٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أنه تعالى نهى في الآية المتقدمة عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وساق الكلام في تقريره، ثم ذكر ههنا النهي العام عن موالاة جميع الكفار وهو هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو والكسائي {ٱلْكُفَّارِ } بالجر عطفاً على قوله {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } ومن الكفار، والباقون بالنصب عطفاً على قوله {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ } بتقدير: ولا الكفار. المسألة الثانية: قيل: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإيمان ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. المسألة الثالثة: هذه الآية تقتضي امتياز أهل الكتاب عن الكفار لأن العطف يقتضي المغايرة، وقوله {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [البينة: 1] صريح في كونهم كفاراً، وطريق التوفيق بينهما أن كفر المشركين أعظم وأغلظ، فنحن لهذا السبب نخصصهم باسم الكفر، والله أعلم. المسألة الرابعة: معنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم إظهارهم ذلك باللسان مع الإصرار على الكفر في القلب، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤن} تفسير : [البقرة: 14] والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزواً وسخرية فلا تتخذوهم أولياء وأنصاراً وأحباباً، فإن ذلك الأمر خارج عن العقل والمروءة.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوماً من اليهود والمشركين ضحِكوا من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} إلى آخر الآيات. وتقدّم معنى الهزؤ في «البقرة». {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} «»قرأه أبو عمرو والكِسائيّ بالخفض بمعنى ومن الكفار. قال الكسائيّ: وفي حرف أُبيّ رحمه الله «وَمِنَ الْكُفَّارِ»، و «مِنْ» هٰهنا لبيان الجنس؛ والنصب أوضح وأبين. قاله النحاس. وقيل: هو معطوف على أقرب العامليْن منه وهو قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} فنهاهم الله أن يتخِذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزواً ولعِباً. ومن نَصَب عَطف على «الذين» الأوّل في قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء؛ فالموصوف بالهزؤ واللعِب في هذه القراءة اليهود لا غير. والمنهى عن ٱتخاذهم أولياء اليهود والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب. قال مكيّ: ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض؛ لقوّته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه. وقيل: المعنى لا تتَّخذوا المشركين والمنافقين أولياء؛ بدليل قولهم: { أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } تفسير : [البقرة: 14] والمشركون كلهم كفار، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين؛ فلهذا فَصَل ذكر أهل الكتاب من الكافرين. الثانية ـ قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذه الآية مثل قوله تعالى: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [المائدة: 51]، و { أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 118] تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك. وروى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا: نسِير معك؛ فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إنا لا نستعين على أمرِنا بالمشركين » تفسير : وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوّز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين؛ وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة في ذلك. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزواً يستهزئون بها، ولعباً يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل: شعر : وكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً وآفَتُهُ من الفَهْمِ السَّقِيمِ تفسير : وقوله تعالى: {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ} (من) ههنا لبيان الجنس؛ كقوله: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} وقرأ بعضهم: والكفار، بالخفض عطفاً، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} تقديره: ولا {وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء، والمراد بالكفار ههنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا}. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء، إن كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزواً ولعباً، كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [آل عمران: 28]. وقوله: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} أي: وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب {ٱتَّخَذُوهَا} أيضاً {هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي: ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين، أقبل، فإذا ثوب للصلاة، أدبر، فإذا قضي التثويب، أقبل، حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام» متفق عليه، وقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في كتابه، فقال: { وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} رواه ابن أبي حاتم. وقال أسباط عن السدي في قوله: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار، وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل الكعبة عام الفتح، ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، لو تكلمت، لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : قد علمت الذي قلتم» تفسير : ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك ابن أبي محذورة، أن عبد الله بن محيريز أخبره، وكان يتيماً في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر، وكنا في بعض طريق حنين، مقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزىء به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع» تفسير : ؟ فأشار القوم كلهم إليّ، وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، وقال: «حديث : قم فأذن» تفسير : فقمت ولا شيء أكره إليّ، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، التأذين هو بنفسه، قال: «حديث : قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» تفسير : ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بارك الله فيك، وبارك عليك» تفسير : فقلت: يا رسول الله، مرني بالتأذين بمكة، فقال: «حديث : قد أمرتك به»تفسير : ، وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز، هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه، وأهل السنن الأربعة من طريق عبد الله ابن محيريز عن أبي محذورة، واسمه سمرة بن معير ابن لوذان، أحد مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة، وامتدت أيامه رضي الله عنه وأرضاه.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً } مهزوءاً به {وَلَعِباً مّنَ } للبيان {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ } المشركين بالجرّ والنصب {أَوْلِيَاءَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك موالاتهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } صادقين في إيمانكم.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً } هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزواً ولعباً يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين، وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام، والبيان بقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي. قوله: {وَٱلْكُفَّارَ } قرأ أبو عمرو، والكسائي بالجر على تقدير من، أي ومن الكفار. قال الكسائي: وفي حرف أبيّ "وَمِنْ ٱلْكُفَّار" وقرأ من عداهما بالنصب. قال النحاس: وهو أوضح وأبين. وقال مكي: لولا اتفاق الجماعة على النصب؛ لاخترت الخفض لقوّته في الإعرابِ وفي المعنى، والمراد بالكفار هنا المشركون، وقيل: المنافقون {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك ما نهاكم عنه من هذا وغيره {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن الإيمان يقتضي ذلك. والنداء الدعاء برفع الصوت، وناداه مناداة ونداء: صالح به، وتنادوا: أي نادى بعضهم بعضاً. وتنادوا: أي جلسوا في النادي، والضمير في {ٱتَّخَذُوهَا } للصلاة أي اتخذوا صلاتكم هزواً ولعباً؛ وقيل: الضمير للمناداة المدلول عليها بناديتم. قيل: وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع، وأما قوله تعالى في الجمعة: {أية : إِذَا نُودِىَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَة} تفسير : [الجمعة: 9] فهو خاص بنداء الجمعة. وقد اختلف أهل العلم في كون الأذان واجباً أو غير واجب، وفي ألفاظه وهو مبسوط في مواطنه. قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } أي ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون، لأن الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش. قوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } يقال: نقمت على الرجل فأنا ناقم: إذا عبت عليه. قال الكسائي: نقمت بالكسر لغة، ونقمت الأمر أيضاً ونقمته: إذا كرهته، وانتقم الله منه: أي عاقبه، والاسم منه النقمة، والجمع نقمات، مثل كلمة وكلمات، وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون، والجمع نقم مثل نعمة ونعم؛ وقيل: المعنى يسخطون؛ وقيل: ينكرون. قال عبد الله بن قيس الرقيات:شعر : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وقال الله سبحانه: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ } تفسير : [البروج: 8] والمعنى في الآية: هل تعيبون أو تسخطون أو تنكرون أو تكرهون منا إلا إيماننا بالله وبكتبه المنزلة، وقد علمتم بأنا على الحق {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } بترككم للإيمان، والخروج عن امتثال أوامر الله. وقوله: {وَأَنْ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } معطوف على {أن آمنا} أي ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان. وفيه أن المؤمنين لم يجمعوا بين الأمرين المذكورين، فإن الإيمان من جهتهم والتمرّد والخروج من جهة الناقمين؛ وقيل هو على تقدير محذوف أي واعتقادنا أن أكثركم فاسقون. وقيل: إن قوله {أَنْ آمَنَّا} هو منصوب على أنه مفعول له، والمفعول محذوف، فيكون {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } معطوفاً عليه عطف العلة على العلة، والتقدير: وما تنقمون منا إلا لأن آمنا، ولأن أكثركم فاسقون، وقيل: معطوف على علة محذوفة، أي لقلة إنصافكم، ولأن أكثركم فاسقون. وقيل الواو في قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } هي التي بمعنى مع أي ما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون. وقيل: هو منصوب بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون وقيل: هو مرفوع على الابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم معلوم فتكون الجملة حالية، وقرىء بكسر إن من قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } فتكون جملة مستأنفة. قوله: {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ } بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه؛ والمعنى: هل أنبئكم بشر من نقمكم علينا أو بشرّ مما تريدون لنا من المكروه أو بشرّ من أهل الكتاب أو بشرّ من دينهم. وقوله: {مَثُوبَةً } أي جزاء ثابتاً، وهي مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشرّ. ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] وهي منصوبة على التمييز من بشرّ. وقوله: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } خبر لمبتدأ محذوف مع تقدير مضاف محذوف: أي هو لعن من لعنه الله أو هو دين من لعنه الله، ويجوز أن يكون في محل جر بدلاً من شرّ. قوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ } أي مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وهم اليهود، فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة، وكفار مائدة عيسى منهم خنازير. وقوله: {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} قرأ حمزة بضم الباء من "عبد" وكسر التاء من "ٱلطَّـٰغُوتَ" أي جعل منهم عبد الطاغوت بإضافة عبد إلى الطاغوت. والمعنى: وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت، لأن فعل من صيغ المبالغة؛ كحذر وفطن للتبليغ في الحذر والفطنة. وقرأ الباقون بفتح الباء من {عَبْدُ } وفتح التاء من {ٱلطَّـٰغُوتَ } على أنه فعل ماض معطوف على فعل ماض وهو غضب ولعن، كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت، أو معطوف على القردة والخنازير أي جعل منهم القردة والخنازير، وجعل منهم عبد الطاغوت حملاً على لفظ {من}. وقرأ أبيّ وابن مسعود "وَعَبَد ٱلطَّـٰغُوتَ" حملاً على معناها. وقرأ ابن عباس "وعبد" بضم العين والباء كأنه جمع عبد، كما يقال: سقف وسقف. ويجوز أن يكون جمع عبيد، كرغيف ورغف، أو جمع عابد كبازل وبزل. وقرأ أبو واقد «وعباد» جمع عابد للمبالغة، كعامل وعمال. وقرأ البصريون و"عباد" جمع عابد أيضاً، كقائم وقيام، ويجوز أن يكون جمع عبد. وقرأ أبو جعفر الرقاشي "وعبد الطاغوت" على البناء للمفعول، والتقدير وعبد الطاغوت فيهم. وقرأ عون العقيلي، وابن بريدة "وعابد الطاغوت" على التوحيد. وروي عن ابن مسعود وأبيّ أنهما قرآ "وعبدة ٱلطَّـٰغُوت" وقرأ عبيد بن عمير "وَٱعْبُدْ ٱلطَّـٰغُوتَ" مثل كلب وأكلب. وقرىء "وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ" عطفاً على الموصول بناء على تقدير مضاف محذوف، وهي قراءة ضعيفة جداً، والطاغوت: الشيطان أو الكهنة أو غيرهما مما قد تقدّم مستوفى. قوله: {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } الإشارة إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة، وجعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله للمبالغة، ويجوز أن يكون الإسناد مجازياً. قوله: {وَأَضَلُّ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } معطوف