٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذين تنقمون من هذا الدين، وما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزواً ولعباً وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن {هَلْ تَنقِمُونَ } بفتح القاف، والفصيح كسرها. يقال: نقمت الشيء ونقمته بكسر القاف وفتحها إذا أنكرته، وللمفسرين عبارات: هل تنقمون منا: هل تعيبون هل تنكرون، هل تكرهون. قال بعضهم: سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل. وقال آخرون: الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة، لأنها تتبعها النقمة التي هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولاً للمكروه، ثم سمي العذاب نقمة لكونه مكروهاً، وعلى القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب، ثم سمي المنكر والمكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب. المسألة الثانية: معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب: لم اتخذتم هذا الدين هزواً ولعباً، ثم قال على سبيل التعجب: هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله والإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمد/صلى الله عليه وسلم يعني أن هذا ليس مما ينقم، أما الإيمان بالله فهو رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء الرسالة والنبوّة هو المعجز، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب الإقرار بكونه رسولاً، فأما الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك كلام متناقض، ومذهب باطل، فثبت أن الذي نحن عليه هو الدين الحق والطريق المستقيم، فلم تنقموه علينا!قال ابن عباس: إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ونحن له مسلمون، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها. وأما قوله {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } فالقراءة العامة {أن} بفتح الألف، وقرأ نعيم بن ميسرة {إن} بالكسر، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر اليهود فاسقين؟ والجواب من وجوه: الأول: قوله {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } تخصيص لهم بالفسق، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم، فكان المعنى: وما تنقمون منا إلا أن آمنا. وما فسقنا مثلكم، الثاني: لما ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك مما ينقم ذكر في مقابله فسقهم، وهو مما ينقم، ومثل هذا حسن في الازدواج. يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وأني غني وأنت فقير، فيحسن ذلك لإتمام المعنى على سبيل المقابلة. والثالث: أن يكون الواو بمعنى (مع) أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أن أكثركم فاسقون، فإن أحد الخصمين إذا كان موصوفاً بالصفات الذميمة واكتسب الثاني شيئاً كثيراً من الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسباً للصفات الذميمة أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم. والرابع: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون. الخامس: أن يكون التقدير: وما تنقمون منا إلا بأن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون، يعني بسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا. السادس: يجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم، ولأجل أن أكثركم فاسقون. السؤال الثاني: اليهود كلهم فساق وكفار، فلم خص الأكثر بوصف الفسق؟ والجواب من وجهين: الأول: يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون، ويفعلون ما يفعلون طلباً للرياسة والجاه وأخذ الرشوة والتقرب إلى الملوك، فأنتم في دينكم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه، وقد يكون فاسق دينه، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خصّ أكثرهم بهذا الحكم، والثاني: ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} قال ابن عباس رضي الله عنه: جاء نَفَر من اليهود ـ فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافِع بن أبي رافع ـ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام؛ فقال: حديث : نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوّته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا دِيناً شراً من دينكم؛ فنزلت هذه الآية وما بعدها، وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان؛ فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالنبوة، والمتناقض دِين من فرق بين أنبياء الله لا دِين من يؤمن بالكل. ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها. و «تَنْقِمُونَ» معناه تسخطون، وقيل: تكرهون وقيل: تنكرون، والمعنى متقارب؛ يقال: نَقَم من كذا يَنْقِم ونَقِم يَنْقَم، والأول أكثر؛ قال عبد الله بن قيس الرُّقَيَّاتِ: شعر : ما نَقَمُوا من بني أُمَيَّة إلاَّ أنهم يَحلُمون إن غَضِبُوا تفسير : وفي التنزيل { أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ } تفسير : [البروج: 8] ويقال: نَقِمتُ على الرجل بالكسر فأنا ناقِم إذا عتبتَ عليه؛ يقال: ما نَقِمْتُ عَلَيْه الإحسان. قال الكسائي: نَقِمت بالكسر لغة، ونَقَمتُ الأمر أيضاً ونَقِمته إذا كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه النّقمة، والجمع نَقِمات ونَقِم مثل كلمة وكَلِمات وكَلِمِ، وإن شئت سكّنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت: نِقْمة والجمع نِقَم؛ مثل نِعْمة ونِعم، {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} في موضع نصب بـ «تنقِمون» و «تَنْقِمُونَ» بمعنى تعِيبون، أي هل تنقِمون مِنا إلا إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق. {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أي في ترككم الإيمان، وخروجكم عن ٱمتثال أمر الله؛ فقيل هو مثل قول القائل: هل تنقم منّى إلا أنّي عفيفٌ وأنّك فاجر. وقيل: أي لأن أكثركم فاسقون تنقِمون منا ذلك. قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} أي بشرٍّ من نقمكم علينا. وقيل: بشرّ ما تريدون لنا من المكروه؛ وهذا جواب قولهم: ما نعرف ديناً شرّاً من دينكم. {مَثُوبَةً} نصب على البيان؛ وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك؛ ومثله مَقُولة ومَجُوزة ومَضُوفة على معنى المصدر؛ كما قال الشاعر: شعر : وكنتُ إذا جارِي دَعَا لِمَضُوفةٍ أشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي تفسير : وقيل: مَفْعُلة كقولك مَكْرُمة وَمَعْقُلة. {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} «مَنْ» في موضع رفع؛ كما قال: { أية : بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } تفسير : [الحج: 72] والتقدير: هو لعن من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من شر والتقدير: هل أنبئكم بمن لعنه الله؛ والمراد اليهود. وقد تقدم القول في الطاغوت، أي وجعل منهم من عَبَد الطاغوتَ، والموصول محذوف عند الفراء. وقال البصريون: لا يجوز حذف الموصول؛ والمعنى من لعنه الله وعَبَد الطاغوتَ. وقرأ ٱبن وثّاب والنَّخَعيّ «أُنْبِئُكُمْ» بالتخفيف. وقرأ حمزة: «عَبُدَ الطَّاغُوت» بضم الباء وكسر التاء؛ جعله إسماً على فَعُل كعَضُد فهو بناء للمبالغة والكثرة؛ كيَقُظ ونَدُس وحَذُر، وأصله الصفة؛ ومنه قول النابغة. شعر : مِن وَحْشِ وَجْرة مَوْشِيّ أَكَارِعُه طَاوِي المَصِيرِ كَسيف الصَّيْقَل الفَرُد تفسير : بضم الراء. ونصبه بـ «جعل»؛ أي جعل منهم عَبُداً للطاغوتِ، وأضاف عَبُد إلى الطاغوت فخفضه. وجَعَل بمعنى خلق، والمعنى: وجَعَل منهم من يبالغ في عِبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء؛ وجعلوه فعلاً ماضياً، وعَطفوه على فعل ماض وهو غَضِب ولَعَن؛ والمعنى عندهم من لَعَنه الله ومن عَبَد الطاغوتَ، أو منصوباً بـ «جعل»؛ أي جَعَل منهم القِردة والخنازير وَعَبد الطاغوتَ. ووحد الضمير في عَبَد حملاً على لفظ «مَنْ» دون معناها. وقرأ أُبيّ وٱبن مسعود «وَعَبَدُوا الطاغوتَ» على المعنى. ٱبن عباس: «وعُبُدَ الطَّاغُوتِ»، فيجوز أن يكون جمع عَبْد كما يقال: رَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف، ويجوز أن يكون جمع عِباد كما يقال: مِثَال ومُثُل، ويجوز أن يكون جمع عَبِيد كرغيف ورُغُفٍ ويجوز أن يكون جمع عابد كبازِل وبُزُل؛ والمعنى: وخدم الطّاغوتِ. وعن ٱبن عباس أيضاً «وعُبَّدَ الطَّاغوتَ» جعله جمع عابد كما يقال: شَاهِد وشُهَّد وغَايب وغُيَّب. وعن أَبي واقد: وعُبَّاد الطاغوتِ للمبالغة، جمع عابد أيضاً؛ كعامل وعُمّال، وضارب وضُرّاب. وذكر محبوب أن البصريين قرءوا: «وعِبَادَ الطاغوتِ» جمع عابد أيضاً، كقائم وقيَام، ويجوز أن يكون جمع عَبْد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي «وعُبِدَ الطّاغُوتُ» على المفعول، والتقدير: وعُبِدَ الطاغوتُ فيهم. وقرأ عون العُقَيْليّ وٱبن بُرَيدة: «وعَابِدُ الطَّاغُوتِ» على التوحيد، وهو يؤدّي عن جماعة. وقرأ ٱبن مسعود أيضاً «وعُبَدَ الطَّاغُوتِ» وعنه أيضاً وأُبيّ «وعُبِدَتِ الطَّاغُوتُ» على تأنيث الجماعة؛ كما قال تعالى: { أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ } تفسير : [الحجرات: 14]. وقرأ عبيد بن عمير: «وَأَعْبُدَ الطَّاغُوتِ» مثل كلب وأكلب. فهذه ٱثنا عشر وجهاً. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} لأن مكانهم النار؛ وأما المؤمنون فلا شَرّ في مكانهم. وقال الزجاج: أُولئك شر مكاناً على قولكم. النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه: أُولئك الذين لعنهم الله شر مكاناً في الآخرة من مكانكم في الدنيا لِما لحقكم من الشرّ. وقيل: أُولئك الذين لعنهم الله شر مكاناً من الذين نقموا عليكم. وقيل: أُولئك الذين نقموا عليكم شر مكاناً من الذين لعنهم الله. ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إخوة القِردة والخنازير فنكّسوا رؤوسَهم ٱفتضاحاً، وفيهم يقول الشاعر: شعر : فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من أهل الكتاب: {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ} أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعاً، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 8]، وكقوله: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [التوبة: 74] وفي الحديث المتفق عليه: «حديث : ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله»تفسير : ، وقوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ} معطوف على {أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ} أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم. ثم قال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} أي: أبعده من رحمته {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} أي: غضباً لا يرضى بعده أبداً {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف، وقد قال سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال: «حديث : إن الله لم يهلك قوماً، أو لم يمسخ قوماً، فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك» تفسير : وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر، كلاهما عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: «حديث : لا، إن الله لم يلعن قوماً قط فيمسخهم، فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود، فمسخهم، جعلهم مثلهم»تفسير : ، ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به، وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير» تفسير : هذا حديث غريب جداً. وقوله تعالى: {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} قرىء: (وعَبَدَ الطاغوتَ) على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي: وجعل منهم من عَبَدَ الطاغوت، وقرىء: (وعَبَدَ الطَاغوتِ) بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده، وقرىء: (وعُبُدَ الطاغوتِ) على أنه جمع الجمع عبد، وعبيد، وعبد، مثل ثمار وثُمُرْ، حكاها ابن جرير عن الأعمش، وحكى عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها (وعابد الطاغوت)، وعن أبي وابن مسعود: (وعبدوا)، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارىء أنه كان يقرؤها: (وعُبِدَ الطاغوتُ) على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عبد الطاغوت فيكم، وأنتم الذين فعلتموه، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله، وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا، وأنتم قد وجد منكم جميع ماذكر؟ ولهذا قال: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} أي: مما تظنون بنا {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله عز وجل: { أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24]. وقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال: {وَقَدْ دَّخَلُواْ} أي: عندك يا محمد {بِٱلْكُفْرِ} أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا، وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، ولهذا قال: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} فخصهم به دون غيرهم، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي: والله عالم بسرائرهم، وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب و الشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم، والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل، {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي: لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم. وقوله تعالى: { لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون: هم العلماء العمال، أرباب الولايات عليهم، والأحبار: هم العلماء فقط {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} يعني: من تركهم ذلك، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم ينهوا، ولهؤلاء حين علموا، قال: وذلك الأمر كان، قال: ويعملون ويصنعون واحد، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية { لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} قال: كذا قرأ، وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهىٰ، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو سعيد الهمداني قال: لقيته بالري، فحدث عن يحيى بن يعمر قال: خطب علي بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي، أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً، ولا يقرب أجلاً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب» تفسير : تفرد به أحمد من هذاالوجه، ورواه أبو داود عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» تفسير : وقد رواه ابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به، قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: بمن تؤمن من الرسل؟ فقال: {بالله وما أنزل إلينا} الآية فلما ذكر عيسى قالوا: لا نعلم دينا شرًّا من دينكم {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ } تنكرون {مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ } إلى الأنبياء {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ } عطف على (أن آمنا) المعنى ما تنكرون إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبوله المعبر عنه بالفسق اللازم عنه وليس هذا مما ينكر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {هل تنقمون} وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام {وعبد الطاعون} بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة. الباقون بنصب الطاغوت على أن. {عبد} فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. {مبصوطتان} بالصاد مثل {أية : وزاده بصطة} تفسير : [البقرة:247] وقد مر في البقرة {رسالته} أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون {رسالاته}. الوقوف: {من قبل} لا لعطف {وأن أكثركم} على {أن آمنا}. {فاسقون} ه {عند الله} ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو {من لعنه الله} ط ومن جعل محله جراً على البدل من {شر} لم يقف. {الطاغوت} ط {السبيل} ط {خرجوا به} ط {يكتمون} ه {السحت} ط {يعملون} ه {السحت} ط {يصنعون} ه {مغلولة} ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: {غلت} وهو جزاء قولهم {يد الله مغلولة}. {بما قالوا} م لئلا يوهم أن قوله: {بل يداه مبسوطتان} مفعول {قالوا}. {مبسوطتان} ط لأن قوله: {ينفق} من مقصود الكلام فلا يستأنف. {كيف يشاء} ط {وكفراً} ط {يوم القيامة} ط {أطفأها الله} لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر {فساداً} ط {المفسدين} ه {النعيم} ه {أرجلهم} ط {مقتصدة} ط {يعملون} ه {من ربك} ط {رسالته} ط {من الناس} ط {الكافرين} ه {من ربكم} ط {وكفراً} ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب. {الكافرين} ه {يحزنون} ه. التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين. نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته. وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل. والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟ وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض. ثم عطف عليه: {وأن أكثركم فاسقون} والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم. وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر. ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم. ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا. ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف. وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك. والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك. قال ابن عباس: حديث : أتى نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: أؤمن بالله {وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل} [البقرة:136] إلى قوله {ونحن له مسلمون} [البقرة:136] فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك} تفسير : يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و {مثوبة} نصب على التمييز من {شر} وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة. واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [آل عمران:21] وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك. قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام. ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم. أما قوله: {وعبد الطاغوت} فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة. قال الشاعر: شعر : أبني لبيني إن أمكم أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ إلاّ يداً ليست لها عضد تفسير : وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع. وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة. وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل. والطاغوت ههنا قيل: هو العجل. وقيل: هو الأحبار. والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده. احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله تعالى. وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} تفسير : [الزخرف:19] أو أنه خذلهم حتى عبدوها {أولئك} المعلونون الممسوخون {شر مكاناً} من المؤمنين. قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه. وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان. {وأضل عن سواء السبيل} قصده ووسطه. كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط. وقوله: {بالكفر} وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: {وقد دخلوا} {وهم قد خرجوا} ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً. وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار الله أسرارهم. والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: {دخلوا} و {خرجوا} أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم. ونفى أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم. وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي. {والله أعلم بما يكتمون} فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ. الإثم الكذب كقوله بعد: {عن قولهم الإثم} والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم. وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله. وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك. ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات. ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت. وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب. وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة. وإنما قال ههنا: {لبئس ما كانوا يصنعون} وفي الأول {يعملون} لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ. وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال. وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن. وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة. والجواب أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك. وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب. وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه تعالى موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد. وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ. وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء:29] وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال. وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: شعر : قد أصبحت بيد الشمال زمامها تفسير : /فجازاهم الله تعالى بقوله: {غلت أيديهم} وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: {أية : لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} تفسير : [الفتح:29] وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: {أية : فزادهم الله مرضاً} تفسير : [البقرة:10] وعلى أبي لهب في قوله: {أية : تبت يدا أبي لهب} تفسير : [المسد:1] ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً. قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز. وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: {غلت أيديهم} كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره. {ولعنوا بما قالوا} قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار. ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله. ثم إنه سبحانه ردّ على اليهود بقوله: {بل يداه مبسوطتان} واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة. يقال: لفلان عندي يد أشكرها له. وعلى القوة مثل: {أية : أولي الأيدي والأبصار}تفسير : [ص:45] فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا. والمعنى سلب كمال القدرة. وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال تعالى: {أية : بيده عقدة النكاح} تفسير : [البقرة:237] وقد يراد به شدة العناية قال: {أية : لما خلقت بيدي} تفسير : [ص:75] ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً. ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه تعالى محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها. وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله. وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: {أية : لما خلقت بيدي} تفسير : [ص:75] والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: {أية : يد الله فوق أيديهم} تفسير : [الفتح:10] وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: {أية : مما عملت أيدينا أنعاماً} تفسير : [يس:71] ووجه التوحيد والجمع ظاهر. وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد. ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: {ينفق كيف يشاء} وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به. {وليزيدن} جواب قسم محذوف {كثيراً منهم} يعني علماء اليهود {ما أنزل إليك من ربك} من القرآن والحجج {طغياناً وكفراً} مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً {وألقينا بينهم} بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود {العداوة والبغضاء} لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين. وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا. وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس {ويسعون في الأرض فساداً} يستخفون كيداً للإسلام وذويه {والله لا يحب المفسدين} فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي. وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة. ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً {لكفرنا عنهم} تلك السيآت سترناها عليهم {ولأدخلناهم} مع المسلمين {جنات النعيم} من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله تعالى وما أعظم عفوه وغفرانه {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله تعالى ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف. {وما أنزل إليهم من ربهم} يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها. {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض. ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم. والحاصل أنه سبحانه وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها. ثم فصل حالهم فقال: {منهم أمة مقتصدة} طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى. {وكثير منهم ساء ما يعملون} فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم. ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: {يا أيها الرسول بلغ} عن أبي سعيد الخدري حديث : أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنةتفسير : . وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي. وروي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال: الله. فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: {والله يعصمك من الناس} تفسير : وقيل: لما نزلت آية التخيير: {أية : يا أيها النبي قل لأزواجك} تفسير : [الأحزاب:28] فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت {يا أيها الرسول بلغ} وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش. وقيل: لما نزل {أية : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} تفسير : [الأنعام:108] سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عيب آلهتهم فنزلت. أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها. وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع. قال: هل بلغت؟ قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم اشهدتفسير : . فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين. وقال الحسن: إن نبي الله قال: حديث : لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوفتفسير : . وقالت عائشة حديث : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟ قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة. قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟ قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني اللهتفسير : . وعن ابن عباس قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية. فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله تعالى قد عصمني من الجن والإنستفسير : . ومعنى قوله: {ما أنزل إليك} جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك {وإن لم تفعل} ما أمرتك به كما أمرتك به {فما بلغت رسالته} من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع. ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة. فإن قيل: معنى قوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟ فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها. أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت تفسير : . فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟ فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد. أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: {إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين} أي لا يمكنهم مما يريدون. ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: {لستم على شيء} أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد. ومعنى {فلا تأس} لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك. يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن. ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف. وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: {والصابئون} عطف على ماذا؟ فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل {الذين} لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان. وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان. وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال. فإذن {الصابئون} مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: {إن الذين آمنوا} إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم. التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم. {أولئك شر مكاناً} من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الأعراف:179] ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به. الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة. {غلت أيديهم} كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: {يد الله مغلولة} وكل إناء يرشح بما فيه. ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء"تفسير : بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/ الكافرين من العواية والخذلان. {وألقينا بينهم العداوة} فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن. ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها {لأكلوا من فوقهم} ورزقوا من الواردات الروحانية {ومن تحت أرجلهم} إلى أعلى مقاماتهم. من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني {بلغ ما أنزل إليك} يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة. فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه. فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة. وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة {أية : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} تفسير : [الرعد:17] {والله يعصمك} بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله. يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج. فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.
