Verse. 724 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللہُ وَرَسُوْلُہٗ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوا الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الصَّلٰوۃَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكٰوۃَ وَہُمْ رٰكِعُوْنَ۝۵۵
Innama waliyyukumu Allahu warasooluhu waallatheena amanoo allatheena yuqeemoona alssalata wayutoona alzzakata wahum rakiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنَّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» خاشعون أو يصلون صلاة التطوع.

55

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قولان: الأول: أن المراد عامة المؤمنين، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال: أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله. وروي أيضاً أن عبدالله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، فعلى هذا: الآية عامة في حق كل المؤمنين، فكل من كان مؤمناً فهو ولي كل المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 71] وعلى هذا فقوله {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } صفة لكل المؤمنين، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات، قال تعالى في صفة صلاتهم {أية : وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ } تفسير : [التوبة: 54] وقال: {أية : يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [النساء: 142] وقال في صفة زكاتهم {أية : أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } تفسير : [الأحزاب: 19] وأما قوله {وَهُمْ رَاكِعُونَ } ففيه على هذا القول وجوه: الأول: قال أبو مسلم: المراد من الركوع الخضوع، يعني «أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه والثاني: أن يكون المراد: من شأنهم إقامة الصلاة، وخص الركوع بالذكر تشريفاً له كما في قوله {أية : وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } تفسير : [البقرة: 43] والثالث: قال بعضهم: إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات، منهم من قد أتم الصلاة، ومنهم من دفع المال إلى الفقير، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعاً، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات. القول الثاني: أن المراد من هذه الآية شخص معين، وعلى هذا ففيه أقوال: روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. والثاني: روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. روي أن عبدالله بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع، فنحن نتولاه. وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: الّلهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فما أعطاني أحد شيئاً، وعلي عليه السلام كان راكعاً، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : الّلهم إن أخي موسى سألك» تفسير : فقال: {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } إلى قوله {أية : وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى } تفسير : [طه: 25 ـ 32] فأنزلت قرآناً ناطقاً {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً } تفسير : [القصص: 35] الّلهم وأنا محمد نبيّك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أشدد به ظهري. قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد إقرأ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } إلى أخرها، فهذا مجموع مع يتعلق بالروايات في هذه المسألة. المسألة الثانية: قالت الشيعة: هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن ابي طالب، وتقريره، أن نقول: هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن ابي طالب. بيان المقام الأول: أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب، كما في قوله {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 71] وجاء بمعنى المتصرف. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها» تفسير : فنقول: ههنا وجهان: الأول: أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين الله مراده، ولا منافاة بين المعنيين، فوجب حمله عليهما، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة. الثاني: أن نقول: الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة {إِنَّمَا } وكلمة [إنما] للحصر، كقوله: {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [النساء: 171] والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف، لأنه ليس للولي معنى سوى هذين، فصار تقدير الآية: إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه لآية متصرفون في جميع الأمة، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفاً في كل الأمة، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة. أما بيان المقام الثاني: وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن ابي طالب، وبيانه من وجوه: الأول: أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال: إن ذلك الشخص هو علي، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الثاني: تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول: إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته، فبطل هذا القول، والثالث: أن قوله {وَهُمْ رَاكِعُونَ } لا يجوز جعله عطفاً على ما تقدم، لأن الصلاة قد تقدمت، والصلاة مشتملة على الركوع، فكانت إعادة ذكر الركوع تكراراً، فوجب جعله حالاً أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام. والجواب: أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معاً فغير جائز، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معاً. أما الوجه الثاني: فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف. ثم نجيب عما قالوه فنقول: الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه: الأول: أن اللائق بما قبل هذه الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه لآية فلأنه تعالى قال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } تفسير : [المائدة: 51] وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال: إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوفون، والظاهر أن الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما قبل، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله{أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مؤمنين } تفسير : [المائدة: 57] فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ } يجب أن تكون هي بمعنى النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ } ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه. الحجة الثانية: أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلا بدّ وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها. الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم لكنه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة. الحجة الرابعة: أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } تفسير : [المائدة: 54] إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر، فلو دلّت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين، وذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن علياً هو الإمام بعد الرسول. الحجة الخامسة: أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا: إنه تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير، وخبر المباهلة، وجميع فضائله ومناقبه، ولم يتمسك ألبتة بهذه الآية في إثبات امامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله. الحجة السادسة: هب أنها دالة على إمامة علي، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال: لأن علياً ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن علياً سيصير إماماً بعد ذلك، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت، فإن قالوا: الأمة في هذه الآية على قولين: منهم من قال: إنها لا تدل على إمامة علي، ومنهم من قال: إنها تدل على إمامته، وكل من قال بذلك قال: إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل، فالقول بدلالة الآية على إمامة علي لا على هذا الوجه، قول ثالث، وهو باطل لأنا نجيب عنه فنقول: ومن الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول، فإن من المحتمل، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي، فإن السائل يورد على ذلك الاستدلال هذا السؤال، فكان ذكر هذا الاحتمال وهذا السؤال مقروناً بذكر هذا الاستدلال. الحجة السابعة: أن قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } لا شك أنه خطاب مع الأمة، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييباً لقلوب المؤمنين وتعريفاً لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار، وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصراً له ومعيناً له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى وإذا كان كذلك كان المراد بقوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة، فلما أريد به ههنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معاً. الحجة الثامنة: أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 54] فإذا حملنا قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } على معنى المحبة والنصرة كان قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } يفيد فائدة قوله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } وقوله {أية : يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 54] يفيد فائدة قوله {يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف. أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، والولاية بمعنى النصرة عامة، فجوابه من وجهين: الأول: لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، ولا نسلم أن كلمة {إِنَّمَا } للحصر، والدليل عليه قوله {أية : إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [يونس: 24] ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل، وقال: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } تفسير : [محمد: 36] ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها. الثاني: لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين: أحدهما: الذين جعلهم مولياً عليهم وهم المخاطبون بقوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ } والثاني: الأولياء، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، فإذا فسرنا الولاية ههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصاراً للقسم الثاني. ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم، وذلك محال، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة، وهذا جواب حسن دقيق لا بدّ من التأمل فيه. وأما استدلالهم بأن الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين، ومنهم من يقول: إنها نزلت في حق أبي بكر. وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول: هذا أيضاً ضعيف من وجوه: الأول: أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى{أية : وآتوا الزكاة } تفسير : [البقرة: 43] فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب، وذلك عند أكثر العلماء معصية، وأنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله {وآتوا الزكاة} ظاهرة يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب. الثاني: وهو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه، ولهذا قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران: 191] ومن كان قلبه مستغرقاً في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير. الثالث: أن دفع الخاتم في الصلاة للفقيرعمل كثير،واللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك.الرابع:أن المشهور أنه عليه السلام كان فقيراً ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه، ولذلك فإنهم يقولون: إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة {أية : هل أَتَىٰ } تفسير : [الإنسان: 1] وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيراً، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } عليه. الوجه الخامس: هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لم يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب، وقد سبق الكلام فيه. المسألة الثالثة: اعلم أن الذين يقولون: المراد من قوله {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، فإنه دفع الزكاة إلى السائل وهو في الصلاة، ولا شك أنه نوى إيتاء الزكاة وهو في الصلاة، فدل ذلك على أن هذه الأعمال لا تقطع الصلاة، وبقي في الآية سؤالان. السؤال الأول: المذكور في الآية هو الله تعالى ورسوله والمؤمنون، فلم لم يقل: إنما أولياؤكم؟ والجواب: أصل الكلام إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع، وفي قراءة عبد الله: إنما مولاكم الله. السؤال الثاني: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ } ما محله؟ الجواب: الرفع على البدل من {ٱلَّذِينَ آمنوا } أو يقال: التقدير:هم الذين يقيمون، أو النصب على المدح، والغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان ويكون منافقاً، لأن ذلك الإخلاص إنما يعرف بكونه مواظباً على الصلاة في حال الركوع، أي في حال الخضوع والخشوع والإخبات لله تعالى.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} قال جابر بن عبد الله قال عبد الله بن سَلاَم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قومنا من قُرَيظة والنَّضِير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية؛ فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. «وَالَّذِينَ» عام في جميع المؤمنين. وقد سئِل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هل هو عليّ بن أبي طالب؟ فقال: عليّ من المؤمنين؛ يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بيّن؛ لأن «الذين» لجماعة. وقال ٱبن عباس: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وقال في رواية أُخرى: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وقاله مجاهد والسدّيّ، وحملهم على ذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وهي: المسألة الثانية ـ وذلك. أن سائلاً سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطِه أحد شيئاً، وكان عليّ في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه. قال الكيا الطبريّ: وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة؛ فإن التصدّق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به الصلاة. وقوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة؛ فإن عليّاً تصدّق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى: { أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } تفسير : [الروم: 39] وقد انتظم الفرض والنفل، فصار ٱسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين. قلت: فالمراد على هذا بالزكاة التصدّق بالخاتم، وحمل لفظ الزكاة على التصدّق بالخاتم فيه بُعد؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما تقدّم بيانه في أول سورة «البقرة». وأيضاً فإن قبله «يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ» ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها، وٱلمراد صلاة الفرض. ثم قال: «وَهُمْ رَاكِعُونَ» أي النفل. وقيل: أفرد الركوع بالذكر تشريفاً. وقيل: المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين مُتمّ للصلاة وبين راكع. وقال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد قوله تعالى: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة؛ وذلك أن هذا خرج مخرج المدح، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحاً؛ وقد رُوِي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوّع، وذلك أنه مكروه في الفرض. ويحتمل أن يكون المدح متوجهاً على اجتماع حالتين؛ كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة؛ فعبر عن الصلاة بالركوع، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل؛ كما تقول: المسلمون هم المُصَلّون، ولا تريد أنهم في تلك الحال مُصَلُّون ولا يوجه المدح حال الصلاة؛ فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } لما نهى عن موالاة الكفرة ذكر عقيبه من هو حقيق بها، وإنما قال {وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ } وَلم يقل أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله سبحانه وتعالى على الأصالة ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على التبع. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } صفة للذين آمنوا فإنه جرى مجرى الاسم، أو بدل منه ويجوز نصبه ورفعه على المدح. {وَهُمْ رَاكِعُونَ } متخشعون في صلاتهم وزكاتهم، وقيل هو حال مخصوصة بيؤتون، أو يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصاً على الإحسان ومسارعه إليه، وإنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه. واستدل بها الشيعة على إمامته زاعمين أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها، والظاهر ما ذكرناه مع أن حمل الجمع على الواحد أيضاً خلاف الظاهر وإن صح أنه نزل فيه فلعله جيء بلفظ الجمع لترغيب الناس في مثل فعله فيندرجوا فيه، وعلى هذا يكون دليل على أن الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها وأن صدقة التطوع تسمى زكاة. {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } ومن يتخذهم أولياء. {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } أي فإنهم هم الغالبون، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على البرهان عليه فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتنويهاً بذكرهم وتعظيماً لشأنهم وتشريفاً لهم بهذا الاسم، وتعريضاً لمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان. وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حَزَّ بِهِمْ. { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَاء} نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإِسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما. وقد رتب النهي عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزواً ولعباً إيماء إلى العلة وتنبيهاً على أن من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة والبغضاء، وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار على قراءة من جره وهم أبو عمرو والكسائي ويعقوب، والكفار وإن عم أهل الكتاب يطلق على المشركين خاصة لتضاعف كفرهم، ومن نصبه عطفه على الذين اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على الحق رأساً سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بترك المناهي. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} لأن الإِيمان حقاً يقتضي ذلك. وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده. {وَإِذَا نَـادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} أي اتخذوا الصلاة، أو المنادة وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة. روي: أن نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شررها في البيت فأحرقه وأهله. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزؤ به، والعقل يمنع منه. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا} هل تنكرون منا وتعيبون، يقال نقم منه كذا إذا أنكره وانتقم إذا كافأه. وقرىء {تَنقِمُونَ} بفتح القاف وهي لغة. {إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ} الإِيمان بالكتب المنزّلة كلها. {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ} عطف على {أن آمنا } وكأن المستثنى لازم الأمرين وهو المخالفة أي: ما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا الإِيمان وأنتم خارجون منه، أو كان الأصل واعتقاد أن أكثركم فاسقون فحذف المضاف، أو على ما أي: وما تنقمون منا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون، أو على علة محذوفة والتقدير هل تنقمون منا إِلا أن آمنا لقلة إِنصافكم وفسقكم، أو نصب بإضمار فعل يدل عليه هل تنقمون أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم ولكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الإِنصاف. والآية خطاب ليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يؤمن به فقال: {أية : آمنا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } تفسير : [البقرة: 136] إلى قوله: {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }تفسير : [البقرة: 136] فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى: لا نعلم ديناً شراً من دينكم. {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرٍّ مّن ذٰلِكَ} أي من ذلك المنقوم. {مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} جزاء ثابتاً عند الله سبحانه وتعالى، والمثوبة مختصة بالخير كالعقوبة بالشر فوضعت ها هنا موضعها على طريقة قوله:شعر : تحِيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيع تفسير : ونصبها على التمييز عن بشر. {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} بدل من بشر على حذف مضاف أي بشر من أهل ذلك من لعنه الله، أو بشر من ذلك دين من لعنه الله، أو خبر محذوف أي هو من لعنه الله وهم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات، ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت، وبعضهم خنازير وهم كفار أهل مائدة عيسى عليه الصلاة والسلام. وقيل كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير. {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ } عطف على صلة من وكذا {عَبْدُ ٱلطَّـٰغُوتَ} على البناء للمفعول، ورفع {ٱلطَّـٰغُوتَ } و {عبد} بمعنى صار معبوداً، فيكون الراجع محذوفاً أي فيهم أو بينهم، ومن قرأ «وعابد الطاغوت» أو {عبد} على أنه نعت كفطن ويقظ أو عبدة أو {عَبْدُ ٱلطَّـٰغُوتَ} على أنه جمع كخدم أو أن أصله عبدة فحذف التاء للإضافة عطفه على القردة، ومن قرأ {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} بالجر عطفه على من، والمراد {مِنْ} الطاغوت العجل وقيل الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى. {أُوْلَـٰئِكَ} أي الملعونون. {شَرٌّ مَّكَاناً} جعل مكانهم شراً ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم، وقيل {مَكَاناً} منصرفاً. {وَأَضَلُّ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} قصد الطريق المتوسط بين غلو النصارى وقدح اليهود، والمراد من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقاً لا بالإضافة إلى المؤمنين في الشرارة والضلالة. {وَإِذَا جَاؤُوكُم قَالُواْ ءَامَنَّا} نزلت في يهود نافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عامة المنافقين. {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} أي يخرجون من عندك كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، والجملتان حالان من فاعل قالوا وبالكفر وبه حالان من فاعلي دخلوا وخرجوا، وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالاً أفادت أيضاً لما فيها من التوقع أن أمارة النفاق كانت لائحة عليهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يظنه ولذلك قال: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي من الكفر، وفيه وعيد لهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قال ابن سلام يا رسول الله إن قومنا هجرونا {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } خاشعون أو يصلون صلاة التطوّع.