على شرّ، أي هم أضلّ من غيرهم عن الطريق المستقيم، والتفضيل في الموضعين للزيادة مطلقاً أو لكونهم أشرّ وأضل مما يشاركهم في أصل الشرارة والضلال. قوله: {وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا } أي إذا جاؤوكم أظهروا الإسلام. قوله: {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } جملتان حاليتان: أي جاءوكم حال كونهم قد دخلوا عندك متلبسين بالكفر، وخرجوا من عندك متلبسين به لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، بل خرجوا كما دخلوا {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } عندك من الكفر، وفيه وعيد شديد، وهؤلاء هم المنافقون؛ وقيل: هم اليهود الذين قالوا: {أية : ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَه} تفسير : [آل عمران: 72]. قوله: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له، والضمير في {مِنْهُمْ } عائد إلى المنافقين، أو اليهود، أو إلى الطائفتين جميعاً و{يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ } في محل نصب على الحال، على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، والمسارعة: المبادرة، والإثم: الكذب أو الشرك أو الحرام، والعدوان: الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحدّ في الذنوب، والسحت: الحرام، فعلى قول من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة، والربانيون علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود؛ وقيل الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم؛ ثم وبخ علماءهم في تركهم لنهيهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وهذا فيه زيادة على قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرّب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب: سيف صنيع إذا جوّد عامله عمله فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل، فوبخ سبحانه الخاصة، وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما هو أغلظ وأشدّ من توبيخ فاعل المعاصي، فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي، مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشدّ حالاً وأعظم وبالاً من العصاة، فرحم الله عالماً قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه وأوجب ما أوجب عليه النهوض به. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وأعنا على ذلك، وقوّنا عليه، ويسره لنا، وانصرنا على من تعدى حدودك، وظلم عبادك، إنه لا ناصر لنا سواك، ولا مستعان غيرك، يا مالك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعين. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد ابن التابوت، وسويد بن الحارث، قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً } إلى قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ }. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً } قال: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة، فقام المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود والنصارى: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعوا وسجدوا استهزءوا بهم وضحكوا منهم. قال: وكان رجل من اليهود تاجراً، إذا سمع المنادي ينادي بالأذان قال: أحرق الله الكاذب؛ قال: فبينما هو كذلك، إذ دخلت جاريته بشعلة من نار، فطارت شرارة منها في البيت فأحرقته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السديّ قال: كان رجل من النصارى فذكر نحو قصة الرجل اليهودي. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: "حديث : أومن بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى، وما أوتى النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"تفسير : ؛ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله فيهم: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } إلى قوله: {فَـٰسِقُونَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ } قال: مسخت من يهود. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي مالك أنه قيل له: كانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا؟ قال: نعم، وكانوا مما خلق من الأمم. وأخرج مسلم، وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير هما مما مسخ الله؟ فقال: "حديث : إن الله لم يهلك قوماً"تفسير : ، أو قال: "حديث : لم يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك".تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا } الآية، قال أناس من اليهود: كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بأنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر، فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن السدي في الآية قال: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهوداً، يقول دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } قال: هؤلاء اليهود {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إلى قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } قال: يصنعون ويعملون واحد، قال لهؤلاء حين لم ينتهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأحْبَارُ } قال: فهل لا ينهاهم الربانيون والأحبار، وهم الفقهاء والعلماء. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية {لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأحْبَارُ } وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك بن مزاحم نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا حاجة لنا في بسطها هنا.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ} يريد بالإِثم معصية الله تعالى. {وَالْعُدْوَانِ} أي ظلم الناس. {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} فيه تأويلان: أحدهما: الرُّشا. والثاني: الربا. {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الْرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لم ينهوهم، قال ابن عباس والضحاك: ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية، وكان ابن عباس يقرؤها: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقوله: {لَوْلاَ} بمعنى هلا. والربانيون: هم علماء الإِنجيل، والإحبار: هم علماء التوراة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً} قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعنى: اتخذوا دينكم هزواً ولعباً هو إظهارهم الإسلام بألسنتهم قولاً وهم على ذلك يبطنون الكفر ويسرونه {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني اليهود {والكفار} يعني عبدة الأصنام وإنما فصل بين أهل الكتاب والكفار وإن كان أهل الكتاب من الكفر لأن كفر المشركين من عبدة الأصنام أغلظ وأفحش من كفر أهل الكتاب {أولياء} يعني لا تتخذوهم أولياء والمعنى أن أهل الكتاب والكفار اتخذوا دينكم يا معشر المؤمنين هزواً وسخرية فلا تتخذوهم أنتم أولياء وأنصاراً {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} يعني مؤمنين حقاً لأن المؤمن يأبى موالاة أعداء الله عز وجل. قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً} قال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا ويضحكون على طريق الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: نزلت هذه الآية في رجل من النصارى كان بالمدينة فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله يقول حرق الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وهو وأهله نيام فطارت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله. وقيل: إن الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا حسدوا المسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم يسمع بمثله فيما مضى من الأمم قبلك فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت الأنبياء قبلك ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء فمن أين لك صياح كصياح العير فما أقبح هذا الصوت وما أسمج هذا الأمر؟ فأنزل الله عز وجل: {أية : ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله}تفسير : الآية وأنزل {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً} {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} يعني أن هزؤهم ولعبهم من أفعال السفهاء والجهال الذين لا عقل لهم. قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا دينك هزواً ولعباً {هل تنقمون منا} وهذا على سبيل التعجب من فعل أهل الكتاب والمعنى هل تجدون علينا في الدين إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وبما أنزل على جميع الأنبياء من قبل وهذا ليس مما ينكر أو ينقم منه وهذا كما قال بعضهم: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنَّ فلول من قراع الكتائب تفسير : يعني أنه ليس فيهم عيب إلا ذلك وهذا ليس بعيب بل هو مدح عظيم لهم. قال ابن عباس: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وعازوراء وزيد وخالد وأزار بن أبي أزار وأشيع فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط - إلى قوله - ونحن له مسلمون الآية تفسير : فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله لا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنهم قالوا والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم فأنزل الله هذه الآية {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} وهذا هو ديننا الحق وطريقنا المستقيم فلم تنقمونه علينا {وأن أكثركم فاسقون} يعني أنما كرهتم إيماننا ونقمتموه علينا مع علمكم بأننا على الحق بسبب فسقكم وإقامتكم على الدين الباطل لحب الرياسة وأخذ الأموال بالباطل وإنما قال أكثركم لأن الله يعلم أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله وبرسوله. قوله عز وجل.
ابن عادل
تفسير : لما نهى في الآية الأولى عن اتَّخَاذِ اليَهُود والنَّصَارى أوْلِيَاء، نهى هُنَا عن جَمِيع مُوالاَةِ الكُفَّار على العُمُوم، فـ "الَّذِين" وصلتُهُ هو المَفْعُولُ الأوّلِ لقوله "لا تتَّخِذُوا"، والمفعُول الثاني: هو قوله "أوْلِيَاء"، و"دِينُكُم" مَفْعُول لـ "اتَّخذُوا"، و"هُزُواً" مفعول ثان، وتقدَّم ما في "هُزْءاً" من القِراءَات والاشْتِقَاق. قوله تعالى: {مِنَ الَّذِين أوتُوا} فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ، وصاحِبُها فيه وجهان: أحدها: أنَّهُ الموصول الأوَّل. والثاني: أنَّه فاعل "اتَّخَذُوا" والثاني من الوَجْهَيْن الأوَّلين: أنه بيانٌ للموصُول الأوَّل، فتكون "مِن" لِبَيَان الجِنْس. وقوله تعالى: "مِنْ قَبْلكم" متعلِّق بـ "أوتُوا"؛ لأنَّهم أوتُوا الكِتَاب قَبْلَ المُؤمِنين، والمُرَاد بالكِتَاب: الجِنْس. فصل قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - كان رِفاعة بن زَيْد بن التَّابُوت، وسُوَيْد بن الحَارِث قد أظهرا الإسْلام ثم نافَقَا، وكان رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمين يوادُّونَهُما، فأنْزل اللَّه - تعالى - هذه الآية، ومعنى تَلاَعُبِهم واستهْزَائِهِم، إظْهَار ذلك باللِّسَان مع الإصْرَارِ على الكُفْر في القَلْبِ، ونَظِيرُه قوله في ذَلِك في سُورة "البقرة": {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} تفسير : [آية:14] إلى قوله: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [آية: 14]، والمعنى: أنَّ القَوْم لمَّا اتَّخَذُوا دينكُمْ هُزُواً ولَعِباً وسُخْرِية، فلا تتَّخِذُوهم أوْلِيَاء وأنْصَاراً وأحْبَاباً، فإن ذلك الأمْرَ خَارجٌ عن العَقْلِ والمرُوءَة. قوله تعالى: "والكُفَّار" قرأ أبُو عَمْرو والكِسَائي: "والكُفَّارِ" بالخَفْض، والباقُون بالنَّصْب، وهما واضِحَتَانِ، فَقِرَاءة الخَفْضِ عَطْفٌ على المَوْصُول المَجْرُور بـ "مِنْ"، ومعناها: أنَّه نَهَاهم أن يتَّخِذُوا المُسْتَهْزِئين أوْلِيَاء، وبَيَّنَ أن المُسْتَهْزِئين صِنفان: أهلُ كتاب متقدِّم، وهم اليَهُود والنَّصارى، وكفارٌ عَبَدة أوْثَان، وإن كان اسم الكُفْر ينطلقُ على الفَرِيقين، إلا أنَّه غَلَبَ على عَبَدَةِ الأوْثان: الكُفَّار، وعلى اليهُود والنَّصارى: أهْل الكِتَاب. وقال تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [البينة: 1]، وقال تعالى: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [البقرة: 105]، اتَّفقوا على جر "المُشْركين" عَطْفاً على أهْل الكِتَاب، ولم يَعْطف على العَامِل الرَّافع قاله الواحدي. يعني [بذلك]: أنَّه أطلق الكُفَّار على أهْلِ الكِتَاب، وعلى عبدةِ الأوْثَانِ المُشْرِكِين، ويدلُّ على أنَّ المُرَاد بالكُفَّار في آية المَائِدة "المُشْرِكُون"، قراءة عبد الله "ومِنَ الَّذِين أشْرَكُوا" ورُجِّحت قراءة أبِي عَمْرو أيضاً بالقُرْب، فإن المَعْطُوف عليه قرِيب، ورُجِّحَتْ أيضاً بقراءة أبَيّ "وَمِنَ الكُفَّار" بالإتْيَان بـ "مِنْ". وأما قراءة البَاقِين، فوَجْهُهَا أنَّه عطف على المَوْصُول الأوَّل، أي: لا تَتَّخذُوا المُسْتَهْزِئين، ولا الكُفَّار أوْلِيَاء، فهو كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 28]، إلاَّ أنه ليس في هذه القراءة تَعَرُّضٌ للإخْبَار باسْتِهْزَاء المُشْرِكين، وهم مُسْتَهْزِئُون أيْضاً، قال تعالى: {أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} تفسير : [الحجر: 95] فالمراد به: مُشْرِكو العرَب، ولوضوح قِرَاءة الجرِّ قال مَكي بن أبِي طالب: "ولولا اتِّفَاقُ الجماعةِ على النَّصْب، لاخترتُ الخَفْض لقوَّته في المَعْنى، ولِقُرْب المَعْطُوف من المَعْطُوف عليه". ثم قال تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، والمعنى ظاهِر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث، قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتَّخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً} إلى قوله {أعلم بما كانوا يكتمون}. وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن ابن مسعود. أنه كان يقرأ {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا}.