ابن عادل
تفسير : لما حكى عنهم أنهم اتَّخَذُوا دِين الإسلام هُزُواً ولعِباً، فقال: ما الذي تَجِدُون فيه ممَّا يُوجِب اتَّخَاذه هُزُواً ولعباً؟ قوله تعالى: "هل تَنْقِمُون": قراءة الجُمْهُور بكسر القَافِ، وقراءة النَّخْعي، وابن أبي عَبْلَة، وأبي حَيْوَة بِفَتْحها، وهاتان القِرَاءتَانِ مفرَّعَتَان على المَاضِي، وفيه لُغَتَان: الفُصْحَى، وهي التي حَكَاهَا ثَعْلَب في "فَصِيحه": نَقَم بفتح القَاف، يَنْقِم بِكَسْرها. والأخرى: نَقِم بكسر القاف يَنْقَمُ بفَتْحِها، وحكاها الكَسَائي، ولم يَقْرأ في قوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ} تفسير : [البروج: 8] إلا بالفتح. قال الكسَائِي: "نقِم" بالكسر لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْر أيضاً، وَنَقِمْتُهُ إذا كَرِهْته، وانْتَقَم اللَّه منه إذا عَاقَبَه، والاسم منه: النِّقْمة، والجمع نَقِمَاتٌ ونَقِمٌ مثل كَلِمة وكَلِمَات وكَلِم، وإن شِئْت سَكَّنت القَافَ، ونَقَلْت حَرَكَتَها إلى النُّون فقلت نِقْمة، والجَمْع: نِقَم، مثل نِعْمة وَنِعَم، نقله القرطبي وأدغم الكسَائِي لام "أهَلْ" في تَاء "تَنْقِمُون"، وَلِذَلِكَ تُدْغَمُ لام "هَلْ" في التَّاء والنُّون ووافقه حَمْزة في التَّاء والثَّاء وأبُو عَمْرٍو في "هَلْ تَرَى" في موضعَيْن. فصل قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أتى رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - نَفَرٌ من اليَهُود: أبو يَاسِر بن أخْطَب، ورَافِع بن أبي رَافِع وغيرهما، فَسَألُوه: عمَّن يُؤمِن به من الرُّسُل، فقال: {أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} تفسير : [البقرة: 136]، إلى قوله: {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 136] فلما ذكر عيسى - عليه الصلاة والسلام - جَحَدُوا نُبُوتَهُ، وقالُوا: والله ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أكْثَر خَطَأ في الدُّنْيَا والآخِرَة مِنْكُم، ولا دِيناً شرًّا من دينكُمْ، فأنْزَل الله هذه الآية الكريمة. قوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللهِ}، مفعول لـ "تَنْقِمُون" بمعنى: تَكْرَهُون وتَعِيبُون، وهو استِثْنَاء مُفَرَّغٌ. و"مِنَّا" متعلِّق به، أيْ: ما تَكْرَهُون من جِهَتِنَا، إلاَّ الإيمَان وأصل "نَقَمَ" أن يتعدَّى بـ "عَلَى"، نقول: "نَقَمْتُ عليْهِ كذا" وإنَّما عُدِّيَ هُنَا بـ "مِنْ" لِمَعْنًى يَأتي. وقال أبُو البَقَاء: و"منَّا" مفعول "تَنْقِمُون" الثَّاني، وما بَعْد "إلاَّ" هو المَفعُول الأوَّل، ولا يجُوز أن يكُون "منَّا" حالاً من "أنْ" والفِعْل لأمْرين: أحدهما: تقدُّمُ الحالِ على "إلاَّ". والثاني: تقدم الصِّلَة على الموْصُول، والتَّقْدِير: هل تَكْرَهُون مِنَّا إلاَّ إيماننا. انتهى. وفي قوله: مَفْعُول أوَّل، ومفعول ثَان نَظَر؛ لأنَّ الأفْعَال الَّتِي تتعدَّى لاثْنَيْن إلى أحدهما بِنَفْسِها، وإلى الآخَرِ بحَرْف الجرِّ مَحْصُورة كـ "أمر"، و"اخْتَار"، و"استغْفَرَ"، و"صَدَّق" و"سَمَّى"، و"دَعَا" بمعناه، و"زَوَّج"، و"نَبَّأ"، و"أنْبَأ"، و"خَبَّر"، و"أخْبَر"، و"حَدَّث" غير مُضَمَّنَةٍ معنى "أعْلَم"، وكلُّها يَجُوز فيها إسْقَاط الخَافِضِ والنَّصب، ولَيْسَ هذا مِنْها. وقوله: "ولا يجُوز أن يكُونَ حالاً" يعني: أنَّه لو تَأخَّر بعد "أن آمَنَّا" لَفْظَة "مِنّا"، لجاز أن تكون حَالاً من المصْدر المؤوَّل من "أنْ" وصلَتِها، ويَصِير التَّقْدِير: هل تكرهون إلاَّ الإيمان في حال كونه "منا"، لَكِنَّهُ امتنع من تقدُّمِهِ على "أنْ آمنَّا" للوجهين المذكورين. أحدهما: تقدُّمه على "إلاّ" ويعني بذلك: أن الحال لا تتقدم على "إلاَّ". قال شهابُ الدِّين: ولا أدري ما يمنع ذلك لأنه إذا جعل "مِنَّا" حالاً من "أن" و"ما" في حيزها كان حال الحال مقدراً، ويكونُ صاحب الحال محصوراً، وإذا كان صاحب الحال محصوراً وَجَبَ تقديم الحال عليه، فيقال: "مَا جَاءَ رَاكِباً إلاَّ زَيْدٌ"، و"ما ضَربْتُ مَكْتُوفاً إلا عَمْراً"، فـ "راكباً" و"مكتوفاً" حالان مقدمان وجوباً لحصر صاحبيهما فهذا مثله. وقوله: "[والثاني: تقدُّم الصلة على الموصول]" لم تتقدَّم صلة على موصول. بيانه: أنَّ الموصول هو "أنْ"، والصلة "آمَنَّا"، و"منَّا" ليس متعلّقاً بالصلة، بل هو معمول لمقدَّر، ذلك المقدر في الحقيقة منصوب بـ "تنقمون"، فَمَا أدْرِي ما توهمه حتى قال ما قال؟ على أنه لا يجوز أن يكون حالاً، لكن لا لما ذكر؛ بل لأنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: "هَلْ تَنْقِمُونَ إلا إيماننا منا" فمن نفس قوله: "إيماننا" فهم أنَّه منَّا، فلا فائدة فيه حينئذٍ. فإن قيل: تكون حالاً مؤكدة. قيل: هذا خلاف الأصل، وليس هذا من مَظَانِّهَا، وأيضاً فإنَّ هذا شبيه بتهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه، فإن "تَنْقِمُونَ" يطلب هذا الجار طلباً ظاهراً. وقرأ الجمهور "وما أنزل إلَيْنَا وما أنزل [مِنْ قَبْل]" بالبناء للمفعول فيهما، وقرأ أبو نهيك: "أنْزل، وأنْزل" بالبناء للفاعل، وكلتاهما واضحة. فصل المعنى: قُلْ لأهل الكتاب: لِمَ اتخذتم هذا الدين هزواً ولعباً، ثم قال على سبيلِ التعجب: هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله؟! فهو رَأسُ جميع الطاعات، وإلاَّ الإيمان بمحمد، وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في ادعاء الرسالة والنبوة هو المعجزة. ثم رأينا أن المعجز حصل على يدي محمد - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فوجب الإقرار بكونه رسولاً، فأمَّا الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك تناقض ومذهب باطل. قوله تعالى: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} قرأ الجمهور: "أنَّ" مفتوحة الهمزة. وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرها. فأمَّا قراءة الجمهور فتحتمل "أنَّ" فيها أن تكون في محل رفع، أو نصب، أو جر، فالرفع من وجه واحد، وهو أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "والخبر محذوف، أي: فسقكم ثابت معلوم عندكم؛ لأنكم علمتم أنَّا على الحق، وأنْتُمْ على الباطل، إلا أن حب الرئاسة، وجمع الأموال لا يدعكم فتنصفوا". فقدر الخبر متأخراً. قال أبُو حيَّان: ولا ينبغي أن يُقَّدَرَ الخبر إلا مقدماً؛ لأنه لا يبتدأ بـ "أن" على الأصح إلا بعد "أمَّا" انتهى. ويمكن أن يقال: يُغْتَفَرُ في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في اللفظية، لا سيما أنَّ هذا جارٍ مجرى تفسير المعنى، والمراد إظهار ذلك الخبر [كيف] يُنْطَقُ به؛ إذْ يقال: إنه يرى جواز الابتداء بـ "أنَّ" مطلقاً، فحصل في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير. وأمَّا النَّصْبُ فمن ستَّةِ أوجه: أحدها: أن يُعْطَفَ على "أن آمنَّا" واستشكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقدير: هل تكرهون إلا إيماننا، وفسق أكثركم، وهم لا يعترفون بأن أكثرهم فاسقون حتى يكرهونه. وأجاب الزمخشري وغيره عن ذلك بأن المعنى: "وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا، وبين تمرُّدكم، وخروجكم عن الإيمان، كَأنَّه قِيلَ: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حَيْثُ دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه". ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المُقَابَلَة والازدواج، يعني أنه لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل، وهو مما لا يُنْقَمُ ذَكَرَ في مُقَابلته فسقَهُمْ، وهو مما يُنْقَم، ومثل ذلك حَسًنٌ في الازدواج، يقول القائل: "هل تنقم مني إلا أن عفوت عنك، وأنَّكَ فاجر" فيحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة. وقال أبُو البقاء: والمعنى على هذا: إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم، أي كرهتم مخالفتنا إياكم وهذا كقولك للرجل: "ما كرهت مني إلا أني مُحَبَّبٌ للناس، وأنك مبغض"، وإن كان لا يعترف بأنه مبغض. وقال ابن عطية: {وأنَّ أكْثَرَكُمْ فاسِقُون} هو عند أكثر المتأوِّلين معطوف على قوله: "أنْ آمنَّا"، فيدخل كونهم فاسقين فيما نَقَمُوهُ وهذا لا يتجه معناه. ثم قال بعد كلام: "وإنَّمَا يَتَّجِهُ على أن يكون معنى المحاورة: هل تنقمون منا إلا مجموع هذه الحال من أنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون {وأنَّ أكثركُمْ فَاسِقُون} مما قرره المخاطب لهم، وهذا [كما] يقول لمن يخاصم: "هل تنقم عليَّ إلا أن صدقت أنا، وكذبت أنت"، وهو لا يُقِرُّ بأنه كاذب، ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تنقم إلا مجموع هذه الحال" وهذا هو مجموع ما أجاب به الزَّمَخْشَرِيُّ والواحِديُّ. الوجه الثاني من أوجه النصب: أن يكون معطوفاً على "أنْ آمنَّا" أيضاً، ولكن في الكلام مضاف محذوف لصحة المعنى، تقديره: "واعتقاد أنَّ أكثركم فاسقون" وهو معنى واضح، فإنَّ الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم فاسقون. الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: هل تنقمون منا إلا إيماننا، ولا تنقمون فسق أكثركم. الرابع: أنه منصوب على المعيَّة، وتكون "الواو" بمعنى "مع" تقديره: "وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون". ذكر جميع هذه الأوجه أبُو القَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيُّ - رحمه الله -. الخامس: أنه منصوب عَطْفاً على "أنْ آمنَّا"، و"أن آمنَّا" مفعول من أجله فهو منصوب، فعطف هذا عليه، والأصل: "هل تنقمون إلا لأجل إيماننا، ولأجل أن أكثركم فاسقون"، فلمَّا حذف حرف الجر من "أنْ آمنَّا" بقي منصوباً على أحد الوجهين المشهورين، إلا أنه يقال هنا: النصب هنا ممتنع من حيث إنَّهُ فُقِد شرطٌ من المفعول له، وهو اتحاد الفاعل، والفاعل هنا مختلف، فإن فاعل الانتقام غير فاعل الإيمان، فينبغي أن يُقَدَّر هنا محلُّ "أنْ آمنَّا" جراً ليس إلاَّ، بعد حذف حرف الجر، ولا يجري فيه الخلاف المشهور بين الخَلِيلِ وسيبَويْهِ في محل "أنْ" إذَا حذف منها حرف الجر، لعدم اتحاد الفاعل. وأجِيبَ عن ذلك بأنَّا وإنْ اشترطنا اتحاد الفاعل فإنَّا نجوِّزُ اعتقادَ النصب في "أنْ" و"أنَّ" إذا وقعا مفعولاً من أجله بعد حذف حرف الجر لا لكونهما مفعولاً من أجله، بل من حيث اختصاصهما من حيث هما بجواز حذف حرف الجر لطولهما بالصلة وفي هذه المسألة بخصوصها خلاف مذكور في بابه، ويدُلُّ على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب "النَّظْم"، فإنَّ صاحب "النظم" ذكر عن الزجاج معنًى، وهو: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي: إنَّما كرهتم إيماننا، وأنتم تعلمون أنَّا على حق؛ لأنَّكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم، وهذا معنى قول الحسنِ: نقمتم علينا. قال صاحب "النَّظْمِ": فعلى هذا يجب أن يكون موضع "أن" في قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} نَصْباً بإضمار "اللام" على تأويل "ولأنَّ أكْثَرَكُمْ"، والواو زائدة، فقد صرح صاحب النظم بما ذكرناه. الوجه السادس: [أنه] في محل نَصْب على أنه مفعول من أجله لـ "تنقمون" والواو زائدةٌ كما تقدَّم تقريره عن الزمخشري. [وهذا الوجه الخامس يحتاج إلى تقرير] ليفهم معناه، قال أبُو حيَّان بعد نقله الأوجه المتقدمة: "ويظهر وجه آخر [لعلَّه] يكون الأرجح، وذلك أن "نَقَمَ" أصله أنْ يتعدى بـ "على" تقول: "نَقَمْتُ عَلَيْه"، ثم تبني منه [افتعل إذ ذاك] بـ "من" ويضمَّن معنى الإصابة بالمكروه، قال تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95]، ومناسبة التضمين فيها أنَّ مَنْ عاب على شخص فعله، فهو كاره له، ومصيبه عليه بالمكروه، فجاءت هنا "فَعَل" بمعنى "افْتَعَل" كـ "قدر" و"اقتدر"، ولذلك عُدِّيت بـ "من" دون "على" التي أصلها أن تتعدى بها، فصار المعنى: وما تنالون منا، وما تصيبوننا بما نكره، إلا أنْ آمَنَّا، [أي: إلاَّ لأنْ آمنا،] فيكون "أن آمنَّا" مفعولاً من أجله، ويكون {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} معطوفاً على هذه العلة، وهذا - والله أعلم - سبب تعديته بـ "من" دون "على" انتهى ما قاله، ولم يصرح بكون حينئذٍ في محلِّ نصب أو جرٍّ، إلاَّ أن ظاهر حاله أن يُعتقَدَ كونه في محل جرٍّ، فإنه إنَّمَا ذكر في أوجه الجر. وأمَّا الجَرُّ فمن ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عطف على المؤمن به. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "أي: وما تنقمون منَّا إلا الإيمان بالله، وما أنزل، وبأن أكْثرَكُمْ فِاسِقُونَ" وهذا معنى واضح، قال ابن عطية: "وهذا مستقيمُ المعنى؛ لأن إيمان المؤمنين [بأنَّ] أهل الكتاب المستمرين على الكفر بمحمدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فَسَقَةٌ هو مما ينقمونه". الثاني: أنَّهُ مجرورٌ عَطْفاً على علّةٍ محذوفة، تقديرها: ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم، واتباعكم شهواتكم، ويدلُّ عليه تفسير الحسن البصري "لفسقكم نقمتم علينا، ويروى لفسقكم تنقمون علينا الإيمان"، [ويروى "لفسقهم نقموا علينا الإيمان". عطفاً على محل "أن آمنا" إذا جعلناه مفعولاً من أجله، واعتقدنا أن "أن" في محل جر]. الثالث: أنَّهُ في محل جر بعد حذف الحرف وقد تقدم ذلك في الوجه الخامس، فقد تحصَّل في قوله تعالى: "وأن أكثركم" أحد عشر وجهاً وجهان في حالة الرفع بالنسبة إلى تقدير الخبر، هل يُقَدَّرُ مُقدَّماً وجوباً أو جوازاً؟ وقد تقدم ما فيه، وستة أوجه أنها على الاستئناف، أخبر أن أكثرهم فاسقون، ويجوز أن تكون منصوبة المحلِّ لعطفها على معمول القول، أمر نبيه - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - أن يقول لهم: {هل تنقمون منا} إلى آخره، وأن يقول لهم: إنَّ أكثركم فاسقون، وهي قراءة [جليَّة] واضحة. فصل وتفسير المعنى على وجوه الإعْرَاب المتقدمة. قال ابن الخطيب فإن قيل: كيف تنقم اليهود على المسلمين وكون أكثرهم فاسقين. فالجواب أنه كالتعريض؛ لأنهم لم يتبعوهم على فسقهم أي: أنْ آمَنَّا، وما فسقنا مثلكم وهو كقولهم: "ما تنقم مني إلا أنِّي عفيف، وأنت فَاجِرٌ"، على وجه المقابلة، أو لأن أحد الخصمين إذا كان متصفاً بصفات حميدة وخصمه بضد ذلك كان ذكر صفات الخير الحميدة مع صفات خصمه الذميمة أشد تأثيراً ونكاية مِنْ ألاَّ يذكر الذميمة، فتكون الواو بمعنى "مع" أو هو على حذف مضاف أيْ: واعتقاد أن أكثركم فاسقون، والمعنى: بأن أكثركم فاسقون نقمتم الإيمان علينا. أو تعليل معطوف على محذوف كأنه قيل: نقمتم لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون. فصل اليهود كلهم فُسَّاقٌ وكُفَّارٌ فَلِمَ خُصَّ الأكثر بوصف الفسق؟ فالجواب من وجهين: الأول: يعني أنْ أكثركم إنَّمَا يقولون [ما يقولون] ويفعلون ما يفعلون طلباً للرياسة، والجاه وأخذ الرشوة، والتقرب إلى الملوك، فإنَّهُمْ في دينهم فُسَّاقٌ لا عُدولٌ، فإن الكافر المبتدع قد يكون عادلاً في دينه، وفاسقاً في دينه، ومعلومٌ أن كلهم ما كانوا كذلك فلهذا خص أكثرهم بهذا الحكم. الثاني: ذكر أكثرهم لِئلاَّ يظن أن من [آمن منهم داخل في ذلك].