ابن عطية

تفسير : الخطاب بقوله: {إنما وليكم الله} الآية للقوم الذين قيل لهم {أية : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} تفسير : [المائدة: 51]، و {إنما} في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى، وولي اسم جنس، وقرأ ابن مسعود "إنما موليكم الله" وقوله: {والذين آمنوا} أي ومن آمن من الناس حقيقة لا نفاقاً وهم {الذين يقيمون الصلاة} المفروضة بجميع شروطها {ويؤتون الزكاة} ، وهي هنا لفظ عام للزكاة المفروضة وللتطوع بالصدقة ولكل أفعال البر، إذ هي تنمية للحسنات مطهرة للمرء من دنس الذنوب، فالمؤمنون يؤتون من ذلك كل بقدر استطاعته، وقرأ ابن مسعود "آمنوا والذين يقيمون" بواو، وقوله تعالى: {وهم راكعون} جملة معطوفة على جملة، ومعناها وصفهم بتكثير الصلاة وخص الركوع بالذكر لكونه من أعظم أركان الصلاة، وهو هيئة تواضع فعبر به عن جميع الصلاة، كما قال {أية : والركع السجود} تفسير : [البقرة:125] وهي عبارة عن المصلين، وهذا قول جمهور المفسرين، ولكن اتفق أن علياً بن أبي طالب أعطى صدقة وهو راكع، قال السدي: هذه الآية في جمع المؤمنين ولكن علياً بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وروي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيته وقد نزلت عليه الآية فوجد مسكيناً فقال له هل أعطاك أحد شيئاً فقال نعم، أعطاني ذلك الرجل الذي يصلي خاتماً من فضة، وأعطانيه وهو راكع، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الرجل الذي أشار إليه علي بن أبي طالب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر وتلا الآية على الناس. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقال مجاهد: نزلت الآية في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع، وفي هذا القول نظر، والصحيح ما قدمناه من تأويل الجمهور، وقد قيل لأبي جعفر نزلت هذه الآية في علي، فقال علي من المؤمنين، والواو على هذا القول في قوله {وهم} واو الحال، وقام قوم نزلت الآية من أولها بسبب عبادة بن الصامت وتبريه من بني قينقاع, وقال ابن الكلبي نزلت بسبب قوم أسلموا من أهل الكتاب فجاؤوا فقالوا يا رسول الله بيوتنا بعيدة ولا متحدث لنا إلا مسجدك وقد أقسم قومنا أن لا يخالطونا ولا يوالونا، فنزلت الآية مؤنسة لهم. ثم أخبر تعالى أن من يتول الله ورسوله والمؤمنين فإنه غالب كل من ناوأه، وجاءت العبارة عامة {فإن حزب الله هم الغالبون} اختصاراً لأن المتولي هو من حزب الله، وحزب الله غالب، فهذا الذي تولى الله ورسوله والمؤمنين غالب، و {من} يراد بها الجنس لا مفرد بعينه، و "الحزب" الصاغية والمنتمون إلى صاحب الحزب والمعانون فيما يحزب، ومنه قول عائشة في حمنة: وكانت تحارب في أمر الإفك فهلكت فيمن هلك، ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنبهم، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين {هزواً ولعباً} والهزء السخرية والازدراء ويقرأ "هزُؤاً" بضم الزاي والهمز، و "هزْؤاً" بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزاً بتشديد الزاي المفتوحة, و "هزُواً" بضم الزاي وتنوين الواو, و "هزاً" بزاي مفتوحة منونة، ثم بين تعالى جنس هؤلاء أنهم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، واختلف القراء في إعراب {الكفار} فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة: "والكفارَ" نصباً، وقرأ أبو عمرو والكسائي "والكفارِ" خفضاً، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب، قال أبو علي: حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل. قال القاضي أبو محمد: ويدخل " الكفار " على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين المؤمنين هزؤاً، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله: {أية : إنا كفيناك المستهزئين} تفسير : [الحجر:95] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم {أية : إنا معكم إنما نحن مستهزئون} تفسير : [البقرة:14]، ومن قرأ "الكفارَ" بالنصب حمل على الفعل الذي هو {لا تتخذوا} ، ويخرج الكفار من أن يتضمن لفظ هذه الآية استهزاءهم، وقرأ أبيّ بن كعب "ومن الكفار" بزيادة "من" فهذه تؤيد قراءة الخفض، وكذلك في قراءة ابن مسعود "من قبلكم من الذي أشركوا" وفرقت الآية بين الكفار وبين الذين أوتوا الكتاب من حيث الغلب في اسم الكفار أن يقع على المشركين بالله إشراك عبادة أوثان، لأنهم أبعد شأواً في الكفر، وقد قال تعالى: {أية : جاهد الكفار والمنافقين} تفسير : [التوبة:73] ففرق بينهم إرادة البيان والجمع كفار وكان هذا لأن عباد الأوثان هم كفار من كل جهة، وهذه الفرق تلحق بهم في حكم الكفر وتخالفهم في رتب، فأهل الكتاب يؤمنون بالله وببعض الأنبياء، والمنافقون بألسنتهم، ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله: {إن كنتم مؤمنين} أي حق مؤمنين.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ} نزلت في عبادة لما تبرأ من حلف اليهود أو في عبدالله بن سلام ومن أسلم معه شكوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما أظهرته اليهود من عداوتهم. {وَهُمْ رَاكِعُونَ} نزلت في علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ تصدّق، وهو راكع، أو عامة في المؤمنين {وَهُمْ رَاكِعُونَ} نزلت فيهم، وهم ركوع، أو فعلوا ذلك في ركوعهم، أو أراد بالركوع النافلة، وبإقامة الصلاة الفريضة.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فى عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود وقال: أوالي الله ورسوله والمؤمنين يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقال جابر بن عبد الله: نزلت فى عبد الله بن سلام وذلك أنه جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأ: عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن سلام: رضينا بالله ربّاً وبرسوله نبياً وبالمؤمنين أولياء. وقيل: الآية عامة في حق جميع المؤمنين لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض فعلى هذا يكون قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} صفة لكل مؤمن ويكون المراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأن المنافقين كانوا يدعون أنهم مؤمنون إلا أنهم لم يكونوا يداومون على فعل الصلاة والزكاة فوصف الله تعالى المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة يعني بتمام ركوعها وسجودها فى مواقيتها ويؤتون الزكاة يعني ويؤدون الزكاة يعني ويؤدون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم. أما قوله تعالى وهم راكعون فعلى هذا التفسير فيه وجوه: أحدهما: أن المراد من الركوع هنا الخضوع والمعنى أن المؤمنين يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لأوامر الله ونواهيه. الوجه الثاني: أن يكون المراد منه أن من شأنهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإنما خص الركوع بالذكر تشريفاً له. الوجه الثالث: قيل إن هذه الآية نزلت وهم ركوع. وقيل: نزلت في شخص معين وهو علي بن أبي طالب. قال السدي: مر بعلي سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، فعلى هذا قال العلماء: العمل القليل في الصلاة لا يفسدها والقول بالعموم أولى وإن كان قد وافق وقت نزولها صدقة علي بن أبي طالب وهو راكع. ويدل على ذلك ما روي عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عن هذه الآية {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} من هم؟ فقال: المؤمنون، فقلت: إن ناساً يقولون هو علي، فقال: علي من الذين آمنوا. وقوله تعالى: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} يعني ومن يتول القيام بطاعة الله ونصر رسوله والمؤمنين. قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار ومن يأتي بعدهم {فإن حزب الله} يعني أنصار دين الله {هم الغالبون} لأن الله ناصرهم على عدوهم والحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه يعني أهمه.

