٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزواً ولعباً ذكر ههنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزواً ولعباً فقال: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله {ٱتَّخَذُوهَا } للصلاة أو المناداة. قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول: أشهد أن محمداً رسول الله يقول: احرق الكاذب، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله. وقيل: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها، فقالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء، فنزلت الآية. وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيراً للناس عنها. وقيل: قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم يسمع فيما مضى، فإن كنت نبياً فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير، فأنزل الله هذه الآية. المسألة الثانية: قالوا: دلت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. المسألة الثالثة: قوله {هُزُواً وَلَعِباً } أمران، وذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون: هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاءً بالمسلمين وسخرية منهم، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك. ولما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزواً ولعباً، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام.
القرطبي
تفسير : فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأُولى ـ قال الكلبيّ: كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا؛ وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان: لقد ٱبتدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأُمم، فمِن أين لك صِياح مثل صِياح العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر. وقيل: إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون؛ تجهيلاً لأهلها، وتنفيراً للناس عنها وعن الداعي إليها. وقيل: إنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازِىء بفعلها، جهلاً منهم بمنزلتها؛ فنزلت هذه الآية، ونزل قوله سبحانه: { أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً } تفسير : [فصّلت: 33] والنداء الدعاء برفع الصوت، وقد يضم مثل الدُّعاء والرُّغاء. وناداه مناداة ونِداء أي صاح به. وتنادوا أي نادى بعضهم بعضاً. وتَنَادوا أي جلسوا في النادي، وناداه جالسَه في النادي. وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية، أمَا أنه ذُكر في الجمعة على الاختصاص. الثانية ـ قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة، وإنما كانوا ينادون «الصلاة جامِعة» فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصُرِفت القِبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وبقي «الصلاة جامِعة» للأمْر يَعْرِض. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان حتى أُرِيَه عبد الله بن زيد، وعمر ابن الخطاب، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء، وأما رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجيّ الأنصاريّ وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فمشهورة؛ حديث : وأن عبد الله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلاً طرقه به، وأن عمر (رضي الله عنه) قال: إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذّن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيما أُرِي الأنصاريّتفسير : ؛ ذكره ٱبن سعد عن ٱبن عمر. وذكر الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله أن الصدّيق رضي الله عنه أرِي الأذان، وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بالأذان قبل أن يخبره الأنصاريّ؛ ذكره في كتاب «المديج» له في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر الصدّيق وحديث أبي بكر عنه. الثالثة ـ وٱختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة؛ فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس؛ وقد نص على ذلك مالك في موطئه. وٱختلف المتأخرون من أصحابه على قولين: أحدهما ـ سنة مؤكدة واجبة على الكِفاية في المِصر وما جرى مجرى مِصر من القرى. وقال بعضهم: هو فرض على الكِفاية. وكذلك ٱختلف أصحاب الشافعيّ، وحكى الطَّبَري عن مالك قال: إن تَركَ أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة؛ قال أبو عمر: ولا أعلم ٱختلافاً في وجوب الأذان جملة على أهل المصر؛ لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سَرِيّة قال لهم: « حديث : إذا سمعتم الأذان فأَمسِكوا وكُفّوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا ـ أو قال ـ فشنوا الغارة » تفسير : . وفي صحيح مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار؛ الحديث وقال عطاء ومجاهد والأُوزاعيّ وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. وقال الطَّبَريّ: الأذان سنة وليس بواجب. وذكر عن أشهب عن مالك؛ إن ترك الأذان مسافر عمداً فعليه إعادة الصلاة. وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة؛ قالوا: وأما ساكن المِصر فيستحب له أن يؤذّن ويقيم؛ فإن ٱستجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه. وقال الثوريّ تجزئه الإقامة عن الأذان في السفر، وإن شئت أذّنت وأقمت. وقال أحمد بن حنبل: يؤذِّن المسافر على حديث مالك بن الحُوَيرِث. وقال داود: الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحُوَيرِث ولصاحبه: « حديث : إذا كنتما في سفر فأَذِّنا وأَقِيما وليؤمكما أكبركما » تفسير : أخرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر. قال ٱبن المنذِر ثبت حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له: «إذا سافرتما فأذنا وأقِيما وليؤمكما أكبركما» تفسير : . قال ٱبن المنذِر فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب. قال أبو عمر: وٱتفق الشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهما والثوريّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطَّبَريّ على أن المسافر إذا ترك الأذان عامداً أو ناسياً أجزأته صلاته؛ وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة. وٱحتج الشافعيّ في أن الأذان غير واجب (وليس) فرضاً من فروض الصلاة بسقوط الأذان للواحد عند الجمع بَعَرَفة والمزدلفة، وتحصيل مذهب مالك في الأذان في السفر كالشافعيّ سواء. الرابعة ـ وٱتفق مالك والشافعيّ وأصحابهما على أن الأذان مثنى والإقامة مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول؛ وذلك محفوظ من روايات الثقات في حديث أبي محذورة، وفي حديث عبد الله بن زيد؛ قال: وهي زيادة يجب قبولها. وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي مَحْذُورة كذلك إلى وقته وعصره. قال أصحابه: وكذلك هو الآن عندهم؛ وما ذهب إليه مالك موجود أيضاً في أحاديث صحاح في أذان أبي مَحْذُورة، وفي أذان عبد الله ابن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القُرَظِيّ إلى زمانهم. وٱتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان؛ وذلك رجوع المؤذّن إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمداً رسول الله مرتين» رَجَّع فمدّ من صوته جهده. ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا قوله: «قد قامت الصلاة» فإن مالكاً يقولها مرة، والشافعي مرتين؛ وأكثر العلماء على ما قال الشافعي، وبه جاءت الآثار. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ والحسن بن حيّ: الأذان والإقامة جميعاً مثنى مثنى، والتكبير عندهم في أول الأذان وأوّل الإقامة «الله أكبر» أربع مرات، ولا ترجيع عندهم في الأذان؛ وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديث : أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران على جِذْمِ حائط فأذّن مَثْنى وأقام مَثْنَى وقعد بينهما قعدة، فسمع بِلال بذلك فقام وأذن مَثْنَى وقعد قعدة وأقام مَثْنَىتفسير : ؛ رواه الأعمش وغيره عن عمرو بن مرة عن ٱبن أبي ليلى، وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق. قال أبو إسحاق السَّبِيعيّ: كان أصحاب عليّ وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة؛ فهذا أذان الكوفيين، متوارث عندهم به العمل قرناً بعد قرن أيضاً، كما يتوارث الحجازيون؛ فأذانهم تربِيع التكبير مثل المكيين. ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة، وأشهد أن محمداً رسول الله مرة واحدة، ثم حيّ على الصلاة مرة، ثم حيّ على الفلاح مرة، ثم يرجع المؤذن فيمدّ صوته ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله ـ الأذان كله ـ مرتين مرتين إلى آخره. قال أبو عمر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهْوَيْه وداود بن عليّ ومحمد بن جرِير الطَّبَريّ إلى إجازة القول بكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: كل ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك، وعَمِل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر مرتين في أول الأذان، ومن شاء قال ذلك أربعاً، ومن شاء رجّع في أذانه، ومن شاء لم يرجّع، ومن شاء ثَنَّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلاَّ قوله؛ «قد قامت الصلاة» فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال. الخامسة ـ وٱختلفوا في التَّثْويب لصلاة الصبح ـ وهو قول المؤذّن: الصلاة خير من النوم ـ فقال مالك والثوريّ والليث: يقول المؤذن في صلاة الصبح ـ بعد قوله: حيّ على الفلاح مرتين ـ الصلاة خير من النوم مرتين؛ وهو قول الشافعيّ بالعراق، وقال بمصر: لا يقول ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء، وقد روى عنهم أن ذلك في نفس الأذان؛ وعليه الناس في صلاة الفجر. قال أبو عمر: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي مَحْذُورة: أنه أمره أن يقول في أذان الصبح « حديث : الصلاة خير من النوم » تفسير : . وروى عنه أيضاً ذلك من حديث عبد الله بن زيد. وروي عن أنس أنه قال: من السنة أن يقال في الفجر « حديث : الصلاة خير من النوم » تفسير : . وروى عن ٱبن عمر أنه كان يقوله؛ وأما قول مالك في «الموطأ» أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يُؤْذِنه بصلاة الصبح فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم؛ فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا روي عن عمر من جهة يُحتج بها وتُعلم صحتها؛ وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له «إسماعيل» فٱعرفه؛ ذكر ٱبن أبي شيبة حدّثنا عَبْدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له «إسماعيل» قال: جاء المؤذّن يُؤْذِن عمر بصلاة الصبح فقال « حديث : الصلاة خير من النوم » تفسير : فأُعجِب به عمر وقال للمؤذّن: «أقرّها في أذانك». قال أبو عمر: والمعنى فيه عندي أنه قال له: نداء الصبح موضع القول بها لا هٰهنا، كأنه كرِه أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأُمراء بعد. قال أبو عمر: وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه؛ لأن التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء، والعامة من أن يظنّ بعمر رضي الله عنه أنه جَهِل شيئاً سَنّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به مؤذّنيه، بالمدينة بِلالا؛ وبمكة أبا مَحْذُورة؛ فهو محفوظ معروف في تأذين بلال، وأذان أبي مَحْذورة في صلاة الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ مشهور عند العلماء. روى وَكِيع عن سفيان عن عِمران بن مسلم عن سُوَيد بن غَفَلَة أنه أرسل إلى مؤذّنه إذا بلغت «حيّ على الفلاح» فقل: الصلاة خير من النوم؛ فإنه أذان بلال؛ ومعلوم أن بِلالاً لم يؤذّن قط لعمر، ولا سمِعه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها. السادسة ـ وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذّن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر، فإنه يؤذّن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور؛ وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن بلالاً يؤذّن بليل فكُلُوا وٱشربوا حتى ينادي ٱبن أُمِّ مَكتوم » تفسير : . وقال أبو حنيفة والثوريّ ومحمد بن الحسن: لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحُويرث وصاحبه: « حديث : إذا حضرت الصلاة فأذّنا ثم أَقيما وليؤمكما أكبركما » تفسير : وقياساً على سائر الصلوات. وقالت طائفة من أهل الحديث؛ إذا كان للمسجد مؤذّنان أذّن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر. السابعة ـ وٱختلفوا في المؤذّن يؤذّن ويقيم غيره؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه لا بأس بذلك؛ لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقِيه على بلال؛ فأذّن بلال، ثم أمر عبد الله بن زيد فأقام. وقال الثوريّ والليث والشافعي: من أذّن فهو يقيم؛ لحديث عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم عن زياد بن نُعَيم حديث : عن زياد بن الحرث الصُّدَائيّ قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أول الصبح أمرني فأذّنت، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صُدَاءَ أذّن ومن أذّن فهو يُقِيم» تفسير : . قال أبو عمر: عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقيّ، وأكثرهم يضعِّفونه، وليس يروى هذا الحديث غيره؛ والأول أحسن إسناداً إن شاء الله تعالى. وإن صح حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه؛ فالقول به أولى لأنه نصّ في موضع الخلاف، وهو متأخر عن قصة عبد الله بن زيد مع بلال، والآخر؛ فالآخر من أمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع، ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذِّن واحداً راتباً أن يتولى الإقامة؛ فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع، والحمد لله. الثامنة ـ وحكم المؤذّن أن يَتَرسّل في أذانه، ولا يُطَرِّب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال، بل وقد أخرجه كثير من الطَّغَام والعوامّ عن حدّ الإطراب؛ فيرجّعون فيه التّرجيعات، ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول، ولا بما به يصول. روى الدَّارَقُطْنيّ من حديث ابن جُرَيج عن عطاء عن ٱبن عباس قال: حديث : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذّن يُطَرِّب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحا وإلا فلا تؤذّن» تفسير : . ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة من العلماء، ويلوي رأسه يميناً وشمالاً في «حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح» عند كثير من أهل العلم. قال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يُسمِع الناس؛ وبه قال إسحاق، والأفضل أن يكون متطهراً. التاسعة ـ ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز؛ لحديث أبي سعيد؛ وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله قال أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال حيّ على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حيّ على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة » تفسير : . وفيه عن سعد بن أبي وقّاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبدهُ ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه ».تفسير : العاشرة ـ وأما فضل الأذان والمؤذّن فقد جاءت فيه أيضاً آثار صحاح؛ منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضُرَاط حتى لا يَسمع التَّأذين » تفسير : الحديث. وحسبك أنه شِعار الإسلام، وعَلمٌ على الإيمان كما تقدّم. وأما المؤذّن فروى مسلم عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : المؤذّنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة » تفسير : . وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم. والله أعلم. والعرب تُكْنى بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم؛ كما قال قائلهم: شعر : طوال أنْضِيَةِ الأعْناق واللِّمَمِ تفسير : وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : لا يَسمع مَدَى صوت المؤذّن جِنٌّ ولا إنس ولا شيء إلا شهِد له يوم القيامة » تفسير : . وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من أذن مُحتسباً سبع سنين كُتبت له براءة من النار » تفسير : وفيه عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من أذّن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم سِتون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة » تفسير : . قال أبو حاتم: هذا الإسناد منكر والحديث صحيح. وعن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخر ما عَهِد إليّ النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ألاَّ أَتَّخِذ مؤذّناً يأخذ على أذانه أجراً » تفسير : حديث ثابت. الحادية عشرة ـ وٱختلفوا في أخذ الأُجرة على الأذان؛ فكره ذلك القاسم بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي، ورخص فيه مالك، وقال: لا بأس به. وقال الأوزاعيّ: ذلك مكروه، ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال. وقال الشافعي: لا يرزق المؤذّن إلا من خُمْس الخُمْس سهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن المنذِر: لا يجوز أخذ الأُجرة على الأذان. وقد ٱستدل علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة، وفيه نظر؛ أخرجه النسائيّ وٱبن ماجه وغيرهما قال: حديث : خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذّن مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذّن ونحن عنه مُتَنكّبون فصرخنا نحكيه نهزأ به؛ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوماً فأقعدونا بين يديه فقال:«أيكم الذي سمعت صوته قد ٱرتفع» فأشار إليّ القوم كلهم وصدقوا؛ فأرسل كلهم وحبسني وقال لي: «قم فأذن» فقمت ولا شيء أكره إليّ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال: «قل ٱلله أكبر ٱلله أكبر ٱلله أكبر ٱلله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله» ثم قال لي: «ٱرفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول ٱلله أشهد أن محمداً رسول الله حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح ٱلله أكبر ٱلله أكبر لا إله إلا ٱلله» ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرَّة فيها شيء من فضّة، ثم وضع يده على ناصية أبي مَحْذُورة ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرّة أبي مَحْذُورة؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك وبارك عليك» فقلت: يا رسول الله مُرني بالتّأذين بمكة، قال: «قد أمرتك». فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقدمت على عَتّاب بن أَسِيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذّنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : ؛ لفظ ابن ماجه. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح. رُوي أن رجلاً من النّصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمداً رسول الله» قال: حُرِق الكاذب؛ فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه؛ فكانت عِبرة للخلق «والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالمنطِق» وقد كانوا يُمهَلون مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يَستفتحوا، فلا يُؤخّروا بعد ذلك؛ ذكره ابن العربيّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} الذين {إِذَا نَٰدَيْتُمْ } دعوتم {إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ } بالأذان {ٱتَّخَذُوهَا } أي الصلاة {هُزُواً وَلَعِباً } بأن يستهزئوا بها ويتضاحكوا {ذٰلِكَ } الاتخاذ {بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ }.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {وإذا ناديتم} الآية إنحاء على اليهود وتبيين لسوء فعلهم فإنهم كانوا إذا سمعوا قيام المؤمنين إلى الصلاة قال بعضهم لبعض، قد قاموا لا قاموا، إلى غير هذا من الألفاظ التي يستخفون بها في وقت الأذان وغيره، وكل ما ذكر من ذلك فهو مثال، وقد ذكر السدي أنه كان رجل من النصارى بالمدينة فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله، قال حرق الله الكاذب، فما زال كذلك حتى سقط مصباح في بيته ليلة فأحرقه واحترق النصراني لعنه الله، ثم ذكر تعالى أن فعلهم هذا إنما هو لعدم عقولهم، وإنما عدموها إذ لم تتصرف كما ينبغي بها، فكأنها لم توجد. ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب {هل تنقمون منا} ومعناه هل تعدون علينا ذنباً أو نقيصة، يقال "نقَم" بفتح القاف ينقِم بكسرها، وعلى هذه اللغة قراءة الجمهور، ويقال "نقِم" بكسر القاف ينقَم بفتحها وعلى هذه اللغة قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو البرهسم والنخعي، وهذه الآية من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: {أية : وما نقموا منهم، إلا أن يؤمنوا بالله} تفسير : [البروج: 8] ونظير هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وقرأ الجمهور "أَنزل" بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك "أَنزل" بفتح الهمزة والزاي فيهما، وقوله تعالى: {وأن أكثركم فاسقون} هو عند أكثر المُتأولين معطوف على قوله: {أن آمنا} فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه، وهذا لا يتجه معناه، وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال في ذلك بفسقهم نقموا علينا الإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ، وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة هل تنقمون منا إلا عموم هذه الحال من إنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون {وأن أكثركم فاسقون} مما قرره المخاطب لهم، وهذا كما تقول لمن تخاصمه هل تنقم مني إلا أن صدقت أنا وكذبت أنت، وهو لا يقر بأنه كاذب ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تنقم إلا مجموع هذه الحال، وقال بعض المتأولين قوله: {وأن أكثركم} معطوف على {ما} ، كأنه قال {إلا أن آمنا بالله} وبكتبه وبأن أكثركم. قال القاضي أبو محمد: وهذا مستقيم المعنى، لأن إيمان المؤمنين بأن أهل الكتاب المستمرين على الكفر بمحمد فسقة هو مما ينقمونه، وذكر الله تعالى الأكثر منهم من حيث فيهم من آمن واهتدى. وقوله تعالى: {قل هل أنبئكم} قرأ الجمهور بفتح النون وشد الباء، وقرأ ابن وثاب والنخعي "انْبئكم" بسكون النون وتخفيف الباء من أنبأ وقرأ أكثر الناس: "مثُوْبة" بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ ابن بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران "مثْوَبة" بسكون الثاء وفتح الواو، وقال أبو الفتح هذا مما خرج عن أصله شاذاً عن نظائره، ومثله قول العرب: الفاكهة مقْوَدة إلى الأذى، بسكون القاف وفتح الواو، والقياس مثابة ومقادة، وأما مثُوبة بضم الثاء فأصلها مثوبة وزنها مفعلة بضم العين نقلت حركة الواو إلى الثاء وكانت قبل مثوبة مثل مقولة، والمعنى في القراءتين مرجعاً عند الله أي في الحشر يوم القيامة، تقول العرب: ثاب يثوب إذا رجع، منه قوله تعالى: {أية : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} تفسير : [البقرة:125] ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم {هل أنبئكم} هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤاً ولعباً، قال ذلك الطبري وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئاً، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين، أي قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشرٍّ من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله، أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله وغضب عليهم، فتكون الإشارة بذلك إلى حالهم من كون أكثرهم فاسقين، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل وتكون الإشارة بذلك إلى حال الحاضرين من كون أكثرهم فاسقين ويكون قوله {شر وأضل} صفتي تفضيل بين شيئين لهما اشتراك في الشر والضلال، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بذلك إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم ويوجه التفضيل بـ {شر وأضل} على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار، ويكون على هذا الاحتمال قوله: {من لعنه الله} الآية يراد به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف إذا كان الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه، فهو في حكمه، وفي قراءة أبي كعب وعبد الله بن مسعود "من غضب الله عليهم وجعلهم قردة وخنازير"، واللعنة الإبعاد عن الخير، وقوله تعالى: {وجعل} هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق. قال القاضي أبو محمد: وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله: {وعبد الطاغوت} تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحداً عابد الطاغوت، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في سورة البقرة، وأما مسخهم خنازير، فروي أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك بهم في مدينة من مدنهم وكفر معه أهل مملكته، فدعت المرأة قوماً إلى نصرة الدين فأجابوها فخرجت بهم فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها، فيئست وباتت مهمومة، فلما أصبح رأت أهل تلك المدينة ينفقون في نواحيها خنازير فقالت: الآن أعلم أن الله أعز دينه وآثر دينه، قال عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة، وقوله تعالى: {وعبد الطاغوت} تقديره ومن عبد الطاغوت، وذلك عطف على قوله: {من لعنه الله} أو معمول لـ {جعل} وفي هذا يقول أبو علي: إن {جعل} بمعنى خلق، واختلفت القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده "وعَبُد الطاغوت" بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن "عبد" لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ مفرد يراد به الجنس وبني بناء الصفات، لأن "عبداً" في الأصل صفة وإن كان استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء الصفات، وقرأ بهذه القراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، ومنه قول الشاعر: [أوس بن حجر]. شعر : أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكم عبد تفسير : ذكره الطبري وغيره بضم الباء وقرأ الباقون "وعَبَد الطاغوت" بفتح العين والباء على الفعل الماضي وإعماله في الطاغوت وقد تقدم ذكره، وقرأ أبي بن كعب "عبدوا الطاغوت"، على إسناد الفعل الماضي إلى ضمير جمع، وقرأ ابن مسعود فيما روى عبد الغفار عن علقمة عنه "وعَبُد الطاغوتُ " بفتح العين وضم الباء ورفع التاء من الطاغوت، وذلك على أن يصير له أن "عبد" كالخلق والأمر المعتاد المعروف، فهي في معنى فقه وشرف وظرف، وقرأ ابن عباس وإبراهيم بن أبي عبلة "وعَبَد الطاغوتِ" بفتح العين والباء وكسر التاء من الطاغوت، وذلك على أن المراد عبدة الطاغوت وحذفت الهاء تخفيفاً ومثله قول الزاجر: شعر : قام ولاها فسقوها صرخدا تفسير : أراد ولاتها فحذف تخفيفاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن في رواية عباد عنه "وعَبْد الطاغوتِ" بفتح العين وسكون الباء وكسر التاء من الطاغوت وهذا على أنه اسم جنس مفرد يراد به جميع، وروي عن الحسن من غير طريق عباد أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من الطاغوت، وهذه تتجه على وجهين أحدهما أنه أراد و "عبداً الطاغوت" فحذف التنوين كما حذف في قول الشاعر: شعر : ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : والوجه الآخر أن يريد "عبد" الذي هو فعل ماض وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في قول الشاعر: شعر : وما كل مغبون ولو سلْف صفقة تفسير : فإن اللام من سلف مسكنة ونحو هذا قول أبي السمال "ولعْنوا بما قالوا" بسكون العين، فهذه قراءات العين فيها مفتوحة، وقرأ أبو واقد الأعرابي في رواية العباس بن الفضل عنه "وعُبَّادَ الطاغوتِ" بضم العين وشد الباء المفتوحة وألف بعدها وفتح الدال وكسر التاء من الطاغوت وذلك جمع عابد، وقرأ عون العقيلي فيما روى عنه العباس بن الفضل أيضاً "وعابدُ الطاغوت" على وزن فاعل, والدال مرفوعة، قال أبو عمرو تقديره وهم عابد الطاغوت. قال القاضي أبو محمد: فهو اسم جنس، وروى عكرمة عن ابن عباس "وعابدو الطاغوت" بضمير جمع، وقد قال بعض الرواة في هذه الأخيرة إنها تجويز لا قراءة، وقرأ ابن بريدة "وعابِدِ الطاغوتِ" بفتح العين والدال وكسر الباء والتاء، وقرأ بعض البصريين و "عباد الطاغوت" بكسر العين وفتح الباء والدال وألف بينهما وكسر التاء، قال أبو الفتح فيحتمل أن يكون ذلك جمع عابد كقائم وقيام وصائم وصيام، وقد يجوز أن يكون جمع عبد، وقل ما يأتي عباد مضافاً إلى غير الله، وأنشد سيبويه: شعر : أتوعدني بقومك يا ابن حجل أشابات يخالون العبادا تفسير : قال أبو الفتح يريد عباد آدم عليه السلام، ولو أراد عباد الله فليس ذلك شيء يسب به أحد، وجميع الخلق عباد الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا التعليق بآدم صلى الله عليه وسلم شاذ بعيد والاعتراض فيه باق، وليس هذا مما يتخيل أن الشاعر قصده، وإنما أراد العبيد فساقته القافية إلى العباد، إذ يقال ذلك لمن تملك ملكة ما وقد ذكر أن عرب الحيرة من العراق إنما سمّوا العباد لأنهم دخلوا في طاعة كسرى فدانتهم مملكة، وذكر الطبري عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرأ "وعَابِدَ الشيطان" بفتح العين والدال وكسر الباء وألف قبلها وذكر الشيطان بدل الطاغوت فهذه قراءات فيها ألف، وقرأ ابن عباس فيما روى عنه عكرمة وقرأها مجاهد ويحيى ابن وثاب "وعُبُدَ الطاغوتِ" بضم العين والباء وفتح الدال وكسر التاء، وذلك جمع عبد كرهن ورهن وسقف وسقف، وقال أحمد بن يحيى ثعلب هو جمع عابد كشارف وشرف، ومنه قول القينة: شعر : ألا يا حمز للشرف النواء وهن معلقات بالفناء تفسير : وقال أبو الحسن الأخفش: هو جمع عبيد وأنشد: شعر : أنسب العبد إلى آبائه أسود الجلدة من قوم عبد تفسير : وقرأ الأعمش وغيره "وعُبَّدَ الطاغوتِ" بضم العين وشد الباء المفتوحة وفتح الدال وكسر التاء وذلك على جمع عابد كضارب وضرب. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو جعفر بن القعقاع والأعمش في رواية هارون "وعُبِدَ الطاغوتُ" بضم العين وكسر الباء وفتح الدال وضم التاء كما تقول ضرب زيد، وضعّف الطبري هذه القراءة وهي متجهة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ "وعبدت الطاغوت" كما تقول ضربت المرأة، وروى علقمة عن عبد الله بن مسعود "وعُبَدَ الطاغوتِ" بضم العين وفتح الباء والدال وكسر التاء، وهذا أيضاً بناء مبالغة اسم مفرد يراد به هنا الجمع بني كحطم ولبد، وروى عكرمة عن ابن عباس: "وعُبَّدَ الطاغوت" على وزن فعل بضم الفاء وشد العين المفتوحة وفتح اللام ونصب التاء وهذه تتخرج على أنه أراد وعبداً منوناً ثم حذف التنوين كما قال، ولا ذاكر الله، وقد تقدم نظيره و {الطاغوت} كل ما عبد من دون الله من وثن أو آدمي يرضى ذلك أو شيطان، وقد استوعبت تفسيره في سورة البقرة، و "مكان" يحتمل أن يريد في الآخرة، فالمكان على وجهه أي المحل إذ محلهم جهنم، وأن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة والحالة، و {سواء السبيل} وسطه ومنه قول العرب قمت حتى انقطع سوائي، ومنه قوله تعالى: {أية : في سواء الجحيم} تفسير : [الصافات:55] وخط الاستقامة في السبل إنما هو متمكن غاية التمكن في الأوساط فلذلك خص السواء بالذكر، ومن لفظ السواء قيل خط الاستواء.