ابو السعود
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} رُوي (أن رُفاعةَ بنَ زيد وسويدَ بنَ الحارث، أظهرا الإسلامَ ثم نافقا، وكان رجالٌ من المؤمنين يُوادُّونهما) فنُهوا عن موالاتهما، ورُتِّب النهيُ على وصف يعمُّهما وغيرَهما تعميماً للحكم وتنبـيهاً على العلة وإيذاناً بأن مَنْ هذا شأنُه جديرٌ بالمعاداة فكيف بالموالاة؟ {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} بـيان للمستهزئين، والتعرّضُ لعنوان إيتاءِ الكتاب لبـيان كمال شناعتِهم وغايةِ ضلالتهم، لِما أنَّ إيتاءَ الكتاب وازعٌ لهم عن الاستهزاء بالدين المؤسَّسِ على الكتابِ المصدِّقِ لكتابهم {وَٱلْكُفَّارَ} أي المشركين خُصّوا به لتضاعُفِ كفرهم، وهو عطف على الموصول الأول ففيه إشعارٌ بأنهم ليسوا بمستهزئين كما يُنبىءُ عنه تخصيصُ الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى: {أية : يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا }تفسير : [المائدة، الآية 59] الآية، وقرىء بالجر عطفاً على الموصول الأخير ويعضُده قراءةُ أُبـيَ {وَمِنْ ٱلْكُفَّارِ} وقراءةُ عبدِ اللَّه {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [البقرة، الآية96. وسورة آل عمران، الآية 186] فهم أيضاً من جملة المستهزئين {أَوْلِيَاء} وجانبوهم كلَّ المجانبة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في ذلك بترك موالاتهم أو بترك المَناهي على الإطلاق فيدخل فيه تركُ موالاتِهم دخولاً أولياً {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي حقاً، فإن قضيةَ الإيمان توجب الاتقاءَ لا محالة {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا}أي الصلاةَ أو المناداةَ، ففيه دلالة على شرعية الأذان {هُزُواً وَلَعِباً} بـيان لاستهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم. رُوي (أن نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، يقول: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمُه ذاتَ ليلة بنار وأهلُه نيامٌ فتطايرَتْ منه شرارةٌ في البـيت فأحرقَتْه وأهلَه جميعاً) {ذٰلِكَ} أي الاستهزاء المذكور {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} فإن السَّفَه يؤدِّي إلى الجهل بمحاسِنِ الحق والهُزُؤ به، ولو كان لهم عقلٌ في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة {قُلْ} أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب بعد نهْيِ المؤمنين عن تولِّي المستهزئين بأن يخاطِبَهم ويبـيِّنَ أن الدين منزه عما يصحِّحُ صدورَ ما صدر عنهم من الاستهزاء، ويُظهرَ لهم سببَ ما ارتكبوه ويُلْقِمَهم الحجرَ، أي قل لأولئك الفجرة {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} وُصفوا بأهلية الكتاب تمهيداً لما سيأتي من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا} من نقَم منه كذا إذا عابه وأنكره وكرهه، ينقِمه من حدِّ ضرب، وقُرىء بفتح القاف من حد علِمَ وهي أيضاً لغة، أي ما تَعيبون وما تُنكرون منا {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} من القرآن المجيد {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ} أي من قبل إنزاله من التوراة والإنجيل المنزَّلَيْن عليكم وسائرِ الكتبِ الإلٰهية {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ} أي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن الكفر بالقرآن مستلزم بما يصدِّقُه لا محالة وهو عطف على (أن آمنا) على أنه مفعول له لتنقمون، والمفعول الذي هو الدينُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبله وما بعده عليه دلالةً واضحة، فإن اتخاذ الدين هزواً ولعباً عينُ نِقَمِه وإنكارِه، والإيمانُ بما فُصِّل عينُ الدين الذي نقَموه خلا أنه أبرَزَ في معرِض علةِ نقمِهم له تسجيلاً عليهم بكمال المكابرةِ والتعكيس حيث جعلوه موجِباً لنقمه مع كونه في نفسه موجباً لقَبوله وارتضائه، فالاستثناءُ من أعم العلل أي ما تنقِمون منا دينَنا لعلةٍ من العلل إلا لأنا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أُنزل من قبلُ من كتُبكم، ولأن أكثركم متمردون غيرُ مؤمنين بواحدٍ مما ذُكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطقِ بصحة كتابِنا لآمنتم به، وإسنادُ الفسق إلى أكثرِهم لأنهم الحاملون لأعقابهم على التمرُّد والعناد، وقيل: عطفٌ عليه على أنه مفعول لتنقمون منا، لكن لا على أن المستثنى مجموعُ المعطوفَيْن بل هو ما يلزَمهما من المخالفة كأنه قيل: ما تنقمون منا إلا مخالفتَكم حيث دخلنا الإيمانَ وأنتم خارجون عنه، وقيل: على حذف المضافِ، أي واعتقادَ أن أكثركم فاسقون، وقيل: عطف على (ما) أي ما تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وبأنكم فاسقون، وقيل: عطفٌ على علة محذوفةٍ أي لقلة إنصافِكم ولأن أكثركم فاسقون، وقيل: الواو بمعنى مع أي ما تنقِمون منا إلا الإيمانَ مع أن أكثركم الخ، وقيل: هو مرفوعٌ على الابتداء والخبر محذوفٌ أي وفِسقُكم معلوم أي ثابت، والجملة حالية أو معترضة، وقرىء بإِن المكسورةِ والجملةُ مستأنَفة مبـيّنةٌ لكون أكثرهم فاسقين متمرِّدين.
القشيري
تفسير : نَبَّهَهُم على وجوب التحيز عنهم والتميز منهم، فإن المخالف في العقيدة لا يكون موافقاً في الحقيقة. ويقال: أَمَرَهم بأن يلاحظوهم بعين الاستصغار كما لاحظوا دين المسلمين بعين الاستحقار.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} ـ روى ـ ان رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث اظهرا الاسلام ثم نافقا وكان رجال من المؤمنين يوادونهما فنهاهم الله تعالى عن الموالاة وقال {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا} قوله الذين اتخذوا مفعول اول لقوله لا تتخذوا ومفعوله الثانى قوله اولياء ودينكم مفعول اول لقوله اتخذوا وهزوا مفعوله الثانى. والهزؤ السخرية والاستهزاء واللعب بالفارسية [بازى] ومعنى اتخاذهم دين المسلمين مهزوا به وتلاعبهم به اظهارهم ذلك باللسان مع الاصرار على الكفر فى القلب وقد رتب النهى عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزوا ولعبا ايماء الى العلة وتنبيها على ان من هذا شأنه جدير بالمعاداة فكيف بالموالاة {من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم} بيان للمستهزئين ومن قبلكم متعلق باوتوا {والكفار} بالنصب عطف على الموصول الاول والمراد المشركون خصوا به لتضاعف كفرهم فالنهى عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كاهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين {أولياء} وجانبوهم كل المجانبة {واتقوا الله} فى ذلك بترك موالاتهم {إن كنتم مؤمنين} اى حقا لان الايمان يقتضى الاتقاء.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {والكفار}: من نَصَبَ عطف على الموصول الأول، ومن جَرَّ فعلى الموصول الثاني. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا} من شدة كفرهم، وغلبة سفههم {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} كاليهود والنصارى، {و} لا تتخذوا أيضًا {الكفار} من المشركين {أولياء} وأصدقاء، أو: لا تتخذوا من اتخذ دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب ومن المشركين أولياء، {واتقوا الله} في موالاتهم {إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان يقتضي الوقوف عند الأمر والنهي. وكيف توالون من يستهزىء بدينكم، {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا}، رُوِي أن نصرانيًا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب. فدخل خادمه ذات ليلة بنار، وأهله نيام، فطارت شرارة في البيت، فأحرقته وأهله). وفي الآية دلالة على مشروعية الأذان من القرآن. ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}؛ فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهُزء به، والعقل يقتضي المنع من الجهل والإقرارَ بالحق وتعظيمه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد حذّر الحقّ جلّ جلاله من صحبة الأشرار، ويفهم منه الترغيب في موالاة الأخيار، وهم الصوفية الأبرار، ففي صحبتهم سر كبير وخير كثير، ولابن عباد رضي الله عنه في نظم الحكم: شعر : إنَّ التَّواخي فضلُه لا يُنكَر وإن خلا مِن شرطِهِ لا يُشكَر والشرطُ فِيه أن تُوَاخِي العَارفا عن الحظوظ واللحُوظ صَارِفَا مقَالُه وَحَالهُ سِيّان مَا دَعَونَا إلاَّ إلىَ الرحمان أنوارُه دائِمَة السِّرَايَة فِيكَ وقد حَفَّت به الرِّعَايه تفسير : وفي الحكم: " لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله". وبالله التوفيق. ثم وبخ أهل الكتاب، فقال: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {والكفار} بالجر أبو عمرو، ونافع، والكسائي. والباقون بالنصب، فمن نصب عطف على {الذين اتخذوا دينكم} وحجتهم في ذلك قوله: {لا يتخذوا المؤمنون الكافرين أولياء}. ومن جرعطف على {من الذين أوتوا الكتاب} أي ومن الكفار أولياء وحجتهم في ذلك أن الحمل على أقرب العاملين أجود، لانها لغة القرآن وحسن الحمل على الجر، لان فرق الكفار ثلاث المشرك. والمنافق. والكتابي الذي لم يسلم وقد كان منهم الهزء فساغ لذلك أن يكون الكفار مجروراً وتفسيراً للموصول وموضحاً له. وقد اخبر الله تعالى أن المشركين كان منهم إِستهزاء بقوله {أية : إِنا كفيناك المستهزئين } تفسير : وعن المنافقين في قوله: {أية : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن }تفسير : واخبر عن الكتابي في هذه الآية. فقال {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار} وإِن وقع على جميع الأصناف، فهو في من ليس من أهل الكتاب أليق، وعليه أغلب، فلذلك أفرد بالذكر. وقال الحسن: المعنى بالكفار مشركوا العرب، وإِنما دخل غيرهم في الحكم بما صحب الكلام من الدليل وقال غيره: يدخل فيه جميع أصناف الكفار، وانما وصفهم الله تعالى بما كانوا عليه من التلاعب بالدين لامرين: أحدهما - لاغراء المؤمنين بعداوتهم والبراءة منهم. الثاني - ذماً لهم وتحذيراً من مثل حالهم لأنها حال السفهاء الذين لا خلاق لهم. وقال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الاسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فانزل الله هذه الآية ويجوز في "هزواً" أربعة أوجه: الاول "هزؤاً" بضم الزاي وتخفيف الهمزة، الثاني هزواً بالواو ومن غير همز على التخفيف لأن الهمزة مفتوحة قبلها ضمة كجون، الثالث هزأ بسكون الزاي والهمز. الرابع هزى على وزن هدى بفتح الزاي واسقاط الهمزة. والهزء السخرية وهو اظهار ما يلهي تعجباً مما يجري. قال الله تعالى: {أية : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن } تفسير : وقال الشاعر: شعر : ألا هزئت واعجبها المشيب فلا نكر لديك ولا عجيب تفسير : ويقال هزئ به يهزأ هزواً وهزؤا واستهزؤا به استهزاءاً. و (اللعب) الأخذ على غير طريق الحق، ومثله العبث وأصله من لعاب الصبي يقال: لعب يلعب لعباً اذا سال لعابه لانه يخرج الى غير جهته وكذلك اللاعب يمر في غير جهة الصواب. وقوله: {إن كنتم مؤمنين}: قيل في معناه قولان: أحدهما - ان كنتم مؤمنين بوعده ووعيده. الثاني - إِن من كان مؤمناً غضب لايمانه على من طعن فيه. وكافاه بما يستحقه من المقت له.
