٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : المسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة. قيل: الإثم الكذب، والعدوان الظلم. وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم، وأما أكل السحت فهو أخذ الرشوة، وقد تقدم الاستقصاء في تفسير السحت، وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ } والسبب أن كلهم ما كان يفعل ذلك، بل كان بعضهم يستحيي فيترك. الفائدة الثانية: أن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير. قال تعالى: {أية : يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [آل عمران: 114] وقال تعالى: {أية : نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [المؤمنون: 56] فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه. الفائدة الثالثة: لفظ الاثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات، فلما ذكر الله تعالى بعده العدوان وأكل السحت دلّ هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية والإثم ثم قال تعالى:
البيضاوي
تفسير : {وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ} أي من اليهود أو من المنافقين. {يُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ} أي الحرام وقيل الكذب لقوله: {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإثْمَ} {وَٱلْعُدْوَانِ} الظلم، أو مجاوزة الحد في المعاصي. وقيل {ٱلإِثْمِ} ما يختص بهم والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم. {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي الحرام خصه بالذكر للمبالغة. {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لبئس شيئاً عملوه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ } أي اليهود {يُسَٰرِعُونَ } يقعون سريعاً {فِى ٱلإِثْمِ } الكذب {وَٱلْعُدْوَانِ } الظلم {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ } الحرام كالرشا {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }ه عملهم هذا.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِى الإثْمِ} معصية الله. {وَالْعُدْوَانِ} ظلم الناس. {السُّحْتَ} الرشا، أو الربا.
ابن عادل
تفسير : قوله: "وترى": يجوز أن تكون بصريَّةً، فيكون "يُسَارِعُونَ" حالاً، وأن تكون العلميَّةَ أو الظنيَّة، فينتصب "يُسَارِعُونَ" مفعولاً ثانياً، و"مِنْهُمْ" في محلِّ نصب؛ على أنه صفةٌ لـ "كَثِيراً" فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائناً منهم، أو استقرَّ منهم، وقرأ أبو حيوة: "العِدْوان" بالكسر، و"أكْلِهِمُ" هذا مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و"السُّحْتَ" مفعولُه، وقد تقدَّمَ ما فيه. فصل الضَّميرُ في "مِنْهُمْ" لليهُود، والمُسَارعة في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فيه، والمُراد بالإثْمِ الكذِب، وقيل: المَعَاصِي، والعُدْوَان الظُّلْم، وقيل: الإثْمُ ما يخْتَصُّ بهم، والعُدْوانُ ما يتعدَّاهُمْ إلى غيرهم، وقيل: الإثْمُ ما كتمُوا من التَّوْراة، والعُدْوان ما زَادُوا فيها، "وأكْلِهِمُ السُّحْتَ" الرِّشْوَة. وقوله تعالى: "كَثِيراً مِنْهُم" لأنَّهمُ كُلُّهُمْ ما كانُوا يَفْعَلُون ذَلِكَ، لَفْظ المُسارعة إنما [يُسْتَعْمَلُ] في أكْثَرِ الأمْر في الخَيْرِ، قال تعالى: {أية : وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [آل عمران: 114] وقال تعالى: {أية : نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 56] فكان اللاَّئِقُ بهذا الموضِعِ لفظ العَجَلَةِ. فإن قيل: إنَّه تعالى ذكر المُسارعة [لفائدة؛ وهي أنَّهم] كانوا يُقْدِمُون على هَذِهِ المُنْكَرَات [كأنهم مُحِقُّون] فيها وقد تقدَّم حُكْمُ "مَا" مع بِئْسَ ونِعْمَ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان} قال: هؤلاء اليهود {لبئس ما كانوا يعملون، لولا ينهاهم الربانيون} إلى قوله {لبئس ما كانوا يصنعون} ويعملون واحد. قال: هؤلاء لم ينهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت} قال: كان هذا في أحكام اليهود بين أيديكم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} وهم الفقهاء والعلماء. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {لولا ينهاهم} العلماء والأحبار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لبئس ما كانوا يصنعون} قال: حيث لم ينهوهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت. وأخرج ابن أبي حاتم أن علي رضي الله عنه أنه قال في خطبته: أيها الناس، إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرِّب أجلاً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم العدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون" هكذا قرأ. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك ابن مزاحم قال: ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} أساء الثناء على الفريقين جميعاً. وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} قال {الربانيون والأحبار} فقهاؤهم وعلماؤهم قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية. وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جرير. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل من المعاصي هم أعز منه وأمنع من أن يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب ".