ابن عادل
تفسير : [الضَّمير في "اتَّخَذُوها" يجُوزُ] أن يعودُ على الصَّلاة وهو الظَّاهِر، ويجُوز أن يَعُود على المَصْدَرِ المفهُوم من الفِعْل، أي: اتَّخَذُوا المُنَاداة، ذكره الزَّمَخْشَرِي، وفيه بُعْدٌ؛ إذ لا حاجة مع التَّصْريح بما يَصْلُح أن يَعُود عليه الضَّمِير، بخلافِ قوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8]. فصل قال الكلبي: كان مُنَادِي رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، إذا نَادَى إلى الصَّلاة وقام المُسْلِمُون إليها، قالت اليَهُود: قاموا لا قَامُوا، وصلُّوا لا صلُّوا على طريق الاسْتهْزَاء وضَحِكوا، فأنْزَل اللَّه هذه الآية الشَّرِيفة، وقال السُّدِّي: نزلت في رَجُلٍ من النَّصَارى بالمدِينة، كان إذا سَمِعَ المُؤذِّن يقول: أشْهَدُ أن محمَّداً رسُول الله - قال: حُرق الكَاذِبُ، فدخل [خادمه] ذاتَ لَيْلَة بنارٍ وهو وأهْله نِيَام فتطايَرَتْ منها شَرارة، فاحْتَرَق البَيْتُ وأهْلُه. وقال آخَرُون: إن الكُفَّار لما سَمِعُوا الأذَان حَسَدُوا المُسْلِمين، فَدَخلُوا على رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وقالُوا: يا محمَّد: لقد ابتدَعْتَ شَيْئاً لم يُسْمَع به فيما مَضَى من الأمَمِ، فإن كنت تَدَّعي النُّبُوة فقد خَالَفْت فيما أحْدَثَت الأنبياء قَبْلَك، ولو كان فيه خَيْراً لكان أولى النَّاس به الأنبياء، فمن أين لك صياحٌ كصياحِ العير، فما أقبح من صوت، وما أسْمَج من أمْر، فأنْزَل الله هذه الآية، ونزل: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [فصلت: 33] قالوا: دلَّت هذه الآيةُ على ثُبُوت الأذَان بِنَصِّ الكِتَاب لا بالْمَنام وحْدَه. قال القُرْطُبِي: قال العُلَمُاء - رضي الله عنهم - ولم يكن الأذَانُ بمكَّة قَبْل الهِجْرة، وإنما كانوا يُنَادُون "الصَّلاة جَامِعَة"، فلما هَاجَر النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وصُرفت القِبْلَة إلى الكَعْبَة أمِرَ بالأذَان، وبقي "الصَّلاة جَامِعَة" للأمر، وكانَ النبي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - قَدْ أهمَّه أمر الأذانِ حتى أُرِيَهُ عبد الله بن زَيْد، وعُمر بن الخطاب وأبُو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنهم - وقد كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - سمع الأذَان ليلة الإسْرَاء إلى السَّمَاء، وأما رُؤيا عبد اللَّه بن زَيْد وعمر - رضي الله عنهما - فمشهورة، وأمر النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - بلالاً فأذَّن بالصَّلاة أذانَ اليَوْم، وزَادَ بلالٌ في الصُّبْح "الصَّلاة خَيْرٌ من النَّوْمِ"، فأقرَّها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وليست فيما رَآه الأنْصَاري، ذكره ابن سعْد عن بن عمر - رضي الله عنهما -، ثمَّ ذكر الدَّارَقُطْنِيُّ؛ أن الصِّدِّيق - رضي الله عنه - أري الأذان، وأنَّه أخبر النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - أمر بِلالاً بالأذَانِ قَبْل أن يُخْبِرَه عَبد الله بن زَيْد، ذكره الدَّارقُطْنِي في كتاب "المدبج" لَهُ في حَدِيث النَّبِي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - عن أبِي بَكْر الصِّدِّيق - رضي الله عنه. قوله تعالى: "ذَلِكَ بأنَّهُم" مُبْتَدأ وخبر، أي: ذَلِك الاسْتِهْزَاء مُسْتِقِرٌّ؛ بسبب عدم عَقْلِهِم.
السيوطي
تفسير : أخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} أمر الله. قال: "كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعاً وسجداً استهزأوا بهم وضحكوا منهم". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً} قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله. قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو قائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فاحرقت البيت واحترق هو وأهله. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن شهاب الزهري قال: قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال {وإذا ناديتم إلى الصلاة}. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال "حديث : ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها به؟ فائتمروا بالناقوس، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام أن لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سبقك بذلك الوحي، حين أخبره بذلك عمر ".
القشيري
تفسير : الأَذانُ دعاءٌ إلى محلِّ النجوى، فَمَنْ تحقَّقَ بعلوِّ المحلِّ فسماعُ الأذانِ يوجب له روْحَ القلب واسترواح الروح، ومن كان محجوباً عن حقيقة الحال لاحَظَ ذلك بعين اللعب وأدركه بسمع الاستهزاء، وذلك حكمُ الله: غايَرَ بين عباده على ما يشاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} مناداة الحق لايسمعها الا اهل الحق من سمع نداء الازل واجاب بالتلبية بنعت المحبة بسمع نداءه بالواسطة بشرط اصغاء الخاص فى السماع الى قلوب الغيب ومن لم تكن روحه مستروحا بمروحة الصفاء لم يكن سره منور بانوار البقاء ولم يكن قلبه مشتاقا الى جمال مشاهدة الله بنعت الحرق والهيجان ولم يكن من اهل السماع ولم يجب داعى الغيب قال الاستاد فى هذه الأية الاذان دعا الى محل النجوى فمن تحقق بعلوا المحل فسماع الاذان يوجب له روح القلب واسترواح الروح ومن كان محجوبا عن حقيقة الحال لاحظ ذلك بعين اللعب وادراكه بسمع الاستهزاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا ناديتم الى الصلوة اتخذوها} اى الصلاة والمناداة {هزوا ولعبا} كان المؤذنون اذا اذنوا للصلاة تضاحكت اليهود فيما بينهم وتغامزوا سفها واستهزاء بالصلاة وتجهيلا لاهلها وتنفيرا للناس عنها وعن الداعى اليها {ذلك} اى الاستهزاء المذكور المستقر {بأنهم قوم لا يعقلون} اى بسبب عدم عقلهم فان السفه يؤدى الى الجهل بمحاسن الحق والهزء به ولو كان لهم عقل فى الجملة لما اجترأوا على تلك العظيمة: وفى المثنوى شعر : كشتى بى لنكر آمد مردشر كه زباد كز نيابد اوحذر لنكر عقلست عافل را امان لنكرى دريوزه كن ازعاقلان تفسير : قال العلماء ثبوت الاذان ليس بالمنام وحده بل هو ثابت بنص هذه الآية فان المعنى اذا دعوتم الناس الى الصلاة بالاذان والنداء الدعاء بارفع الصوت. وفى الاذان حكم منها اظهار شعائر الاسلام وكلمة التوحيد والاعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها والدعاء الى الجماعة الى غير ذلك ولو وجد مؤذن حسن الصوت يطلب على اذانه الاجر والرزق وآخر يتبرع بالاذان لكن غير حسن الصوت فايهما يؤخذ ففيه وجهان اصحهما انه يرزق حسن الصوت فان لحسن الصوت تأثيرا كما ان لقبحه تغييرا وتنفيرا: وفى المثنوى شعر : يك مؤذن داشت بس اوآزبد درميان كافرستان بانك زد جند كفتندش مكو بانك نمار كه شود جنك وعداوتها دراز اوستيزه كرد وبس بى احتراز كفت در كافر ستان بانك نماز خلق خائف شد زفتنه عامه خود بيامد كافرى باجامه شمع وحلوا باجنان جامه لطيف هديه آورد وبيامد جون أليف برس برسان كين مؤذن كوكجاست كه صلا وبانك او راحت فزاست دخترى دارم لطيف وبس سنى آرزو مى بود اورا مؤمنى هيج اين سودانمى رفت ازسرش بندها مىداد جندين كافرش هيج جاره مى ندانستم دران تافر وخواند اين مؤذن آن اذان كفت دخترجيست اين مكروه بانك كه بكوشم آمداين دوجار دانك من همه عمراين جنين آواز زشت هيج نشنيدم درين ديرو كنشت خواهرش كفتا كه اين بانك اذان هست اعلام درشعار مؤمنان باورش نامد بيرسيد ازدكر آن ديكرهم كفت آرى اىبدر جون يقين كشتش رخ اوزردشد از مسلمانى دل او سرد شد بازرستم من زتشويش وعذاب دوش خوش خفتم دران بى خوف خواب راحتم اين بود از آواز او هديه آوردم بشكر آن مردكو جون بديدش كفت اين هديه بذير كه مرا كشتى مجيرو دستكيز كربمال ملك وثروت فردمى من دهانت را براززر كردمى تفسير : ورد فى التأذين فضائل وفى الحديث "حديث : اول الناس دخولا الجنة الانبياء ثم الشهداء ثم بلال " .