الجنابذي
تفسير : {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ} بولاية من امرتم بولايته بقرينة كونها بعد آية ولاية الله وقبول ولايته والتّعليق على هذا الوصف للاشعار بعلّة النّهى {أَوْلِيَآءَ} لانّهم فى شقاق معكم فلا ينبغى لكم تولّيهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى اتّخاذ المذكورين اولياء {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فانّ الايمان يقتضى المجانبة لا المجانسة معهم {وَإِذَا نَادَيْتُمْ} عطف على قوله اتّخذوا دينكم اوحال {إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} فانّ العقل يقتضى تعظيم الحقّ وعباداته لا الاستهزاء بها.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً} الآية نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث وكانا أظهرا الإِسلام منافقين ثم ارتدا وكان رجال من المسلمين يوادّونهما وفيهما نزل قوله تعالى: {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} {واتقوا الله} في موالاة الكفار {إن كنتم مؤمنين} حقا، قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً} قال جار الله: الضمير للصلاة والمناداة، قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد ان محمداً رسول الله قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة وهو نائم فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله، فنزلت الآية، وقيل: فيه دليل على وجوب الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده، وقيل: كانت اليهود إذا أذن المسلمون يقولون: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء، فنزلت الآية {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} لأن لعبهم وهزوهم من أفعال السفهاء والجهلة فكأنه لا عقل لهم، وروي أن اليهود والنصارى كانوا إذا سمعوا المؤذن يتضاحكون بينهم، قال الحاكم: ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، يعني هؤلاء الكفار لا يعقلون أي لا يعلمون ما لهم في استهزائهم، قيل: لا يعلمون فضل الصلاة وما على تاركها من العقاب، قوله تعالى: {قل} يا محمد {يا أهل الكتاب} وهم اليهود والنصارى {هل تنقمون منا} أي تنكرون، وقيل: تعيبون وتهزؤون {إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا} وهو القرآن {وما أنزل من قبل} على الأنبياء {وان أكثركم فاسقون} خارجون عن الدين، "حديث : وروي أنه أتى الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفر من اليهود فسألوه عن من يؤمن به من الرسل فقال: "أؤمن بالله وما أنزل إلينا إلى قوله ونحن له مسلمون" فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى: ما نعلم أهل دين أقل حظاً من الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً أشر من دينكم" تفسير : فنزلت: {قل} يا محمد {هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله}، الآية نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا: ما نعلم أمة جاءها رسول أضيق عيشاً ولا أشقى من أمة محمد، فنزلت: {بشرٍ من ذلك} بشر خرا مما تنقمون منا، وقيل: معناه ان كان ذلك عندكم شراً فأنا أخبركم بشر منه عاقبة {مثوبة} جزاء {عند الله} قال جار الله: فإن قلت: المثوبة مختصة بالإِحسان كيف جاز في الإِساءة؟ قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله: تحية بينهم ضرر وجيع، ومنه قوله: {فبشرهم بعذاب أليم} قوله تعالى: {من لعنه الله} أبعده من رحمته {وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} حين مسخوا {وعبد الطاغوت} منهم وبينهم بمعنى صار معبوداً من دون الله {وقرئ} برفع العين، وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون الممسوخون {شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل} كان أهل السبت وأهل مائدة عيسى (عليه السلام) مسخوا قردة وخنازير، قوله تعالى: {وإذا جاؤوكم قالوا آمنَّا وقد دخلوا بالكفر} الآية نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيظهرون له الايمان فأخبره الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما دخلوا أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، وقيل: نزلت في المنافقين، قوله تعالى: {وترى كثيراً منهم} يعني من اليهود {يسارعون في الاثم} الكذب والعدوان الظلم، وقيل: الاثم الشرك، وهو قولهم عزير ابن الله والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة {وأكلهم السُّحت} هو الحرام، وقيل: الرشوة، قوله تعالى: {لولا ينهاهم الرَّبَّانيون والأحبار} قيل: العلماء، وقيل: الربانيون علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود {عن قولهم الاثم} الآية عن ابن عباس والضحاك أنها أشد آية في القرآن، وعن الضحاك ما في القرآن آية هي أخوف عندي منها وهذه أشد آية على تاركي النهي عن المنكر حيث أنزله منزلة من يكسبه وجمع بينهم في التوبيخ، روي في تفسير الثعلبي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما من رجل يجاور قوماً يعمل بالمعاصي فلا يأخذون على يديه إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : مثل الفاسق في القوم مثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل واحد منهم نصيب فأخذ رجل منهم فأساً فجعل ينقر في موضعه، فقال له أصحابه: أي شيء تصنع تريد أن تغرق وتغرقنا؟ قال: هو مكاني، فإن أخذوا على يديه نجوا ونجى وإن تركوه غرق وغرقوا" تفسير : قال مالك بن دينار: أوحى الله تعالى إلى الملائكة أن عذبوا قرية كذا فصاحت الملائكة إلى ربها: يا رب إنها فيها عبدك العابد!! قال: اسمعوني ضجيجه فإنَّ وجهه لم يتغير غضباً لمحارمي، وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وثمانين ألفاً من أشرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: لأنهم لم يغضبوا لغضبي، وآكلوهم وشاربوهم، قوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة}قال جار الله: على اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء: 29] وقيل: إنما قال ذلك فنحاص اليهودي ولم ينهه الآخرون ورضوا به فأشركهم الله تعالى فيها، قال جار الله: فإن قلت: كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟ قلت: المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم {غلت أيديهم} أي أمسكت أيديهم عن الخيرات {ولعنوا بما قالوا} أي وعذبوا بما قالوا {بل يداه مبسوطتان} قيل: قوته، وقيل: قدرته كقوله أولي الأيدي والأبصار، وقيل: هو ملكه، وقيل: أراد نعمتاه مبسوطتان نعمته في الدنيا، ونعمته في الآخرة {ينفق كيف يشاء} تأكيداً للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة {وليزيدنَّ} أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} يعني اليهود والنصارى، قوله تعالى: {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} كلما أرادوا محاربة أحد غُلِبُوا وقُهِرُوا ولم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد قط، وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بخت نصَّر، وروي عن قتادة لا تلقى اليهود في بلد إلا وجدتهم من أذل الناس {ويسعون في الأرض فساداً} يعني ويجتهدون في الكيد للاسلام ومحوا ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتبهم.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُم هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفَارَ أَوْلِيَاءَ}: لا تتخذوهم أولياء مع اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً، فان من هذا فعله شأنه الابعاد، أولياء مفعول ثان لتتخذوا من قوله: {لا تَتَّخِذُوا} وهزواً مفعول ثان لقوله: {اتَّخَذُوا} والذين اتخذوا دين المؤمنين هزواً هم الذين يضمرون الشرك، ويظهرون الاسلام، فمخالفة قلوبهم وأعمالهم لما فى ألسنتهم هو اتخاذهم دين الله هزواً ولعباً. قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث يظهران الاسلام ويبطنان الشرك، وكان رجال من المؤمنين يؤدونهم فنزلت الآية: {مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} بيان أو تبعيض، وحال من الذين اتخذوا، أو من واو اتخذوا، والذين أتوا الكتاب اليهود والكفار بالنصب، معطوف على الذين اتخذوا، والمراد بهم عبدة الأصنام وهم مشركو قريش، وخصهم باسم الكفر أى الشرك، ولو كان الذين أوتوا الكتاب الذين أنكروا النبى صلى الله عليه وسلم مشركين أيضاً، لأن عبادة الأصنام أغلظ وأفحش من شرك هذا الكتاب، وقرأ عبد الله بن مسعود ومن أشركوا عطفاً على من الذين أوتوا الكتاب، فيدخل الكفار فى لفظ الذين اتخذوا دينكم هزواً، فان العابد للأصنام يتخذ دين الله هزواً ولعباً. وقرأ أبو عمرو ويعقوب والكسائى والكفار بالجر عطفا على الذين أتوا الكتاب، فيكون أيضاً قد شمله الذين اتخذوا، وقرأ أبى: ومن الكفار عطفا على من الذين أوتوا الكتاب، وفى قراءة الجر بلا ذكر لمن تتعين أن تكون من قوله من الذين للبيان. {وَاتَقُوا اللهَ}: فى موالاة الكفار وسائر العصيان. {إِن كُنتُم مُّؤمِنينَ}: ايماناً حقاً، فانه من تحقق ايمانه لا يوالى أعداء الله عز وجل، وقيل: ان كنتم مؤمنين بوعده ووعيده.