٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله {مّن ذٰلِكَ } إشارة إلى المنقم، ولا بدّ من حذف المضاف، وتقديره: بشر من أهل ذلك؛ لأنه قال: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } ولا يقال الملعون شر من ذلك الدين، بل يقال: إنه شر ممن له ذلك الدين. فإن قيل: فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوماً عليهم بالشر، ومعلوم أنه ليس كذلك. قلنا: إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر، فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك. المسألة الثانية: {مَثُوبَةً } نصب على التمييز، ووزنها مفعلة كقولك: مقولة ومجوزة، وهو بمعنى المصدر، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور. فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلنا: هذا على طريقة قوله {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] وقول الشاعر: تحية بينهم ضرب وجيع المسألة الثالثة: {مِنْ } في قوله {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } يحتمل وجهين: الأول: أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، فإنه لما قال: {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ } فكأن قائلاً قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } تفسير : [الحج: 72] كأنه قال: هو النار. الثاني: يجوز أن يكون في موضع خفض بدلاً من (شر) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله. المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعاً: أولها: أنه تعالى لعنهم، وثانيها: أنه غضب عليهم، وثالثها: أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. قال أهل التفسير: عنى بالقردة أصحاب السبت، وبالخنازير كفار مائدة عيسى. وروي أيضاً أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. المسألة الخامسة: ذكر صاحب «الكشاف» في قوله {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ } أنواعاً من القرآات: أحدها: قرأ أُبي: وعبدوا الطاغوت، وثانيها: قرأ ابن مسعود: ومن عبدوا، وثالثها: وعابد الطاغوت عطفاً على القردة، ورابعها: وعابدي، وخامسها: وعباد، وسادسها: وعبد، وسابعها: وعبد، بوزن حطم، وثامنها: وعبيد، وتاسعها: وعبد بضمتين جميع عبيد، وعاشرها: وعبدة بوزن كفرة، والحادي عشر: وعبد، وأصله عبدة، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدم في جمع خادم، والثاني عشر: عبد، والثالث عشر: عباد، والرابع عشر: وأعبد، والخامس عشر: وعبد الطاغوت على البناء للمفعول، وحذف الراجع، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم، والسادس عشر: وعبد الطاغوت، بمعنى صار الطاغوت معبوداً من دون الله تعالى، كقولك: أمر إذا صار أميراً، والسابع عشر: قرأ حمزة: عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره، وقال قوم: إنها ليست بلحن ولا خطأ، وذكروا فيها وجوهاً: الأول: أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة، كقولهم: رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان، وهذا أحسن الوجوه. الثاني: أن العبد، والعبد لغتان كقولهم: سبع وسبع. والثالث: أن العبد جمعه عباد، والعباد جمعه عبد، كثمار وثمر. ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة. الرابع: يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت، فيكون مثل فلس وأفلس، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين. الخامس: يحتمل أنه أراد: وعبدة الطاغوت كما قريء، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل. المسألة السادسة: قوله {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ } قال الفرّاء: تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت، فعلى هذا: الموصول محذوف. المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله. قالوا: لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت، وإنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك، وذلك على خلاف الآية. قالت المعتزلة: معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19] والكلام فيه قد تقدم مراراً. المسألة الثامنة: قيل: الطاغوت العجل، وقيل: الطاغوت الأحبار، وكل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكاناً من المؤمنين، وفي لفظ المكان وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن مكانهم سقر، ولا مكان أشد شراً منه. والثاني: أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله، وهو من باب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه. ثم قال: {وَأَضَلُّ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي عن قصد السبيل والدين الحق. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ } أخبركم {بِشَرٍّ مّن } أهل {ذٰلِكَ } الذي تنقمونه {مَثُوبَةً } ثواباً بمعنى جزاء {عَندَ ٱللَّهِ } هو {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } أبعده من رحمته {وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ } بالمسخ {وَ} من {عَبْدَ ٱلطَّٰغُوتَ } الشيطان بطاعته، وراعى في «منهم» معنى «مَنْ» وفيما قبله لفظها وهم اليهود، وفي قراءة بضم باء (عبد) وإضافته إلى ما بعده اسم جمع لـ(ـعبْد) ونصبه بالعطف على (القردة) {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } تمييز، لأن مأواهم النار {وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ ٱلسَّبِيلِ } طريق الحق وأصل (السواء) الوسط وذكر «شر» و«أضل» في مقابلة قولهم: لا نعلم دينا شرا من دينكم.
الخازن
تفسير : {قل هل أنبئكم بشرٍّ من ذلك} هذا جواب لليهود لما قالوا ما نعرف ديناً شراً من دينكم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة هل أخبركم بشر من ذلك الذي ذكرتم ونقمتم علينا من إيماننا بالله وبما أنزل علينا {مثوبة عند الله} يعني جزاء. فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان لأنها في معنى الثواب، فكيف جاءت في الإساءة؟. قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع. فإن قلت: هذا يقتضي أن الموصوفين بذلك الدين محكوم عليهم بالشر لأنه تعالى قال بشر من ذلك ومعلوم أن الأمر ليس كذلك فما جوابه؟. قلت: جوابه أن الكلام خرج على حسب قولهم واعتقادهم، فإن اليهود حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر فقال لهم: هب أن الأمر كذلك لكن من لعنه الله وغضب عليه ومسخ صورته شر من ذلك. وقوله تعالى: {من لعنه الله} معناه هل أنبئكم بمن لعنه الله أو هو من لعنه الله ومعنى لعنه الله: أبعده وطرده عن رحمته {وغضب عليه} يعني وانتقم منه لأن الغضب إرادة الانتقام من العصاة {وجعل منهم القردة والخنازير} يعني من اليهود من لعنه الله وغضب عليه ومنهم من جعلهم قردة وخنازير قال ابن عباس: إن الممسوخين كلاهما أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. وقيل إن مسخ القردة كان من أصحاب السبت من اليهود ومسخ الخنازير كان في الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى عليه السلام ولما نزلت هذه الآية عيَّر المسلمون اليهود وقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير وافتضحوا بذلك {وعبد الطاغوت} يعني: وجعل منهم عبد الطاغوت، يعني من أطاع الشيطان فيما سول له والطاغوت هو الشيطان. وقيل: هو العجل. وقيل: هو الكهان والأحبار. وجملته أن كل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده وهو الطاغوت {أولئك} يعني الملعونين والمغضوب عليهم والممسوخين {شرّ مكاناً} يعني من غيرهم ونسب الشر إلى المكان والمراد به أهله فهو من باب الكناية وقيل: أراد أن مكانهم سقر ولا مكان أشد شراً منه {وأضل عن سواء السبيل} يعني وأخطأ عن قصد طريق الحق. قوله تعالى: {وإذا جاؤوكم قالوا آمنا} قال قتادة: نزلت في أناس من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به وهم متمسكون بضلالتهم وكفرهم فكان هؤلاء يظهرون الإيمان وهم في ذلك منافقون، فأخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بحالهم وشأنهم {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} يعني: إنهم دخلوا كافرين وخرجوا كما دخلوا كافرين لم يتعلق بقلوبهم شيء من الإيمان فهم كافرون في حالتي الدخول والخروج {والله أعلم بما كانوا يكتمون} يعني من الكفر الذي في قلوبهم. قوله عز وجل: {وترى كثيراً منهم} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وترى يا محمد كثيراً من اليهود وكلمة "من" يحتمل أن تكون للتبعيض. ولعل هذه الأفعال المذكورة في هذه الآية ما كان يفعلها كل اليهود فلذا قال تعالى: وترى كثيراً منهم {يسارعون}. المسارعة في الشيء: المبادرة إليه بسرعة لكن لفظة المسارعة إنما تستعمل في الخير. ومنه قوله تعالى: يسارعون في الخيرات وضدها العجلة، وتقال في الشر في الأغلب وإنما ذكرت لفظة في قوله يسارعون {في الإثم والعدوان وأكلهم السحت} الفائدة وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيها. والإثم اسم جامع لجميع المعاصي والمنهيات فيدخل تحته العدوان وأكل السحت، فلهذا ذكر الله العدوان وأكل السحت بعد الإثم والمعاصي وقيل الإثم ما كتموه من التوراة والعدوان وما زادوا فيها والسحت هو الرشا وما يأكلونه من غير وجهه {لبئس ما كانوا يعملون} يعني لبئس العمل كان هؤلاء اليهود يعملون وهو مسارعتهم إلى الإِثم والعدوان وأكلهم السحت. قوله تعالى: {لولا} يعني هلا وهي هنا بمعنى التحضيض والتوبيخ {ينهاهم الربانيون والأحبار} قال الحسن الربانيون علماء أهل الإنجيل والأحبار علماء أهل التوراة وقال غيره كلهم من اليهود لأنه متصل بذكرهم {عن قولهم الإثم} يعني الكذب {وأكلهم السحت} والمعنى هلا نهى الأحبار والرهبان، اليهود عن قولهم الإثم وأكلهم السحت {لبئس ما كانوا يصنعون} يعني الأحبار والرهبان إذا لم ينهوا غيرهم عن المعاصي. وهذا يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه لأن الله تعالى ذمّ الفريقين في هذه الآية. قال ابن عباس: ما في القرآن أشد توبيخاً من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً}، يعني: مرجعاً عند اللَّه يوم القيامة؛ ومنه: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة:125]، ومشى المفسِّرون في هذه الآية علَىٰ أنَّ الذين أُمِرَ ـــ عليه السلام ـــ أنْ يقول لهم: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُواً ولعباً؛ قال ذلك الطبريُّ، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلَىٰ متقدِّم شيئاً، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي: قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين: هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ؛ أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم. وقوله سبحانه: {وَجَعَلَ}، هِيَ بمعنَىٰ «صَيَّرَ»، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في «البقرة»، و {عَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ}: تقديره: ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» ـــ بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء مِنَ الطاغوت ـــ؛ وذلك أنَّ «عَبُدَ» لفظُ مبالغةٍ؛ كقَدُسَ. قال الفَخْر: قيل: الطاغوتُ هنا: العِجْلُ، وقيل: الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحداً في معصية اللَّهِ فقد عبده. انتهى. و {مَكَاناً}: يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان علَىٰ وجْهه، أي: المحلّ إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ، والحالةِ. وقوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ} يعني: اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم؛ قاله ابن عباس وغيره. وقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ}: أي: من الكُفْر، والرؤيةُ هنا تَحْتملُ أنْ تكون قلبيةً، وأنْ تكون بَصَرِيَّةً، و {فِي ٱلإِثْمِ}، أي: موجباتِ الإثمِ، واللامُ في: {لَبِئْسَ}: لام قَسَم. وقوله تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ}: تحضيضٌ في ضمنه توبيخٌ لهم، قال الفَخْر: والمعنَىٰ: هَلاَّ ينهاهم. انتهى. قال الطبريُّ: كان العلماءُ يقُولُون: ما في القرآن آيةٌ هي أشَدُّ توبيخاً للعلماءِ من هذه الآية، ولا أخْوَفُ عليهم منْها. وقال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: ما في القُرآنِ آيةٌ أخْوَفُ عندي منها؛ أنَّا لا نَنْهَىٰ؛ وقال نحو هذا ابنُ عَبَّاس. وقوله سبحانه: {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإثْمَ}: ظاهره أنَّ الإثم هنا يرادُ به الكُفْر، ويحتمل أن يراد سَائِرُ أقوالهم المُنْكَرَة في النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ ابن عباس: «بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»؛ بغير لام قَسَم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم}: قرأ الجمهور، "أنَبِّئُكُمْ" بتشديد الباء من نبأ، وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب "أنْبِئُكُمْ" بالتخفيف من أنبأ وهما لغتان فصيحتان والمخاطب في "أنبئكم" فيه قولان: أحدهما: وهو الذي لا يعرف أهل التفسير غيره - أن المراد به أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم. والثاني: أنه للمؤمنين. قال ابن عطية: ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمرَ أن يقول لهم: "هل أنبئكم" هم اليهود والكفار، والمتخذون ديننا هُزُواً ولعباً. قال ذلك الطبري، ولم يسند في ذلك [إلى] متقدم شيئاً، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين. انتهى. فعلى كونه ضمير المؤمنين واضحٌ، وتكون "أفْعَلُ" التفضيل أعني "بِشَرّ" على بابها؛ إذ يصير التقدير: قل هل أنبئكم يا مؤمنون بشر من حال هؤلاء الفاسقين، أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله، وتكون الإشارة بذلك إلى حالهم، كذا قدره ابن عطية، وإنما قدَّرَهُ مضافاً، وهو حال ليصح المعنى، فإن ذلك إشارة للواحد، ولو جاء من غير حذف مضاف لقيل: بشر من أولئكم بالجمع. قال الزمخشري: "ذلك" إشارة إلى المنقوم، ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل "من" تقديره: بِشَرٍّ من أهل ذلك، أو دين من لعنه [الله] انتهى. ويجوز ألاَّ يقدر مضاف محذوف لا قَبْلُ ولا بَعْدُ، وذلك على لغة من يشير للمفرد والمثنى والمجموع تذكيراً وتأنيثاً بإشارة الواحد المذكر، ويكون "ذلك" إشارة إلى الأشخاص المتقدمين الذين هم أهل الكتاب، كأنه قيل: بشرٍّ من أولئك، يعني أن السَّلف الذي لهم شرٌّ من الخَلَفِ، وعلى هذا يجيء قوله: "مَنْ لَعَنَه" مفسراً [لنفس "ذلك" وإن كان ضمير أهل الكتاب وهو قول عامة المفسرين فيشكل ويحتاج إلى جواب] ووجه الإشكال أنه يصير التقدير: هل أنبئكم يا أهل الكتاب بِشَرٍّ من ذلك، و"ذلك" يرادُ به المنقوم، وهو الإيمان، وقد علم أنه لا شَرَّ في دين الإسلام ألبتة، وقد أجاب الناس عنه، فقال الزمخشري عبارةً قرر بها الإشكال المتقدم، وأجاب عنه بعد أن قال: فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف وقعت في الإساءة؟ قلت: وضعت موضع عقوبة، فهو كقوله: [الوافر] شعر : 1988- ................. تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : ومنه {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21]، وتلك العبارة التي ذكرتها [لك] هي أن قال: "فإن قلت: المُعَاقب من الفريقين هم اليهود، فلمَ شورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالُّون مستوجبون للعقوبة، فقيل لهم: مَنْ لعنه الله شَرٌّ عقوبة في الحقيقة، فاليقين لأهل الإسلام في زعمكم ودعواكم". وفي عبارته بعض علاقة وهي قوله: "فَلِمَ شورك بينهم" أي: بين اليهود وبين المؤمنين. وقوله: "من الفريقين" يعني بهما أهل الكتاب المخاطبين بـ "أنبئكم"، ومَنْ لعنه الله وغضب عليه، وقوله: "في العقوبة"، أي: التي وقعت المثوبة موقعها، ففسرها بالأصل، وفسَّر غيره المثوبة هنا بالرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة، ويترتب على التفسيرين فائدة تظهر قريباً. قال القرطبي: المعنى فبشرٍّ من نقمكم علينا، وقيل: من شر ما تريدون لنا من المكروه، وهذا جواب لقولهم: "ما نعرف ديناً أشرَّ من دينكم". و"مَثُوبَةً" نصبٌ على التمييز، ومميَّزُها "شَرٌّ"، وقد تقدَّم في البقرة الكلامُ على اشتقاقها ووزنها، فَلْيُلْتَفَتْ إليه. قوله تعالى: "عِنْدَ الله" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بنفس "مَثُوبَةٌ"، إن قُلْنا: إنها بمعنى الرجوع؛ لأنك تقول: "رَجَعْتُ عِنْدَهُ"، والعندية هنا مجازية. والثاني: أنه متعلِّق بمحذوف؛ لأنه صفة لـ "مَثُوبَةً"، وهو في محلِّ نصبٍ، إن قلنا: إنها اسمٌ مَحْضٌ وليستْ بمعنى الرجوعِ، بل بمعنى عقوبة. وقرأ الجمهورُ: "أنَبِّئُكُمْ" بتشديد الباء من "نَبَّأ"، وقرأ إبراهيم النَّخَعِيُّ ويحيى بْنُ وثَّابٍ: "أنْبِئُكُمْ" بتخفيفها من "أنْبَأَ"، وهما لغتان فصيحتان، والجمهور أيضاً على "مَثُوبَة" بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ الأعرَجُ وابن بُرَيْدَة ونبيح وابن عمران: "مَثْوبة" بسكون الثاء وفتح الواو، وجعلها ابن جِنِّيّ في الشذُوذِ؛ كقولهم "فَاكِهَةٌ مَقْودَةٌ للأذَى"، بسكون القاف وفتح الواو، يعني: أنه كان من حقِّها أن تُنْقَلَ حركةُ الواو إلى الساكن قبلها، وتُقْلب الواوُ ألفاً، فيقال: مَثَابَة ومقادَة كما يقال: "مَقَام" والأصل: "مَقْومٌ". قوله تعالى: "مَنْ لَعَنَهُ" في محلِّ "مَنْ" أربعةُ أوجه: أحدها: أنه في محلِّ رفع على خبر مبتدأ مضمرٍ، تقديره: هُوَ مَنْ لَعنَهُ الله فإنه لما قال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ}، فكأنَّ قَائِلاً قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لَعَنَهُ الله. ونظيرُهُ قوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [الحج: 72] أي: هو النار. وقدَّر مكيٌّ قبله مضافاً محذوفاً، قال: "تقديرُه: لَعْنُ مَنْ لَعَنَهُ الله"، ثم قال: وقيل: "مَنْ" في موضعِ خَفْضٍ على البدلِ من "بِشَرٍّ" بدلِ الشيء من الشَّيْء، وهو هو، وكان ينبغي له أن يقدِّرَ في هذا الوجه مضافاً محذوفاً؛ كما قدَّره في حالة الرفع؛ لأنه إنْ جَعَلَ "شَرًّا" مراداً به معنًى، لزمه التقديرُ في الموضعين، وإن جعله مراداً به الأشخاصُ، لزمَهُ ألاَّ يُقَدِّر في الموضعَيْن. الثاني: أنه في محل جر، كما تقدَّم بيانُه عن مكيٍّ والمعنى: أنبئكم عن من لَعَنَهُ الله. الثالث: أنه في محلِّ نصبٍ على البَدَل من محل "بِشَرٍّ". الرابع: أنه في محلِّ نصبٍ على أنه منصوبٌ بفعل مقدَّر يدل عليه "أنَبِّئُكُمْ"، تقديره: أعَرِّفُكُمْ من لَعَنَهُ الله، ذكره أبو البقاء، و"مَنْ" يُحْتَملُ أن تكون موصولةً، وهو الظاهرُ، ونكرةً موصوفةً، فعلى الأوَّل: لا محلَّ للجملة التي بعدها، وعلى الثاني: لها محلٌّ بحسب ما يُحْكَمُ على "مَنْ" بأحد الأوجه السابقة، وقد حمل على لفظها أولاً في قوله "لَعَنَهُ" و"عَلَيْهِ"، ثم على معناها في قوله: "مِنْهُمُ القِرَدَة"، ثم على لفظها في قوله: "وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" ثم على لفظها في قوله: "أولَئِكَ"، فجَمَع في الحمل عليها أربعَ مرَّاتٍ. و"جَعَلَ" هنا بمعنى "صَيَّرَ" فيكون "مِنْهُمْ" في محل نصب مفعولاً ثانياً، قُدِّم على الأول فيتعلق بمحذوف، أي: صَيَّر القردةَ والخنازيرَ كائِنِينَ منهم، وجعلها الفارسيُّ في كتاب "الحُجَّة" له بمعنى "خَلَقَ"، قال ابن عطية: "وهذه منه - رحمه الله - نزعةٌ اعتزاليَّة؛ لأن قوله: "وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ"، تقديره: ومن عَبَد الطَّاغُوت، والمعتزلةُ لا ترى أن الله تعالى يُصَيِّرُ أحَداً عابد طاغُوتٍ" انتهى، والذي يُفَرُّ منه في التَّصْييرِ هو بعينه موجودٌ في الخَلْق. وجعل أبو حيان قوله تعالى {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} إلى آخره - مِنْ وَضْعِ الظاهرِ موضعَ المضْمَر؛ تنبيهاً على الوصف الذي به حصل كونهم شرًّا مثوبةً، كأنه قيل: قل هَلْ أنبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلك عند الله مَثُوبَةً؟ أنتم، أيْ: هُمْ أنْتُمْ، ويَدُلُّ على هذا المعنى قوله بعدُ: {أية : وَإذا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} تفسير : [المائدة: 61]، فيكون الضميرُ واحداً، وجعل هذا هو الذي تقتضيه فصاحةُ الكلام، وقرأ أبيُّ بْنُ كَعْبٍ وعبد الله بْنُ مَسْعُود - رضي الله عنهما -: "من غضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَجَعَلهُمْ قِرَدَةً" وهي واضحةٌ. فصل المُرادُ {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} يعني: اليَهُودَ، {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ}: وهم أصْحَابُ السَّبْتِ، و"الخَنَازِير": وهم كُفَّارُ مائِدة عيسى - عليه الصلاة والسلام -، ورُوِي [عن] عَلِيّ بن أبي طَلْحَة عن ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - أنَّ الممسُوخِين مِنْ أصْحَاب السَّبْت فشبابُهُم مُسِخُوا قِرَدَةً، وَمَشَايِخُهُمْ مُسِخُوا خَنَازِيرَ. قوله تعالى: "وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" في هذه الآية أربعٌ وعشرون قراءة، اثنتان في السَّبْعِ، وهما "وعَبَدَ الطَّاغُوت" على أنَّ "عَبَدَ" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للفاعل، وفيه ضميرٌ يعودُ على "مَنْ"؛ كما تقدَّم، وهي قراءة جمهور السَّبْعة [غيرَ حَمْزة] أي: جعل منهم من "عَبَدَ الطَّاغُوتَ" أي: أطَاعَ الشَّيْطَان فيما سَوَّل له، ويؤيده قراءة ابن مسعُودٍ "وَمَنْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ". والثانية: "وَعبُدَ الطَّاغُوتِ" بضم الباء، وفتح الدال، وخَفْض الطاغوتِ، وهي قراءةُ حمزة - رحمه الله - والأعْمَشِ ويحيى بْنِ وثَّاب؛ وتوجيهُها كما قال الفارسيُّ وهو أن "عَبُداً" واحدٌ يُرادُ به الكَثْرةُ، كقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} تفسير : [النحل: 18] وليس بجَمْعِ "عَبْدٍ"؛ لأنه ليس في أبنيةِ الجَمْعِ مثلُه، قال: وقد جاءَ على فعُلٍ؛ لأنه بناءٌ يُرَادُ به الكثرةُ والمبالغةُ في نحْوِ يَقُظٍ وندُسٍ؛ لأنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كلَّ مذْهَبٍ، وبهذا المعنى أجاب الزمخشريُّ أيضاً، قال - رحمه الله تعالى -: معناه الغُلُّو في العبوديَّة؛ كقولهم: "رَجُلٌ حَذُرٌ وفَطُنٌ" للبليغ في الحَذَر والفطْنة؛ وأنشد لِطَرَفَة: [الكامل] شعر : 1989- أبَنِي لُبَيْنَى، إنَّ أمَّكُم أمَةٌ، وَإِنَّ أبَاكُمُ عَبُدُ تفسير : وقد سَبَقُهمَا إلى هذا التوجيهِ أبو إسْحَاق، وأبو بَكْر بنُ الأنْبَارِيِّ، قال أبو بَكْرٍ: "وضُمَّتِ الباءُ للمبالغةِ؛ كقولهم للفَطِن: "فَطُنٌ" وللحَذِر: "حَذُرٌ"، يَضُمُّون العين للمبالغةِ؛ قال أوس بن حُجْرٍ: [الكامل] شعر : 1990- أبَنِي لُبَيْنَى، إنَّ أمَّكُمُ أمَةٌ، وإنَّ أبَاكُمُ عَبُدُ تفسير : بضمِّ الباء". ونَسَب البيت لابن حُجْر، وقد تقدَّم أنه لطرفة، ومِمَّنْ نَسَبه لطرفة الشيخُ شهابُ الدينِ أبو شَامَةَ. وقال أبو إسحاق: ووجْهُ قراءةِ حمزة: أنَّ الاسم بُني على "فَعُلٍ"؛ كما تقول: "رَجُلٌ حَذُرٌ"، وتأويلُه أنه مبالغٌ في الحَذَرِ، فتأويلُ "عَبُدٍ": أنَّه بلغَ الغايةَ في طاعة الشيطانِ، وكأنَّ هذا اللفظ لفظٌ واحدٌ يَدُلُّ على الجَمْعِ؛ كما تقول للقوم "عَبُدُ العَصَا" تريدُ: عَبيدَ العَصَا، فأخذ أبو عليّ هذا، وبَسَطَهُ. ثم قال "وجاز هذا البناءُ على عَبْدٍ؛ لأنه في الأصلِ صِفَةٌ، وإن كان قد استُعْمِلَ استعمالَ الأسماءِ، لا يُزيله ذلك عن حُكْمِ الوصْفِ، كالأبْطَحِ والأبْرَقِ استُعْمِلاَ استعمال الأسماء حتَّى جُمِعَا جَمْعَها في قولهم: أبَارِق وأبَاطِح كأجَادِل، جَمْع الأجْدَل، ثم لم يُزِلْ ذلك عنهما حكم الصفة؛ يَدُلُّكَ على ذلك مَنْعُهم له الصَّرْف؛ كأحْمَرَ، وإذا لم يَخْرج العبدُ عن الصفة، لم يمتنعْ أنْ يُبنَى بناءَ الصفات على فَعُلٍ، نحو: يَقُظٍ". وقال البَغَوِي: هُمَا لُغَتَانِ: "عَبْد" بجزم الباء، و"عَبُد" بضمها، مثل