ابن عادل

تفسير : لمَّا نَهَى عن مُوالاةِ الكُفَّار في الآيَات المُتقدِّمة بيَّن هاهُنَا من يجب مُوالاته. قوله {إِنَّما وَلِيُّكم اللَّه} مُبْتَدأ وخبر. و"رَسُولُه" و"الَّذين" عَطْف على الخبر. قال الزَّمَخْشَرِي: قد ذُكِرَتْ جماعةُ فهلاَّ قيل: "إنَّما أوْلِياؤُكم"؟ وأجاب أنَّ الولاية بِطَرِيق الأصَالَة للَّه - تعالى - ثم نظم في سلك إثْباتها لِرَسُوله وللمُؤمِنين، ولَوْ جِيءَ به جَمْعاً، فقيل: "إنَّما أوْلِيَاؤُكم" لم يكن في الكلام أصْل وتبع. قال شهاب الدِّين: ويحتمل وَجْهاً آخر، وهو أن "وَلي" بِزِنَةِ "فَعِيل"، و"فَعِيل" قد نصَّ عليه أهْلُ اللِّسَان أنَّهُ يقع لِلْواحد والاثْنَين والجماعة تَذْكيراً وتَأنِيثاً بلفظ واحدٍ، يُقَال: "الزَّيْدُون صَدِيق" و"هِنْد صَدِيق"، وهذا مِثْله غاية ما فِيهِ أنَّهُ مقدَّم في التَّرْكِيب، وقد أجَابَ الزَّمَخْشَري وغَيْره في قوله تعالى: {أية : وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 89] وذكر وَجْهَ ذلك، وهو شَبَهُهُ بالمصادر، وسَيَأتِي تحقِيقُه - إن شَاء اللَّه تعالى -. وقرأ ابُن مسعُود: "إنَّما مولاكم الله"، وهي تَفْسِير لا قِرَاءة. فصل في سبب نزول الآية روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّها نَزَلت في عُبَادَة بن الصَّامِت - رضي الله عنه - وعبد الله بن أبيِّ ابن سلُول - لَعَنَهُ اللَّه -، حين تَبَرأ عُبَادة من اليَهُود وقال: أتوَلَّى الله ورسوله والذين آمَنُوا، فنزل فِيهِم من قوله تعالى: {أية : يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [المائدة: 51]، إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يَعْني: عُبَادة بن الصَّامِت وأصْحَاب رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وقال جَابِر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: جاء عَبْدُ الله بن سلام - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فقال: يا رسول الله: "إن قَوْمنا قُرْيَظَة والنَّضِير قد هَجَرُونا وفَارَقُونا وأقْسَمُوا ألاَّ يُجَالِسُونا" فنزلت هذه الآية الكريمة، فَقَرأهَا عليه رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فقال: يا رسول الله رَضِينا باللَّه وبرسُوله وبالمُؤمنين أوْلياء، وعلى هذا التَّأويل أراد بقوله - تعالى -: "وَهُمْ رَاكِعُون" صلاة التَّطَوُّع باللَّيْل والنَّهَار. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والسُّديُّ - رحمه الله -: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، أراد به على بن أبي طالب - رضي الله عنه - مرَّ به سَائِلٌ وهو رَاكِعٌ في المَسْجِد فأعطاه خاتمه، وقال جُوَيْبِر عن الضَّحَّاك في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [قال: هم المُؤمِنُون بعضهم أوْلِيَاء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي البَاقِر: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} نزلت] في المُؤمنين، فقيل له: إن ناساً يقولون: إنَّها نزلت في عَلِيٍّ - رضي الله تعالى عنه - قال: هو من المُؤمنين. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} فيه خَمْسَة أوْجُه: أحدها: أنَّهُ مَرْفُوع على الوَصْف، لقوله تعالى: "الَّذِين آمَنُوا". وصف المؤمنين بإقام الصلاة، وإيتاء الزَّكاة، وذكر هَاتَيْن العبادَتيْن دون سَائِر فُروع الإيمان؛ لأنَّهما أفْضَلُهُمَا. الثاني: أنَّه مرفوع على البَدَل من "الَّذِين آمَنُوا". الثالث: أنه خَبَرُ مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: هُمُ الذين. الرابع: أنه عَطْف بَيَان لما قبله؛ فإنَّ كل ما جاز أنْ يَكُون بدلاً جاز أن يكون بَيَاناً، إلا فيما اسْتُثْنِيَ كما تقدَّم. الخامس: أنه مَنْصُوب بإضمار فِعْل، وهذا الوجه والَّذِي قَبْله من باب القَطْعِ عن التَّبِعيَّة. قال أبو حيَّان - بعد أن نَقَل عن الزَّمَخْشَرِي وَجْهَي البدل، وإضمار المُبْتَدأ فقط -: "ولا أدْرِي ما الَّذِي مَنَعَهُ من الصِّفة، إذ هو المُتَبَادَرُ إلى الذِّهن، ولأنَّ المُبْدَلَ منه على نِيَّةِ الطَّرْح؛ وهو لا يصحُّ هنا؛ لأنَّه هو الوَصْف المترتِّبُ عليه صحّة ما بعده من الأوْصَاف". قال شهاب الدِّين: لا نسلِّم أنَّ المتَبَادر إلى الذِّهْنِ الوَصْف، بل البَدَل هو المُتبَادر، وأيضاً فإن الوَصْف بالموصول على خِلاف الأصْل؛ لأنَّه مؤوَّل بالمُشْتَقِّ وليس بمُشْتَقٍّ، ولا نُسلِّم أن المُبْدَل مِنْه على نِيَّة الطَّرْح، وهو المَنْقُول عن سِيبوَيْه. قوله: "وَهُمْ رَاكِعُون" في هذه الجُمْلَة وجهان: أظهرهما: أنَّها معطوفة على ما قَبْلَها من الجُمَلِ، فتكون صِلَةً للمْوصُول، وجاء بهذه الجملة اسميَّةً دون ما قَبْلَها، فلم يَقُلْ: "يَرْكَعُون" اهتماماً بهذا الوَصْف، لأنَّه أظهر أرْكَان الصلاة. والثاني: أنَّها "واو" الحال، وصاحبُها هو واو "يُؤتُون". والمراد بالرُّكُوع الخُضُوع أي: يُؤتُون الصَّدَقة، وهم مُتُواضِعُون للفُقَراء الَّذين يتصَدَّقُون عليهم. ويجُوز أن يُراد به الرُّكُوع حَقِيقةً؛ كما تقدَّم عن عَلِيّ - رضي الله عنه -. وقال أبو مُسلمِ: المراد من الرُّكوع: الخُضُوع، أي: يُصَلُّون ويَركَعُون وهم مُنْقَادُون خَاضِعُون لجميع أوَامِرِ اللَّه ونواهيه.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطية بن سعد قال‏:‏ نزلت في عبادة بن الصامت ‏ {‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا‏}.‏ وأخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال‏:‏ ‏‏حديث : تصدَّق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل "من أعطاك هذا الخاتم‏؟ قال‏:‏ ذاك الراكع، فأنزل الله ‏ {‏إنما وليكم الله ورسوله‏}" ‏ ‏‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إنما وليكم الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في علي بن أبي طالب‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال‏‏‏ ‏"‏حديث : وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون‏}‏ فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ثم قال‏: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه‏ "‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال "‏نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ‏{‏إنما وليكم الله ورسوله والذين‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد، جاء والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلي، فإذا سائل فقال‏: يا سائل، هل أعطاك أحد شيئا‏ً؟‏ قال‏:‏ لا، إلا ذاك الراكع - لعلي بن أبي طالب - أعطاني خاتمه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال‏:‏ تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت ‏ {‏إنما وليكم الله‏} الآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏إنما وليكم الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية. نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع‏. وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله‏. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ حديث : أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة وأقسموا ان لا يخالطونا ولا يؤاكلونا، فشق ذلك علينا، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} ‏ ونودي بالصلاة صلاة الظهر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: أعطاك أحد شيئاً‏؟ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: من‏؟‏ قال‏:‏ ذاك الرجل القائم‏.‏ قال‏:‏ على أي حال أعطاكه‏؟‏ قال‏:‏ وهو راكع‏.‏ قال‏: وذلك علي بن أبي طالب، فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وهو يقول {ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [‏المائدة: 56‏] . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيمحديث : عن أبي رافع قال ‏"دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم يوحى إليه، فإذا حية في جانب البيت، فكرهت أن أبيت عليها، فأوقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وخفت أن يكون يوحى إليه، فاضطجعت بين الحية وبين النبي صلى الله عليه وسلم، لئن كان منها سوء كان فيَّ دونه، فمكثت ساعة فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول {‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون‏}‏ الحمد لله الذي أتمَّ لعلي نعمه، وهيأ لعلي بفضل الله اياه"‏. ‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه، فنزلت هذه الآية. ‏ {‏إنما وليكم الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في الذين آمنوا، وعلي بن أبي طالب أوّلهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إنما وليكم الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ يعني من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي جعفر‏.‏ أنه سئل عن هذه الآية، من الذين آمنوا‏؟‏ قال‏:‏ الذين آمنوا‏.‏ قيل له‏:‏ بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب‏.‏ قال‏:‏ علي من الذين آمنوا‏. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن أبي سليمان قال‏:‏ سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله‏ {‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون‏} ‏ قال‏:‏ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قلت يقولون: علي‏؟‏ قال‏:‏ علي منهم‏. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن جرير بن مغيرة قال‏:‏ كان في قراءة عبد الله ‏{‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة‏}‏‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} لما نهاهم الله عز وجل عن موالاة الكفرة وعلّله بأن بعضَهم أولياءُ بعض لا يُتصوَّرُ ولايتُهم للمؤمنين، وبـين أن من يتولاهم يكون من جملتهم، بـيَّن هٰهنا من هو وليُّهم بطريقٍ قصَرَ الولايةَ عليه كأنه قيل: لا تتخذوهم أولياءَ، لأن بعضَهم أولياءُ بعضٍ وليسوا بأوليائكم، إنما أولياؤكم الله ورسولُه والمؤمنون فاختصُّوهم بالموالاة ولا تتخطّوهم إلى غيرهم، وإنما أفرد الوليَّ مع تعدده للإيذان بأن الولايةَ أصالةً لله تعالى وولايتُه عليه السلام، وكذا ولايةُ المؤمنين بطريقِ التبعية لولايتِه عز وجل {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} صفة للذين آمنوا لجرَيانه مَجرىٰ الاسمِ أو بدلٌ منه أو نصْبٌ على المدح أو رفعٌ عليه {وَهُمْ رَاكِعُونَ} حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى، وقيل: هو حال مخصوصةٌ بإيتاء الزكاة، والركوعُ ركوعُ الصلاة، والمراد بـيانُ كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه، ورُوي أنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكعٌ فطرح إليه خاتمه كأنه كان مرجاً في خِنْصَرِه غيرَ محتاجٍ في إخراجه إلى كثير عمل يؤدِّي إلى فساد الصلاة، ولفظ الجمع حينئذ لترغيب الناس في مثل فعلِه رضي الله عنه، وفيه دلالة على أن صدقة التطوُّع تسمّى زكاةً {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أُوثرَ الإظهارُ على أن يقال: ومن يتولَّهم رعايةً لما مر من نُكتةِ بـيانِ أصالتِه تعالى في الولاية كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} حيث أضيفَ الحِزبُ إليه تعالى خاصة وهو أيضاً من باب وضْعِ الظاهِرِ موضعَ الضمير العائد إلى (من)، أي فإنهم الغالبون لكنهم جُعِلوا حزبَ الله تعالى تعظيماً لهم وإثباتاً لغَلَبتهم بالطريق البرهاني، كأنه قيل: ومن يتولَّ هؤلاء فإنهم حزبُ الله وحزبُ الله هم الغالبون.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}[55] قال: ولاية الله تعالى الاختيار لمن استولاه، ثم أعلم الرسول أنه ولي المؤمنين، فيجب عليه أن يوالي من والى الله تعالى والذين آمنوا.

القشيري

تفسير : الولي أي الناصر، ولا موالاة بين المؤمنين وبين أعداء الحق - سبحانه - فأعداء الحقِّ هم أعداء الدِّين. و "إنما" حرفٌ يقتضي أن ما عداه بخلافه، وأعدى عدوِّك نَفْسُكَ - كما في الخبر - ومَنْ عادى نَفْسَه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلْق وبالمعارضة فيها مع الحق.

البقلي

تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} اى محبكم الله لسبق العناية ومحبة الرسول تاديبهم بالشريعة محبة المؤمنين الايثار للنفس والمال اليهم بالاخوة قال سهل اما ولاية الله فهو الاختيار لمن استولاه وولاية الرسول عليه السلام اعلام الله ورسوله انه ولى يجب على الرسول ان توالى من والى الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} اى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء لان بعضهم اولياء بعض وليسوا باوليائكم انما اولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تخطئوهم الى الغير. قال فى التأويلات النجمية فموالاة الله فى معاداة ما سوى الله كما قال الخليل عليه السلام {أية : فإنهم عدو لى إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 78]. وموالاة الرسول فى معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال عليه السلام "حديث : لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " .تفسير : وقال "حديث : لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه وماله وولده والناس اجمعين " .تفسير : وموالاة المؤمنين فى مؤاخاتهم فى الدين كقوله تعالى {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : [الحجرات: 10]. وقال عليه السلام "حديث : لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه " .تفسير : {الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة} بدل من الذين آمنوا {وهم راكعون} حال من فاعل الفعلين اى يعملون ما ذكر من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى والمقصود تمييز المؤمن المخلص ممن يدعى الايمان ويكون منافقا لأن الاخلاص انما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة والزكاة فى حال الركوع اى فى حال الخشوع والاخبات لله تعالى.

