Verse. 730 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَاِذَا جَاۗءُوْكُمْ قَالُوْۗا اٰمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُوْا بِالْكُفْرِ وَہُمْ قَدْ خَرَجُوْا بِہٖ۝۰ۭ وَاللہُ اَعْلَمُ بِمَا كَانُوْا يَكْتُمُوْنَ۝۶۱
Waitha jaookum qaloo amanna waqad dakhaloo bialkufri wahum qad kharajoo bihi waAllahu aAAlamu bima kanoo yaktumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا جاءُوكم» أي مُنَافِقُو اليهود «قالوا آمنا وقد دخلوا» إليكم متلبسين «بالكفر وهم قد خرجوا» من عندكم متلبسين «به» ولم يؤمنوا «والله أعلم بما كانوا يكتمونـ» ـه من النفاق.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على الرسول عليه الصلاة والسلام ويظهرون له الإيمان نفاقاً، فأخبره الله عزّ وجلّ بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء من دلائلك وتقريراتك ونصائحك وتذكيراتك. المسألة الثانية: الباء في قوله {دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَ... خَرَجُواْ بِهِ } يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه ألبتة، كما تقول: دخل زيد بثوبه وخرج به، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول. المسألة الثالثة: ذكر عند الدخول كلمة {قَدْ } فقال {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ } وذكر عند الخروج كلمة {هُمْ } فقال: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } قالوا: الفائدة في ذكر كلمة «قد» تقريب الماضي من الحال، والفائدة في ذكر كلمة «هم» التأكيد في إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفراً، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول والخروج على سبيل الذم، وبالغ في تقرير تلك الاضافة بقوله {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } فدل هذا على أنه من العبد لا من الله. والجواب: المعارضة بالعلم والداعي. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } والغرض منه المبالغة فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد بهم والبغض والعداوة لهم ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} الآية. هذه صفة المنافقين، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بشيء مما سمِعوه، بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي من نفاقهم. وقيل: المراد اليهود الذين قالوا: آمنوا بالذي أُنزِل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة، وٱكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم، يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي. قوله تعالى: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} يعني من اليهود. {يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي يسابقون في المعاصي والظلم {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. قوله تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} «لولا» بمعنى أفلا. «ينهاهم» يزجرهم. «الرَّبَّانِيُّون» علماء النصارى. «والأحبار» علماء اليهود؛ قاله الحسن. وقيل: الكل في اليهود؛ لأن هذه الآيات فيهم. ثم وبّخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} كما وبّخ من يسارع في الإثم بقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر؛ فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مضى القول في هذا المعنى في «البقرة» و «آل عمران». وروى سفيان بن عيينة قال: حدّثني سفيان بن سعيد حديث : عن مِسعر قال بلغني أن مَلَكاً أُمِر أن يخسف بقرية فقال: يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه: «أَنْ به فٱبدأ فإنه لم يَتَمَعَّر وجهه فيّ ساعة قط» تفسير : . وفي صحيح الترمذي: « حديث : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده » تفسير : . وسيأتي. والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة؛ يقال: سيف صنيع إذا جُوِّد عمله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا جَاءُوكُم} أي منافقو اليهود {ْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ } إليكم متلبسين {بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ } من عندكم متلبسين {بِهِ } ولم يؤمنوا {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } ـه من النفاق.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {جاؤوكم} لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وخاصة للمنافقين. نص على ذلك ابن عباس وقتادة والسدي، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم دخلوا وهم كفار وخرجوا كذلك لم تنفعهم الموعظة ولا نفع فيهم التذكير، وقوله: {وهم} تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر ثم يؤمنوا ويخرج قوم وهم كفرة فكان ينطبق على الجميع وقد دخلوا بالكفر وقد خرجوا به، فأزال الاحتمال قوله تعالى: {وهم قد خرجوا به} أي هم بأعيانهم ثم فضحهم تعالى بقوله: {والله أعلم بما كانوا يكتمون} أي من الكفر. وقوله تعالى لنبيه: {وترى} يحتمل أن يكون من رؤية البصر ويحتمل من رؤية القلب ويكون المفعول الثاني {يسارعون} ، وعلى الاحتمال الأول {يسارعون} حال، {في الإثم} معناه في موجبات هؤلاء كفرهم {والعدوان} مصدر من عدا الرجل إذا ظلم وتجاوز الحد، و {السحت} هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث، واللام في {لبئس} لام قسم، وقرأ أبو حيوة "والعِدوان" بكسر العين. وقوله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} تخصيص في ضمنه توبيخ لهم إذ تركوا اللازم، قال الطبري: كل العلماء يقولون ما في القرآن آية هي أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها، وقال الضحاك بن مزاحم: ما في القرآن آية أخوف عندي منها إنا لا ننهى، وقال نحو هذا ابن عباس، وقرأ الجراح وأبو واقد "الرِبانيون" بكسر الراء واحدهم ربي إما منسوب إلى علم الرب وإما من تربية الناس بصغار العلم قبل كباره، وزيدت النون في نسبته مبالغة كشعراني ومنظراني ومخبراني، وقال الحسن: الرباني عالم الإنجيل والحبر عالم التوراة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقوله في الرباني شاذ بعيد. و {الأحبار} واحدهم حِبر بكسر الحاء