سَبْع، وَسَبُع. وطعن بعض الناس على هذه القراءة، ونسب قارئها إلى الوهْم؛ كالفراء، والزجاج، وأبي عُبَيْدٍ، ونصيرٍ الرازيِّ النحويِّ صاحب الكسائيِّ؛ قال الفرَّاء: "إنما يجوز ذلك في ضرورةِ الشِّعْرِ - يعني ضمَّ باء "عَبُدٍ" - فأمَّا في القراءة فَلاَ"، وقال أيضاً: "إنْ تكنْ لغةً مِثْلَ حَذُرٍ وعَجُلٍ، جاز ذلك، وهو وجهٌ، وإلاَّ فلا تجوزُ في القراءة"، وقال الزَّجَّاج: "هذه القراءةُ ليستْ بالوجهِ؛ لأنَّ عَبُداً على فَعُلٍ، وهذا ليس من أمثلةِ الجَمْعِ"، وقال أبو عُبَيْدٍ: "إنما معنى العَبُدِ عندهم الأعْبُدُ، يريدون خَدَم الطَّاغوتِ، ولم نجدْ هذا يَصِحُّ عند أحدٍ من فصحاء العرب أن العَبْدَ يقال فيه عَبُدٌ، وإنما عَبْدٌ وأعْبُدٌ"، وقال نصيرٌ الرزايُّ: "هذا وَهْمٌ مِمَّن قرأ به، فليتَّقِ الله مَنْ قرأ به، وليسألْ عنه العلماء حتى يُوقَفَ على أنه غير جائز". قال شهاب الدين: قد سألوا العلماءَ عن ذلك ووجدوه صحيحاً في المعنى بحمد الله تعالى، وإذا تواتر الشيءُ قرآناً، فلا التفاتَ إلى مُنْكِره؛ لأنه خَفِيَ عليه ما وَضَح لغيره. وقَدْ ذَكَرُوا في تَوْجِيه هذه القِرَاءة وُجُوهاً: مِنْهَا ما تقدَّمَ [من أنَّهم] ضَمُّوا البَاءَ للمبالَغَة، كقولِهِم: "حَذُر" و"فَطُن" ومنها ما نقله البَغَوِي وغيره: أنَّ "العبْد" و["العبُد"] لغتان كقولهم سَبْع، وسَبُع. ومنها: أن العَبْد جمعه عِبَاد، والعِبَادُ جَمْعُ عُبُد، كثِمَار وَثُمُر، فاستثقلوا ضَمَّتَيْن مُتَواليتيْن فأبْدِلت الأولى فَتْحَة. ومنها: يحتمل أنهم أرادوا أعْبُد الطَّاغُوت، مثل فَلْسٍ وأفْلُسٍ ثم [حُذِفَتِ "الهَمْزَةُ" ونقلت حَرَكَتُها إلى "العَيْن". ومنها: أنه أراد: وعبدةَ الطَّاغُوت، ثم] حذفت الهاء وضم الباء لِئَلاَّ يُشْبِه الفِعْلَ. وأمَّا القراءاتُ الشاذَّةُ فقرأ أبَيٌّ: "وعَبَدُوا" بواو الجمع؛ مراعاةً لمعنى "مَنْ"، وهي واضحةٌ، وقرأ الحسنُ البصريُّ في رواية عبَّادٍ: "وعَبْدَ الطَّاغُوتَ" بفتح العين والدال، وسكون الباء، ونصب التاء من "الطَّاغُوتَ"، وخرَّجها ابن عطية على وجهيْنِ أحدهما: أنه أراد: "وعَبْداً الطَّاغُوتَ"، فحذف التنوينَ من "عَبْداً"؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 1991- ...................... وَلاَ ذَاكِرِ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا تفسير : والثاني: أنه أراد "وعَبَدَ" بفتح الباء على أنه فِعْلٌ ماضٍ؛ كقراءة الجماعة، إلا أنه سكَّن العينَ على نحوِ ما سكَّنها في قول الآخر: [الطويل] شعر : 1992- وَمَا كُلُّ مَغْبُونٍ وَلَوْ سَلْفَ صَفْقُهُ .......................... تفسير : بسكون اللام، ومثله قراءةُ أبي السَّمَّال: {أية : وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} تفسير : [المائدة: 64] بسكون العين، قال شهاب الدين: ليس ذلك مثل "لُعْنُوا"؛ لأنَّ تخفيف الكسْرِ مقيسٌ؛ بخلاف الفتح؛ ومثلُ "سَلْفَ" قولُ الآخر: [الرمل] شعر : 1993- إنَّمَا شِعْرِيَ مِلْحٌ قَدْ خُلِطْ بجُلْجُلاَنِ تفسير : من حيث إنه خَفَّف الفَتْحة. وقال أبو حيان - بعد أن حكى التخريج الأوَّل عن ابن عطية -: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عَبْداً لايمكنُ أن ينصبَ الطاغوتَ؛ إذ ليس بمصدرٍ ولا اسمِ فاعلٍ، فالتخريجُ الصحيحُ أن يكون تخفيفاً من "عَبَدَ" كـ "سَلْفَ" في "سَلَفَ"، قال شهاب الدين: لو ذكر التخريجَيْن عن ابن عطيَّة، ثم استشكل الأولَ، لكان إنصافاً؛ لئلا يُتَوَهَّم أن التخريج الثاني له، ويمكن أن يقال: إنَّ "عَبْداً" لِما في لفظه من معنى التذلل والخضوعِ دَلَّ على ناصبٍ للطاغوت حُذِفَ، فكأنه قيل: مَنْ يعبدُ هذا العَبْدَ؟ فقيل: يَعْبُدُ الطاغوتَ، وإذا تقرَّر أنَّ "عَبْدَ" حُذِفَ تنوينُه فهو منصوبٌ عطْفاً على القِردَةِ، أي: وجعلَ منْهُمْ عَبْداً للطَّاغوتِ. وقرأ الحسنُ أيضاً في روايةٍ أخرى كهذه القراءة، إلا أنه جَرَّ "الطَّاغُوت" وهي واضحةٌ، فإنه مفرد يُرادُ به الجنسُ أضيفَ إلى ما بعده، وقرأ الأعْمَشُ والنخَعِيُّ وأبو جعفر: "وعُبِدَ" مبنيًّا للمفعول، "الطَّاغُوتُ" رفعاً، وقراءة عبد الله كذلك، إلا أنَّه زاد في الفعل تاء التأنيث، وقرأ: "وعُبِدَتِ الطَّاغُوتُ" والطاغوتُ يذكَّر ويؤنَّث؛ قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} تفسير : [الزمر: 17] وقد تقدَّم في البقرة [الآية: 25]، قال ابن عطية: "وضَعَّفَ الطبريُّ هذه القراءةَ، وهي متجهةٌ"، يعني: قراءةَ البناءِ للمفعولِ، ولم يبيِّنْ وجهَ الضعفِ، ولا توجيهَ القراءة، ووجهُ الضعْفِ: أنه تخلو الجملة المعطوفة على الصِّلَةِ من رابطٍ يربُطُها بالموصولِ؛ إذ ليس في "عُبِدَ الطَّاغُوتُ" ضميرٌ يعودُ على "مَنْ لَعَنَهُ الله"، لو قلت: "أكْرَمْتُ الذينَ أهَنْتَهُمْ وضُرِبَ زَيْدٌ" على أن يكون "وضُرِبَ" عطفاً على "أكْرَمْتُ" لم يَجُزْ، فكذلك هذا، وأمَّا توجيهُها، فهو كما قال الزمخشريُّ: إنَّ العائدَ محذوفٌ، تقديرُه: "وعُبِدَ الطَّاغُوتُ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهُمْ". وقرأ ابن مسعُود في رواية عبد الغفَّار عن علقمة عنه: "وعَبُدَ الطَّاغُوتُ" بفتح العين، وضمِّ الباء، وفتحِ الدالِ، ورفعِ "الطَّاغُوتُ"، وفيها تخريجان: أحدهما: - ما ذكره ابن عطية - وهو: أن يصيرَ له أنْ عُبِدَ كالخُلُقِ والأمْرِ المعتاد المعروفِ، فهو في معنى فَقُهَ وشَرُفَ وظَرُفَ، قال شهاب الدين: يريد بكونه في معناه، أي: صار له الفِقْهُ والظَّرْفُ خُلُقاً معتاداً معروفاً، وإلاَّ فمعناه مغايرٌ لمعاني هذه الأفعال. والثاني: - ما ذكره الزمخشري - وهو: أنْ صارَ معبوداً من دونِ الله كـ "أمُرَ"، أي: صَارَ أميراً، وهو قريبٌ من الأوَّلِ، وإنْ كان بينهما فرقٌ لطيفٌ. وقرأ ابن عبَّاس في رواية عِكْرِمة عنه ومُجَاهِد ويحيى بن وثَّاب: "وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ" بضم العين والباء، وفتح الدال وجر "الطَّاغُوتِ"، وفيها أقوال: أحدها: - وهو قول الأخفش -: أنَّ عُبُداً جمع عَبِيدٍ، وعَبِيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ، فهو جمعُ الجمعِ، وأنشد: [الرمل] شعر : 1994- أنْسُبِ الْعَبْدَ إلى آبَائِهِ أسْوَدَ الْجِلْدَةِ مِنْ قَوْمٍ عُبُدْ تفسير : وتابعه الزمخشريُّ على ذلك، يعني أنَّ عَبِيداً جمعاً بمنزلة رَغيفٍ مفرداً فيُجْمَعُ جمعُه؛ كما يُقال: رَغِيفٌ ورُغُفٌ. الثاني - وهو قولُ ثَعْلَب -: أنه جمعُ عَابِدٍ كشَارِفٍ وشُرُفٍ؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 1995- ألاَ يَا حَمْزَ للشُّرُفِ النِّوَاءِ فَهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالْفِنَاءِ تفسير : والثالث: أنه جَمْعُ عَبْدٍ؛ كسَقْفٍ وسُقُفٍ ورَهْنٍ ورُهُنٍ. والرابع: أنه جمع عبادٍ، وعبادٌ جمعُ "عَبْدٍ"، فيكونُ أيضاً جمعَ الجَمْع؛ مثل "ثِمَار" هو جمع "ثَمَرَةٍ" [ثم يُجْمَعُ على "ثُمُرٍ"]، وهذا؛ لأنَّ "عِباداً" و"ثِمَاراً" جمعَيْن بمنزلة "كِتَابٍ" مفرداً، و"كِتَاب" يجمع على "كُتُب" فكذلك ما وازَنَه. وقرأ الأعمَشُ: "وعُبَّدَ" بضمِّ العين وتشديد الباء مفتوحةً وفتحِ الدَّال، "الطَّاغُوتِ" بالجرِّ، وهو جمع: عَابدٍ؛ كضُرَّبٍ في جمعِ ضَاربٍ، وخُلَّص في جمع خالصٍ. وقرأ ابنُ مسعود أيضاً في رواية علقمة: "وعُبَدَ الطَّاغُوتِ" بضمِّ العين وفتحِ الباء والدالِ، و"الطَّاغُوتِ" جَرًّا؛ وتوجيُهها: أنه بناءُ مبالغةٍ، كحُطَمٍ ولُبَدٍ، وهو اسْمُ جِنْسٍ مفردٍ يُرَادُ به الجَمْعُ، والقولُ فيه كالقول في قراءةِ حمزة، وقد تقدَّمَتْ. وقرأ ابن مَسْعُودٍ في رواية عَلْقمَةَ أيضاً: "وعُبَّدَ الطَّاغُوتَ" بضمِّ العين، وبشد الباء مفتوحة، وفتح الدال، ونصب "الطَّاغُوت"؛ وخرَّجها ابن عطية على أنها جمعُ عَابِدٍ؛ كضُرَّبٍ في جمع ضارِبٍ، وحَذَف التنوين من "عُبَّداً"؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1996- .................. وَلاَ ذَاكِر اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاَ تفسير : قال: "وقد تقدَّمَ نَظِيرُهُ"، يعني قراءةَ: "وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ" بفتح العين والدال، وسكونِ الباءِ، ونصبِ التاء، وكان ذَكَر لها تخريجَيْن، أحدُهما هذا، والآخرُ لا يمكنُ، وهو تسكينُ عين الماضي، وقرأ بُرَيدة الأسلَمِيُّ فيما نقلَه عنه ابنُ جريرٍ "وعَابِدَ الشَّيْطَان" بنصب "عَابِدَ" وجَرِّ "الشَّيْطَانِ" بدلَ الطَّاغُوتِ، وهو تفسيرٌ، لا قراءةٌ، وقرأ أبو واقدٍ الأعْرَابِيُّ: "وعُبَّادَ" بضمِّ العين وتشديد الباءِ بعدها ألف ونصبِ الدال، والطَّاغُوتِ بالجرِّ، وهي جمعُ عابدٍ؛ كضُرَّابٍ في ضاربٍ. وقرأ بعضُ البصْريِّين: "وعِبَادَ الطَّاغُوتِ" بكسر العين، وبعد الباء المخفَّفة ألف، ونصْبِ الدال، وجَرِّ "الطَّاغُوتِ"، وفيها قولان: أحدهما: أنه جمعُ عابدٍ؛ كقَائِمٍ وقيَامٍ، وصَائِمٍ وصيَامٍ. والثاني: أنها جمعُ عَبْد؛ وأنشد سيبَوَيْهِ: [الوافر] شعر : 1997- أتُوعِدُنِي بِقَوْمِكَ يَا بْنَ حَجْلٍ أُشَابَاتٍ يُخَالُونَ الْعِبَادَا تفسير : قال ابن عطية: "وقد يجوزُ أن يكونَ جَمْعَ "عَبْدٍ"، وقلَّما يأتي "عِبَاد" مضافاً إلى غير الله تعالى، وأنْشَد سيبوَيْهِ: "أتُوعِدُنِي" البيتَ، قال أبو الفتْحِ: يريد عبادَ آدم - عليه السلام - ولو أراد عِبَاد [الله] فليس ذلك بشَيْءٍ يُسَبُّ به أحدٌ، فالخَلْقُ كلُّهُمْ عِبَادُ الله" قال ابن عطيَّة: "وهذا التعليقُ بآدَمَ شاذٌ بعيدٌ، والاعتراضُ باقٍ، وليس هذا مِمَّا تَخَيَّلَ الشاعرُ قَصْدَهُ، وإنما أرادَ العَبِيدَ، فساقَتْه القافيةُ إلى العِبَادِ؛ إذ قد يُقَالُ لِمَنْ يملكه مِلْكاً مَّا، وقد ذكر أن عربَ الحِيرةِ سُمُّوا عِبَاداً؛ لدخولهم في طاعةِ كِسْرَى، فدانَتْهم مملكتُه"، قال شهاب الدين: قد اشْتَهَرَ في ألسنةِ الناسِ أن "عَبْداً" المضافَ إلى الله تعالى يُجْمَعُ على "عِبَاد" وإلى غيره على "عَبِيد"، وهذا هو الغالبُ، وعليه بَنَى أبو محمَّد. وقرأ عَوْنٌ العقيليُّ في رواية العبَّاس بْنِ الفَضْل عنه: "وعَابِدُ الطَّاغُوتِ" بضمِّ الدالِ، وجَرِّ الطاغوت؛ كضَاربِ زَيْدٍ، قال أبو عمرو: تقديرُه: "وهُمْ عَابِدُ الطَّاغُوتِ"، قال ابن عطية: "فهو اسمُ جنْسٍ"، قلت: يعني أنه أرادَ بـ "عابد" جماعةً، قلتُ: وهذه القراءةُ يجوز أن يكونَ أصلُها "وَعَابِدُو الطَّاغُوتِ" جَمْعَ عابد جمع سلامةٍ، فلمَّا لَقِيتِ الواوُ لامَ التعريفِ، حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين، فصار اللفظُ بدالٍ مضْمُومةٍ؛ ويؤيِّدُ فَهْمَ هذا أنَّ أبا عَمْرو قدَّر المبتدأ جَمْعاً، فقال: "تقديرُه: هُمْ عَابِدُو"، اللهم إلا أنْ ينقلُوا عن العقيليِّ أنه نَصَّ على قراءتِه أنها بالإفراد، أو سمعُوهُ يقف على "عَابِد"، أو رَأوْا مصحفَه بدالٍ دونَ واوٍ؛ وحينئذٍ تكونُ قراءته كقراءةِ ابن عبَّاس: "وعَابِدُو" [بالواو]، وعلى الجملة، فقراءتُهما متَّحِدةٌ لفظاً، وإنَّما يَظْهَرُ الفَرْقُ بينهما على ما قالُوه في الوقْفِ أو الخَطِّ. وقرأ ابن عبَّاس في روايةٍ أخرى لعكْرِمَةَ: "وعَابِدُو" بالجمْعِ، وقد تقدَّم ذلك، وقرأ ابن بُرَيْدَةَ: "وعَابِدَ" بنصب الدالِ؛ كضَارِبِ زَيْدٍ، وهو أيضاً مفرد يُرادُ به الجِنْسُ، وقرأ ابن عبَّاس وابن أبي عَبْلَة: "وعبدَ الطَّاغُوت" بفتحِ العينِ والباءِ والدالِ، وجَرِّ "الطَّاغُوتِ"؛ وتخريجُها: أنَّ الأصلَ: "وَعَبَدَةَ الطَّاغُوتِ" وفاعِل يُجْمَعُ على فَعَلَة، كَفَاجِرٍ وفَجَرَةٍ، وكَافِرٍ وكَفَرةٍ، فحُذِفَتْ تاءُ التأنيثِ للإضافة؛ كقوله: [الرجز] شعر : 1998- قَامَ وُلاَهَا فَسَقوْهُ صَرْخَدَا تفسير : أي: وُلاتُهَا؛ وكقوله: [البسيط] شعر : 1999- ...................... وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الذِي وَعدُوا تفسير : أي: عدةَ الأمرِ، ومنه: {أية : وَإِقَامَ ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [الأنبياء:73] أي: إقامةِ الصلاة، ويجوزُ أن يكون "عبد" اسم جنسٍ لعابدٍ؛ كخَادِمٍ وخدمٍ، وحينئذ: فلا حَذْفَ تاء تأنيثٍ لإضافة، وقُرِئ: "وعبَدَةَ الطَّاغُوتِ" بثبوت التاء، وهي