الطوسي

تفسير : اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فيه، فروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن على ما حكاه المغربي عنه، والطبري، والرماني، ومجاهد، والسدي: إِنها نزلت في علي (ع) حين تصدق بخاتمه وهو راكع، وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله (ع) وجميع علماء أهل البيت. وقال الحسن والجبائي: انها نزلت في جميع المؤمنين. وقال قوم نزلت في عبادة بن الصامت في تبرئه من يهود بني قينقاع، وحلفهم الى رسول الله والمؤمنين. وقال المكلبي نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه لما أسلموا فقطعت اليهود موالاتهم، فنزلت الآية. واعلم إِن هذه الآية من الأدلة الواضحة على إِمامة أمير المؤمنين (ع) بعد النبي بلا فصل. ووجه الدلالة فيها أنه قد ثبت أن الوليَّ في الآية بمعنى الأولى والأحق. وثبت أيضاً أن المعني بقوله {والذين آمنوا} أمير المؤمنين (ع) فاذا ثبت هذان الاصلان دل على إِمامته، لأن كل من قال: ان معنى الولي في الآية ما ذكرناه قال إِنها خاصة فيه. ومن قال باختصاصها به (ع) قال المراد بها الامامة. فان قيل دلوا أولا على ان الولي يستعمل في اللغة بمعنى الأولى والاحق ثم على ان المراد به في الآية ذلك، ثم دلوا على توجهها الى أمير المؤمنين (ع). قلنا: الذي يدل على أن الولي يفيد الأولى قول أهل اللغة للسلطان المالك للأمر: فلان ولي الأمر قال الكميت: شعر : ونعم ولي الأمر بعد وليه ومنتجع التقوى ونعم المؤدب تفسير : ويقولون: فلان ولي عهد المسلمين إِذا استخلف للأمر لأنه أولى بمقام من قبله من غيره وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) "حديث : أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل" تفسير : يريد من هو أولى بالعقد عليها. وقال تعالى: {أية : فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب }تفسير : يعني من يكون أولى بحيازة ميراثي من بني العم. وقال المبرد: الولي والأولى والأحق والمولى بمعنى واحد والأمر فيما ذكرناه ظاهر، فاما الذي يدل على أن المراد به في الآية ما ذكرناه هو ان الله تعالى نفى ان يكون لنا ولي غير الله وغير رسوله، والذين آمنوا بلفظة {إنما} ولو كان المراد به الموالاة في الدين لما خص بها المذكورين، لأن الموالاة في الدين عامة في المؤمنين كلهم. قال الله تعالى { أية : والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } تفسير : وإنما قلنا: أن لفظة {إِنما} تفيد التخصيص، لأن القائل، إِذا قال إِنما لك عندي درهم فهم منه نفي ما زاد عليه، وقام مقام قوله: ليس لك عندي إِلا درهم. ولذلك يقولون انما النحاة المدققون البصريون ويريدون نفي التدقيق عن غيرهم. ومثله قولهم: إِنما السخاء سخاء حاتم يريدون نفي السخاء عن غيره، قال الاعشى: شعر : ولست بالأكثر منهم حصى وإِنما العزة للكاثر تفسير : أراد نفي العزة عن من ليس بكاثر. واحتج الانصار بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : إِنما الماء من الماء" تفسير : في نفي الغسل من غير انزال. وادعى المهاجرون نسخ الخبر، فلولا أن الفريقين فهموا التخصيص لما كان الأمر كذلك ولقالوا {إِنما} لا تفيد الاختصاص بوجوب الماء من الماء. ويدل أيضاً على أن الولاية في الآية مختصة أنه قال: {وليكم} فخاطب به جميع المؤمنين ودخل فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) وغيره ثم، قال ورسوله، فاخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) من جملتهم لكونهم مضافين الى ولايته، فلما قال {والذين آمنوا} وجب أيضاً أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية. وإِلا. أدى الى أن يكون المضاف هو المضاف اليه وأدى الى أن يكون كل واحد منهم ولي نفسه، وذلك محال. واذا ثبت أن المراد بها في الآية ما ذكرناه، فالذي يدل على أن أمير المؤمنين (ع) هو المخصوص بها أشياء: منها - أن كل من قال: ان معنى الولي في الآية معنى الأحق قال إِنه هو المخصوص به. ومن خالف في اختصاص الآية يجعل الآية عامة في المؤمنين وذلك قد ابطلناه. ومنها - ان الطائفتين المختلفتين الشيعة وأصحاب الحديث رووا أن الآية نزلت فيه (عليه السلام) خاصة. ومنها - أن الله تعالى وصف الذين آمنوا بصفات ليست حاصلة إِلا فيه، لأنه قال: {والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} فبين أن المعني بالآية هو الذي أتى الزكاة في حال الركوع. وأجمعت الأمة على أنه لم يؤت الزكاة في حال الركوع غير أمير المؤمنين (ع)، وليس لأحد أن يقول: إِن قوله {وهم راكعون} ليس هو حالاً لـ {يؤتون الزكاة} بل المراد به أن من صفتهم إِيتاء الزكاة، لأن ذلك خلاف لأهل العربية، لأن القائل إِذا قال لغيره لقيت فلانا، وهو راكب لم يفهم منه الا لقاؤه له في حال الركوب، ولم يفهم منه أن من شأنه الركوب. واذا قال: رأيته وهو جالس أو جاءني وهو ماش لم يفهم من ذلك كله إِلا موافقة رؤيته في حال الجلوس أو مجيئه ماشياً. واذا ثبت ذلك وجب أن يكون حكم الآية مثل ذلك. فان قيل: ما انكرتم أن يكون الركوع المذكور في الآية المراد به الخضوع كأنه قال يؤتون الزكاة خاضعين متواضعين كما قال الشاعر: شعر : ولا تهين الفقير علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : والمراد علك أن تخضع، قلنا الركوع هو التطأطأ المخصوص، وإِنما يقال للخضوع ركوعاً تشبيهاً ومجازاً، لأن فيه ضرباً من الانخفاض، يدل على ما قلناه نص أهل اللغة عليه، قال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه فتمس ركبتيه الارض أولا تمس بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع قال لبيد: شعر : أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع تفسير : وقال ابن دريد: الراكع الذي يكبو على وجهه، ومنه الركوع في الصلاة قال الشاعر: شعر : وأفلت حاجب فوق العوالي على شقاء تركع في الظراب تفسير : أي تكبوا على وجهها. وإِذا كانت الحقيقة ما قلناه، لم يجز حمل الآية على المجاز. فان قيل قوله {الذين آمنوا} لفظ جمع كيف تحملون ذلك على الواحد؟ قيل: قد يعبر عن الواحد لفظ الجمع إِذا كان معظماً عالي الذكر قال تعالى {أية : إِنا نحن نزلنا الذكر وإِنا له لحافظون } تفسير : وقال: {رب ارجعون} وقال {أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } تفسير : ونظائر ذلك كثيرة. وقال:{أية : الذين قال لهم الناس إِن الناس قد جمعوا لكم } تفسير : ولا خلاف في أن المراد به واحد، وهو نعيم بن مسعود الاشجعي. وقال: {أية : أفيضوا من حيث أفاض الناس } تفسير : والمراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال {أية : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا }تفسير : نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول. فاذا ثبت استعمال ذلك كان قوله {الذين يقيمون الصلاة} محمولا على الواحد الذي قدمناه. فان قيل: لو كانت الآية تفيد الامامة لوجب أن يكون ذلك إماماً في الحال ولجاز له أن يأمر وينهى ويقوم بما يقوم به الأئمة. قلنا: من أصحابنا من قال: إِنه كان إِماماً في الحال ولكن لم يأمر لوجود النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان وجوده مانعاً من تصرفه، فلما مضى النبي (صلى الله عليه وسلم) قام بما كان له. ومنهم من قال - وهو الذي نعتمده - أن الآية دلت على فرض طاعته واستحقاقه للامامة. وهذا كان حاصلا له. وأما التصرف فموقوف على ما بعد الوفاة كما يثبت استحقاق الأمر لولي العهد في حياة الامام الذي قبله وإِن لم يجز له التصرف في حياته. وكذلك يثبت استحقاق الوصية للوصي وان منع من التصرف وجود الموصي. وكذلك القول في الأئمة وقد استوفينا الكلام على الآية في كتب الامامة بما لا يحتمل بسطه ها هنا. فان قيل: أليس قد روي أنها نزلت في عبادة بن الصامت أو عبد الله بن سلام وأصحابه؟ فما أنكرتم أن يكون المراد بالذين آمنوا هم دون من ذهبتم اليه؟ قلنا: أول ما نقوله: إِنا دللنا على أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (ع) بنقل الطائفتين، ولما اعتبرناه من اعتبار الصفة المذكورة في الآية وأنها ليست حاصلة في غيره بطل ما يروى في خلاف ذلك، على أن الذي روي في الخبر من نزولها في عبادة بن الصامت لا ينافي ما قلناه، لأن عبادة لما تبرأ من حلف اليهود أعطي ولاية من تضمنته الآية، فأما ما روي من خبر عبد الله بن سلام فبخلاف ما ذهبوا اليه، لأنه روي أن عبد الله بن سلام لما اسلم قطعت اليهود حلفه وتبرؤوا منه فاشتد ذلك عليه، وعلى أصحابه فأنزل الله تعالى الآية تسلية لعبد الله ابن سلام وأصحابه وأنه قد عوضهم من محالفة اليهود، ولاية الله وولاية رسوله وولاية الذين آمنوا. والذي يكشف عما قلناه أنه قد روي أنها لما نزلت خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) من البيت، فقال لبعض أصحابه "حديث : هل أعطى أحد سائلاً شيئاً" تفسير : فقالوا: نعم يا رسول الله قدأعطى علي بن أبي طالب السائل خاتمه، وهو راكع. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) حديث : الله أكبر قد أنزل الله فيه قرآناً" تفسير : ثم تلا الآية الى آخرها. وفي ذلك بطلان ما قالوه. وقد استوفينا ما يتعلق بالشبهات المذكورة في الآية في كتاب الاستيفاء وحللناها بغاية ما يمكن، فمن أراده وقف عليه من هناك. فأما الولي بمعنى الناصر فلسنا ندفعه في اللغة لكن لا يجوز أن يكون مراداً في الآية لما بيناه من نفي الاختصاص. وإِقامة الصلاة إِتهامها بجميع فروضها من قولهم فلان قائم بعمله الذي وليه أي يوفي العمل جميع حقوقه، ومنه قوام الآمر. وفي الآية دلالة على أن العمل القليل لا يفسد الصلاة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} قد ورد من طريق العامّة والخاصّة انّ الآية نازلة فى علىّ (ع) حين تصدّق فى المسجد فى ركوع الصّلوة بخاتمه او بحلّته الّتى كان قيمتها الف دينار، ومفسّرو العامّة لا ينكرون الاخبار فى كونها نازلة فى امير المؤمنين (ع) وقد نقلوا بطرق عديدة من رواتهم انّها نزلت فى علىّ (ع) ومع ذلك يقولون فى تفسيرها انّ الآية لمّا نزلت بعد النّهى عن اتّخاذ اهل الكتاب اولياء، ولا شكّ انّ المراد بالاولياء هناك اولياء المعاشرة لا اولياء التّصرّف كان المراد بالاولياء ههنا ايضاً المعاشرة بقرينة المقابلة وبقرينة جمع المؤمنين، ولو كان المراد امير المؤمنين (ع) وبالولاية ولاية التّصرّف، لصرّح باسمه او لقال والّذى آمن بالافراد؛ وهم غافلون عن انّه لو صرّح باسمه او افرد المؤمن مع الاتّفاق في انّها نازلة فى امير المؤمنين (ع) لأسقطوه تمويهاً على مخالفى علىٍّ (ع) فنقول: نسبة الولاية اوّلاً الى الله ثمّ الى رسوله (ص) ثمّ الى الّذين آمنوا تدلّ على انّ المراد بالولايه ولاية التّصرّف الّتى فى قوله تعالى: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب:6] لانّ ولاية الله ليست ولاية المعاشرة ولا ولاية الرّسول (ص) بقرينة العطف وبما هو معلوم من الخارج، فكذلك ولاية الّذين آمنوا بقرينة العطف وبقرينة عدم تكرار الولىّ، فانّ المراد انّ الولاية ههنا امر واحد مترتّب فى الظّهور، فانّ ولاية الرّسول (ص) ليست شيئاً سوى ولاية الله وولاية الله تتحقّق بولاية الرّسول (ص) فهكذا ولاية الّذين آمنوا فانّها ولاية الرّسول (ص) تظهر فى ولاية الّذين آمنوا على ما قاله الشّيعة، ولو كان المراد ولاية المعاشرة كان اولياؤكم بلفظ الجمع اولى، وتقييد الّذين آمنوا باقامة الصّلوة وايتاء الزّكوة فى حال الرّكوع يدلّ على انّها ليست ولاية المعاشرة والا لكان جملة المؤمنين فيها سواءً، وليس كذلك المؤمنين متّصفين بالصّفات المذكورة على انّه لا خلاف معتدّاً به فى انّها نزلت فى علىّ (ع) وصورة الاوصاف خاصّة به، وقوله الّذين يقيمون الصّلوة بالمضارع اشارة الى انّ هذا الوصف مستمرّ لهم يعنى حالهم استمرار اقامة الصّلوة وايتاء الزّكوة فى حال الخضوع لله لا فى حال بهجة النّفس، لانّهم يؤتون ما اتوا وقلوبهم وجلة انّهم الى ربّهم راجعون، بخلاف الفاعل من قبل النّفس فانّ شأنه الارتضاء بفعله وتوقّع المدح من الغير على فعله، لانّ كلّ حزب من احزاب النّفس بما لديهم فرحون ويحبّون ان يحمدوا على ما لم يفعلوا فضلاً عمّا فعلوا، واستمرار الصّفات بحسب المعنى لعلىّ (ع) واولاده المعصومين (ع) بشهادة اعدائهم وبحسب الصّورة ما كان احد مصداقها الاّ علىّ (ع) نقلاً عن طريق العامّة والخاصّة وقد وقع صدور الزّكوة فى الرّكوع من كلّ من الائمّة (ع) كما ورد عن طريق الخاصّة، وفى نسبة الولاية الى الله دون المخاطبين والاتيان باداة الحصر دلالة تامّة على انّ المراد بها ولاية التّصرّف فانّها امر ثابتة لله ذاتاً ولرسوله (ص) ولخلفاء رسوله (ص) باعتبار كونهما مظهرين لله وليس لاحدٍ شراكة فيها وليس المراد بها ولاية المعاشرة الّتى تكون بالمواضعة والاتّخاذ، والاّ لم يكن للحصر وجه وكان اقتضاء المقابلة ان يقول بل انتم اولياء الله (الى آخرها) او بل اتّخذوا الله ورسوله والمؤمنين اولياء ولانّ المراد بها ولاية التّصرّف الّتى كانت بالذّات لله قال فى عكسه.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ، قالَ حَدَّثَنا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الحَمِيْدِ، قالَ: حَدَّثَنا مُوْسَى بنُ مطير، عن المِنْهال بنُ عَمْر [و]، عن عَبْدِ الله بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ، قالَ: كَانَ عَلِيٌّ عليهِ السَّلامُ يُصَلِّي إذْ جَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ بِإصْبِعِهِ، فَمَدَّهَا، فَأَعْطَى السَّائِلَ خَاتَماً، فَجَاءَ السَّائِلُ اِلى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ]، فَقَالَ: هَلْ أَعْطاكَ أَحَدٌ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ. فَنَزَلتْ فِيْهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ..}. حَدَّثَنا عَلِيٌّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْن، قالَ: حَدَّثَنا حِبّانٌ، عن الكَلْبيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}. نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ خَاصَّةً. تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ ـ معنعناً ـ عَن أَبِي جَعْفَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ ذاتَ يَوْمٍ في مَسْجِدِهِ، فمرّ مِسْكِينٌ فقالَ لَهُ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم: "حديث : هَلْ تُصُدِّقَ عَلَيْكَ بِشَيْءٍ؟ " تفسير : قالَ: نَعَمْ، مَرَرْتُ بِرَجُلٍ رَاكِعٍ، فَأَعْطَاني خَاتَمَهُ، فِأَشَارَ بِيَدِهِ: فِإذَا هُوَ عَلِيٌّ عليهِ السَّلام، فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}. فقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: "حديث : هُوَ وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي ". تفسير : ـ فُراتٌ: الحُسَيْنُ الحَكَمِ ـ معنعناً ـ عن جَعْفَرٍ عليهِ السَّلامُ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا..}. نَزَلَتْ في عَلِيّ بنِ أَبِي طِالبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد [ب (خ ل): محمد] معنعناً: عن عبد الله بن عطاء قال: كنت جالساً مع أبي جعفر عليه السلام في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و[ابن] عبد الله بن سلام جالسٌ في صحن المسجد، قال: [فقلت]: جعلت فداك هذا [ابن] الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب عليه السلام نزل فيه: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} إلى آخر الآية، ونزل فيه {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} تفسير : [67/ المائدة] [إلى آخر الآية. ر] فأخذ [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ر] بيد [ر: يد] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] يوم غدير [خم. ر، ب] وقال: حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه. تفسير : فرات قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن الحسين [ن: الحسن] بن [أبي] الخطاب، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن سليمان بن طريف. عن محمد بن مسلم قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام جلوساً صفين وهو على السرير وقد دَرّ علينا بالحديث، [و. أ، ب] فينا من السرور وقرة العين ما شاء الله فكأنّا في الجنّة، فبينا نحن كذلك إذا بالاذن [ب: بالأذّان] فقال: سلام الجعفي بالباب، فقال أبو جعفر: إئذن له. فدخلنا غم وهم ومشقة كراهيّة أن يكف عنا ما كنا فيه فدخل وسلم عليه فرد أبو جعفر ثم قال سلام: يا ابن رسول الله حدثني عنك خيثمة عن قول الله تعالى: {إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} ان الآية نزلت في علي بن أبي طالب. قال: صدق خيثمة. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي ذات يوم في مسجد فمر به مسكين [ر، أ (خ ل): فقير] فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "هل تصدق عليك بشيء؟" قال: نعم مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه. وأشار [أ،ب: فأشار] بيده فإذا هو علي [بن أبي طالب عليه السلام.ر] فنزلت هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "هو وليكم [من.ر،ب] بعدي" . تفسير : فرات قال: حدثني الحسين [بن سعيد] معنعناً: عن جعفر عليه السلام: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} نزل [ب: نزلت] في علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني علي بن محمد بن عباد الخثعمي معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: {إنما وليكم الله ورسوله} إلى آخر الآية قال: لعلي بن أبي طالب علي السلام. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد [معنعناً]: عن المنهال قال: سألت علي بن الحسين [ن: المحسن] وعبد الله بن محمد عن قول الله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} قال: [في. أ، ر] علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية قال:حديث : أقبل سائل فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل سألت أحداً من أصحابي؟ قال: لا. قال: فأت المسجد فاسألهم ثم عد إلي فأخبرني. فأتى المسجد فلم يعطه أحدٌ شيئاً قال: فمرّ بعلي وهو راكع فناوله يده فأخذ خاتمه ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [فأخبره] فقال: هل تعرف هذا الرجل؟ قال: لا. فأرسل معه فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: ونزلت هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} . تفسير : فرات قال: حدثني الحسن بن علي بن بزيع معنعناً: عن عبد الله بن محمد بن [الحنفية] أبي هاشم قال: حديث : أقبل سائل فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [فقال له: هل سألت أحداً من أصحابي؟ قال: لا. قال: فأت المسجد فاسألهم وعد إلي فأخبرني فأتى المسجد] فلم يعط شيئاً فمرّ بعلي عليه السلام وهو راكع قال: فقال بيده فأخذ خاتمه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره قال: فقال: [هل. أ] تعرف الرجل؟ قال: لا. فأرسل معه فإذا هو علي. فنزلت هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله} إلى {راكعون} تفسير : فرات قال: حدثنا الحسين [بن الحكم الحبري قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح]: عن ابن عباس [رضي الله عنه. ن] في قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} نزلت في علي[بن أبي طالب. ر. عليه السلام.ح، ر] خاصة. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} إلى قوله {وهم راكعون} قال [أ، ب: فقال]: حديث : أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من [مسلمي] أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الظهر فقالوا: يا رسول الله بيوتنا قاصية ولا متحدث [لنا. أ] دون هذا المسجد وإن قومنا [ر: قوماً] لما أن رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا لنا العداوة، وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يجالسونا ولا يكلمونا فشق علينا. فبينا هم يشكون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ نزلت هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } فتلا عليهم فقالوا: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين. وأذن بلال بالصلاة وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقاعد وإذا مسكين يسأل [ر.فسئل] فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل أعطاك أحدٌ شيئاً؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: خاتم [من. ر] فضة. قال: من أعطاك؟ قال: ذاك الرجل القائم. فإذا هو علي [بن أبي طالب. أ] قال: أنّى أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكع. فزعموا أن رسول الله [ر: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم كبر عند ذلك يقول: {ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون} [56/المائدة:] الآية . تفسير : فرات قال: حدثني أبو علي أحمد بن الحسين الحضرمي معنعناً: عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إنما وليكم الله ورسوله} إلى آخر الآية حديث : جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد فإذا سائل فدعاه قال: من أعطاك من [ب: فى] هذا المسجد؟ قال: ما أعطاني إلا هذا الراكع والساجد - يعني علياً -. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الحمد الله الذي جعلها فيّ وفي أهل بيتي". تفسير : قال: وكان في خاتم علي الذي أعطاه السائل: سبحان من فخري بأني له عبد. فرات قال: حدثنا جعفر بن أحمد معنعناً: عن علي عليه السلام قال: نزلت هذه الآية على نبي الله وهو في بيته {إنما وليكم الله ورسوله} إلى قوله {وهم راكعون} [فـ] حديث : خرج رسول الله فدخل المسجد ثم نادى سائل [ب: سائلاً] فسأل فقال له: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا إلاّ ذاك [ن: أخاك] الراكع أعطاني خاتمه. يعني علياً [ن: علينا] . تفسير : فرات قال: حدثني زيد بن حمزة بن محمد بن علي بن زياد القصار معنعناً: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: من أحب الله أحب النبي، ومن أحب النبي أحبنا، ومن أحبنا أحب شيعتنا، فإن النبي [ب: فالنبي] صلى الله عليه وآله وسلم ونحن وشيعتنا من طينة واحدة ونحن في الجنة لا نبغض من يحبنا [أ: أحبنا] ولا نحب من أبغضنا، إقرؤوا إن شئتم: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} إلى آخر الآية. قال الحادث: صدق والله [ر، ب: الله] ما نزلت إلاّ فيه. فرات قال: حدثني محمد بن عيسى بن زكريا الدهقان معنعناً: حديث : عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ سورة المائدة فقال: اكتب. فكتبت حتى انتهيت إلى هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} ثم أتى [ب (خ ل): إن] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخفق برأسه كأنه نائم وهو يملي [علي. أ، ب] بلسانه حتى فرغ من آخر السورة [خ ل: سورة المائدة] ثم انتبه فقال لي: اكتب فأملا عليّ من الموضع الذي خفق عندها فقلت: ألم تمل عليّ حتى ختمتها فقال: الله أكبر ذلك الذي أملى عليك جبرئيل [عليه السلام. ر] [ثم قال علي عليه السلام. أ، ر] فأملى علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستين آية وأملى علي جبرئيل أربعاً وستين آية .