البقاعي
تفسير : ولما كانت النفوس نزاعة إلى الهوى، عمية عن المصالح، جامحة عن الدواء بما وقفت عنده من النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وكان الدليل على سلب العقل عن أهل الكتاب دليلاً على العرب بطريق الأولى، وكان أهل الكتاب لكونهم أهل علم لا ينهض بمحاجتهم إلا الأفراد من خلص العباد، قال تعالى دالاً على ما ختم به الآية من عدم عقلهم آمراً لأعظم خلقه بتبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم: {قل} وأنزلهم بمحل البعد فقال مبكتاً لهم بكون العلم لم يمنعهم عن الباطل: {يا أهل الكتاب} أي من اليهود والنصارى {هل تنقمون} أي تنكرون وتكرهون وتعيبون {منا إلا أن آمنا} أي أوجدنا الإيمان {بالله} أي لما له من صفات الكمال التي ملأت الأقطار وجاوزت حد الإكثار {وما أنزل إلينا} أي لما له من الإعجاز في حالات الإطناب والتوسط والإيجاز {وما أنزل}. ولما كان إنزال الكتب والصحف لم يستغرق زمان المضي، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي لما شهد له كتابنا، وهذه الأشياء التي آمنا بها لا يحيد فيها عاقل، لما لها من الأدلة التي وضوحها يفوق الشمس، فحسنها لا شك فيه ولا لبس {وأن} أي آمنا كلنا مع أن أو والحال أن {أكثركم} قيد به إخراجاً لمن يؤمن منهم بما دل عليه التعبير بالوصف {فاسقون *} أي عريقون في الفسق، وهو الخروج عن دار السعادة بحيث لا يمكن منهم رجوع إلى المرضى من العبادة، فبين أنهم لا ينقمون من المؤمنين إلا المخالفة، والمخالفة إنما هي بإيمان المسلمين بالله وما أمر به، وكفر أهل الكتاب بجميع ذلك مع علمهم بما تقدم لهم أن من آمن بالله كان الله معه، فنصره على كل من يناويه، وجعل مآله إلى الفوز الدائم، وأن من كفر تبرأ منه فأهلكه في الدنيا، وجعل مآله إلى عذاب لا ينقضي سعيره، ولا ينصرم أنينه وزفيره، ومن ركب ما يؤديه إلى ذلك على علم منه واختيار لم يكن أصلاً أحد أضل منه ولا أعدم عقلاً، وتخصيص النقم بما صدر من المؤمنين يمنع عطف {وأن} على {أن آمنا}. ولما أنزلهم سبحانه إلى عداد البهائم بكونهم ينسبونهم إلى الشر بجعلهم إياهم موضع الهزء واللعب وبكونهم ينظرون إلى أي من خالفهم، فيبعدون منه وينفرون عنه من غير أن يستعملوا ما امتازوا به عن البهائم في أن المخالف ربما كان فيه الدواء، والمكروه قد يؤول إلى الشفاء، والمحبوب يجر إلى العطب والتوي، بين لهم أن تلك رتبة سنية ومنزلة علية بالنسبة إلى ما هم فيه، فقال على سبيل التنزل وإرخاء العنان: {قل} أي يا من لا ينهض بمحاجتهم لعلمهم ولددهم غيره لما جبلت عليه من قوة الفهم ثم لما أنزل عليك من العلم {هل أنبئكم} أي أخبركم إخباراً متقناً معظماً جليلاً {بشر من ذلك} أي الأمر الذي نقمتموه علينا مع كونه قيماً وإن تعاميتم عنه، ووحد حرف الخطاب إشارة إلى عمى قلوبهم وأن هذه المقايسة لا يفهمها حق الفهم إلا المؤيد بروح من الله {مثوبة} أي جزاء صالحاً ويرجع إليه، فإن المثوبة للخير كما أن العقوبة للشر، وهي مصدر ميمي كالميسور والمعقول، ثم نوه بشرفه بقوله: {عند الله} أي المحيط بصفات الجلال والإكرام، ثم رده أسفل سافلين بياناً لأنه استعارة تهكمية على طريق: تحية بينهم ضرب وجيع. بقوله - جواباً لمن كأنه قال: نعم: {من} أي مثوبة من {لعنه الله} أي أبعده الملك الأعظم وطرده {وغضب عليه} أي أهلكه، ودل على اللعن والغضب بأمر محسوس فقال: {وجعل} ودل على كثرة الملعونين بجمع الضمير فقال: {منهم} أي بالمسخ على معاصيهم {القردة} تارة {والخنازير} أخرى، والتعريف للجنس، وقال ابن قتيبة: إن التعريف يفيد ظن أنهم لم ينقرضوا بل توالدوا حتى كان منهم أعيان ما تعرفه من النوعين، فما أبعد من كان منهم هذا من أن يكونوا أبناء الله وأحباءه! ثم عطف - على قراءة الجماعة - على قوله {لعنه الله} سبب ذلك بعد أن قدم المسبب اهتماماً به لصراحته في المقصود، مع أن اللعن والغضب سبب حقيقي، والعبادة سبب ظاهري، فقال: {وعبد الطاغوت} وقرأه حمزة بضم الباء على أنه جمع والإضافة عطف على القردة، فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب، للواحد والجمع، فلعوت من طغوت، وكل هذه المعاني تصلح ها هنا، أما اللات والعزى وغيرهما مما لم يعبدوه صريحاً فلتحسينهم دين أهله حسداً للإسلام, وقد عبدوا الأوثان في كل زمان حتى في زمان موسى عليه السلام كما في نص التوراة: ثم بالغوا في النجوم لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك. فمعنى الآية: تنزلنا إلى أن نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة، ولكن لم يأت كتاب بلعننا ولا بالغضب علينا ولا مسخنا قردة ولا خنازير، ولا عبدنا غير الله منذ أقبلنا عليه، وأنتم قد وقع بكم جميع ذلك، لا تقدرون أن تتبرؤوا من شيء منه، فلا يشك عاقل أنكم شر منا وأضل، والعاقل من إذا دار أمره بين شرين لم يختر إلا أقلهما شراً، فثبت كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون، ولذلك ختم الآية بقوله {أولئك} أي البعداء البغضاء الموصوفون باللعن وما معه {شر مكاناً} وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم، فهو كناية عن نسبتهم إلى العراقة في الشر {وأضل} أي ممن نسبوهم إلى الشر والضلال، وسلم لهم ذلك فيهم إرخاء للعنان قصداً للإبلاغ في البيان {عن سواء} أي قصد وعدل {السبيل *} أي الطريق، ويجوز أن تكون الإشارة في ذلك إلى ما دل عليه الدليل الأول من عدم عقلهم ولا تنزل حينئذ، وإنما قلت: إنهم لا يقدرون على إنكار شيء من ذلك، لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في السفر الخامس: فالرب يقول لكم ويأمركم أن تكونوا له شعباً حبيباً، وتحفظوا جميع وصاياه وتعملوا بها، فإنه يرفعكم فوق جميع الشعوب، وإذا جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم بها اليوم على جبل عبل وكلسوها بالكلس، وابنوا هناك مذبحاً من الحجارة لم يقع عليها حديد، ولكن ابنوا الحجارة كاملة لم تقطع، وقربوا عليها ذبائح كاملة أمام الله ربكم، وكلوا هناك وافرحوا أمام الله ربكم، واكتبوا على تلك الحجارة جميع آيات هذه السنة. ثم عين موسى رجالاً يقومون على جبل إذا جازوا الأردن ويهتفون بصوت عال ويقولون لبني إسرائيل: ملعوناً يكون الذي يتخذ أصناماً مسبوكة وأوثاناً منحوتة أمام الرب، والشعب كلهم يقولون: آمين! ملعوناً يكون من ينقل حد صاحبه ويظلمه في أرضه، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعوناً يكون من يضل الأعزى عن الطريق، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعوناً يكون من يحيف على المسكين واليتيم والأرملة في القضاء، ويقول الشعب كلهم: آمين! - إلى أن قال: ملعوناً يكون كل من لا يثبت على عهد آيات هذه التوراة ويعمل بها، ويقول الشعب كلهم: آمين! ثم قال: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية، ملعونين في الحرب، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونون ملعونين إذا دخلتم وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم الضربات الشديدة، وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعاً من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض تحتكم شبه الحديد، ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلاً وقرعاً لجميع مملكات الأرض، وتكون جيفكم مأكلاً لجميع السباع وطيور السماء ولا يذب أحد عنكم، تكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم، يسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتكون مضطهداً مظوماً طور عمرك يسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي مكله عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة أخرى عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلاً وعجباً ويفكر فيك كل من يسمع خبرك في جميع الشعوب التي يقركم الله فيها، تزرع كثيراً وتحصد قليلاً، ويتعظم عليك سكانك ويصيرون فوقك، هذا اللعن كله يلزمك وينزل بك ويدركك حتى تهلك، لأنك لم تقبل قول الله ربك، ولم تحفظ سننه ووصاياه التي أمرك بها، وتظهر فيك آيات وعجائب وفي نسلك إلى الأبد، لأنك لم تعبد الله ربك ولم تعمل بوصاياه، ويصير أعداؤك دق الحديد على عنقك، ويسلط الله عليك شعباً يأتيك وأنت جائع ظمآن عريان فقير، قد أعوزك كل شيء يحتاج إليه، وتخدم أعداءك، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف نعتهم، شعب وجوههم صفيقة، لا تستحيي من الشيوخ ولا ترحم الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها في كل أرضك، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك، والرجل المدلل منكم المفنق تنظر عيناه إلى أخيه وخليله وإلى من بقي من ولده جائعاً، لا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكله لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك، وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتقي الله ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب يخصك الرب بضربات موجعة، ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، لأنك لم تسمع قول الله، كما فرّحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم كذلك يفرح الرب لكم ليستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب، فإن قالوا: نحن لم ننقض بعد موسى عليه السلام حتى يلزمنا هذا اللعن المشروط بنقض العهد! قيل: قد شهد عليكم بذلك ما بين أيديكم من كتابكم، فإنه قال في آخر أسفاره ما نصه: وقال الرب لموسى: قد دنت أيام وفاتك فادع يشوع وقوما في قبة الزمان لآمره بما أريد، وانطلق يشوع وموسى وقاما في قبة الزمان، وظهر الرب في قبة الزمان بعمود من سحاب، وقام عمود من سحاب في باب قبة الزمان، وقال الرب لموسى: أنت مضطجع منقلب إلى آبائك، فيقول هذا الشعب فيضل ويتبع آلهة أخرى آلهة الشعوب التي تدخل وترى وتسكن بينها، ويخالفني ويبطل عهدي الذي عهدته، ويشتعل غضبي عليه في ذلك اليوم، وأخذلهم وأدير وجهي عنهم، ويصيرون مأكلاً لأعدائهم، ويصيبهم شر شديد وغم طويل، لأنهم تبعوا الآلهة الأخرى، فاكتب