دالَّةٌ على حَذْفِ التاء للإضافة في القراءةِ قبلها، وقد تقدَّم توجيُهها أنَّ فَاعِلاً يُجْمَعُ على "فَعَلَةٍ" كَبَارٍّ وبررَةٍ، وفَاجِرٍ وفَجَرَةٍ. وقرأ عُبْيدُ بْنُ عُمَيْر: "وأعْبُدَ الطَّاغُوتِ" جمع عَبْدٍ، كفَلْسٍ وأفْلُس، وكَلْبٍ وأكْلُبٍ، وقرأ ابن عبَّاس: "وعَبِيدَ الطَّاغُوتِ" جمعَ عَبْدٍ أيضاً، وهو نحو: "كَلْبٍ وكَلِيبٍ" قال: [الطويل] شعر : 2000- تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأرَادَهَا رِجَالٌ فَبَذَّتْ نَبْلَهُمْ وَكَلِيبُ تفسير : وقُرىء أيضاً: "وعَابِدِي الطَّاغُوتِ"، وقرأ عبد الله بن مسعُود: "ومَنْ عَبَدُوا"، فهذه أربعٌ وعشرون قراءة، وكان ينبغي ألاَّ يُعَدَّ فيها: "وعَابِدَ الشَّيْطَانِ"؛ لأنها تفسيرٌ، لا قراءة. وقال ابن عطيَّة: "وقد قال بعضُ الرواة في هذه الآية: إنها تجويزٌ، لا قراءةٌ" يعني: لَمَّا كَثُرت الرواياتُ في هذه الآية، ظَنَّ بعضُهم؛ أنه قيل على سبيلِ الجَوَاز، لا أنها منقولةٌ عن أحَدٍ، وهذا لا ينبغي أنْ يُقال، ولا يُعْتقدَ؛ فإنَّ أهلَها إنما رَوَوْهَا قراءةً تَلَوْهَا على مَنْ أخَذُوا عنه، وهذا بخلاف و"عَابِدَ الشَّيْطَانِ"، فإنَّه مخالفٌ للسَّوَاد الكريم. وطريقُ ضبْطِ القراءةِ في هذا الحَرْفِ بعدما عُرِفَ القُرَّاء: أن يقال: سبع قراءاتٍ مع كَوْنِ "عَبَدَ" فعلاً ماضياً، وهي: وعَبَد، وعَبَدُوا، ومَنْ عَبَدُوا، وعُبِدَ، وعُبِدَت، وعَبُدَ، وعَبْدَ في قولنا: إنَّ الباء سَكَنَتْ تخفيفاً، كـ "سَلْفَ" في "سَلَفَ"، وتِسْعُ قراءاتٍ مع كونه جمعَ تكْسِيرٍ، وهي: وعُبُدَ، وعُبَّدَ، مع جَرِّ الطاغوتِ، وعُبَّدَ مع نصبه، وعُبَّاد، وعَبَدَ على حَذْفِ التاءِ للإضافةِ، وعَبَدَةَ، وأعْبُد، وعَبِيدَ، وستٌّ مع المفْرَدِ: وعَبُدَ، وعُبَدَ، وعَابِدَ الطَّاغُوتِ، وعَابِدُ الطاغوتِ بضم الدال، وعَابِدَ الشيطانِ، وعَبْدَ الطَّاغُوتِ، وثِنتان مع كونه جمع سلامة: وعَابِدُو بالواو، وعَابِدِي بالياء، فعلى قراءةِ الفِعْلِ يجُوزُ في الجملةِ وجهان: أحدهما: أن تكون معطوفةً على الصِّلة قبلها، والتقدير: مَنْ لَعَنَهُ الله وعَبَدَ الطَّاغُوتَ. والثاني: أنه ليس داخلاً في حَيِّز الصلةِ، وإنما هو على تقديرِ "مَنْ"، أي: ومن عَبَدَ؛ ويدُلُّ له قراءةُ عبد الله بإظهارِ "مَنْ"، إلاَّ أنَّ هذا - كما قال الواحديُّ - يؤدِّي إلى حَذْفِ الموصولِ وإبقاءِ صلتِه، وهو ممنوعٌ عند البصريِّين، جائزٌ عند الكوفيين، وسيأتي جميعُ ذلك في قوله تعالى: {أية : وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} تفسير : [العنكبوت: 46]، أي: وبالذي أُنْزِلَ، وعلى قراءةِ جمع التكسير، فيكون منصوباً عطفاً على القِرَدَةِ والخَنَازِيرِ، أي: جَعَل منهمُ القِرَدَةَ وعِبَادَ وعُبَّادَ وعَبِيدَ، وعلى قراءةِ الإفراد كذلك أيضاً، ويجوزُ النصبُ فيها أيضاً من وجهٍ آخر، وهو العطفُ على "مَنْ" في {مَنْ لَعَنَهُ الله}، إذا قلنا بأنه منصوبٌ على ما تقدَّم تحريرُه قبلُ، وهو مرادٌ به الجنْسُ، وفي بعضها قُرىء برفعه؛ نحو: "وعَابِدُ الطَّاغُوتِ"، وتقدَّم أن أبا عمرو يُقَدِّر له مبتدأ، أي: هُمْ عَابِدُو وتقدَّم ما في ذلك. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوزُ أن يرتفع على أن معطوفٌ على "مَنْ" في قوله تعالى {مَن لَعَنَهُ الله}؛ ويَدُلُّ لذلك: أنهم أجازوا في قراءةِ عبد الله: "وَعَابِدُو" بالواوِ هذين الوجهَيْن، فهذا مثله، وأما قراءة جمع السلامة، فمن قرأ بالياء، فهو منصوبٌ؛ عطفاً على القردةِ، ويجوزُ فيه وجهان آخران: أحدهما: أنه منصوبٌ عطفاً على "مَنْ" في {مَنْ لَعَنَهُ الله} إذا قلنا: إنَّ محلَّها نصبٌ كما مَرَّ. والثاني: أنه مجرورٌ؛ عطفاً على {مَنْ لَعَنَهُ الله} أيضاً، إذا قُلْنا بأنَّها في محلِّ جرٍّ بدلاً من "بِشَرٍّ"؛ كما تقدَّم إيضاحُه، وهذه أوجهٌ واضحةٌ عَسِرةُ الاستنباطِ، والله أعلمُ. ومَنْ قرأ بالواو فرفعه: إمَّا على إضمار مبتدأ، أي: هُمْ عَابِدُو الطَّاغُوتِ، وإمَّا نَسَقٌ على "مَنْ" في قوله تعالى: {مَنْ لَعَنَهُ الله} كما تقدَّم. فصل قِيلَ: الطَّاغُوتُ الْعِجْل، وقيل: الأحْبَارُ، وكلُّ مَنْ أطاعَ أحَداً فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ عَبَدَه. واحْتَجُّوا بهذه الآية على أنَّ الكُفْرَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، قالُوا: لأنَّ تقديرَ الآيَة: وجَعَلَ اللَّهُ منهم من عَبَدَ الطَّاغُوت، وإنَّما يُعْقَلُ معنى هذا الجَعْل، إذا كانَ هُوَ الذي جعل فيهم تِلْكَ العِبَادَةَ، إذْ لوْ كَانُوا هُمُ الجَاهِلُون لكَانَ اللَّهُ تعالى [ما] جعلهم عَبَدَة الطَّاغُوت، بلْ كَانُوا هُمُ الذين جعلوا أنْفُسَهُم كذلك وذلك خِلافُ الآية. قالتِ المُعْتَزِلَة: مَعْنَاه أنَّهُ تعالى حَكَمِ عليهم بذلك كَقوْلِهِ تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} تفسير : [الزخرف: 19] وقد تقدَّمَ الكلامُ فيه. [قوله تعالى: "أولئك شَرٌّ" مبتدأ وخبر، و"مكاناً" نصب على التمييز، نَسَب الشَّر للمكان وهو لأهله، كنايةً عن نهايتهم في ذلك] كقولهم: فلانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ كَثِيرُ الرَّمَادِ، وحَاصِلُهُ يرجع إلى الإشَارَةِ إلى الشَّيْءِ بذكرِ لوَازِمِه وتَوَابِعِهِ و"شَرّ" هنا على بابه من التفضيل، والمفضَّلُ عليه فيه احتمالان: أحدهما: أنهم المؤمنون، فإن قيل: كيف يُقال ذلك، والمؤمنون لا شَرَّ عنْدَهُمْ ألبتة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: - ما قاله النحاس - أنَّ مكانَهم في الآخرة شَرٌّ مِنْ مكانِ المؤمنين في الدُّنيا؛ لِمَا يلحقُهم فيه من الشَّرِّ، يعني: من الهمومِ الدنيويةِ، والحاجةِ، والإعسارِ، وسماعِ الأذَى، والهَضْمِ من جانبهم، قال: "وهذا أحسنُ ما قيل فيه". والثاني: أنه على سبيلِ التنازُلِ والتسليم للخَصْم على زعمه؛ إلزاماً له بالحُجَّة، كأنه قيل: شَرٌّ من مكانِهِمْ في زعْمِكُمْ، فهو قريبٌ من المقابلة في المعنى. والثاني من الاحتمالين: أنَّ المفضَّل عليه هم طائفةٌ من الكفارِ، أي: أولئكَ الملعونَون المغضُوبُ عليهم المجعُولُ منهم القردةُ والخنازيرُ العابدُونَ الطَّاغوت - شرٌّ مكاناً من غيرهم مِنَ الكفرة الذين لم يَجْمَعُوا بَيْنَ هذه الخصَالِ الذَّميمة. قوله تعالى: {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} أي: طريق الحقِّ. قال المُفَسِّرون: لمَّا نزلت هذه الآيَةُ عيَّر المسلمُون أهْلَ الكِتَاب، وقالُوا: يا إخْوَان القِرَدَةِ والخَنَازِير، فافْتَضَحُوا ونَكَّسُوا رؤُوسَهم قال الشَّاعِر: [الرجز] شعر : 2001- فَلَعْنَةُ اللَّهِ على اليَهُودِ إنَّ اليَهُودَ إخْوَةُ القُرُودِ
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: المثوبة. الثواب، مثوبة الخير ومثوبة الشر، وقرئ {بشر ثواباً}. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {مثوبة عند الله} يقول: ثواباً عند الله. قوله تعالى: {وجعل منهم القردة والخنازير}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وجعل منهم القردة والخنازير} قال: مسخت من يهود. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك. أنه قيل: أكانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا؟ قال: نعم، وكانوا مما خلق من الأمم. وأخرج مسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير قبل ذلك ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال "حديث : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال: لا، إن الله لم يعلن قوماً قط فمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عمرو بن كثير عن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري قال: حدثت ان المسخ في بني إسرائيل من الخنازير كان أن امرأة كانت من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها ملك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أن تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة، فجعلت تدعو إلى الله حتى إذا اجتمع إليها ناس فبايعوها على أمرها، قالت لهم: أنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة، فخرجت وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعاً وانفلتت من بينهم، ودعت إلى الله حتى تجمع الناس إليها، إذا رضيت منهم أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً، وانفلتت منهم، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع اليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً، وانفلتت منهم، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً، وانفلتت من بينهم فرجعت وقد أيست وهي تقول: سبحان الله...! لو كان لهذا الدين ولي وناصر لقد أظهره بعد، فباتت محزونة وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعز دينه وأمر دينه قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : سيكون في أمتي خسف، ورجف، وقردة، وخنازير" تفسير : . والله أعلم. أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زهير قال: قلت لابن أبي ليلى: كيف كان طلحة يقرأ الحرف {وعبد الطاغوت}؟ فسره ابن أبي ليلى وخففه. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء بن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن يقرأ {وعبد الطاغوت} بنصب العين والباء. وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر النحوي. أنه كان يقرأها {وعبد الطاغوت} كما يقول: ضرب الله. وأخرج ابن جرير عن بريدة. أنه كان يقرؤها (وعابد الطاغوت) . وأخرج ابن جرير من طريق عبد الرحمن بن أبي حماد قال: حدثني الأعمش، وعن يحيى بن وثاب، أنه قرأ {وعبد الطاغوت} يقول: خدم قال عبد الرحمن: وكان حمزة رحمه الله يقرؤها كذلك.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ} لما أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم ببـيان أن مدارَ نقمِهم للدين إنما هو اشتمالُه على ما يوجب ارتضاءَه عندهم أيضاً وكفرُهم بما هو مُسلَّم لهم. أُمر عليه الصلاة والسلام عَقيبَه بأن يُبكتَهم ببـيان أن الحقيقَ بالنقم والعيبَ حقيقةً ما هم عليه من الدين المحرَّف ويَنْعىٰ عليهم في ضمن البـيان جناياتِهم وما حاق بهم من تبِعاتها وعقوباتِها على منهاج التعريض لئلا يحمِلَهم التصريحُ بذلك على ركوب متن المكابرةِ والعنادِ، ويخاطِبَهم قبل البـيانِ بما يُنبىء عن عِظَم شأن المبـيَّنِ، ويستدعي إقبالَهم على تلقّيه من الجملة الاستفهامية المُشَوِّقة إلى المخبِر به والتنبئةِ المُشعرة بكونه أمراً خطيراً لما أن النبأ هو الخبرُ الذي له شأنٌ وخطَرٌ، وحيث كان مناطُ النقم شَرِّيَّةَ المنقوم حقيقةً أو اعتقاداً وكان مجردُ النقم غيرَ مفيد لشَرِّيته البتّةَ، قيل: (بشرٍّ) من ذلك ولم يقُل: بأنقَمَ من ذلك تحقيقاً لشَرِّية ما سيُذكر وزيادةَ تقرير لها، وقيل: إنما قيل ذلك لوقوعه في عبارة المخاطَبـين حيث «حديث : أتى نفرٌ من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه الصلاة والسلام: "أُومنُ بالله وما أنزل إلينا" إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}»تفسير : فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام قالوا: لا نعلم شراً من دينكم، وإنما اعتَبَر الشَّرِّيةَ بالنسبة إلى الدين وهو منزَّه عن شائبةِ الشرّية بالكلية مجاراةً معهم على زعمهم الباطِلِ المنعقدِ على كمال شريتِه ليثبِتَ أن دينهم شرٌ من كل شر، أي هل أخبركم بما هو شرٌّ في الحقيقة مما تعتقدونه شراً، وإن كان في نفسه خيراً محضاً {مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} أي جزاءً ثابتاً في حكمه، وقرىء (مثوبةً) وهي لغة فيها كمشورة ومشورة وهي مختصةٌ بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر، وإنما وضعت هٰهنا موضعها على طريقة قوله: [الوافر] شعر : [وخَيْلٌ قد دَلَفْتُ لها بخَيْلٍ] تحيةُ بـينِهم ضَرْبٌ وجيعُ تفسير : ونصبُها على التميـيز من (بشرّ) وقوله عز وجل: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} خبر لمبتدأ محذوفٍ بتقدير مضافٍ قبله مناسبٍ لما أشير إليه بكلمة ذلك أي: دينُ مَنْ لعنه الخ، أو بتقدير مضافٍ قبلها مناسبٍ لمن، أي بشرّ مِنْ أهل ذلك، والجملة على التقديرين استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الجملة الاستفهامية إما على حالها وهو الظاهرُ المناسب لسياق النظم الكريم، وإما باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل: ما الذي هو شرٌّ من ذلك؟ فقيل: هو دينُ مَنْ لعنه الله الخ، أو قيل في السؤال: من ذا الذي هو شرٌّ من أهل ذلك؟ فقيل: هو مَنْ لعنه الله، ووضع الاسمِ الجليلِ موضع الضمير لتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعة وتهويلِ أمر اللعن وما تبعه، والموصولُ عبارةٌ عن المخاطبـين حيث أبعدهم الله تعالى من رحمته وسخِط عليهم بكفرهم وانْهماكِهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسُنوحِ البـينات. {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} أي مسخ بعضَهم قردةً وهم أصحابُ السبْت وبعضَهم خنازيرَ وهم كفار مائدةِ عيسى عليه السلام، وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبْت مُسِخت شبانُهم قردةً وشيوخُهم خنازيرَ وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في (منهم) باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين الأولين باعتبار لفظه، وإيثارُ وضعه موضعَ ضمير الخِطاب المناسب لأنبئكم للقصدِ إلى إثبات الشرِّية بما عُدّد في حيز صلتِه من الأمورِ الهائلة الموجبةِ لها على الطريقة البرهانية مع ما فيه من الاحتراز عن تهيـيج لَجاجِهم {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} عطف على صلة (مَنْ) وإفراد الضمير لما مر وكذا عُبد الطاغوتُ على قراءة البناء للمفعول ورفع الطاغوتَ وكذا عبد الطاغوت بمعنى صار معبوداً، فالراجع إلى الموصول محذوف على القراءتين، أي عُبد فيهم أو بـينهم، وتقديم أوصافِهم المذكورة بصدد إثباتِ شرّية دينِهم على وصفهم هذا مع أنه الأصلُ المستتبِعُ لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات، لأن عبادة الطاغوتِ عينُ دينهم البـيّنِ البطلان ودلالتُها عليها بطريق الاستدلال بشرِّيَّة الآثار على شرِّية ما يوجبُها من الاعتقاد، والعمل، إما للقصد إلى تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبـيل لهم إلى الجحود لا بشرِّيته وفظاعته ولا باتصافهم به، وإما للإيذان باستقلال كلَ من المقدم والمؤخر بالدلالة على ما ذكر من الشرِّية، ولو روعيَ ترتيبُ الوجود، وقيل: مَنْ عَبَدَ الطاغوتَ ولعنه الله وغضب عليه الخ، لربما فهم أن علة الشرية هو المجموعُ، وقد قرىء (عابدَ الطاغوت) وكذا (عبِدَ الطاغوتِ) بالإضافة على أنه نعتٌ كفطِنٍ ويقِظٍ، وكذا (عبدَةَ الطاغوتِ)، وكذا (عبَدَ الطاغوتِ) بالإضافة على أنه جمع عابد كخَدَمٍ، أو على أن أصله (عبدةَ) حذفت تاؤه للإضافة، بالنصب في الكل عطفاً على القردة والخنازير، وقرىء (عَبَدِ الطاغوتِ) بالجر عطفاً على (مَنْ) بناءً على أنه مجرور بتقدير المضاف، وقد قيل: إن (مَنْ) مجرور على أنه بدلٌ من شرٍّ على أحد الوجهين المذكورين في تقدير المضاف، وأنت خبـير بأن ذلك مع اقتضائه إخلاءَ النظم الكريم عن المزايا المذكورة بالمرة مما لا سبـيل إليه قطعاً ضرورةَ أن المقصود الأصلي ليس مضمونَ الجملة الاستفهامية بل هو كما مر مقدّمة سيقت أمام المقصود لهُزُؤ المخاطبـين وتوجيه أذهانهم نحو تلقي ما يُلقىٰ إليهم عَقيبها بجملة خبرية موافقةٍ في الكيفية للسؤال الناشىء عنها وهو المقصودُ إفادتُه، وعليه يدور ذلك الإلزام والتبكيتُ حسبما شُرح، فإذا جُعل الموصولُ بما في حيز صلتِه من تتمة الجملة الاستفهامية فأين الذي يُلقىٰ إليهم عقيبها جواباً عما نشأ منها من السؤال ليحصُلَ به الإلزامُ والتبكيت؟ وأما الجملة الآتية فبمعزلٍ من صلاحية الجواب، كيف لا ولا بد من موافقته في الكيفية للسؤال الناشىء عن الجملة الاستفهامية، وقد عرفت أن السؤال الناشىءَ عنها يستدعي وقوعَ الشر من تتمة المخبَرِ عنه لا خبراً كما في الجملة المذكورة، وسيتضح ذلك مزيدَ اتضاحٍ بإذن الله تعالى، والمراد بالطاغوت العِجْلُ، وقيل: هو الكهنة وكلُّ من أطاعوه في معصية الله عز وجل فيعم الحكمُ دينَ النصارى أيضاً، ويتضح وجه تأخيرِ ذكرِ عبادتِه عن العقوبات المذكورة، إذ لو قُدِّمت عليها لتُوُهِّم اشتراكُ الفريقين في تلك العقوبات ولما كان مآلُ ما ذُكرَ بصدر التبكيت أن ما هو شرٌّ مما نقَموه دينُهم أو أن من هو شرٌّ من أهل ما نقموه أنفسُهم بحسَب ما قدِّر من المضافين، وكانت الشرِّيةُ على كلا الوجهين من تتمة الموضوع غيرَ مقصودة الإثبات لدينهم أو لأنفسهم عقِبَ ذلك بإثباتها لهم على وجهٍ يُشعر بعِلِّية ما ذُكر من القبائح لثبوتها لهم بجملةٍ مستأنَفةٍ مسوِّغةٍ من جهته سبحانه شهادةً عليهم بكمال الشرارة والضلال، أو داخلةٍ تحت الأمر تأكيداً للإلزام وتشديداً للتبكيت فقيل: {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} فاسمُ الإشارة عبارة عمن ذُكرتْ صفاتُهم الخبـيثة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتِهم في الشرارة أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح والفضائحِ شرٌّ مكانُهم، جَعَلَ مكاناً شراً ليكونَ أبلغَ في الدلالة على شرارتهم، وقيل: شر مكاناً أي مُنصَرَفاً {وَأَضَلُّ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} عطف على شر، مقرِّرٌ له أي أكثرُ ضلالاً عن الطريق المستقيم وفيه دلالة على كون دينهم شراً محضاً بعيداً عن الحق لأن ما يسلُكونه من الطريق دينُهم، فإذا كانوا أضلَّ كان دينُهم ضلالاً مُبـيناً لا غايةَ وراءه، وصيغةُ التفضيل في الموضعين للزيادة مطلقاً لا بالإضافة إلى من يشاركهم في أصلِ الشرارة والضلال.
القشيري
تفسير : يعني أخسُّ من المذكورين قَدْراً، وأقل منهم خطراً من سقط عن عين الله فأذلَّة، وأبعده عن نعت التخصيص فأضلَّه، ومنعه عن وصف التقريب وأبعده، وحجبه عن شهود الحقيقة وطرده.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل هل أنبئكم} الخطاب لليهود {بشر من ذلك} الاشارة الى المنقوم وهو الايمان والمنقوم منهم المؤمنون اى هل اخبركم بما هو شر فى الحقيقة لا ما تعتقدونه شرا وان كان فى نفسه خيرا محضا. قال ابن الشيخ ومن المعلوم قطعا انه لا شر فى دين الاسلام فالمراد الزيادة المطلقة {مثوبة عند الله} اى جزاء ثابتا فى حكمه تعالى والمثوبة مختصة بالخبر كالعقوبة مختصة بالشر فوضعت ههنا موضعها على طريق التهكم ونصبها على التمييز من بشر {من لعنه الله وغضب عليه} خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما اشير اليه بكلمة ذلك اى هو دين من لعنه الله وهو اليهود وابعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم فى المعاصى بعد وضوح الآيات {وجعل منهم القردة والخنازير} اى مسخ بعضهم قردة فى زمن داود عليه السلام بدعائه عليهم حين اعتدوا فى السبت واستحلوه ومسخ بعضهم خنازير فى زمن عيسى عليه السلام بعد اكلهم من المائدة وحين كفروا بعد ما رأوا الآيات البينة. وقيل كلا المسخين فى اصحاب السبت مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لليهود يا اخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤسهم وافتضحوا {وعبد الطاغوت} عطف على صلة من وضميره المستكن يعود الى من أى اطاع الشيطان فيما سول له {اولئك} الموصوفون بتلك القبائح والفضائح {شر مكانا} جعل مكانهم شرا ليكون ابلغ فى الدلالة على شرارتهم {واضل عن سواء السبيل} عطف على شر مقرر له اى اكثر ضلالا عن الطريق المستقيم. وفيه دلالة على كون دينهم شرا محضا بعيدا عن الحق لان ما يسلكونه من الطريق دينهم فاذا كانوا اضل كان دينهم ضلالا مبينا لا غاية وراءه وصيغة التفضيل فى الموضعين للزيادة مطلقة لا بالاضافة الى من يشاركهم فى اصل الشرارة والضلال. وعلم ان كل صنف من الناس يفرح بما لديه ويبغض الآخر بما هو عليه ولكن الحق احق ان يتبع فالمؤمن يحب المؤمن فان المحبة من الاخلاق الحسنة والاوصاف الشريفة وفى الحديث "حديث : "ان من عباد الله عبادا ما هم بانبياء وشهداء يغبطهم الانبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى" قالوا يا رسول الله اخبرنا من هم وما اعمالهم فلعلنا نحبهم قال "هم قوم تحابوا فى الله على غير ارحام منهم ولا اموال يتعاطون فوالله ان وجوههم انوار وانهم يعلون منابر من نور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس" " .تفسير : وسئل عبد الله السالمى بأى شىء يعرف اولياء الله من بين عباده فقال بلطافة اللسان وحسن الخلق وبشاشة الوجه وسخاوة النفس وقلة الاعتراض وقبول الاعتذار وكمال الشفقة على عامة الخلق: قال الحافظ شعر : تاج شاهى طلبى كوهر ذاتى بنماى ورخوداز كوهر جمشيدوفريدون باشى تفسير : قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى لا تزال البغضاء بين البيراميين وبين الخلوتية وكذا بينهم وبين اتباع السيد البخارى مع ان البغضاء لا تليق باهل الحق ألا يرى انا لم نسمع من دور آدم الى خاتم النبيين عليهم السلام نوع بعض بين نبيين اصلا مع انه قد يتفق فى بعض الاوقات ان يجتمع ثلاثة واربعة من الانبياء وكذا اتباعهم لا يطعنون فى واحد منهم: قال السعدى شعر : دلم خانه مهر يارست وبس ازان مى نكنجد دروكين كس تفسير : قال بعضهم القلوب ثلاثة. قلب يطير فى الدنيا حول الشهوات. وقلب يطير فى العقبى حول الكرامات. وقلب يطير فى سدرة المنتهى حول المناجاة: قال الحافظ شعر : غلام همت رندان بى سروبايم كه هردوكون نيرزدبه بيش شان يك كاه تفسير : فعلى العاقل ان يشتغل بالتوحيد كى يتخلص من ظلمات النفس وهواها والشيطان ووساوسه. نظر عمر بن الخطاب الى شاب فقال يا شاب ان وقيت شر ثلاثة فقد وقيت شر الشيطان ان وقيت لقلقك وقبقبك وذبذبك. قال الاصمعى اللقلق اللسان والقبقب البطن والذبذب الفرج.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: مشاركة اسم التفضيل هنا باعتبار زعمهم واعتقادهم، وإلا فلا مشاركة بين المسلمين وبينهم في الشر والضلال، و {مثوبة}: تمييز عن شر، وضع موضع الجزاء، وأصل المثوبة: في الخير، والعقوبة: في الشر، فوضع هنا المثوبة موضع العقوبة تهكمًا بهم، كقوله: شعر : تحَيَّةُ بَينِهِم، ضَربٌ وَجِيعٌ تفسير : و {من لعنة الله}: إما خبر، أي: هو مَن لعنه الله، أو بدل من شر، ولا بد من حذف مضاف، إما من الأول أو الثاني، أي: بشر من أهل ذلك الدين من لعنه الله، أو دين من لعنه الله. ومن قرأ: {عَبَدَ} بفتح الباء، ففعل ماض، صلة لموصول محذوف، أي: ومَن عبد، و {الطاغوت}: مفعول به، ومن قرأ بضم الباء، فاسم للمبالغة، كيقظ، أي: كثير اليقظة، وهو عطف على القردة، والطاغوت مضاف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {هل} أخبركم بأقبح من ذلك الدين الذي قلتم ما رأيتم شرًا منه، هو دين {من لعنه الله}، أو نفس من لعنه الله، أي: أبعده من رحمته {وغضب عليه} بكفره وعصيانه، وهم اليهود، {وجعل منهم القردة والخنازير} أي: مسخ بعضهم قردة وخنازير، وهم أصحاب السبت، مسخ شبابهم قردة، وشيوخهم خنازير، {و} جعل منهم أيضًا من {عبد الطاغوت}، وهم عباد العجل، أو الكهنة، أو كل من أطاعوه في معصية الله، {أولئك شر مكانًا} أي: أقبح مكانًا، أي: أقبح مرتبة وأخس حالاً، جعل مكانَهم شرًا، ليكون أبلغ في الدلالة على شريتهم، {و} هم أيضًا {أضل عن سواء السبيل} أي: عن وسط الطريق، بل حادوا عنه إلى طرق تفريط أو إفراط، حيث تركوا طريق الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم. الإشارة: من كان متلطخًا بالمعاصي والذنوب، وباطنه محشو بالمساوىء والعيوب؛ كالحسد والجاه وحب الدنيا وسائر أمراض القلوب، ثم جعل يطعن في طريق الخصوص، يقال له: أنبئك بشر من ذلك، هو من أبعده الله بسبب المعاصي، والذنوب، وغضب عليه بسبب أمراض القلوب، ومسخ قلبه عن مطالعة أنوار الغيوب، فهذا أقبح مكانًا وأضل سبيلاً، فكل من أُولع بالطعن على الذاكرين، يمسخ قلبُه بالغفلة والقسوة، حتى يفضي إلى سوء الخاتمة. والعياذ بالله. ثم وسعهم الحق تعالى النفاق، أي: اليهود، فقال: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا}.
الطوسي
تفسير : قراء حمزة {وعبد الطاغوت} بضم الباء وخفض التاء يريد خدم الطاغوت في قول الاعمش، ويحيى بن رئاب. الباقون بفتح الباء والدال ونصب التاء قال أبو علي: حجة حمزة أنه حمل على ما عمل فيه {جعل} كأنه قال وجعل منهم من عبد الطاغوت. ومعنى {جعل} خلق، كما قال {أية : وجعل منها زوجها } تفسير : وقال {أية : وجعل الظلمات والنور }تفسير : قال: وليس {عبد} لفظ جمع لانه ليس في أبنية الجمع شئ على هذا البناء لكنه واحد في موضع جمع كما قال {أية : وإِن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } تفسير : وجاء على (فعل) لأن هذا البناء يراد به الكثرة نحو يقط وندس و {عبد} في الاصل صفة، وان كان استعمل استعمال الاسماء، ولا يزيل ذلك عنه كونه صفة كما لم يزل في الأبرق والأبطح حيث كسر تكسير الاسماء لم يزل عنهما معنى الصفة بدلالة أنهم تركوا صرفهما كما تركوا صرف (أحمر) ولم يجعلوه كأوكل وابدع. وأما من فتح فانه عطفه على مثال الماضي الذي في الصلة، وهو قوله {لعنه الله وغضب عليه} وأفرد الضمير في {عبد} وان كان المعنى فيه كثرة لأن الكلام محمول على لفظ (من) دون معناه، ولو حمل الكلام أو البعض على المعنى لكان صواباً قال الفراء: وقرأ أبي وعبد الله {وعبد الطاغوت} على الجمع، والمعنى والذين عبد الطاغوت - بضم العين والباء - مثل ثمار وثمر، وعبيد وعبد، على أنه جمع جمع، ويكون المعنى وجعل منهم عبد الطاغوت كما تقول: جعلت زيداً أخاك أي نسبته اليك ويجوز على هذا رفع الدال على تقدير، وهم عبد الطاغوت لكن لم يقرأ به أحد. قال: ولو قرأ قارئ وعبد الطاغوت كان صواباً يريد به عبدة الطاغوت ويحذف الهاء للاضافة كما قال الشاعر: شعر : قام ولاها فسقوه صر خدا تفسير : يريد ولاتها وحكي في الشواذ و {عبد الطاغوت} على ما لم يمسي فاعله، ذكره الرماني. قال الطبري هي قراءة أبي جعفر المدني. وحكى البلخي {عابد الطاغوت، وعبد الطاغوت} مثل شاهد وشهد. وحكى ايضا {عباد الطاغوت} مثل كافر وكفار، ولا يقرأ بشيء من ذلك. وقال الطبري عن يريدة الاسلمي انه قرأ {عابد الطاغوت} فهذه ثمانية أوجه، لكن لا يقرأ إِلا بقرائتين أو ثلاثة، لان القراءة متبوعة يؤخذ بالمجموع عليه، قال الفراء {عبد} على ما قرأ حمزة إِن كانت لغة فهو مثل حذر وحذر، وعجل وعجل فهو وجه والا فانه أراد قول الشاعر: شعر : أبنى لبيني إِن أمكم أمة وإِن أباءكم عبد تفسير : فحرك وهذا في ضرورة الشعر لا في القراءة وأنشد الاخفش: شعر : أنسب العبد الى آبائه اسود الجلدة من قوم عبد تفسير : أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يخاطب الكفار ويقول لهم {هل أنبئكم} أي هل اخبركم {بشر من ذلك} أي من الذي طعنتم عليه من المسلمين، ومما رغبتم عنه ونقمتم عليه، وانما قال {بشر من ذلك} وان لم يكن من المؤمن شرَّ وكذلك قوله {أولئك شر مكانا} على الانصاف في الخطاب والمظاهرة في الحجاج لأن الكفار يعتقدون ان هؤلاء أشرار، وأن ما فيهم شر فخرج على ما يعتقدونه. وقوله: {مثوبة} معناها الثواب الذي هو الجزاء ووزنها مفولة مثل مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر وقال الشاعر: شعر : وكنت اذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزري تفسير : وقال ابو عبيدة هي (مفعلة) مثل مكرهة ومعقلة ومشغلة. وموضع (من) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: أحدها - الجر والتقدير بشر من ذلك لمن لعنه الله والرفع على من لعنه الله، والنصب على أنبئكم من لعنه الله. وقيل في معنى {الطاغوت} قولان: أحدهما قال الحسن: هو الشيطان، لانهم أطاعوه طاعة المعبود. والثاني كل ما دعا الى عبادته من دون الله من الفراعنة، فشبه به ما عبد من الاصنام ونحوها. قال ابو علي: وهو ها هنا العجل الذي عبدته اليهود، لأن الكلام كله في صفتهم. وقوله {أولئك شر مكاناً} يعني هؤلاء الذين وصفهم بأنهم لعنهم وغضب عليهم، وانهم عبدة الطاغوت شر مكانا يعني في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. وهو نصب على التمييز وقوله {وأضل عن سواء السبيل} يعني أجوز عن الطريق المستقيم. وظن بعضهم ان قوله {وجعل منهم القردة جعلهم كذلك والخنازير وعبد الطاغوت} يفيد أنه جعلهم يعبدون الطاغوت - يتعالى الله عن ذلك - لأنه لو كان جعلهم كذلك لما كان عليهم لوم، وانما المعنى ما قلناه: من أنه اخبر عمن هو شر ممن عابوه، وهم الذين لعنهم وغضب عليهم، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، لأنه تعالى هو الخالق لهم، وان كان لم يخلق عبادتهم للطاغوت. وقال ابو علي: هو معطوف على قوله {من لعنه الله وغضب عليه} ومن {عبد الطاغوت} ومن جعل منهم القردة والخنازير وليس بمعطوف على قوله {وجعل منهم القردة والخنازير} فعلى هذا سقطت الشبهة.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} الايمان الّذى تنقمون لاجله او من ذلك الفسق او من ذلك النّقم يعنى ان هذا شرّاً باعتقادكم او فى الواقع فهل انبّئكم بشرٍّ منه {مَثُوبَةً} جزاء {عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} هو خبر مبتدءٍ محذوفٍ تقديره صاحب ذلك الشّرّ من لعنه الله او ذلك الشّرّ صفة من لعنه الله او بدل بتقدير مضاف، تقديره بصفة من لعنه الله وهو مبتدءٌ وجملة اولئك شرّ مكاناً خبره {وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} فيه قراءات، قرئ فعلاً مبنيّاً للفاعل ومبنياً للمفعول بتقدير فيهم وعابد الطّاغوت وعبدة الطّاغوت وعبَدَ الطّاغوت جمعاً كخدم وعبُد الطّاغوت بضمّ الباء وصفاً، وعطفه على القراءات واضح وقد مضى تفسير الطّاغوت {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} من قبيل اضافة الصّفة الى الموصوف اى السّبيل السّواء غير مائل الى احد الطّرفين من الافراط والتّفريط للنّصارى واليهود والمراد بالتّفضيل امّا الزيادة مطلقاً لا بالاضافة الى المؤمنين او بالاضافة الى النّاقمين او الى الفاسقين، او الى المؤمنين على اعتقادهم او بالاضافة الى المؤمنين على سبيل التّهكّم بهم.
الهواري
تفسير : ثم قال: {قُلْ هَل أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ} أي ثواباً عند الله {مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} قال الحسن: جعل الله ذلك بما عبدوا الطاغوت، يعني الشيطان، يذكرهم بأمر قد علموه من أصحابهم الأوّلين. قوله: {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} أي في الآخرة لأنهم في النار {وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} أي: عند قصد الطَّريق. قوله: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} قال الكلبي: هؤلاء منافقو أهل الكتاب، كانوا إذا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا آمنا، وقد دخلوا حين دخلوا على النبي كفاراً، وخرجوا من عنده وهم كفار لم ينتفعوا بما سمعوا منه بشيء، وهم من اليهود. قال: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} أي: كانوا يكتمون دين اليهود. وقال بعضهم: هم أناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم مستمسكون بضلالتهم بالكفر، فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله. قوله: {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ} يعني اليهود {يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالعُدْوانِ} [يعني المعصية والظلم] {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} يعني أخذهم الرشوة على الحكم {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يعني حكامهم وعلماءهم. قال: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ} أي هلا ينهاهم {الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} يعني أخذهم الرشوة. قال الحسن: الربّانيون علماء الإِنجيل والأحبار علماء أهل التوراة. وهو تفسير مجاهد. وقال الكلبي: الربّانيّون العلماء والفقهاء، والأحبار من كان من ولد هارون. فعاب بذلك الرّبانيين والأحبار فقال: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ}. وقال بعضهم: الربّانيون العباد، والأحبار العلماء. ذكر بعضهم قال: كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم ولا ينهاهم الربّانيون والأحبار. {لَبِئسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. قال الحسن: لبئس ما كانوا يصنعون حين سارعوا في الإِثْم والعدوان وأكلهم السحت، أي: الرشوة؛ وبئس ما صنع الربّانيون والأحبار حين لم ينهوهم عن ذلك.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَل أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ}: الذى نقمتم علينا، والخطاب بالكاف فى ذلك لكل من يصلح له على سبيل البداية، فيشمل المخاطبين فى {هَل أُنَبِّئُكُم} فهى لهم، ولكن أفردت لعموم البدلية، وانما لم أجعلها لغيرهم أو لهم ولغيرهم، لأنهم لا يخاطبون فى كلام واحد واثنان بلا تنقية لا يقال: يا زيد أضربك بأن خاطبت زيداً بالنداء وعمراً بالكاف. {مَثُوبَةً}: تمييز أى ثواب أى جزاء، والمراد هنا الجزاء بالسوء والشر الثابت فى الذين نقموا على المؤمنين انما ثبت على زعمهم، أى لو كان الشر فى الذى نقمتم فشر الذين لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير أعظم عقاباً، وأفظع، وهذا الجزاء الأعظم الأفظع الواقع عليهم حق واقع عند الله كما قال: {عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ}: أى دين من لعنه الله، فان دين هؤلاء شر جزاء، والتقدير مضاف كما رأيت، أو يقدر مضافاً أولا، أى فبشر من أهل ذلك لأن من يدل من شر، ولا يبدل ذلك الانسان من غيره بدلا مطابقاً، فيقدر الانسان أولا وهو أهل فيطابق من لعنه الله، أو يقدر دين آخر فيطابق قوله شر، ويجوز أن يكون خبر المحذوف، أى هو دين من لعنه الله أو هم من لعنه الله، أى أهل ذلك. وأصل المثوبة الجزاء بالخير، واستعمل فى الجزاء بالشر على المجاز الارسالى المعلق بالاطلاق والتقييد، أو أحدهما بأن يعتبر المثوبة لمطلق الجزاء، ويستعمل فى جزء منه وهو العقاب، أو على المجاز الاستعارى، شبه العقاب بالثواب لجامع الترتب على فعل المكلف فسماه باسم الثواب على طريقة العرب فى قصد التهكم كقوله: * نقريهم لهذميات * وقوله: * تحية بينهم ضرب وجيع * وقوله: {أية : فبشرهم بعذاب أليم }تفسير : والمراد اليهود، فان الله أبعدهم من رحمته، وأعد لهم عذابه، ومسخ بعضهم قردة بسبب صيد السبت، وبعضهم خنازير بالكفر بعد نزول المائدة، وقيل: بالصيد فى السبت مسخت شيوخهم خنازير، وشبانهم قردة، وعند متعلق بشر. {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}: فعل ماضى ومفعول به، والفاعل على مستتر عائد على من، والجملة معطوفة على لعنه الله، ويدل له قراءة ابن مسعود: ومن عبدوا الطاغوت بتكرير الموصول، ولكنه راعى معنى من فى الجمع كما راعاه أى فى قراءته وعبدو الطاغوت، والطاغوت الشيطان، أو الأصنام، أو الكهنة، أو العجل، أو أحبارهم، أو ما عبد من دون الله وسبق الكلام فيه، وعبد الطاغوت بالبناء للمفعول، ورفع الطاغوت والجملة أيضاً معطوفة على لعنه الله، فتحتاج الرابط لأنها عطفت على الصلة، فيقدر أى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم، وقرىء وعبد الطاغوت بضم الباء وفتح العين والدال، ورفع الطاغوت على الفاعلية، أى صار الطاغوت صيرورة عظيمة ذا عبادة منهم له، أى صار معبوداً، والجملة معطوفة على لعنه الله، والرابط محذوف كما مر. وقرىء وعابدة الطاغوت، وعابدى الطاغوت، وعباد الطاغوت بكسر العين وتخفيف الباء، وعبد الطاغوت بفتح العين واسكان الباء، وعبد بفتح العين وضم الباء اسما مضافاً، وفيه مبالغة، ونسب بعضهم هذه القراءة لحمزة وعبد بضم العين وفتح الباء مبالغة أيضاً، وعبد بضمهما جمعاً، وعبيد كذلك جمع عبد، وعبدت الطاغوت بفتح العين والباء جمع عابد، وعبد الطاغوت بفتحهما بلا تاء حذفت الطاغوت للاضافة، أو جمع عابد كخادم الطاغوت وخدم بفتح الخاء والدال، وعبد الطاغوت بضم العين وفتح الباء مشددة، وعباد الطاغوت بالضم والتشديد لكن فيه ألف، وأعبد الطاغوت بفتح الهمزة واسكان العين وضم الباء، وهو فى هذه اللغات التسع اسم منصوب عطفاً على القردة مضاف للطاغوت، وقرىء وعبد الطاغوت بفتح العين واسكان الباء، وكسر الدال والاضافة للطاغوت عطفاً على من فى قوله: {أية : من لعنه الله }تفسير : على أن من بدل من شر وقرأ الحسن وعبد الطواغيت بالفعل الماضى، ونصب الطواغيت والجمع. ومعنى كون الله جاعلا منهم عبدة الطاغوت فى قراءة الاسمية أنه تعالى خذلهم فعبدوها، أو أنه سماهم عبدة الطاغوت، أى صيرهم قردة وخنازير وأصحاب هذا الاسم، ولما نزلت الآية كان المسلمون يقولون يا أخوة القردة والخنازير، فينكسون رءوسهم. {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا}: أى أولئك الملعونون المغضوب عليهم، المجعول منهم القردة والخنازير، أعظم الناس الأشقياء عذاباً وهواناً وذلا يوم القيامة، وذلك أنه أسند عظم الشرارة للمكان من حيث انه تفسير محول الفاعل مكنياً عن عظم شرارتهم، وشرارة المكان من لوازم شرارة أهله، والكناية أبلغ من التصريح، ويجوز أن يكون من اسناد ما للحال فى للمحل، وذلك أن مكانهم فى الآخرة النار التى هى أعظم نيران الآخرة تحت عبدة الأوثان، وقيل: أعظمها سقر وهى لهم، لأنهم علموا ومن علم ولم يعمل فله الويل سبع مرات، ومن لم يعلم فمرة، وقيل: عبدة الأوثان أسفل منهم، أو المراد أن مكانهم فى النار أعظم وأفظع من كل مكان سوء فى الدنيا، وقيل: المعنى شر تمكنا، وحالا وقيل المعنى شر انصرافاً أى انقلابهم الى الله بالموت، أو بالبعث شر من انقلاب غيرهم. {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ}: عن الطريق السوى، أى عن الطريق الأفضل، وهو دين الله تعالى السالم من غلو النصارى، وقدح اليهود، والمراد أشد ضلالة من سائر من ضل.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَلْ} توبيخ {أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ} بنوع من الناس هو شر {مِنْ ذَلِكَ} النوع الذى آمن بعيسى والأنبياء كلهم والكتب كلها وعبارة بعض الإِشارة إِلى الدين، وقيل إِلى الأَكثر الفاسقين بتأويل من ذكر، وادعى بعض أَن ذايشار بها للمفرد وغيره، وقيل الإِشارة إِلى الأَشخاص المتقدمين الذين هم أَهل الكتاب وإِن المراد أَن السلف شر من الخلف والتفضيل بين الذوات لا بين الأَعراض، والشر إِنما هو باعتبار دعواهم أَن أَهل الإِسلام شر أَهل كل دين فإِنه لا سوءَ فى أَهل الإِسلام من حيث الإِسلام وأثبته تهكما بهم كما تهكم بطريق الاستعارة فى قوله {مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ} أَى عقوبة، وأَصله في الجزاء بالخير وإِن فسرناه شراً، وذلك بالأَعراض. قدرنا مضافاً أَى بأَهل عمل أَسوأَ من ذلك العمل الذى هو الإِيمان بالحق كله فيناسب بالتقدير قوله {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ} أَو يبقى بشر وذلك على معنى الأَعراض فيقدر العرض هنا أَى كفر من لعنة الله أَو دين من لعنه الله، وما ذكرته أَولا أَولى لأَنه لا تقدير فيه أَولا ولا آخراً، والتمييز بالمثوبة صالح للذات وللعرض تقول فلان شر عقاباً وعمله شر عقاباً، أَو هو مفعول لأَجله على حذف مضاف أَى لطلب مثوبة، أَو بلا خلاف عند من لا يشترط الاتحاد في الفاعل ومعناه الإِثابة، والإنابة فعل الله عز وجل، ومن خبر لمحذوف كأنه قيل من هو فقال هو من لعنه الله ولا يحسن البدل أَو البيان إِلا على التعريض بأَن المتصف باللعن وما بعده لا بد أَن يكون شراً مثوبة. ولعنه الله أَبعده عن الخير بالخذلان {وَغَضِبَ عَلَيْه} قضى عليه بالعذاب {وَجَعَلَ مِنْهُمُ} هذا الضمير لمراعاة معنى من {الْقِرْدَةَ والخَنَازِيرَ} مسخ شبان أَصحاب السبت قردة وشيوخهم خنازير، أَو أَصحاب السبت من اليهود قردة وأَصحاب المائدة من النصارى خنازير {وَعَبَد الطَّاغُوتَ} العجل أَو الشيطان أَو الكهنة، وكل من عبد من دون الله ومن رأَس في الضلال فهو طاغوت، والعطف على لعنة الله أَى وأَنتم راضون عنهم وسالكون طريق كفرهم فساغ ذمهم بما فعل هؤلاءِ {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً} هو نار الآخرة واسم التفضيل خارج عن بابه إذ لا سوءَ في مكان المؤمنين وهو الجنة، أَو باق عليه بمعنى أَن مكانهم وهو النار شر من مكان المؤمنين وهو الدنيا لما يلحقهم فيها من الهموم والحاجة وسماع الأَذى، أَو شر من مكان المؤمنين على زعم الكفار هؤلاء مكان المؤمنين، سواء أو شر مكاناً على سائر كفرة اليهود، ويجوز أَى يراد بمكاناً المرتبة والشان وهو منصوب على التمييز المحول عن الفاعل مبالغة باثبات الشرارة للموضع لعظم شرارتهم حتى أَثر في مكانهم، أَو عظم حتى صار مجسماً، أَو الإِسناد مجازى كجرى النهر. أَو يراعى في المكان أَصله وهو موضع الكون الذى يكون فيه أَمرهم إِلى التمكن فيه أَى شر منصرفاً وهو جهنم {وَأَضلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} أَى عن السبيل السواء أَى الوسط أَى الأَفضل وهو دين الإِسلام ولا خير في غيره، وناسب الوسط أَنه بين تفريط اليهود وقدحهم إِذ أَنكروا عيسى وقالوا أَنه ولد الزنى وأَن أمه زنت، وإِفراط النصارى وغلوهم بقولهم عيسى إِله أَو ابن الله. واسم التفضيل خارج عن بابه إِذ لا ضلال في الإِسلام أَو باق على بابه باعتبار قصدهم أَو بالنسبة إِلى غيرهم من الكفار.