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}. قال الحسن: هو كقوله: (أية : وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) تفسير : [التوبة:71] وكقوله: (أية : اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) تفسير : [البقرة:257] وكقوله: (أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) تفسير : [الأعراف:196]. قال الكلبي: بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطاً من مسلمي أهل الكتاب أتوا النبي عند صلاة الظهر فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدثاً دون المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد قصدنا الله ورسوله وتركناهم ودينهم أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي إذ نزلت هذه الآية، فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: رضينا الله ورسوله والمؤمنين أولياء. وأذن بلال بالصلاة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا وَلِيُّكُم اللهُ وَرَسُولُهُ وَالِّذِينَ آمَنُوا}: أكد ولاية الله ورسوله والمؤمنين بالجملة الاسمية، والحصر بانما، والحصر بتعريف المسند اليه والمسند، وانما أفرد الولى مع أنه كثير سبحان من لا يوصف بكثرة ولا قلة المؤمنون ورسوله والله، لأن الولاية بالذات انما هى لله، وأما ولاية الرسول والمؤمنين فبالتبع فبالاقرار اشارة الى أن الولاية له بالذات، ولو قال أولياؤكم لم يفد الكلام ذلك، ولأن الولى بوزن فعيل بمعنى فاعل قد يطلق على غير الواحد ليكون كالصهيل وما يشبهه التى بوزن فعيل المقيسة، والمصدر يطلق على الواحد وغيره بلفظ واحد، ومن ذلك نحو صديق وظهير من الأوصاف، نقول: هم صديق وهن صديق، والوجه الأول هو الراجح. وقرأ ابن مسعود: انما مولاكم الله، والآية عامة، وقال جابر بن عبد الله بن سلام حديث : اذ جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رهط ممن أسلم من بنى اسرائيل وقت الظهر، فقالوا: يا رسول الله ان قومنا قريظة والنضير قد فارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، وبيوتنا قاصية، ولا مسجد لنا الا مسجدك، فنزلت فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن سلام ومن معه: رضينا بالله رباً وبرسوله نبياً وبالمؤمنين أولياءتفسير : ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت فى عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين. {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ}: نعت للذين آمنوا، ولو كان الموصول كالوصف على قول سيبويه بجواز نعت الصفة، أو على اعتبار نيابته مناب الاسم، كأنه قيل: والناس الذين آمنوا، فلك جعل الذين نعت للناس المحذوف، ويجوز جعل الذين ثانى بدلا من الأول، أو خبر المحذوف أو مفعولا لمحذوف. {وَهُم رَاكِعُونَ}: جملة اسمية معطوفة على يقيمون الصلاة، عطف اسمية على فعلية، لأن تلك الفعلية المراد بها معنى الثبات، ولو دل فعلها على التكرير والتجدد لا بالوضع، ألا ترى أن المعنى الدوام على الاقامة الا أن ثبات الجملة الاسمية بمعنى عدم التعرض للتجدد، وعطف خاص على عام تشريفاً للركوع، ويجوز أن يراد بالركوع الخضوع لأمر الله ونهيه فى الصلاة والزكاة وسائر أعمالهم، لا ركوع الصلاة، فتعطف على الفعلية عام على خاص، فان اقامة الصلاة، وايتاء الزكاة خضوع، أو تكون حالا من واو يقيمون، أو يؤتون، ويجوز أن يكون المراد ركوع الصلاة على طريقة أخرى. والمعنى أنهم يصلون صلاة تتضمن ركوعاً لا كصلاة من لا يركع من اليهود وغيرهم، وزعم الشيعة أن {أية : الذين آمنوا الذين يقيمون }تفسير : الى {رَاكِعُونَ} المراد به على بن أبى طالب، وأن جملة هم راكعون حال من واو يؤتون الزكاة وهى مقارنة، وأنه أعطى الزكاة وهو فى الصلاة راكع، سأله سائل وهو فى ركوع الصلاة فأعطاه خاتمه فى حال ركوعه، وأراد به الزكاة وعبر عنه بالجمع تعظيماً وهى دعوى بلا دليل عليها، والأصل العموم، والأصل أن لا يطلق لفظ الجمع على المفرد. ومن دعوى الشيعة أن المراد بالوالى فى الآية المتولى للأمور، المستحق للتصرف فيها، وأن هذه الولاية دليل على امامة على، وزعم أيضاً من زعم أن المراد على وأن سائلا سأله فى الركوع فأعطاه خاتمه وهو صدقة تطوع، وأن المراد بالزكاة فى الآية صدقة التطوع، وهذا أيضاً تكلف بلا دليل، وزعم من زعم أيضاً أن فى ذلك دليل على أن العمل القليل فى الصلاة لا يفسدها ولو عمداً فى غير اصلاح الصلاة ولا ضرورة، لأنه أعطى الخاتم فى الصلاة، وليس كذلك بلا تعسف على تعسف، نعوذ بالله من التعب على غير تحقيق، ولو كان الفقير السائل يخاف يخاف عليه الموت أو ذهاب عضو للجوع لوجب الاعطاء له ولو فى الصلاة بلا نقض لها.