تفسير : مع مؤذنى الكعبة ثم مؤذنوا بيت المقدس ثم مؤذنوا مسجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم سائر المؤذنين على قدر أعمالهم وفى الحديث "حديث : ثلاثة لا يكترثون من الحساب ولا تفزعهم الصيحة ولا يحزنهم الفزع الاكبر حامل القرآن العامل بما فيه يقدم على الله سيدا شريفا ومؤذن اذن سبع سنين لا يأخذ على اذانه طعما وعبد مملوك احسن عبادة ربه وادى حق مولاه " .تفسير : واذا اجتمع الاذان والامامة فى شخص فالامامة افضل لمواظبة النبى عليه السلام عليها وانما أم ولم يؤذن لانه عليه السلام لو اذن لكان كل من تخلف عن الاجابة كافرا ولانه لو كان داعيا لم يجز ان يشهد لنفسه ولانه لو اذن وقال اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله لتوهم ان ثمة نبيا غيره ولأن الاذان رآه غيره فى المنام فولاه الى غيره وايضا انه عليه السلام كان اذا عمل عملا اثبته اى جعله ديمة وكان لا يتفرغ لذلك لاشتغاله بتبليغ الرسالة وهذا كما قال سيدنا عمر رضى الله عنه لولا الخليفى لاذنت. وكره اللحن فى الاذان لما روى ان رجلا جاء الى ابن عمر رضى الله عنهما فقال انى احبك فقال انى ابغضك فى الله فقال لم فقال لانه بلغنى انك تغنى فى اذانك يعنى تلحن وذلك مثل ان يقول آلله بمد الالف الاولى لانه استفهام وشك وان يقول اكبار بمد الباء لانه اسم الشيطان وغير ذلك الى آخر كلمات الاذان. واجابة المؤذن واجبة على كل من سمعه وان كان جنبا او حائضا اذ لم يكن فى الخلاء او فى الجماع. وذكر تاج الشريعة ان اجابة المؤذن سنة. وقال النووى مستحبة فيقول بمثل ما يقول المؤذن وضعف تقبيل ظفرى ابهاميه مع مسبحتيه والمسح على عينيه عند قوله محمد رسول الله لانه لم يثبت فى الحديث المرفوع لكن المحدثين اتفقوا على ان الحديث الضعيف يجوز العمل به فى الترغيب والترهيب فقط ويقول عند حى على الصلاة "لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم" وعند حى على الفلاح "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" وعند قوله الصلاة خير من النوم "صدقت وبالخير نطقت" وفى قوله قد قامت الصلاة "اقامها الله وادامها" وحين ينتهى الى قوله قد قامت الصلاة يجيب بالفعل دون القول ـ وروى ـ "حديث : عن ميمونة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بين صف الرجال والنساء فقال "يا معشر النساء اذا سمعتن اذان هذا الحبشى واقامته فقلن كما يقول فان لكن بكل حرف الف درجة" قال عمر رضى الله عنه هذا فى النساء فما للرجال قال "ضعفان يا عمر" " .تفسير : قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى حبذا الكلام ونعم النداء الاذان فعند قوله الله أكبر الله اكبر "لو انكشف وتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه" وعند قوله اشهد ان لا اله الا الله "لو انكشف وحدانيته" وعند اشهد ان محمدا رسول الله "لو انكشف حقانيته" وعند الحيعلتين "لو ظهر الطلب من الطالب الى المطلوب" وعند الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله "لو تجلى الذات لتم المقصود وحصل المراد" انتهى. ومن فضائل الاذان انه لو اذن خلف المسافر فانه يكون فى امان الى ان يرجع. وان اذن فى اذن الصبى واقيم فى اذنه الاخرى اذا ولد فانه امان من ام الصبيان واذا وقع هذا المرض ايضا وكذا اذا وقع حريق او هجم سيل او برد او خاف من شىء كما فى الاسرار المحمدية. والاذان اشارة الى الدعوة الى الله حقيقة والداعى هو الوارث المحمدى يدعو اهل الغفلة والحجاب الى مقام القرب ومحل الخطاب فمن كان اصم عن استماع الحق استهزأ بالداعى ودعوته لكمال جهالته وضلالته ومن كان ممن القى السمع وهو شهيد يقبل الى دعوة الله العزيز الحميد وينجذب الى حضرة العزة ويدرك لذات شهود الجمال ويغتنم مغانم اسرار الوصال شعر : جوانا سرمتات ازبند بيران كه رأى بيرت ازبخت جوان به
الطوسي
تفسير : النداء والدعاء بمد الصوت على طريقة يا فلان وأصله ندى الصوت وهو بعد مذهبه وضجة جرمه. ومنه قولهم: أناديك ولا أناجيك أي أعالنك النداء، ولا أسر لك النجوى، وأصل الباب الندو، وهو الاجتماع يقال ندى القوم يندون ندواً اذا اجتمعوا في النادي، ومنه دار الندوة وندى الماء، لانه يجتمع قليلا قليلا وندى الصوت لانه عن جرم ندي. أخبر الله تعالى عن صفة الكفار الذين نهى الله المؤمنين عن اتخاذهم أولياء بانهم اذا نادى المؤمنون الى الصلاة ودعوا اليها اتخذوها هزواً ولعباً وفي معنى ذلك قولان: قال قوم: إِنهم كانوا اذا أذن المؤمنون للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والجنون تجهيلا لاهلها، وتنفيراً للناس عنها، وعن الداعي اليها. الثاني - أنهم كانوا يرون المنادي اليها بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها جهلا منهم بمنزلها وقال أبو ذهيل الجمحي: شعر : وابرزتها من بطن مكة بعدما أصات المنادي بالصلاة فأعتما تفسير : وقوله تعالى: {بأنهم قوم لا يعقلون} قيل في معناه قولان: أحدهما - انهم لا يعقلون ما لهم في اجابتهم لو أجابوا اليها من الثواب، وما عليهم في استهزائهم بها من العقاب. الثاني - انهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح ويردعه عن الفواحش وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذن ينادي أشهد أن لا اله إِلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: حرق الكاذب فدخلت خادمة له ليلة بنار وهو نائم وأهله فسقطت شرارة فأحرق البيت واحترق هو وأهله.