لهم الآن هذا التسبيح وعلمه بني إسرائيل وصيره في أفواههم، ليكون هذا التسبيح شهادة على بني إسرائيل، لأني مدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، الأرض التي تغل السمن والعسل، ويأكلون ويشبعون ويتلذذون، ويتبعون الآلهة الأخرى ويعبدونها، ويغضبوني ويبطلون عهدي، فإذا نزل بهم هذا الشر الشديد والغموم يتلى عليهم هذا التسبيح للشهادة، ولا تعدمه أفواه ذريتهم، لأني عالم بأهوائهم، وكل ما يصنعونه ها هنا اليوم قبل أن أدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، وكتب موسى هذا التسبيح ذلك اليوم وعلمه بني إسرائيل - وذكر بعد هذا كله ما ذكرته عند {أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين}تفسير : [النساء: 163] في النساء فراجعه، ثم قال: أنصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من فيّ لأنها ترجو كلامي عطشانة، وكمثل الندى ينزل قولي وكالمطر على النخيل وشبه الضباب على العشب، لأني دعوت باسم الرب أبداً وبالتعظيم لله الرب العدل وليس عنده ظلم، الرب البار الصادق، أخطأ أولاد الأنجاس، الجيل المتعوج المنقلب، وبهذا كافؤوا الرب، لأنه شعب جاهل وليس بحليم، أليس الرب استخلصك وخلقك! اذكروا أيام الدهر وتفهموا ما مضى من سنني جيلاً بعد جيل، استخبر أباك فيخبرك، وشيوخك فيفهموك، حين قسم العلى للأمم بني آدم الذين فرقهم، أقام حدود الأمم على عدد الملائكة، وصار جزء الرب شعبه، يعقوب حبل ميراثه، إسرائيل فأرواه في البرية من عطش الحر حيث لم يكن ماء، وحاطه وأدبه وحفظه مثل حدقة العين، وكمثل النسر حيث نقل عشه وإلى فراخه اشتاق، فنشر أجنحته وقبلهم وحملهم على صلبه، الرب وحده ساقهم ولم يكن معهم إله آخر، وأصعدهم إلى علو الأرض وأطعمهم من ثمر الشجر وغذاهم عسلاً من حجر، من الصخرة أخرج لهم الزيت، ومن سمن البقر ولبن الغنم وشحم الخراف والكباش والثيران والجداء ولب القمح، أكل يعقوب المخصوص، حين شحم وغلظ وعرُض، ترك الإله الذي خلقه وبعُد من الله مخلصه، يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين ولم يقربوا لإله الآلهة ولم يعرفه الجيل الجديد الذين أتوا ونسوا آباءهم. هذا ما أردت ذكره من التوراة في الشهادة على لزوم اللعن والغضب لهم بعبادتهم الطواغيت، وقد صدق الله قوله فيها وأتم كلماته - وهو أصدق القائلين - بما وقع لهم بعد وفاة موسى عليه السلام ثم بعد يوشع عليه السلام مع ما تقدم لهم في أيام يوشع عليه السلام من عبادة بعليون الصنم كما مضى عند قوله تعالى {أية : وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} تفسير : [البقرة: 93]. ذكر ما يصدق ذلك من سفر يوشع، قال: ودعا يوشع جميع بني إسرائيل وقال لهم: أنا قد شخت وطعنت في السن، وأنتم قد رأيتم ما صنع الله بهذه الشعوب، إنه أهلكهم من بين أيديكم، وإن الله ربكم هو تولى حروبكم وظفركم، قد علمتم أني قسمت لكم الشعوب التي بقيت. فأما عند النهر الأعظم في مغارب الشمس فقد قسمتها لكم، والله ربكم يهزمهم ويهلكهم في أمامكم وترثون أرضهم كما قال الله ربكم، ولكن تقووا جداً واعلموا بجميع ما كتب في سفر موسى عند الرب، أهلك الرب من أمامكم شعوباً عظيمة ولم يثبت لكم إنسان إلى اليوم، الرجل منكم يهزم ألف رجل، لأن الله ربكم معكم وهو يجاهد عنكم كما قال لكم، فاحترسوا لأنفسكم، إن أنتم خالطتم الشعوب الذين بقوا بينكم وصرتم لهم أختاناً صاروا لكم فخاخاً وعثرات وأسنة في أصدافكم وصنارات في أعينكم حتى تهلكوا من الأرض الصالحة التي أعطاكم الله ربكم، وأما أنا فسائر في طريق أهل الأرض كلهم، وقد تعلمون يقيناً من كل قلوبكم وأنفسكم أنه ما سقطت كلمة واحدة من الكلام الذي وعدكم الله ربكم، وكما تم كل الكلام الصالح الذي وعدكم الله به كذلك ينزل بكم كل اللعن حتى تهلكوا وتبيدوا إن أنتم عصيتم وتعديتم على ميثاق الله ربكم والوصايا التي أوصاكم بها؛ وجمع جميع بني إسرائيل إلى سجام وأقامهم أمام الرب في قبة الزمان وقال: اسمعوا قول الله إله إسرائيل: كان آباؤكم سكاناً في مجاز النهر في الدهر الأول، ترح أبو إبراهيم وناحور، وكانوا يعبدون هناك آلهة أخرى، وعهد إلى إبراهيم أبيكم وأخرجته من مجاز النهر وسيَّرته في أرض كنعان كلها، وأكثرت ذريته ورزقته إسحاق ابناً، ورزقت إسحاق يعقوب وعيسو، وأعطيت عيسو جبل ساعير ميراثاً، فأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر، وأرسلت موسى وهارون وعاقبت أهل مصر وأكثرت في أرضهم من الآيات والأعاجيب، ومن بعد ذلك أخرجتهم منها، وشق لهم الرب بحر سوف وأجاز إياكم فيه مشياً، فلما أراد المصريون أن يجوزوا أقلب البحر عليهم وغرقهم، ورأت أعينكم ما صنعت بأهل مصر، ثم أتيت بكم المفازة وسكنتموها أياماً كثيرة، وأتيت بكم أرض الأمورانيين الذين يسكنون عند مجاز الأردن، وحاربوكم ودفعتهم إليكم، ووثب عليكم بالاق بن صفور ملك الموآبيين، وحارب إسرائيل فأرسل فدعا بلعام بن بعور ليلعنكم، ولم يسرني أن أسمع قول بلغام، ولكن باركت عليكم ونجيتكم من يديه، ثم جزتم نهر الأردن وأتيتم أهل أريحا فحاربكم أهلها والأمورانيون - ثم عد بقية الطوائف السبع - فدفعتهم إليكم أجمعين، وأعطيتكم أرضاً لم تتعبوا فيها، فاتقوا الرب واعبدوه بالبر والعدل، واصرفوا عن قلوبكم الفكر في عبادة الآلهة الأخرى التي عبدها أباؤكم عند مجاز النهر وفي أرض مصر، واعبدوا الرب وحده، وإن كان يشق عليكم أن تعبدوا الرب اختاروا لأنفسكم يومنا هذا من تعبدون، أتحبون أن تعبدوا الآلهة التي عبدها آباؤكم عند مجاز نهر الفرات أم آلهة الأمورانيين الذين سكنتم بينهم! أما أنا وأهل بيتي فإنا نعبد الله الرب، فأجاب الشعب وقالوا: حاشا لله أن نجتنب عبادة الرب ونعبد الآلهة الأخرى! لأن الله ربنا هو الذي أخرجنا من أرض مصر وخلصنا من العبودية، وأكمل الآيات والأعاجيب أمامنا، وحفظنا في كل الطرق التي سلكناها، وقوانا على جميع الشعوب التي حاربناها لذلك نعبد الرب لأنه هو الإلهة وحده وهو إلهنا، فقال: انظروا! لعلكم تجتنبون عبادة الله وتعبدون الآلهة الغريبة، فيغضب الرب عليكم وينزل بكم البلاء ويهلككم من بعد إنعامه عليكم، فقال الشعب: لا يكون لنا عبادة أخرى غير عبادة الله، ربنا، قال يشوع: اشهدتم على أنفسكم: أنتم الذين اخترتم عبادة الرب قالوا له: نشهد! فأول ما دخل عليهم الدخيل أنهم لم يستأصلوا الكفرة وخالطوهم في أيام يوشع؛ قال في سفره: فصعد رسول الرب من الجلجال إلى سجين وقال لبني إسرائيل: هكذا يقول الرب: أنا الذي أصعدتكم من أرض مصر وأتيت بكم الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: إني لا أبطل عهدي إلى الأبد، وأمرتكم أن لا تعاهدوا أهل هذه الأرض، ولكن استأصلوا مذابحهم، ولم تقبلوا ولم تطيعوني، وأنا أيضاً قد قلت: إني لا أهلكهم من أمامكم، ولكن تكون لكم آلهتهم عشرة، فلما قال رسول الرب لبني إسرائيل هذا القول رفع القوم أصواتهم بالبكاء ودعوا اسم ذلك الموضع تحناد أي موضع البكاء، وذبحوا هناك ذبائح للرب؛ وتوفي يشوع بن نون عند الرب ابن مائة وعشرين سنة، ودفن في حد ميراثه بسرح التي في جبل إفرائيم عن يسار جبل جعس، وكل ذلك الحقب أيضاً قبضوا، ونشأ من بعدهم حقب لم يعرف الرب ولم يعرف أعماله التي عملها، وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام الرب واجتنبوا عبادة الله إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وتبعوا آلهة الشعوب التي حولهم وسجدوا لها وعبدوا بعلاً وأشتراثاً الصنمين، وغضب الرب على بني إسرائيل، وسلط عليهم المنتهبين، ودفعهم إلى أعدائهم، ولم يقدروا أن يثبتوا لأعدائهم، وكلما كانوا يخرجون إلى الحرب كانت يد الرب عليهم بالعقاب والبلاء كما قال لهم الرب وكما أقسم لآبائهم، واضطروا وضاق بهم جداً، فصير الرب عليهم قضاة، وأعان قضاتهم وخلصوهم من أيدي أعدائهم، وكان الرب يسمع أنينهم وما يشكون من المضيقين عليهم والمزعجين لهم، فلما توفيت قضاتهم رجعوا إلى الفساد كآبائهم، وعبدوا الأصنام وسجدوا لها، ولم ينقصوا من سوء أعمالهم الأولى وطرقهم الرديئة، فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وقال: لأن الشعب اعتدوا الوصية التي أوصيت آباءهم، ولم يسمعوا قولي، لا أعود أن أهلك إنساناً بين أيديهم من الشعوب التي خلف يشوع بعد وفاته، ليجرب الرب بها بني إسرائيل هل يحفظون طرق الرب كما حفظ آباؤهم أولاً! فلذلك ترك الرب هذه الشعوب ولم يهلكهم سريعاً، ولم يسلمها في يدي يشوع، والذين تركوا خمسة رؤساء أهل فلسطين وجميع الكنعانيين والصيدانيين والحاوانيين والذين يسكنون جبل لبنان ومن جبل بني حرمون إلى مدخل حماة ليجرب بهم بني إسرائيل، وجلس بنو إسرائيل بين يدي الأمورانيين وبقية القبائل، وزوجوا بنيهم من بناتهم وزوجوا بناتهم من بنيهم وعبدوا آلهتهم، وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام الرب ونسوا صنيع الرب إلههم وعبدوا بعلاً وأشتراثاً، واشتد غضب الرب على بني إسرائيل ودفعهم إلى كوشان الأتيم ملك حران، فاستعبدهم ثماني سنين، ودعا بنو إسرائيل الرب متضرعين، وصيَّر الرب لهم مخلصاً، وخلصهم عثنايال بن قنز أخو كالاب الأصغر، فأعانه الرب وصار حكماً لبني إسرائيل فخرج إلى الحرب، وأسلم الرب في يده كوشان الأتيم، واستراحت الأرض من الحرب أربعين سنة، وتوفي عثنايال ابن قنز، وعاد بنو إسرائيل في سوء أعمالهم أمام الرب, فقوى الرب عليهم ملك موآب، واستمروا هكذا في كل حين ينقضون، وسنة الرب كل قليل يرفضون، ولا يستقيمون إلا بقدر ما ينسون حرارة النقم ويذوقون لذاذة النعم - ولولا خوف الإطالة الموجبة للسآمة والملالة لذكرت من ذلك كثيراً من الكتب التي بين أيديهم، لا يقدرون على إنكار ما يلزمهم بها من الفضيحة والعار - والله الموفق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وغازي بن عمرو، وزيد بن خالد، وازار بن أبي أزار، وأسقع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال: أؤمن بالله {وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، فأنزل الله {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا} إلى قوله {فاسقون}.