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما فأنزل الله تعالى هذه الآية، ورتب سبحانه النهي على وصف يعمهما وغيرهما تعميماً للحكم وتنبيهاً على العلة وإيذاناً بأن من هذا شأنه جدير بالمعاداة فكيف بالموالاة، والهزؤ ـ كما في «الصحاح» ـ السخرية، تقول: هزئت منه، وهزئت به ـ عن الأخفش ـ واستهزأت به وتهزأت وهزأت به أيضاً هزؤاً ومهزأة ـ عن أبـي زيد ـ ورجل هزأة بالتسكين أي يهزأ به، وهَزَأةً بالتحريك يهزأ بالناس، وذكر الزجاج أنه يجوز في {هُزُواً} أربعة أوجه: الأول: ـ هزؤ ـ بضم الزاي مع الهمزة وهو الأصل والأجود، والثاني: ـ هزو ـ بضم الزاي مع إبدال الهمزة واواً لانضمام ما قبلها، والثالث: ـ هزأ ـ بإسكان الزاي مع الهمزة، والرابع: ـ هزى ـ كهدى، ويجوز القراءة بما عدا الأخير، و ـ اللعب ـ بفتح أوله وكسر ثانيه كاللعب، واللعب بفتح اللام وكسرها مع سكون العين، والتلعاب مصدر لعب كسمع، وهو ضد الجد كما في «القاموس» وفي «مجمع البيان» «هو الأخذ على غير طريق (الجد)، ومثله العبث، وأصله من لعاب الصبـي يقال: لعب (كسمع ومنع) إذا سال لعابه وخرج إلى غير جهة»، والمصدران: إما بمعنى اسم المفعول، أو الكلام على حذف مضاف أو قصد المبالغة. وقوله تعالى: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} في موضع الحال من {ٱلَّذِينَ} قبله، أو من فاعل ـ اتخذوا ـ والتعرض لعنوان إيتاء الكتاب لبيان كمال شناعتهم وغاية ضلالتهم لما أن إيتاء الكتاب وازع لهم عن اتخاذ دين المؤمنين المصدقين بكتابهم هزواً ولعباً {وَٱلْكُفَّارَ} / أي المشركين، وقد ورد بهذا المعنى في مواضع من القرآن وخصوا به لتضاعف كفرهم، وهو عطف على الموصول الأول، وعليه لا تصريح باستهزائهم هنا، وإن أثبت لهم في آية {أية : إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءينَ} تفسير : [الحجر: 95] إذ المراد بهم مشركو العرب، ولا يكون النهي حينئذ بالنظر إليهم معللاً بالاستهزاء بل نهوا عن موالاتهم ابتداءاً، وقرأ الكسائي وأهل البصرة {وَٱلْكُفَّارَ} بالجر عطفاً على الموصول الأخير، ويعضد ذلك قراءة أبـيّ ـ ومن الكفار ـ وقراءة عبد الله ـ ومن الذين أشركوا ـ فهم أيضاً من جملة المستهزئين صريحاً، وقوله تعالى: {أَوْلِيَاء} مفعول ثان ـ للاتتخذوا ـ والمراد جانبوهم كل المجانبة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في ذلك بترك موالاتهم، أو بترك المناهي على الإطلاق فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولاً أولياً {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} حقاً فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الّذي قبله، فإنّ قوله: {أية : يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى أولياءَ}تفسير : [المائدة: 51] تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميّز المسلمين. وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الّذين بالمدينة، ولا مدخل للنصارى فيها، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزأوا بالدّين. وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي {الّذين اتّخذوا دينَكم هزؤاً} الخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل موجب النّهي. والدّين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة، فهو عنوان عقل المتديّن وروائدُ آماله وباعث أعماله، فالذي يتخذ دين امرىء هزُؤاً فقد اتّخذ ذلك المتديِّن هزؤاً ورمَقه بعين الاحتقار، إذ عَدّ أعظَمَ شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أوْلى. والّذي يَرمُق بهذا الاعتبار ليس جديراً بالموالاة، لأنّ شرط الموالاة التماثل في التّفكير، ولأنّ الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودّة تستدعي تعظيم الودود. وأريد بالكفار في قوله: {والكفار} المشركون، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفّار، والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الّذين أظهروا الإسلام نفاقاً مثل رفاعة بن زيد، وسويد بن الحارث، فقد كان بعض المسلمين يوادّهما اغتراراً بظاهر حالهما. روي عن ابن عبّاس: أنّ قوماً من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم. وقال الكلبي: كانوا إذا نادى منادي رسول الله قالوا: صياح مثل صياح العَير، وتضاحكوا، فأنزل الله هذه الآية. وقرأ الجمهور {والكفّارَ} ـــ بالنّصب ـــ عطفاً على {الّذين اتخذوا دينَكم} المبيَّن بقوله: {من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم}. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب {والكفارِ} ـــ بالخفض ـــ عطْفاً على {الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم}، ومآل القراءتين واحد. وقوله: {واتّقوا الله إن كنتم مؤمنين} أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه. وذكر هذا الشرط استنهاض للهمّة في الانتهاء، وإلهابٌ لنفوس المؤمنين ليظهروا أنّهم مؤمنون، لأنّ شأن المؤمن الامتثال. وليس للشرط مفهوم هنا، لأنّ الكلام إنشاء ولأنّ خبرَ كان لَقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتّصديق، ذلك لأنّ نفي التّقوى لا ينفي الإيمان عند من يُعتدّ به من علماء الإسلام الّذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حقّ الفهم. وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التّامة بمعنى الموافقة في الدّين فالأمر بالتّقوى، أي الحذر من الوقوع فيما نُهوا عنه معلّق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر. والحاصل أنّ الآية مفسّرة أو مؤوّلة على حسب ما تقدّم في سالفتها {أية : ومن يتوّلهم منكم فإنّه منهم}تفسير : [المائدة: 51]. والنّداء إلى الصّلاة هو الأذان، وما عبّر عنه في القرآن إلاّ بالنداء. وقد دلّت الآية على أنّ الأذان شيْء معروف، فهي مؤيّدة لمشروعية الأذان وليست مشرّعة له، لأنّه شُرع بالسنّة. وقوله: {ذلك بأنّهم قوم لا يعقلون} تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى الصّلاة ما يوجب الاستهزاء؛ فجعْله موجباً للاستهزاء سخافة لعقولهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هزواً ولعباً: الهزء: ما يُهزأ به ويسخر منه. واللعب: ما يلعب به. أوتوا الكتاب: هم اليهود في هذا السياق. الكفار: المشركون. إذا ناديتم إلى الصلاة: أذنتم لها. هل تنقمون منا: أي ما تنقمون منا، ومعنى تنقمون هنا تنكرون منا وتعيبون علينا. مثوبة: جزاء. فاسقون: خارجون عن طاعة الله تعالى بالكفر والمعاصي. القردة: جمع قرد حيوان معروف مجبول على التقليد والمحاكاة. والخنازير: جمع خنزير حيوان خبيث معروف محرم الأكل. شر مكاناً: أي منزلة يوم القيامة في نار جهنم. معنى الآيات: ما زال السياق في تحذير المؤمنين من موالاة وأعداء الله ورسوله فقال تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإِسلام ديناً {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ} الإِسلامي {هُزُواً} شيئاً يهزءون به، ولعباً أي شيئاً يلعبون به {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني اليهود، والكفار وهم المنافقون والمشركون (أولياء) أنصاراً وأحباء وأحلافاً واتقوا الله في ذلك أي في اتخاذهم أولياء إن كنتم مؤمنين صادقين في إيمانكم فإن حب الله ورسوله والمؤمنين يتنافى معه حب أعداء الله ورسوله والمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [57] أما الآية الثانية [58] فقد تضمنت إخبار الله تعالى بما يؤكد وجوب معاداة من يتخذ دين المؤمنين هزواً ولعباً وهم أولئك الذين إذا سمعوا الأذان ينادي للصلاة اتخذوه هزواً ولعباً فهذا يقول ما هذا الصوت وآخر يقول هذا نهيق حمار قبح الله قولهم وأقمأهم. فقال تعالى عنهم: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}. حقاً إنهم لا يعقلون فلو كانوا يعقلون الكلام لكان النداء إلى الصلاة من أطيب ما يسمع العقلاء لأنه نداء إلى الطهر والصفاء وإلى الخير والمحبة والألفة نداء إلى ذكر الله وعبادته، ولكن القوم كما أخبر تعالى عنهم: {لاَّ يَعْقِلُونَ} شأنهم شأن البهائم والبهائم أفضل منهم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة [59] فقد تضمنت تعليم الله تعالى لرسوله أن يقول لأولئك اليهود والكفرة الفجرة يا أهل الكتاب إنكم بمعاداتكم لنا وحربكم علينا ما تنقمون منا أي ما تكرهون منا ولا تعيبون علينا إلا إيماننا بالله وما أنزل علينا من هذا القرآن الكريم وما أنزل من قبل من التوراة والإِنجيل، وكون أكثركم فاسقين فهل مثل هذا ينكر من صاحبه ويعاب عليه؟ اللهم لا، ولكنكم قوم لا تعقلون هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أما الآية الرابعة في هذا السياق [60] فقد تضمنت تعليم الله لرسوله كيف يرد على أولئك اليهود إخوان القردة والخنازير قولهم: لا نعلم ديناً شراً من دينكم، وذلك أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: بمن تؤمن؟ فقال أؤمن بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل على موسى وما أنزل على عيسى فلما قال هذا، قالوا: لا نعلم ديناً شراً من دينكم بغضاً لعيسى عليه السلام وكرهاً له، فأنزل الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً} أي ثواباً وجزاء {عِندَ ٱللَّهِ}؟ أنه {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} إذ مسخ طائفة منهم قردة، وأخرى خنازير على عهد داود عليه السلام، وقوله {وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} أي وجعل منهم من عبد الطاغوت وهو الشيطان وذلك بطاعته والانقياد لما يجلبه عليه ويزينه له من الشر والفساد، إنه أنتم يا معشر يهود، إنكم لشر مكاناً يوم القيامة وأضل سبيلاً اليوم في هذه الحياة الدنيا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة اتخاذ اليهود والنصارى والمشركين أولياء لا سيما أهل الظلم منهم. 2- سوء أخلاق اليهود وفساد عقولهم. 3- شعور اليهود بفسقهم وبعد ضلالهم جعلهم يعملون على إضلال المسلمين. 4- تقرير وجود مسخ في اليهود قردة وخنازير. 5- اليهود شر الناس مكانا يوم القيامة، وأضل الناس في هذه الدنيا.
القطان
تفسير : بعد أن نهى الله عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دونه، وبيّن العلّة في ذلك بأن بعضهم أولياء بعض ـ أعاد النهيَ هنا عن اتخاذ الكفار عامة أولياء، وبيّن الوصفَ الذي لأجله كان النهيُ، وهو إيذاؤهم للمؤمنين بجميع ضروب الإيذاء، ومقاومتهم دينَهم ما استطاعوا الى ذلك سبيلا. فقال: يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا أعداء الاسلام الذين اتخذوا دينكم سخريةً، وهم اليهود والنصارى والمشركون ـ نصراءَ وأولياء ابداً. خافوا ـ أيها المؤمنون ـ في موالاة هؤلاء ان كنتم صادقين في ايمانكم. ومن استهزائهم بكم: أنكم إذا أذّن مؤذّنكم داعياً الى الصلاة استهزؤا بها، وسخِروا منكم وتضاحكوا أو لعبوا فيها، وذلك أنهم قوم لا يدركون الفرق بين الهدى والضلال. الاسلام يأمر بالسماحة وحسن المعاملة لأهل الكتاب عامة وللنصارى خاصة اذا كانوا غير محاربين لنا، وللمواطنين بيننا،وأما المعادون لنا، الذين يساعدون اسرائيل فهم أعداء لا يجوز موالاتهم، فمن والاهم فقد عصى الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلْكِتَابَ} (57) - يُنَفِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ مِنْ مُوَالاَةِ أعْداءِ الإِسْلامِ، مِنْ أهْلِ الكِتَابِ وَمِنَ المُشْرِكِينَ، الذِينَ يَتَّخِذُونَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ المُطَهَّرَةَ، هُزْوًا يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا، وَيَعدُّونَهَا نَوْعاً مِنَ اللَّعِبِ، وَيَتَمَنَّوْنَ زَوَالَ الإِسْلاَمِ وَأهْلِهِ، وَيَأمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِتَقْوَاهُ، وَبِألاَّ يَتَّخِذُوا هَؤُلاءِ الأعْدَاءَ أوْلِيَاءَ إنْ كَانُوا مُؤْمِنينَ بِشَرْعِ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً. هُزْواً وَلَعِباً - سُخْرِيَةً وَهَزلاً.