اطفيش

تفسير : متعلق بقوله تعالى: {أية : يا أَيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أَولياءَ} تفسير : [المائدة: 51]، كأَنه قيل ما هؤلاءِ أَولياؤكم ما وليكم إِلا الله ورسوله والذين آمنوا، وإِنما أَفرد الولى وعطف ليدل أَن الولاية أَصالة لله وأما لرسوله وللمؤمنين فالتبع، ولا دلالة على ذلك لو قال إِنما أَولياؤكم، ودون ذلك أَن يقال الولى وصف بوزن المصدر كالصرير والدبيب، والمصدر يطلق على الواحد وغيره وهو وجه في قوله تعالى {أية : والملائكة بعد ذلك ظهير} تفسير : [التحريم: 4]، ويقال هم صديق وهو صديق وهى صديق أَعنى أَنه وقع ذلك في كلام العرب، والذين بدل من الذين أَو نعته لجواز نعت ما هو وصف أَو كالوصف إِذ أنزل منزلة الذات كما تقول القائم الأَبيض جاءَ تميل إِلى معنى قولك الإِنسان القائم والمراد بالركوع ركوع الصلاة تلويحاً باليهود إذ كانوا لا يركعون، والآن نجد بعضا يركع أَو مطلق الخضوع لدين الله لا خصوص ركوع الصلاة، والولى المحب وزعمت بعض الشيعة أَنه هنا المتولى على الناس وأَن عليا هو الإِمام بهذه الآية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رسول الله، وأَن عليا هو الرسول وأَنه هو المراد بلفظ الرسول في الآية، وأَن المعنى إنما وليكم الله ومن اتصف بالرسالة والإِيمان وإقامة الصلاة إِلخ، وبعض الشيعة أَنه الإِمام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أَبو بكر ولا غيره وأَنه المراد بقوله: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وأَنه كان يصلى فسأَله سائل في ركوعه فأَعطاه خاتمه حال ركوعه، ويرد كلامهم عطف المؤمنين بلا حرف ترتيب فإِن المتبادر تغاير المعطوف ولا يصار إِلى تنزيل مغايرة الصفات منزلة مغايرة الذات إِلا بدليل ويرده أَيضاً صيغة الجمع ولا يصار إِلى دعوى تنزيل المفرد منزلة الجماعة تعظيما وترغيبا فى فعله إِلا بدليل، ويرده أَيضا أَن إِطلاق الزكاة على صدقة التطوع لا يصح إِلا بدليل وإن صح أَن عليا أَعطى فى الصلاة لدل أَن الفعل الخفيف الواحد فى الصلاة عمدا لا يبطلها والعمدة إِبطالها إِلا العذر فقد يكون على يخاف على ذلك السائل، والخفيف القليل مالا يظن به الرائى أَنه ليس فى الصلاة أَو مالا يستكثره المصلى والكثير ما يستكثره وقيل ما يحتاج إلى اليدين كثير ومالا فقليل.

الالوسي

تفسير : ثم إنه سبحانه لما قال: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء} تفسير : [المائدة: 51] وعلله بما علله، ذكر عقب ذلك من هو حقيق بالموالاة بطريق القصر، فقال عز وجل: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} فكأنه قيل: لا تتخذوا أولئك أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم إنما أولياؤكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى الغير، وأفرد الولي مع تعدده ليفيد كما قيل: أن الولاية لله تعالى بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتبع، فيكون التقدير إنما وليكم الله سبحانه وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا، فيكون في الكلام أصل وتبع لا أن وليكم مفرد استعمل استعمال الجمع كما ظن صاحب «الفرائد»؛ فاعترض بأن ما ذكر بعيد عن قاعدة الكلام لما فيه من جعل ما لا يستوي الواحد والجمع جمعاً، ثم قال: ويمكن أن يقال: التقدير إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفصل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه سبحانه ولياً، ثم بجعله إياهم أولياء، ففي الحقيقة هو الولي انتهى. ولا يخفى على المتأمل أن المآل متحد والمورد واحد، ومما تقرر يعلم أن قول الحلبـي ويحتمل وجهاً آخر وهو أن ولياً زنة فعيل، وقد نص أهل اللسان أنه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد ـ كصديق ـ غير واقع موقعه لأن الكلام في سر بياني وهو نكتة العدول من لفظ إلى لفظ، ولا يرد على ما قدمنا أنه لو كان التقدير كذلك لنا في حصر الولاية في الله تعالى ثم إثباتها للرسول صلى الله عليه وسلم / وللمؤمنين، لأن الحصر باعتبار أنه سبحانه الولي أصالة وحقيقة، وولاية غيره إنما هي بالإسناد إليه عز شأنه. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ} بدل من الموصول الأول، أو صفة له باعتبار إجرائه مجرى الأسماء لأن الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل والوصف لا يوصف إلا بالتأويل، ويجوز أن يعتبر منصوباً على المدح، ومرفوعاً عليه أيضاً، وفي قراءة عبد الله {- و - ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ} بالواو {وَهُمْ رَاكِعُونَ} حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى. وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة، والركوع ركوع الصلاة، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه. وغالب الأخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متصل قال: «حديث : أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس وأن قومنا لما رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وصدقناه رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق ذلك علينا، فقال لهم النبـي صلى الله عليه وسلم: إنما وليكم الله ورسوله، ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: نعم خاتم من فضة، فقال: من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم، وأومأ إلى علي كرم الله تعالى وجهه، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: على أي حال أعطاك؟ فقال: وهو راكع، فكبر النبـي صلى الله عليه وسلم ثم تلا هذه الآية»تفسير : فأنشأ حسان رضي الله تعالى عنه يقول:شعر : أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيء في الهدى ومسارع أيذهب مدحيك المحبر ضائعا وما المدح في جنب الإله بضائع فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا زكاة فدتك النفس يا خير راكع فأنزل فيك الله خير ولاية وأثبتها أثنا كتاب الشرائع تفسير : واستدل الشيعة بها على إمامته كرم الله تعالى وجهه، ووجه الاستدلال بها عندهم أنها بالإجماع أنها نزلت فيه كرم الله تعالى وجهه، وكلمة {إِنَّمَا} تفيد الحصر، ولفظ الولي بمعنى المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها، وظاهر أن المراد هنا التصرف العام المساوي للإمامة بقرينة ضم ولايته كرم الله تعالى وجهه بولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره وإلا لبطل الحصر، ولا إشكال في التعبير عن الواحد بالجمع، فقد جاء في غير ما موضع؛ وذكر علماء العربية أنه يكون لفائدتين: تعظيم الفاعل وأن من أتى بذلك الفعل عظيم الشأن بمنزلة جماعة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] ليرغب الناس في الإتيان بمثل فعله، وتعظيم الفعل أيضاً حتى أن فعله سجية لكل مؤمن، وهذه نكتة سرية تعتبر في كل مكان بما يليق به. وقد أجاب أهل السنة عن ذلك بوجوه: الأول: النقض بأن هذا الدليل كما يدل بزعمهم على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كذلك يدل على سلب الإمامة عن الأئمة المتأخرين كالسبطين رضي الله تعالى عنهما وباقي الاثني عشر رضي الله تعالى عنهم أجمعين بعين ذلك التقرير، فالدليل يضر الشيعة أكثر مما يضر أهل السنة كما لا يخفى، ولا يمكن أن يقال: الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدمه لأنا نقول: إن حصر ولاية من استجمع / تلك الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقياً، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه كرم الله تعالى وجهه، وإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الولاية في الأمير كرم الله تعالى وجهه في بعض الأوقات أعني وقت إِمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم قلنا: فمرحباً بالوفاق إذ مذهبنا أيضاً أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إماماً لا قبله وهو زمان خلافة الثلاثة، ولا بعده وهو زمان خلافة من ذكر. فإن قالوا: إن الأمير كرم الله تعالى وجهه لو لم يكن صاحب ولاية عامة في عهد الخلفاء يلزمه نقص بخلاف وقت خلافة أشباله الكرام رضي الله تعالى عنهم فإنه لما لم يكن حياً لم تصر إمامة غيره موجبة لنقص شرفه الكامل لأن الموت رافع لجميع الأحكام الدنيوية يقال: هذا فرار وانتقال إلى استدلال آخر ليس مفهوماً من الآية إذ مبناه على مقدمتين: الأولى: أن كون صاحب الولاية العامة في ولاية الآخر ـ ولو في وقت من الأوقات ـ غير مستقل بالولاية نقص له، والثانية: أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص مّا بأي وجه وأي وقت كان، وكلتاهما لا يفهمان من الآية أصلاً كما لا يخفى على ذي فهم، على أن هذا الاستدلال منقوض بالسبطين زمن ولاية الأمير كرم الله تعالى وجهه، بل وبالأمير أيضاً في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم، والثاني: أنا لا نسلم الإجماع على نزولها في الأمير كرم الله تعالى وجهه، فقد اختلف علماء التفسير في ذلك، فروى أبو بكر النقاش صاحب «التفسير المشهور» عن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وقال قائل: نحن سمعنا أنها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه، فقال: هو منهم يعني أنه كرم الله تعالى وجهه داخل أيضاً في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن عبد الملك بن أبـي سليمان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن الباقر رضي الله تعالى عنه أيضاً نحو ذلك، وهذه الرواية أوفق بصيغ الجمع في الآية، وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، والثالث: أنا لا نسلم أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها تصرفاً عاماً، بل المراد به الناصر لأن الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليها وإزالة الخوف عنها من المرتدين وهو أقوى قرينة على ما ذكره، ولا يأباه الضم كما لا يخفى على من فتح الله تعالى عين بصيرته، ومن أنصف نفسه علم أن قوله تعالى فيما بعد: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَاء} تفسير : [المائدة: 57] آب عن حمل الولي على ما يساوي الإمام الأعظم لأن أحداً لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه وهم أيضاً لم يتخذ بعضهم بعضاً إماماً، وإنما اتخذوا أنصاراً وأحباباً، وكلمة {إِنَّمَا} المفيدة للحصر تقتضي ذلك المعنى أيضاً لأن الحصر يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف؛ بل كان في النصرة والمحبة، والرابع: أنه لو سلم أن المراد ما ذكروه فلفظ الجمع عام، أو مساو له ـ كما ذكره المرتضى في «الذريعة». وابن المطهر في «النهاية» ـ والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما اتفق عليه الفريقان، فمفاد الآية حينئذٍ حصر الولاية العامة لرجال متعددين يدخل فيهم الأمير كرم الله تعالى وجهه، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل لا يصح ارتكابه بغير ضرورة ولا ضرورة. فإن قالوا: الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حال الركوع لم يقع من أحد غير الأمير كرم الله تعالى وجهه قلنا: ليست الآية نصاً في كون التصدق واقعاً في حال ركوع الصلاة لجواز أن يكون / الركوع بمعنى التخشع والتذلل لا بالمعنى المعروف في عرف أهل الشرع كما في قوله:شعر : لا تهين الفقير علك أن (تركع) يوماً والدهر قد رفعه تفسير : وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن أيضاً كما قيل في قوله سبحانه: {أية : وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرٰكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43] إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع، وكذا في قوله تعالى: {أية : وَخَرَّ رَاكِعاً} تفسير : [صٰ: 24] وقوله عز وجل: {أية : وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} تفسير : [المرسلات: 48] على ما بينه بعض الفضلاء، وليس حمل الركوع في الآية على غير معناه الشرعي بأبعد من حمل الزكاة المقرونة بالصلاة على مثل ذلك التصدق، وهو لازم على مدعي الإمامية قطعاً. وقال بعض منا أهل السنة: إن حمل الركوع على معناه الشرعي وجعل الجملة حالاً من فاعل {يُؤْتُونَ} يوجب قصوراً بيناً في مفهوم {يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ} إذ المدح والفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات سواء كانت كثيرة أو قليلة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن تؤثر قصوراً في معنى إقامة الصلاة ألبتة، فلا ينبغي حمل كلام الله تعالى الجليل على ذلك انتهى. وبلغني أنه قيل لابن الجوزي رحمه الله تعالى: كيف تَصَدَّقَ علي كرم الله تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة والظن فيه ـ بل العلم الجازم ـ أن له كرم الله تعالى وجهه شغلاً شاغلاً فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلق بها، وقد حكى مما يؤيد ذلك كثير؟ فأنشأ يقول:شعر : يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته عن النديم ولا يلهو عن الناس أطاعه سكره حتى تمكن من فعل الصحاة فهذا واحد الناس تفسير : وأجاب الشيخ إبراهيم الكردي قدس سره عن أصل الاستدلال بأن الدليل قائم في غير محل النزاع، وهو كون علي كرم الله تعالى وجه إماماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير فصل لأن ولاية {ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا} على زعم الإمامية غير مرادة في زمان الخطاب، لأن ذلك عهد النبوة، والإمامة نيابة فلا تتصور إلا بعد انتقال النبـي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يكن زمان الخطاب مراداً تعين أن يكون المراد الزمان المتأخر عن زمن الانتقال ولا حدّ للتأخير فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد مضي زمان الأئمة الثلاثة فلم يحصل مدعى الإمامية، ومن العجائب أن صاحب «إظهار الحق» قد بلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح الاستدلال بزعمه، ولم يأت بأكثر مما يضحك الثكلى وتفزع من سماعه الموتى، فقال: إن الأمر بمحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يكون بطريق الوجوب لا محالة، فالأمر بمحبة المؤمنين المتصفين بما ذكر من الصفات وولايتهم أيضاً كذلك إذ الحكم في كلام واحد يكون موضعه متحداً أو متعدداً أو متعاطفاً لا يمكن أن يكون بعضه واجباً وبعضه مندوباً وإلا لزم استعمال اللفظ بمعنيين، فإذا كانت محبة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم امتنع أن يراد منهم كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لأن معرفة كل منهم ليحب ويوالي مما لا يمكن لأحد من المكلفين بوجه من الوجوه، وأيضاً قد تكون معاداة المؤمنين لسبب من الأسباب مباحة بل واجبة فتعين أن يراد منهم البعض، وهو علي المرتضى كرم الله تعالى وجهه انتهى. ويرد عليه أنه مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وكيف استنتاج المتعين من المطلق، وأيضاً لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة، وترجع إلى موالاة / إيمانهم في الحقيقة، والبغض لسبب غير ضار فيها، وأيضاً ماذا يقول في قوله سبحانه: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71] الآية، وأيضاً ماذا يجاب عن معاداة الكفار وكيف الأمر فيها وهم أضعاف المؤمنين؟ ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا، وأنت تعلم أن ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة مما لا شك في وقوعها فضلاً عن إمكانها، والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك، والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس إذ الأولى: أصل. والثانية: تبع. والثالثة: تبع التبع، فالمحمول مختلف، ومثله الموضوع إذ الموالاة من الأمور العامة وكالعوارض المشككة، والعطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهته، فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أن نسبة الوجود إلى كل غير نسبته إلى الآخر، والجهة مختلفة بلا ريب، وهذا قوله سبحانه: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى} تفسير : [يوسف: 108] مع أن الدعوة واجبة على الرسول صلى الله عليه وسلم مندوبة في غيره، ولهذا قال الأصوليون: القران في النظم لا يوجب القران في الحكم، وعدوا هذا النوع من الاستدلال من المسالك المردودة، ثم إنه أجاب عن حديث عدم وقوع التردد مع اقتضاء {إِنَّمَا} له بأنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم التمسوا من حضرة النبـي صلى الله عليه وسلم الاستخلاف، فقد روى الترمذي عن حذيفة «حديث : أنهم قالوا: يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه»تفسير : وأيضاً استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمن يكون إماماً بعده صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «حديث : قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر رضي الله تعالى عنه تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر رضي الله تعالى عنه تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا علياً ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم»تفسير : وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية، فلم يبطل مدلول {إِنَّمَا} انتهى، وفيه أن محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد، نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر ونازع بعضهم بعضاً بعدما سمعوا من النبـي صلى الله عليه وسلم جواب ما سألوه لتحقق المدلول، وليس فليس، ومجرد السؤال والاستفسار غير مقتض ـ لإنما ـ ولا من مقاماته بل هو من مقامات ـ إن ـ والفرق مثل الصبح ظاهر، وأيضاً لو سلمنا التردد، ولكن كيف العلم بأنه بعد الآية أو قبلها منفصلاً أو متصلاً سبباً للنزول أو اتفاقياً، ولا بد من إثبات القبلية والاتصال والسببية، وأين ذلك؟ والاحتمال غير مسموع ولا كاف في الاستدلال. وبعد هذا كله الحديث الثاني ينافي الحصر صريحاً لأنه صلى الله عليه وسلم في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين، فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أو بالعكس لزم التكذيب، والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما قرر، ومع ذا تقدم كل على الآخر مجهول فسقط العمل. فإن قالوا: الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في باب الإمامة قلنا: وكذلك لا يقبل في إثبات التردد والنزاع الموقوف عليه التمسك بالآية، والحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركه ـ كما تفهمه الآية بزعمهم ـ تركه، وهم لا يجوزونه فتأمل، وذكر الطبرسي في «مجمع البيان» وجهاً آخر غير ما ذكره صاحب «إظهار الحق» في «أن الولاية مختصة، وهو أنه سبحانه قال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ} فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب / النبـي صلى الله عليه وسلم وغيره، ثم قال تعالى: {وَرَسُولُهُ} فأخرج نبيه عليه الصلاة والسلام من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال جل وعلا: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلا لزم أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وأن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه وذلك محال» انتهى. وأنت تعلم أن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضاً لا أن يكون كل واحد منهم ولي نفسه، وكيف يتوهم من قولك مثلاً: أيها الناس لا تغتابوا الناس إنه نهي لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه، وفي الخبر أيضاً «حديث : صوموا يوم يصوم الناس»تفسير : ولا يختلج في القلب أنه أمر لكل أحد أن يصوم يوم يصوم الناس، ومثل ذلك كثير في كلامهم، وما قدمناه في سبب النزول ظاهر في أن المخاطب بذلك ابن سلام وأصحابه، وعليه لا إشكال إلا أن ذلك لا يعتبر مخصصاً كما لا يخفى، فالآية على كل حال لا تدل على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الوجه الذي تزعمه الإمامية، وهو ظاهر لمن تولى الله تعالى حفظ ذهنه عن غبار العصبية.