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا نَادَيتُمْ إِلىَ الصَّلاةِ اتَّخّذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا}: ضمير النصب عائد الى الصلاة، أو الى المناداة المعلومة من قوله: {نَادَيتُمْ} كان نصرانى بالمدينة اذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أحرق الله الكاذب، فدخلت خادمة بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت منها شرارة فى البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله وهم نيام. وقال الكلبى: كان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا نادى الى الصلاة، وقام المسلمون اليها قال اليهود على أثر ندائه وقيام المسلمين اليها: قد قاموا لا قاموا، وصلوا لا صلوا، وضحكوا استهزاء فنزلت الآية. وقيل: ان المنافقين والكفار اذا سمعوا الأذان حسدوا المسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد لقد بدعت شيئاً لم يسمع بمثله فيما مضى من الأمم قبلك، وان كنت تدعى النبوة فقد خالفت الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين له صياح كصياح العير، فما أقبح هذا الصوت، وما أسمج هذا الأمر، فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا نَادَيتُمْ إِلىَ الصَّلاةِ اتَّخّذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} الآية {أية : ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله }تفسير : الآية، والآية دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالرؤيا وحدها، وذلك أنه قال: {وَإِذَا نَادَيتُمْ إِلىَ الصَّلاةِ} فقرر النداء الى الصلاة، وعاب من يتخذه أو يتخذها هزواً ولعباً وذمهم، ووسيلة الصلاة مثلها وهى الأذان والذم، فأذم من يعيبها ذم لم يعيبه، والرؤى سابقة وهى وحى من الله عز وجل. {ذّلِكَ}: الاتخاذ للدين هزواً ولعباً. {بِأَنَّهُم قَوْمٌ لا يَعقِلُونَ}: بسبب عدم استعمالهم عقولهم، فكانوا كمن لا عقل له يمنعه عن السفه، كاتخاذ دين الله والأذان والصلاة هزواً ولعباً، ويجوز أن تكون الاشارة الى ما ذكر من اتخاذ دين الله هزواً ولعبا، ومن اتخاذ الأذان أو الصلاة هزواً ولعباً، وجواب اذا معطوف على جملة {أية : اتخذوا دينكم هزواً ولعباً}تفسير : واذا ظرف لجوابها مقدم عليه، لكن جوابها مستتر به المعنى ماض البعض، أى لا يتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً واتخذوا الأذان والصلاة هزواً ولعباً ناديتم اليها. وأريد أن أعلمك أن تعتبر جواب اذا معطوفاً على ما قبلها نحو: أكرمك ان جئت واذا لم تجىء أرسلت اليك الكرامة، وجوابها مستقبل كأنك قلت: أكرمك ان جئت وأرسل اليكم ان لم تجىء ومنه قوله تعالى: {أية : فما لهم لا يؤمنون 0 واذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون }تفسير : أى فما لهم لا يؤمنون ولا يسجدون اذا قرىء عليهم القرآن، واذا هو قيد لئلا يسجدون.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا نَادَيْتُمْ} أَهل الصلاة بكلمات الأَذان وسمى الأَذان نداءً لقول المؤذن حى على الصلاة حى على الفلاح {إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا} بنفسها وبالنداء إِليها، ويضعف رد الضمير إِلى المناداة المعلومة من ناديتم لعدم الحاجة إِلى ذلك والآية تقرير لما ثبت بالسنة من الأَذان وبحديث عبد الله بن زيد الأَنصارى في رؤيا الأَذان، وكذا قوله: {أية : إِذا نودى للصلاة من يوم الجمعة} تفسير : [الجمعة: 9]، وفيه تلويح بأَن النداءَ يكون أَيضا في سائر الأَيام فالأَذان ثبت بالقرآن بعد أَن ثبت بالسنة {هُزُواً وَلَعِبا} الجملة معطوفة على قوله اتخذوا دينكم هزوا ولعبا فصل بينهما بأَولياء وبقوله: {أية : واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} تفسير : [المائدة: 57]. كان المشركون في مكة واليهود فى المدينة إِذا سمعوا الأَذان قالوا له مواجهة: بدعت مالم يكن للأُمم قبلك: وخالفت الأَنبياءَ وَأنت تدعى النبوة، لو كان حقا لكان للأَنبياءِ. من أَين لك صياح كصياح العير فما أَقبح هذا الصوت وهذا الأَمر. ونسب ذلك للمنافقين مع اليهود مواجهة وهو بعيد وإنما يقوله المنافقون في خلوة عنه صلّى الله عليه وسلم، وكذلك إِذا أَذن المؤذن وقاموا إِلى الصلاة قالت اليهود قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا ويضحكون استهزاءً إِذا رأُوهم ركعا وسجدا، ونزل في ذلك كله: {أية : ومن أَحسن قولا ممن دعا إِلى الله} تفسير : [فصلت: 33]، وهذا في مكة ونزل بالمدينة وإِذا ناديتم إِلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا {ذَلِكَ} الاتخاذ هزؤا ولعبا {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ} لا يستعملون عقولهم فلم تمنعهم عن السفه وكان نصرانى بالمدينة إِذا سمع قول المؤذن أّشهد أَن محمدا رسول الله قال أَحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ليلا بنار وأَهله نيام فتطاير شررها فأَحرقه وأَهله، سأَل نفر من اليهود كأَبى اليسر بن أَخطب وغازى بن عمرو وزيد بن خالد ورافع بن أَبى رافع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يؤمن به من الرسل فقال صلى اله عليه وسلم، حديث : أُمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إِلى إبراهيم وإسماعيل وإِسحاق ويعقوب والأَسباط وما أُوتى موسى وعيسى وما أُوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أَحد منهم ونحن له مسلمونتفسير : ، فلما سمعوا ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا والله لا نعلم أَهل دين أَقل حظا منكم في الدنيا والآخرة ولا دينا شرا من دينكم ولا نؤمن بمن آمنت به، يعنون عيسى أَو الكل غضبا كما قالوا: ما أَنزل الله على بشر من شيءٍ. وإن أَرادوا العموم فنزل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ} أَى اليهود وذكرهم باسم الكتاب تشنيعا عليهم بمخالفة ما فى الكتاب وإِرشادا إِلى أَن اللائق أَن يكونوا أول تابع، وكذا في غير هذه الآية، وكذا النصارى وقيل الخطاب لأَهل الكتاب مطلقا {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} من أَوصافنا {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} القرآن {ومَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ} من التوراة والإِنجيل وغيرهما، وأَن مصدرية دخلت على الماضى وضمن تنقم معنى تعيب أَو تنكر أَو تكره فعداه إِلى المصدر أَى ما تنقمون منا إِلا إِيماننا بالله إِلخ، أَو هو باق على ظاهره، ويقدر الجار قبل أَن. أَى ما تنقمون منا بكلام السوءِ والتكذيب إِلا بسبب إِيماننا، والأَصل أَن يقال نقمت عليه بكذا وكان هنا بمن لذلك التضمن، أَو هى بمعنى على وجعل الله عز وجل إِنكارهم لبعض الأَنبياء والكتب إِنكارا لله لأَن من كفر بكتاب أَو نبى فقد كفر بالله سبحانه، أَو المراد هل تنقمون منا إلا جمع ذلك بالإِيمان وتحبون أَن نؤمن بغير عيسى والإِنجيل فقط {وَأَنَّ أَكْثَرُكُمْ فَاسِقُونَ} عطف على أَن آمنا باعتبار لازم الفسق وهو المخالفة أَى ما تنقمون منا إِلا إِيماننا بذلك وإِلا مخالفتكم إِذ دخلنا في الإِيمان وخرجتم عنه، هذا هو المعنى، وأَما اللفظ فهكذا إِلا إِيماننا وفسق أَكثركم ويجوز العطف بدون اعتبار اللازم لكن على حذف مضاف أَى إِلا إِيماننا واعتقاد أَن أكثركم فاسقون، أَى واعتقاد فسق أَكثركم أَى واعتقادنا فسق أَكثركم، أَو