الالوسي
تفسير : {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ} تبكيت لأولئك الفجرة أيضاً ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة ما هم عليه من الدين المحرف، وفيه نعي عليهم على سبيل التعريض بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها، ولم يصرح سبحانه لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد، وخاطبهم قبل البيان بما ينبىء عن عظم شأن المبين، ويستدعي إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به، والتنبئة المشعرة بكونه أمراً خطراً لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن وخطر، والإشارة إلى الدين المتقوم لهم، واعتبرت الشرّية بالنسبة إليه ـ مع أنه خير محض منزه عن شائبة الشرّية بالكلية ـ مجاراة معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شرّيته، وحاشاه ليثبت أن دينهم شر من كل شر، ولم يقل سبحانه بأنقم تنصيصاً على مناط الشرية لأن مجرد النقم لا يفيدها ألبتة لجواز كون العيب من جهة العائب:شعر : فكم من عائب قولاً صحيحا وآفته من الفهم السقيم تفسير : وفي ذلك تحقيق لشرية ما سيذكر وزيادة تقرير لها، وقيل: إنما قال: {بِشَرٍّ} لوقوعه في عبارة المخاطبين، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى النبـي صلى الله عليه وسلم نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ونافع بن أبـي نافع وغازي بن عمرو وزيد وخالد وإزار بن أبـي إزار فسألوه عليه الصلاة والسلام عمن يؤمن به من الرسل قال: أومن بالله تعالى وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى. وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فلما ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، ثم قالوا ـ كما في رواية الطبراني ـ لا نعلم ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله تعالى الآية، وبهذا الخبر انتصر من ذهب إلى أن المخاطبين ـ بأنبئكم ـ هم أهل الكتاب. وقال بعضهم: المخاطب هم الكفار مطلقاً، وقيل: هم المؤمنون، وكما اختلف في الخطاب اختلف في المشار إليه بذلك، فالجمهور على ما قدمناه، وقيل الإشارة إلى الأكثر الفاسقين، ووحد الاسم إما لأنه يشار به إلى الواحد وغيره، وليس كالضمير، أو لتأويله بالمذكور ونحوه. وقيل: الإشارة إلى الأشخاص المتقدمين الذين هم أهل الكتاب، والمراد أن السلف شر من الخلف. {مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ} أي جزاءاً ثابتاً عنده تعالى، وهو مصدر ميمي بمعنى الثواب، ويقال في الخير والشر لأنه / ما رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله سمي به بتصور أن ما عمله يرجع إليه كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7 ـ 8] حيث لم يقل سبحانه ـ ير جزاءه ـ إلا أن الأكثر المتعارف استعماله في الخير، ومثله في ذلك المثوبة واستعمالها هنا في الشر على طريقة التهكم كقوله:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : ونصبها على التمييز من {بِشَرٍّ}، وقيل: يجوز أن تجعل مفعولاً له ـ لأنبئكم ـ أي هل أنبئكم لطلب مثوبة عند الله تعالى في هذا الإنباء، ويحتمل أن يصير سبب مخافتكم ويفضي إلى هدايتكم، وعليه فالمثوبة في المتعارف من استعمالها، وهو وإن كان له وجه لكنه خلاف الظاهر، وقرىء {مَثُوبَةً} بسكون الثاء وفتح الواو، ومثلها مشورة ومشورة خلافاً للحريري في إيجابه مشورة كمعونة. وقوله سبحانه: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما أشير إليه بذلك أي دين من لعنه الله الخ، أو بتقدير مضاف قبل اسم الإشارة مناسب لمن أي بشر من أهل ذلك، والجملة على التقديرين استئناف وقع جواباً لسؤال نشأ من الجملة الاستفهامية ـ كما قال الزجاج ـ إما على حالها ـ أو باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل: ما الذي هو شر من ذلك؟ فقيل: هو دين من لعنه الخ، أو من الذي هو شر من أهل ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله الخ. وجوز ـ ولا ينبغي أن يجوز عند التأمل ـ أن يكون بدلاً من شر، ولا بد من تقدير مضاف أيضاً على نحو ما سبق آنفاً، والاحتياج إليه ههنا ـ ليخرج من كونه بدل ـ غلط، وهو لا يقع في فصيح الكلام، وأما في الوجه الأول فأظهر من أن يخفى، وإذا جعل ذلك إشارة إلى الأشخاص لم يحتج الكلام إلى ذلك التقدير كما هو ظاهر، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة وتهويل أمر اللعن وما تبعه والموصول عبارة عن أهل الكتاب حيث أبعدهم الله تعالى عن رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسطوع البينات. {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} أي مسخ بعضهم قردة ـ وهم أصحاب السبت ـ وبعضهم خنازير ـ وهم كفار مائدة عيسى عليه الصلاة والسلام ـ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المسخين كانا في أصحاب السبت، مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير، وضمير {مِنْهُمْ} راجع إلى ـ من ـ باعتبار معناه كما أن الضميرين الأولين له باعتبار لفظه، وكذا الضمير في قوله سبحانه: {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} فإنه عطف على صلة ـ من ـ كما قال الزجاج، وزعم الفراء أن في الكلام موصولاً محذوفاً أي ومن عبد، وهو معطوف على منصوب {جَعَلَ} أي وجعل منهم من عبد الخ، ولا يخفى أنه لا يصلح إلا عند الكوفيين، والمراد بالطاغوت ـ عند الجبائي ـ العجل الذي عبده اليهود، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن أنه الشيطان، وقيل: الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى. والعبادة فيما عدا القول الأول مجاز عن الإطاعة، قال شيخ الإسلام [3/55]: «وتقديم أوصافهم المذكورة بصدد إثبات شرية دينهم على وصفهم هذا مع أنه الأصل المستتبع لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات لأن عبادة الطاغوت عين دينهم البين البطلان، ودلالتها عليها بطريق الاستدلال بشرية الآثار على شرية ما يوجبها من الاعتقاد، والعمل إما للقصد إلى تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشريته وفظاعته ولا باتصافهم به، وإما للإيذان باستقلال كل من المقدم والمؤخر بالدلالة على ما ذكر من الشرية ولو روعي ترتيب الوجود، وقيل: من عبد الطاغوت ولعن الله وغضب عليه الخ لربما فهم أن عليه الشرية هو المجموع» انتهى. / وأنت تعلم أن كون هذا الوصف أصلاً غير ظاهر على ما ذهب إليه الجبائي، وأن كون الاتصاف ـ باللعن والغضب مما لا سبيل لهم إلى الجحود به ـ في حيز المنع، كيف وهم يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] إلا أن يقال: إن الآثار المترتبة على ذلك الدالة عليه في غاية الظهور بحيث يكون إنكار مدلولها مكابرة، وقيل: قدم وصفي اللعن والغضب لأنهما صريحان في أن القوم منقومون، ومشيران إلى أن ذلك الأمر عظيم؛ وعقبهما بالجعل المذكور ليكون كالاستدلال على ذلك، وأردفه بعبادة الطاغوت الدالة على شرية دينهم أتم دلالة ليتمكن في الذهن أتم تمكن لتقدم ما يشير إليها إجمالاً، وهذا أيضاً غير ظاهر على مذهب الجبائي، ولعل رعايته غير لازمة لانحطاط درجته في هذا المقام، والظاهر من عبارة شيخ الإسلام أنه بنى كلامه على هذا المذهب حيث قال بعدما قال: والمراد من الطاغوت العجل، وقيل: الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى، فيعم الحكم دين النصارى أيضاً، ويتضح وجه تأخير عبادته عن العقوبات المذكورة إذ لو قدمت عليها لزم اشتراك الفريقين في تلك العقوبات انتهى، فتدبر حقه. وفي الآية كما قال جمع: عدة قراآت اثنتان من السبعة وما عداهما شاذ، فقرأ الجمهور غير حمزة {عَبْدُ} على صيغة الماضي المعلوم، والطاغوت بالنصب وهي القراءة التي بني التفسير عليها، وقرأ حمزة {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} بفتح العين وضم الباء وفتح الدال وخفض الطاغوت على أن عبد واحد مراد به الجنس وليس بجمع لأنه لم يسمع مثله في أبنيته بل هو صيغة مبالغة، ولذا قال الزمخشري: «معناه الغلو في العبودية، وأنشد عليه قول طرفة:شعر : أبني لبيني إن أمكم أمة وإن أباكم عبد» تفسير : أراد عبداً، وقد ذكر مثله ابن الأنباري والزجاج فقالا: ضمت الباء للمبالغة كقولهم للفطن والحذر: فطن وحذر، بضم العين، فطعن أبـي عبيدة والفراء في هذه القراءة، ونسبة قارئها إلى الوهم وهم، والنصب بالعطف على القردة والخنازير وقرىء {وَعَبَدَ} بفتح العين وضم الباء وكسر الدال وجر الطاغوت بالإضافة، والعطف على ـ من ـ بناءاً على أنه مجرور بتقدير المضاف، أو البدلية على ما قيل، ولم يرتض. وقرأ أبيّ (عبدوا) بضمير الجمع العائد على من باعتبار معناها، والعطف مثله في قراءة الجمهور، وقرأ الحسن ـ عباد ـ جمع عبد وعبد بالإفراد بجر {ٱلطَّـٰغُوتَ} ونصبه، والجر بالإضافة، والنصب إما على أن الأصل {عَبْدُ} بفتح الباء، أو {عَبْدُ} بالتنوين فحذف كقوله:شعر : @ولا ذاكراً الله إلا قليلاً تفسير : بنصب الاسم الجليل والعطف ظاهر، وقرأ الأعمش والنخعي وأبان {عُبِدَ} على صيغة الماضي المجهول مع رفع {ٱلطَّـٰغُوتَ} على أنه نائب الفاعل، والعطف على صلة ـ من ـ وعائد الموصول محذوف أي: عبد فيهم أو بينهم وقرأ بعض كذلك إلا أنه أنث، فقرأ ـ عبدت ـ بتاء التأنيث الساكنة، والطاغوت: يذكر ويؤنث كما مر؛ وأمر العطف والعائد على طرز القراءة قبل. وقرأ ابن مسعود {عَبُدَ} بفتح العين وضم الباء وفتح الدال مع رفع الطاغوت على الفاعلية ـ لعبد ـ وهو كشرف كأن العبادة صارت سجية له، أو أنه بمعنى صار معبوداً كأمر أي صار أميراً، والعائد على الموصول على هذا أيضاً محذوف، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {عُبُدَ} بضم العين والباء وفتح الدال، وجر {ٱلطَّـٰغُوتَ} فعن الأخفش أنه جمع عبيد جمع عبد فهو جمع الجمع أو جمع عابد ـ كشارف وشرف ـ أوجمع عبد كسقف وسقف أو جمع عباد ـ ككتاب وكتب ـ فهو جمع الجمع أيضاً مثل ثمار وثمر. / وقرأ الأعمش أيضاً {عُبَّدَ} بضم العين وتشديد الباء المفتوحة وفتح الدال وجر {ٱلطَّـٰغُوتَ} جمع عابد وعبد ـ كحطم وزفر ـ منصوباً مضافاً للطاغوت مفرداً وقرأ ابن مسعود أيضاً {عُبَّدَ} بضم العين وفتح الباء المشددة وفتح الدال، ونصب {ٱلطَّـٰغُوتَ} على حدّ:شعر : ولا ذاكر الله إلا قليلاً تفسير : بنصب الاسم الجليل، وقرىء ـ وعابد الشيطان ـ بنصب عابد، وجر الشيطان بدل الطاغوت، وهو تفسير عند بعض لا قراءة. وقرىء ـ عباد ـ كجهال ـ وعباد ـ كرجال جمع عابد أو عبد، وفيه إضافة العباد لغير الله تعالى وقد منعه بعضهم، وقرىء ـ عابد ـ بالرفع على أنه خبر مبتدأ مقدر، وجر {ٱلطَّـٰغُوتَ}، وقرىء ـ عابدوا ـ بالجمع والإضافة، وقرىء (عابد) منصوباً، وقرىء {عَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} بفتحات مضافاً على أن أصله عبدة ككفرة فحذفت تاؤه للإضافة كقوله:شعر : وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا تفسير : أي عدته كإقام الصلاة، أو هو جمع أو اسم جمع لعابد ـ كخادم وخدم ـ وقرىء ـ أعبد ـ كأكلب، وعبيد جمع أو اسم جمع، وعابدي جمع بالياء، وقرأ ابن مسعود أيضاً ـ ومن عبدوا ـ {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بتلك القبائح والفضائح وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: {شَرٌّ} خبره، وقوله تعالى: {مَكَاناً} تمييز محول عن الفاعل، وإثبات الشرارة لمكانهم ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم، فقد صرحوا أن إثبات الشرارة لمكان الشيء كناية عن إثباتها له كقولهم: سلام على المجلس العالي والمجد بين برديه، فكأن شرهم أثر في مكانهم، أو عظم حتى صار مجسماً. وجوّز أن يكون الإسناد مجازياً كجري النهر، وقيل: يجوز أن يكون المكان بمعنى محل الكون والقرار الذي يكون أمرهم إلى التمكن فيه أي