ابن عاشور

تفسير : جملة {إنّما وليّكم الله ورسوله} إلى آخرها متّصلة بجملة {أية : يا أيّها الّذين آمنوا لا تَتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء بعضهم أولياء بعض}تفسير : [المائدة: 51] وما تفرّع عليها من قوله {أية : فترى الّذين في قلوبهم مرض} تفسير : [المائدة: 52] إلى قوله {أية : فأصبحوا خاسرين}تفسير : [المائدة: 53]. وقعت جملة {أية : يا أيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه}تفسير : [المائدة: 54] بين الآيات معترضة، ثُمّ اتّصل الكلام بجملة {إنّما وليّكم الله ورسوله}. فموقع هذه الجملة موقع التّعليل للنّهي، لأنّ ولايتهم لله ورسوله مقرّرة عندهم فمن كان اللّهُ وليّه لا تكون أعداءُ الله أولياءه. وتفيد هذه الجملة تأكيداً للنّهي عن ولاية اليهود والنّصارى. وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم أولياء الله ورسوله بطريقة تأكيد النّفي أو النّهي بالأمر بضدّه، لأنّ قوله: {إنّما وليّكم الله ورسوله} يتضمّن أمراً بتقرير هذه الولاية ودوامها، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر، والقصر المستفاد من (إنّما) قصر صفة على موصوف قصراً حقيقياً. ومعنى كون الّذين آمنوا أولياء للّذين آمنوا أنّ المؤمنين بعضُهم أولياء بعض، كقوله تعالى: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}تفسير : [التوبة: 71]. وإجراء صفتي {يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة} على الذين آمنوا للثناء عليهم، وكذلك جملة {وهم راكعون}. وقوله: {وهم راكعون} معطوف على الصفة. وظاهر معنى هذه الجملة أنّها عين معنى قوله: {يقيمون الصّلاة}، إذ المراد بــ {راكعون} مصلّون لا آتُون بالجزء من الصلاة المسمّى بالركوع. فوجه هذا العطف: إمّا بأنّ المراد بالركوع ركوع النّوافل، أي الّذين يقيمون الصّلوات الخمس المفروضة ويتقرّبون بالنوافل؛ وإمّا المرادُ به ما تدلّ عليه الجملة الإسميّة من الدوام والثّبات، أي الّذين يديمون إقامة الصّلاة. وعقّبه بأنّهم يؤتون الزّكاة مبادرة بالتنويه بالزّكاة، كما هو دأب القرآن. وهو الّذي استنبطه أبو بكر ـــ رضي الله عنه ـــ إذ قال: «لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة». ثم أثنى الله عليهم بأنّهم لا يتخلّفون عن أداء الصّلاة؛ فالواو عاطفة صفة على صفة، ويجوز أن تجعل الجملة حالاً. ويراد بالركوع الخشوع. ومن المفسّرين من جعل {وهم راكعون} حالاً من ضمير {يُؤتون الزّكاة}. وليس فيه معنى، إذ تؤتى الزّكاة في حالة الركوع، وركّبوا هذا المعنى على خبر تعدّدت رواياته وكلّها ضعيفة. قال ابن كثير: وليس يصحّ شيء منها بالكلّية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. وقال ابن عطيّة: وفي هذا القول، أي الرواية، نظر، قال: روى الحاكم وابن مردويه: جاء ابن سَلاَم (أي عبد الله) ونفَر من قومه الّذين آمنوا (أي من اليهود) فشكوا للرّسول صلى الله عليه وسلم بُعد منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت {إنّما وليّكم الله ورسوله} ثمّ إنّ الرسول خرج إلى المسجد فبصرُ بسائل، فقال له: هل أعطاك أحد شيئاً، فقال: نعم خاتم فضّة أعطانيه ذلك القائم يصلّي، وأشار إلى عليّ، فكبّر النّبيء صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية، فتلاها رسول الله. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق. وقيل: نزلت في المهاجرين والأنصار. وقوله: {فإنّ حزب الله هم الغالبون} دليل على جواب الشرط بذكر علّة الجواب كأنّه قيل: فهم الغالبون لأنّهم حزب الله.

الواحدي

تفسير : {إنما وليكم الله ورسوله} نزلت لمَّا هجر اليهود مَنْ أسلم منهم، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، إنَّ قومنا قد هجرونا، وأقسموا ألا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء، وقوله: {وهم راكعون} يعني: صلاة التَّطوع. {ومن يَتَوَلَّ الله ورسوله} يتولَّى القيام بطاعته ونصرة رسوله والمؤمنين {فإنَّ حزب الله} جند الله وأنصار دينه {هم الغالبون} غلبوا اليهود فأجلوهم من ديارهم، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولَّوا اللَّهَ ورسوله. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا...} الآية. نزلت في رجالٍ كانوا يوادُّون منافقي اليهود، ومعنى قوله: {اتَّخذوا دينكم هزواً ولعباً} إظهارهم ذلك باللِّسان، واستبطانهم الكفر تلاعباً واستهزاءً {والكفار} يعني: مشركي العرب وكفَّار مكَّة {واتقوا الله} فلا تتَّخذوا منهم أولياء {إن كنتم مؤمنين} بوعده ووعيده. {وإذا ناديتم إلى الصلاة} دعوتم النَّاس إليها بالأذان {اتخذوها هزواً ولعباً} تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السُّخف والمجون تجهيلاً لأهلها {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} ما لهم في إجابتها لو أجابوا إليها، وما عليهم في استهزائهم بها. {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا...} الآية. [أي: هل تنكرون وتكرهون]. حديث : أتي نفرٌ من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمَّن يُؤمن به من الرُّسل؟ فقال: "أؤمنُ بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون""تفسير : ، فلمَّا ذكر عيسى جحدوا نبوَّته، وقالوا: ما نعلم ديناً شرَّاً من دينكم، فأنزل الله تعالى: {هل تنقمون} أَي: هل تكرهون وتنكرون منا إلاَّ إيماننا وفسقكم، أَيْ: إنَّما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أننا على حقٍّ، لأنَّكم قد فسقتم، بأن أقمتم على دينكم لمحبَّتكم الرِّئاسة، وكسبكم بها الأموال، وتقدير قوله: {وأنًّ أكثركم فاسقون} ولأنَّ أكثركم، والواو زائدةٌ، والمعنى: لفسقكم نقمتم علينا الإِيمان، قوله: {قل هل أنبئكم} أخبركم، جوابٌ لقول اليهود: ما نعرف أهل دين شراً منكم، فقال الله: {هل أنبئكم} أخبركم {بشرٍّ من} ذلكم المسلمين الذين طعنتم عليهم {مثوبة} جزاءً وثواباً {عند الله؟ مَنْ لعنه الله} أَيْ: هو مَنْ لعنه الله: أبعده عن رحمته {وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} يعني: أصحاب السَّبت {وعبد الطاغوت} [نسقٌ على {لعنه الله} وعبد الطاغوت:] أطاع الشَّيطان فيما سوَّله له. {أولئك شر مكاناً} لأنَّ مكانهم سَقَر {وأضل عن سواء السبيل} قصد الطَّريق، وهو دين الحنيفيَّة، فلمَّا نزلت هذه الآية عيَّر المسلمون اليهود، وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فسكتوا وافتضحوا. {وإذا جاؤوكم قالوا آمنا} يعني: منافقي اليهود {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} أَيْ: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كِلْتي حالهم.