وفتحها وهم العلماء الذين لا يعنون لإصلاح الناس ولا يكلفون ذلك، والرباني هو العالم المدير المصلح، وقوله تعالى: {عن قولهم الإثم} ظاهر أن {الإثم} هنا يراد به الكفر، ويحتمل أن يراد به سائر أقوالهم المنكرة في النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ عباس "بئس ما كانوا يصنعون" بغير لام قسم. وقوله تعالى: {وقالت اليهود} إلى قوله {لا يحب المفسدين} هذه الآية تعديد كبيرة من أقوالهم وكفرهم أي فمن يقول هذه العظيمة فلا يستنكر عليه أن ينافق عليك يا محمد ويسعى في رد أمر الله الذي أوحاه إليك، وقال ابن عباس وجماعة من المتأولين معنى قولهم التبخيل، وذلك أنهم لحقتهم سنة وجهد فقالوا هذه العبارة يعنون بها أن الله بخل عليهم بالرزق والتوسعة، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} تفسير : [الإسراء:29] فإنما المراد لا تبخل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: مثل البخيل والمتصدق، الحديث وذكر الطبري والنقاش أن هذه الآية نزلت في فنحاص اليهودي وأنه قالها، وقال الحسن بن أبي الحسن قوله: {يد الله مغلولة} إنما يريدون عن عذابهم فهي على هذا في معنى قولهم {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة: 18] وقال السدي أرادوا بذلك أن يده مغلولة حتى يرد علينا ملكنا. قال القاضي أبو محمد: فكأنهم عنوا أن قوته تعالى نقصت حتى غلبوا ملكهم، وظاهر مذهب اليهود لعنهم الله في هذه المقالة التجسيم، وكذلك يعطي كثير من أقوالهم، وقوله تعالى: {غلت أيديهم} دعاء عليهم، ويحتمل أن يكون خبراً، ويصح على كلا الاحتمالين أن يكون ذلك في الدنيا وأن يراد به الآخرة، وإذا كان خبراً عن الدنيا فالمعنى غلت أيديهم عن الخير والإنفاق في سبيل الله ونحوه وإذا كان خبراً عن الآخرة فالمعنى غلت في نار جهنم أي حتم هذا عليهم ونفذ به القضاء كما حتمت عليهم اللعنة بقولهم هذا وبما جرى مجراه، وقرأ أبو السمال "ولعْنوا" بسكون العين، وذلك قصد للتخفيف لا سيما هنا الهبوط من ضمة إلى كسرة، وقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه ولا يكيف ولا يتحيز في جهة كالجواهر ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون. ثم اختلف العلماء فيما ينبغي أن يعتقد في قوله تعالى: {بل يداه} وفي قوله: {أية : بيدي} تفسير : [ص:75] و {أية : عملت أيدينا} تفسير : [يس:71] و {أية : يد الله فوق أيديهم} تفسير : [الفتح:10] و {أية : لتصنع على عيني} تفسير : [طه:39] و {أية : تجري بأعيننا} تفسير : [القمر:14] و {أية : اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} تفسير : [الطور:48] {أية : وكل شيء هالك إلا وجهه} تفسير : [القصص:88] ونحو هذا، فقال فريق من العلماء منهم الشعبي وابن المسيب وسفيان يؤمن بهذه الأشياء وتقرأ كما نصها الله ولا يعن لتفسيرها ولا يشقق النظر فيها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يضطرب لأن القائلين به يجمعون على أنها ليست على ظاهرها في كلام العرب فإذا فعلوا هذا فقد نظروا وصار السكون عن الأمر هذا مما يوهم العوام ويتيه الجهلة. وقال جمهور الأمة: بل تفسر هذه الأمور على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين كلام العرب. فقالوا في العين والأعين إنها عبارة عن العلم والإدراك، كما يقال فلان من فلان بمرأى ومسمع، إذا كان يعني بأموره وإن كان غائباً عنه، وقالوا في الوجه إنه عبارة عن الذات وصفاتها، وقالوا في اليد واليدين والأيدي إنها تأتي مرة بمعنى القدرة كما تقول العرب لا يد لي بكذا، ومرة بمعنى النعمة كما يقال لفلان عند فلان يد، وتكون بمعنى الملك كما يقال يد فلان على أرضه، وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالاً لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحداق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد، وذكر هذا الطبري وغيره، وقال ابن عباس في هذه الآية، {يداه} نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل نعمة المطر ونعمة النبات. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} عبارة عن إنعامه على الجملة وعبر عنه بيدين جرياً على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قول الشاعر وهو الأعشى: شعر : يداك يدا مجد فكفٌّ مفيدة وكفٌّ إذا ما ضنَّ بالمال تنفق تفسير : ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق، قال أبو عمرو الداني: وقرأ أبو عبد الله "بل يداه بسطتان" يقال يد بسطة أي مطلقة، وروي عنه "بسطان"، وقوله تعالى: {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} إعلام لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء اليهود من العتو والبعد عن الحق بحيث إذا سمعوا هذه الأسرار التي لهم والأقوال التي لا يعلمها غيرهم تنزل عليك، طغوا وكفروا، وكان عليهم أن يؤمنوا إذ يعلمون أنك لا تعرفها إلا من قبل الله، لكنهم من العتو بحيث يزيدهم ذلك طغياناً، وخص تعالى ذكر الكثير إذ فيهم من آمن بالله ومن لا يطغى كل الطغيان. وقوله تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} معطوف على قوله {وقالت اليهود} فهي قصص يعطف بعضها على بعض، و {العداوة} أخص من {البغضاء} لأن كل عدو فهو يبغض وقد يبغض من ليس بعدو، وكأن العداوة شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء قد لا تجاوز النفوس، وقد ألقى الله الأمرين على بني إسرائيل، وقوله تعالى: {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} استعارة بليغة تنبىء عن فض جموعهم وتشتيت آرائهم وتفريق كلمتهم، والآية تحتمل أن تكون إخباراً عن حال أسلافهم أي منذ عصوا وعتوا وهد الله ملكهم رماهم بهذه الأمور، فهم لا ترتفع لهم راية إلى يوم القيامة ولا يقاتلون جميعاً إلا في قرى محصنة، هذا قول الربيع والسدي وغيرهما. وقال مجاهد: معنى الآية كلما أوقدوا ناراً لحرب محمد أطفأها الله، فالآية على هذا تبشير لمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإشارة إلى حاضريه من اليهود، وقوله تعالى: {ويسعون} معنى السعي في هذه الآية العمل والفعل، وقد يجيء السعي بمعنى الانتقال على القدم، وذلك كقوله تعالى: {أية : فاسعوا إلى ذكر الله} تفسير : [الجمعة:9] وإن كان مالك رحمه الله قد قال في الموطأ: إن السعي في قوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} إنه العمل والفعل، ولكن غيره من أهل العلم جعله على الأقدام وهو الظاهر بقرينة ضيق الوقت وبالتعدية بـ "إلى"، ويؤيده قراءة عمر بن الخطاب "فامضوا إلى ذكر الله" وقوله تعالى: {والله لا يحب المفسدين} أي لا يظهر عليهم من أفعاله في الدنيا والآخرة ما يقتضي المحبة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا}: الضميرُ المرفوعُ لليهودِ المعاصرينَ؛ فحينئذ: لا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، أي: وإذا جاءَكُمْ ذريتُهم، أو نَسْلُهم؛ لأنَّ أولئك المجعولَ منهم القردَةُ والخنازيرُ، لم يَجِيئُوا، ويجوزُ ألاَّ يقدَّر مضافٌ محذوفٌ؛ وذلك على أن يكونَ قولُه {مَنْ لَعَنَهُ الله} إلى آخره عبارةً عن المخاطَبِينَ في قوله تعالى: {أية : يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [المائدة: 19]، وأنه مِمَّا وُضِع فيه الظاهرُ موضعَ المضْمَرِ، وكأنه قيل: أنْتُمْ، كذا قاله أبو حيان، وفيه نظرٌ؛ فإنه لا بدَّ من تقدير مضافٍ في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ} تفسير : [المائدة: 60]، تقديره: وجعل من آبائِكُمْ أو أسْلافِكُمْ، أو مِنْ جِنْسِكُمْ؛ لأن المعاصِرِينَ ليسوا مجعولاً منهم بأعيانِهِم، فسواءٌ جعله مِمَّا ذكر أم لا، لا بُدَّ من حذف مضاف. قوله تعالى: {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ} هذه جملةٌ حاليةٌ، وفي العامل فيها وجهان: أحدهما - وبه بدأ أبو البقاء -: أنه "قَالُوا"، أي: قالُوا كذا في حَالِ دخولهم كفرةً وخُرُوجهم كفرةً، وفيه نظرٌ؛ إذ المعنى يأبَاهُ. والثاني: أنه "آمَنَّا"، وهذا واضحٌ، أي: قالوا آمنَّا في هذه الحالِ، و"قَدْ" في "وَقَدْ دَخَلُوا" "وَقَدْ خَرَجُوا" لتقريب الماضِي من الحال، وقال الزمخشريُّ: "ولمعنى آخرَ، وهو: أنَّ أماراتِ النفاقِ كانَتْ لائحةً عليهم؛ فكان الرسولُ - عليه السلام - متوقِّعاً لإظهار الله تعالى - ما كتموه، فدَخَلَ حرفُ التوقُّعِ، وهو متعلِّقٌ بقوله "قَالُوا آمَنَّا"، أي: قالوا ذلك وهذه حالهم"، يعني بقوله: "وهُو متعلِّقٌ"، أي: والحال، وقوةُ كلامه تُعْطِي: أنَّ صاحبَ الحالِ وعاملَها الجملةُ المَحْكِيَّة بالقَوْل، و"بالكُفْرِ" متعلقٌ بمحذُوفٍ؛ لأنه حالٌ من فاعلِ "دَخَلُوا"، فهي حال من حال، أي: دَخَلُوا ملتبسين بالكُفْر، أي: ومعهُمُ الكُفْرُ؛ كقولهم: "خَرَجَ زَيْدٌ بِثيَابِهِ"، وقراءةِ من قرأ: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20]، أي: وفيها الدُّهْنُ؛ ومنه ما أنشدَ الأصمعيُّ: [الطويل] شعر : 2002- وَمُسْتَنَّةٍ كَاسْتِنَانِ الْخَرُو فِ قَدْ قَطَعَ الحَبْلَ بِالْمِرْوَدِ تفسير : أي: ومِرْوَدُهُ فيه، وكذلك "بِهِ" أيضاً حالٌ من فاعل "خَرَجُوا". فالبَاءُ في قوله تعالى: {دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ}، يُفيدُ أنَّ الكُفْرَ معهم حالةَ الدُّخُولِ والخُرُوجِ من غيْرِ نُقْصَانٍ، ولا تَغْيِير ألْبَتَّة، كما تَقُولُ: "دَخَلَ زَيْدٌ بِثَوْبِهِ وخَرَجَ" أي: ثوْبُهُ حال الخُرُوجِ، كما كَانَ حَالَ الدُّخُول. وقوله: "وَهُمْ" مبتدأ، و"قَدْ خَرَجُوا" خبرُه، والجملةُ حالٌ أيضاً عطفٌ على الحالِ قبلَها، وإنما جاءتِ الأولَى فعليَّةً والثانيةُ اسميةً؛ تنبيهاً على فرطِ تهالِكهم في الكُفْرِ؛ وذلك أنهم كان ينبغي لهم، إذا دخلُوا على الرسول - عليه الصلاة والسلام - أنْ يُؤمنُوا؛ لِما يَرَوْن من حُسْنِ شيمته وهَيْبَته، وما يظهرُ على يديهِ الشريفة من الخوارقِ والمعجزاتِ؛ ولذلك قال بعض الكَفَرَةِ: "رَأيْتُ وَجْهَ مَنْ لَيْسَ بِكَذَّابٍ"، فلمَّا لم يَنجَعْ فيهم ذلك، أكَّد كفرهم الثاني بأنْ أبْرَز الجملة اسميةً صدْرُها اسمٌ، وخبرها فعلٌ؛ ليكون الإسنادُ فيها مرتين، وقال ابن عطية: "وقوله: "وَهُمْ" تخليصٌ من احتمالِ العبارةِ أن يدخُلَ قومٌ بالكُفْرِ، ثم يؤمنوا، ويخرجَ قومٌ، وهم كَفَرَة، فكان ينطبِقُ على الجميع، وهم قد دخلوا بالكفر، وقد خَرَجوا به، فأزال اللَّهُ الاحتمال بقوله: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ}، أي: هُمْ بأعيانهم"، وهذا المعنى سبقه إليه الواحديُّ، فبسطه ابن عطيَّة، قال الواحديُّ: {وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} أكَّد الكلام بالضَّمير، تعييناً إياهم بالكفر، وتمييزاً لهم عن غيَرِهِمْ، وقال بعضهم: معنى "هُم" التأكيدُ في إضافة الكُفْر إليهم، ونَفْيِ أن يكون من الرسولِ ما يوجبُ كفرَهُمْ؛ مِنْ سوءِ معاملته لهم، بل كان يلطفُ بهم ويعاملُهم أحسنَ معاملةٍ، فالمعنَى: أنهم هم الذين خَرَجُوا بالكُفْر باختيار أنفُسِهِمْ، لا أنَّكَ أنْتَ الذي تسبَّبْتَ لبقائِهم في الكُفْر، وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون التقديرُ: وقد كانوا خرجُوا به"، ولا معنى لهذا التأويلِ، والواوُ في قوله تعالى: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون عاطفةً لجملةِ حالٍ على مثلها. والثاني: أن تكونَ هي نفسُها واوَ الحال؛ وعلى هذا: يكونُ في الآية الكريمة حجةٌ لمن يُجِيزُ تعدُّدَ الحال لذي حالٍ مفردٍ من غير عطف، ولا بدل إلا في أفعلِ التفضيل، نحو: "جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكاً كَاتِباً"؛ وعلى الأول: لا يجوزُ ذلك إلا بالعطفِ أو البدلِ، وهذا شبيهٌ بالخلاف في تعدُّد الخبر. قوله تعالى: "وإذا جَاءُوكم" يعني: هؤلاء المُنَافِقِين وقيل: هُم الذين آمَنُوا بالذي أنْزِلَ على الَّذِين آمَنُوا وجْهَ النَّهار، دَخَلوا على النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وقالوا: آمَنَّا بِكَ وصدَّقْنَاك فيما قُلْتَ، وهُمْ يُسِرُّون الكُفْر. {وقَدْ دخلُوا بالكُفْرِ وهُمْ قَدْ خَرَجوا به} أي: دخلوا كافِرِين وخرَجُوا كافِرِين، واللَّه أعلَمُ بما يَكْتُمُون، والغرض منه: المُبَالَغَةُ فِيمَا في قُلُوبِهِم من الجدِّ والاجتِهَادِ في المكر بالمُسْلِمِين، والكَيْدِ والبُغْضِ والعَداوَةِ لهم. قالت المُعْتَزِلَةُ: إنَّه تعالى أضَافَ الكُفْرَ إليْهِم حالَتَي الدخُول والخُرُوج على سبيل الذَّمِّ، وبالَغَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الإضَافَةِ بقوله: {وهم قد خَرَجوا بِهِ}، فدلَّ هذا على أنَّه من العَبْدِ لا من اللَّه تعالى. والجوابُ: المُعارضَةُ بالْعِلْمِ والداعي.

البقاعي

تفسير : ولما تم ذلك عطف سبحانه على {وإذا ناديتم إلى الصلاة} قوله دالاً على استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء أعمالهم دلالة على صحة دين الإسلام بإطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة والسلام على خفايا الأسرار: {وإذا جاءوكم} أي أيها المؤمنون! هؤلاء المنافقون من الفريقين، وإعادة ضمير الفريقين عليهم لأنهم في الحقيقة منهم، ما أفادتهم دعوى الإيمان شيئاً عند الله، والعدول إلى خطاب المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت، وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم في لحن القول، فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن إلى مكرهم بما أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم {قالوا آمنا} أي لا تغتروا بمجرد قولهم الحسن الخالي عن البيان بما يناسبه من الأفعال فكيف بالمقترن بما ينفيه منها، وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين بالآيتين السالفتين لا يضر، لكونهما علة للمعطوف عليه، فهما كالجزء منه. ولما ادعوا الإيمان كذَّبهم سبحانه في دعواهم بقوله مقرباً لماضيهم من الحال رجاء لهم غير الدخول، لأنها تكاد تظهر ما هم مخفوه، فوجب التوقع للتصريح بها: {وقد} أي قالوا ذلك والحال أنهم قد {دخلوا} أي إليكم {بالكفر} مصاحبين له متلبسين به. ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال، لما يرون من سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجليل وكلامه العذب ودينه العدل وهدية الحسن، فلم يتأثروا لما عندهم من الحسد الموجب للعناد، أخبر عن ذلك بأبلغ من الجملة التي أخبرت بكفرهم تأكيداً للأخبار عن ثباتهم على الكفر، لأنه أمر ينكره العاقل فقال: {وهم} أي من عند أنفسهم لسوء ضمائرهم وجبلاتهم من غير سبب من أحد منكم، لا منك ولا من أتباعك {قد خرجوا به} أي الكفر بعد دخولهم ورؤية ما رأوا من الخير، دالاً على قوة عنادهم بالجملة الاسمية المفيدة للثبات، وذكر المسند إليه مرتين، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا. ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه، نبه عليه بقوله: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال وبكل شيء علماً وقدرة {أعلم} أي منهم وممن توسم فيهم النفاق {بما كانوا} أي بما في جبلاتهم من الدواعي العظيمة للفساد {يكتمون *} أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم. ولما كذبهم في دعوى الإيمان، أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطباً لمن له الصبر التام، مفيداً أنه أطلعه صلى الله عليه وسلم على ما يعلم منهم مما يكتمونه من ذلك تصديقاً لقوله تعالى {ولتعرفنهم في لحن القول} إطلاعاً هو كالرؤية، عاطفاً على ما تقديره: وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين بما نعلم منهم من ذلك، وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف: {وترى} أي لا تزال يتجدد لك ذلك {كثيراً منهم} أي اليهود والكفار منافقهم ومصارحهم. ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا، لأنها لا تكون إلا في شيء له وقتان: وقت لائق، ووقت غير لائق، والإثم لا يتأتى فيه ذلك، قال: {يسارعون} أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصماً في السرعة فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير، وكان موضع لأن يعبر بالضمير فيقال: فيه - أي الكفر, فعبر عنه تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف إفادة لأن كفرهم عن حيلة هي في غاية الرداءة بقوله: {في الإثم} أي كل ما يوجب إثماً من الذنوب، وخص منه أعظمه فقال: {والعدوان} أي مجاوزة الحد في ذلك الذي أعظمه الشرك، ثم حقق الأمر وصوَّره بما يكون لوضوحه دليلاًعلى ما قبله من إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلاً، ولا يمكنهم إنكاره فقال: {وأكلهم السحت} أي الحرام الذي يستأصل البركة من أصلها فيمحقها، ومنه الرشوة، وكان هذا دليلاً على كفرهم لأنهم لون كانوا مؤمنين ما أصروا على شيء من ذلك، فكيف بجميعه! فكيف بالمسارعة فيه! ولذلك استحقوا غاية الذم بقوله: {لبئس ما كانوا} ولما كانوا يزعمون العلم، عبر عن فعلهم بالعمل فقال: {يعملون *}. ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئاً واحداً في الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على وجه يعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم - أنكر- على من يودعونهم أسرارهم ويمنحونهم مودتهم وأخبارهم من علمائهم وزهادهم - عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لكونهم جديرين بذلك لما يزعمونه من اتباع كتابهم فقال: {لولا} أي هلا ولم لا {ينهاهم} أي يجدد لهم النهي {الربانيون} أي المدعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب {والأحبار} أي العلماء {عن قولهم الإثم} أي الكذب الذي يوجبه وهو مجمع له {وأكلهم السحت} وذلك لأن قولهم للمؤمنين {آمنا} وقولهم لهم {أية : إنا معكم إنما نحن مستهزءون}تفسير : [البقرة: 14] لا يخلو عن كذب، وهو محرم في توراتهم وكذا أكلهم الحرام، فما سكوتهم عنهم في ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي وتمردهم في الكفر واستهانتهم بالجرأة على من لا تخفى عليه خافية، ولا يبقى لمن عاداه باقية. ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلاً عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ، لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخاً لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، فكان أشد حالاً؛ قال: {لبئس ما} ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون فقال: {كانوا يصنعون *} أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏وإذا جاؤوكم قالوا آمنا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال "اناس من اليهود، وكانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر، فكانوا يدخلون ويخرجون به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به‏}‏ فإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق وتسر قلوبهم الكفر، فقال ‏ {‏دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به‏} ‏‏. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهوداً يقول‏:‏ دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً‏. ‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا جَآؤُوكُم قَالُواْ ءامَنَّا} نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخُلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُظهرون له الإيمان نفاقاً، فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والجمعُ للتعظيم، أوْ له مَعَ مَنْ عنده من المسلمين، أي إذا جاؤوكم أظهروا الإسلام {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} أي يخرجون من عندك ملتبسين بالكفر كما دخلوا، لم يؤثِّرْ فيهم ما سمعوا منك، والجملتان حالان من فاعل قالوا، وبالكفر وبه حالان من فاعل دخلوا وخرجوا، وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالاً، أفادت أيضاً بما فيها من معنى التوقع أن أمارات النفاق كانت لائحة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يظنه ويتوقع أن يظهره الله تعالى، ولذلك قيل: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي من الكفر، وفيه وعيد شديد لهم.

القشيري

تفسير : أظهروا الصدق، وفي التحقيق نافقوا، وافتضحوا من حيث أوهموا ولبَّسُوا؛ فلا حالُهم بقيت مستورة، ولا أسرارهم كانت عند الله مكبوتة، وهذا نعتُ كل مبطل. وعند أرباب الحقائق أحوالهم ظاهرة في أنوار فراستهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذا جاؤكم قالوا آمنا} نزلت فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الايمان نفاقا فالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والجمع للتعظيم اوله مع من عنده من المسلمين اى اذا جاؤكم اظهروا الاسلام {وقد} اى والحال انهم قد {دخلوا} ملتبسين {بالكفر وهم قد خرجوا} من عندك ملتبسين {به} اى بالكفر كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك {والله اعلم بما كانوا يكتمون} من الكفر وصيغة التفضيل لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يظن نفاقهم من اماراته اللائحة عليهم ويتوقع انه يظهره الله: وفى المثنوى شعر : نيست بازى بامميز خاصه او كه بود تمييز عقلش غيب كو هيج سحروهيج تلبيس ودغل مى نبندد برده براهل دول

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة: {وقد دخلوا}، وجملة: {وهم قد خرجوا}، حالان من فاعل {قالوا}، ودخلت {قد} على دخلوا وخرجوا؛ تقريبًا للماضي من الحال، ليصح وقوع حالاً؛ أي: ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام، وأفادت أيضًا ـ لما فيها من التوقع ـ أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: في ذكر مساوىء اليهود: {وإذا جاءوكم} ودخلوا عليكم، أظهروا الوفاق لكم، و {قالوا آمنا} بدينكم {و} هم {قد دخلوا} عليكم ملتبسين {بالفكر} في قلوبهم، {وهم قد خرجوا} أيضًا {به}، فلم ينفع فيهم وعظ ولا تذكير، بل كتموا النفاق وأظهروا الوفاق، {والله أعلم بما كانوا يكتمون}؛ فيفضحهم على رؤوس الأشهاد. الإشارة: من سبق له الطرد والإبعاد لا تنفعه خلطة أهل المحبة والوداد، بل يخرج من عندهم كما دخل عليهم، لا ينفع فيه وعظ ولا تذكير، ولا ينجح فيه زاجر ولا نذير، وأما من سبقت له العناية فلا يخرج من عندهم إلا مصحوبًا بالهداية والرعاية، إذا كان في أسفل سافلين أصبح في أعلى عليين؛ لأنهم قوم لا يشقى جليسهم والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية مساوئ اليهود، فقال: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين بانهم اذا جاؤا المؤمنين {قالوا آمنا} أي صدقنا {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن وابن عباس والسدي وقتادة وأبو علي: وقد دخلوا بالكفر بخلاف ما أظهروه على النبي (صلى الله عليه وسلم) وخرجوا به من عنده. الثاني - وقد دخلوا به في احوالهم وقد خرجوا به الى احوال أخر كقولك هو يتقلب في الكفر ويتصرف به، ومعناه تقريب الماضي من الحال ولهذا دخلت (في) هذا الموضوع. وقال الخليل: ويكون لقوم ينتظرون الخبر كقولك قد ركب الأمير لمن كان ينتظره، وهو راجع الى ذلك الاصل لانه تقريب من الحال المنتظرة وأصل الدخول الانتقال الى محيط كالوعاء إلا أنه قد كثر حتى قيل دخل في هذا الامر، ولا يدخل في المعنى ما ليس منه. ودخل في الاسلام. وخرج بالردة منه. وكان ذلك مجاز. وقوله: {جاؤكم} لا يجوز ان يكون عاملاً في "إذا" كما يعمل في "متى" لو قيل: متى جاؤكم، قالوا آمنا، لان "إذا" مضافة الى ما بعدها والمضاف اليه لا يعمل في المضاف لانه من تمامه. وليس كذلك "متى" لانها جزاء. وقوله {والله أعلم بما كانوا يكتمون} معناه ما يكتمونه من نفاقهم اذ اظهروا بألسنتهم ما اضمروا خلافه في قلوبهم فبين الله للناس أمرهم.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} تأديب للمؤمنين بان يراقبوا حالهم وتعريض بالمنافقين من امّة محمّد (ص) {وَقَدْ دَّخَلُواْ} فى مجلسك او فى دينك {بِٱلْكُفْرِ} يعنى لم يكن دخولهم خلوصاً من الكفر بل انقياداً لسلطنتك {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} من عندك او من دينك من غير تأثير لكلامك فيهم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} تهديد لهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا جَآءُوكُم قَالُوا آمَنَا}: قال قتادة: نزلت الآية فى أناس من اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهرون له أنهم مؤمنون، وأنهم مستمسكون بما جاء به، راضون وهم فى السر، متمسكون بضلالهم، فأخبره الله تبارك وتعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شىء مما سمعوا من تذكيرك بآيات الله ومواعظه، كما قال الله تعالى: {وَقَد دَّخَلُوا بِالكُفرِ وَهُم قَدْ خَرَجُوا بِهِ}: ولعل الآية نزلت فى المنافقين من العرب ومن اليهود، والواو وفى قوله: وقد دخلوا بالكفر واو الحال، وصاحب الحال واو جاءوكم أو واو قالوا وهو أولى، وأما واو قوله: {وَهُم قَدْ خَرَجُوا بِهِ} فقيل: ان هذا الحال كذلك فيكون قد تكرر من الحال، وهى جملة كل بواو الحال، وأولى من هذا أن تكون عاطفة على الحال فتحصل الحالية بواسطة العطف، ويجوز أن تكون للحال وصاحبها واو دخلوا، والمراد بالخروج على كل حال الخروج السابق على هذا الدخول، وفى الوجه الأخير عدم عطف الاسمية على الفعلية، ووجه العطف قرب الفعلية من الاسمية باقترانها بقد، وقد هذه لتقريب الماضى من الحال لتناسب الحالية، وكأنه كان مضمون مدخولها قريباً من الحال، يكاد يشاهد، ومع ذلك هى حال محكية، ويجوز أن تكون التوقع، لأن أمارات النفاق عليهم، فهو يتوقع ظهوره. وعلى كل حال جاءت جملتان فعلية قريبة من الاسمية، ويتأكد قربها بجعل قد للتحقيق، وجملة اسمية فيها اسنادان، لأن الخبر فيها جملة، وفيه قد أيضاً بأوجهها المذكورة، فقد تمسكوا بالكفر جداً، لكن لما رأوا حسن سيرته صلى الله عليه وسلم وجلبه كان مقتضى الفعل أن يخرجوا مؤمنين فى الظاهر، ويجوز خروج شر وأضل على التفضيل، وقد سبق توجيه بقائهما على التفضيل، ولكونه صلى الله عليه وسلم يظن نفاق