شر منصرفاً، والمراد به جهنم وبئس المصير، والجملة مستأنفة مسوقة منه تعالى شهادة عليهم بكمال الشرارة والضلال، وداخلة تحت الأمر تأكيداً للإلزام وتشديداً للتبكيت، وجعلها ـ جواباً للسؤال الناشىء من الجملة الاستفهامية ليستقيم احتمال البدلية السابق ـ مما لا يكاد يستقيم. {وَأَضَلُّ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} أي أكثر ضلالاً عن طريق الحق المعتدل، وهو دين الإسلام والحنيفية، وهو عطف على {شَرٌّ} مقرر له، وفيه دلالة على كون دينهم شراً محضاً بعيداً عن الحق لأن ما يسلكونه من الطريق دينهم، فإذا كانوا أضل كان دينهم ضلالاً مبيناً لا غاية وراءه، والمقصود من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقاً من غير نظر إلى مشاركة غير في ذلك، وقيل: للتفضيل على زعمهم، وقيل: إنه بالنسبة إلى غيرهم من الكفار. وقال بعضهم: لا مانع أن يقال: إن مكانهم في الآخرة شر من مكان المؤمنين في الدنيا لما لحقهم فيه من مكاره الدهر وسماع الأذى والهضم من جانب أعدائهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلطَّاغُوتَ} {أُوْلَـٰئِكَ} (60) - قُلْ لهؤلاءِ المُسْتَهْزِئينَ بِالدِّينِ وَالعِبَادَةِ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ: هَلْ تُريدُونَ أنْ أُخْبِرَكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَبِمَنْ يَنَالُهُ عِنْدَهُ أَسْوَأُ الجَزَاءِ: أولَئِكَ هُمُ الذِينَ لَعَنَهُمَ اللهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ غَضَباً شَدِيداً لاَ يَرْضَى عَنْهُمْ بَعْدَهُ أبَداً، وَمَسَخَهُم فَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَةَ الطَّاغُوتِ ... فَهَؤُلاَءِ هُمْ شَرٌّ مَكَاناً، وَشَرٌّ مَثُوبَةً وَجَزَاءً عِنْدَ اللهِ، وَأَكْثَرُ ضَلاَلاً عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. المَثُوبَةُ - الجَزَاءُ. عَبَدَ الطَّاغُوتَ - أطَاعَ الشَّيْطَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ. سَواءِ السَّبِيلِ - الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وَهُوَ الإِسْلاَمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإن سلمنا جدلاً أنكم يا أهل الكتاب تعتبرون كيدكم لنا سيصيبنا بشر. على الرغم من أنكم لا تملكون أن تجازونا بشيء. وها هوذا الحق يخبركم على لسان رسوله بالأكثر شراً من هذا، وهي العقوبة التي يصنعها الله لكم وهو قادر على إنزالها بكم وهي الأكثر ضرراً. وهذا لون - كما قلنا - من مجاراة الخصم. ويعلمنا الله ذلك على لسان رسوله فيقول لخصومه: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. والرسول على الهدى بالقطع وخصومه على ضلال بالقطع، ولكن رسول الله يسلم الأمر طالباً من خصومه أن يراجعوا أنفسهم ليناقشوا القيم التي يدعو إليها الإسلام. وسيجدون أن قيم الإسلام هي الهدى وأنهم على ضلال. ونعلم أن الهدى والضلال لا يجتمعان، فنحن كمسلمين على هدى، وأنتم على ضلال. ووسيلة التمييز أن يحكم الإنسان عقله في المسألة، وبذلك يرى مَن الذي على هدى ومَن الذي على ضلال، فأنت لا تناقش الخصم في أصل الدعوى، ولكن سلم للخصم جدلاً. والتمييز النهائي هو الفيصل. وسيجد المميز حيثية ضلال الخصم واضحة وضوح حيثية هدى المسلمين. {أية : قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 59]. فإن كنتم تعيبون علينا أو تكرهوننا أو تأخذون إيماننا سُبَّة فهذا أمر لا يُكره الإنسانُ من أجله؛ لأنكم تدعون أنكم مؤمنون بالله. وكذلك لا يمكن أن يُسب الإنسان من أجل الإيمان بما أنزله الله في كتاب؛ لأنكم أيضاً تقولون إنكم مؤمنون بالتوارة. وتقولون إنكم مؤمنون بالأنبياء السابقين على موسى. والخلاف أن عيسى عليه السلام جاء بعد نبيكم فكفرتم به، لكننا آمنا به فنحن منطقيون مع أنفسنا ومع ربنا. والحق يبلغنا: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}. ونعرف أن صيانة الاحتمال تقتضي ألا يحكم الحق عليهم جميعاً بأنهم فاسقون؛ لأن فيهم بعضاً من الناس تراودهم نفوسهم بالإيمان وبالإسلام؛ لذلك لم يكن الحق أبداً ليعمم الحكم على كل أهل الكتاب بالفسق؛ ليعطي الفرصة لمن يفكر أن يعلن إيمانه. ومن بعد ذلك يأتي الخبر على لسان الرسول بعقابهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} إذن فهناك أمر أكثر ضرراً لكم لأنه ما كان يصح أن تكرهوا إيماننا، والأكثر ضرراً من هذا هو لعنة الله {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} ويأتي سبحانه بالأوصاف التي فيهم، من لعنة الله وغضبه عليهم وجَعْلِه بعضاً منهم قردة وخنازير. وكيف يأتي الله بمثل هذه الأوصاف كمثوبة؟ إن هذا لون من فتح باب الرجاء والأمل ثم يصدمهم من بعد ذلك تماماً مثل قوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21]. والعذاب الأليم يُنذر به، وكذلك اللعنة لا يمكن أن تكون ثواباً، لكن الأسلوب القرآني يعطي النفس المخالِفة لوناً من الانبساط، ثم يعطيها اللون المناقض له من الانقباض، ليكون ذلك أبلغ في الانقباض وأكثر إيلاماً. ومثال ذلك - كما قلنا من قبل - المسجون الذي يطلب كوب ماء فيأتي له الحارس بكوب الماء ويقربه من فمه ثم يسكب الماء على الأرض، هذه العملية زرعت في نفس السجين الأمل في الأرتواء أولاً، ثم يكون سكب الماء على الأرض سبباً في التعذيب والإمعان فيه، لكن لو رفض الحارس أولاً تقديم الماء لعاش السجين في اليأس وهو إحدى الراحتين. ونرى ذلك أيضاً فيمن ينتظر حكماً قد يكون إعداماً وقد يكون براءة، وتكون فترة الانتظار هي المليئة بالقلق. وعندما يضعون المنتظر في الميزان يجدون وزنه في انخفاض. وبعد الحكم بإعدامه يبدأ وزنه في الزيادة؛ لأن اليأس إحدى الراحتين. إذن فانبساط النفس ومجيء القبض بعدها هو الأمر الأنكى والأشد قسوة على النفس، ولذلك يقول الحق: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21]. هذه البشارة تأتي بالانبساط للنفس ويتلوها الانقباض، ومثل قول الحق: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} تفسير : [الكهف: 29]. أي أنه قد وقع عليهم لون من العذاب يستدعي الإغاثة، ومن بعد ذلك يغاثوا لا بما ينقذهم ولكن بما يزيد عذابهم. وساعة يسمعون "يغاثوا" تنفرج أساريرهم وتسكن وتطمئن نفوسهم، وبعد ذلك يحدث الانقباض بسماعهم: {بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ}، إذن فكلمة "مثوبة" تأتي لهم بشيء من الانبساط يتلوه العذاب. هذا. وإنّ أفعل التفضيل يأتي على صورة "أفعل"، "أكرم"، "أجود"، "أشجع" فهذا لون من زيادة الصفة في طرف عنها في الطرف الآخر. اللهم إلا كلمات قليلة جاءت في اللغة على غير صيغة التفضيل منها كلمة "خيرط وكلمة "شر" فلم تأت منها كلمة "أَخْيَر" بمعنى أكثر خيراً. ولا كلمة أشر بمعنى أكثر شرا، ومرة تأتي كلمة "خير" ويقابلها الخير الأقل. والذي يميز المعنى هو وجود كلمة "من" كقولنا: "فلان خير من فلان". أما إن قيل: فلان خير" فمقابله هو "شر" لأنه لا توجد كلمة "أَخْيَر". وهكذا نجد كلمة "خير" تأتي للوصف مرة وتأتي للمبالغة في الوصف مرة أخرى، والفاصل للتمييز بين الاثنين هو وجود "مِن". فيقال: فلان خير من فلان ومثلها في ذلك كلمة شر، وقد ورد استعمال كلمة خير للتفضيل ولغير التفضيل في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 70]. والحديث النبوي يقول: "حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ". تفسير : إن في كل مؤمن خيراً. ولكن في المؤمن القوي خير أكثر مما في المؤمن الضعيف. والمثال على أن كلمة "خير". تقابل كلمة "شر"، هو قول الحق: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} تفسير : [آل عمران: 180]. و"خير" هنا ليست أفعل التفضيل ولكنها للوصف العادي؛ وإذا جاءت "مِن" تعرف أنها للتفضيل، وعدم الإتيان بلفظة "مِن" يدلنا على أنها للوصف العادي ومقابله كلمة "شر". وهنا يقول الحق: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ}. وجاءت كلمة "بشر" هنا للتفضيل ولا يعني ذلك أن المؤمنين في "شر" ولكنها مجاراة للخصم. واعتبار أن ما يقوله الخصم مقبول جدلاً. وهناك الأكثر شراً في الواقع وعند الله وهو المراد من قوله تعالى: {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 60]. لماذا إذن يكون مصير هؤلاء إلى شر؟ لأنهم كرهوا سلوك المؤمنين ولم يستطيعوا أن ينفسوا عن الغل الذي في صدورهم بعقوبة المؤمنين. ولكن الله يكرههم ويملك لهم العقوبة ويكون مصيرهم الذي يوضحه الحق في قوله: {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} واللعنة هي الطرد من الرحمة. والطرد من الرحمة يعني حرمانهم من الخير. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - عندما يكون هناك خادم في خدمة إنسان ما وهو يسكن ويأكل ويلبس على حساب السيد، فإذا لم يؤد هذا الخادم حقوق الخدمة على وجهها المطلوب، لا يرضى عنه سيده، ويطرده من الخدمة، وحين يطرد الإنسان فهو يُعْلن للناس أن هذا الخادم لم يؤد حق الخدمة، فلا يستخدمه أحد بعد ذلك، وهذا هو الغضب. وبهذا نعرف الفرق بين أن يُطرد من الرحمة فقط ولا يعقب ذلك شيء، أو أن يستمر الغضب بالإعلان عن السبب في الإخراج من الرحمة، فهذا معناه أن الله بعد أن طردهم يلاحقهم بغضبه وسخطه وأن لعنه لهم لا ينفك عنهم. والله سبحانه وتعالى يعلن لأهل الكتاب: إن طردي لكم من رحمتي وتواصل غضبي عليكم هو شر عظيم. وغضب الله - كما نعلم - يترتب عليه أشياء في كل حركة من حركات حياتهم، إنه يمنع الهُدى أن ينفذ إلى قلوبهم، بأن يختم على قلوبهم فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر. أو أن يجعل منهم القردة والخنازير. وإن تساءلنا: كيف يكون نسلهم؟ نعرف أن الذي يُمسخ لا يَتَناسل، إنه يُمسخ إلى أن يُرى مسخاً ثم يؤخذ إلى الموت. وهل هم الذين اعتدوا في السبت أو الذين عبدوا العجل أو الذين كفروا بعد نزول مائدة عيسى؟ إنهم كل هؤلاء. أو أنهم قردة، أي في خصال القردة، كالطيش وخفة الحركة وانكشاف العورة، أو طبائعهم وخصالهم كالخنازير، فهؤلاء لهم خبث ونتن وزخم كزخم الخنزير. وأهم ميزة في الخنزير أنه لا يغار على أنثاه. وهذه موجودة فيهم. وتفشت فيهم عادة تشغيل بناتهم في الدعارة وغير ذلك من أعمال الباطل. وهكذا نفهم قوله الحق: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} إما على أساس أنه المسخ الحقيقي. والمسخ الحقيقي لا يظل متماثلاً ممسوكاً وإنما يكون المسخ لزمن محدود يراه الناس ممسوخاً ثم يموت وينتهي، وإما أن نفهمها على أن سلوكهم كسلوك القردة والخنازير. ويتابع الحق: {وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} والعبادة إنما هي طاعة العبد للمعبود فيما أمر به وفيما نهى عنه. والطواغيت هم الذين يزينون لهم الشر والنفاق وأكل السحت والإثم. ويكون مصيرهم هو قوله الحق: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} وهذا هو الواقع الذي يعيشون فيه وهو شر كله، وهم لا يفكرون في السير في الطريق السليم. وعندما نقرأ قول الحق كاملاً في هذه الآية: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 60]. نعرف أنهم في حالة غفلة عن مسار الهدى الموصل للحق؛ لأن {سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} هو الأمر المستوي الموصل للغاية. وكانت طرق العرب إما فيها رمال وإما بين الجبال، وكانوا يختارون السير في وسط الطريق حتى لا ينالهم أذى من جرف هاوٍ من الرمال فيقع بهم أو أن تقع عليهم صخرة من جبل. ولذلك قال الحق: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ * فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 51-55]. أي أنه في وسط الجحيم. ويقول الحق بعد ذلك عن الذين غضب عليهم: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):