القطان

تفسير : الولي: الناصر. راكعون: خاضعون. يتولّ الله ورسوله: يتخذهما أولياء وناصرين. إنما ولايتكم أيها المؤمنون لله ورسوله، فلا ناصر ينصركم غيره، ورسوله، والمؤمنون الصادقون الذين يقيمون الصلاة ويحسنون اداءها، ويؤدون الزكاة وهم خاضعون. قال الزمخشري في: الأساس "العُربُ تسمِّي من آمن بالله ولم يعبد الأوثان، راكعاً" ومن يتخذ الله ورسولَه والمؤمنين أولياءه فانه يكون من حِزب الله. وحزبُ الله هم المنتصرون الفائزون. فلنسمع نحن الآن هذه التحذيرات، ولنبتعد عن موالاة الأعداء والاستنصار بهم، ونعتمد على انفسها، تشدنا عقيدتنا، وينصرنا الله والعاقبة للمتقين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلزَّكَاةَ} {رَاكِعُونَ} (55) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى مُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنينَ الصَّادِقِينَ، الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أمْوَالِهِمْ، وَيُسَاعِدُونَ المُحْتَاجِينَ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَهُمْ دَائِمُو الرُّكُوعِ للهِ. (نَزَلْت هَذِهِ الآيَةُ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ بَرِئ مِنْ مُوَالاةِ اليَهُودِ، وَرَضِيَ بِمُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين نهانا الحق عن أن نتخذ اليهود والنصارى أولياء فعلينا أن نأخذ بالقياس أن النهي إنما يشمل كل خصوم ديننا، فلا نتخذ أيّاً من أعداء الدين وليّاً لنا؛ لأنه سبحانه وتعالى لم يتركنا بغير ولاية، وهو وليّنا وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا. إذا أردنا المقارنة بين ولاية الله، وولاية أعداء الله فلنعرف أن كل عدو لله له قدرة محدودة لأنه من البشر، أما ولاية الله لنا فلها مطلق القدرة. وأي عدو له قد يتظاهر لنا بالولاية نفاقا. أما ولاية الله لنا فلا نفاق فيها لأنه لا قوة أعلى منه. وإن كان الحق قد منعنا أن نتخذ من أعدائه أولياء فذلك ليحررنا من الولاية المحدودة ليعطينا الولاية التي لا تتغير وهي ولايته سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهكذا يكون التعويض في الولاية أكبر من كل تصور. وساعة نرى "إنما" فلنعرف أن هناك ما نسميه "القصر" أو "الحصر". مثال ذلك نقول: "إنما الكريم زيد": كأن القائل قد استقرأ آراء الناس ولم يجد كريماً إلا زيداً، وكأنه يقول: "زيد كريم وغير زيد ليس بكريم" واختصر الجملتين في جملة واحده بقوله: "إنما الكريم زيد" وأثبت بهذا القول الكرم لزيد ونفاه عن غيره. أما إن قال القائل: "زيد كريم" فهذا القول لا يمنع أن يكون غيره من الكرماء. إن الحق سبحانه يحصر الولاية في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهو قد نهانا من قبل عن ولاية أهل الكتاب، وعن ولاية كل من لا توجد عنده مودة أو محبة تعين المؤمن على مهمته الإيمانية. فلو كان عند أحد من أهل الكتاب أو الملاحدة محبّة ومودّة تُعين المؤمن على أداء مهمته لما بقي هذا الإنسان على منهجه المحرّف أو على إلحاده، بل إن ذلك سيجعله يذهب إلى الإيمان برسالة الإسلام. إننا نجد بقاء الكافر على كفره أو إلحاده أو عدم إيمانه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم دليلا على أنه لم يستطع الوصول إلى الهداية أو أنه - إن كان من أهل الكتاب - لم يستطع أن يكون مأموناً على الكتاب الذي نزل إلى نبيّه وفيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فكيف - إذن - يعين إنسان مثل هذا إنساناً مسلماً؟. إنه لا يستطيع أن يعين ولا أن يوالي ولا أن يكون على هداية؛ لأنه لم يستطع أن يهدي نفسه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ". تفسير : لأن الذي لا يستطيع أن يهدي نفسه لن يستطيع هداية غيره. وحين نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال أهل الكتاب كان يعلم أنهم في ريب من أنفسهم، وفي ضلال وخلط، فهم إما يخلطون الحق بالباطل، وإما في غيظ من الذين آمنوا؛ لذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسألهم، وهذا هو الاحتياط للدين، فقد يسألهم المؤمن سؤالاً، فيجيبون بصدق، فيكذبهم المسلم، وقد يجيبون بكذب فيصدقهم المسلم؛ لذلك لا يصح ولا يستقيم أن يسألهم المسلم أبداً عن شيء؛ لأنه عرضة لأمر من اثنين: إما أن يصدق بباطل، وإما أن يكذب بحق. وأهل الكتاب أنفسهم قد تضاربوا، ألم يقل الحق على ألسنتهم: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [البقرة: 113]. وكذلك قالت النصارى: {أية : لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [البقرة: 113]. إذن فأي الموقفين نصدق؟ أنصدق رأي اليهود في النصارى؟ أم نصدق رأي النصارى في اليهود؟ ولا نستطيع أن نكذب رأي اليهود في النصارى، ولا نستطيع أن نكذب رأي النصارى في اليهود، إذن فحين يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فعلينا أن نفهم أنه سبحانه وتعالى ما دام قد نهاكم عن أن تتخذوا أولياء من دون الله فلن يترككم أيها المؤمنون دون ولي. بل متعكم فقط من ولاية من لا يمكن صادقاً في معونتكم ولا في نصرتكم. لقد أراد سبحانه أن يكون هو بطلاقة قدرته وليكم، ورسول الله أيضاً وليكم، وكذلك الذين آمنوا. ونجد من يقول: الحق هنا قد عدد الولاية فيه سبحانه وتعالى وفي الرسول صلى الله عليه وسلم وفي المؤمنين، لماذا لم يقل - إذن -: أولياؤكم هم الله والرسول والذين آمنوا؟ ونقول: هل كانت للرسول ولاية منفصلة عن ولاية الله والمؤمنين؟ وهل كانت للمؤمنين ولاية منفصلة عن ولاية الله والرسول؟ لا؛ لأن الولاية كلها منصبة لله، فلم يعزل الحق الرسول عن ربه، ولا عزل المؤمنين عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقسم الولاية إلى أجزاء، بل كلها ولاية واحدة وأمر واحد، ونلحظ أن الخطاب في "كاف الخطاب" هو للجمع: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، و"كاف" الخطاب هنا تضم المؤمنين ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى ولي الرسول وولي المؤمنين، والرسول ولي المؤمنين، وجاء في المؤمنين قول الحق: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]. كم درجة من الولاية هنا إذن؟ الله ولي الرسول وولي المؤمنين. ذلك أن سبحانه شاء بفضله ألا يعزل الولاية أو يقسمها بل جعلها ولاية واحدة، والرسول صلى الله عليه وسلم ولي المؤمنين، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض؛ لذلك نجد أن كل مؤمن مطلوب منه معونة ونصرة أخيه المؤمن. إن الإنسان - كما نعلم - ابن أغيار، وما دام الإنسان ابناً للأغيار فعلينا أن نعرف أن المؤمنين لن يظلوا كلهم في حالة توجيه النصيحة. ولن يظلوا جميعهم في حالة تلقٍ للنصيحة. وكل واحد منهم يكون مرة ناصحاً ومرة يكون منصوحاً، فساعة يصيب الضعف مؤمناً في جزء من المنهج يجد أخاه المؤمن قد هبّ لنصحه ليعتدل. وساعة يصيب الضعف الناصح في جزء من منهجه فالمنصوح السابق يهب لنصح أخيه ليعتدل. والذي خلق الخلق وهو أعلم بهم، ويعلم كيف تستوعب الأغيار الخلق، وكيف أن كل إنسان له خواطره وله ظنونه وله مواقف ضعف وله مواقف قوة. إنه - سبحانه - لم يطلب من الناس أن يوصوا بالخير فحسب ولكنه قال: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. لماذا إذن التواصي بالحق؟؛ لأن سبل الحق شاقة، ولأن أصحاب الحق يلاقون المتاعب من أصحاب الباطل؛ لذلك لا بد أن يؤازر أصحاب الحق بعضهم بعضاً فيقول الإنسان من أهل الحق لأخيه ما يساعده على التمسك بما هو أعز من الراحة والصحة والمال. ولا بد أن نجعل الحق واضحاً في حياتنا وسلوكنا، وأن يتذاكر أهل الحق بما حدث لغيرهم وكيف صبروا، هكذا يكون التواصي بين المؤمنين. وتلك هي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}. إذن فقوله الحق: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ} هو ما يسمونه في اللغة "أسلوب الحصر"، أي لا ولي لكم غير الله. وحين يُرَدّ الإنسان من الولاية المحدودة القدرة ويجعل العوض له في غير محدود القدرة فذلك كسب كبير للعبد، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومَن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ". تفسير : كيف تكون أنت أيها العبد في عون أخيك؟ يتحقق لك ذلك عن طريق أن تقدم لأخيك المؤمن المعونة والنصرة والمؤازرة والتواصى. وتقدم لأخيك من وقتك وطاقتك وقدرتك ومالك ما يعينه. وإياك أن تحسب المسألة بأنك كنت تستطيع أن تفعل كذا وكذا في الوقت الذي أعطيته لأخيك المؤمن، بل يجب أن تحسبها بأن الله هو الذي أعطاك الوقت والمال والجهد وأنت لا تفعل شيئاً بقدرتك أنت، وأن قدرتك المحدودة عندما تعطي بعضها منها لأخيك فأنت تصل قوتك المحدودة بصاحب القوة غير المحدودة وهو الله. وبذلك يكون الله في عونك وتكون أنت الأكثر كسباً. فمن يرد الله بجانبه فلا بد أن يكون مع الخلق دائماً بالمعونة، وبهذا السلوك يرتقي المؤمن إلى أعلى درجات الذكاء. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وسبحانه يريد أن يبين لنا مميزات أصحاب الإيمان؛ لأننا حين نتعرف على شعب الإيمان وصفاته الجميلة إنما نميز بهذه الصفات المؤمنين من غيرهم. وإقامة الصلاة هي الصفة الغالبة في وصف الذين يؤمنون بالله؛ لأن الصلاة هي الصلة المتجددة بإعلان الولاء لله خمس مرات في كل يوم. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بُني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت ". تفسير : وهذه الأركان الخمسة هي الدعائم والأسس التي تقام عليها عمارة الإسلام. وأي بيت لا يقوم بالأسس وحدها، ولكن هناك أشياء أخرى كثيرة وعشرات الفضائل والمطلوبات غير الأسس، وإذا ما راجع كل واحد منا علاقته بأسس الإسلام فلسوف يجد أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مرة واحدة في العمر، ومن بعد ذلك يقيم الصلاة. ثم يؤتي الزكاة، لكن إن كان فقيراً فهو معفىً من أداء الزكاة. وحتى الذي يؤدي الزكاة فيؤديها في وقت واحد في السنة. ومن بعد ذلك يصوم رمضان. لكن المريض أو المسافر أو الذي له عذر فهو يفطر ويقضي الصوم؛ ويفدي عن الصيام المريض الذي لا يرجى شفاؤه والعجوز الذي تصيبه بالصوم مشقة شديدة. ومن يحج البيت يفعل ذلك مرة واحدة في العمر إن استطاع إلى ذلك سبيلا. هذه هي أركان الإسلام، وفيها إعفاءات كثيرة للمسلم. اللهم إلا الصلاة فهي أساس يتكرر ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأس الأمر كله الإسلام وعموده الصلاة ". تفسير : ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ". تفسير : ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". تفسير : لذلك لا تسقط أبداً، فنحن نصلي ونحن قيام، ونصلي ونحن قعود، ونصلي على جنوبنا. ونصلي ونحن غير قادرين على أية حركة، نصلي بالإيماء. ومن لا يقدر على هز رأسه بحركات الصلاة في أثناء المرض الشديد فهو يصلي بعينيه. ومن أصابه - والعياذ بالله - شلل جعله لا يقدر على تحريك جفنيه بحركات الصلاة فهو يصلي بالخواطر وبالوعي أي يجري أركان الصلاة على قلبه. أما من ذهب عنه الوعي فقد سقطت عنه الصلاة. ولذلك يقول الحق: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} ويقول بعد ذلك: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ}؛ لإن إيتاء الزكاة معناه تقوية أثر حركتك لغيرك وتعدية أثر هذه الحركة للضعيف عنك، وحينما تزكي إنما تعطي مالاً، والمال هو ناتج من أثر حركتك في الوجود، وعطاؤك من مالك بالزكاة يدل أيضاً على الإيمان. ثم يذيل الحق الآية بقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ}. وهل الركوع هنا بمعنى الركوع في الصلاة؟ أو بمعنى الخضوع لكل تكاليف منهج الله؟ أو أنها نزلت هنا في مناسبة خاصة لحالة خاصة؟ هنالك رواية تقول: إن عبدالله بن سلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن قوماً من قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا ألا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل. وشكا عبدالله مما يلقاه من اليهود، فنزلت تلك الآية:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55]. فقال ابن سلام: رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء. وتزيد الرواية في موقع آخر: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد والناس بين قائم وراكع ودخل إنسان إلى المسجد وسأل الصدقة فلم يعطه أحد فقال الرجل: أشهد الله أني جئت إلى مسجد رسول الله وطلبت الصدقة وما أعطاني أحد شيئاً، وسمعه علي ابن أبي طالب - كرم الله وجهه وكان يصلي - فمد على يده بحيث يراها الرجل وأشار له أن يأخذ من يده الخاتم كصدقة، فأخذه الرجل. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل فقال: هل أعطاك أحد شيئاً. فأجاب الرجل نعم خاتما، وأشار إلى علي بن أبي طالب. وهنا نزلت الآية بتمامها: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]. وأياً كانت المناسبة التي نزلت فيها الآية، فالركوع معناه الخضوع، والخضوع يكون لكل تكاليف منهج الله. فإذا كنا نقول: فلان ركع لفلان فهذا معناه أن فلاناً قد خضع لفلان. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} معناهُ يُديمُونَها فِي أَوقَاتِهَا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وذكر مآل توليهم أنه الخسران المبين، أخبر تعالى مَن يجب ويتعين توليه، وذكر فائدة ذلك ومصلحته فقال: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم. وقوله: { وَهُمْ رَاكِعُونَ } أي: خاضعون لله ذليلون. فأداة الحصر في قوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم. ثم ذكر فائدة هذه الولاية فقال: { وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } أي: فإنه من الحزب المضافين إلى الله إضافة عبودية وولاية، وحزبه هم الغالبون الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } . وهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا.