ثلاثة: جهاد مع نفسك، وجهاد مع عدوك، وجهاد مع قلبك والجهاد فى سبيل الله هو مجاهدة القلب لئلا تتمكن منه الغفلة بحال، وجهاد النفس لا تفتر عن الطاعة بحال، وجهاد الشيطان أن لا يجد منك فرصة فيأخذ منك بحظه. وقال الجنيد رحمة الله عليه: الناس فى مجاهداتهم ثلاثة نفر مرتبطون بأفعالهم وصفاتهم، يقولون فى القيامة { أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ } تفسير : [الحاقة: 19] و { أية : يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } تفسير : [يس: 26] ونفر غلبت صفات الله على سرائرهم، فهم ينظرون إلى السبق وإلى ما جرى به من الحكم، ونفر تجلى الله لقلوبهم فخشعت عما سواه، فهم لا يدركون صفاتهم وأعمالهم، ولا يدركون صفات الحق انقطاعًا إلى الله واتصالاً به.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. جعل صفة من لا يرتدُّ عن الدين أن اللهَ يحبه ويحبُّ الله، وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يُعْلَمَ أن من كان غير مرتد فإنَّ الله يحبه. وفي إشارة دقيقة فإن من كان مؤمناً يجب أن يكون لله محباً، فإذا لم تكن له محبة فالخطر بصحة إيمانه. وفي الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة الله للعبد. ومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه: إمَّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو بمعنى اللطف والإحسان إليه، والمدح والثناء عليه. أو يقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله. وكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه، والفرق بين المحبة والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعامٍ مخصوصٍ، والرحمة إرادة كل نعمة فتكون المحبةُ أخصَّ من الرحمة، واللفظان يعودان إلى معنًى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد سائر مراداته، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق. وأمَّا محبة العبد لله - سبحانه - فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه، وتحمله تلك الحالة على إيثارِ موافقة أمره، وتَرْكِ حظوظ نفسه، وإيثارِ حقوقه - سبحانه - بكل وجه. وتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد في الوقت الذي يعبَّر عنه؛ فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب، ويقال المحبة ذهاب المُحِبِّ بالكلية في ذكر المحبوب، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه، والمحبة بلاء كل كريم، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى بل أوفى بل أعلى. ويقال المحبة سُكْرٌ لا صحوَ فيه ودَهَشٌ في لقاء المحبوب يوجِب التعطُّلَ عن التمييز، ويقال المحبة بلاء لا يُرْجَى شفاؤه، وسقام لا يعرف دواؤه. ويقال المحبة غريمٌ يلازمك لا يبرح، ورقيبٌ من المحبوب يستوفي له منك دقائقَ الحقوق في دوام الأحوال، ويقال المحبة قضية توجب المحبة؛ فمحبة الحق أوجبت محبة العبد. قوله جلّ ذكره: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. لولا أنه يحبهم لما أحبهم، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنَّى تكون للطينة ذِكْرُ المحبة؟ ثم بيَّن الله تعالى صفة المحبين فقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. يبذلون المُهَجَ في المحبوب من غير كراهة، ويبذلون الأرواح في الذَبِّ عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور. ثم قال تعالى في صفتهم: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعة، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات، ويجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات. ثم قال: {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} أي لا يلاحظون نُصْحَ حميم، ولا يركنون إلى استقلال حكم، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب، ولا يزيغون عن سَنَنِ الوفاء بحالٍ. ثم بيَّن - سبحانه - أن جميع ذلك إليه لا منهم فقال: و {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} متفضِّلٌ عليم بِمَنْ يَخُصَّ بذلك من عبيده.
البقلي
تفسير : {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ان الله تعالى وبخ المفلسين من اهل الردة بان ليس لهم فى محبة الله نصيب بارتدادهم عن الاسلام اخبر انه يجئ بقوم ان الله سحبانه قد احبهم فى الازل وهم عجبته يحبونه وهم وافقون النبى صلى الله عليه وسلم وأله اصحابه بشرط المحبة لان من شرط المحبة الموافقة والطاعة وبين ان من لم يكن مطيعا لكم محبا قال تعالى--- كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله وفى الأية ذكر شرف الصحابة والتابعين من بعدهم وبين تعالى ---- يحب الاولياء بذاته وصفاته فهم يحبون الله بذاتهم وصفاتهم من جيمع الوجوه لان مصدر ----- القدم وليس هناك فعل ومحبة العباد مصدرها قلوبهم وليس هناك فعل واصل المحبة وقع بغير العلة --- الالاء والنعماء والافعال والحركات كان سبحانه احبهم بعلمه فى الازل قبلى ايجادهم باصطفائيه فكانه احب نفسه لان كونهم لم يكن الا بكون وجوده احب ذاته لم يكن الغير فى البين فكان هو المحب وهو بوب وصفته المحبة وهم يجبونه بتجلى الصفة فى قلوبهم وهو مباشرة نور نور محبته فى فوادهم فلما تكحلت عيون ---- بنور محبته فطابت مصدر اصل الصفة فوجدت فشاهدة الازل عيانا بلا حجاب فاحبتها بالمحبة --- التى لا تتحول من مصرف الاصل بدا فاذا كان كذلك فالمحب والمحبوب والمحبة فى عين الجمع واحد وهذا --- قوله سبحانه بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم حيث اخبر عن المحب المتحد المتصف بصفاته قال فى اثناء بث فاذا احببته كنت له سمعاً وبصرا ولساناً ويدا وفى هذا المعنى انشد الحسين بن منصور فقال شعر : انا اهوى ومن اهوى انا نحن روحان حللنا يدنا فاذا بصرتنى ابصرته واذا بصرته ابصرتنا تفسير : قال الواسطى فى هذه ---- كما انه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته لان الهاء راجعة الى الذات دون النعوت والصفات قال السلامى --- حبه لهم احبوه كذلك ذكرهم بفصل ذكره لهم ذكروه وقال الحب شرطه ان يلحقه سكرات المحبة فاذا لم يكن ---يكن فيه حقيقة وقال يوسف بن الحسين المحبة والايثار وانشد فى معناه الحسين بن احمد الرازى --- ابو على الرود بارى لنفسه شعر : سامرت صفو صبابتى اشجانها حرق الهوى وغليلة نيرانها وسالت ---- الصبابة قيل لى ايثار حبك قلت خذ بعنانها كل له وبه ومنه فاين لى وصف فاوثره فطاح لسانها تفسير : --- ارتياح الذات بمشاهدة الذات وقل المحبة هى ان يصير ذات المحبة صفة المحبوب قال الواسطى بطل --- حبه لهم بقوله يحبهم ويحبونه انى يقع صفات المعلولة من الصفات الازلى الابدى وقد وقع الى اشارة --- الله وقع فى الازل ولم يكن هناك وجود الاحباء لانه تعالى لم يكن محتاجا الى رؤيتهم محبته ايهم ولكن لم يكن الاحباء الا بعد ان راوا مشاهدته فثبتت المشاهدة قبل المحبة وثبتت المحبة بعد المشاهدة والمحبة شاهدة من قبل المحبين لم يلكن محبة حقيقة لان محبة الالاء والنعماء وقعت معلولة ولذلك لم يرتدوا عن دينهم الذى هو المحبة من راه عشقه وكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب عشقة وجماله ثم زاد الله فى وصفهم يذكره تواضعهم لاحبائه وغلبتهم على اعدائه بقوله تعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وذكر بدل وجودهم فى طريق محبته بنعت جهادهم اعداءه بالامر بالمعرفون والنهى عن المنكر وقلة مبالاتهم فى الله ملامة الايمان بقوله تعالى {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} وعلق جميل اوصافهم بفضله وسعة رحمته كما انه علق محبتهم عجبته بقوله تعالى {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قال ابو بكر الوراق الجهاد ثلثة جهاد مع نفسك وجهاد مع عدوك وجهاد مع قلبك والجهاد فى سبيل الله مجاهدة القلب لئلا يتمكن منه الغفلة بحال وجهاد النفس ان لاتفتر عن الطاعة بحال وجهاد الشيطان ان لا يجد منك فرصة فياخذ بحظه منك.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} هذا من الكائنات التى اخبر عنها القرآن قبل وقوعها ـ روى ـ انه ارتد عن الاسلام احدى عشرة فرقة ثلاث فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو اسود العنسى كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده حتى اخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل معاذ بن جبل وسادات اليمن فكتب عليه السلام الى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وامرهم ان يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النهوض الى حرب الاسود فقتله فيروز الديلمى على فراشه قال ابن عمر فأتى الخبر النبى عليه السلام من السماء الليلة التى قتل فيها فقال عليه الصلاة والسلام "حديث : "قتل الاسود البارحة قتله رجل مبارك" قيل ومن هو قال "فيروز" " .تفسير : فبشر عليه السلام اصحابه بهلاك الاسود وقبض عليه السلام من الغد واتى خبر مقتل العنسى المدينة فى آخر شهر ربيع الاول وكان ذلك اول فتح جاء ابا بكر رضى الله عنه. والفرقة الثانية من المرتدين بنوا حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان قد تنبأ فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر سنة عشر من الهجرة زعم انه اشرك مع رسول الله فى النبوة و"حديث : كتب الى النبى عليه السلام من مسلمة رسول الله الى محمد رسول الله اما بعد فان الارض نصفها لى ونصفها لك وبعث بذلك الكتاب رجلين من اصحابه فقال لهما رسول الله عليه السلام "لولا ان الرسل لا تقتل لضربت اعناقكما" ثم اجاب "من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب اما بعد فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" " .تفسير : فمرض عليه السلام وتوفى فبعث ابو بكر خالد بن الوليد الى مسيلمة الكذاب فى جيش كثير حتى اهلكه الله على يدى وحشى غلام مطعم بن عدى قاتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديد وكان وحشى يقول قتلت خير الناس فى الجاهلية وشر الناس فى السلام يريد فى جاهليتى واسلامى. والفرقة الثالثة بنوا اسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتد وادعى النبوة فى حياة رسول الله عليه السلام واول من قوتل بعد وفاته عليه السلام من اهل الردة فبعث ابو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد وافلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشام ثم انه اسلم بعد ذلك وحسن اسلامه ثم ان الله تعالى لما قبض نبيه عليه السلام ارتد عامة العرب الا اهل مكة واهل المدينة واهل البحرين من عبد القيس فقال المرتدون اما الصلاة فنصلى واما الزكاة فلا نغصب اموالنا فكلم ابو بكر فى ذلك فقال والله لا افرق بين ما جمع الله تعالى بقوله {أية : وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة} تفسير : [البقرة: 110]. والله لو منعونى عتودا مما ادوا الى رسول الله لقاتلتهم عليه فبعث الله عز وجل عصائب مع ابى بكر رضى الله عنه فقاتل على ما قاتل عليه نبى الله حتى اقروا بالزكاة المفروضة. قال انس بن مالك كرهت الصحابة قتال مانعى الزكاة قالوا هم اهل القبلة فتقلد ابو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على اثره. وقال ابن مسعود رضى الله عنه كرهنا ذلك فى الابتداء ثم حمدناه فى الانتهاء وقيل ما ولد بعد النبيين مولود افضل من ابى بكر لقد قام مقام نبى فى قتال اهل الردة: قال الشيخ العطار فى نعت ابى بكر رضى الله عنه شعر : هرجه بود از باركاه كبريا ريخت در صدر شريف مصطفا آن همه درسينه صديق ريخت لاجرم تابود ازوتحقيق ريخت تفسير : وقال الحسن لولا ما فعل ابو بكر لالحد الناس فى الزكاة الى يوم القيامة. قال فى الاشباه المعتمد فى المذهب عدم الاخذ كرها. قال فى المحيط ومن امتنع عن اداء الزكاة فالساعى لا يأخذ منه كرها ولو أخذ لا يقع المأخوذ عن الزكاة لكونها بلا اختيار ولكن يجبره بالحبس ليؤدى بنفسه {فسوف يأتى الله} مكانهم بعد اهلاكهم {بقوم يحبهم} اى يريد بهم خير الدنيا والآخرة {ويحبونه} اى يريدون اطاعته ويتحرزون عن معاصيه قيل هم اهل اليمن قال عليه السلام "حديث : الايمان يمان والحكمة يمانية " .تفسير : وانما نسب الايمان اليهم اشعارا بكماله فيهم لان من اتصف بشىء وقوى قيامه به نسب ذلك الشىء اليه لا ان يكون فى ذلك نفى له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : الايمان فى اهل الحجاز " .تفسير : ثم ان المراد بذلك الموجودون منهم فى ذلك الزمان لا كل اهل اليمن فى كل الاحيان كذا فى شرح المشارق لابن الملك. وقيل هم الانصار رضى الله عنهم. وقيل هم اهل فارس وفى الحديث "حديث : لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله ابناء فارس " .تفسير : وفيه فضيلة لهذه القبيلة {أذلة على المؤمنين} جمع ذليل اى ارقاء ورحماء متذللين ومتواضعين لهم واستعماله بعلى لتضمين معنى العطف والحنو {أعزة على الكافرين} اى اشداء متغلبين عليهم من عزه اذا غلبه {يجاهدون فى سبيل الله} صفة اخرى لقوم مترتبة على ما قبلها مع ما بعدها لكيفية عزتهم {ولا يخافون لومة لائم} عطف على يجاهدون بمعنى انهم جامعون بين المجاهدة فى سبيل الله وبين التصلب فى الدين. وفيه تعريض بالمنافقين فانهم اذا خرجوا فى جيش المسلمين خافوا اولياءهم اليهود فلا يكادون يعملون شيئاً يلحقهم فيه لوم من جهتهم واللومة المرة من اللوم وفيها وفى تنكير لائم مبالغتان كأنه قيل لا يخافون من شىء من اللومات الواقعة من أى لائم كان فالمبالغة الاولى انتفاء الخوف من جميع اللومات والثانية انتفاء الخوف من جميع اللوام كل ذلك لان النكرة فى سياق النفى تعم {ذلك} اشارة الى ما تقدم من الاوصاف الجليلة التى وصف بها القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة فى سبيل الله وانتفاء خوف اللوم من كل واحد {فضل الله} اى لطفه واحسانه لا انهم مستقلون فى الاتصاف بها {يؤتيه من يشاء} ايتاءه اياه ويوفقه لكسبه وتحصيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة {والله واسع} كثر الفواضل والالطاف {عليم} مبالغ فى العلم بجميع الاشياء التى من جملتها من هو اهل للفضل والتوفيق: قال الحافظ شعر : سكندررا نمى بخشند آبى بزور وزر ميسر نيست اين كار تفسير : واعلم ان من السالكين من يقطع العقبات ويحرق الحجب فى سبعين سنة ومنهم من يقطعها فى عشرين سنة ومنهم من يحصل له فى سنة ومنهم من يقطعها فى شهر بل فى جمعة بل فى ساعة حتى ان منهم من تحصل له فى لحظة بتوفيق خاص وعناية سابقة أما تذكر سحرة فرعون ما كان مدتهم الا لحظة حيث رأوا معجزة موسى قالوا آمنا برب العالمين فابصروا الطريق وقطعوه حقه فصاروا من ساعة الى ساعة بل اقل من العارفين بالله ـ وحكى ـ ان ابراهيم بن ادهم كان على ما كان عليه من امر الدنيا فعدل عن ذلك وقصد الطريق الحق فلم يكن الا مقدار سيره من بلخ الى مرو والروذ حتى صار بحيث اشار الى رجل سقط من القنطرة فى الماء الكثير هنالك ان قف فوقف الرجل مكانه فى الهواء فتخلص. وان رابعة البصرية كانت امة كبيرة يطاف بها فى سوق البصرة لا يرغب فيها احد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فاعتقها فاختارت الطريق الحق فاقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها قراء البصرة وعلماؤها لعظم منزلتها. واما الذى لم تسبق له العناية ولا توجهت له ولم يعامل بالفضل فيوكل الى نفسه فربما يبقى فى شعب من عقبة واحدة من العقبات سبعين سنة ولا يقطعها وكم يصيح وكم يصرخ ما اظلم هذا الطريق واشكله واعسر هذا الامر واعضله. فان قلت لم اختص هذا بالتوفيق الخاص وحرم هذا وكلاهما مشتر كان فى ربقة العبودية فعند هذا السؤال تنادى من سرادق الجلال ان الزم الادب واعرف سر الربوبية وحقيقة العبودية فانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ذلك تقدير العزيز العليم وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم شعر : رضابداده بده وزجبين كره بكشاى كه برمن وتودراختيار نكشادست تفسير : اللهم اجعلنا ممن سبقت له العناية وتقدم فى حقه التوفيق الخاص والهداية آمين يا رب العالمين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من}: شرطية، و {يرتد}: فعل الشرط، فمن قرأه بالتفكيك فعلى الأصل، ومن قرأه بالإدغام ففتحه تخفيفًا. وجملة {فسوف يأتي}: جواب، والعائد من الجملة محذوف، أي: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم...الخ. و {أذلة}: نعت ثاني لقوم، جمع ذليل، وأتى به مع على؛ لتضمنه معنى العطف والحنو، و {لا يخافون}: عطف على يجاهدون، وجملة: {وهم راكعون}: حال إن نزلت في عليّ رضي الله عنه، أو عطف إن كانت عامة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} ويرجع عنه بعد الدخول فيه، فسيأتي الله بقوم مكانهم؛ {يحبهم} فيثبتهم على دينهم، {ويحبونه} فيجاهدون من رجع عن دينه، وهم أهل اليمن، والأظهر أنهم أبو بكر الصدّيق وأصحابه، الذين قاتلوا أهل الردة، ويدل على ذلك الأوصاف التي وصفهم الله بها من الجد في قتالهم، والعزم عليه، التي كانت من أوصاف الصدّيق، وكذلك قوله: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} فقد كان أبو بكر ضعيفًا في نفسه، قويًا في ذات الله، لم يخف في الله لومة لائم، حين لامه بعض الصحابة في قتالهم. وفي الآية إخبار بالغيب قبل وقوعه، فقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: بنو مدلج، وكان رئيسهم الأسود العنسي، تنبأ باليمن، واستولى على بلادهم، ثم قتله فيروز الديلمي، ليلة قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من غدها، وأخبر بموته الرسولُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ فسُر المسلمون. وبنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب، تنبأ باليمامة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمةَ رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجابه صلى الله عليه وسلم: " حديث : من مُحمَّدٍ رَسُول اللهِ إلى مسيلمةَ الكَذَّابِ، أمَّا بَعدُ: فَإنَّ الأرض للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِن عِبَادِهِ والعَاقِبَة للمتّقِين"تفسير : ، فحاربه أبو بكر بجند المسلمين، وقتله وحشي قاتلُ حمزة، وبنو أسد قوم طليحة، تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله، فهرب إلى الشام، ثم أسلم وحسن إسلامه. وفي عهد أبي بكر، بنو فزارة قومِ عُيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن مسلمة، وبنو سليم، وبنو يربوع قوم مالك بن نَويرة، وبعض تميم، قوم سَجَاح المتنبئة زوجة مسيلمة، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين، فكفى الله أمرهم على يديه. وفي مدة عمر رضي الله عنه غسان، قوم جبلة بن الأيهم، الذي ارتد من اللطمة. فهؤلاء جملة مَن ارتد من العرب. فأتى الله بقوم أحبهم وأحبوه، فجاهدوهم حتى ردوهم إلى دينهم. ومحبة الله للعبد: توفيقه وعصمته وتقريبه من حضرته. ومحبة العبد لله: طاعته والتحرز من معصيته، وسيأتي في الإشارة الكلام عليها. ثم وصفهم بقوله: {أذلة على المؤمنين} أي: عاطفين عليهم خافضين جناحهم لهم، {أعزة على الكافرين} شداد متغالبين عليهم، وهذا كقوله فيهم: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفَتْح:29]، {يجاهدون في سبيل الله} من ارتد عن دين الله، {ولا يخافون لومة لائم} لصلابتهم في دين الله، وفيه إشارة إلى خطأ من لام الصِّدِّيق في قتال أهل الردة، وقالوا كيف تقاتل قومًا يقولون: لا إله إلا الله؟ فقال: ( والله لنقاتلن مَن فَّرق بين الصلاة والزكاة) ـ فلم يلتفت إلى لومهم. {ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء}، الإشارة إلى ما خصهم الله به، من المحبة والأخلاق الكريمة، {والله واسع} الفضل والعطاء {عليم} بمن هو أهله. ولمّا نهى عن موالاة الكفار ذكر من هو أهل للموالاة فقال: {إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا}؛ لم يقل: أولياؤكم بالجمع، تنبيهًا على أن الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على التبع، ثم وصفهم بقوله: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي: خاضعون لله، ولعباده متواضعون، منقادون لأحكامه، أو يتصدقون في حال ركوعهم في الصلاة، حرصًا على الخير ومسارعة إليه، قيل: نزلت في علي ـ كرم الله وجهه ـ؛ سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فطَرح له خاتمه، وقيل: عامة، وذكر الركوع بعد الصلاة؛ لأنه من أشرف أعمالها. {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا}، أي يتخذهم أولياء، {فإن حزب الله هم الغالبون} أي: فإنهم الغالبون، ووضع الظاهر موضع المضمر ليكون كالبرهان عليه، فكأنه قال: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، وتنويهًا بذكرهم وتعظيمًا لشأنهم، وتعريضًا بمن يوالي غير هؤلاء. فإنه حزب الشيطان، وأصل الحزب: القوم يجتمعون لأمر حَزَبَهُم. قاله البيضاوي. الإشارة: محبة الحقّ تعالى لعبده سابقة على محبته له، كما أن توبته عليه سابقة لتوبته، قال تعالى: {يحبهم ويحبونه}، {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } تفسير : [التّوبَة:118]، قال أبو يزيد رضي الله عنه: غلطت في ابتداء أمري في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه، فلما انتهيت، رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي من قبل طلبي له. هـ. وفي الحِكَم: " أنت الذاكر من قبل الذاكرين، وأنت البادىء بالإحسان من قبل توجه العابدين، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين، وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين". ومحبة الله لعبده: حفظه ورعايته، وتقريبه واصطفاؤه لحضرته، وقال القطب بن مشيش ـ رضي الله عنه ـ: المحبة أخذة من الله قلبَ من أحب، بما يكشف له من نور جماله، وقدس كمال جلاله، وشراب المحبة: مزج الأوصاف بالأوصاف، والأخلاق بالأخلاق، والأنوار بالأنوار، والأسماء بالأسماء، والنعت بالنعوت، والأفعال بالأفعال. قلت: ومعنى ذلك: غيبة العبد في شهود الحق، وهو مقام الفناء، ثم قال رضي الله عنه: والشراب ـ أي: الشرب ـ سقي القلوب والأوصال والعروق من هذا الشراب، حتى يسكر، ويكون الشرب بالتدريب بعد التدريب والتهذيب، أي يكون شرب الخمرة شيئًا فشيئًا، ووقتًا فوقتًا، حتى يتمكن من شهود المعاني بلا فترة، فذلك الرّي، وذلك بعد كمال التهذيب، فيسقى كل على قدره، فمنهم من يسقي بغير واسطة، والله سبحانه يتولى ذلك منه، ( قلت: وهو نادر، والغالب عليه الانحراف)، ومنهم من يسقي من جهة الوسائط، كالملائكة والعلماء والأكابر من المقربين، ( قلت: قوله: كالملائكة... تمثيل للوسائط، فالملائكة؛ للأنبياء، والعلماء بالله وأكابر المقربين لغيرهم)، ثم قال: فمنهم من يسكر بشهود الكأس، ولو لم يذق بعدُ شيئًا، فما ظنك بعدُ بالذوق، وبعدُ بالشرب، وبعدُ بالري، وبعدُ بالسكر بالمشروب؟! ثم الصحو بعد ذلك على مقادير شتى، كما أن السكر أيضًا كذلك. انظر بقية كلامه مع شرحه في شرحنا لخمرية ابن الفارض. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: المحبة لها ثلاث مراتب: بداية ووسط ونهاية؛ فبدايتها لأهل الخدمة، كالعباد والزهاد والصالحين والعلماء المجتهدين. ووسطها لأهل الأحوال، الذين غلب عليهم الشوق حتى صدرت منهم شطحات ورقصات وأحوال غريبة ربما ينكرها أهل ظاهر الشريعة، فمنهم من يغلب عليه الجذب حتى يصطلم، ومنهم من يبقى معه شيء من الصحو، وهؤلاء تظهر عليهم كرامات وخوارق العادات، ونهايتها لأهل العرفان، أهل مقام الشهود والعيان، الذين شربوها من يد الوسائط وسكروا بها، وصحوا. هـ. بالمعنى. وفي الورتجبي ما حاصله: أن محبتهم بعد المشاهدة، وإلا لم تكن محبة حقيقة؛ لان محبة الآلاء والنعماء معلولة، ولا كذلك هذه، لأن من رآه عشقه، وكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب بعشقه لجماله؟ ولذلك لم يرتدوا عن دينهم الذي هو المحبة. هـ. وللمحبة علامات وثمرات، ذكر بعضَها الحق تعالى بقوله: {أذلة على المؤمنين} أي: متواضعين عاطفين عليهم، {أعزة على الكافرين}، أي: القواطع، غالبين عليهم، {يجاهدون في سبيل الله} أي: أنفسهم وأهواءهم، {ولا يخافون لومة لائم}؛ إذ لا يراقبون سوى المحبوب، وليس للمحبة طريق إلا محض الفضل والكرم. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}؛ لكن صحبة المحبوبين عند الله من أسبابها العادية، وهم أولياء الله الذين هم حزب الله، فولايتهم والقرب منهم من أسباب القرب والمحبة، ومن موجبات النظر والغلبة؛ {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}. ثم نهى عن صحبة ضدهم، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وأهل المدينة "يرتدد" بدالين، وبه قرأ ابن عامر، وكذلك هو في مصاحفهم. الباقون بدال واحدة مشددة، وكذلك هو في مصاحفهم. من أظهر ولم يدغم قال: لأن الحرف المدغم لا يكون إِلا ساكناً ولا يمكن الادغام في الحرف الذي يدغم حتى يسكن، لان اللسان يرتفع عن المدغم والمدغم فيه ارتفاعة واحدة، فاذا لم يسكن لم يرتفع اللسان ارتفاعة واحدة، واذا لم يرتفع كذلك لم يمكن الادغام، فاذا كان كذلك لم يسغ الادغام في الساكن لأن المدغم إِذا كان ساكناً والمدغم فيه كذلك التقى ساكنان، والتقاء الساكنين في الوصل في هذا النحو ليس من كلامهم فأظهر الحرف الاول في حركة وأسكن الثاني من المثلين، وهذه لغة أهل الحجاز، فلم يلتق الساكنان. وحجة من أدغم أنه لما اسكن الحرف الاول من المثلين للادغام لم يمكنه أن يدغمه في الثاني والثاني ساكن فحرك المدغم فيه لالتقاء الساكنين وهذه لغة بني تميم. وفي القرآن نظيره قال الله تعالى: {أية : ومن يشاقق الرسول}تفسير : وقال: {أية : ومن يشاقق الله ورسوله}. تفسير : واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقول: فقال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج إِنها نزلت في ابي بكر. الثاني - قال السدي: نزلت في الانصار. الثالث - قال مجاهد: نزلت في أهل اليمن، وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) واختاره الطبري لمكان الرواية. وروي أنهم قوم أبي موسى الأشعري. وكانت وفودهم قد أتت أيام عمر، وكان لهم في نصرة الاسلام أثر. وقال أبو جعفر وأبوعبد الله (ع) وروي ذلك عن عمار وحذيفة، وابن عباس: أنها نزلت في أهل البصرة ومن قاتل علياً (ع) فروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: يوم البصرة "والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم" وتلا هذه الآية. ومثل ذلك روى حذيفة، وعمار وغيرهما. والذي يقوي هذا التأويل أن الله تعالى وصف من عناه بالآية بأوصاف وجدنا أمير المؤمنين (ع) مستكملا لها بالاجماع، لأنه قال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين} وقد شهد النبي (صلى الله عليه وسلم) لأمير المؤمنين (ع) بما يوافق لفظ الآية في قوله وقد ندبه لفتح خيبر بعد فرار من فرعنها واحداً بعد واحد (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه) فدفعها الى أمير المؤمنين، فكان من ظفره ما وافق خبر الرسول (صلى الله عليه وسلم). ثم قال {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} فوصف من عناه بالتواضع للمؤمنين والرفق بهم، والعزة على الكافرين. والعزيز على الكافرين هو الممتنع من أن ينالوه مع شدة نكايته فيهم ووطأته عليهم، وهذه أوصاف أمير المؤمنين (ع) التي لا يدانى فيها ولا يقارب. ثم قال {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فوصف - جل اسمه - من عنا بهذا الجهاد وبما يقتضي الغلية فيه، وقد علمنا أن أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين رجلين: رجلاً لا عناء له في الحرب ولا جهاد. والآخر له جهاد وعناء، ونحن نعلم قصور كل مجاهد عن منزلة أمير المؤمنين (ع) في الجهاد، فانهم مع علو منزلتهم في الشجاعة وصدق البأس لا يلحقون منزلته ولا يقاربون رتبته لانه عليه السلام المعروف بتفريج الغمم، وكشف الكرب عن وجه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي لم يحم قط عن قرن، ولا نكص عن هول، ولا ولىَّ الدبر، وهذه حالة لم تسلم لأحد قبله ولا بعده فكان (ع) بالاختصاص بالآية أولى لمطابقة أوصافه لمعناها. فاما من قال أنها نزلت في أبي بكر فقوله بعيد من الصواب، لأنه تعالى إِذا كان وصف من أراده بالآية بالعزة على الكافرين وبالجهاد في سبيله مع اطراح خوف اللوم كيف يجوز أن يظن عاقل توجه الآية الى من لم يكن له حظ في ذلك الموقف لأن المعلوم أن أبا بكر لم يكن له نكاية في المشركين، ولا قتيل في الاسلام، ولا وقف في شئ من حروب النبي (صلى الله عليه وسلم) موقف أهل البأس والفناء، بل كان الفرار شيمته، والهرب ديدنه، وقد انهزم عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في مقام بعد مقام، فانهزم يوم أحد ويوم حنين، وغير ذلك، فكيف يوصف بالجهاد في سبيل الله - على ما يوصف في الآية - من لا جهاد له جملة. وهل العدول بالآية عن أمير المؤمنين (ع) مع العلم الحاصل بموافقة أوصافه لها الى غيره إِلا عصبية ظاهرة. ولم يذكر هذا طعناً على أبي بكر (رضى الله عنه) ولا قدحاً فيه، لان اعتقادنا فيه أجمل شئ، بل قلنا أليس في الآية دلالة على ما قال. ومعنى {أذلة على المؤمنين} أي أهل لين ورقة {أعزة على الكافرين} أي أهل جفاة وغلظة. والذل بكسر الذال غير الذل بضمها، لأن الأول اللين والانقياد والثاني الهوان والاستخفاف. وروي عن علي (ع) وابن عباس (رحمة الله عليه) أن معنى {أذلة} أهل رحمة ورقة. ومعنى {أعزة} أهل غلظة وشدة. وقال الاعمش "أذلة" يعني ضعفاء. ومحبة الله تعالى لخلقه إِرادة ثوابهم وإِكرامهم وإِجلالهم. ومحبتهم له إِرادتهم لشكره وطاعته وتعظيمه. والارتداد - عندنا - على ضربين: مرتد عن فطرة الاسلام، فانه يجب قتله ولا يستتاب، ويقسم ماله بين ورثته وتعتد منه زوجته عدة الوفاة من يوم إِرتداده. والآخر من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب، فان تاب وإلا وجب عليه القتل، فان لحق بدار الحرب. اعتدت منه زوجته عدة الطلاق، فان رجع الى الاسلام في زمان العدة كان أملك بها، وإن لم يرجع وانقضت العدة فقد ملكت نفسها، ولا سبيل له عليها وإِن رجع فيما بعد. وأما المرأة فانها تستتاب على كل حال، فان تابت وإِلا حبست حتى تموت. وفي ذلك خلاف قد بيناه في مسائل الخلاف، فأما من يعتقد الجبر والتشبيه وأزلية صفات قديمة معه تعالى فهو كافر بلا خلاف بين أهل العدل. واختلفوا فمنهم من قال حكمه حكم المرتد يستتاب فان تاب وإِلا قتل. ومنهم من قال يستتاب ولا يقتل لانه لم يخرج عن الملة لاقراره بالشهادتين. وقوله {يجاهدون في سبيل الله} صفة للقوم الذين وعد الله أن يأتي بهم إِن ارتدوا. وقوله {ولا يخافون لومة لائم} أي لا يخشون لوم أحد وعذله ولا يصدهم ذلك عن العمل بما أمرهم الله به وذلك اشارة الى هذا النعت الذي نعتهم به {ذلك فضل الله} أي ذلك فضل من الله وتيسر منه ولطف منه، ومنة من جهته {والله واسع عليم} يعني جواد على من يجود به عليه لا يخاف نفاد ما عنده {عليم} بموضع جوده وعطائه ولا يبذله الا لمن تقتضي الحكمة إِعطاؤه.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} فلن يضرّ دين الله شيئاً {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} والمقصود الارتداد عن قول محمّد (ص) فى ولاية علىّ والمراد بقومٍ يحبّهم اصحاب علىّ (ع) فانّ هذا الوصف لهم مأخوذ من سيّدهم علىّ (ع) لقول النّبىّ (ص) فى خيبر: "حديث : لاعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله"تفسير : ، ولا خلاف انّ الرّجل كان عليّاً (ع) ولمّا كانت الآية جارية الى يوم القيامة فكلّ من اصحاب الائمّة (ع) داخل تحتها الى المهدىّ عجّل الله فرجه، وقد فسّرت بعلىّ (ع) واصحابه وباصحاب علىّ (ع) وقال علىّ (ع) يوم الجمل: والله ما قوتل اهل هذه الآية حتّى اليوم، وعن الصّادق (ع): هم امير المؤمنين واصحابه حين قاتل من قاتله من النّاكثين والقاسطين والمارقين {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} من الّذلّ بالكسر بمعنى اللّين او من الّذلّ بالضمّ بمعنى الهوان بمعنى انّهم يعدّون انفسهم اذلاّء عند المؤمنين بتحقير انفسهم وتبجيل المؤمنين لانّ المؤمنين يعدّونهم اذلاّء {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} غلاظ شداد والمقصود انّهم ذو مناعةٍ وعزّةٍ على الكافرين لا يعدّونهم فى شيءٍ {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لا فى سبيل النّفس والشّيطان {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} فيما يفعلون بأمر الله يعنى انّهم ناظرون الى أمر الله لا الى مدح مادحٍ ولوم لائمٍ {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} الاتيان باسم الاشارة البعيدة غاية تعظيم لما ذكر لهم من الصّفات وكذا اضافة الفضل الى الله.
فرات الكوفي
تفسير : {فَسَوْفَ يَأتي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبّونَه54} فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه} قال: علي وشيعته.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ}: وقرىء عن نافع، وابن عامر يرتد بالادغام والضم وهو مجزوم منع من ظهور سكونه حركة التخلص من التقاء الساكنين، وكانت ضمة لأنها حركته قبل الجازم. {مِنكُمْ عَن دِينهِ}: وهو دين الاسلام، علم الله أن أقواماً يرتدون فأخبر بهم رسوله صلى لله عليه وسلم فوقع الأمر فى زمانه وبعده كذلك، وغلبهم المسلمون والحمد لله، وذلك معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: كان أهل الردة احدى عشرة فرقة، ثلاث فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بنو مذحج ورئيسهم ذو الحمار وهو الأسود العنسى، وبنو أسد قوم طلحة بن خويلد ورئيسهم طلحة، هذا ثم أسلم، وبنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة. كان الأسود العنسى كاهناً باليمن وتنبأ فيه واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى معاذ بن جبل، والى سادات اليمن، فأهلكه الله على يدى فيروز الديلمى بيته فقتله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل، فسر المسلمون، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد، وأتى خبره فى آخر شهر ربيع الأول. قال فى الأنوار فى أيات النبى المختار، قال السهيلى: وأما الأسود ابن كعب العنسى، وعنس من مذحج، فاتبعته قبائل من مذحج واليمن على أمره، وغلب على صنعاء، كان يقال له ذو الحمار، ويلقب عيهلة، وكان يدعى فى كذبه لعنه الله أن سحيقاً وشريقاً يأتيه بالوحى فى زعمه، ويقول هما ملكان يتكلمان على لسانى فى خدع كثيرة يزخرفها، قتله فيروز الديلمى، وقيس بن مكسوح، ورجل من الأنباء دخلوا عليه من سرب صنعته له امرأة كان قد غلب عليها من الأنباء، فوجدوه سكراناً لا يعقل من الخمر، فخبطوه بأسيافهم وهم يقولون: ضل نبى مات وهو سكران: شعر : والناس تلقى جهلم كالدبان النور والنار لديهم سيان تفسير : ذكره الدولابى، وزاد ابن اسحاق فى رواية يونس: أن امرأته سقته البنج فى شرابه تلك الليلة، وهى احتفرت السرب للدخول عليه، وكان اغتصبها لأنها كانت من أجمل النساء، وكانت مسلمة صالحة، وكانت تحدث أنه لا يغتسل من جنابته، واسمها المرارية قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : مسيلمة والأسود رأيت فى النوم سوارين من ذهب فى يدى فكبرا على وأهمانى ضيقاً فأوحى الى أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسى ". حديث : وقدم وفد بنى حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم بضعة عشر رجلا نزلوا فى دار رمدة بنت الحارث، وكانت داراً واسعة فيها أبيار يتوضأ منها، ويشرب منها، فنزلوا فيها، فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن وفد بنى حنيفة قدموا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بضيافة تجرى عليهم يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحماً، ومرة خبزاً ولبنا، ومرة خبزاً وسمناً، ومرة تمراً ينتزلهم فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد، فسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا، وخلفوا مسيلمة الكذاب فى رحالهم يحفظها، ولما أرادو الرجوع الى بلادهم أمر لهم النبى صلى الله عليه وسلم بجوائز فأمر لهم بخمس أواق لكل رجل منهم، فقالوا: يا رسول الله انا خلفنا صاحباً لنا فى رحالنا وركبنا يحفظها لنا، فأمر له النبى صلى الله عليه وسلم مثل ما أمر لواحد منهم، وقال صلى الله عليه وسلم: بشركم مكاناً أى ليس لحفظه رجالكم وركابكم، فقال مسيلمة: اسمعوا ما يقول محمد عرف أن الأمر لى من بعده، فقال القوم: ايته فسلم عليه، فقال: لا أفعل الا أن يجعل لى الأمر من بعده. فبلغ رسول الله صلى الله عليه سلم ذلك، فجاء صلى الله عليه وسلم وهو معتمد على ثابت بن قيس وقال: "ما مقالة بلغتنى عنك؟" وأخبره بالذى قال، فسكت مسيلمة ونكس رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أقبلت ليغفرن الله لك، وان أدبرت ليقطعن الله دابرك" تفسير : وقطع الله دابره على يد خالد بن الوليد والصحابة. ولما انتهو الى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وقال: انى قد أشركت فى الأمر معه، وجعل يسجع لهم سجعات يضاهى القرآن. منها: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا، وأحل لهم الخمر لعنه الله، ووضع عنهم، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبى. ومنها: يا ضفدع نقى ما تنقين أعلاك فى الماء وأسفلك فى الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين. ومنها قوله: والباذرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات نضجاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، فالثاردات ثرداً، فاللاقمات لقماً. ومنها قوله: تفكروا نعمة الله عليكم، واشكروها أن جعل لكم الشمس سراجاً، وجعل لكم فى الأرض انهاراً ودجاجا، وكباشا ونعاجا، وفضة وزجاجا، وذهبا وديباجا، وأخرج لكم من الأرض رماناً وعنباً، وريحانا ورطبا، وثمراً وأباً. ومنها قوله: لقد من الله على الحبلى اذا أخرج منها نسمة تسعى، وما بين فرث وحشا، فمنهم من يموت ويدرس فى الثرى، ومنهم من يعيش ويبقى الى أجل ومنتهى، والله يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه الآخرة والأولى. ومنها قوله: والشمس وضحاها، فى ضوئها ومنجلاها، والليل اذا غدا يطلبها ليغشاها، فأدركها حتى أتاها، فأطفأ نورها ومحاها. ومنها قوله: الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، وخرطوم طويل، وان ذلك من خلق ربنا لقليل. وغير ذلك مما ظهر به ركة كلامه، وعجزه ويصير به ضحكة، وهو أول من أدخل البيضة فى الزجاجة، وذلك أنه غمسها فى الخل فتطاولت ورقت، فأدخلها ثم صب عليها ماء بارداً فعادت كما كانت، وأول من وصل الطائر المقصوص، وكانت آياته منكوسة، تفل فى بئر قوم سألوه ذلك تبركاً بزعمهم فملح ماؤها وليكثر فغار، ومسح رأس صبى فقرع قرعاً مستطيراً، ودعا لرجل فى ابنين له بالبركة قال: مالى سواهما أحدهما له عشر سنين والآخر ولد أمس، فقال: نعم فجعل للمولود أربعين سنة فرجع الى منزله فوجد أحدهم قد سقط فى البئر وهو الكبير، والآخر قد أكله الذئب وهو ينازع الموت، ومسح عينى رجل يستشفى بمسحه فعمى. وذكر الزهرى: أن مسيلمة تسمى بالرحمن قبل مولد عبد الله أبى النبى صلى الله عليه وسلم، وقتل يوم اليمامة وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأسلم ثمامة بن أثال من قومه وحسن اسلامه، ونفع الله به الاسلام، وقام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً حميداً حين ارتدت اليمامة بمسيلمة الكذاب، وذلك أنه قام خطيباً وقال: يا بنى حنيفة أين عزبت قلوبكم {أية : بسم الله الرحم الرحيم * حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول لا إله الا هو اليه المصير }تفسير : يا بنى حنيفة أين هذا من يا ضفدع نقى ما تنقين، لا الشراب تكدرين ولا الماء تمنعين، فأطاعه منهم ثلاثة آلاف، وانحازوا الى المسلمين فعمت ذلك فى أعضاد حنيفة. قال أبو عمر بن عبد البر: اسم مسيلمة هارون، قال عبد الله بن عمر الصنهاجى، واسم أبيه حبيب الحنفى، ويكنى أبا ثمامة، وسمع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يدعو الناس الى الله عز وجل، فبعث من يخبره بأحواله والوحى، فصار ينقل اليه ما نزل من القرآن ويقول: جبريل يأتينى بذلك، وهو ما مر من سجعة يحاكى به القرآن، وكان يتكهن، حديث : وأرسل مسيلمة رسولين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟ قالا: نعم. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما . تفسير : وكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله الى محمد رسوله الله، سلام عليك أما بعد فانى قد أشركت فى الأمر معك، فلنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً يتعدون. فكتب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فأخفى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه وصل كتابه بالشركة فى الأمر، وزور فى ذلك كتاباً عن النبى صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الى أصحابه، وكان أصفر اللون. وصفاته عكس صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعت امرأة من قومه النبوة أيضاً واسمها سجاح، وهى من بنى تميم أجمع قومها أنها نبية، وحطت عن قومها صلاة العصر، واتخذت مؤذناً وحاجباً ومنبراً وفيها يقول عطارد بن حاجب بن زراره: شعر : أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الله ذكرانا تفسير : ثم انها رحلت تريد حرب مسيلمة مع قومها، يقولون: ان لها النبوة، ولما قدمت عليه خلا بها قيل: ووطئها وقيل تزوجها، وقال: تعالى لنتدارس النبوة، فقالت: قد انصرفت، قيل اشتركا ولما قتل خالد بن الوليد مسيلمة أخذ سجاح فأسلمت قال ثمامة: شعر : مسيلمة ارجع ولا تضحك فانك فى الأمر لم تشرك ومناك قومك أن يمنعو ك وأن يأتهم خالد تترك فمالك من مصعد فى السماء ولا لك فى الأرض من مسلك تفسير : ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدعت العرب، وارتد بنو حنيفة، وتبعت مسيلمة، وتفاقم أمره، فهم ذلك أبا بكر رضى الله عنه، فاستعجل أمره فوجه اليه خالد بن الوليد المخزومى فيمن شاء الله من المسلمين فاقتتلوا، وقتل من المسلمين ألف ومائتان فيهم من القراء سبعمائة، وقتل يومئذ زيد بن الخطاب، وهزم البراء بن مالك على أصحاب مسيلمة، فانكشفوا وتبعهم المسلمون حتى دخلوا حديقة، فأغلق أصحاب مسيلمة بابها على أنفسهم وعالج البراء نفسه حتى ألقى نفسه عليها فى الحديقة، وفتح الباب للمسلمين فدخلوا، وقتلوا مسيلمة وأصحابه، قيل: قتلوا من المشركين عشرة آلاف وسميت بذلك حديقة الموت. قيل: قتل مسيلمة وحشى، وكان يقول: قتلت خير الناس فى الجاهلية يعنى جاهلية نفسه قبل أن يسلم قتل حمزة رضى الله عنه، وقتلت شر الناس فى الاسلام يعنى مسيلمة. وأما بنو أسد قوم طلحة بن خويلد فانهم اتبعوا طلحة حين ارتد وتنبأ، فبعث اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فانهزموا بعد القتال الى الشام، ثم أسلم وحسن اسلامه فى خلافة عمر رضى الله عنه، ثم زل بقتال المسلمين بعد عمر. وذلك أنه لما برز شرحبيل بن حسنة كتاب وحى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موت الرومى لعنه الله، وفى وقعة قيسارية من الشام، وكان فى العراك، نزل المطر كأفواه القرب، فنزلا عن فرسيهما، وجعل يتصارعان فى وسط الطين، واستوى قيدمون على صدر شرحبيل، وهم أن ينحره فناد شرحبيل يا غياث المستغيثين، فما استتم كلامه حتى خرج اليه فارس من الروم عليه لأمة مذهبة، ومن تحته جواد من عتاق الخيل، فقصد موضعها، فظن قيدمون أنه انما خرج ليعطيه جواده ويعينه، فلما قرب منهما ترجل ومال على البطريق فجره برجليه عن صدر شرحبيل، وقال: يا عبد الله قد أتاك الغوث من غياث المغيثين، فوثب شرحبيل قائماً ينظر اليه متعجباً من قوله وفعله، وكان الفارس متلثماً، ثم جرد سيفه وضرب قيدمون ضربة قطع رأسه، وقال: يا عبد الله خذ سلبه، فقال شرحبيل: والله ما رأيت أعجب من أمرك، وانى رأيتك جئت من عسكر الروم ! فقال: له أنا الشقى المبعد أنا طلحة بن خويلد الذى ادعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذب على الله وزعم أن الوحى كان ينزل عليه من السماء، فقال له شرحبيل: يا أخى ان رحمة الله قريب من المحسنين، وقد وسعت رحمته كل شىء، ومن تاب وأقلع وأناب قبل الله توبته، وغفر له ما كان منه، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : التوبة تمحو ما قبلها "تفسير : أما علمت يا ابن خويلد أن الله سبحانه وتعالى لما أنزل على نبيه صل الله عليه وسلم: {أية : ورحمتى وسعت كل شىء } تفسير : طمع فيها كل شىء حتى ابليس، فلما نزل: {أية : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة }تفسير : قالت اليهود: نحن نؤتى الزكاة ونتصدق، لما نزل قوله تعالى: {أية : والذين هم بآياتنا يؤمنون }تفسير : قالت اليهود: ونحن نؤمن بما أنزل الله فى الصحف والتوراة، فأراد الله أن يعلمهم أنها خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : الذين يتبعون الرسول النبى الأمى }. تفسير : فقال طلحة بن خويلد: ما لى وجه أرجع به الى الاسلام، وهم أن يسير على وجهه ومنعه شرحبيل وقال له: يا طلحة لست أدعك تمضى، بل ترجع معى الى العسكر، قال: ما يمنعنى من المسير معك الا الفظ الغليظ خالد بن الوليد، وانى أخاف أن يقتلنى، فقال: يا أخى انه ليس معنا، وهذا الجيش لعمرو بن العاص، فرجع معى فلما قربنا من المسلمين تبادروا الينا: يا شرحبيل ما هذا الرجل الذى معك، فلقد صنع معك جميلا، قال: أو لم تعرفوه، لأنه كان متلثما بفاضل عمامته، فقلت: هذا طلحة بن خويلد الذى ادعى النبوة، فقالوا: أو تاب ورجع الى الله؟ فقال: أنا تائب لله سبحانه وتعالى، قال شرحبيل: فأتيت به الى عمرو بن العاص فسلم، وبش فى وجهه، ورحب به. قال: حدثنا حسان بن عمرو الربيعى، عن جده، أن طلحة بن خويلد لما ادعى النبوة، وجرى له ما جرى من الحرب مع خالد بن الوليد، وسمع أن خالداً قتل مسيلمة الكذاب، وقتل الأسود العنسى أيضاً، لأنه قال: انه نبى، فخاف طلحة على نفسه من خالد، فهرب بالليل ومعه زوجته الى الشام، واستجار برجل من كلب فأجاره الكلبى، وأنزله فى داره، وكان الكلبى مؤمناً، وبقى عنده مدة أيام الى أن استجره عن خالد فحدثه طلحة بجميع أحواله مع خالد بن الوليد ووقائعه معه، وكيف ادعى النبوة، فغضب الكلبى لكلامه وطرده من جواره، فأقام بالشام وقد تاب من أمره، فلما بلغه أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قد قبض قال: ذهب من جردت السيف فى وجهه، فمن ولى بعده؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: الفظ الغليظ وهاب أن يمضى اليه، وفزع من خالد بن الوليد أن يراه بالشام فيقتله، فقصد قيسارية ليركب الى جزيرة. ولما رأى جيش فلسطين قد خرج الى قتال العرب قال: أسير مع هذا الجيش، فلعل أنكب نكبة أغسل بها شيئاً من أوزارى، وتكون لى قربة الى الله عز وجل والى المسلمين، ولما نظر شرحبيل فى عين الهلكة قال: لا صبر لى عنه، فخرج واستنقذه كما ذكرناه، ولما وقف بين يدى عمرو بن العاص شكره وبشره بقبول التوبة، فقال: يا عمرو انى أخاف من خالد بن الوليد أن يرانى بالشام فيقتلنى، فقال عمرو: فانى أشير اليك بشىء تصنعه وتأمن به على نفسك فى الدنيا والآخرة، قال: وما هو؟ قال أكتب معك كتاباً بما صنعت وشهادة المسلمين فيه، وتنطلق به الى عمر بن الخطاب وتدفعه اليه، وأظهر التوبة فانه يقبلها وسيندبك الى الفتوح وقتال الروم، فتمحو عنك ما سلف من خطاياك. فأجابه طلحة الى ذلك، فكتب له عمرو كتاباً الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه بما صنع، وأخذه طلحة ومشى به الى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجد عمر فى المدينة، وقيل له: هو بمكة فمضى حتى وردها، فوجد عمر متعلقاً بأستار الكعبة، فتعلق معه وقال: يا أمير المؤمنين انى تائب الى الله عز وجل، ورب هذا البيت مما كان منى، قال عمر: من أنت؟ قال: أنا طلحة بن خويلد، فنفر عمر عنه وقال: يا ويلك ان أنا عفوت عنك فكيف الأمر غداً بين يدى الله عز وجل بدم عكاشة بن محصن الأسدى؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين عكاشة رجل أسعده الله على يدى، وشقيت أنا بسببه، وأرجو أن يغفر الله لى بما عملته، فأخرج له كتاب عمرو بن العاص، فلما قرأه عمر وفهم ما فيه فرح به وقال: أبشر فان الله غفور رحيم، فأمره عمر أن يقيم بمكة حتى يرجع الى المدينة، فأقام معه أياماً فلما رجع عمر الى المدينة توجه به الى قتال أهل فارس، والله أعلم. وسبع فرق ارتدوا على عهد أبى بكر رضى الله عنه: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم سلمة بن قرة القشيرى، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة، التى زوجت نفسها مسيلمة الكذاب ومر ذكرها، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحكم بن زيد، وكفى الله أمرهم على يدى أبى بكر. وفرقة واحدة فى عهد عمر رضى الله عنه: قوم جبلة بن الأيهم، لما كان أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه فى بلاد الشام ليفتحه من جهة أبى بكر، ثم من جهة عمر رضى الله عنهما، سار يطلب فتح بعلبك، فأشرف عليه راكب نجيب، فاذا هو بأسامة بن زيد الطائى فقال: يا أسامة من أين أقبلت؟ فأناخ نجيبه وسلم على أبى عبيدة رضى الله عنه وعلى المسلمين، وقال: أتيت من المدينة، وسلم اليه كتاباً من عمر بن الخطاب ورضى الله عنه، ففضه أبو عبيدة، واذا فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسم الله الرحمن الرحمن من عبد الله أمير المؤمنين، الى أمين الأمة، سلام عليك فانى أحمد الله الذى لا إله إلا هو، وأصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم. أما بعد: فلا مرد لقضائه وقدره، ومن كتب فى اللوح المحفوظ كافراً فلا ايمان له، وذلك أن جبلة بن الأيهم الغسانى، كان قدم ببنى عمه وسراة قومه، فأنزلتهم وأحسنت اليهم، وأسلموا على يدى، وفرحت بذلك اذ شد الله عضد الاسلام والمسلمين بهم، ولم أعلم ما كمن فى الغيب، وأنا سرنا الى مكة حرسها الله وعظمها، نطلب الحج، فطاف جبلة بالبيت أسبوعاً، فوطىء الرجل من فزارة ازاره فسقط أزاره عن كتفه، فالتفت الى الفزارى وقال: يا ويلك كشفتنى فى حرم الله تعالى، فقال: والله ما تعمدتك، فلطم جبلة بن الأيهم الفزارى لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه الأربع، فأقبل الفزارى الى مستعديا على جبلة، فأمرت باحضاره وقلت له: ما حملك على أن لطمت أخاك فى الاسلام، وكسرت ثناياه الأربع، وهشمت أنفه؟ فقال جبلة: أنه وطىء ازارى برجله فحله، ووالله لولا حرمة هذا البيت لقتلته، فقلت له: قد أقررت على نفسك، فاما أن يعفو عنك واما أن آخذ له منك بالقصاص، فقال: يقتص منى وأنا ملك وهو سوقة؟ قلت: قد شملكما الاسلام فما تفضله الا بالعافية، فقال: تتركنى الى غد وتقتص منى، فقلت للفزارى: تتركه الى غد؟ قال: نعم، فلما كان من الليل ركب فى بنى عمه وتوجه الى الشام الى طاغية الشام، وأرجو أن الله تعالى يظفرك به، وانزل على حمص ولا تتعد عنها، فان صالحك أهلها فصالحهم، وان أبوا فقاتلهم، وابعث عيونك الى أنطاكية، وكن على حذر من المنتصرة، والسلام عليكم ورحمة الله وعلى جميع المسلمين. وفى رواية أن جبلة لطم الفزارى ففقأ عينه، فتظلم الى عمر فحكم له بالقصاص الا أن يعفو عنه، فقال جبلة: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل، فلم يزل يجزل فى العطاء الى أن بلغ عشرة آلاف، فأبى الرجل الا القصاص، فاستنظره عمر فهرب الى الروم وارتد والعياذ بالله تعالى، وكان من ملوك غسان، وندم جبلة على ما فعله من الردة من غير اقلاع وأنشد:شعر : تنصرت بعد الحق عاراً للطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر وأدركنى فيها لجاج حمية فسيقت لها العين الصحيحة بالعور فيالت أمى لم تلدنى وليتنى صبرت على القول الذى قاله عمر تفسير : وحين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت الردة، وارتدت عامة العرب الا أهل المدينة وأهل البحرين من بنى عبد القيس، وأراد أهل مكة الردة، وقام فيهم الفتى المبارك أسيد وأحسن ولم يرتدوا، ومنعت العرب الزكاة وقالوا نصلى ولا نزكى، فحلف أبو بكر ليتقاتلن من فرق بينهما، ولو منعوا عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهت الصحابة القتال لهم وقالوا: انهم قد حقنوا دماءهم بكلمة الشهادة، قال ذلك عمر رضى الله عنه وغيره، فتقلد أبو بكر رضى الله عنه سيفه وخرج، فلم يجدوا بداً من الخروج على أثره. قال ابن مسعود: كرهنا ذلك فى الابتداء، وحمدناه فى الانتهاء، قال أبو بكر بن عياش: سمعنا أبا حصين يقول: ما ولد بعد الأنبياء أفضل من أبى بكر الصديق، قالت عائشة: نزلت لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وللردة ما لو نزلت بالجبال لهامت، وأنفذ جيشاً كثيراً الى بنى حنيفة باليمامة، وأمر عليهم خالد بن الوليد، فأهلك الله مسيلمة على يد وحشى. {فَسَوفَ يَأتِى اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ}: ينعم عليهم بالجنة والتوفيق والثناء. {وَيُحِبُّونَهُ}: يطيعونه ويقدمون أمره على هواهم، وذلك استعمال للملزوم فى اللازم فى الجملة، وليس الله جنساً للبشر ولا لشىء ولا صالحاً لذلك تعالى عز وجل، فضلا عن أن يفسر الحب معه بما يعرف من حب بعضنا بعضاً، ولما نزلت الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم فيها، فضرب على عاتق سلمان وقال: حديث : هذا وذووه، لو كان الايمان معلقاً بالثريا لناله رجال أبناء فارستفسير : ، فنقول منهم: عبد الرحمن ابن رستم فى المغرب، امام الحق وهو من الفرس. وفى رواية: لما نزلت الآية حديث : أشار الى سلمان الفارسى وكان جالسا بين يديه فقال: ولعلهم يكونون من رهط هذاتفسير : ، وفى بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ان لله كنزاً ليس من ذهب ولا فضة ولكن فى ظهور أبناء فارس "تفسير : وروى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن العلم تعلق بالثريا لنالته الفرس " تفسير : وعن زيد بن أسلم حديث : ان النبى صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا فقصها على أصحابه وقال: "رأيت غنماً سوداً يخالطها غنم بيض فأولتها أن العجم يدخلون الاسلام ويشركونكم فى نسائكم وأموالكم" فتعجبوا من ذلك وقالوا: العجم يا رسول الله؟ فقال: "أى والذى نفسى بيده لو أن الدين متعلق بالثريا لتناولته رجال من العجم " تفسير : واسعدهم به فارس. ومشى عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع المغيرة بن شعبة، وكان المغيرة أعور، عور بنبلة فى غزوة من غزوات الشام، وتسمى تلك الوقعة وقعة التعوير، اذ عورت فيها أكثر من ألف عين من المسلمين فقال له عمر رضى الله عنه: هل أصدت بعينك هذه شيئاً يا مغيرة؟ فقال له المغيرة: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ثم عورت، فقال له المغيرة: ثم عورت، فقال له عمر: ليعورن الاسلام كما عورت، ثم ليعمى حتى لا يدرى من له ولا من عليه، فاذا أتى عليه مائة وستون سنة رد الله عليه سمعه وبصره، يوقد كوقد الملوك طيبة أرواحهم، صالحة أعمالهم فسأله المغيرة: من أى ماء يا أمير المؤمنين أمن ماء الحجاز أو ماء العراق أو من ماء الشام؟ فولى عمر رضى الله عنه، وتركه. ثم أن الفرس وليت بالمغرب بتيهرب على رأس مائة وستين سنة، وقال بعض أصحابنا: ان ولايتهم على رأس اثنين وستين سنة، وقال السدى: القوم فى الآية الأنصار، وقيل ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أخلاط الناس، جاهدوا يوم القادسية، والآية فى جميع تلك الأقوال اخبار بالغيب. وقال عياض بن علم الأشعرى: لما نزلت أشار الى قوم أبى موسى الأشعرى وهم أهل اليمن، وقال أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً الايمان والحكمة يمانية "تفسير : وجملة: {فَسَوفَ يَأتِى اللهُ} جواب الشرط، والعائد الى من محذوف، أى فسوف يأتى الله بعده أو بدله بقوم يحبهم ويحبونه، أو الجواب محذوف ناب عنه تعليله، أى من يرتدد منكم عن دينه فلن ينقطع الدين بارتداده، لأنه سوف يأتى الله بقوم. {أَذِلَةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ}: جمع ذليل وعداه بعلى لا باللام لتضمنه معنى الحنو والعطف، أى عاطفين على المؤمنين خضوعاً وتواضعاً، أو للاشارة الى أنهم مع علو طبقتهم على المؤمنين تواضعوا لهم، أو ذكرت على المشكالة قوله: {أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ}: جمع عزيز، وقرأ ابن مسعود غلظاً على الكافرين، ومعنى العزة والغلظة عليهم التغلب، قال ابن عباس: تراهم كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم فى الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسة، وقرىء بنصب أذلة وأعزة على الحال من قوم، ولو كان نكرة توصفه بقوله: {يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ}. {يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ}: لنصرة دين الله جل وعلا، والجملة حال من المستثنى فى أعزة أو نعت آخر لقوم. {وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}: لا يخافون فى دين نصر الله بأموالهم وألسنتهم وجوارحهم، لوم من يلومهم، وكان المنافقون يلومون من يفعل ذلك ممن ضعف ايمانه، أو لم يرسخ، أو كان حديث عهد بالاسلام اذا طمعوا فيه، مثل أن يقولوا: ارفق بنفسك ومالك لئلا تترك ولدك أو أهلك عالة وأرامل، فمن قوى فى الدين لا يخاف لومهم، وغير من قوى فيه يخاف لومهم، وكذلك أخرت الآية المنافقين عن حضيرة الخير، اذ كانوا يخرجون فى جيش المؤمنين، ويخافون أولياءهم من اليهود، فيقصرون عما خافوا لوم اليهود عليه من أعمال الخير، والجملة نعت آخر لقوم، أو حال منه، أو من واو يجاهدون على القول بجواز قرن المضارع المنفى بلا واو الحال، كون الجملة معطوفة بالواو على يجاهدون أولى. وعلى كل حال ففى الآية تعريض بالمنافقين، اذ كانوا يخرجون فى الغزو ويخافون لوم اليهود، وعن أبى ذر: أوصانى النبى صل الله عليه وسلم بسبع: أوصانى أن أنظر الى من هو دونى، ولا أنظر الى من هو فوقى، يعنى فى شأن الدنيا، وأوصانى بحب المساكين والدنو منهم، وأوصانى بقول الحق وان كان مراً، وأوصانى أن أصل رحمى وأن أدبرت، وأوصانى أن لا أخاف لومة لائم، وأوصانى أن لا أسأل الناس شيئاً، وأوصانى أن تستكثر من لا حول ولا قوة الا بالله. وقد مر حديث: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف فى الله لومة لائم واللومة فعلة من اللوم للمرة، وجاء نكرة مع تنكير لائم فى سياق النفى للتعميم، أى لا يخافون لومة كائنة ما كانت من لائم كائناً ما كان. {ذَلِكَ}: المذكور من حب الله القوم، وحبهم اياه، وذلهم على المؤمنين، وعزهم على الكافرين، وجهادهم فى سبيل الله، وعدم خوفهم لومة لائم. {فَضْلُ اللهِ}: أى متفضل به عليهم بفتح الضاد، فضل مصدر بمعنى ما يتفضل به، وأضيف الى الله سبحانه لأنه المتفضل به عليهم بكسر الضاد. {يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ}: يوصله اليه ويوفقه اليه. {وَاللهُ وَاسِعٌ}: فضله واسع، لا يعجزه اعطاء مع كثرة الخلق، ولا يبخل به، فهو لكل مريد له الا من هرب عن فضله، ومع هروبه عنه يبقى معه من النعم ما لا يحصيه الا الله لا إله إلا الله. {عَلِيمٌ}: بمن يتأهل للفضل الدينى.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} ارتدت في زمانه صلى الله عليه وسلم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار لقب به لأَنه كان له حمار يأْتمر بأَمره وينتهى بنهيه وهو الأَسود العنسى، وكان كاهنا تنبأَ باليمن واستولى على بلاده وأَخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى معاذ بن جبل وسادات اليمن فأَهلكه الله على يد فيروز الديلمى فبيته وقتله، فأَخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتله فسر المسلمون بذلك وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد فأَتى خبر موته في آخر ربيع الأَول، وارتد بنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب تنبأَ وكتب إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إِلى محمد رسول الله، أَما بعد فإِن الأَرض نصفها لى ونصفها لك وإِنى قد أَشركت في الأَمر ولكن قريش تعتدى. حديث : فكتب إِليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إِلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أَما بعد فإِن الأَرض لله يورثها من يشاءُ من عباده والعاقبة للمتقينتفسير : . وذلك سنة عشر قتله وحشى غلام مطعم ابن عدى فكان يقول: قتلت خير الناس - أَى حمزة - في جاهليتى وشرهم -أَى مسيلمة - في إِسلامى وذلك في خلافة الصديق وقيل شاركة في قتله عبد الله بن زيد الأَنصارى طعنه وحشى وضربه عبد الله بسيفه قال عبد الله: يسائلنى الناس عن قتله فقلت ضربت وهذا طعن، وروى أَنه أَرسل مسيلمة إِليه صلى الله عليه وسلم رسولين بكتاب فلما قرأَه قال لهما فما تقولان فقالا نقول بما قال، فقال صلى الله عليه وسلم لولا أَن الرسل لا تقتل لقتلتكما، فكتب إِليه مامر وذلك سنة عشر وارتد بنو أَسد وهم قوم طلحة بن خويلد تنبأَ فبعث إِليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله فانهزم بعد القتال إِلى الشام ثم أَسلم وحسن إِسلامه، وارتد في زمان الصديق رضى الله عنه فزاره قوم عيينة بن حصن الفزاري وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيرى وبنو سليم قوم عبد ياليل بكسر اللام الأُولى كهابيل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة اليربوعي، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التى زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب وأَسلمت بعد قتله وحسن إِسلامها، وكندة قوم الأَشعث بن قيس الكندي وبنو بكر ابن وائل بالبحرين قوم الخطمي بن يزيد فكفى الله أَمرهم على يد الصديق رضى الله عنه، وارتدت فرقة واحدة في خلافة عمر بن الخطاب وهم جبلة بن الأَيهم وقومه لما طلب منه عمر أَن يقتص منه الذى لطمه في الطواف فهشم أَنفه وكسر ثناياه، ويروى خلع عينيه إِذ وطىءَ ثوبه فانكشف، فر هو وقومه ليلا إِلى الروم وهو من ملوك غسان، ويروى أَنه عوض في القصاص أَلفا فأَبى صاحبه وزاد حتى بلغ عشرة آلاف وأَبى إِلا القصاص، وروى أَنه قال: اقتص منى وأَناملك وهم سوقة، قال: نعم لأَنه شملك وإِياه الإِسلام، ومات مرتداً وقيل أَسلم وبسطت قصته في غير هذا {فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} يوفقهم وينعم عليهم دنيا وأَخرى وهذا من أَدلتى على بطلان قول من وجب الإِظهار إِذا جرى اللفظ على غير ما هو له ولو ظهر المراد فإِن ضمير يحبهم لله لا للقوم ومع هذا لم يقل يحبهم هو {وَيُحِبُّونَهُ} يحبون دينه وطاعته ويعملون بهما مستمرين، وصح هذا الشرط لأن المعنى يعوض الله عنهم هذا القوم أَو يقدر يأْتى الله مكانهم بقوم، أَو هذا تعليل للجواب أَى لم ينقص الدين بارتداده لأَنه سوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه، والمضارعان لتجدد الإِنعام والتوفيق من الله وتجدد الطاعة منهم وإِن شئت فمحبة العباد لله ميلهم إِليه فيعبدوه ولا يعصوه ومحبة الله لهم إِثابتهم ومدحهم، ولا يفسر بالميل ووصفه بالميل إِشراك ولا يجوز عشقت الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال حب العباد لله تعالى طاعته بل هى لازم الحب {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤْمِنِينَ} ضمن أَذلة معنى الحنو والعطف فعبر بعلى أَو عبر بعلى عن اللازم لمشاكلة قوله {أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} أَى شداد عليهم غالبين، أَو العلو على ظاهره لفضلهم على سائر المؤمنين، كما أَنها في الثانى على ظاهرها وقدم الحبين لأَنهما سبب الذل والعزة، وقدم الذل لأَنه نفع لمن تذللوا له من المؤمنين وما ينفعهم مقدم وكانا بالوصف لا بالفعل كالحبين للرسوخ {يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ} يتكرر منهم الجهاد في سبيل الله {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ} ما {لاَئِمٍ} ما فقد انتفى الخوف من كل اللومات ومن كل اللائمين، والنكرة في سياق السلب للعموم حتى يدل دليل على عدمه، وقيل ظاهره في العموم إِلا إِن كانت مع من الزائدة أَو لا العاملة عمل إِن فنص فيه، إِلا أَن العموم في لائم استتباع للومة المضاف والقوم الفرس المسلمون المتبين أَثرهم في الدين كالإِمام عبد الرحمن بن رستم والإِمام أَفلح والإِمام عبد الوهاب والإِمام محمد، لما نزلت الآية، وفيهم نزل وإِن تتولوا يستبدل قوما غيركم، أَيضاً ضرب صلى الله عليه وسلم يده على كتف سلمان الفارسى فقال هذا وذووه، وقال لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من أَبناءِ فارس، ويناسب هذا ما وجدنا في نسخة قديمة على عهد حسين بن على جد هذا الباى الذى هو محمد الهادى على عهدى وقت التفسير المؤرخة باليوم المتمم عشرين من ربيع الثاني من عام أَلف ومائة وعشرين من الهجرة أَنه وقع نزاع بين بعض أَراذل تونس والمظابيين وطعنوا في دين المظابيين ونصب الباى مجلسا بحضرة شيخ الإِسلام وحكم بأَنه من طعن فى المظابيين يقتل شرعا إن لم يتب لأنه طعن في الإِسلام جملة ونحن كلنا تجمعنا كلمة التوحيد والمظابيون يوفون بالقول والعمل، انتهى ما وجد في تلك النسخة القديمة والحمد لله تعالى وعز وجل. وقيل القوم الذين جاهدوا يوم القادسية وهم أَلفان من نخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من الناس، وقيل أَبو بكر وأَصحابه الذين قاتلوا أَهل الردة، وقيل أَهل اليمن لقوله صلى الله عليه وسلم لما نزلت: هم قوم هذا، وأَشار إِلى أَبى موسى، وقال في أَبى موسى: ضال مضل، وفى نفى خوف لومة لائم تعريض بالمنافقين إِذ كانوا يخافون إِذا خرجوا في الجهاد أَن يفعلوا من جهة المؤمنين ما يلومهم به اليهود كقتل عدو للمؤمنين ودلالة على عورة عدوهم {ذَلِكَ} ما ذكر من حب الله لهم وحبهم إِياه والذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والجهاد في سبيل الله وانتفاء خوف لومة لائم {فَضْلُ اللهِ} خيرا جاد به عليهم لا أجرة على شيءٍ {يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} بتوفيقه {واللهُ وَاسِعٌ} كثير الخير إِثابة وفضلا {عَلِيمٌ} بمستحقى ذلك.