يعطف على بالله أَى إِلا إِيماننا بالله وبأَن أَكثركم فاسقون، ومن لم يؤمن بأَن فعل الفاسق فسق لا يقبل إِيمانه بالله وكتبه، ولا داعى إِلى تكلف عطفه على علة محذوفة متعلقة بتنقم هكذا لقلة إِنصافكم وفسق أَكثركم، ولا إِلى تكلف نصبه بمحذوف أَى ولا تنقمون إِن أَكثركم فاسقون، أَو تكلف جعله مبتدأ خبره محذوف أَى وفسق أَكثركم معلوم أَو فسق أَكثركم معلوم عندكم ولكن حب الرياسة والمال منعكم عن الإِنصاف، ولا إِلى دعوى زيادة الواو وإِن ما بعدها تعليل ولا إِلى دعوى أَن الواو عاطفة بمعنى مع وأما أَن نجعلها واو المعية التي ينصب مدخولها فلا وجه له لأَنه لا بد فيها من المصاحبة في معمولية الفعل، نعم لم يشترط الأَخفش إِلا المقارنة في الوجود كما في سرت والنيل، وجئت وطلوع الشمس، ولما قالوا دينكم شر دين أَجابهم الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ} أي دعا بعضكم بعضاً {إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا} أي الصلاة، أو المناداة إليها {هُزُواً وَلَعِباً}. أخرج البيهقي في «الدلائل» من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعاً وسجداً استهزأوا بهم وضحكوا منهم، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي ـ أشهد أن محمداً رسول الله ـ قال: (حرق) الكاذب، فدخلت خادمه ذات ليلة بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت وأحرق هو وأهله، والكلام مسوق لبيان استهزائهم بحكم خاص من أحكام الدين بعد بيان استهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم {ذٰلِكَ} أي الاتخاذ المذكور {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} فإن السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والهزء به، ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترأوا على تلك العظيمة. قيل: وفي الآية دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده، واعترض بأن قوله سبحانه: {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ} لا يدل على الأذان اللهم إلا أن يقال: حيث ورد بعد ثبوته كان إشارة إليه فيكون تقريراً له، قال في «الكشف» أقول فيه: إن اتخاذ المناداة هزؤاً منكر من المناكير لأنها من معروفات الشرع، فمن هذه الحيثية دل على أن المناداة التي كانوا عليها حق مشروع منه تعالى، وهو المراد بثبوته بالنص بعد أن ثبت ابتداءاً بالسنة ومنام عبد الله بن زيد الأنصاري الحديث بطوله، ولا ينافيه أن ذلك كان أول ما قدموا المدينة، والمائدة من آخر القرآن نزولاً، وقوله: لا بالمنام وحده ليس فيه ما يدل على أن السنة غير مستقلة في الدلالة لأن الأدلة الشرعية معرفات وأمارات لا مؤثرات وموجبات؛ وترادف المعرفات لا ينكر انتهى، ولأبـي حيان في هذا المقام كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه لما فيه من المكابرة الظاهرة، وسمي الأذان مناداة لقول المؤذن فيه: حي على الصلاة حي على الفلاح.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةِ} (58) - وَهَؤُلاَءِ الأعْدَاءُ يَسْخَرُونَ مِنَ الأذَانِ، وَمِنَ الصَّلاَةِ، وَمِنَ العِبَادَةِ؛ وَيَتَّخِذُونَها هُزْواً وَلَعباً وَسُخْرِيَةً، لأنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ مَعْنَى العِبَادَةِ، وَلاَ مَعْنَى شَرْعِ اللهِ، وَالصَّلاَةُ أكرمُ شيءٍ وَأفْضَلُهُ لِمَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والنداء هو دعوة بجهر. ومقابل النداء المناجاة. وتثبت هذه الآية أن الأذان مشروع بالقرآن، وفي ذلك رد على الذين يقولون: إن الأذان قد شرع بالسنة. أو أن القرآن بهذه الآية قد أقر تشريع الأذان. {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} ذلك أنهم كانوا يقولون عن الأذان: لقد صاحوا صياح الحمير. ووصفهم الحق بقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} والعقل - كما نعلم - هو الأداة التي تؤدي مهمة الاختيار ما بين البدائل؛ أي أن يختار الصالح من الأمور فيدرس مزايا كل أمر ومضاره ويختار الأمر الرابح. إن الهوى هو الذي يدفع العقل إلى أن يختار أمراً مخالفاً. فيجنح بالعقل إلى الضلال. وآفة الرأي الهوى. ولا يميل الإنسان عن جادة الصواب إلا إذا أراد أن يخدم هواه. ولذلك لا بد أن يكبح المؤمن جماح هواه بعقله، والعقل مأخوذ من عقال البعير، فصاحب الجمل يقيد ساقه بقطعة من الحبل حتى لا يجمح. ويحتاج الإنسان إلى العقل ليكبح جماح الهوى، ولينقذ الإنسان من الضلال لا أن يبرر الهوى. والذين يريدون العقل تحرراً من الفكر نقول لهم: أنتم لا تفهمون معنى كلمة العقل. فقد جاءت كلمة العقل لتمنع الهوى لا ليجترئ الإنسان بهواه على رأيه وسلوكه المستقيم، والعقل هو الذي يمنع الفكر من أن يكون مبرراً للهوى. فلو كانوا يعقلون لقلنا لهم: إن الأعمال التي تنادون بها عمر نفعها مظنون وقد تنفعكم في دنياكم، وعمر الدنيا لا يستطيع أحد أن يحدده بالنسبة لنفسه، فدنيا الفرد قد لا تزيد على مائة سنة. ودنيا الإنسان هو عمره فيها. وقد ستر الله سبب الموت وكيفيته عن الخلق حتى يعرف الإنسان أن عمره مظنون وقد ينتهي قبل أن تطرف عينه. ولو كانوا يعقلون لما باعوا آخرتهم بدنياهم. ولو عقلوا لأداروا مسألة البدائل في رءوسهم ولعلموا أنهم بموقفهم هذا من قضية الإيمان والإسلام إنما يقفون موقفاً خاسراً ليس في مصلحتهم. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ}؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعباً لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمناً بالله وبأنوار هدايته إيماناً حقيقياً عيانياً {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ} [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بِشَرِّ حاله. وروى خصاله بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقاً لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولاً عن صراط سوى الطريقة، محجوباً عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكاناً منهم كما قال تعالى: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} [المائدة: 61]، بالنفاق {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ} [المائدة: 61]، لا بالإيمان {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} [المائدة: 62]، من هذه الطائفة {يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ} [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها {وَٱلْعُدْوَانِ} [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ} [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف {وَٱلأَحْبَارُ} [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ} [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة "حديث : وإنما الدين النصيحة" تفسير : ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):