هؤلاء قال الله تعالى: {وَاللهَ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا يَكتُمُونَ}: من الشرك فلا يفوته الانتقام منهم، وهذا دليل على قوة ظنه صلى الله عليه وسلم نفاقهم فى ذلك، حتى كأنه علم فقال: الله أعلم منك بنفاقهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} بك وبما جئت به عطف قصة على أَخرى، والجاءون مطلق المنافقين أَو بعض اليهود الذين من ذرية هؤلاءِ اليهود الذين مسخ بعضهم يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهرون له الإِسلام ويضمرون الكفر، والكاف للنبى صلى الله عليه وسلم تعظيماً، أَو له ولمن عنده من المؤمنين {وَقَدْ دَخَلُوا} عليك {بِالكُفْرِ} حال من واو قالوا والباءُ للمصاحبة {وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} من عندك حال مقدرة بمعنى يخرجون لأَنهم حال القول غير خارجين، أَو هذه حال من واو دخلوا فالواو للحال لا عاطفة على حال مقارنة وبالكفر حال من واو دخلوا وبه حال من واو خرجوا وقد الأَول لتقريب الماضى من الحال، أَو متعلقان بدخل وخرج، أَو وهم قد خرجوا به عطف قصة على أُخْرى لا مدخل لها فى الحالية، وفى قد فى الموضعين تلويح بما يتوقعه صلى الله عليه وسلم من ظهور نفاقهم لما يروى من أمارته فان الإِخبار بالدخول بالكفر والخروج به بحيث لا يتأَثرون بشيءٍ مما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم كالإِخبار بأَن ما تتوقعه منهم قد حضر فأَنت عالم بنفاقهم، وقال: وهم قد خرجوا به، ولم يقل: وقد خرجوا به تأكيداً لذمهم وكفرهم حال الخروج بحسب اعتبار أَن الظاهر أَن لا يخرجوا بكفرهم بعد مشاهدتهم له صلى الله عليه وسلم أَو إِخبار بأَن كفرهم حال الخروج أَشد لأَنهم ازدادوا كفراً إِذ زجرهم وكفروا بما قال {وَاللهُ أَعْلَمُ} منك {بِمَا كَانُوا يَكْتِمُونَ} من الكفر وسيجزيهم به.

الالوسي

تفسير : {وَإذَا جَاءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا} نزلت ـ كما قال قتادة والسدي ـ في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به نفاقاً، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والجمع للتعظيم، أو له عليه الصلاة وللسلام مع من عنده من أصحابه رضي الله تعالى عنهم أي إذا جاءوكم أظهروا لكم الإسلام. {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} أي يخرجون من عندك كما دخلوا لم ينتفعوا بحضورهم بين يديك ولم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، والجملتان في موضع الحال من ضمير {قَالُواْ} على الأظهر. وجوّز أبو البقاء أن يكونا حالين من الضمير في {ءَامَنَّا}، وباء بالكفر، و {بِهِ} للملابسة، والجار والمجرور / حالان من فاعل دخلوا ـ و ـ خرجوا والواو الداخلة على الجملة الاسمية الحالية للحال، ومن منع تعدد الجملة الحالية من غير عطف يقول: إنها عاطفة والمعطوف على الحال حال أيضاً، ودخول {قَدْ} في الجملة الحالية الماضوية ـ كما قال العلامة الثاني ـ لتقرب الماضي إلى الحال فتكسر سورة استبعاد ما بين الماضي والحال في الجملة، وإلا ـ فقد ـ إنما تقرب إلى حال التكلم، وهذا إشارة إلى ما أوضحه السيد السند في «حاشية المتوسط» من أنه قيل: إن الماضي إنما يدل على انقضاء زمان قبل زمان التكلم، والحال الذي يبين هيئة الفاعل أو المفعول قيد لعامله، فإن كان العامل ماضياً كان الحال أيضاً ماضياً بحسب المعنى، وإن كان حالاً كان حالاً، وإن كان مستقبلاً كان مستقبلاً، فما ذكروه غلط نشأ من اشتراك لفظ الحال بين الزمان الحاضر ـ وهو الذي يقابل الماضي ـ وبين ما يبين الحالة المذكورة، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الفعل إذا وقع قيداً لشيء يعتبر كونه ماضياً أو حالاً أو مستقبلاً بالنظر إلى ذلك المقيد، فإذا قيل: جاءني زيد ركب يفهم منه أن الركوب كان متقدماً على المجيء فلا بد من قد حتى يقربه إلى زمان المجيء فيقارنه، وذكر نحو ذلك العلامة الكافيجي في «شرح القواعد»، ثم قال: وأما الاعتذار بأن تصدير الماضي المثبت بلفظة قد لمجرد استحسان لفظي فإنما هو تسليم لذلك الاعتراض فليس بمقبول ولا مرضي انتهى. ولذلك زيادة تفصيل في محله، وقد ذكر لها معنى آخر في الآية غير التقريب وهو التوقع فتفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوقع دخول أولئك الفجرة وخروجهم من خضيلة حضرته ـ أفرغ من يد تفت البر ـ مع لم يعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيره عليه الصلاة والسلام بآيات الله عز وجل لظنه بما يرى من الأمارات اللائحة عليهم نفاقهم الراسخ، ولذلك قال سبحانه: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} وفيه من الوعيد ما لا يخفى، وفي «الكشاف» «إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار الله تعالى ما كتموه، فدخل حرف التوقع لذلك»، واعترضه الطيبي بأن قد موضوعة لتوقع مدخولها وهو ههنا عين النفاق، فكيف يقال: لإظهار الله تعالى ما كتموه؟ وأجاب بأنه لا شك أن المتوقع ينبغي أن لا يكون حاصلاً، وكونهم منافقين كان معلوماً عنده صلوات الله تعالى وسلامه عليه بدليل قوله: «إن أمارات النفاق» الخ فيجب المصير إلى المجاز والقول بإظهار الله تعالى ما كتموه، وقال في «الكشف» معرضاً به: إن الدخول في الكفر والخروج به إظهار له، فلذلك أدخل عليه حرف التوقع لا أنه عين النفاق ليحتاج إلى تجوز في رجوع التوقع إلى إظهاره، وإن ظهور أماراته غير إظهار الله تعالى إياه بإخباره سبحانه عنهم وأنهم متلبسون بالكفر متقلبون فيه خروجاً ودخولاً انتهى فليتأمل، وإنما لم يقل سبحانه: وقد خرجوا على طرز الجملة الأولى إفادة لتأكيد الكفر حال الخروج لأنه خلاف الظاهر إذ كان الظاهر بعد تنور أبصارهم برؤية مطلع شمس الرسالة وتشنف أسماعهم بلآلىء كلمات بحر البسالة عليه الصلاة والسلام أن يرجعوا عما هم عليه من الغواية ويحلوا جياد قلوبهم العاطلة عن حلي الهداية، وأيضاً إنهم إذا سمعوا قول النبـي صلى الله عليه وسلم وأنكروه ازداد كفرهم وتضاعف ضلالهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف {وإذا جاؤوكم} على قوله: {أية : وإذا ناديتم إلى الصّلاة اتّخذوها هزؤاً}تفسير : [المائدة: 58] الآية، وخصّ بهذه الصّفات المنافقون من اليهود من جملة الّذين اتّخذوا الدّين هزوءاً ولعباً، فاستُكمِل بذلك التّحذيرُ ممّن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين. ولا يصحّ عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله: {أية : وجَعَلَ منهم القردة}تفسير : [المائدة: 60] لعدم استقامة المعنى، وبذلك يستغني عن تكلّف وجه لهذا العطف. ومعنى قوله: {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} أنّ الإيمان لم يخالط قلوبهم طَرْفَةَ عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك، لشدّة قسوة قلوبهم، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما، لأنّ ذلك هو المتعارف، إذ الحالة إذا تبدّلت استمرّ تبدّلها، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم: آمنّا، والعرب تقول: خرج بغير الوَجه الذي دخل به. والرؤية في قوله: {وترى} بصرية، أي أنّ حالهم في ذلك بحيث لا يخفى على أحد. والخطاب لكّل من يسمع. وتقدّم معنى {يسارعون} عند قوله: {أية : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}تفسير : [النساء: 41]. والإثم: المفاسد من قولٍ وعملٍ، أريد به هنا الكذب، كما دلّ عليه قوله: {عن قولهم الإثم}. والعدوانُ: الظلم، والمراد به الاعتداء علي المسلمين إن استطاعوه. والسحت تقدّم في قوله: {أية : سمّاعون للكذب أكّالون للسحت}تفسير : [المائدة: 42]. و{لولا} تحْضيض أريد منه التّوبيخ. و{الربّانيون والأحبار} تقدّم بيان معناهما في قوله تعالى: {أية : يحكم بها النبيئون}تفسير : [المائدة: 44] الآية. واقتصر في توبيخ الربّانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم وأكللِ السحت، ولم يذكر العُدوان إيماء إلى أنّ العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم، لأنّ الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه، ضعف. وجملة {لبئس ما كانوا يصنعون} مستأنفة، ذمّ لصنيع الربّانيين والأحبار في سكوتهم عن تغيير المنكر، و{يصنعون} بمعنى يعْلمون، وإنّما خولف هنا ما تقدّم فيّ الآية قبلها للتّفنن، وقيل: لأنّ {يصنعون} أدلّ على التمكّن في العمل من {يعملون}. واللام للقسم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يكتمون: أي يضمرون في نفوسهم ويخفونه فيها. في الإِثم والعدوان: الإِثم كل ضار وفاسد وهو ما حرمه الله تعالى من اعتقاد أو قول أو عمل، والعدوان: الظلم. السحت: المال الحرام كالرشوة والربا، وما يأخذونه من مال مقابل تحريف الكلم وتأويله. الربانيون والأحبار: الربانيون هنا العباد المربون كمشايخ التصوف عندنا. والأحبار: العلماء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في فضح وبيان خبثهم زيادة في التنفير من موالاتهم فأخبر تعالى في الآية الأولى عن منافقيهم فقال: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ} يريد: غشوكم في مجالسكم، {قَالُوۤاْ آمَنَّا} وما آمنوا ولكنهم ينافقون لا غير فقد دخلوا بالكفر في قلوبهم وخرجوا به، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} من الكفر والكيد لكم. هذا معنى قوله تعالى في الآية الأولى [61] {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} وأما الآية الثانية [62] فقد أخبر تعالى رسوله أنهم لكثرة ما يرتكبون من الذنوب ويغشون من المعاصي ترى كثيراً منهم يسارعون في الإِثم والعدوان وأكلهم السحت علناً لا يستترون به ولا يخفونه ثم ذمهم الله تعالى على ذلك وقبح فعلهم فقال {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. وفي الآية الأخيرة: أنكر على عبادهم وعلمائهم سكوتهم عن جرائم عوامهم ورضاهم بها مصانعة لهم ومداهنة فقال تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} أي لم لا ينهونهم عن قولهم الإِثم أي الكذب وأكلهم السحت الرشوة والربا، ثم ذم تعالى سكوت العلماء عنهم بقوله {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي وعزتي وجلالي لبئس صنيع هؤلاء من صنيع حيث أصبح السكوت المتعمد لمنافع خاصة يحصلون عليها صنعة لهم أتقنوها وحذقوها. والعياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجود منافقين منَ اليهود على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة. 2- بيان استهتار اليهود وعدم مبالاتهم بارتكابهم الجرائم علانية. 3- قبح سكوت العلماء على المنكر وإغضائهم على فاعليه، ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أشد آية وأخطرها على العلماء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} (61) - وَإذَا جَاءَكُمْ، هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ وَاليَهُودُ السَّاخِرُونَ، تَظَاهَرُوا بِالإِيْمَانِ، مَعَ أنَّ قُلُوبَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الكُفْرِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالكُفْرُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَيَسْمَعُونَ مِنْهُ العِلْمَ وَالقُرآنَ، وَأحْكَامَ الدِّينِ، وَالمَوَاعِظَ وَالزَّوَاجِرَ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُونَ كَمَا دَخَلُوا وَالكُفْرُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَاللهُ عَالِمٌ بِمَا فِي سَرَائِرِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَإنْ أظْهَرُوا لِخَلْقِ اللهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهؤلاء هم الذين اتخذوا الدين هزواً ولعباً وسخرية. وهم ساعة يدخلون على المؤمنين يدخلون ومعهم الكفر. وعندما جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا أيضاً بالكفر. أي أنّ الكفر قد لازمهم داخلين خارجين. وكأن جلوسهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزدهم أي شيء. وكان من الممكن أن يدخل إنسان على مجلسه صلى الله عليه وسلم، وهو كافر، وبعد ذلك تمسّه عناية الهداية فيخرج مؤمناً. ومثال ذلك: فضالة بن عمير الليثي الذي جاء ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الفتح. وعندما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضالة قال له: ما كنت تحدث به نفسك؟ فقال: لا شيء، كنت أذكر الله عز وجل. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أستغفر الله لك. ووضع يده عليه السلام على صدر فضالة. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلي منه. لقد مسته العناية، فقد دخل - أولاً - بكفره وخرج - ثانياً - بعميق الإيمان. لكن هؤلاء دخلوا بالكفر وخرجوا بالكفر، كأن الدخول كان نفاقاً، بدليل قوله الحق: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} وهذا القول دليل نفاقهم، فقد أعلنوا الإيمان لكنهم دخلوا بالكفر وخرجوا بالكفر. وكانوا يكتمون أن الدخول إلى رسول الله هو محض نفاق. وهذه خاصية لمن قالوا آمنا، ولكان كان دخولهم إلى الإسلام نفاقاً؛ لأن كفرهم أمر مستقر في قلوبهم لا يتزحزح، وكان يكفي في الأسلوب أن يقول الحق: وقد دخلوا بالكفر وخرجوا به، ولكنه قال: "وهم" وذلك تحديداً لهويتهم الكافرة، فكأن عملية الدخول بالكفر والخروج بالكفر هي عملية مسبقة؛ لذلك يكشفهم الحق: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ}. وجاء سبحانه بأفعل التفضيل "أعلم" فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إشراقات الله عليه وتنويره له كان يعلم أيضاً أنهم منافقون. ولكن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى علم الحق سبحانه وتعالى فعلم الله ذاتي وعلم رسوله فيض منه - سبحانه -. إذن فقوله الحق: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ} لم يمنع أن هناك أناساً قد علموا أنهم منافقون. وقد استقر في ذهن النبي أنهم منافقون وأن الله أعلم بما كانوا يكتمون. والكتم هو حبس الإحساس النفسي أن يخرج وأن يظهر واضحاً، ومحاولة الكتم عملية غير طبيعية لأنها قسرية. ويكاد كفرهم أن يظهر ويخرج فيحاولون أن يكتموه لأنهم يحرصون ألا ينكشفوا، ولكن علم الله لا تخفى عليه خافية. ويقول الحق بعد ذلك: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ...}

الجيلاني

تفسير : {وَإِذَا جَآءُوكُمْ} مدعين المحبة لكم ولدينكم؛ مداهنةً ونفاقاً، حيث {قَالُوۤاْ آمَنَّا} بنبيكم، وبما جاء به من عند ربه، لا تبالوا بهم وبإيمانهم، ولا تصاحبوا معهم {وَ} الحال أنهم {قَدْ دَّخَلُواْ} عليكم متلبسين {بِٱلْكُفْرِ} والإصرار {وَهُمْ} أيضاً {قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} بل زادوا إصراراً وعناداً، وإن أظهروا خلافه {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} [المائدة: 61] من الكفر والنفاق، وبغض رسول الله الذين آمنوا معه. {وَتَرَىٰ} أيها الرائي {كَثِيراً مِّنْهُمْ} أي: من اليهود والنصارى {يُسَارِعُونَ} ويبادرون {فِي ٱلإِثْمِ} أي: الخصلة الذميمة عقلاً وشرعاً {وَٱلْعُدْوَانِ} أي: التجاوز عن الحدود الشرعية {وَ} خصوصاً {أَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي: الحرام {لَبِئْسَ} أي: بئس شيئاً {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62] ويكسبون لأنفسهم من الأمور التي تستجلب العذاب والنكال. {لَوْلاَ} هلاَّ {يَنْهَاهُمُ} ويمنعهم {ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ} افتراءً على الله، وعلى كتابه {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} زاعمين إباحته {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63] لبئس شيئاً يصنعونه لأنفسهم برأيهم الفاسد، وعقلهم القاصر الكاسد. {وَ} من غاية جهلهم بالله، ونهاية غفلتهم عن مقتضيات أوصافه {قَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} مقبوضة، يقتر بالرزق حين فقدوا البسطة والرخاء الذي كانوا فيه قبل تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه؛ دعاءً عليهم: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} عن جميع الخيرات والمبرَّات بضرب الذلة والمسكنة عليهم في الدنيا، وفي الآخرة بالأغلال والسلاسل يسحبون بها إلى الجحيم. {وَ} أعظم منه أنهم {لُعِنُواْ} طُردوا عن مرتبة الإنسانية {بِمَا قَالُواْ} على ما قالوا على الله الجواد، الكريم ما لا يليق بجنابه {بَلْ يَدَاهُ} أي: أوصافه اللطفية والقهرية {مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} ويتعلق إرادته لمن يشاء؛ لطفاً وجوداً، ويمنع عمَّن يشاء قهراً وعدلاً {وَ} الله {لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم} حقداً وحسداً من {مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل؛ إنعاماً وإفضالاً لك {مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً} اجتراء وظلماً على الله، لا يليق بجنابه {وَكُفْراً} إصراراً وتشدداً على ما هم عليه من الشرك والعناد. {وَ} بسبب طغيانهم وكفرهم {أَلْقَيْنَا} وأوقعنا {بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} لا ينفقون، ولا يوافقون أصلاً، بل {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} مع المسلمين وصمموا العزم نحوه {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} بإيقاع المخالفة والعداوة بينهم {وَ} بالجملة: هم {يَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ} دائماً، مستمرين {فَسَاداً} أي: لأجل الفساد، وإثارة الفتن {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] المعاندين منهم، المجترئين على الله وعلى رسوله؛ مكابرةً وعناداً.