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} شروع في بيان حال المرتدين على الإطلاق بعد أن نهى سبحانه فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى، وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد عن الدين، وفصل مصير [أمر] من يواليهم من المنافقين قيل: وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل وقوعها، فقد روى أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو مدلج. ورئيسهم ذو الخمار ـ وهو الأسود العنسي ـ كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها عمال النبـي صلى الله عليه وسلم، فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز الديلمي / بيته فقتله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل فسر به المسلمون وقبض عليه الصلاة والسلام من الغد، وأتى خبره في شهر ربيع الأول، وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب بن حبيب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون، فقدم عليه عليه الصلاة والسلام رسولان له بذلك فحين قرأ صلى الله عليه وسلم كتابه، قال لهما: «حديث : فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما»تفسير : ، ثم كتب إليه: «حديث : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين»تفسير : ، وكان ذلك في سنة عشر فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما وكان يقول: قتلت في جاهليتي خير الناس وفي إسلامي شر الناس، وقيل: اشترك في قتله هو وعبد الله بن زيد الأنصاري طعنه وحشي وضربه عبد الله بسيفه، وهو القائل:شعر : يسائلني الناس عن قتله فقلت: ضربت وهذا طَعنْ تفسير : في أبيات، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشام، فأسلم وحسن إسلامه، وارتدت سبع في عهد أبـي بكر رضي الله تعالى عنه فزارة قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر الكاهنة تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة في قصة شهيرة، وصح أنها أسلمت بعد وحسن إسلامها. وكندة قوم الأشعث بن قيس وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد، وكفى الله تعالى أمرهم على يدي أبـي بكر رضي الله تعالى عنه. وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه ـ وهم غسان ـ قوم جبلة بن الأيهم تنصر ولحق بالشام ومات على ردته، وقيل: إنه أسلم، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتاباً فيه: إن جبلة ورد إلي في سراة قومه فأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطىء إزاره رجل من بني فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه، وفي رواية قلع عينه فاستعدى الفزاري على جبلة إليّ، فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟! فقلت: شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية، فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق بالشام مرتداً، وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد:شعر : تنصرت بعد الحق عاراً للطمة ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر فأدركني منها لجاج حمية فبعت لها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني صبرت على القول الذي قاله عمر تفسير : هذا واعترض القول بأن هذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها بأن {مِنْ} شرطية، والشرط لا يقتضي الوقوع إذ أصله أن يستعمل في الأمور المفروضة، وأجيب بأن الشرط قد يستعمل في الأمور المحققة تنبيهاً على أنها لا يليق وقوعها بل كان ينبغي أن تدرج في الفرضيات وهو كثير، وقد علم من وقوع ذلك بعد هذه الآية أن المراد هذا، وقرأ نافع وابن عامر ـ ومن يرتدد ـ بفك الإدغام وهو الأصل لسكون / ثاني المثلين وهو كذلك في بعض مصاحف الإمام. وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ} جواب {مِنْ} الشرطية الواقعة مبتدأ، واختلف في خبرها فقيل: مجموع الشرط والجزاء، وقيل: الجزاء فقط فعلى الأول: لا يحتاج الجزاء وحده إلى ضمير يربطه، وعلى الثاني: يحتاج إليه وهو هنا مقدر أي فسوف يأتي الله تعالى مكانهم بعد إهلاكهم {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} محبة تليق بشأنه تعالى على المعنى الذي أراده {وَيُحِبُّونَهُ} أي يميلون إليه جل شأنه ميلاً صادقاً فيطيعونه في امتثال أوامره واجتناب مناهيه، وهو معطوف على {يحبونه}، وجوز أن يكون حالاً من الضمير المنصوب فيه أي وهم يحبونه، وفي «الكشاف» محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس ـ وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة ـ وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء ـ شيئاً، وهم (الفرقة المفتعلة المتفعلة) من الصوف وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها الله تعالى وفي مراقصهم عطلها الله تعالى بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء وصعقاتهم التي أين منها صعقة موسى عليه السلام، (ثم) دك الطور فتعالى الله عنه علواً كبيراً، ومن كلماتهم كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته فإن الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات، ومنها الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة فإذا لم يكن ذلك لم يكن فيه حقيقة» انتهى كلامه. «وقد خلط فيه الغث بالسمين فأطلق القول بالقدح الفاحش في المتصوفة ونسب إليهم ما لا يعبأ بمرتكبه ولا يعد في البهائم فضلاً عن خواص البشر، ولا يلزم من تسمى طائفة بهذا الاسم غاصبين له من أهله ثم ارتكابهم ما نقل عنهم ـ بل وزيادة أضعاف أضعافه مما نعلمه من هذه الطائفة في زماننا ـ مما ينافي حال المسمين به حقيقة أن نؤاخذ الصالح بالطالح ونضرب رأس البعض بالبعض فلا تزر وازرة وزر أخرى». وتحقيق هذا المقام على ما ذكره ابن المنير في «الانتصاف» «أنه لا شك أن تفسير محبة العبد لله تعالى بطاعته له سبحانه على خلاف الظاهر وهو من المجاز الذي يسمى فيه المسبب باسم السبب، والمجاز لا يعدل إليه عن الحقيقة إلا بعد تعذرها فليمتحن حقيقة المحبة لغة بالقواعد لننظر أهي ثابتة للعبد متعلقة بالله تعالى أم لا؟ فالمحبة لغة ميل المتصف بها إلى أمر ملذ واللذات الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك (بالحس) كلذة الذوق في المطعوم ولذة النظر في الصور المستحسنة إلى غير ذلك، وإلى لذة مدركة بالعقل كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما يجري مجراها، فقد ثبت أن في اللذات الباعثة على المحبة ما لا يدركه إلا العقل دون الحس، ثم تتفاوت المحبة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها فليس اللذة برياسة الإنسان على أهل قرية كلذته بالرياسة على أقاليم معتبرة، وإذا تفاوتت المحبة بحسب تفاوت البواعث فلذات العلوم أيضاً متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات، وليس معلوم أكمل ولا أجل من المعبود الحق، فاللذة الحاصلة من معرفته ومعرفة جلاله وكماله تكون أعظم، والمحبة المنبعثة عنها تكون أمكن، وإذا حصلت هذه المحبة بعثت على الطاعات والموافقات، فقد تحصل من ذلك أن محبة العبد لربه سبحانه ممكنة بل واقعة من كل مؤمن فهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم، وإذا كان كذلك وجب تفسير محبة العبد لله عز وجل بمعناها الحقيقي لغة وكانت الطاعات والموافقات كالمسبب عنها والمغاير لها، ألا ترى إلى حديث : الأعرابـي الذي سأل عن الساعة فقال النبـي / صلى الله عليه وسلم: «ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل ولكن حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب»تفسير : فهذا ناطق بأن المفهوم من المحبة لله تعالى غير الأعمال والتزام الطاعات لأن الأعرابـي نفاها وأثبت الحب وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك، ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة والمحبة إذا تأكدت سميت عشقاً، فهو المحبة البالغة المتأكدة، (والقول بأنه عبارة عن المحبة فوق قدر المحبوب فيكفر من قال: أنا عاشق لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم ـ كما قاله بعض ساداتنا الحنفية ـ في حيز المنع عندي)، والمعترفون بتصور محبة العبد لله عز شأنه بالمعنى الحقيقي ينسبون المنكرين إلى أنهم جهلوا فأنكروا كما أن الصبـي ينكر على من يعتقد أن وراء اللعب لذة من جماع أو غيره، والمنهمك في الشهوات والغرام بالنساء يظن أن ليس وراء ذلك لذة من رياسة أو جاه أو نحو ذلك، وكل طائفة تسخر مما فوقها وتعتقد أنهم مشغولون في غير شيء. قال حجة الإسلام الغزالي روّح الله تعالى روحه: والمحبون لله تعالى يقولون لمن أنكر عليهم ذلك: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38] انتهى» مع أدنى زيادة. ولم يتكلم على معنى محبة الله تعالى للعبد، وأنت تعلم أن ذلك من المتشابه والمذاهب فيه مشهورة، وقد قدمنا طرفاً من الكلام في هذا المقام فتذكر. والمراد بهؤلاء القوم في المشهور أهل اليمن، فقد أخرج ابن أبـي شيبة في «مسنده». والطبراني والحاكم وصححه من حديث عياض بن عمر الأشعري حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما نزلت أشار إلى أبـي موسى الأشعري ـ وهو من صميم اليمن ـ وقال: هم قوم هذا، تفسير : وعن الحسن وقتادة والضحاك أنهم أبو بكر وأصحابه رضي الله تعالى عنهم الذين قاتلوا أهل الردة، وعن السدي أنهم الأنصار، وقيل: هم الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أفناء الناس، وقد حارب هناك سعد بن أبـي وقاص رستم الشقي صاحب جيش يزدجر، وقال الإمامية: هم علي كرم الله تعالى وجهه وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين، وعنهم أنهم المهدي ومن يتبعه، ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة، وقيل: هم الفرس لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقال: هذا وذووه، وتعقبه العراقي قائلاً: لم أقف على خبر فيه، وهو هنا وهم، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} تفسير : [محمد: 38] كما أخرجه الترمذي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه فمن ذكره هنا فقد وهم. {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } عاطفين عليهم متذللين لهم، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل، وكان الظاهر أن يقال: أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل له، ولا يقال: تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنه عدى بعلى لتضمينه معنى العطف والحنو المتعدي بها، وقيل: للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ولعل المراد بذلك أنه استعيرت {عَلَى} لمعنى اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة، لكن في استفادة هذا من ذاك خفاء، وكون المراد به أنه ضمن الوصف معنى الفضل والعلو ـ يعني أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم أذلاء في أنفسهم بل لإرادة أن يضموا إلى علو منصبهم وشرفهم فضيلة التواضع ـ لا يخفى ما فيه، لأن قائل ذلك قابله بالتضمين فيقتضي أن يكون وجهاً آخر لا تضمين فيه، وكون الجار على ذلك متعلقاً بمحذوف وقع صفة أخرى ـ لقوم ـ ومع علو طبقتهم الخ تفسير لقوله سبحانه: {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وخافضون الخ تفسير ـ لأذلة ـ مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقيل: عديت الذلة بعلى لأن / العزة في قوله تعالى: {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} عديت بها كما يقتضيه استعمالها، وقد قارنتها فاعتبرت المشاكلة، وقد صرحوا أنه يجوز فيها التقديم والتأخير، وقيل: لأن العزة تتعدى بعلى والذلة ضدها، فعوملت معاملتها لأن النظير كما يحمل على النظير يحمل الضد على الضد كما صرح به ابن جني وغيره، وجر أذلة ـ و ـ أعزة على أنهما صفتان ـ لقوم ـ كالجملة السابقة، وترك العطف بينهما للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما، وفيه دليل على صحة تأخير الصفة الصريحة عن غير الصريحة، وقد جاء ذلك في غير ما آية، ومن لم يجوزه جعل الجملة هنا معترضة ولا يخفى أنه تكلف، ومعنى كونهم أعزة على الكافرين أنهم أشداء متغلبون عليهم من عزه إذا غلبه، ونص العلامة الطيبـي أن هذا الوصف جىء به للتكميل لأن الوصف قبله يوهم أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم، فدفع ذلك الوهم بالإتيان به على حد قوله:شعر : جلوس في مجالسهم رزان وإن ضيف ألمّ فهم خفوف تفسير : وقرىء أذلة ـ و ـ أعزة بالنصب على الحالية من ـ قوم ـ لتخصيصه بالصفة. {يُجَـٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} بالقتال لإعلاء كلمته سبحانه وإعزاز دينه جل شأنه، وهو صفة أخرى ـ لقوم ـ مترتبة على ما قبلها مبينة مع ما بعدها لكيفية عزتهم، وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في {أَعِزَّةٍ} أي يعزون مجاهدين، وأن يكون مستأنفاً. {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} فيما يأتون من الجهاد أو في كل ما يأتون ويذرون، وهو عطف على {يُجَـٰهِدُونَ} بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة والتصلب في الدين، وفيه تعريض بالمنافقين، وجوز أن يكون حالاً من فاعل {يُجَـٰهِدُونَ} أي يجاهدون وحالهم غير حال المنافقين، والتعريض فيه حينئذٍ أظهر، وقيل: إنه على الأول لا تعريض فيه بل هو تتميم لمعنى {يُجَـٰهِدُونَ} مفيد للمبالغة والاستيعاب وليس بشيء، واعترض القول بالحالية بأنهم نصوا على أن المضارع المنفي ـ بلا أو ـ ما ـ كالمثبت في عدم جواز دخول الواو عليه، وأجيب بأن ذلك مبني على مذهب الزمخشري القائل بجواز اقتران المضارع المنفي ـ بلا، وما ـ بالواو، فإن النحاة جوزوه في المنفي ـ بلم، ولما ـ ولا فرق بينهما، و ـ اللومة ـ المرة من اللوم أي الاعتراض وهو مضاف لفاعله، وأصل لائم لاوم فاعل كقائم، وفي اللومة مع تنكير لائم مبالغتان على ما قيل، ووجه ذلك العلامة الطيبـي بأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات لأن النكرة في سياق النفي تعم، ثم إذا انضم إليها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوّام، فيكون هذا تتميماً في تتميم أي لا يخافون شيئاً من اللوم من أحد من اللوّام. وقيل عليه: بأنه كيف يكون لومة أبلغ من لوم مع ما فيها من معنى الوحدة، فلو قيل: لوم لائم كان أبلغ وأجيب بأنها في الأصل للمرة لكن المراد بها هنا الجنس، وأتى بالتاء للإشارة إلى أن جنس اللوم عندهم بمنزلة لومة واحدة، وتعقب بأنه لا يدفع السؤال لأنه لا قرينة على هذا التجوز مع بقاء الإبهام فيه، وقد يقال: إن مقام المدح قرينة قوية على ذلك. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف لا بعضها كما قيل، والإفراد لما تقدم، وكذاك ما فيه من معنى البعد {فَضْلُ ٱللَّهُ} أي لطفه وإحسانه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} إيتاءه إياه لا أنهم مستقلون في الاتصاف به {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} كثير الفضل، أو جواد لا يخاف نفاد ما عنده سبحانه {عَلِيمٌ} / مبالغ في تعلق العلم في جميع الأشياء التي من جملتها من هو أهل الفضل ومحله، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية كما مر غير مرة. هذا ومن باب الإشارة في الآيات على ما قاله بعض العارفين: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} يحتمل أن يكون الكتاب الأول إشارة إلى علم الفرقان، والثاني إشارة إلى علم القرآن، والأول هو ظهور تفاصيل الكمال، والثاني هو العلم الإجمالي الثابت في الاستعداد، ومعنى كونه مهيمناً عليه حافظاً عليه بالإظهار، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى ما بين أيدينا من المصحف، والثاني إشارة إلى الجنس الشامل للتوراة التي دعوتها للظاهر والإنجيل الذي دعوته للباطن، وكتابنا مشتمل على الأمرين حافظ لكل من الكتابين {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} من العدل الذي هو ظل المحبة التي هي ظل الوحدة التي انكشفت عليك {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} في تغليب أحد الجانبين إما الظاهر وإما الباطن {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً} مورداً كمورد النفس ومورد القلب ومورد الروح {أية : وَمِنْهَـٰجاً} تفسير : [المائدة: 48] طريقاً كعلم الأحكام والمعارف التي تتعلق بالنفس وسلوك طريق الباطن الموصل إلى جنة الصفات وعلم التوحيد والمشاهدة الذي يتعلق بالروح وسلوك طريق الفناء الموصل إلى جنة الذات، وقال بعضهم: إن لله سبحانه بحاراً للأرواح وأنهاراً للقلوب وسواقي للعقول، ولكل واحد منها شرعة في ذلك ترد منها كشرعة العلم وشرعة القدرة وشرعة الصمدية وشرعة المحبة إلى غير ذلك، وله عز وجل طرق بعدد أنفاس الخلائق كما قال أبو يزيد قدس سره، والمراد بها الطرق الشخصية لا مطلقاً وكلها توصل إليه سبحانه، وهذا إشارة إلى اختلاف مشارب القوم وعدم اتحاد مسالكهم، وقد قال جل وعلا: {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} تفسير : [البقرة: 60] وفرق سبحانه بين الأبرار والمقربين في ذلك، وقلما يتفق اثنان في مشرب ومنهج، ومن هنا ينحل الإشكال فيما حكي عن حضرة الباز الأشهب مولانا الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال: ـ لا زلت أسير في مهامه القدس حتى قطعت الآثار فلاح لي أثر قدم من بعيد فكادت روحي تزهق فإذا النداء هذا أثر قدم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ـ فإن ظاهره يقتضي سبقه للأنبياء والرسل أرباب التشريع عليهم الصلاة والسلام ونحوهم من الكاملين وهو كما ترى، ووجهه أنه قدس سره قطع الآثار في الطريق الذي هو فيه، وذلك يقتضي السبق على سالكي ذلك الطريق لا غير، فيجوز أن يكون مسبوقاً بمن ذكرنا من السالكين طريقاً آخر غير ذلك الطريق، وهذا أحسن ما يخطر لي في الجواب عن ذلك الإشكال نظراً إلى مشربـي، ومشارب القوم شتى {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً} متفقين في المشرب والطريق {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} أي ليظهر عليكم ما آتاكم بحسب استعداداتكم على قدر قبول كل واحد منكم {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي الأمور الموصلة لكم إلى كمالكم الذي قدر لكم بحسب الاستعدادات المقربة إياكم إليه بإخراجه إلى الفعل {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ} في عين جمع الوجود على حسب المراتب {أية : فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} تفسير : [المائدة: 48] وذلك بإظهار آثار ما يقتضيه ذلك الاختلاف {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ} حسب ما تقتضيه الحكمة ويقبله الاستعداد {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} إليك من القرآن الجامع للظاهر والباطن {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} فتقصر على الظاهر البحت أو الباطن المحض وتنفي الآخر {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} كذنب حجب الأفعال لليهود. وذنب حجب الصفات للنصارى {أية : وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 49] وأنواع الفسق مختلفة، ففسق اليهود خروجهم عن حكم تجليات الأفعال الإلٰهية برؤية / النفس أفعالها، وفسق النصارى خروجهم عن حكم تجليات الصفات الحقانية برؤية النفس صفاتها، والفسق الذي يعتري بعض هذه الأمة الالتفات إلى ذواتهم والخروج عن حكم الوحدة الذاتية {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تفسير : [المائدة: 50] وهو الحكم الصادر عن مقام النفس بالجهل لا عن علم إلهي {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} الحق فيحتجب ببعض الحجب {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} في الأزل لا لعلة {وَيُحِبُّونَهُ} كذلك ومرجع المحبة التي لا تتغير عند الصوفية الذات دون الصفات كما قاله الواسطي، وطعن فيه ـ كما قدمنا ـ الزمخشري، وحيث أحبهم ـ ولم يكونوا إلا في العلم ـ كان المحب والمحبوب واحداً في عين الجمع. وقال السلمي: إنهم بفضل حبه لهم أحبوه وإلا فمن أين لهم المحبة لله تعالى وما للتراب ورب الأرباب؟! وشرط الحب ـ كما قال ـ أن يلحقه سكرات المحبة، وإلا فليس بحب حقيقة، وقالت أعرابية في صفة الحب: خفي أن يرى وجل أن يخفى فهو كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن تركته توارى وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر، وهذا شأن حب الحادث فكيف شأن حب القديم جل شأنه، والكلام في ذلك طويل {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} لمكان الجنسية الذاتية ورابطة المحبة الأزلية والمناسبة الفطرية بينهم {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} المحجوبين لضد ما ذكر {يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} بمحو صفاتهم وإفناء ذواتهم التي هي حجب المشاهدة {وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} لفرط حبهم الذي هو الرشاد الأعظم للمتصف به:شعر : وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه هانت عليه ملامة العُذَّال تفسير : بل إذا صدقت المحبة التذ المحب بالملامة كما قيل:شعر : أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوّم تفسير : {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ} الذي لا يدرك شأواه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} من عباده الذين سبقت لهم العناية الإلۤهية {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} الفضل {عَلِيمٌ} [المائدة: 54] حيث يجعل فضله، نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بفضله الواسع وجوده الذي ليس له مانع.
ابن عاشور
تفسير : تقضَّى تحذيرهم من أعدائهم في الدّين، وتجنيبهم أسباب الضعف فيه، فأقبل على تنبيههم إلى أنّ ذلك حرص على صلاحهم في ملازمة الدّين والذبّ عنه، وأنّ الله لا يناله نفع من ذلك، وأنّهم لو ارتدّ منهم فريق أو نَفَر لم يضرّ الله شيئاً، وسيكون لهذا الدّين أتباع وأنصار وإن صدّ عنه من صَدّ، وهذا كقوله تعالى: {أية : إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7]، وقوله: {أية : يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}تفسير : [الحجرات: 17]. فجملة {يا أيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم} الخ معترضة بين ما قبلها وبين جملة {أية : إنّما وليّكم الله}تفسير : [المائدة: 55]، دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله {أية : ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم}تفسير : [المائدة: 51]. فتعْقِيبُها بهذا الاعتراض إشارة إلى أنّ اتّخاذ اليهود والنّصارى أولياء ذريعة للارتداد، لأنّ استمرار فريق على مُوالاة اليهود والنّصارى من المنافقين وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسلّ عن الإيمان فريق. وأنبأ المتردّدين ضعفاء الإيمان بأنّ الإسلام غنيّ عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر {من يرتَدِدْ} ـــ بدالين ـــ على فَكّ الإدغام، وهو أحد وجهين في مثله، وهو لغة أهل الحجاز، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام. وقرأ الباقون ـــ بدال واحدة مشدّدة بالإدغام ـــ، وهو لغة تميم. ـــ وبفتححٍ على الدال ـــ فتحة تخلّص من التقاء الساكنين لخفّة الفتح، وكذلك هو مرسوم في مصحف مكّة ومصحف الكوفة ومصحف البصرة. والارتداد مطاوع الردّ، والردّ هو الإرجاع إلى مكان أو حالة، قال تعالى: {أية : رُدّوها عليّ}تفسير : [ص: 33]. وقد يطلق الردّ بمعنى التّصيير {أية : ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر}تفسير : [النحل: 70]. وقد لوحظ في إطلاق اسم الارتداد على الكفر بعد الإسلام ما كانوا عليه قبل الإسلام من الشرك وغيره، ثم غلب اسم الارتداد على الخروج من الإسلام ولو لم يسبق للمرتدّ عنه اتّخاذ دين قبله. وجملة {فسوف يأتي الله بقوم} الخ جواب الشرط، وقد حذف منها العائد على الشرط الإسمي، وهو وعد بأنّ هذا الدّين لا يعدم أتباعاً بررة مخلصين. ومعنى هذا الوعد إظهار الاستغناء عن الّذين في قلوبهم مرض وعن المنافقين وقلّةُ الاكتراث بهم، كقوله تعالى: {لوْ خرجوا فيكم مَا زادوكم إلاّ خَبالاً} وتطمين الرسول والمؤمنين الحقَّ بأنّ الله يعوّضهم بالمرتدِّين خيراً منهم. فذلك هو المقصود من جواب الشرط فاستغني عنه بذكر ما يتضمّنه حتّى كان للشرط جوابان. وفي نزول هذه الآية في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إيماء إلى ما سيكون من ارتداد كثير من العرب عن الإسلام مثل أصحاب الأسْود العَنْسي باليمن، وأصحاب طلحة بن خُويلد في بَني أسد، وأصحاب مسيلمة بننِ حبيب الحَنفي باليمامة. ثمّ إلى ما كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من ارتداد قبائل كثيرة مثل فزارة وغطفان وبني تَميم وكِنْدة ونحوهم. قيل: لم يبق إلا أهل ثلاثة مساجد: مسجد المدينة ومسجد مكّة ومسجد (جُؤَاثَى) في البحرين (أي من أهل المدن الإسلاميّة يومئذٍ). وقد صدق الله وعده ونصر الإسلام فأخلفه أجيالاً متأصّلة فيه قائمة بنصرته. وقوله: {يأتي الله بقوم}، الإتيان هنا الإيجاد، أي يوجد أقواماً لاتّباع هذا الدّين بقلوب تحبّة وتجلب له وللمؤمنين الخير وتذود عنهم أعداءهم، وهؤلاء القوم قد يكونون من نفس الّذين ارتدّوا إذا رجعوا إلى الإسلام خالصة قلوبهم ممّا كان يخامرها من الإعراض مثل معظم قبائل العرب وسادتهم الّذين رجعوا إلى الإسلام بعد الردّة زمن أبي بكر، فإنّ مجموعهم غير مجموع الذين ارتدّوا، فصحّ أن يكونوا ممّن شمله لفظ {بقوم}، وتحقّق فيهم الوصف وهو محبّة الله إيّاهم ومحبّتهم ربّهم ودينه، فإنّ المحبّتين تتبعان تغيّر أحوال القلوب لا تغيّر الأشخاص فإنّ عمرو بن معد يكرب الّذي كان من أكبر عصاة الردّة أصبح من أكبر أنصار الإسلام في يوم القادسيّة، وهكذا. ودَخل في قوله {بقوم} الأقوام الّذين دخَلوا في الإسلام بعد ذلك مثل عرب الشام من الغساسنة، وعرب العراق ونبَطهم، وأهل فارس، والقبط، والبَربر، وفرنجة إسبانية، وصقلّيَة، وسردانية، وتخوممِ فرانسا، ومثل الترك والمغول، والتتار، والهند، والصّين، والإغريق، والرّوم، من الأمم الّتي كان لها شأن عظيم في خدمة الإسلام وتوسيع مملكته بالفتوح وتأييده بالعلوم ونشر حَضارته بين الأمم العظيمة، فكلّ أمّة أو فريق أو قوم تحقّق فيهم وصف: {يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يحاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فهُم من القوم المنوّه بهم؛ أمَّا المؤمنون الّذين كانوا من قبل وثبتوا فأولئك أعظم شأناً وأقوى إيماناً فأتاهم المؤيّدون زَرافَات ووُحْدانا. ومحبّة الله عبدَه رضاه عنه وتيسير الخير له، ومحبّة العبد ربّه انفعال النّفس نحوَ تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدّفاع عن دينه. فهي صفة تحصل للعبد من كثرة تصوّر عظمة الله تعالى ونِعمه حتّى تتمكّن من قلبه، فمنشؤها السمع والتّصوّر. وليست هي كمحبّة استحسان الذّات، ألا ترى أنّا نحبّ النّبيء صلى الله عليه وسلم من كثرة ما نسمع من فضائله وحرصه على خيرنا في الدّنيا والآخرة، وتقوَى هذه المحبّة بمقدار كثرة ممارسة أقواله وذكر شمائله وتصرّفاته وهديه، وكذلك نحبّ الخلفاء الأربعة لكثرة ما نسْمع من حبّهم الرسول ومن بذلهم غاية النصح في خير المسلمين، وكذلك نحبّ حاتِماً لما نسمع من كرمه. وقد قالت هند بنت عتبة امرأةُ أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أهلُ خباء أحبَّ إليّ من أن يذلّوا من أهل خبائك وقد أصبحت وما أهل خباء أحبّ إلي من أنْ يعزّوا من أهل خبائك. والأذلّة والأعزّة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلّق بهما، فالأذلّة جمع الذليل وهو الموصوف بالذُلّ. والذلّ ـــ بضمّ الذال وبكسرها ـــ الهوان والطاعة، فهو ضدّ العزّ {أية : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة}تفسير : [آل عمران: 123]. وفي بعض التّفاسير: الذلّ ـــ بضم الذال ـــ ضد العزّ ـــ وبكسر الذال ـــ ضدّ الصعوبة، ولا يعرف لهذه التفرقة سند في اللغة. والذليل جمعه الأذلّة، والصفة الذلّ {أية : واخفِض لهما جناح الذلّ من الرّحمة}تفسير : [الإسراء: 24]. ويطلق الذلّ على لين الجانب والتّواضع، وهو مجاز، ومنه ما في هذه الآية. فالمراد هنا الذلّ بمعنى لين الجانب وتوطئة الكَنَف، وهو شدّة الرّحمة والسّعي للنفع، ولذلك علّق به قوله: {على المؤمنين}. ولتضمين {أذلّة} معنى مشفقين حانين عدّي بعلى دون اللام، أو لمشاكلةِ (على) الثّانية في قوله: {على الكافرين}. والأعزّة جمع العزيز فهو المتّصف بالعزّ، وهو «القّوة والاستقلال»، ولأجل ما في طباع العرب من القوّة صار العزّ في كلامهم يدلّ على معنى الاعتداء، ففي المثل (من عَزّ بَزّ). وقد أصبح الوصفان متقابلين، فلذلك قال السموأل أو الحارثي:شعر : وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا عزيز وجارُ الأكثرين ذليل تفسير : وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربيّة بديعية، وهي المسماة الطباق، وبلغاء العرب يغربون بها، وهي عزيزة في كلامهم، وقد جَاء كثير منها في القرآن. وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تُسيِّرُها آراؤهم الحصيفة فليسوا مندفعين إلى فعل مّا إلاّ عن بصيرة، وليسوا ممّن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون ليّناً في كلّ حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الّذي يكون في كلّ حال بما يلائم ذلك الحال، قال:شعر : حَلِيم إذا ما الحِلم زَيَّن أهلَه مع الحِلم في عين العَدُوّ مَهِيب تفسير : وقال تعالى: {أية : أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29]. وقوله: {يجاهدون في سبيل الله} صفة ثالثة، وهي من أكبر العلامات الدالّة على صدق الإيمان. والجهاد: إظهار الجُهد، أي الطاقة في دفاع العدوّ، ونهاية الجهد التّعرّض للقتل، ولذلك جيء به على صيغة مصدر فَاعَلَ لأنّه يظهر جهده لمن يُظهر له مثله. وقوله: {ولا يخافون لومة لائم} صفة رابعة، وهي عدم الخوف من الملامة، أي في أمر الدّين، كما هو السياق. واللومة الواحدة من اللَّوم. وأريد بها هنا مطلق المصدر، كاللّوْم لأنّها لمّا وقعت في سياق النّفي فعمّت زال منها معنى الوحدة كما يزول معنى الجمع في الجمع المعمَّم بدخول ال الجنسية لأنّ (لا) في عموم النّفي مثل (ال) في عموم الإثبات، أي لا يخافون جميع أنواع اللّوم من جميع اللاّئمين إذ اللّوْم منه: شديد، كالتقريع، وخفيف؛ واللائمون: منهم اللاّئم المخيف، والحبيب؛ فنفى عنهم خوفَ جميع أنواع اللّوم. ففي الجملة ثلاثة عمومات: عُموم الفعل في سياق النّفي، وعموم المفعول، وعموم المضاف إليه. وهذا الوصف علامة على صدق إيمانهم حتّى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم لأنّ الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة. ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثّقة بالنّفس وأصالة الرأي. وقد عَدّ فقهاؤنا في وصف القاضي أن يكون مستخفّاً باللاّئمَة على أحد تأويلين في عبارة المتقدّمين، واحتمال التّأويلين دليل على اعتبار كليهما شرعاً. وجملة {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} تذييل. واسم الاشارة إشارة إلى مجموع صفات الكمال المذكورة. و{واسع} وصف بالسعة، أي عدم نهاية التّعلّق بصفاته ذات التّعلق، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} تفسير : في سورة آل عمران (73).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِين} الآية. أَخبرَ تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضاً عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فأمره بلين الجانب للمؤمنين، بقوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 88]، وقوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِين}تفسير : [الشعراء: 215]، وأمَره بالقسوة على غيرهم بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِير} تفسير : [التوبة: 73]، وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك} تفسير : [آل عمران: 159] الآية وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، بقوله: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُم} تفسير : [الفتح: 29]. وقد قال الشاعر في رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند تفسير : وقال الآخر فيه: شعر : وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها أشد على أعدائه مِن محمد تفسير : ويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة، لأن اللين في محل الشدة ضعف، وخور، والشدة في محل اللين حمق، وخرق، وقد قال أبو الطيِّب المتنبي: شعر : إذا قيل حلم قل فللحلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جَهل
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 54- يا أيها الذين آمنوا: من يرجع منكم عن الإيمان إلى الكفر - فلن يضروا الله بأى قدر من الضرر! تعالى الله عن ذلك - فسوف يأتى الله بدلهم بقوم خير منهم، يحبهم الله فيوفقهم للهدى والطاعة، ويحبون الله فيطيعونه، وفيهم تواضع ورحمة بإخوانهم المؤمنين، وفيهم شدة على أعدائهم الكافرين، يجاهدون فى سبيل الله ولا يخشون فى الله لومة أى لائم. ذلك فضل الله يمنحه لمن يشاء ممن يوفقهم للخير، والله كثير الفضل عليم بمن يستحقونه. 55- إنما ولايتكم - أيها المؤمنون - لله ورسوله وأنفسكم، ممن يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم خاضعون لله. 56- ومن يتخذ الله ورسوله والمؤمنين أولياءه ونصراءه، فإنه يكون من حزب الله، وحزب الله هم المنتصرون الفائزون. 57- يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا أعداء الإسلام الذين اتخذوا دينكم سخرية ولهوا - وهم اليهود والنصارى والمشركون - نصراء، ولا تجعلوا ولايتكم لهم، وخافوا الله إن كنتم صادقين فى إيمانكم. 58- ومن استهزائهم بكم: أنكم إذا دعوتم إلى الصلاة بالأذان استهزأوا بالصلاة، وتضاحكوا عليها ولعبوا فيها، وذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون، ولا يدركون الفرق بين الضلال والهدى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من يرتد: أي يرجع إلى الكفر بعد إيمانه. أذلة على المؤمنين: أرقاء عليهم رحماء بهم. أعزة على الكافرين: أشداء غلاظ عليهم. لومة لائم: عذل عاذل. حزب الله: أنصار الله تعالى. معنى الآيات: هذه الآية الكريمة [54] {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} تضمنت خبراً من أخبار الغيب التي يخبر بها القرآن فتتم طبق ما أخبر به فتكون آية أنه كلام الله حقاً وأن المنزل على رسوله صدقا فقد أخبر تعالى أن من يرتد من المؤمنين سوف يأتي الله عز وجل بخير منه ممن يحبون الله ويحبهم الله تعالى رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوم من يلوم، ولا عتاب من يعتب عليهم. وما إن مات الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ارتد فئات من أجلاف الأعراب ومنعوا الزكاة وقاتلهم أبو بكر الصديق مع الصحابة رضوان الله عليهم حتى أخضعوهم للإِسلام وحسن إسلامهم فكان أبو بكر وأصحابه ممن وصف الله تعالى يحبون الله ويحبهم الله يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم، وقد روي بل وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية وتلاها صلى الله عليه وسلم وأبو موسى الأشعري أمامة فأشار إليه وقال قوم هذا، وفعلاً بعد وفاة الرسول جاء الأشعريون وظهرت الآية وتمت المعجزة وصدق الله العظيم، وقوله تعالى: {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ} الإِشارة إلى ما أولى أولئك المؤمنين من أبي بكر الصديق والصحابة والأشعريين من تلك الصفات الجليلة من حب الله والرقة على المؤمنين والشدة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل عليم بمن يستحقه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الثانية [55] فقد تضمنت طمأنة الرب تعالى لعبادة بن صامت وعبد الله بن سلام ومن تبرأ من حلف اليهود ووالى الله ورسوله فأخبرهم تعالى أنه هو وليهم ورسوله والذين آمنوا {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي خاشعون متطامنون وأما ولاية اليهود والنصارى فلا خير لهم فيها وهم منها براء فقصرهم تعالى على ولايته وولاية رسوله والمؤمنين الصادقين وفي الآية الثالثة أخبرهم تعالى أن من يتول الله ورسوله والذين آمنوا ينصره الله ويكفه من يهمه، لأنه أصبح من حزب الله، وحزب الله أي أولياؤه وأنصاره هم الغالبون هذا ما دلت عليه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إخبار القرآن الكريم بالغيب وصدقه في ذلك فكان آية أنه كلام الله. 2- فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن. 3- فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين، وفضل الجهاد في سبيل الله وقول الحق والثبات عليه وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك. 4- فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع والتواضع. 5- ولاية الله ورسوله والمؤمنين الصادقين توجب لصاحبها النصر والغلبة على أعدائه.
القطان
تفسير : أذلّة على المؤمنين: متواضعون رحماء للمؤمنين. أعزّة على الكافرين: اشداء على الكافرين. كما قال تعالى في سورة الفتح {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}. بعد أن ذكر سبحانه أن من يتولّى الكافرين من دون الله يُعَدّ منهم، بيّن هنا حقيقةً دعّمها بخبر من الغيب أظهرَهُ الزمن يومذاك، وهي: أن بعض الذين آمنوا نفاقاً سيرتدّون عن الاسلام جهراً. يا أيها الذين آمنوا: إن من يرجع منكم عن الإيمان الى الكفر، لن يضر الله قليلاً ولا كثيراً. فالله سوف يأتي بَدَلَهم بقومٍ خير منهم، يحبّهم الله لأنهم يحبّونه، فيوفقهم للهدى والطاعة. وسيكون هؤلاء ذوي تواضعٍ ورحمة بإخوانهم المؤمنين، وفيهم شدةٌ على أعدائهم الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخشون في الله لومة لائم. وذلك فضلُ الله يمنحه لمن يشاء ممن يستحقونه، والله كثير الفضل، عليم بمن هو أهل له. في هذه الآية إخبار من الغيب، فإنه لما قُبض الرسول صلّى الله عليه وسلم ارتدّ كثير من العرب. وكان المرتدّون فريقين: فريقاً ارتدّ عن الإسلام، وفريقاً منع الزكاة. وكان قد ارتد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، بنو مدلج ورئيسُهم ذو الخمار، وهو الأَسود العنسي. وكان كاهناً تنبّأ باليمَن، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي، واخبر سول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فسُرّ به، وقُبض عليه السلام من الغد. وارتدّ مُسَيلمة ومعه بنو حنيفة، وكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مسليمة رسولِ الله الى محمد رسولِ اللهِ، سلام عليك: أما بعدُ فإني قد أُشْرِكتُ في الأمر معك، وإنّ لنا نصفَ الأرض ولقُريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون". فكتب اليه النبي: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ رسول الله الى مسيلمة الكذّاب. السلامُ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". وحاربتْه جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد، وقتله وحشيُّ قاتلُ حمزة، وكان يقول: "قتلتُ في جاهليّتي خير الناس، وفي إسلامي شرَّ الناس". وتنبأ طُليحة بن خويلد الأسدي، وتبعه جمع غفير، فهزمه خالد بن الوليد. وهرب طليحة الى الشام ثم اسلم فحسُن إسلامه. وتنبأت سَجاحُ بِنت المنذِر، الكاهنة، وزوَّجت نفسها من مسيلمة، ولها قَصَص طويل في التاريخ، ثم أسلمت بعد ذلك وحسُن اسلامها. وارتدّت سبع قبائل في عهد أبي بكر منهم: فَزارة، وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض بني تميم، وكِندة، وبنو بكر. وهؤلاء كلهم حاربهم أبو بكر يُناصره المهاجرون والأنصار، وهزمهم جميعاً، وهكذا ثبّت أبو بكر رضي الله عنه الإسلام بعزيمة صادقة، وإيمان قويّ راسخ. وقد وصف الله هؤلاء المؤمنين بستّ صفات: بأن الله يحبّهم وهم يحبّونه. وأنهم أشدّاء على الكفار رحماء بينهم. وأنهم يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم. وأنهم صادقون لا يخافون في الله لومة لائم. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة "من يرتدد" بدالين، والباقون "من يرتد" بإدغام الدالين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلْكَافِرِينَ} {يُجَاهِدُونَ} {لاۤئِمٍ} {وَاسِعٌ} (54) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَيَقُولُ إنَّ الذِينَ يَرْتَدَّونَ عَنْ دِينِهِمْ مِنَ الإيِمَانِ إلى الكُفْرِ، وَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ، وَإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإنَّ اللهَ سَيَسْتَبْدِلُ بِهِمْ مَنْ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَشَدُّ مَنَعَةً، وَأقْوَمُ سَبِيلاً، يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، يَتَّصِفُونَ بِصِفَاتِ المُؤْمِنِينَ وَهِيَ: العِزَّةُ عَلَى الكَافِرِينَ، وَالرَّحْمَةُ وَالتَّوَاضُعُ مَعَ المُؤْمِنينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلاَ يَرُدُّهُمْ رَادٌّ عَنْ إذاعَةِ أمْرِ اللهِ، وَإقَامَةِ حُدُودِهِ، وَقِتَالِ أعْدَائِهِ، يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ. وَمَن اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاِت كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْهِ كَبِيراً، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يِسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَيُعْطِيهِ، مِمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ فَيَحْرِمُهُ إيَّاهُ. (وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ عَلِمَ اللهُ أنَّ النَّاسَ سَيَرْتَدُّونَ عَنِ الإِسْلاَمِ، وَأَنَّ عُصْبَةً مِنَ المُؤْمِنينَ، مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، سَيَقُومُونَ بِمُحَارَبَةِ المُرْتَدِّينَ، وَأنَّهُمْ سَيَثْبُتُونَ فِي حَرْبِهِمْ حَتَّى يُتِمُّ اللهُ نَصْرَهُ لِلْمُؤْمِنينَ). الارْتِدَادُ عَنِ الدِّينِ - العَوْدَةُ إلَى الكُفْرِ بَعَدَ الإِيمَانِ. أذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ - يَتَوَاضَعُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ رَحْمَةً بِهِمْ أَعْزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ - أَشْدَّاءَ عَلَيْهِمْ. لَوْمَةَ لاَئِمٍ - اعْتِرَاضَ مُعْتَرِضٍ فِي نَصْرِهِم الدِّينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والخطاب هنا للمؤمنين، وكل نداء مثل هذا قد يجيء بعده حكم من الأحكام أو بشارة من البشارات أو وعيد للمخالف. والذي يأتي فيه شبه إشكال وليس بإشكال، هو أن يأتي هذا القول ويكون ما بعده أمر بالإيمان كقوله الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} فسبحانه يناديهم كمؤمنين ويطلب منهم الإيمان، ومثال ذلك قول القائل: "يا قائم قم" برغم أن المفروض أن يكون القول: "يا قائم اجلس" أو "يا قائم تعال"، أو "يا قائم انصرف إلى فلان"، فكيف إذن يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ}. هنا نقول: ما الإيمان؟ الإيمان هو استقرار العقيدة في القلب فلا تطفو للذهن لتناقش من جديد. ونسمي ذلك عقيدة، أي أمراً معقوداً في القلب. إذن فالحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب مؤمناً يطالبه ان يؤمن، فمعنى ذلك أن الحق يقول: أنت آمنت قبل أن أناديك وبسر الإيمان ناديتك فحافظ على هذا الإيمان دائما. وجدد دائماً إيمانك لأنني ناديتك بوصف الإيمان الذي عرفته فيك. إن الحق يوضح: يا أيها الذين آمنوا داوموا على إيمانكم ولتكن كل لحظة من لحظات حياتكم المقبلة في إيمان عالٍ مرتقٍ قبل أن أتكلم معكم بوصف الإيمان أنتم آمنتم أولاً فناديتكم فحافظوا على ذلك واثبتوا على إيمانكم. ومعنى قوله: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} أي من يتراجع منكم عن الإسلام فسيأتي الله بعوض عنه، وسيأتي بقوم لن يكونوا مثل هؤلاء المرتدين. إذن فمن يرتد فعليه أن يفهم أنه لن ينقص جند الله واحداً؛ لأن الذي أذن لشرعه أن ينزل على رسول ونبي خاتم لن يجعل هذا الرسول وهذا المنهج تحت رحمة أغيار الناس. فإن خرج أناس عن المنهج فالله يستبدل بهم غيرهم. وفي هذه الآية أسلوب يخالف آية البقرة في الوجه الإعرابي، وسبحانه يقول في آية البقرة: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة: 217] هنا وجدنا الحق يقول: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} أما في الآية التي نحن بصددها في سورة المائدة فهو سبحانه يقول: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} ونجد الأسلوبين مختلفين. والحكمة العليا في أن الحق سبحانه وتعالى يأتي في كتابه بآيات متحدة في المعنى إلا أن وجه الإعراب فيها يختلف ليدلنا أن القرآن نزل إلى الناس كافة. وقبل أن ينزل القرآن كانت هناك لغتان: لغة تميم، ولغة الحجاز. وكان الخلاف بين اللغتين محصوراً في الكلمة التي بها تضعيف، أي فيها حرفان من شكل واحد أي متماثلان. وكلمة "يرتد" بها "دالان" وأصلها "يرتدد". و"يرتد" بها مِثْلان والنطق بهما صعب. ولذلك حاول الناس في مثل هذه الحالة أن يدغموا مِثْلاً في مثل. ولذلك كان من اللازم أن نُسكن الحرف الأول من المثلين. والمفروض أن "الدال" الثانية ساكنة؛ لأن "مَن" شرطية جازمة. والدال الأولى أصلها بالكسر. ولا بد من الإدغام. والإدغام يقتضي إسمان الحرف الأول. إذن فمن أجل الإدغام نفعل ذلك. ونحن نعلم أن الساكنين لا يلتقيان، وكان تسكين الحرف الأول لأنه ضروري للإدغام، أما الحرف الساكن الآخر فهو الطارئ. فنتصرف فيه، ولذلك نحركه بالفتح حتى نتخلص من التقاء الساكنين. ولذلك نقول: "من يرتد" بالفتح. وجاء لي ذات مرة سؤال يقول: كيف يأتي القرآن بـ "يرتد" بالنصب أي بالفتح؟ وقلت: إنها ليست "فتحة نصب" والسائل يفهم أن "مَن" إما اسم موصول، وإمَّا هي "مَن" الشرطية، فلو كانت اسماً موصولاً؛ لكان القول "من يرتدُ" - بالضم - وإن كانت "مَن" الشرطية لجاءت بالتسكين ولأن ما قبلها جاء ساكناً للإدغام تخلصنا من السكون بالفتحة وهي "فتحة" التخلص من ساكنين، لأنه - كما قلنا - لا يلتقي ساكنان. والذي يُظهر لنا ذلك هو آية البقرة التي قال فيها الحق: "ومن يرتدد" بدليل أنه عندما عطف قال: "فيمت" بالجزم عطفا على يرتدد. أما السبب في أن جواب الشرط واضحٌ في آية المائدة أنه لم يأت فعل جوابي أو عطف، وجواب الشرط هو قول الحق: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ويدل على ذلك دخول الفاء على كلمة سوف لكن لو كان الحق قد قال: من يرتد منكم عن دينه يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه كان يمكن الفهم بسرعة أن "مَن" شرطية، لأن كلمة "يأت" جاءت مجزومة بحذف آخرها، ومن هنا يتضح أن الفتحة في "يرتد" هي فتحة التخلص من التقاء الساكنين. وما السبب في أن الحق يأتي بآية على هذا النسق، وآية أخرى على ذاك النسق؟ نحن نعلم أن القرآن قد نزل بلغة قريش. وكانت قريش تمتلك السيادة. ولم تكن هناك قبيلة بقادرة على مواجهة قريش. ونعرف جميعاً أن رحلة قريش إلى اليمن لم يكن ليجرؤ إنسان أن يتعرض لها، وكذلك في رحلة قريش إلى الشام؛ لأن قريشا تستوطن حيث يوجد بيت الله الحرام الذي يحج إليه كل عربي. ويوم أن يتعرض أحد لقوافل قريش فعليه أن ينتظر العقاب له أو لقبيلته، إذن فالبيت الحرام هو الذي أوجد لهم تلك المهابة لذلك ينبههم الحق إلى ذلك عندما قال في سورة الفيل: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 1-5] وقد تم وعيد الله لأصحاب الفيل، لأنهم أرادوا هدم بيت الله الحرام. ثم يتبع الحق سورة الفيل بقوله في سورة قريش؛ {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2] ليوضح سبحانه أنه من ضمن أسباب صيانة بيت الله الحرام أن حفظ سبحانه لقريش الأمان في رحلة الشتاء والصيف، ولو انهدم البيت الذي يحقق لقريش السيادة لهجم الناس على القرشيين من كل جانب؛ لأنه القائل في شأن من قصدهم لهدم بيت الله الحرام. {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5] {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1] وما دامت تلك المسألة قد صنعها الله لقريش، فلا بد لهم من عبادة رب هذا البيت: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4] إذن فقريش أخذت السيادة بين العرب بمكانة البيت، وأخذت السيادة أيضاً في اللغة، وكانت كل أسواق العرب تعقد هناك، وأشهرها سوق عكاظ، وكان ينصب في قريش خلاصة اللغات الجميلة من القبائل المختلفة. وهكذا أخذت اللغة المصفّاة المنتفاة، فكل شاعر كان يقدم أفضل ما عنده من شعر. وكل خطيب كان يأتي بأحسن ما عنده من خطب. وبذلك كانت قريش تسمع أجود الكلمات. ولهذا كانت اللغة التي عندهم هي اللغة العالية. ولذلك عندما جيء لزمن كتابة القرآن كانت الوصية: إن اختلف عليكم شيء فاكتبوه بلغة قريش؛ لأن لغة قريش أخذت من اللغات محاسنها. وبنو تميم والحجاز كانوا مختلفين في بعض الأشياء. ولذلك كنا نسمع - عندما نتعلم الإعراب - قول المعلم وهو يسألنا: هل "ما" حجازية أو تميمية؟ وهذا يدلنا على أن هناك خلافاً بين النطق في القبيلتين. وفي الآية التي نحن بصددها ندغم ونقول: {مَن يَرْتَدَّ} وفي آية البقرة ننطقها دون إدغان فنقول: "ومن يرتدد". وكأن الحق جاء بآية على لغة الحجاز واية على لغة تميم، وذلك برهان جديد على أن القرآن لم يأت ليحقق سيادة القريش، إنما هو للناس كافة؛ لذلك نجد من كل لهجة كلمة، ليتضح أن القرآن لعموم الناس جميعهم. وعندما نقرأ قول الحق: {أية : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54] نعلم أنه سبحانه يعلمنا أنه قادر على أن يأتي بأهل إيمان غير الذين ارتدوا عنه، تماماً كما أخبرنا من قبل: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة: 217] والقول هنا: خبر عن مصير المرتد إلى جهنم بعد أن تقوم الساعة. ولكن القول: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} يدل على أن إجراءً سيحدث قبل أن تقوم القيامة. ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور أن إلهاً ينزل قرآنا يتحدى به ثم يأتي في القرآن بقضية مازالت في الغيب ويجازف بها، إن لم تكن ستقع؟. والحق يقول: { فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} و"سوف" تخبرنا بموقف قادم سيأتي من بعد ذلك. ونقول هنا: من الذي يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان؟. لا أحد يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يتحكم ويحكم ويخبرنا بأنه سوف يأتي أناس يؤمنون بدلاً من المرتدين. أما إن ارتد أناس، وانتظروا أن يروا البديل لهم، ولم يأت فماذا يكون الأمر؟ لا بد أن تنصرف الناس عن الدين. ولم يكن الحق ليجازف ويجري على لسان محمد بأن قوماً سيرتدون وهو لا يعلم أيأتي قوم مرتدون؟ والعلم جاء في هذه الآية كما جاء في كل القرآن من الله جل وعلا. وقد قالها الحق قضية كونية: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. وهل هناك قوم يحبهم الله وهم لا يحبونه؟ ونقول: إن هذا لا يحدث مع الله، وإن كان يحدث في الحياة البشرية مثلما قال الشاعر العربي: شعر : أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون محبّاً غير محبوب تفسير : وشقاء المحبين إنما يأتي من أن العاشق يحب أحداً، وهذا الحبيب لا يبادله الحب؛ لذلك يظل العاشق باكياً طوال عمره. ولنا أن نلحظ أن حب الله هو السابق في هذا القول الكريم: { فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}؛ لأن هذه هي صفة الانكشاف للعلم، لقد علم الحق أنهم سيتجهون إليه فأحبهم، وعندما جاءوا فعلوا ما جعلهم محبوبين لله، ثم ما هو الحب؟. إنه ودادة القلب. وقلنا الكثير من قبل في أمر ودادة القلب. ونعرف أن هناك لوناً من الحب يتحكم فيه العقل. ولوناً آخر من الحب لا يتحكم فيه العقل ولكن تتحكم فيه العاطفة. ومثال هذا عندما نذهب إلى طبيب ويصف لنا دواء مراً غير مستساغ الطعم، ونجد الإنسان الموصوف له الدواء يذهب إلى الصيدلية للسؤال عن الدواء، فإن لم يجده فهو يلف ويدور ويسأل في كل صيدليات البلد فإن لم يجده فهو يوصي المسافر إلى الخارج لعله يأتي له بالدواء. وإذا جاء له صديق بهذا الدواء فهو يمتلئ بالامتنان بالسرور. أيقبل المريض على الدواء غير المستساغ بعاطفته ام بعقله؟ إنه يقبل على الدواء غير المستساغ الطعم ويحبه بعقله. والحب العقلي - إذن - هو إيثار النافع. ومثال ذلك نجد الوالد لابن غبي يحب ابناً ذكياً لإنسان غيره. الوالد - هنا - يحب ابنه الغبي بعاطفته. ولكنه يحب ابن جاره لأنه يمتلك رصيداً من الذكاء. إذن هناك حب عقلي وحب عاطفي. وهذا ما يحدث في المجال البشري لكن بالنسبة لله فلا. وعندما يقول الحق: { فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} أي أنهم يحبون الله بعقولهم، وقد يتسامى الحب إلى أن يصير بعاطفتهم، وقد يُجرب ذلك حين يجري الله على أناس أشياء هي شر في ظاهرها، ولكنهم يظلون على عشق لله. ومعنى ذلك أن حبهم لله انتقل من عقولهم إلى عاطفتهم. وسيدنا عمر جرى معه حل هذا الإشكال. كيف؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". تفسير : وهناك من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أحب إليه من ماله وولده لكن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أنت أحب إليّ من مالي وولدي أما نفسي فلا وأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم القول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". تفسير : وهنا علم عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد الحب العقلي؛ لأن عمر رضي الله عنه علم أيضا أن الحب العاطفي لا يكلف به، ولذلك قال عمر: الآن أحبك عن نفسي، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر. أي كأنه في هذه اللحظة قد اكتمل إيمان عمر. إذن فحب الله لا تقل فيه أيها المؤمن هل هو حب عقلي أو حب عاطفي؟؛ لأن المراد بحب الإله هو دوام فيوضاته على من يحب، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالحق يلقاه في أحضان نعمه ويتجلى عليه برؤيته: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26] والحسنى هي الجنة. أما الزيادة فقد قال المفسرون: إنها رؤية المحسن. {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وعندما يقول الحق: "فسوف" فلنعلم أن ما يأتي بعدها هو من إعلامات النبوة التي جاءت على لسان محمد في قرآن الله؛ لأن ذلك الأمر قد حدث كما جاء في قرآن الله، فقد ارتد قوم وانقسموا في الردة إلى قسمين؛ قسم ارتد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم ارتد على عهد أبي بكر، ومنهم من ارتد على عهد عمر. وحين تنظر إلى ما بعد "سوف" لا بد أن تعرف أن هناك امتداداً زمنياً. وأول الارتداد كان في اليمن وكان ذلك بعد حجة الوداع وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في اليمن كاهن مشعوذ اسمه عَبْهَلة بن كعب، ويقال له: ذو الخمار، أو ذو الحمار في رواية أخرى، وهو الذي يعرف في كتب التاريخ الإسلامي باسم الأسود العنسي. هو أحد الكذابين اللذين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : بَيْنَما أنا نائم إذ اوتيتُ خزائن الأرض، فوُضع في يديّ سواران من ذهب فكبر عليّ وأهمّني، فأُوحِي إليَّ ان انفخهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما الكذابَيْن اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ". تفسير : وكان لهذا الكاهن حمارٌ روّضه صاحبه رياضة من لون خاص تماماً كتدريب القرود، فكان يقول له: قف. فيقف. ويقول له: سر. فيسير. واعتبر هذا الكاهن أن مثل هذا الأمر للحمار هو معجزة. أو كان الرجل اسمه "ذو الخمار" أي أنه كان يرتدي خماراً على وجهه. ومن العجيب أن اي مرتد لم يطالبه من يتعبه بعلامة صدقه في النبوة. إن أول شيء في التأكد من صحة قول أي إنسان: "أنا نبي" أن يسأله الناس عن علامة الصدق في النبوة وأن يتعرفوا على معجزته، لكنا لا نجد ذلك في مرتد أبداً. وكيف لا يسأل الناسُ الذين يتبعون المرتد عن نفسه وعن دعواه أنه نبي وعن معجزته التي تدل على صدق رسالته، وهو ما يحدث مع أي رسول، كيف يؤمن أناس بفرد بدون معجزة؟. هنا نذهب إلى الجانب النفسي من الأمر ونقول: إن التدين أمر فطري والإنسان الذي ليس له دين يغضب ويحزن عندما نقول له: يا قليل الدين. ولذلك نجد أن المبطل من هؤلاء يقول: أنا على دين. إنه لا يتصور أنه مبطل بلا دين. ولذلك قال الحق: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 6] فكأن الأصل في الفطرة الأصلية أن الدين ليس مجرد اسم أو صفة، ولكنه التزام بتكاليف. والذي يجعل الناس في خشية من الدين هو مشقة التكاليف؛ لذلك فعندما يأتي إنسان ويقول: أنا نبي ومعجزتي أنني خففت عليكم الصلاة والزكاة والصيام وأبحت لكم النظر إلى نساء بعضكم. لا بد أن يسيل لعاب أصحاب الهوى الذين لا بصيرة لهم ويقولون: إن مثل ذلك لدين جميل، ويستسلمون ويخدعون أنفسهم بأنهم متدينون ورغم تحللهم من بعض التزامات التدين، إن المرء ليتعجب من مدعي النبوة في الزمن القديم وحتى عصرنا هذا لأننا لم نجد أحداً من المثقفين قد وقف أمام مدع وقال له: ما معجزتك؟ ولكن الكل سأل: ما منهجك؟ وعندما سأل أهل اليمن ذا الخمار: ما منهجك؟ كانت إجابته: إنه أسقط عنهم بعض التكليفات بداية من تقليل الصلاة والزكاة إلى إباحة الاختلاط بنساء غيرهم. واستراح بعضهم لذلك المنهج وذهلوا وغفلوا عن طلب المعجزة. وكل الذين ادعوا النبوة كانوا من هذا الصنف. ولذلك نجد أن كل مدع للنبوة يحاول التخفيف من المنهج، فهناك من خفف الزكاة. وجاءت امرأة اسمها سجاح خففت الصلاة. وجاء ثالث ليخفف الربا فيبيحه. لكن أحداً منهم لم يأت بمعجزة. واتبعه بعضهم لمجرد تسهيل المنهج. ومدعي النبوة إنما يرضي النفوس التي لا تطيق ولا تقوى على مشقة المنهج بأن تكون متدينة ملتزمة به. ومثال ذلك ما حدث في الإسكندرية عندما ظهر مدع للنبوة. وأباح منكراً مثيراً، وتبعه بعض من المتعلمين الذين أرادوا دينا على هواهم، وكذلك كان الأمر في البداية. وعندما جاء ذو الخمار، أو ذو الحمار، وهو كما قلنا: مشعوذ، وكان كما يصفه المؤرخون يسبي قلوب من يسمع منطقه وكان يريهم الأعاجيب، واستطاع بذلك أن يستولي على مُلْك اليمن، وأعلن ارتداده. وغلب على صنعاء وعلى ما بين الطائف إلى البحرين. وجعل يستطير شره استطارة الحريق. وكان سيدنا معاذ بن جبل هو الوالي على اليمن من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر سيدنا معاذ بن جبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن كاهناًَ اسمه ذو الخمار أو ذو الحمار، قد ارتد. ويذهب سيدنا معاذ إلى حضرموت. وهناك يأتيه كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم يأمره فيه أن يبعث الرجال لمصاولة ذي الخمار. ويحتال المسلمون للنهوض بما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك يدخل على ذي الخمار رجل ديلمي اسمه فيروز فيقتله على فراشه. وعلى الرغم من بعد المسافة بين اليمن والمدينة إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ليلتها: "حديث : قتل الليلة الأسود العنسي ". تفسير : وبعد ذلك يأتي الخبر في آخر الشهر أن مدعي النبوة قد قتل. وتلك من إعجازات النبوة. إذن فقد تعرض المؤمنون على زمن رسول الله صلى اله عليه وسلم للهزة في العقيدة بحكاية ذي الخمار أو ذي الحمار. وكانت قصة ذي الخمار كالمصل الواقي الذي يربي المناعة، وأخبرهم الله بها أولاً: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. وذلك ليعطي الحق سبحانه وتعالى المؤمنين مناعة إيمانية وكأنه يقول للمؤمنين: لا تظنوا أنكم لن تتعرضوا إلى هزات عقدية دينية بل ستتعرضون. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: قد يجوز أن يفهم الناس أني وأنا حي أقوم على منهج الله في الأرض فإذا أنا مت ربما ارتدوا عن الدين. ورسول الله عندما يبلغ ذلك للمؤمنين عن الله - سبحانه - إنما كان بقصد تربية المناعة. فلو فوجئ المسلمون بالردة ولم يكن الله قد خبرهم بها لما كان عندهم احتياط مناعي. والاحتياط المناعي هو أول عملية في الوقاية. ونعلم أن العلم المعاصر استطاع فصل الميكروب أو الفيروس المسبب لمرض وبائي، ويقوم العلماء بإضعاف هذا الميكروب أو الفيروس، ثم يوضع قليل من هذا الميكروب أو الفيروس بعد إضعافه في الجسم البشري، فتتحرك في الجسم أجهزة الوقاية والحماية لتقاتل هذا الميكروب أو الفيروس وتنتصر عليه، وبذلك تمتلك قوى الوقاية والحماية داخل الجسم القدرةَ على مقاومة هذا المرض، وهكذا أراد الحق بهذا القول الكريم: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. إذن فحين يوجد الارتداد، لا يفاجأ المسلمون بهذا الارتداد، ويثقون تماماً أنه بمجرد مجيئ الارتداد فإن وعد الله الآخر يجيء: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} فلا فزع عند المؤمنين ساعة يحدث الارتداد ولا زلزلة في النفوس. وساعة يأتي الارتداد يقول المؤمن: إن الذي صدق في أنه يحدث الارتداد، سيصدق في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. وإذا رأيت "السين" تسبق قولاً فإن هذا يعني أن الزمن الذي يفصل بين الحدث والحدث قريب وقليل مثل قوله الحق: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 142] أما عندما تقرأ "سوف" فأعلم أن الزمن الذي يفصل بين الحدث والحدث متسع وبعيد. ولذلك نحن نرى أن الردة قد امتدت في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وفي عهد عمر - رضي الله عنه -. وما هي ذي مواصفات القوم الذين يأتي بهم الله في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}؟ إنها مواصفات ست: يحبهم الله، ويحبون الله، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم. وكيف يكون الإنسان المؤمن ذليلاً وعزيزاً في آن واحد؟ لأن الحق لا يريد أن يطبعنا على لون واحد من الانفعال، ولكنه يريد لنا أن ننفعل تبعاً للموقف. فعندما يحتاج الموقف إلى أن يكون المؤمن عطوفاً فالمؤمن يواجه الموقف بالعاطفة. وعندما يحتاج الموقف إلى الشدة فالمؤمن يواجه الموقف بالشدة. وإن احتاج الموقف إلى الكرم، فالمؤمن يقابل الموقف بالكرم. فالمسلم - إذن - ينفعل انفعالاً مناسباً لكل موقف، وليس مطبوعا على انفعال واحد. ولو انطبع المؤمن على موقف ذلة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب العزة فلا يجدها ولو طُبع المؤمن على عزة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب الذلة فلا يجدها؛ لذلك جعل الحق قلب المؤمن ليناً قادراً على المواجهة كل موقف بما يناسبه. والمؤمن عزيز أمام عدوه لا يُغلب، ويجابهه بقوة. والمؤمن يخفض جناح الذل من الرحمة لوالديه امتثالاً لأمر الحق سبحانه: {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 24] وهل إذا خفض المؤمن جناح الذل لوالديه. أيخدش ذلك عزته؟ لا. بل ذلك أمر يرفع من عزة الإنسان. والحق يريد المؤمن أن يكون غير مطبوع على لون واحد من الانفعال، ولكن لكل موقف انفعاله. وحين ينفعل المؤمن للمواقف المختلفة فهو يميز ما يحتاج إليه كل موقف {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} ويقال في اللغة: "ذليل لفلان" فلماذا - إذاً - يقول الحق هنا: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}، و"على" تفيد العلو. والذلة تفيد المكانة المنخفضة، فكيف يأتي هذا التعبير؟ لقد جاء هذا القول على هذا الشكل لحكمة هي: أن المؤمن ما دام يحب الله ويحبه الله. وساعة يكون في ذلة لأخيه المؤمن فهذا يرفع من قدره. وهي ليست ذلة بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه لين جانب وعطف ورحمة. إذن فقوله الحق: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني أن المؤمنين يعطفون على غيرهم من المؤمنين حتى يبدو هذا العطف وكأنه ذلة. وبعض العلماء يقول: إن المادة "ذال" و"لام" تدل على معنيين متقابلين، مثال ذلك قوله الحق: {أية : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} تفسير : [يس: 72] أي جعلناها خاضعة لتصرفهم. وهذا التذليل ليس بقهر من الإنسان للأنعام ولكنه بتسخير من الله. وهي ميسرة لخدمة الإنسان. ومثال آخر. قوله الحق: {أية : فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} تفسير : [النحل: 69] أي متطامنة مهيأة. إذن فهذه ذلة اللين. وهناك "ذُل" - بضم الذال - وهو ضد العز. وهناك "ذِل" - بكسر الذال - وهو اللين. إذن فالذل بكسر الذال هو ضد الصعوبة؛ أي اللين. والذُّل - بضم الذال - هو ضد العز -، فإذا اردنا ذلّة اللين؛ فذل المؤمن للمؤمن من الذُّل، وإن أردنا الذلة التي هي ضد العز، فهي من الذُّل. وعندما يكون المؤمن على ذِلة للمؤمن. فهي ذِلة اللين والعطف. وعندما يريد الحق الشيء ليتدانى للمؤمن ولا يتعبه، فهو يقول: {أية : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 23] وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} تفسير : [الإنسان: 14] أي دُلِّيت عناقيدها. فالفاكهة تنزل إلى المكان الذي يوجد فيه المؤمن. وإن وقف المؤمن لطال بيده أن يقطف الثمار. وإن اضطجع لاستطاع أن ينال أيضاً من الثمار لأنها تتدانى له. وإن نام المؤمن لتدانى قطاف الثمار إلى مكانه وبذلك يستطيع أن يأكل منها في أي وقت وعلى أي وضع. وهنا يأتي الحق بالقول الحكيم: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أن ذلة المؤمن لأخيه المؤمن ترفع منزلته. وبها يكون المؤمن أهلاً لأن ترفع منزلته؛ لأنه مصطفى بأن الله يحبه وأنه يحب الله، ولا توجد رفعة أكثر من هذه رفعة. ولذلك نجد القول المأثور: (من تواضع لله رفعه). أي من تواضع وفي باله الله فإن الله يرفعه. {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وهذا هو الوصف الثالث للمؤمنين في تلك الآية بعد قوله الحق: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. إن المؤمن عزيز على الكافرين بأنه لا يُغلب، وما دام هو يعرف ذلك فهو ينضم إلى الجهاد في سبيل الله. {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وكلمة "الجهاد في سبيل الله" تخصص لوناً من الجهاد، فالإنسان قد يجاهد حمية أو دفاعاً عن جنسيته أو أي انتماء آخر، وكل هذه الانتماءات في عرف الذين لا قيمة لها إلا إذا نبعت من الانتماء إلى منهج الله، لتكون كلمة الله هي العليا. وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل القتال: حديث : فيما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليُرَى مكانه، فَمَنْ في سبيل الله؟ قال: "مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". تفسير : وما دام المؤمن محبوباً من الله ويحب الله وذليلاً على المؤمنين وعزيزا على الكافرين، مادام الأمر كذلك فعندما يتولى مؤمن أمر قيادة غيره من المؤمنين فلا أحد منهم يأنف أن يكون تحت قيادته. وبذلك يخرج المؤمن عن دائرة الاستعلاء والاستكبار؛ لأنه يجاهد في سبيل الله. ولو جاءه إنسان ليلومه على ذلك فهو لا يسمح له، وكأنه سبحانه يوضح: تنبهوا جيداً إلى أن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله والذين هم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين ويجاهدون في سبيل الله فلا نظن أنهم بمنأى عن سخرية الساخرين، وهزؤ المستهزئين، ولوم اللائمين ليردوهم عن هذه العملية. ولذلك يقول الحق: {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} وقد وضح ذلك على مر تاريخ الإسلام وجاء الحق بقوم يحبهم ويحبونه وهم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين وجاهدوا في سبيل الله وما خافوا لومة لائم. وساعة نستقرئ هذه الآية نجد أن "سوف" ابتدأ مدلولها الأول في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. حديث : وحين سئل رسول الله عن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله وفيهم هذه الصفات؛ أشار بيده مرة إلى أبي موسى الأشعري، وقال صلى الله عليه وسلم: "هم قوم من هذا ". تفسير : وعندما نزل قوله تعالى: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} تفسير : [الجمعة: 3] حديث : سأل أبو هريرة - رضي الله عنه - رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هم يا رسول الله؟. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجل من هؤلاء ". تفسير : وقد حدثت الردة الأولى في اليمن، وكانت في قوم أبي موسى الأشعري، وكتب رسول الله إلى معاذ بن جبل - كما أوضحنا - وبعد ذلك تطوع فيروز الديلمي ودخل على من كان يدّعي النبوة ذي الخمار أو ذي الحمار، وقتله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتها بالأمر. ولكن خبر القتل جاء بعد أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. وكانت تلك من علامات النبوة. وحدث - أيضاً - في زمانه صلى الله عليه وسلم أن ادّعى مسيلمة الكذاب أنه نبي. وكتب مسيلمة إلى رسول الله كتاباً، يقول: مِن مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. ولم يقدر على نزع صفة النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في كتاب مسيلمة: "أما بعد. فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك" كأنه قد فهم أن المسألة بالنسبة لرسول الله تحتاج إلى قسمة، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات فيها هبات النبوة: (حديث : من محمد رسول لله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ). تفسير : ولم يسمع مسيلمة كلام رسول الله، وجهزت الحملة لترسل إليه لتأديبه. وجاء عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، وكانت المعركة على أشدها. وجاء "وحشي" الذي قتل حمزة - رضي الله عنه - في موقعة أحد. وأراد أن يكفر عن سيئاته فذهب وقتل مسيلمة. ولذلك كان يقول كلمته المشهورة: أنا قتلت في الجاهلية خير الناس - يقصد حمزة - وقتلت في الإسلام شر الناس - يقصد مسيلمة - وانتهى أمر مسيلمة. وجاء إنسان ثالث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه "طليحة بن خويلد" من بني أسد وادّعى النبوة، وكلّف رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن ذهب إليه وكان "خالد بن الوليد" وساعة علم الرجل أن خالداً هو الذي جاء لقتاله لاذ بالفرار، ولكنه من بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه. ونلاحظ أننا ننطق "الردة" بكسر الرا، وصفاً لتلك الأمور التي حدثت وقوبلت هذه المقابلة. ولا نسميها "رد" فتح الراء، لأن الرد - بفتح الراء - يكون عودة إلى حق، أما الردة - بكسرة الراء - فتكون إلى باطل، مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [النساء: 59] أما الذي يرتد فهو يرتد إلى باطل. ومن العجيب أن كلمة "الردة" التي جعلها الإسلام علامة على الانتقال من الإيمان إلى الكفر يستخدمها أعداء الإسلام الذين لا يؤمنون بأديان ما، فعندما يترك الشيوعية أحد أتباعها يقولون: لقد حدثت رِدة. وكان من الواجب لو أنهم أصحاب مبادئ أصيلة أن يختاروا لفظاً آخر لكن لا يوجد في اللغة لفظ يعبر عن الرجوع إلى الباطل إلا كلمة "ردة" وكذلك كلمة "منبر" لا توجد - أيضاً - إلا في الإسلام، وهو موقف الواعظ من المصلين يوم الجمعة. وعندما يأتون إلى تصنيف جماعة متطرفة إلى اليسار فهم يقولون: "منبر اليسار" ونقول: لماذا تأخذون هذه الكلمة من عندنا؟. ومثال آخر عندما يكتب كاتب: هذه الراقصة تتعبد في محراب الفن. ونقول: لماذا تستخدم كلمة "محراب"؟. عليك أن تبحث عن كلمة أخرى. وكل ذلك يدل على أن كلمات الإيمان هي الكلمات المعبرة ولذلك يذهبون إليها. ويؤخذ في ظاهر الأمر على الإسلام أن من يرتد يُقتل. ونقول: أيظن أحد أن هذه ضد الإسلام؟ لا إنها لصالح الإسلام؛ لأن الإنسان إذا علم أنه عندما يقبل على الإسلام فهو يقبل على الدين الكامل؛ لأن من يخرج عليه يهدر دمه ويقتل. وعلى من يفكر في الدخول إلى الإسلام أن يحتاط لحياته. إذن فالإسلام لا يسهل لأحد الدخول فيه، ولكنه يصعب عملية الدخول: وينبه كل فرد إلى ضرورة الانتباه قبل الدخول في الإسلام؛ لأنه دخول إلى دين كامل وليس لهواً أو لعباً. إن على من يرغب في الدخول في الإسلام أن يفكر جيداً وأن ينتهي إلى الحق؛ لأن حياته ستكون ثمن الرجوع عن الإسلام وهذا دليل على جدية هذا الدين وعدم السماح بالعبث في عمليات الدخول فيه. وحين يصعب الإسلام عملية الدخول فيه إنما يعطي فرصة الاختيار ليعلم من يختار الدين الإسلامي أن يعي أن الرجوع عن الإسلام ثمنه الحياة. وساعة يطلب دين أن يفكر الإنسان جيداً قبل أن يدخل فيه فهل في ذلك خداع أو نصيحة؟ إنها النصيحة وهي عملية لصالح الإسلام، وهي أمر علني ليعلم كل داخل في الإسلام أن هذا هو الشرط. ولو أن الإسلام يريد تسهيل المسألة لقال: تعال إلى الإسلام واخرج متى تريد. لكن الدين الحق لا يخدع أحداً. وسبحانه يقول: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42] وتكلمنا من قبل عن الردات التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كلمة "سوف" التي جاءت في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تدل على الامتدادية. وقد حدثت ردة في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وظهر سبعة ادّعوا النبوة، مثال ذلك: "بنو فزارة" قوم عيينة بن حصن ارتدوا وأرسل إليهم أبو بكر - رضي الله عنه - من حاربهم. وكذلك قوم غطفان ارتدوا. وكذلك قوم قرّة بن هبيدة بن سلمة، وكذلك بنو سُلَيْم. قوم الفجاءة بن عبد ياليل، فأرسل لهم أبو بكر من يؤدبهم. وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض من بني تميم الذين ادعت فيهم النبوّة سجاح بنت المنذر والتي تزوجت مسيلمة. وكذلك "كِندة" قوم الأشعث بن قيس، وكذلك قوم الحًطَم بن ضبيعة وهم بنو بكر بن وائل في البحرين. وقضى عليهم سيدنا أبو بكر مما جعل كثيراً من القوم يقولون: إن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله وفيهم كل تلك الأوصاف هم أبو بكر ومن معه. ولكن أيمنع ذلك أن كل جماعة سيكون فيها مثل أبي بكر - رضي الله عنه -؟ لا. ومثال ذلك علي بن أبي طالب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: حديث : عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا اتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج على فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأعطين الراية - أو ليأخذنّ - غداً رجلٌ يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله. يفتح الله عليه. فإذا نحن بعليٍّ وما نرجوه، فقالوا هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه ". تفسير : وفي عهد سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم تحدث إلا ردة واحدة، جاءت من الغساسنة بقيادة جبلة بن الأيهم وهم من الشام وكانوا موالين للروم، وكان جبلة هو رئيسهم وأسلم وجاء ليطوف بالبيت الحرام بهيلمان كزعيم للغساسنة. وكان لهم العظمة في الجياد والملابس. وكان يرتدي رداءً طويلاً فوطئ أحد الناس رداءه؛ فسقط، فلطمه جبلة، وأبلغ الرجل عمر بن الخطاب. وقال عمر بن الخطاب: إنه القصاص. وقال سيد الغساسنة: إني أشتري هذه اللطمة بألف دينار ولم يقبل الرجل فعرض سيد الغساسنة ألفين من الدنانير فرفض الرجل، فزادها إلى عشرة آلاف ولم يقبل الرجل. وقال جبلة لعمر: أنظرني حتى أفكر في المسألة. فلما أنظره عمر، هرب الرجل إلى الشام و وتنصر. هكذا يتضح لنا آفاق كلمة "سوف" وأي زمن تأخذ، إن لها امتدادات حتى زماننا. إن الردة في زماننا جاءت من فارس ممثلة في البهائية والبابية، وهدف المرتد يكون جاه الدنيا، إن كان يريد الحكم، ووسيلة المرتد تيسير التكليف لمن يتبعه في الارتداد. ومن يدعي لنفسه النبوة والقدرة على الإتيان بتشريع جديد إنما يطلب لنفسه جاه الدنيا، والذي يتبع ذلك المدعي للنبوة إنما يقصد لنفسه تيسير التكليف. ولماذا تيسير التكليف؟؛ لأن الإنسان مؤمن بفطرته ودليل ذلك أننا إذا واجهنا إنساناً غير مؤمن، وقلنا له: أنت قليل الدين. يغضب ويثور؛ لأنه لا يتصور أن ينزع أحد منه أنه متدين بشكل ما. ونرى إنساناً قد يسرف على نفسه كثيراً لكنه ساعة يسمع إنساناً آخر يسب الدين يثور ويغضب ويتحول إلى مدافع عن دين الله، وتلك هي الفطرة الإيمانية التي فطر الله كل الناس عليها. والذي يجعل الدين لأمراً شاقاً على النفس البشرية ليس فطرة الدين، ولكنه تكليف التدين؛ لأنه أمر يدخل في الاختيار. وقد جعل الحق التكليفات الإيمانية كلها في مناط الاختيار البشري، ولم يشا أن تكون أمراً قهرياً. ولو شاء سبحانه أن يجعل كل الناس مؤمنين لما قدر أحد على الكفر: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4] فليس في قدرة أحد أن يتأبى على الله، ولكنه شاء أن يجعل تكاليف الإيمان مسألة اختيارية. والإنسان حر في أن يفعل تكاليف الإيمان أو لا يفعلها، وفي كلتا الحالتين سيلقى الجزاء. مثال ذلك: "اللسان" خلقه الله صالحاً أن يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وهذا اللسان نفسه صالح لأن يقول: - والعياذ بالله - "أنا لا أؤمن بالله". ولا يعصى اللسان صاحبه، فقد خلقه الله مجهزاً للتعبير عن مكنونات قلب الإنسان وخاضعا لإرادة الإنسان. ومثال آخر من مصنوعاتنا نحن: جهاز التليفزيون الذي صممه البشر ليكون آلة منقادة ومسخرة لما يرسله الإنسان فيه من برامج، فإن أرسل الإنسان في جهاز التليفزيون أفلاماً وبرامج دينية وعلمية تستكشف آيات الله في الكون وتثبت قيم الإنسان على الإيمان فهذا اختيار إيماني. وإن أرسل الإنسان أفلاماً خليعة تحض على المجون والفسق فهذا اختيار يلحق الإنسان بدائرة المفسدين في الأرض. إذن فالحق خلق الإنسان صالحاً لتطبيق تكاليف الإيمان وصالحاً للخروج عن التكليف. وحين يأمر الله عباده أن يطبقوا أو ينفذوا التكليف الإيماني فهو يعلم أن قدرة الإنسان تسع التكليف؛ لأنه العليم بعباده، ولو لم يكن باستطاعتهم تنفيذ التكليف لما كلفهم به. وكلنا نعرف الفرق بين "العباد" و"العبيد"؛ فكل الكائنات عبيد لله، والإنسان من عبيد الله إن كان متكبراً على التكليف، وإن خرج على التكليف فهو مسير في أمور لا يقدر على الخروج منها، فلا يستطيع أحد بإرادته أن يتوقف عن التنفس، وهو - كما نعلم - أحد العمليات التي تجري على الرغم من الإنسان. ولا أحد يستطيع أن يتنفس عندما ينتهي أجله. كذلك لا أحد يستطيع أن يقاوم المرض إن أصابه. إذن فكِبْر الإنسان وخروجه عن طاعة الله في أشياء لا تعني أنه خارج في مطلق أموره عن الله؛ لأن الحق فعال لما يريد، فلا أحد يتحكم في بدايته حين يولد، ولا أحد يتحكم في نهايته حين يموت، وهناك أمور بين قوسَيْ الميلاد والموت ما من أحد بقادر على التحكم فيها، وإرادة الاختيار إنما توجد في بعض الأمور فقط. أما كل ما عدا ذلك فهو قهري، وكلنا عبيد لله في ذلك. لكن الحق تعالى أعطى لنا الاختيار في بقية أمور الحياة. والذكي حقاً هو من يسأل ربه: لقد خلقتني يارب مختاراً. وماذا تحب أنت أن أفعل؟ هنا يجد الإنسان نفسه أمام أوامر الله ونواهيه وأمام المنهج بمطلوباته، هذا المنهج الذي يوضح للمؤمن ما الذي يمكن أن يفعله وما الذي يمكن أن يتجنبه. ويقول المؤمن: إنني أخرج من اختياري إلى مرادك يارب. والعبد الذي يتنازل عن اختياره إلى مراد خالقه هو واحد من العباد الذين وصفهم الحق بأنهم عباد الرحمن. ونرى في حياتنا العادية نموذجا لما يحدث بين رب الأسرة وأفرادها، فرب الأسرة يقول لأبنائه: أنتم تريدون التنزه، فأي مكان تحبون الذهاب إليه؟ يجيب أحد أفراد الأسرة: لنذهب إلى المكان الفلاني. ويجيب آخر: أنت حر في أن تصحبنا إلى أي مكان تريد، المهم فقط أن تكون معنا. ومن المؤكد أن الذي يقول مثل هذا القول لرب الأسرة ينال منزلة رفيعة في قلبه. فإذا كان هذا يحدث بين إنسان وإنسان مثله فما بالنا بالاستحسان الذي يناله العبد حين يقول ذلك لخالقه الأكرم؟ لا بد أن ينال منزلة راقية؛ لأنه قد خرج من دائرة العبيد إلى دائرة العباد الذين قال عنهم الحق: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 63-66] هؤلاء هم عباد الرحمن الذين يحبهم ويحبونه. أما الذي يتمرد على منهج الله فعليه أن يعرف أنه غير قادر على أن يتمرد على قدر الله. وأراد الحق أن يعطينا مناعة إيمانية حين قال: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وتتجلى تلك المناعة في أن المؤمن لا بد أن يلتفت إلى هؤلاء الذين يرتدون عن دين الله بادعاء أنهم أنبياء من بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن هذه الآية توضح لنا ما جد وما يجد من أمر هؤلاء المرتدين، والواحد منهم يعلن: أنا نبي مرسل. ويَجِدُ هذا النبي المزيف من يستمع له ويصدقه ويتبعه، ولا يجد من يسأله: إن كنتَ نبياً فما معجزتك؟ لكنه يجد من يصدقون هذا الزيف لهوى في نفوسهم. هذا الهوى يتلخص في أن مثل هذا النبي المزيف يأتي بمنهج ميسر يخدع به أتباعه الذين يخدعون أنفسهم بأن الواحد منهم متدين، لكنّه يتبع منهاجاً ضالاً. وكثير من الذين ادعوا أنهم أنبياء وأنّه هو المهدي المنتظر لم يسألهم أحد: ما المعجزة الدالة على صدق نبوتكم؟ لأن النبي المزيف من هؤلاء يلهي الناس بالتخفيف من التكليف. إننا نجد بعضاً من المثقفين أو الذين يدعون أنهم يعملون عقولهم في كل شيء يتبعون هؤلاء الدجالين. وقد رأينا منذ أعوام قليلة العجب العجاب، عندَما ادعى أحدهم النبوة. وآمن به واتبعه عدد من الرجال والنساء. وكانت المرأة المتزوجة تدخل على هذا النبي المزيف لتقبله ويقبلها من شفتيها وأمام زوجها. أين نخوة الرجل - إذن - في مثل هذا الموقف؟ إنه التدليس الضال الذي يدعي لنفسه الهداية، إنّها هداية إلى الجحيم. وهل تنبع تلك التيارات من الإسلام؟ لا، بل تأتي من قوم يبغضون الإسلام، ويصطادون الرجل الذي تظهر عليه المواهب والمخايل، ويقنعونه بأنه يمكن أن يلعب دور النبي المزيف. مثال ذلك الهندي ميزرا غلام أحمد الذي جاء بالقاديانية. ونعلم أن الإنجليز قد استعمروا الهند لسنوات طويلة، وكانوا يعتبرونها درة التاج البريطاني. ونعلم أن خصوم الإسلام وعلى رأسهم الاستعمار يحاولون أن ينالوا من الإسلام؛ لأنهم رأوا أن التمسك بالدين أتاح للمسلمين فتح الأمبراطوريات لا بالسيف ولكن بحماية حق الاعتقاد. إذا كانت الدعوة قد نشأت في الجزيرة العربية؛ فقد امتدت إلى آفاق الأرض. وانهزمت الفرس والروم أمام الذين يحملون راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله". ومن بعد ذلك نجد أن الذين هزموا التتار هم المسلمون، وكذلك اشتعلت الحروب الصليبية في حملات متتابعة، ولكن المقاتلين تحت راية الإسلام أنزلوا بهم الهزيمة الضارية. إن الذي أرهق الاستعمار من الإسلام طاقة الإيمان والقتال في سبيله ولذلك جاء ميزرا غلام أحمد وحاول أن يضعف القدرة على الجهاد عند المسلمين، فقال: لقد جئت لكم لألغي الجهاد من العقيدة الإسلامية. وجرؤ ميزرا غلام أحمد، وأعلن إلغاء القتال. والحق يقول في كتابه الكريم: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] وسبحانه بقدرته يمهل ولا يهمل. وجاء وباء الكوليرا في الهند سنة 1908 ليقضي على غلام أحمد وينهي تأكيداً لقوله الحق: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54] وظهر أيضاً في فارس وهي موطن سلمان الفارسي مَن ادعى لنفسه النبوة، وكان من الذكاء بحيث حاول التسلل إلى الإسلام؛ لينقلب عليه من بعد ذلك، قال الرجل: أنا الباب ومن بعدي سيأتي المهدي. وعندما سأله الناس: وماذا تحمل من منهج؟ أجاب: جئت لأخفف عنكم بعض التكاليف؛ لأن الإسلام صار بتكاليفه لا يناسب العصر. واتبعه أناس، وثار عليه أناس. ومن اتبعوه، ذهبوا إليه بغية تخفيف المنهج، ومن ثاروا عليه كانوا من القوم الذين يحبهم الله ويحبونه، وجاءوا له بالعلماء يناقشونه ويحاجونه فاعترف بأنه مخطئ وأعلن التوبة في المسجد الكبير. وعند ذلك تركه الناس. لكن هذا الرجل وجد من يلتقطه ليعيده إلى ضلاله وتضليله، التقطه قنصل روسيا في فارس، وهيأ له ملجأ، واوعز إليه أن يعلن أن توبته إنما كانت هرباً من القتل. واستطاع هذا الباب، واسمه علي محمد الشيرازي أن ينال دعاية واسعة وخاصة بعد أن انضمت إلى دعوته فتاة اسمها "قرة العين" وكانوا يلقبونها بالطاهرة. ووقفت لتخطب خطبة في الناس. ومن يقرأ تلك الخطبة يعرف إلى أي انحلال كان يدعو ذلك الباب. وأعلنت هذه المرأة أن الإسلام قد انقضت مدته كدين، وأن الباب قد اختفى لفترة؛ لأنه في انتظار شرع جديد، وأن العالم يمر بفترة انتقال، وصار ينزل المنهج الجديد على الباب. وقالت تلك "الطاهرة": إنّ التشريع المختص بالمرأة، والذي جاء إلى الباب هو: شعر : "المرأة زهرة خُلِقَت لتُشَمّ ولِتُضَمّ" "فلا يمنع ولا يُحَدّ شامّها ولا ضامّها" تفسير : وما دامت المرأة زهرة إذن فهي تجنَى وتقطَف "وإلى الأحباب تُهَدى وتتحف.. إلى أن تقول في نهاية خطابها: لا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم(!!) ومن يرغب في أن يعرف مسلسل الفضائح الخلقية التي جاءت في خطاب "قرة العين" تلك فليقرأ كتاب "نقطة الكاف" للباب الكاشاني طبعة لندن صفحة 154. هذا ما جاء به الباب من بعد أن أعلن إلغاء الإسلام: لا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم فإنه الآن لا منع ولا حد، خذوا حظكم من الحياة، فإنه ليس بعد الممات شيء. وهذه خلاصة الانحلال الذي جاء به هذا المدعو بالباب، لقد أعلن أنه لا حساب ولا يوم آخر، وأن المرأة عرضها مشاع تضم وتشم. والغريب أن بعضاً من المتزوجين قد اتبعوه. وقالوا عن أنفسهم: إنهم متدينون، لقد أخذوا ظاهر الأمر واعتبروا الفسوق الذي جاء به هذا الباب وأسموه دينا بعد أن سهل لهم بتعاليمه الفساد، فأخذوا الانحلال عن التكاليف، وادعو أن ذلك دين(!!) هكذا أراد خصوم الإسلام للإسلام. وقنصل روسيا القيصرية هو الذي شجع هذا الرجل وحماه في عام واحد وستين ومائتين بعد الألف من الهجرة. وبرغم ذلك حكم أهل فارس بإعدامه بعد موجة السخط العارم، ولم يستطع أن ينقذه أحد، وتم إعدامه فعلاً. والذين قرأوا أقواله لحظة الإعدام عرفوا كيف أنه تذلل وخضع وبكى. ولو كان مبعوثاً بحق من عند الله لما تذلل وخضع وطلب النجاة. ولامتلأ بالسرور والحبور؛ لأنه ذاهب إلى الله. لقد عرف هذا الرجل الدجال إلى أي عقاب سيذهب؛ لذلك بكى واسترحم. ولما قتل الباب، أعلن واحد من رجاله وهو ميرزا حسين أن الكتاب الذي جاء به الباب كتاب كاذب، وكان اسمه "البيان". وقال ميرزا حسين علي: إنه جاء بكتاب اسمه "الأقدس". كأن المسألة كلها خداع للناس وتبرير الخداع. ولو رجعنا إلى كتاب يسمونه "بهجة الصدور" لمؤلفه حيدر بن علي البهائي لوجدنا كل الانحرافات الممكنة، فالبهاء يقول: استر ذهبك وذهابك ومذهبك، أي لا تجعل أحداً يعرف ثروتك، ولا إلى أي مكان تذهب ولا تقل للناس: إنك بهائي حتى لا يقتلوك. واعتبر البهائيون أن القرآن قد انتهت مدته وأن كتاب "الأقدس" هو كتاب فوق القرآن. ويقرر كتاب "الأقدس" أن القدس لا بد أن تكون وطناً لليهود وأن موسى سيد الرسل جميعاً. ومما يدلنا على أن ذلك الرجل كان صنيعة الاستعمار والصهيونية، أنهم اقاموا له حفل تكريم في بريطانيا ومنحوه وسام الفروسية الإنجليزي؛ لأنه رجل خدم الاستعمار. ونجد أن شيخنا رشيد رضا الذي نقل لنا تاريخ الإمام محمد عبده يروي قصة لقاء بينه وبين ذلك المدعو "بهاء" في بيروت، وحكى الشيخ رشيد عن الإمام محمد عبده أن هذا البهاء كان يأتي للصلوات الخمس ويصلي الجمعة. وعندما سأله عن تلك المسألة المسماة بالبهائية. أجاب بأنها محاولة للتقريب بين الشيعة وأهل السنة. وعندما أمرت الدولة العثمانية بمحاكمة ذلك البهاء توسط قنصل روسيا فاكتفوا بنفيه إلى بغداد. وعاش فترة فيها ثم مات وقام الأمر من بعده لابنه عباس المسمى عبد البهاء. لقد كانت البداية برجل سمى نفسه الباب صاحب كتاب البيان وقال فيه: "ملعون مطرود من يدعي أنه جاء بشريعة بعد شريعتي إلا بعد مرور ألف سنة". وما أن تمر سبع سنوات حتى جاء رجل ثان يسمي نفسه البهاء، وأعلن أنه جاء بشريعة جديدة، ويعقد الوصية لابنه المسمى "عبد البهاء". ثم يكون الأمر من بعده إلى ابنه المسمى "شوقي أفندي" وكان يقيم بعكّا. هكذا انفضحت أكاذيبهم. ورئيس البهائية الحالي هو يهودي اسمه بترسون. إذن فالردة عن الإسلام لم تكن نابعة من نفوس المسلمين ولكن مدفوع إليها من خصوم الإسلام الذين يأخذون أي رجل ملحد فيه بعض من الذكاء وينفخون فيه بدعاياتهم حتى يشوهوا دعوة الإسلام. وأقاموا مراكز لمثل هذه الانحرافات في بلجيكا وأمريكا وانجلترا. وحاولوا النفاذ إلى البلاد الإسلامية لينشروا فيها دعوتهم ومبادئهم. وكانوا يأخذون المرأة كنقطة هجوم على الإسلام. ويتهمون الإسلام بأنه يضع المرأة في الحريم، ويحبسها في خيمة وإلى آخر تلك الدعايات التي تشوه تكريم الإسلام للمرأة. ومن العجيب أني سمعت بأذني من واحدة هي بنت لتلك الحضارة الغربية. تقول: كنت أتمنى أن أكون مسلمة وأمًّا لشاب مسلم. فعلينا نحن المسلمين ألا ننخدع بتلك الدعايات وتلك المواهب التي تتسلل من باب تخفيف المنهج والمراد بها قتل قيم الإسلام التي تحمي الإنسان وتحترم مشاعره؛ لذلك يجب أن ننتبه إلى دعوات المتسللين إلى مجتمعاتنا بغية هدم ديننا. وعلى الحكومات أن تضرب على أيدي العابثين بدين الله لا أن تترك مسائل الدين لهبّات الأفراد. وكل منا مطالب بأن يرد عن دين الله كل دخيلِ عليه وكل محاولة لوضع أمور ليست من الدين في شيء. وجزى الله قضاء مصر خيراً حينما تصدوا لمثل هذه الدعوات ووقفوا دفاعاً عن الإسلام لتبيين وإيضاح كل أمر دخيل عليه، فدستور الدولة ينص على أن مصر بلد مسلم، وإن كانت بعض التقنيات في دور التشريع. وجزى الله قضاء مصر عنا خيراً، فقد وضحوا تلك المسائل وبينوها. وعرفنا بسلوكهم أن خميرة الإيمان هي التي تحكم سلوك المسلم الحق، وإن تخلت عنه بعض القوانين التي عليه أن يحكم بها. وكلما حدث حادث من تلك الحوادث لنا أن نتذكر القول الصدق من الله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]. وكل هذه الحركات المناوئة للإسلام تنتهي ويبقى الإسلام قوياً بأبنائه الذين يحبهم الله ويحبونه. هؤلاء الذين وصفهم الحق: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} تفسير : [المائدة: 54]. ويذيل الحق سبحانه هذا القول الكريم: {أية : ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [المائدة: 54]. نعم إنه فضل من الله؛ لأنهم ما داموا يحبهم الله ويحبون الله وهم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين فقد جعلهم سبحانه حملة لواء منهجه لتكون كلمة الله هي العليا. وذلك تفضل من الله. ولنعلم أن الخير لا يعود منا على الله؛ لأنه سبحانه هو واهب كل خير، ولم يأت لنا الخير من بعد خلقنا، ولكن نحن الذين طرأنا على الخير، نحن طرأنا على الأرض، وعلى السماء بما فيهما من كل كنوز الخير، ففي الأرض العناصر والمعادن والقوت، وفي السماء الشمس والقمر والنجوم، وكل ذلك فضل الخالق على المخلوق. إن فضل الله يؤتيه سبحانه وتعالى من يشاء وتتسع قدرته لكل مطلوب؛ لذلك لا يمن المؤمن على الله بإيمانه، فليس عند الله أزمة في الذين يؤمنون به، وهو قادر على أن يأتي بقوم يحملون دعوته، فإذا ما ارتفعت رأس الباطل فهذا دليل على أن قطافها قد حان؛ لأن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض. فكأن الله حين يندب المؤمنين لمهمة إيمانية فلا يقال: إن المؤمنين إنما يفعلون ذلك لمصلحة ربهم. لا، ولكن ذلك فضل من الله على المؤمنين حين يختارهم لمهمة حمل البلاغ عن الله، ويعود الخير إلى المؤمنين ثمرة مضاعفة. إذن فحين يكون اختيار الله للمؤمن لمهمة إيمانية فهذا فضل من الله على المؤمن. ونعرف أن الفضل هو الأمر الزائد عن العدل فالحق سبحانه وتعالى قد قال: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. وكل تكليف من الحق للخلق هو فضل من الله؛ لأنك إن نظرت إلى كل تكليف من الحق للخلق لوجدت أن التكليف إنما يعود لصالح الخلق وما دامت الفائدة من التكليف تعود إلى الخلق فليس من المطلوب إذن أن يثاب الخلق المؤمنون المكلفون، لكن الله يأبى أن يكلف خلقه بتكاليف ويذهبون إلى هذه التكاليف بطاعة ومحبة دون أن يجازيهم على ذلك بحسن الثواب. ولهذا نجد الحق يقول: {أية : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ} تفسير : [الحجرات: 17]. المنّة إذن لله حين تفضل على الخلق الذين أطاعوه بحسن حياتهم في إطار تكاليفه الإيمانية، وفوق ذلك هناك الثواب، وهذا هو عين التفضل من الحق على الخلق المؤمنين: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. وساعة نسمع "بفضل الله" فلنعلم أن فضل الله لا حدود له. وقد نجد من يقول: ولكن الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} تفسير : [النجم: 39-40]. ونقول: لنفترض أن إنساناً مات، ونجد الأمر من الخالق سبحانه وتعالى بأن نصلي عليه؛ لندعو له بالرحمة. ودعاؤنا للميت بالرحمة يأتي له بخير أكثر مما فعل هو في حياته، ولولا أن صلاتنا على الميت تثيب الميت وتثيبنا في آن واحد لولا ذلك ما أمرنا الحق بأداء هذه الصلاة. وقد يقول قائل: هذا الخير الذي يأتي إلى الميت من دعاء المصلين عليه ليس من سعي الميت. ونقول: إن "اللام" في قوله الحق: {أية : لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. هذه اللام تفيد الاستحقاق والملكية. وهو قول كريم يحدد العدل ولا يحدد الفضل. ونضرب مثلاً من حياتنا نحن البشر - ولله المثل الأعلى - تجد السيد يقول للخادم عنده: إن لك أجراً عندي يساوي مائة جنيه. ثم يجيء السيد في آخر الشهر ويقول للخادم: خذ مائة وخمسين جنيهاً. العدل إذن هو أن يأخذ الخادم أجره وهو مائة جنيه، ولكن الخمسين جنيهاً الزائدة هي الفضل الزائد عن الأجر. إننا حين يأمرنا الحق سبحانه وتعالى بأن نصلي على الميت فهذا تفضل من الله على الميت وعلينا أيضاً. هذا لون من تفضل الله على خلقه. وسبحانه يجازي كل إنسان بما عمل ويمنحه فوق ذلك، ومن قصّر في شيء من العمل. ويصلي عليه الناس ويدعون له بالرحمة فتفيض رحمة الله على العبد وعلى غيره من العباد. وهذا هو مناط قول الحق: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58] وعندما نحقق في هذا الموقف وحده نجد أن الجزاء يكون أفضل من العمل. وما الذي يجعل المؤمن يصلي على ميت مؤمن؟ إنه إيمان هذا الذي مات وإيمان من مات ملك له، وعلى ذلك فملكية المؤمن لإيمانه تمتد بعد أن يموت لتشمل صلوات ودعاء من صلوا عليه. وذلك يدخل في فضل الله: {أية : ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [المائدة: 54]. وما دامت المسألة فضلاً من الله يشمل كل مؤمن فلا بد أن الحق عنده من السعة ما يعطي الكل. وسبحانه واسع عليم. والحديث القدسي يقول: "حديث : يا عبادي، لو أن أوّلكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ". تفسير : إذن فخزائن الله ملأى لا تنفد، وسعة الحق مطلقة. ولهذا نحن أيضاً نجد أن الحب في الله يزداد دائماً، فساعة نشاهد اثنين يتحابان في الله، فحبهما يزداد كل يوم؛ لأنه الحب في الله. أما إن كان الحب لأمر محدود فذلك الحب ينتهي ويترك كل منهما الاخر بانتهاء السبب لذلك الحب. ولنأخذ قضية واضحة أمامنا: من كان يحب في الله فالحب لغير المحدود لا حدود له. ومن كان يحب في غير الله، فالحب هنا لمحدود ويرتبط طردا وعكسا بمدى الإثراء من هذا المحدود. ومن يحب لغرض من أغراض الدنيا يقيس ما يعطيه لمن يحب، فإن زاد ما يعطيه على ما يأخذه يحس بالخسارة. وعندما نتبادل الحب في الله فلا شيء ينقص عند الله أبداً؛ لأنه سبحانه يعطي الاثنين معاً اللذين يتحابان فيه. وسبحانه العليم أزلاً، وصاحب القدرة الذي يعطي كل إنسان المناط الذي يستحقه. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ...}
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} قال الحسن وغيره نزلت خطاباً للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة. وقيل: هي خاصة في قبائل بأعيانهم فذكر المفسرون أن ارتد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ حج ورئيسهم عبهلة بن كعب ذو الخمار وهو الملقب بالأسود العنسي قتله فيروز على فراشه، وأخبر رسول الله بقتله وسمي قائله ليلة قتل، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغدو وأتى مقتلة في آخر ربيع الأول. وبنو حنيفة رئيسهم مسيلمة قتله وحشي قاتل حمزة وبنو أسد رئيسهم طليحة بن خويلد هزمه خالد وأفلت ثم أسلم وحسن إسلامه. هذه ثلاث فرق ارتدت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتنبأ رؤساؤها. وارتد في خلافة أبي بكر سبع فرق فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وسليم قوم الفجأة بن عبد يا ليل، ويربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر وقد تنبأت وتزوجها مسيلمة. وقال شاعرهم: شعر : أضحت نبيتنا أنثى نُطيف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا تفسير : وقال أبو العلاء المعري: شعر : أمت سجاح ووالاها مسيلمة كذابة في بن الدنيا وكذاب تفسير : وكندة قوم الأشعث وبكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن يزيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه، وفرقة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم نصّرته اللطمة وسيرته إلى بلد الروم بعد إسلامه. وقرىء من يرتدد بالفك والإِدغام وهي جملة شرطية، والجواب قوله: فسوف يأتي الله بقوم. والقاعدة النحوية أنه إذا كان جواب الشرط جملة واسم الشرط غير ظرف فلا بد من ضمير في جملة الجواب عائد على اسم الشرط والجملة ها هنا ليس فيها ضمير ظاهر فلا بد من تقديره وتقديره بقوم غيرهم أي غير من يرتد وبقوم فيه أقوال. وفي المستدرك لأبي عبد الله الحاكم بإِسناده، أنه لما نزلت أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعَريّ وقال: هم قوم هذا، وهذا أصح الأقوال وكان لهم بلاء في الإِسلام زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة فتوح عمر على أيديهم. ووصف تعالى هؤلاء القوم بأنه يحبهم ويحبونه محبة لله لهم هي توفيقهم للإِيمان كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحجرات: 7] وإثباته على ذلك وعلى سائر الطاعات وتعظيمه إياهم وثناؤه عليهم ومحبتهم له تعالى طاعته واجتناب مناهيه وامتثال مأموراته، وقدم محبته على محبتهم إذ هي أشرف وأسبق. {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} هو جمع ذليل لا جمع ذلول الذي هو نقيض الضعف لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة بل على ذلك وعدي أذلة بعلى وإن كان الأصل باللام لأنه ضمنه معنى الحنو والعطف، كأنه قيل: عاطفين على المؤمنين والمعنى أنهم يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلو مكانتهم وهو نظير قوله تعالى: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح: 29]، وجاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه مبالغة لأن أذلة جمع ذليل، وأعزة جمع عزيز، وهما صفتا مبالغة وجاءت الصفة قبل هذا بالفعل في قوله: يحبهم ويحبونه، لأن الاسم يدل على الثبوت فلما كانت صفة مبالغة وكانت لا تتجدد بل هي كالغريزة جاء الوصيف بالاسم ولما كانت الصفة تتجدد لأنها عبارة عن أفعال الطاعات والثواب المترتب عليها جاء الوصف بالفعل الذي يقتضي التجدد ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن آكد ولموصوفه ألزم قدم على الوصف المتعلق بالكافر ولشرف المؤمن أيضاً ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه أشرف من الوصف الذي بين المؤمن والمؤمن قدم قوله: يحبهم ويحبونه، على قوله: أذلة على المؤمنين، وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم وبالفعل لا يتقدم الوصف بالفعل على الوصف بالاسم إلا في ضرورة الشعر نحو قوله: وفرع يُغش المتن أسود فاحم. إذ جاء ما ادعى أنه يكون في الضرورة في هذه الآية فقدم يحبهم ويحبونه وهو فعل على قوله: أذلة، وهو اسم. وكذلك قوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} تفسير : [الأنعام: 92، 155]. وقرىء شاذاً أذلة بالنصب وكذا أعزة نصباً على الحال من النكرة إذ قربت من المعرفة بوصفها. {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في نصرة دينه. وظاهر هذه الجملة أنها صفة ويجوز أن تكون استئناف أخبار. {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} أي هم صلاب في دينه لا يبالون بمن لام فيه فمتى شرعوا في أمر معروف أو نهي عن منكر أمضوه لا يمنعهم اعتراض معترض ولا قول قائل، وهذان الوصفان أعنى الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة لأن من أحب الله لا يخش إلا إياه ومن كان عزيزاً على الكافر جاهد في إخماده واستئصاله وناسب تقديم الجهاد على انتفاء الخوف من اللائمين لمجاورته أعزة على الكافرين ولأن الخوف أعظم من الجهاد فكان ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى ويحتمل أن تكون الواو في ولا يخافون واو الحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة غير حال المنافقين فإِنهم كانوا موالين لليهود فإِذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود وتخاذلوا وخذلوا حتى لا يلحقهم لوم من جهتهم وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله تعالى لا يخافون لومة لائم. ولومة للمرة الواحدة، وهي نكرة في سياق النفي فتعم أي لا يخافون شيئاً قط من اللوم. {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} الظاهر أن ذلك إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف التي تحلّى بها المؤمن ذكر أن ذلك هو فضل الله يؤتيه من أراده ليس ذلك بسابقة ممن أعطاه إياه بل هو على سبيل الاحسان منه تعالى لمن أراد الإِحسان إليه. وقيل: ذلك إشارة إلى حبّ الله لهم وحبهم له. {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الإِحسان والافضال عليم بمن يصنع ذلك فيه. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} لما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء بين هنا من هو وليهم وهو الله ورسوله. والولي هنا الناصر والمعنى لأولى لكم إلا الله وقال: وليكم بالافراد ولم يقل أولياؤكم وإن كان المخبر به متعدداً، لأن ولياً اسم جنس أو لأن الولاية حقيقة هي لله تعالى على سبيل التأصل ثم فطم في سلكه من ذكر على سبيل التبع ولو جاء جمعاً لم يتبين هذا المعنى من الأصالة والتبعية. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} الآية هذه أوصاف ميّز بها المؤمن الخالص الإِيمان من المنافق، لأن المنافق لا يدوم على الصلاة ولا على الزكاة. قال تعالى: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ}تفسير : [النساء: 142]. وقال: آشحة على الخير، ولما كانت الصحابة وقت نزول هذه الآية بين مقيم صلاة ومؤتي زكاة في كلتا الحالتين كانوا متصفين بالخضوع لله والتذلل له. نزلت الآية متضمنة هذه الأوصاف الجليلة. قال الزمخشري: فإِن قلت: الذين يقيمون ما محله. قلت الرفع على البدل من الذين آمنوا أو على هم الذين يقيمون. "انتهى". ولا أدري ما الذي منعه من الصفة إذ هو المتبادر إلى الذهن، ولأن المبدل منه في نية الطرح وهو لا يصح هنا طرح الذين آمنوا لأنه هو الوصف المرتب عليه صحة ما بعده من الأوصاف. {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية يحتمل أن يكون جواب من محذوف لدلالة ما بعده عليه أي يكن من حزب الله ويغلب. ويحتمل أن يكون الجواب فإِن حزب الله ويكون من وضع الظاهر موضع المضمر أي فأنتم هم الغالبون. وفائدة وضع الظاهر هنا موضع المضمر الإِضافة إلى الله فيشرفون بذلك وصاروا بذلك أعلاماً. وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم. وهم يجوز أن يكون فصلاً، والغالبون خبر ان، ويجوز أن يكون مبتدأ، والغالبون خبره، والجملة في موضع خبر ان.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لا تحزنوا بصنيع {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} بعد إيمانه وقبوله الإسلام، ولا تبالوا بشأنه {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ} من فضله ولطفه {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} الله ويفوقهم على الإيمان، ويوصلهم إلى مرتبة اليقين والعرفان {وَيُحِبُّونَهُ} إلى حيث بذلوا مهجهم في سبيله طوعاً ورضاً؛ إعلاء لكلمة توحيده، ونصر دين نبيه {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} تواضعاً وإخاءً {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} غلبةً واستيلاءً {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وطريق توحيده، باذلين نفوسهم فيه، طالبين رضاه {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ} ملامة {لاۤئِمٍ} مليم كهؤلاء المنافقين الذين يخافون من العلامة؛ حفظاً لجاههم ورئاستهم، وحمية لما أسروا في نفوسهم من الأهوية الباطلة. {ذٰلِكَ} الأوصاف الحميدة {فَضْلُ ٱللَّهِ} الهادي لعباده إلى فضاء توحيده {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} من أهل العناية {وَٱللَّهُ} المتفضل، المحسن لأرباب الولاء {وَاسِعٌ} في فضله وطوله {عَلِيمٌ} [المائدة: 54] على من يستحق الإفضال والإنعام. ثم لما نهى سبحانه المؤمنين عن موالاة الكفار وودادتهم، وبالغ فيه، أراد أن ينبه على من يستحق الولاية والودادة وحقيقته، فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ} المتولي لأموركم بالولاية العامة {وَرَسُولُهُ} النائب عنه، المستخلف له {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، بالولاية الخاصة بمتابعته صلى الله عليه وسلم، وهم {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ} يديمون {ٱلصَّلاَةَ} المقربة إلى الحق {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} المصفيَّة لبواطنهم عن التوجه نحو الغير {وَ} الحال {هُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] خاضعون في صلاتهم، نزلت في علي - كرم الله وجهه - حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته، فرمى له خامته. {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ} ويفوِّض أمره إليه، ويتخذه وكيلاً {وَرَسُولَهُ} الذي ظهر على صورته، ونزل في شأنه {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} طلباً لرضاه، فهم من حزب الله وجنوده، يحفظهم في حفظه وحمياته، ويغلبهم على من يصول إليهم {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ} القادر، المقتدر على كل ما أراد وشاء {هُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] الواصلون إلى جميع مقاصدهم، بفضل الله وسعة جوده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} [المائدة: 54]، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 54]، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة طلب غير الحق من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالباً غير الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أية : مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}تفسير : [آل عمران: 152]، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، وقال: ثمناً حد، فقال: ومنكم من يريد الله {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، فخص هذه المرتبة بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته أزلاً، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى بذات تلك الصفة، فافهم جيداً فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية لهم أن تكون {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54]، لفناء الناسوتية وارتفاع الأنانية {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [المائدة: 54]، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} [المائدة: 54]، عند غلبات الوجود في الوسط لدوام الشهود {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [المائدة: 54]؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص بالمحبة في النهاية لنيل المقصود {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} [المائدة: 54]، كرم أن يتفضل بذلك على كل أحد لكنه {عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، بمن يستحق لهذه الفضيلة ويستعد للتوسل بهذه الوسيلة. ثم أخبر عمن مشمول العناية منهم إنه المنعوت بالولاية بقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 55]، إشارة أن الله تعالى أعز المؤمنين بعز موالاته وموالات رسوله وموالات المؤمنين فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 55]، فموالات الله في معادات ما سوى الله كما كان حال الخليل عليه السلام قال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، ومولاة الرسول في معادات النفس ومخالفة الهوى كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين"تفسير : ، ومولاة المؤمنين في مؤاخاتهم في الدين كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10]، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"تفسير : ، وقيل: من عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق، ثم أخبر عن أهل الموالاة من المؤمنين بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} [المائدة: 55]؛ أي: بديمومتها محافظاً حدودها في الظاهر مراقباً حقوقها في الباطن بمراعاة السير مع الله أن لا يخطر بباله غير الله {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} [المائدة: 55]، أي: يبذلون ما زكى من وجودهم في طلب الحق وهو الفناء في الله {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، راجعون إلى الله بالانحطاط من قيام البشرية إلى القيام بالقيومية {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 56] فهم من {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ} [المائدة: 56]، أهل الله وخاصيته {هُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]، أهوائهم وأنفسهم وعلى الدنيا والشياطين القائمون مع الله على نشر الاستقامة. ثم أخبر عن صفة الأعداء، وأنهم لا يصلحون لهؤلاء بقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} [المائدة: 57]، الإشارة أن لا تحجبوا إلى الملاينة مع أعداء الدين يا أهل الإيمان خصوصاً مع الذين اتخذوا {دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 57]، من أهل الأديان والملل {وَٱلْكُفَّارَ} [المائدة: 57]، ولا تتخذوهم {أَوْلِيَآءَ} [المائدة: 57]، فإنهم أعداء الله وأعداءكم، وفيه أيضاً إشارة إلى أهل التحقيق؛ الذين هم أهل المحبة المجذوبون إلى سراء قلق الجلال بجذبات الوصال، أن لا تتلوا أهل الغفلة والسلوة الذين اتخذوا دينكم ومنهيكم في المحبة والطلب هزوا ولعباً للجهل بأموالكم والغفلة عن أمالكم من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: العلوم الظاهرة من الثقليات والكفار؛ يعني: الفلاسفة الذين يمسكوا بالعلوم من العقليات، فإنهم بمعزل عن العلوم من النيا والكشفيات فلا تتخذوهم أولياء فإن بعضهم أوليا بعض والضدية بينكم وبينهم قائمة، فإن الناس أعداء ما جهلوا من لم يتق لا يدري فلم يدروا أن لا يدروا فهم يحسبون أنهم يدرون، فهذا هو الجهل المركب، فافهم جيداً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 57]، واخشوه ولا تخشوا غيره {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 57]، بأن لا وجود إلا الله ولا يوجد سوى الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين، وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه. وأن لله عبادا مخلصين، ورجالا صادقين، قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم، ووعد بالإتيان بهم، وأنهم أكمل الخلق أوصافا، وأقواهم نفوسا، وأحسنهم أخلاقا، أجلُّ صفاتهم أن الله { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأفضل فضيلة، تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب، وهون عليه كل عسير، ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد. ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } . تفسير : كما أن من لازم محبة الله للعبد، أن يكثر العبد من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله: "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، ولا يزال [عبدي] يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه". ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى، والإكثار من ذكره، فإن المحبة بدون معرفة بالله ناقصة جدا، بل غير موجودة وإن وجدت دعواها، ومن أحب الله أكثر من ذكره، وإذا أحب الله عبدا قبل منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل. ومن صفاتهم أنهم { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله، المعاندين لآياته، المكذبين لرسله - أعزة، قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم، قال تعالى: {أية : وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } تفسير : وقال تعالى: {أية : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } تفسير : فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم. { وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم. ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم منَّ الصفات الجليلة والمناقب العالية، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم، وليشكروا الذي مَنَّ عليهم بذلك ليزيدهم من فضله، وليعلم غيرُهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب، فقال: { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } أي: واسع الفضل والإحسان، جزيل المنن، قد عمت رحمته كل شيء، ويوسع على أوليائه من فضله، ما لا يكون لغيرهم، ولكنه عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):