القشيري
تفسير : ما لنا عندكم عيبٌ إلا أننا تحققنا أننا محو في الله وأنَّ الكائنات حاصلة بالله ولا نتقفى أثراً سوى لله في الله، وهذا - واللهِ - عيبٌ زائلٌ، ونقصٌ ليس له - في التحقيق - حاصل.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل يا اهل الكتاب} ـ "حديث : روى ـ ان نفراً من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه السلام "اؤمن بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما اوتى موسى وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون"فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام قالوا لا نعلم اهل دين اقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فانزل الله هذه الآية اى قل لهؤلاء اليهود الفجرة {هل تنقمون منا} ". تفسير : من نقم منه كذا اذا عابه وانكره وكرهه اى ما تعيبون وما تنكرون منا ديننا لعلة من العلل {إلا أن آمنا بالله} اى الا لان آمنا بالله فهو مفعول له لتنقمون على حذف المفعول به الذى هو الدين {وما انزل الينا} من القرآن المجيد {وما انزل من قبل} انزاله من التوراة والانجيل وسائر الكتب الالهية {وان اكثركم فاسقون} عطف على ان آمنا اى ولان اكثركم متمردون خارجون عن الايمان بما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به واسناد الفسق الى اكثرهم مع ان كلهم فاسقون لانهم الحاملون لاعقابهم على التمرد والفساد وقيل هو عطف على ان آمنا على انه مفعول به لكن لا على ان المستثنى مجموع المعطوفين بل هو ما يلزمهما من المخالفة كأنه قيل ما تكرهون من جهتنا الا الايمان بالله وبجميع كتبه المنزلة والا مخالفتكم حيث دخلنا الايمان وانتم خارجون منه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: نقم ـ بفتح القاف ـ ينقم ـ بالكسر ـ، بمعنى: عاب وأنكر، وانتقم إذا كافأه على إنكاره، ويقال: نقم ـ بالكسر ـ ينقم ـ بالفتح ـ وقرىء به في الشاذ، و {أن أكثركم}: عطف على {آمنا} أي: ما تعيبون منا إلا أنا مؤمنون وأنتم فاسقون. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا} أي: ما تنكرون علينا وتعيبونه منا {إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} من الكتب كلها، {وأن أكثركم} خارجون عن هذا الإيمان، وهذا أمر لا ينكر ولا يعاب، ونظير هذا في الاستثناء العجيب قوله النابغة: شعر : لا عَيبَ فِيهِم غَيرَ أنَّ سُيُوفَهُم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِرَاعِ الكتَائِبِ تفسير : الإشارة: أهل الخصوصية يقرون أحوال أهل الشريعة كلها، ولا ينكرون على أهلها شيئًا من أمورهم، وأهل الشريعة ينكرون كثيرًا من أحوال أهل الخصوصية ويعيبُونها عليهم، وهي من أفضل القربات إلى الله عندهم، فيقولون لهم: هل تنقمون منا إلا أن آمنا بشريعتكم، وأنتم خارجون عن حقيقتنا ورؤية خصوصيتنا، لكن أهل الشريعة معذورون في إنكارهم، إذ ذاك مبلغهم من العلم، فإن كان إنكارهم غيرةً على ما فهموا من الدين فعذرهم صحيح، وإن كان حسدًا أو حمية فهم ممقوتون عند الله. والله تعالى أعلم. ولما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود، فقالوا يا محمد: أخبرنا بمن تؤمن من الرسل، فتلا عليهم: {أية : قُلْ ءَامَنَّا بِاللهِ}تفسير : [آل عمران:84] إلى قوله: {أية : وَمَآ أوُتِىَ مُوسَى وَعِيسَى }تفسير : [آل عمران:84] فلما سمعوا ذكر عيسى قالوا: ما رأينا شرًا من دينك، فأنزل الله تعالى في الرد عليهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يخاطب أهل الكتاب فيقول لهم {هل تنتقمون منا} وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها هل تسخطون. الثاني هل تنكرون. والثالث هل تكرهون، والمعنى متقارب يقول نقم ينقم نقماً ونقم ينقم والاول اكثر قال عبد الله بن قيس الرقيات: شعر : ما نقموا من بني أمية إِلا أنهم يحلمون إِن غضبوا تفسير : قال ابن عباس: أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع ابن أبي رافع وغيره، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال أؤمن {أية : بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وأما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون }تفسير : فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن به وبمن آمن به، فانزل الله هذه الآية. وقوله {وإن أكثركم فاسقون} في موضع نصب، لانه مصدر في تقدير بان اكثركم، ولو أستأنفه كان صواباً لكن لم يقرأ به. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: قال الزجاج والفراء هل تكرهون منا إِلا ايماننا وفسقكم، والمعنى ليس هذا مما ينقم. الثاني - قال الحسن: لفسقكم نقمتم ذلك علينا. الثالث - قال أبو علي: نقموا فسق اكثرهم، لانهم لم يتابعوهم عليه. فان قيل كيف قال: {وإن أكثركم فاسقون} وهم جميعاً فساق؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: أحدها أنهم خارجون عن أمر الله طلباً للرئاسة وحسداً على منزلة النبوة. الثاني - فاسقون بركوب الاهواء. الثالث - على التلطف للاستدعاء. ومعنى الآية هل تكرهون إِلا ايماننا وفسقكم أي انما كرهتم ايماننا وانتم تعلمون أنا على حق، لانكم فسقتم بأن اقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وتكسبكم بها الاموال. فان قيل كيف يعلم عاقل أن دينا من الاديان حق فيؤثر الباطل على على الحق؟! قلنا: أكثر ما نشاهده كذلك، من ذلك أن الانسان يعلم ان القتل يورده النار، فيقتل إما إِيثاراً لشفاء غيظ أو لاخذ مال. وكما فعل ابليس مع علمه بأن الله يدخله النار بمعصيته فآثر هواه على القربة من الله وعمل لما يدخله النار. وهذا ظاهر في العادات.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ} تكافؤن او تكرهون او تعاقبون {مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} المستنثى بتقدير الّلام او الباء او مفعول به بلا واسطة حرفٍ {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ} تعريض بمنافقى الامّة فى النّقمة من علىّ (ع) واولاده المعصومين (ع) واصحابهم التّابعين لهم {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} خارجون عن طريق الحقّ والعقل وهو عطف على ان آمنّا او على الله يعنى الاّ لان آمنّا بانّ اكثركم فاسقون.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ}: تنكرون أو تعيبون، وقرأ الحسن بفتح القاف وهو لغة. {مِنَّا}: الاستفهام للتعجب مرجوحة والنفى، والمراد أهل الكتاب الذين اتخذوا دين الله هزواً أو لعباً. {إِلا أَن آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا}: من القرآن والوحى. {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ}: كالانجيل والزبور والتوراة، أى ان رمتم أن تتخذوا فى ديننا خللا لم تجدوا فيه غير الايمان بذلك، وليس هذا خللا بل كمال، فالآية من تأكيد المدح ما يشبه الذم كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : روى أن نفراً من اليهود: أبا ياسر بن أخطب، ورافع بن أبى رافع وغيرهما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: من تؤمن به من الرسل؟ فقال: أومن بالله وما أنزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وذكر الأنبياء، وذكر فيهم عيسى، فلما ذكره جحدوا نبوته وقالوا: والله لا نؤمن بمن آمن به والله، وقالوا: والله لا نعلم أهل دين أقل حظاً فى الدنيا والآخرة منكم، ولا دين شراً من دينكم، فنزل: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ} الآية. {وَأّنَّ أكثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}: عطف على لفظ الجلالة، أى الا ان آمنا بالله، وبأن أكثركم فاسقون، أى صدقنا وتحققنا أن أكثركم فاسقون بمشاهدتنا اياكم، وباخبار الله ايانا، وذلك اقامتهم على الدين الباطل وسائر المعاصى التى لم يدينوا بها لحب الرياسة، وأخذ المال بالباطل، وخرج بالأكثر من آمن منهم وحسن ايمانهم، ويجوز أن يكون العطف على ان آمنا، أى هل آمنا الا ايماننا تنقمون بالله الخ، والا أن أكثركم فاسقون، وهو أيضاً من تأكيد المدح بما يشبه الذم، باعتبار أن فسق اليهود هو مخالفتهم الحق الذى عليه المسلمون، فان المستثنى وما عطف عليه بمنزلة لفظ واحد وهو المخالفة، أى ما تنقمون منا الا مخالفتنا أياكم، أو يقدر مضاف فيظهر تأكيد المدح، أى والا اعتقاد أن أكثركم فاسقون فيجوز العطف على علة محذوفة، أى هل تنقمون منا لقلة انصافكم ولفسقكم الا أن آمنا. ويجوز كون المعطوف محذوفاً جملة معطوفة على هل تنقمون منا الا أن آمنا الخ {وَأّنَّ أكثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} مفعول لهذا المحذوف، أى ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، ولا يكون هذا الوجه كالوجه الممنوع، ويكون هذا الوجه كالوجه الممنوع الذى هو قولك ما قام القوم الا زيد الا عمرو، لأن الجملة أعيدت وهى لا تنقمون مجاز، كما جاز: ما قام القوم الا زيد، وما قام عمرو، وقيل: يجوز ان يكون {انَّ أكثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} مبتدأ خبره محذوف، أى وفسقكم ظاهر لكن منعكم من الاقرار به عدم الانصاف، وحفظت أن مثل هذا ممنوع لا يجوز، أن تقول: انك قائم أمر ثابت، لأن لفظ ان لا يفتح فى الصدر، وعلى القول بالجواز يكون أى قيامك أمر ثابت الخبر محذوفاً وجوباً، ويجوز أن يكون الواو واو المعية كذا قيل، بناء على جوازها مع اسم غير صريح.
الالوسي
تفسير : {قُلْ يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب بعد نهي المؤمنين عن تولي المستهزئين بأن يخاطبهم ويبين أن الدين منزه عما يصحح صدور ما صدر منهم من الاستهزاء ويظهر لهم سبب ما ارتكبوه ويلقمهم الحجر، ووصفوا بأهلية الكتاب تمهيداً لما سيذكر سبحانه من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم أي قل يا محمد لأولئك الفجرة {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا} أي هل تنكرون وتعيبون منا، وهو من نقم منه كذا إذا أنكره وكرهه من حدّ ضرب، وقرأ الحسن {تَنقِمُونَ} / بفتح القاف من حدّ علم، وهي لغة قليلة، وقال الزجاج: يقال: نقم بالفتح والكسر، ومعناه بالغ في كراهة الشيء، وأنشد لعبد الله بن قيس:شعر : (ما نقموا) من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وفي «النهاية» «يقال: نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حدّ السخط، ويقال: نقم من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة، ومنه حديث الزكاة «حديث : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله تعالى»تفسير : أي ما ينقم شيئاً من منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة، فكأن غناه أداه إلى كفر نعمة الله تعالى»، وعن الراغب إن تفسير نقم بأنكر وأعاب لأن «النقمة معناها الإنكار باللسان أو بالعقوبة» لأنه لا يعاقب إلا على ما ينكر فيكون على حد قوله:شعر : ونشتم بالأفعـال لا بالتكـلم تفسير : وهو كما قال الشهاب: مما يعدى ـ بمن، وعلى ـ وقال أبو حيان [3/517]: «أصله أن يتعدى بعلى، ثم افتعل المبني منه يعدى بمن لتضمنه معنى الإصابة بالمكروه، وهنا فعل بمعنى افتعل» ولم يذكر له مستنداً في ذلك. {إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} من القرآن المجيد. {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ} أي من قبل إنزاله من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {وَأَنَّ أَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ} أي متمردون خارجون عن دائرة الإيمان بما ذكر، فإن الكفر بالقرآن العظيم مستلزم للكفر بسائر الكتب كما لا يخفى، والواو للعطف وما بعدها عطف على {أَنْ ءَامَنَّا}. واختار بعض أجلة المحققين أنه مفعول له ـ لتنقمون ـ والمفعول به الدين، وحذف ثقة بدلالة ما قبل وما بعد عليه دلالة واضحة، فإن اتخاذ الدين هزواً ولعباً عين نقمه وإنكاره، والإيمان بما فصل عين الدين الذي نقموه، خلا أنه [أبرز] في معرض علة نقمهم له تسجيلاً عليهم بكمال المكابرة والتعكيس حيث جعلوه موجباً لنقمه مع كونه في نفسه موجباً لقبوله وارتضائه، فالاستثناء على هذا من أعم العلل أي ما تنقمون منا ديننا لعلة من العلل إلا لإيماننا بالله تعالى وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل من كتبكم ولأن أكثركم متمردون غير مؤمنين بشيء مما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به، وقدر بعضهم المفعول المحذوف شيئاً ولا أرى فيه بأساً، وقيل: العطف على {أَنْ ءَامَنَّا} باعتبار كونه المفعول به لكن لا على أن المستثنى مجموع المعطوفين إذ لا يعترفون أن أكثرهم فاسقون حتى ينكروه بل هو ما يلزمهما من المخالفة، فكأنه قيل: هل تنكرون منا إلا أنا على حال يخالف حالكم حيث دخلنا في الإسلام وخرجتم منه بما خرجتم، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي واعتقاد أن أكثركم فاسقون، وقيل: العطف على المؤمن به أي هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وبأن أكثركم كافرون، وهذا في المعنى كالوجه الذي قبله. وقيل: العطف على علة محذوفة، وقد حذف الجار في جانب المعطوف، ومحله إما جر أو نصب على الخلاف المشهور أي هل تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون، وقيل: هو منصوب بفعل مقدر منفي دل عليه المذكور أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، ويقدر مقدماً عند بعض لأن {ءانٍ} المفتوحة لا يقع ما معها مبتدأ إلا إذا تقدم الخبر. وقال أبو حيان [3/517]: «إنَّ {أَن} لا يبتدأ بها متقدمة إلا بعد أما فقط»، وخالف الكثير من النحاة في هذا الشرط على أنه يغتفر في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في غيرها، والجملة على التقديرين حالية، أو معترضة أي وفسقكم / ثابت أو معلوم، وقيل: الواو بمعنى مع أي هل تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم الخ؟ وتعقبه العلامة التفتازاني بأن هذا لا يتم على ظاهر كلام النحاة من أنه لا بد في المفعول معه من المصاحبة في معمولية الفعل، وحينئذ يعود المحذور وهو أنهم نقموا كون أكثرهم فاسقين، نعم يصح على مذهب الأخفش حيث اكتفى في المفعول معه بالمقارنة في الوجود مستدلاً بقولهم: سرت والنيل وجئتك وطلوع الشمس، وبحث فيه بأن ذلك الاشتراط في المفعول معه لا يوجب الاشتراط في كل واو بمعنى مع، فليكن الواو بمعنى مع من غير أن يكون مفعولاً معه لانتفاء شرطه وهو مصاحبته معمول الفعل بل يكون للعطف. وقيل: الواو زائدة {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ} الخ في موضع التعليل أي هل تنقمون منا إلا الإيمان لأن أكثركم فاسقون. وقرأ نعيم بن ميسرة (وإن أكثركم) بكسر الهمزة، والجملة حينئذ مستأنفة مبينة لكون أكثرهم متمردين، والمراد بالأكثر من لم يؤمن وَمَا ءامَنَ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيل.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجمل معترضة بين ما تقدّمها وبين قوله: {أية : وإذا جاؤوكم}تفسير : [المائدة: 61]. ولا يتّضح معنى الآية أتمّ وضوح ويظهرُ الدّاعي إلى أمْرِ الله ورسوله ـــ عليه الصّلاة والسلام ـــ بأن يواجههم بغليظ القول مع أنّه القائل {أية : لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم}تفسير : [النساء: 148] والقائل {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالّتي هي أحسن إلاّ الّذين ظلموا منهم}تفسير : [العنكبوت: 46] إلاّ بعد معرفة سبب نزول هذه الآية، فيعلم أنّهم قد ظَلَموا بطعنهم في الإسلام والمسلمين. فذكر الواحدي وابن جرير عن ابن عبّاس قال: جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بنُ أخطب، ورافعُ بن أبي رَافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، إلى النّبيء فسألوه عمّن يُؤمِن به من الرسل، فلمّا ذكر عيسى ابن مريم قالوا: لا نؤمن بمَن آمن بعيسى ولا نعلم ديناً شَرّاً من دينكم وما نعلم أهلَ دين أقلّ حظّاً في الدنيا والآخرة منكم، فأنزل الله {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلاّ أن آمنا بالله} إلى قوله {وأضلّ عن سواء السبيل}. فخصّ بهذه المجادلة أهل الكتاب لأنّ الكفّار لا تنهض عليهم حجّتها، وأريد من أهل الكتاب خصوص اليهود كما يُنبىء به الموصولُ وصلتُه في قوله: {مَن لَعنه اللّهُ وغضب عليه} الآية. وكانت هذه المجادلة لهم بأنّ ما ينقمونه من المؤمنين في دينهم إذا تأمّلوا لا يجدون إلاّ الإيمانَ بالله وبما عند أهل الكتاب وزيادة الإيمان بما أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم. والاستفهام إنكاري وتعجّبي. فالإنكار دلّ عليه الاستثناء، والتعجّبُ دلّ عليه أنّ مفعولات {تنقمون} كلّها محامد لا يَحقّ نَقْمُها، أي لا تجدون شيئاً تنقمونه غير ما ذكر. وكلّ ذلك ليس حقيقاً بأن يُنقم. فأمّا الإيمان بالله وما أنزل من قبلُ فظاهر أنّهم رَضُوه لأنفسهم فلا ينقمونه على من ماثَلَهم فيه، وأمّا الإيمان بما أنزل إلى محمّد فكذلك، لأنّ ذلك شيء رضيه المسلمون لأنفسهم وذلك لا يهُمّ أهل الكتاب، وَدَعا الرسول إليه أهل الكتاب فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فما وجْه النقْم منه. وعدّي فعل {تنقمون} إلى متعلِّقه بحرف (من)، وهي ابتدائية. وقد يعدّى بحرف (على). وأمّا عطف قوله تعالى: {وأنّ أكثرهم فاسقون} فقرأه جميع القرّاء ـــ بفتح همزة (أنّ) ـــ على أنّه معطوف على {أن آمنّا بالله}. وقد تحيّر في تأويلها المفسّرون لاقتضاء ظاهرها فسق أكثر المخاطبين مع أنّ ذلك لا يَعترف به أهله، وعلى تقدير اعترافهم به فذلك ليس ممّا يُنْقَم على المُؤمنين إذ لا عمل للمؤمنين فيه، وعلى تقدير أن يكون ممّا يُنقم على المؤمنين فليس نقْمُه عليهم بمحلّ للإنكار والتعَجّب الّذي هو سياق الكلام. فذهب المفسّرون في تأويل موْقع هذا المعطوف مذاهب شتّى؛ فقيل: هو عطف على متعلّق {آمنَّا} أي آمنّا بالله، وبفسق أكثركم، أي تَنقِمون منّا مجموعَ هذين الأمرين. وهذا يُفيت معنى الإنكار التعجّبي لأنّ اعتقاد المؤمنين كَونَ أكثر المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقْمه فلا يتعجّب منه ولا ينكر عليهم نقمه، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه فلا يلتئم مع المعطوف عليه، فالجمع بين المتعاطفين حينئذٍ كالجمع بين الضبّ والنّون، فهذا وجه بعيد. وقيل: هو معطوف على المستثنى، أي ما تنقمون منّا إلاّ إيمانَنا وفسقَ أكثركم، أي تنقمون تخالف حالينا، فهو نَقْمُ حَسَد، ولذلك حسن موقع الإنكار التعجّبي. وهذا الوجه ذكره في «الكشاف» وقَدّمَه وهو يحسن لو لم تكن كلمة {مِنّا} لأنّ اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين، إذ ليس من فعلهم ولكن من مُصَادفة الزّمان. وقيلَ: حُذف مجرور دلّ عليه المذْكور، والتّقدير: هل تنقمون منّا إلاّ الإيمانَ لأنّكم جائرُون وأكثركم فاسقون، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود، إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا. وذكر وجهان آخران غير مرضيين. والّذي يظهر لي أن يكون قوله: {وأنّ أكثركم فاسقون} معطوفاً على {أنّ آمنّا بالله} على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكّماً، أي تنقمون منّا أنّنا آمنّا كإيمانكم وصدّقنا رسلكم وكتبكم، وذلك نَقْمُهُ عجيب وأنّنا آمنّا بما أنزل إلينا وذلك لا يهمّكم. وتنقمون منّا أنّ أكثركم فاسقون، أي ونحنُ صالحون، أي هذا نَقْم حَسَد، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين. فظهرت قرينة التهكّم فصار في الاستفهام إنكار فتعَجُّب فتهكُّم، تولَّد بعضُها عن بعض وكّلها متولّدة من استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية، وبهذا يكمل الوجه الّذي قدّمه صاحب «الكشاف». ثمّ اطّرد في التهكّم بهم والعَجبِ من أَفَن رأيهم مع تذكيرِهم بمساويهم فقال: {قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله} الخ. وشرّ اسم تفضيل، أصله أشَرّ، وهو للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال، والزّيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشرّ، وإنّما جَرى هذا تهكّماً باليهود لأنّهم قالوا للمسلمين: لا دِينَ شَرّ من دينكم، وهو ممّا عبّر عنه بفعل {تنقمون}. وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال: «قُلْتَ فأوْجبْت». والإشارة في قوله {من ذلك} إلى الإيمان في قوله: {هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا بالله} الخ باعتبار أنّه منقوم على سبيللِ الفرض. والتّقدير: ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّاً بني عليه التهكّم في قوله: {هل أنبّئكم بشرّ من ذلك}، أي ممّا هو أشدّ شرّاً. والمثُوبة مشتقّة من ثَاب يثوب، أي رجع، فهي بوزن مفعولة، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عمللٍ عملَه أو سعْي سعاه، وأصلها مثوب بها، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال. وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلاّ على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه، فلا تطلق على الضّرْب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثُوب به المرء إلى منزله، ولأنّ العرب إنّما يبْنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم، فلا يريدون بالمثوبة إلاّ عطية نافعة. ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطَى. فَجَعْلها في هذه الآية تمييزاً لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات، وذلك كقول عمرو بن كلثوم:شعر : قَرَيْنَاكم فعجَّلْنَا قِراكم قُبَيْلَ الصبح مِرْداة طحونا تفسير : وقول عمرو بن معديكرب:شعر : وخيلٍ قد دَلَفتُ لها بِخيْل تَحِيَّةُ بَيْنهم ضرْب وَجِيع تفسير : وقوله: {مَن لَعَنَهُ الله} مبْتدأ، أريد به بيان من هو شرّ مثوبة. وفيه مضاف مقدّر دلّ عليه السياق. وتقديره: مثوبةُ مَنْ لَعنهُ الله. والعدول عن أن يقال: أنتم أو اليهودُ، إلى الإتيان بالموصول للعِلم بالمعنيّ من الصلة، لأنّ اليهود يعلمون أنّ أسلافاً منهم وقعت عليهم اللّعنة والغضب من عهد أنبيائهم، ودلائله ثابتة في التّوراة وكتب أنبيائهم، فالموصول كناية عنهم. وأمّا جعلهم قردة وخنازير فقد تقدّم القول في حقيقته في سورة البقرة. وأمّا كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك عبادتهم العِجل. والطاغوت: الأصنام، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : يؤمنون بالجبت والطاغوت}تفسير : في سورة النّساء (51). وقرأ الجمهور {وعبدَ الطاغوتَ} بصيغة فعل المضيّ في {عبد} وبفتح التّاء من {الطاغوت} على أنّه مفعول {عبد}، وهو معطوف على الصّلة في قوله {من لَعنهُ الله}، أي ومن عبدوا الطاغوت. وقرأه حمزة وحْده ـــ بفتح العين وضمّ الموحّدة وفتح الدّال وبكسر الفوقيّة من كلمة الطاغوت ـــ على أن «عَبُد» جمع عَبْد، وهو جمع سماعي قليل، وهو على هذه القراءة معطوف على {القردة والخنازير}. والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتاً لهم عن التطاول. على أنّه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمانَ قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانَيْهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالاً وأجدر بكونهم شرّاً، فيكون الكلام من ذمّ القبيل كلّه. على أنّ كثيراً من موجبات اللّعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف، على أنّهم شتموا المسلمين بما زعموا أنّه دينهم فيحقّ شتمهم بما نعتقده فيهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 59- قل - أيها الرسول - لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب، هل تنقمون علينا إلا إيماننا بالله وبما أنزل إلينا - وهو القرآن - وبما أنزل من قبل على الأنبياء من الكتب الصحيحة: وإيماننا بأن أكثركم خارجون على شريعة الله؟!. 60- قل لهم: ألا أخبركم بأعظم شر فى الجزاء عند الله؟ إنه عملكم أنتم يا من أبعدهم الله من رحمته، وسخط عليهم بسبب كفرهم وعصيانهم، وطمس على قلوبهم، فكانوا كالقردة والخنازير، وعبدوا الشيطان، واتبعوا الضلال. أولئك فى أكبر منزلة من الشر، لأنهم أبعد الناس عن طريق الحق. 61- وإذا جاءكم المنافقون كذبوا عليكم بقولهم: آمنا، وهم قد دخلوا إليكم كافرين كما خرجوا من عندكم كافرين، والله أعلم بما يكتمون من النفاق ومعاقبهم عليه. 62- وترى كثيراً من هؤلاء يسارعون فى المعاصى والاعتداء على غيرهم، وفى أكل المال الحرام كالرشوة والربا ولبئس ما يفعلونه من هذه القبائح. 63- أما كان ينبغى أن ينهاهم علماؤهم وأحبارهم عن قول الكذب وأكل الحرام، ولبئس ما كانوا يصنعون من ترك النصيحة والنهى عن المعصية.
القطان
تفسير : نقم منه كذا: أنكره عليه وعابه بالقول او الفعل. المثوبة: الجزاء والثواب. الطاغوت: الطغيان، وهو مجاوزة الحد المشروع. السحت: المحرّم، والدنيء من المحرمات. بعد النداءات الثلاثة التي مرت {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ...} و{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ...} و{يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً...} يتوجّه الخِطاب إلى الرسول ان يواجه أهلَ الكتاب فيسألهم ماذا ينقمون من المسلمين؟ قل لهم يا محمد: أنتم يا أهل الكتاب، هل تعيبون علينا شيئا غير إيماننا الصادق بالله وتوحيدِه، وإيماننا بما أَنزل الله إلينا وسابقينا من رُسُله، واعتقادنا الجازم أن أكثركم خارجون عن حظيرة الإيمان الصحيح؟ روى ابن جرير عن ابن عبّاس قال: "حديث : أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود منهم ابو ياسر أخطب، ورافع بن أبي رافع في جماعة، فسألوه عمَّن يؤمن به من الرسل فقال: "أومن بالله ما أُنزل الينا، وما أنزل الى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى عيسى وما أوتي النبيّون من ربهم، لا نفرّق بين أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمون ". فلما ذَكر عيسى جحدوا نبّوته وقالوا لا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله فيهم {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}. تفسير : قل لهم: ألا أخبرُكم بأعظمِ شرّ في الجزاء عند الله. إنه اذا انصبّ على موقعٍ لعَنَهم الله، وسخط عليهم، وطمس على قلوبهم، فكانوا كالقِردة والخنازير، وعبدوا الشيطان, أولئك الذين اتّصفوا بما ذُكر من المخازي وشنيع الأمور، ولا مكانَ لهم في الآخرة إلا النار، لأنهم أبعدُ الناس عن طريق الحق. ثم بيّن حال المنافقين منهم فقال: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} وإذا جاءكم المنافقون، كذبوا عليكم بقوله: آمنّا، والحق أنهم قد دخلوا إليكم كافرين، كما خرجوا من عندكم كافرين. كما جاء في سورة البقرة.. {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ...} الآية، والله أعلَمُ بما يكتمون من النفاق. ثم ذكر في شئونهم ما هو شر مما سلف فقال: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ}. وترى أيها الرسول كثيراً من هؤلاء اليهود يسارعون في المعاصي والاعتداء على الناس، وفي أكْلِ الحرام كالرِشوة والربا. ثم بالغ في تقبيح هذه الأعمال، فقال {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي واللهِ، ما أقبح هذا العملَ الذي يعمله هؤلاء من مسارعتهم في كل ما يفسد النفوس ويقوّض نظم المجتمع! ويل للأمة التي تعيش فيها أمثال هؤلاء! فهلاّ نهاهم عُلماؤهم وزّهادهم عن أفعالهم القبيحة! والى هذا أشار الله تعالى بقوله: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}. هلاّ ينهى الربانيّون، والأحبار هؤلاء الذين يسارعون فيما ذُكر من المعاصي!!، لبئس ما يصنع أولئك الأحبار حين يرضون ان تُقترف هذه الأوزار والخطايا ويتركون فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. روي عن ابن عبّاس أنه قال: ما في القرآن أشدّ توبيخاً من هذه الآية للعلماء إذا قصّروا في الهداية والارشاد، وتركوا النهي عن الشرور والآثام. وعلى العلماء والحكّام وأولي الأمر أن يعتبروا بهذا السخط على اليهود، ويعلموا أن هذه موعظةٌ وذكرى لهم. قراءات: قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي {مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ} بالجر، والباقون "والكفار" بالنصب. وقرأ حمزة "عبد الطاغوت" بكسر التاء، والباقون "عبد الطاغوت" فتح التاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَـٰأَهْلَ} {ٱلْكِتَابِ} {آمَنَّا} {فَاسِقُونَ} (59) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لهؤلاءِ الذِينَ يَتَّخِذُونَ دِينَكُمْ هُزْواً وَلَعِباً مِنْ أهْلِ الكِتَابِ: هَلْ لَكُمْ مَطْعَنٌ عَلينا، وَمَا الذِي تَعِيبُونَهُ عَلينا، وَتَنْقِمُونَهُ مِنّا، غَيْرَ إيمانِنَا بِرَبِّنا، وَبِمَا أنْزَلَهُ إلَيْنا وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَى أهْلِ الكِتَابِ مِنْ قَبْلِنَا، وَغَيْرَ إيْمَانِنَا - يَا أهْلَ الكِتَابِ - بِأنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَعَنْ طَرِيقِ الهُدْى؟ نَقَمَ عَلَيهِ - أنْكَرَ عَلَيهِ أوْ عَابَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"قُلْ" هي خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين يخاطب الحق الرسول، فالخطاب أيضاً لأمته صلى الله عليه وسلم، فنقول نحن أيضاً: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]. و"نَقَم يَنْقِم" أي كره مني أن أفعل هذا، فلماذا تكرهون إيماننا يا أهل الكتاب؟ هل الإيمان مما يكره؟ وجاء الحق هنا بسؤال لا يقدرون على الإجابة عنه، فنحن آمنا بالله وبرسله وما أنزله علينا وما أنزل من قبل، فما الذي يُكره في هذا؟ وأبلغ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اليهود أننا نؤمن بالله وبالرسل ومنهم سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، فغضبوا منه كثيراً. فكيف يكره أهل الكتاب إيمان المسلمين بالله؟ مثال ذلك عندما يدعوك إنسان إلى تصرف غير مستقيم أو إلى الذهاب إلى مكان مشبوه فترفض ذلك يكرهك هذا الإنسان، فتقول له: أتكره في سلوكي أن أكون مستقيماً؟ ونعلم أن الإنسان الأمين هو ثروة لمن يعرفه والذي يستحق النقمة والكراهية هو الفعل الضار، أما الإيمان بالله فهو أمر محبوب لأنه يُعلم الإنسان الأدب مع كل خلق الله، ويعلم الإنسان الحفاظ على أعراض الناس، ويعلم الإنسان ألاَّ يعتدي على أموال ودماء الناس ولا يغتاب الناس، ولا يرتشي، وأن يخلص في العمل وألا يكذب في ميعاد، فأي شيء في هذا يستحق الكراهية؟ إذن، فمن يكره إنساناً لأي سبب من هذا فهو كره بلا منطق، وكان من الواجب أن يكون سبب الكره سبباً للمحبة. وقد يأتي من يقول لك: ليس في فلان من عيوب إلا كذا. وقد يورد سبباً معقولاً. ولكن لا يقول أحد أبداً: لا عيب في فلان إلا أنه شهم؛ لأن الشهامة لا يمكن أن تكون عيباً، كأن القائل قد أعمل ذهنه حتى يكتشف عيباً، لم يجد إلا صفة رائعة، وقال عنها: إن كنت تعتبر هذه الصفة عيباً فهذا هو عيبه. ويسمون ذلك من أساليب الأداء الأدبي عند العرب وهو تأكيد المدح بما يشبه الذم، فيقول قائل: لا عيب في فلان إلا كذا. وساعة يسمع السامع هذا يظن أن العيب الذي سيورده هو صفة قبيحة فيفاجأ بأنها خصلة جميلة. وبذلك يؤكد القائل المدح بما يشبه الذم: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}. أنتم تقولون: إنكم أهل كتاب وعندكم التوارة، وكان يجب أن تعلموا كيف يشذب الإيمان النفوس ويدفع عنها الشر؛ لأن لكم سابقة في الإيمان، فقد آمنتم بالله وبالرسل السابقين على موسى وآمنتم بموسى، والمسلمون آمنوا بالله وآمنوا بما أنزل إليهم وآمنوا بالرسل ومنهم موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم فكيف يُكره ذلك؟ وإن كان هذا مما يُكره فعلينا كمؤمنين أن نسألكم: لماذا تنكرون علينا ذلك؟ لا شك أنكم تنكرون علينا إيماننا بالله لأنها قضية غير واضحة في أذهانكم. ولو كانت واضحة في أذناهكم ما كرهتم إيماننا. إذن فمسألة الإيمان بالله غير مستقرة في وجدانكم كأهل كتاب بدليل أنكم تكرهون من آمن بالله، ودليل ذلك أنكم أنزلتم الله منزلة لا تليق بكماله، فجسمتموه وقلتم: {أية : حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55]. وقلتم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]. وقلتم: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64]. إذن فأنتم تكرهون لنا أن نؤمن بالله إيماناً يليق بكمال الله؛ لأنكم لم تؤمنوا بالله صحيح الإيمان، ولو طابق إيماننا إيمانكم ما كرهتمونا. وكذلك لم تؤمنوا بالكتب بدليل أنكم حرفتموها. ولم تؤمنوا بالرسل لأنكم وقفتم من عيسى عليه السلام هذه المواقف. إذن فأنتم تنقمون منا وتكرهون أموراً لا تُكره عند الطبع السليم، وهذا دليل على أن طبعكم هو المختل. وإذا كنتم تكرهون هذا الإيمان فماذا تملكون لمن تكرهون؟ لا قوة لكم لتفعلوا لنا أي شيء. ولكن حين يكرهكم الله فماذا يفعل بكم؟ إنكم حين تكرهوننا لا تملكون قدرة لعقابنا، لكن الذي يكرهكم هو الله وعنده القدرة المقتدرة لينتقم لنا منكم. إذن فكراهيتكم لنا لا قيمة لها. وإذا كنا نجاريكم، والمجاراة لون من جدال الخصوم فماذا يعنيكم من كوننا مؤمنين؟ مثال ذلك أن يتهمك إنسان بأنك بخيل فتقول له: هب أنني بخيل فعلاً فماذا يعنيك من هذا؟ وهذا ما نسميه مجاراة الخصوم؛ لذلك نقول لأهل الكتاب: هب أن لكراهيتكم لنا رصيداً وأنكم تستطيعون إيذاءنا، فلكم شر من هذا وهو عقاب الله، وسنرى ماذا سيحدث لكم عندما يكرهكم الله. وهو قادر على كل شيء. وعلى فرض أن إيذاءكم لنا هو شر، فالأكثر فاعلية هو عقاب الحق لكم؛ لأنه عندما يكرهكم يقدر أن يعاقبكم بما شاء. إذن فالصفقة - صفقة كراهيتكم لنا - خاسرة من ناحيتكم. ولذلك قال الحق: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} معناهُ تَكرَهُونَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { قُلْ } يا أيها الرسول { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ } ملزما لهم، إن دين الإسلام هو الدين الحق، وإن قدحهم فيه قدح بأمر ينبغي المدح عليه: { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين، وبأننا نجزم أن من لم يؤمن كهذا الإيمان فإنه كافر فاسق؟ فهل تنقمون منا بهذا الذي هو أوجب الواجبات على جميع المكلفين؟" ومع هذا فأكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم -أيها الفاسقون- السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم. ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر، قال تعالى: { قُلْ } لهم مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: { هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ } الذي نقمتم فيه علينا، مع التنزل معكم. { مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ } أي: أبعده عن رحمته { وَغَضِبَ عَلَيْهِ } وعاقبه في الدنيا والآخرة { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } وهو الشيطان، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. { أُولَئِكَ } المذكورون بهذه الخصال القبيحة { شَرٌّ مَّكَانًا } من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم، ورضي الله عنهم وأثابهم في الدنيا والآخرة، لأنهم أخلصوا له الدين. وهذا النوع من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه وكذلك قوله: { وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } أي: وأبعد عن قصد السبيل. { وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا } نفاقا ومكرا { و } هم { قد دَّخَلُوا } مشتملين على الكفر { وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ } فمدخلهم ومخرجهم بالكفر -وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فهل أشر من هؤلاء وأقبح حالا منهم؟ { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ } فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها. ثم استمر تعالى يعدد معايبهم، انتصارا لقدحهم في عباده المؤمنين، فقال: { وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ } أي: من اليهود { يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ } أي: يحرصون، ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين. { وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } الذي هو الحرام. فلم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون ذلك، حتى أخبر أنهم يسارعون فيه، وهذا يدل على خبثهم وشرهم، وأن أنفسهم مجبولة على حب المعاصي والظلم. هذا وهم يدعون لأنفسهم المقامات العالية. { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وهذا في غاية الذم لهم والقدح فيهم. { لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } أي: هلا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس، الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة -عن المعاصي التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبونهم في الخير ويرهبونهم من الشر { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):