الثعلبي
تفسير : {ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} إلى قوله: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}، يعني عبد اللّه بن أُبي بن سلول إلى قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني عبادة بن الصامت، وأصحاب رسول اللّه ثم قال: ولو كانوا يؤمنون باللّه ورسوله وما أُنزل إليه، ما اتخذوه أولياء، وقال بعض المفسّرين: لما أراد رسول اللّه أن يقتل يهود بني قينقاع حين نقضوا العهد، وكانوا حلفاً لعبد اللّه بن أبي سلول وسعد بن عبادة بن الصامت، فأما عبد اللّه بن أُبي فعظم ذلك عليه، وقال: ثلاثمائة دارع وأربعمائة منعوني من الأسود والأحمر أفأدعك تجدهم في غداة واحدة، وأما سعد وعبادة فقالا: إنا برآء إلى اللّه وإلى رسوله من حلفهم وعهدهم فأنزل اللّه هذه الآية. وقال جابر بن عبد اللّه: حديث : جاء عبد اللّه بن سلام إلى النبي (عليه السلام) فقال: يا رسول اللّه إن قومنا من قريظة والنضير، قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل وشكى ما يلقى من اليهود من الأذى. فنزلت الآية فقرأها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: رضينا باللّه ورسوله وبالمؤمنين أخوة تفسير : على هذا التأويل أراد بقوله (راكعون) صلاة التطوع بالليل والنهار. قال ابن عباس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد اللّه: إنما يعني بقوله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} الآية. علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه. أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، أبو محمد عبد اللّه بن أحمد الشعراني، أبو علي أحمد بن علي بن زرين، المظفر بن الحسن الأنصاري، السدي بن علي العزاق، يحيى بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عبادة بن الربعي، قال: حديث : بينا عبد اللّه بن عباس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمم بالعمامة فجعل ابن عباس لا يقول، قال رسول اللّه: إلاّ قال الرجل: قال رسول الله؟ فقال ابن عباس: سألتك باللّه من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جُندب بن جنادة البدري، أبو ذر الغفاري: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بهاتين وإلاّ صمّتا ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا يقول: عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول اللّه يوماً من الأيام صلاة الظهر فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد إني سألت في مسجد رسول اللّه فلم يعطني أحد شيئاً وكان علي راكعاً فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ النبيّ صلى الله عليه وسلم من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال: "اللهم إن أخي موسى سألك، فقال: {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * *ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه: 25-31] الآية، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} [القصص: 35] اللهم وأنا محمد نبيّك وصفيّك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أُشدد به ظهري". قال أبو ذر: فواللّه ما استتم رسول اللّه الكلمة حتى أنزل عليه جبرئيل من عند اللّه، فقال: يا محمد إقرأ، فقال: وما أقرأ؟ قال: إقرأ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}، إلى {رَاكِعُونَ} . تفسير : سمعت أبا منصور الجمشادي، سمعت محمد بن عبد اللّه الحافظ، سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، سمعت أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي، سمعت محمد بن منصور الطوسي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الفضائل مثل ما جاء لعلي بن أبي طالب (عليه السلام). أبو عبد اللّه بن فنجويه، عمر بن الخطاب، إبراهيم بن سهلويه، محمد بن رجاء العباداني. حدّثني عمر بن أبي إبراهيم، حدّثني المبارك بن سعيد وعمار بن محمد عن سفيان عن أبيه عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآيتان الخبر. عن محمد بن عبد اللّه، أحمد بن محمد بن إسحاق البستي، حامد بن شعيب، شريح بن يونس، هشيم بن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ} يعني أنصاري من اللّه. قال الراجز: شعر : وكيف أضوي وبلال حزبي تفسير : أي ناصري. {هُمُ ٱلْغَالِبُونَ * يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً } الآية. قال الكلبي: كان منادي رسول اللّه إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا، سجدوا لا سجدوا، على طريق الإستهزاء والضحك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. قال السدي: نزلت في رجل من النصارى كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول اللّه، قال: أحرق اللّه الكاذب، فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطاير منها شرارة في البيت فأحرق البيت وأحرق هو وأهله. وقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان كذبوا رسول اللّه والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد لقد ابتدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية فإن كنت تدّعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياءَ قبلك ولو كان في هذا الأمر خير لكان بادئ ما تركه الناس بعد الأنبياء والرسل قبلك فمن أين لك صياح كصياح البعير فما أقبح من صوت ولا أسمج من كفر، فأنزل اللّه هذه الآية. {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} تفسير : [فصلت: 33]. فأما بعد الأذان. قال أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر، أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، زياد بن أيوب وأبو بكر بن أبي النضير الأسدي، حجاج بن محمد قال: قال ابن جريح عن نافع عن ابن عمر أبو الحسين قال: أبو العباس السراج، محمد بن سهيل بن عسكر، أبو سعيد الحداد، خالد بن عبد اللّه الواسطي، عن عبد الرحمن بن [يحيى] عن الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث عن الحسن بن شقيق، إسماعيل بن عبيد الخزاعي، محمد بن سلمة عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن عبد اللّه بن زيد الأنصاري عن أبيه قال: حديث : كان المسلمون حيث قدموا المدينة يجتمعون فيجيبون الصلاة وليس ينادي بهن فتكلموا في ذلك فاستشار رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المسلمين فيما يجيبهم الصلاة. فقال بعضهم: يقلب راية فوق رأس المسجد عند الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضاً فلم يعجبه ذلك، وقيل: بل نؤجج ناراً، وقال بعضهم: بل قرن مثل قرن اليهود فكرهه من أجل اليهود وقيل: الناقوس فكرهه من أجل النصارى ولكن عليه قاموا وأمر بالناقوس حتى يجيب. قال عبد اللّه بن زيد: فرأيت تلك اللية رجلاً في المنام عليه ثوبان أخضران ويحمل ناقوساً فقلت يا عبد اللّه إتبع الناقوس قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به الناس إلى الصلاة، قال: أفلا أدلّك على ما هو خير منه؟ قلت: بلى، قال: قل: اللّه أكبر، اللّه أكبر إلى آخر الأذان ثم إستأخر غير بعيد، وقال: إذا قامت الصلاة فقل: اللّه أكبر، اللّه أكبر فوصف له الإقامة فرادى، فلما استيقظت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بذلك فقال: إنها رؤيا حق إنشاء اللّه فاتلها على بلال فإنه أندى منك صوتاً، قال: فخرجنا إلى المسجد فجعلت ألقيها على بلال وهو يؤذن فسمع عمر في بيته فخرج يجر رداءه فقال: رأيت مثل الذي رأى ففرح النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ذلك أثبت . تفسير : وروى أبو الزاهرية عن أبي شجرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أوّل من أذّن في السماء فسمعه عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) . تفسير : فأما فصل الأذان، فحدثنا أبو الحسن بن محمد بن القاسم الفارسي، عبد اللّه محمد بن إسحاق بن يحيى، أبو جعفر بن عبد اللّه بن الصياح، أبو عمر الدوري، أبو إبراهيم البرجماني عن سعيد بن سعيد عن نهشل أبي عبد اللّه القرشي عن الضّحاك عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يكترثون للحساب ولا يفزعهم الصيحة ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القرآن يؤديه إلى اللّه بما فيه يقدم على ربّه سيّداً شريفاً، ومؤذن أذن سبع سنين يأخذ على أذانه طمعاً وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ومؤدي حقّ مولاه ". تفسير : أحمد بن محمد بن جعفر، أبو الحسن علي بن محمد القاضي، علي بن عبد العزيز أبي عمرو ابن عثمان حدثهم أبو ثميلة عن أبي حمزة عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أذّن سبع سنين محتسباً كتب له براءة من النار ". تفسير : أبو الحسن الفارسي، أبو العلاء أحمد بن محمد بن كثير، [.....] بن محمد، محمد ابن سلمة الواسطي، حميد بن سلمة الواسطي، حميد الطوسي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أذن سنة من نية صادقة لا يطلب عليه أجر دعي يوم القيامة ووقف على باب الجنة وقيل له: إشفع لمن شئت ". تفسير : أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد التمار، أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن دينار محمد ابن الحجاج بن عيسى، إبراهيم بن رستم، حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن ابن سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أذّن خمس صلوات إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن أمّ أصحابه خمس صلوات إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه ". تفسير : أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، الحسن بن محمد بن جشم أبو الموجة، عبدان، عبدالوارث، ومرّة الحنفي، يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنه قال: "حديث : إذا كان عند الأذان فتحت أبواب السماء فاستجيب الدعاء وإذا كان عند الإقامة لم يردّ دعواه ". تفسير : أبو القاسم طاهر بن المعري، أبو محمد عبد اللّه بن أحمد المقري بالبصرة، عبد اللّه ابن أحمد الجصاص، يزيد بن عمر وأبو البر الغنوي، نائل بن نجيح، محمد بن الفضل عن سالم عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المؤذن المحتسب كالشهيد يتشحّط في دمه حتى يفرغ من أذانه ويشهد له كل رطب ويابس فإذا مات لم يدوّد في قبره ". تفسير : أبو محمد بن عبد اللّه بن حامد الصفياني، محمد بن جعفر الطبري قال: حماد بن الحسن، صالح ابن سليمان صاحب القراطيس، عتاب بن عبد الحميد السدوسي عن مطر عن الحسن عن أبي الوقّاص أنه قال: سهام المؤذنين عند اللّه يوم القيامة كسهام المهاجرين. وقال عبد اللّه بن مسعود: لو كنت مؤذناً لما باليت ألاّ أحج ولا أعتمر ولا أجاهد، قال: وقال عمر بن الخطاب: لو كنت مؤذناً لكمل أمري وما باليت أن لا أنتسب لقيام ليل ولا لصيام نهار. سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهم إغفر للمؤذنين، اللهم إغفر للمؤذنين، اللهم إغفر للمؤذنين". فقلت: يا رسول اللّه لقد تركنا ونحن خيار على الأذان بالسيوف. قال: "كلاّ يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم وتلك لحوم حرمها اللّه على النار لحوم المؤذنين ". تفسير : {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ} الآية. قال ابن عباس: حديث : أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، أبو ياسر بن الخطاب ورافع بن أبي رافع وعازار وزيد بن خالد وأزاريل أبي واشيع فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: "أؤمن باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إلى قوله مسلمون"، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته قالوا: واللّه ما نعلم أهل دين أولى حظاً في الدنيا والآخرة ديناً ولا دنيا شرار دينكمتفسير : . فأنزل اللّه هذه الآية ثم قال: قل يا محمد {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أخبركم {بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} الذين ذكرت يعني قولهم لم نر أهل دين أولى حظاً في الدنيا والآخرة منكم فذكر الجواب بلفظ الإبتداء وإن لم يكن الإبتداء شراً كقوله تعالى للكفّار {أية : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحج: 72] {مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} ثواباً وجزاءاً وهو نصب على التفسير كقوله أكثر منك مالاً وأعز نفراً وأصلها مثووبة على وزن مفعوله وقد جاءت مصادر على وزن المفعول نحو المفعول والميسور فأسقط عين الفعل استثقالا على الواو ونقلت حركتها إلى فاء الفعل وهي الثاء فصار مثوبة مثل معونة ومغوثة ومقولة {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} ويجوز أن يكون محل من خفضاً على البدل ومن قوله بشر أو على معنى لمن يلعنه اللّه ويجوز أن يكون رفعاً على إضمار هو. ويجوز أن يكون نصباً على إيقاع أُنبئكم عليه {وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} فالقردة: أصحاب السبت. والخنازير: كفّار أهل مائدة عيسى. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إن المسخين كلاهما من أصحاب نقبائهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، {وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} فيه عشر قراءات، وعبد الطاغوت بفتح الباء والعين والتاء على الفعل وهي قراءة العامة، وجعل منهم من عبد الطاغوت، وتصديقها قراءة إبن مسعود ومن عبد والطاغوت. وقرأ ابن وثاب وحمزة. عَبُدِ الطاغوت بفتح العين وضم الباء وكسر الدال آباد العبد وهما لغتان عَبدْ وعَبُد مثل سبْع وسبُع وقرْد وقرُد. وأنشد حمزة في ذلك: كيف الصقيل القرد، بضم الراء ووجه آخر وهو إنه أراد الجمع أي خدم الطاغوت. فجمع العبد عباد ثم جمع العباد عبداً جمع الجمع مثل ثمار وثمر منهم استقبل الضمّتين المتواليتين فعرض من الأولى فتحه ولذلك في قراءة الأعمش وعبد الطاغوت بضم العين والتاء وكسر الدال. قال الشاعر: شعر : إنسب العبد إلى آبائه أسود الجلدة من قوم عبد تفسير : وذكر عن أبي جعفر القاري: إنه قرأ وعبد الطاغوت على الفعل المجهول، وقرأ الحسن: وعبد الطاغوت على الواحد. قرأ أبو بردة الأسلمي: وعابد الطاغوت [باختلاف] على الواحد. وقرأ ابن عباس: وعبيد الطاغوت بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثي: وعباد الطاغوت مثل كافر وكفار، وقرأ عون العقيلي وأبان بن ثعلب: وعبد الطاغوت مثل ركع وسجد. وقرأا بن عمير: واعبد الطاغوت مثل كلب وأكلب {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} فلما نزلت هذه الآية تنذّر اليهود وقالوا إخوان القردة والخنازير فسكتوا وأُفحموا، وفيهم يقول الشاعر: شعر : فلعنة اللّه على اليهود إن اليهود إخوة القرود تفسير : {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} الآية، فهؤلاء المنافقون قاله المفسرّون. وقال ابن زيد: هؤلاء الذين قالوا: {أية : آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [آل عمران: 72] الآية. وهذا التأويل أليق بظاهر التنزيل لأن هذه الآيات نزلت في اليهود {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} يعني من اليهود { يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} إلى قوله {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} يعني العلماء وقيل: الربانيون علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود. وقرأ أبو واقد الليثي، وابن الجراح العقيلي: الربيون كقوله {أية : مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}تفسير : [آل عمران: 146]. {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ} وهذه أشد آية على ما أتى النهي عن المنكر حيث أنزلهم منزلة من يرتكبه وجمع بينهم في التوبيخ. الحسن بن أحمد بن محمد، وشعيب بن محمد بن شعيب عن إبراهيم بن عبد اللّه بن محمد بن عدي، [الأحمسي]، البخاري عن عبد الحميد بن جعفر عن أبي إسحاق عن عبد اللّه بن جرير عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل يجاور قوماً فيعمل بالمعاصي بين ظهرانيهم فلا يأخذون على يديه إلاّ وأوشك اللّه أن يعمهم منه بعقاب ". تفسير : أبو عبد اللّه محمد، أحمد بن محمد بن يعقوب، عبد اللّه بن أسامة، أسيل بن زيد الجمال، يحيى بن سلمى بن مهنا عن أبيه عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل الفاسق في القوم مثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان فيها نصيب، فأخذ رجل منهم فأساً فجعل يضرب في موضعه فقال أصحابه: أي شيء تصنع تريد أن تغرق وتغرقنا؟ فقال: هو مكاني فإن أخذوا على يديه نجوا ونجا وإن تركوه غرقوا وغرق ". تفسير : وقال مالك بن دينار: أوصى اللّه إلى الملائكة أن عذّبوا قرية كذا فصاحت الملائكة إلى ربها: يا رب إن فيهم عبدك العابد. فقال: أسمعوني ضجيجه فإن وجهه لم يتغير غضباً لمحارمي وأوحى اللّه إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين ألفاً من شرارهم.فقال: يا ربّ فهؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والهُزُوُ هو السُّخرية والتَّنكيت. وهُزْء أهل الكتاب من أهل الحق لون من الانفعال العكسى. فساعة يرى بعض أهل الباطل واحداً ملتزماً يُصلّي ولا يُحملق في النساء قد يصفونه بصفات غير لائقة؛ لأنهم لا يستقبلون التزامه إلا بلونٍ من السخرية، وحتى لا يفهم أنه خيرٌ منهم، وقد يضلونه فيتبعهم. ولنفرض أن ثلاثة من الشباب جمعت بينهم الصداقة ثم انحرف منهم اثنان والْتزم واحد منهم. وكان لأحد المنحرفين أُخت فيطلب زميله المنحرف يد هذه الأخت، ويأتي له الصاحب الذي لم ينحرف ليطلب الأخت نفسها، هنا نجد الأخ لا يوافق على زواج أخته بالمنحرف، بل يوافق على زواجها من الذي لم ينحرف؛ لأنه لن يخدع نفسه. وعندما يعاتبه المنحرف فهو يرد عليه: وهل أستأمنك على أختي؟ أنا أعرفك حق المعرفة. وهكذا نرى أن القيم هي القيم. وعندما يكون هناك إنسان على حق ويلتقي بأناس على باطل نجدهم لا يتركونه وشأنه، ولأنهم لن يستطيعوا أن يكونوا مثله فلا أقل من أن يهزأوا منه حتى يحتفظوا لأنفسهم بفسادهم. وعندما ننظر إلى العادات الضَّارة التي تنتشر، مثل شمّ الهيروين أو تدخين المخدرات نجد أن الذي وقع في مصيدة هذه المصائب يريد أن يجر غيره إلى مثل هذا المستنقع. ونجد في القرآن ما يقوله لنا خالق الطباع والعليم بها: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين: 29-30]. مثل قول أهل الباطل للمؤمن: احملنا إلى الجنة على جناحك. أو: أتريد أن تكون وليّاً. {أية : وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين: 31]. ويرجع الواحد منهم إلى أهله فيحكي بسرور: لقد قابلنا إنساناً غارقاً في الإيمان وسخرنا منه: {أية : وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} تفسير : [المطففين: 32-33]. بل قد نجد أن أهل الإضلال يتهمون المؤمن بأنه على ضلال، فماذا يكون العقاب يوم الحشر؟ {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 34-36]. وكأن الحق يسأل المؤمنين: ألم آخذ لكم حقكم؟ إذن فالذين يتخذون الدين هُزُواً ولعباً. وادعوا الإيمان نفاقاً. إياكم أن تأمنوا لهم. ولقد حذرنا الحق بداية: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [المائدة: 51]. وهنا أمر بعدم اتخاذ الذين يتخذون الدين مادة للهزء أولياء، وعلى المؤمنين اليقظة والحذر؛ لأن الحق يقول: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن كنتم مؤمنين حقاً فعليكم الأخذ بيقظة الإيمان، عليكم ألا توالوا اليهود والنصارى وكذلك من يتمسح في الإيمان نفاقاً ويريد الانتفاع بمزايا الإسلام ليأخذ حقوقه الظاهرية وقلبه مع غير المؤمنين. وتقوى الله تبدأ من أن ينفذ المؤمن المنهج، ويحاول أن يستبقي للمنهج مناعة اقتداره أمام خصومه بألا يُدخل المؤمنُ في حماية المنهج من لا يؤمن من اليهود والنصارى والكافرين والمنافقين. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا ....}
الأندلسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث قد أظهر الإِسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزلت. ولما نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء نهى هنا عن اتخاذ الكفار أولياء يهوداً كانوا أو نصارى أو غيرهما. وكرر ذكر اليهود والنصارى بقوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}، وإن كانوا مندرجين في عموم الكفار على سبيل النص على بعض أفراد العام لسبقهم في الذكر في الآيات قبل ولأنهم أوغلوا في الاستهزاء وأبعد انقياداً للإِسلام إذ يزعمون أنهم على شريعة إلهية، ولذلك كان المؤمنون من المشركين في غاية الكثرة والمؤمنون من اليهود والنصارى في غاية القلة. وقرىء والكفار بالنصب عطفاً على الذين اتخذوا وبالجر عطفاً على من الذين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في موالاة الكفار ثم نبّه على الوصف الحامل على التقوى وهو الإِيمان أي من كان مؤمناً حقاً يأبى موالاة إعداد الدين. {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ} قال الكلبي: كان إذا نودي بالصلاة قام المسلمون إليها، فتقول اليهود: قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا، على طريق الاستهزاء والضحك فنزلت. وإذا ناديتم، أي نادى بعضكم إلى الصلاة لأن الجميع لا ينادون. وقال بعض العلماء: فيها دليل على مشروعية الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. "انتهى". ولا دليل في ذلك على مشروعيته لأنه قال وإذا ناديتم، ولم يقل ونادوا على سبيل الأمر، وإنما هذه جملة شرطية دلت على سيق المشروعية لا على إنشائها ولما قدم أنهم اتخذوا الدين هزواً ولعباً اندرج في ذلك الجميع ما إنطوى عليه الدين فجرد من ذلك أعظم أركان الدين ونص عليه بخصوصه وهو الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه فنبه على أن من استهزأ بالصلاة ينبغي أن لا يتخذ ولياً وأن يطرد ويتخذ عدواً فهذه الآية جاءت كالتوكيد للآية التي قبلها. {ذٰلِكَ} أي الفعل منهم كائن بسبب انتفاء عقلهم ونفاه عنهم لكونهم لم ينتفعوا به في الدين. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الآية قل أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل استفهام معناه النفي. وتنقمون بكسر القاف ماضية نقم وهي أفصح من نقم ينقم وإلا ان آمنا استثناء مفرغ أي لا يغيبون منا شيئاً إلا الإِيمان بالله وهذه محاورة لطيفة وجيزة تنبه الناقم على أنه ما نقم عليهم إلا ما لا ينقم ولا يعد عيباً ونظيره: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وما أنزل معطوف على بالله وهو القرآن وما أنزل من قبل هي الكتب الإِلهية كالتوراة والإِنجيل وغيرهما. وقرأ نعيم بن ميسرة وإن أكثركم فاسقون بكسر الهمزة وهو واضح المعنى أمره تعالى أن يقول لهم هاتين الجملتين. وقرأ الجمهور وأن بفتح الهمزة وخرج ذلك على وجوه منها الرفع على الابتداء. وقدر الزمخشري الخبر مؤخراً محذوفاً أي وفسق أكثركم معلوم عندكم لأنكم علمتم انا على الحق وانكم على الباطل. "انتهى". ولا ينبغي أن يقدر الخبر إلا مقدماً أي ومعلوم فسق أكثركم لأن الأصح أنّ انّ لا يبتدأ بها متقدمة إلا بعد أما فقط ومنها النصب عطفاً على ان آمنا، إلا أنه على حذف مضاف تقديره واعتقادنا فيكم أن أكثركم فاسقون. وهذا معنى واضح ويكون ذلك داخلاً فيما ينقمون حقيقة، ومنها الجر عطفاً على قوله: بما أنزل إلينا وما أنزل من قبل أي وبأن أكثركم فاسقون. {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} الخطاب بالأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب لأهل الكتاب الذين أمر أن يناديهم ويخاطبهم أو يكون خطاباً للمؤمنين بقوله: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ}. و{ذٰلِكَ} إسم إشارة فعلى تقدير ان الخطاب للكفار يكون ذلك إشارة إلى حال من نقم ويكون من لعنة الله على حذف مضاف أي حال من لعنة الله. وللعرب لغة منقولة وان اسم الإِشارة يكون على كل حال من تأنيث وتثنية وجمع كما يكون للواحد المذكر فيحتمل أن يكون ذلك من هذه اللغة ويحتمل أن يكون ذلك إشارة أيضاً إلى متشخص وأفرد على معنى الجنس كأنه قال: قل هل أنبئكم بشر من جنس الكتابي أو من جنس المؤمن على اختلاف التقديرن اللذين سبقا ويكون أيضاً من لعنة الله تفسير شخص لشخص وانتصب مثوبة على التمييز وجاء على التركيب الأكثر الأفصح من تقديم المفضل عليه على التمييز كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً}تفسير : [النساء: 87]، وتقديم التمييز على المفضل أيضاً فصيح كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [فصلت: 33]، ومن في موضع رفع كأنه قيل: من هو؟ فقيل هو من لعنة الله، أو في موضع جر على البدل من قوله بشر ومن موصولة عاد الضمير عليه على لفظه في قوله: لعنة الله، وفي قوله: عليه، وأعاده على معنى من في قوله: وجعل منهم القردة، ثم عاد على لفظة من في وعبد فأفرد الضمير. قال ابن عباس: هم أصحاب السبت مسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير. وقرأ جمهور السبعة وعبد الطاغوت. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وعبد ـ بضم الباء ـ الطاغوت بكسر التاء. قال الزمخشري: ومعناه الغلو من العبودية كقولهم: رجل حذر فطن للبليغ في الحذر. وقال ابن عطية: عبد لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ مؤد يراد به الجنس ويبني بناء الصفات لأن عبداً في الأصل صفة وإن كان يستعمل استعمال الأسماء وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة ولذلك لم يمتنع أن يبني منه بناء مبالغة. وأنشد هو والزمخشري: شعر : ابني ليُبْنَى انّ أمكم أمة وإن أباكم عبد تفسير : وعد ابن مالك في أبنية أسماء الجمع فعلاً فقال: ومنها فعل كنحو: سمر وعبد، وعلى هذه القراءة يكون وعبُدَ معطوفاً على قوله: القردة والخنازير. وعلى قراءة الجمهور يكون معطوفاً على صلة من. وفي البحر الكبير ان في قوله: وعبد الطاغوت، اثنين وعشرين قراءة وتكلمنا على توجيهها فيه منها قراءة الحسن في رواية عبْدَ الطاغوت بإِسكان الباء ونصب التاء. قال ابن عطية: أراد وعبداً منوناً، فحذف التنوين كما حذف في قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا. "انتهى". ولا وجه لهذا التخريج لأن عبداً لا يمكن أن ينصب الطاغوت بوجه إذ ليس بمصدر ولا إسم فاعل والتخريج الصحيح أن يكون تخفيفاً من عبد بفتح الباء. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصوفين باللعنة وما بعدها. {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} الآية، ضمير الغيبة في جاؤكم لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو خاصة للمنافقين منهم، قاله ابن عباس وغيره. وضمير الخطاب في جاؤكم يقوي أن الخطاب في قوله: هل أنبئكم للمؤمنين. ونقول ان الجملة الاسمية الواقعة حالاً المصدرة بضمير ذي الحال. أكد من الجملة الفعلية من جهة أنه يتكرر فيها المسند إليه فيصير نظير: قام زيد زيد، ولما كانوا حين جاؤا الرسول والمؤمنين قالوا آمنا ملتبسين بالكفر كان ينبغي لهم أن لا يخرجوا بالكفر لأن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم كافية في الإِيمان ألا ترى إلى قول بعضهم حين رآه عليه السلام قال: علمت ان وجهه ليس بوجه كذاب، مع ما يظهر لهم منه في خوارق الآيات وباهر الدلالات فكان المناسب أنهم وإن كانوا دخلوا بالكفر أن لا يخرجوا به بل يخرجون بالرسول مؤمنين ظاهراً وباطناً فأكد وصفهم بالكفر بأن كرر المسند إليه تنبيهاً على تحققهم بالكفر وتماديهم عليه وإن رؤية الرسول لم يجد عندهم ولم يتأثروا لها. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ} الآية عام في كفرهم ونفاقهم وتغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وفي هذا مبالغة في إفشاء ما كانوا يكتمونه من المكر بالمسلمين والعداوة وإن قولهم آمنا خالف ظاهر قولهم باطنهم. {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} الآية يحتمل ترى أن تكون بصرية فيكون يسارعون صفة بعد صفة وأن تكون عملية فيكون مفعولاً ثانياً. والمسارعة الشروع بسرعة. {ٱلإِثْمِ} قيل: الكذب. {وَٱلْعُدْوَانِ} الظلم. وليس حقيقة الإِثم الكذب إذ الإِثم هو الحكم المتعلق بصاحب المعصية أو الإِثم ما يختص بهم والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم. والسحق تقدم الكلام عليه. {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} الآية لولا تحضيض يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى والأمر بالمعروف. وقال العلماء: ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء منها. وأنشدوا من شعر ابن المبارك: شعر : وهل أفسد الدين إلا الملوك وأخبار سوء ورهبانها
الجيلاني
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عليكم أن {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} من غاية بغضهم ونفاقهم {دِينَكُمْ} الذي هو أقدم الأديان وأقسطها {هُزُواً وَلَعِباً} يستهزئون ويسخرون به؛ استخفافاً واستهانةً لأهله {مِّنَ ٱلَّذِينَ} يدعون الدين والإيمان، والإطاعة والانقياد افتراءً ومراءً؛ لأنهم {أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} متلبساً بالحق، لم يمتثلوا به، ولم يعملوا بمقتضاه، ولم يصدقوا الرسل الذين أنزل إليهم الكتاب، بل يكذبونهم، ويقتلونهم؛ ظلماً وعناداً من كفرهم الأصلي، وشركهم الجبلي. {وَ} خصوصاً {ٱلْكُفَّارَ} الذين أشركوا بالله المتوحد بذاته، المنزه عمَّا ينسبونه إليه {أَوْلِيَآءَ} يوالونهم، ويحبونهم، كموالاة بعضكم بعضاً؛ إذ هم أعداء لله ولرسوله وللمؤمنين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن موالاة أعدائه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] موقنين به ومصدقين لرسوله. {وَ} من غاية بغضهم وغيظهم منهم {إِذَا نَادَيْتُمْ} وأذنتم {إِلَى ٱلصَّلاَةِ} المقربة نحو الحق {ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} تلك الملاعبة والاستهزاء، والمجادلة والمراء مع الأمناء العرفاء بالله {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ} جهلاء بمقتضى الربوبية، غفلاء عن مرتبة الألوهية وبالجملة: هم سفهاء في أنفسهم {لاَّ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] ولا يصرفون العقل الجزئي المفاض لهم من الحق بمعرفة المبدأ والمعاد إلى ما خلق لأجله، ومع ذلك ينكرون العقلاء الشاكرين، الصارفين عقولهم وجميع جوارحهم وأعضائهم إلى ما جُبل لأجله من الأعمال المفربة نحو التوحيد الإلهي. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} وتنكرون علينا، وتستهزئون بنا {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} المتوحد، المتفرد بذاته، المتجلي على الآفاق بالاستحقاق {وَ} آمنا أيضاً {مَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} لتبيين توحيده {وَ} كذا آمنا {مَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ} من الكتب على الرسل الماضين لإهداء طريق الحق {وَ} تعلمون أنتم أيضاً يقيناً {أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] خارجون عن الإيمان وجادة التوحيد، ولا تظهرونه؛ عناداً ومكابرةً، ويستهزئون مع أهل الحق تجاهلاً؛ حفظاً لكم ورئاستكم. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تبكيتاً وإلزاماً: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} وأخبركم {بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} الدين الذي أنتم تنقمون منه؛ مكابرةً {مَثُوبَةً} عائدة، وجزاء مرتباً عليه، ثابتاً {عِندَ ٱللَّهِ} قبحه وديدنه {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} طرده عن قبوله {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} بأن أخرجه من رتبة خلافته ونيابته {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} المنعزلة عن إدراك الحق {وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} أي: الأهوية الباطلة، المضلة عن الهداية إلى طريق الحق {أُوْلَـٰئِكَ} المطرودون، المغضوبون، الممسوخون عن مقتضى الإنسانية {شَرٌّ مَّكَاناً} منزلة ومكانة عند الله {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 60] الذي هو الاعتدال الإنساني، المنعكس عن الاعتدال الإلهي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سائر الكفار أولياء يحبونهم ويتولونهم، ويبدون لهم أسرار المؤمنين، ويعاونونهم على بعض أمورهم التي تضر الإسلام والمسلمين، وأن ما معهم من الإيمان يوجب عليهم ترك موالاتهم، ويحثهم على معاداتهم، وكذلك التزامهم لتقوى الله التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما تدعوهم إلى معاداتهم. وكذلك ما كان عليه المشركون والكفار المخالفون للمسلمين، من قدحهم في دين المسلمين، واتخاذهم إياه هزوا ولعبا، واحتقاره واستصغاره، خصوصا الصلاة التي هي أظهر شعائر المسلمين، وأجلُّ عباداتهم، إنهم إذا نادوا إليها اتخذوها هزوا ولعبا، وذلك لعدم عقلهم ولجهلهم العظيم، وإلا فلو كان لهم عقول لخضعوا لها، ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل التي تتصف بها النفوس. فإذا علمتم -أيها المؤمنون- حال الكفار وشدة معاداتهم لكم ولدينكم، فمن لم يعادهم بعد هذا دل على أن الإسلام عنده رخيص، وأنه لا يبالي بمن قدح فيه أو قدح بالكفر والضلال، وأنه ليس عنده من المروءة والإنسانية شيء. فكيف تدعي لنفسك دينا قيما، وأنه الدين الحق وما سواه باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا، وسخر به وبأهله، من أهل الجهل والحمق؟! وهذا فيه من التهييج على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له أدنى مفهوم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):