ابو السعود
تفسير : {وَتَرَى} خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يصلُح للخطاب والرؤية بصرية {كَثِيراً مّنْهُمْ} من اليهود والمنافقين، وقولُه تعالى: {يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ} حال من كثيراً، وقيل: مفعول ثانٍ والرؤيةُ قلبـية، والأول أنسبُ بحالهم وظهور نفاقهم، والمسارعة المبادرة والمباشرة للشيء بسرعة، وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) الواقعة في قوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} الخ، لِما ذُكر في قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ} والمرادُ بالإثم الكذبُ على الإطلاق، وقيل: الحرام، وقيل: كلمةُ الشرك وقولُهم: عزيرٌ ابنُ الله، وقيل: هو ما يختصُّ بهم من الآثام {وَٱلْعُدْوَانِ} أي الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في المعاصي {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي الحرام، خصه بالذكر مع اندراجه في الإثم للمبالغة في التقبـيح {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لبئس شيئاً كانوا يعملونه، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار. {لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} قال الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة، وقيل: كلهم في اليهود وهو تحضيضٌ ـ للذين يقتديْ بهم أفناؤهم ويَعْلمون قَباحةَ ما هم فيه وسوءَ مغبَّته ـ على نهْيِ أسافلِهم عن ذلك مع توبـيخ لهم على تركه {عَن قَوْلِهِمُ ٱلإثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} مع علمهم بقبحهما ومشاهدتهم لمباشرتهم لهما {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} وهذا أبلغ مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلُغ درجة الصنع ما لم يتدرَّبْ فيه صاحبُه ولم يحصُلْ فيه مهارة تامة، ولذلك ذَمَّ به خواصَّهم، ولأن ترك الحسنة أقبحُ من مواقعة المعصية، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا كذلك تركُ الإنكار عليها، فكان جديراً بأبلغِ ذم، وفيه مما يُنعىٰ على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أشد آية في القرآن، وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوفُ عندي منها. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبَهم ناحيةً فلما عصَوا الله سبحانه بأن كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف عنهم ما بسَطَ عليهم، فعند ذلك قال فِنْحاصُ بنُ عازوراء: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} وحيث لم ينكر عليه الآخرون ورضُوا به نُسبت تلك العظيمةُ إلى الكل كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما القاتل واحدٌ منهم وأرادوا بذلك ـ لعنهم الله ـ أنه قال: مُمسك يقتِّر بالرزق، فإن كلاًّ من غَلِّ اليد وبسْطِها مجازٌ عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يدٍ وغَلٍّ أو بسطٍ، ألا يُرى أنهم يستعملونه حيث لا يتصور فيه ذلك كما في قوله: [الكامل] شعر : جاد الحمى بَسْطَ اليدين بوابلٍ شكَرتْ نداهُ تِلاعُه ووِهادُهُ تفسير : وقد سلك لبـيدٌ المسلكَ السديد حيث قال: [الكامل] شعر : وغداةِ ريحٍ قد شهِدْتُ وقَرَّةٍ إذْ أصبَحَتْ بـيد الشَّمال زِمامُها تفسير : فإنه إنما أراد بذلك إثباتَ القدرة التامة للشَّمال على التصرفِ في القَرَّة كيفما تشاء على طريقة المجاز من غير أن يخطُرَ بباله أن يثبِتَ لها يداً ولا للقرّة زماماً، وأصله كناية فيمن يجوز عليه إرادة المعنى الحقيقي كما مر في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }تفسير : في سورة آل عمران [الآية: 77]، وقيل: أرادوا ما حُكيَ عنهم بقوله تعالى: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء}تفسير : [آل عمران، الآية 181] . {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} دعاء عليهم بالبخل المذموم والمسكَنة أو بالفقر والنَّكَد أو بغَلِّ الأيدي حقيقة، بأن يكونوا أَسارىٰ مغلولين في الدنيا ويُسحبوا إلى النار بأغلالِها في الآخرة، فتكون المطابقةُ حينئذ من حيث اللفظُ وملاحظةُ المعنى الأصلي كما في سبّني سبّ الله دابرَه {وَلُعِنُواْ} عطف على الدعاء الأول أي أُبعدوا من رحمة الله تعالى {بِمَا قَالُواْ} أي بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء، وقيل: كلاهما خبر. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} عطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ أي: كلاّ ليس كذلك بل هو في غاية ما يكونُ من الجود، وإليه أُشير بتثنية اليد، فإن أقصىٰ ما ينتهي إليه هممُ الأسخياء أن يُعطوا ما يعطونه بكلتا يَدَيْهم، وقيل: التثنية للتنبـيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة، وقيل: على إعطائه إكراماً، وعلى إعطائه استدراجاً {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} جملة مستأنفة واردةٌ لتأكيدِه كمالَ وجوده وللتنبـيه على سرِّ ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالِهم ذريعةً إلى الاجتراء على تلك الكَفْرة العظيمة، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه، بل لأن إنفاقه تابعٌ لمشيئته المبنيَّةِ على الحُكم التي عليها يدورُ أمرُ المعاش والمعاد، وقد اقتضتِ الحكمةُ بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيِّقَ عليهم كما يشير إليه ما سيأتي من قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ} الآية، و(كيف) ظرفٌ ليشاء، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير (ينفق) أي ينفق كائناً على أي حال يشاء أي كائناً على مشيئته أي مريداً، وتركُ ذكرِ ما ينفقه لقصد التعميم. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم} وهم علماؤهم ورؤساؤهم {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن المشتمل على الآيات، وتقديمُ المفعول للاعتناء به، وتخصيص الكثير منهم بهذا الحكم لِما أن بعضهم ليس كذلك {مِن رَبّكَ} متعلق بأنزل كما أن (إليك) كذلك، وتأخيره عنه مع أن حق المبتدىء أن يتقدم على المنتهي لاقتضاء المقامِ الاهتمامَ ببـيان المنتهي، لأن مدار الزيادة هو النزولُ إليه عليه السلام كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء }تفسير : [النمل، الآية 60] والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لتشريفه عليه السلام {طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} مفعول ثان للزيادة أي ليزيدنهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين إما من حيث الشدةُ والغلوُّ وإما من حيث الكمُ والكثرة، إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانُهم وكفرُهم بحسب المقدار كما أن الطعامَ الصالح للأصِحّاء يزيد المرضى مرضاً. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} أي بـين اليهود، فإن بعضَهم جبْريةٌ وبعضَهم قَدَرية وبعضهم مُرْجئة وبعضهم مشبِّهة {ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء} فلا يكاد تتوافق قلوبُهم ولا تتطابق أقوالهم، والجملة مبتدأةٌ مَسوقة لإزاحة ما عسى يُتوهَّمُ من ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على أمرٍ يؤدِّي إلى الإضرار بالمسلمين، قيل: العداوة أخصُّ من البغضاء، لأن كل عدوَ مبغضٌ بلا عكسٍ كليَ {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} متعلق بألقينا وقيل: بالبغضاء. {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلةِ ما هم فيه إلى المسلمين، أي كلما أرادوا محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام ورتبوا مبادِيَها وركِبوا في ذلك متنَ كلِّ صعب وذَلولٍ ردهم الله تعالى وقهرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غُلبوا، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط الله تعالى عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرُسَ الروميّ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين، و(للحرب) إما صلةٌ لأوقدوا أو متعلق بمحذوف وقع صفةً (لناراً)، أي كائنة للحرب {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وإثارةِ الشر والفتنة فيما بـينهم مما يُغايرُ ما عبَّر عنه بإيقاد نارِ الحرب، و(فساداً) إما مفعول له أو في موقع المصدر أي يسعون للفساد أو يسعون سعي فساد {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} ولذلك أطفأ ثائرةَ إفسادهم، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، وإما للعهد، ووضعُ المُظْهَرِ مَقام الضمير للتعليل وبـيانِ كونِهم راسخين في الإفساد.
القشيري
تفسير : تَملكتْهُم الأطماعُ فاستهوتهم في متاهات العناء، وذلك نعت كل (طالع) في غير مطمع؛ ذُلٌّ حاضر، وصَغَارٌ مستولٍ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وترى} يا محمد رؤية بصرية {كثيرا منهم} اى من اليهود والمنافقين حال كونهم {يسارعون فى الإثم} اى الكذب على الاطلاق وايثار كلمة فى على كلمة الى للدلالة على انهم مستقرون فى الاثم وانما مسارعتهم من بعض مراتبه الى بعض آخر منها كقوله تعالى {أية : أولئك يسارعون فى الخيرات} تفسير : [المؤمنون: 61]. لا انهم خارجون منه متوجهون اليه كما فى قوله تعالى {أية : وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة} تفسير : [آل عمران: 133]. {والعدوان} اى الظلم المتعدى الى الغير {وأكلهم السحت} اى الحرام {لبئس ما كانوا يعملون} اى لبئس شيئاً كانوا يعملونه والجمع بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة على الاستمرار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لولا}: إذا دخلت على الماضي أفادت التوبيخ، وإذا دخلت على المستقبل أفادت التحضيض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وترى} يا محمد، أو يا من تصح منه الرؤية {كثيرًا} من اليهود {يسارعون في الإثم} أي: في الذنوب والمعاصي المتعلقة بهم في أنفسهم {والعدوان} المتعلقة بغيرهم، كالتعدي على أموال الغير وأعراضهم وأبدانهم، {وأكلهم السحت}: الحرام؛ كالرشا والربا وغير ذلك، {لبئس ما كانوا يعملون} أي: قبح عملهم بذلك، وتناهى في القبح. {لولا ينهاهم} أي: هلا ينهاهم {الربانيون} أي: عُبّادُهم ورهبانهم، {والأحبار} أي: علماؤهم وأساقفتهم، {عن قولهم الإثم} أي: الكذب، {وأكلهم السحت}: الحرام، {لبئس ما كانوا يصنعون} من السكوت عنهم، وعدم الإنكار عليهم، عبّر أولاً بيعلمون وثانيًا بيصنعون؛ لأن الصنع أبلغ، ولأن الصنع عمل بعد تدريب وتدقيق وتحري إجادته وجودته، بخلاف العمل، ولا شك أن ترك التغيير والسكوت على المعاصي من العلماء وأولى الأمر أقبح وأشنع من مواقعة المعاصي، فكان جديرًا بأبلغ الذم، وأيضًا: ترك التغيير لا يخلوا من تصنع، فناسب التعبير بيصنعون، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِن رَجُل يُجَاورُ قَومًا فَيَعمَلُ بالمَعَاصِي بَين أظْهُرِهم إلاَّ أوشَكَ اللهُ تَعَالَى أن يَعُمَّهُمُ مِنه بِعِقَاب "تفسير : . وقد قال تعالى: {أية : وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفَال:25]، فالوبال الذي يترتب على ترك الحسبة أعظم من الوبال الذي يترتب على المعصية، فكان التوبيخ على ترك الحسبة أعظم. ثم نعى عليهم مقالاتهم الشنيعة، التي هي من جملة قولهم الإثم، فقال: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} أي: مقبوضة عن بسط الرزق. رُوِي أن اليهود أصابتهم سنة جدبة بشؤم تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه المقالة الشنيعة، والذي قالها فِنحاص، ونسبت إلى جملتهم؛ لأنهم رضوا بقوله، فعل اليد كناية عن البخل، وبسطها كناية عن الجود، ومنه: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } تفسير : [الإسرَاء:29]. ثم رد عليهم فقال: {غُلّت أيديهم}، يحتمل أن يكون دعاءً أو خبرًا، ويحتمل أن يكون في الدنيا بالأسر والقبض، أو في الآخرة بجعل الأغلال فيها إلى عنقهم في جهنم، قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان}، أي: نعمه مبسوطة على عباده، سحاء عليهم، الليل والنهار، وإنما ثنيت اليدان عنها، وأفردت في قول اليهود؛ ليكون أبلغ في الرد عليهم، ومبالغة في وصفه تعالى بالجود والكرم، كما تقول: فلان يعطي بكلتا يديه؛ إذا كان عظيم السخاء، أو كناية عن نعم الدنيا والآخرة، أو عن ما يعطيه استدارجًا وما يعطيه للإكرام. ثم أكده بقوله: {يُنفق كيف يشاء} أي: هو مختار في إنفاقه، يوسع تارة ويضيق تارة أخرى، على حسب مشيئته ومقتضى حكمته. ولمّا عميت بصيرتهم بالكفر، وقست قلوبهم بالذنوب، كانوا كلما ازدادوا تذكيرًا بالقرآن، زادوا في العتو والطغيان، كما قال تعالى: {وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا}؛ إذ هم متعصبون بالكفر والطغيان، ويزدادون طغيانًا وكفرًا بما يسمعون من القرآن، كما يزداد المريض مرضًا من تناول الغذاء الصالح للأصحاء. ومن مساوئهم أيضًا: تفريق قلوبهم بالعداوة والشحناء، كما قال تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}؛ فلا تتوافق قلوبهم ولا تجتمع آراؤهم؛ {كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله} أي: كلما أرادوا حرب الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإثارة شر عليه، ردهم الله، وأبطل كيدهم، بأن أوقع بينهم منازعة كف بها شرهم، أو: كلما أرادوا حرب عدو لهم هزمهم الله، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم فطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمون. فكان شأنهم الفساد، ولذلك قال تعالى فيهم: {ويسعون في الأرض فسادًا} أي: الفساد بإثارة الحروب والفتن، وهتك المحارم، واجتهادهم في الحيل والخدع للمسلمين، {والله لا يحب المفسدين} أي: لا يرضى فعلهم فلا يجازيهم إلا شرًّا وعقوبة. الإشارة: قال الورتجبي: في الآية تحذير الربانيين العارفين بالله وبحقوق الله، والأحبار العلماء بالله وبعذاب الله لمن عصاه، وبثواب الله لمن أطاعه؛ لئلا يسكنوا عن الزجر للمبطلين والمغالطين، المائلين عن طريق الحق إلى طريق النفس، وبيّن تعالى أن من داهن في دينه عذب وإن كان ربانيًا. هـ. وفي بعض الأثر: "إذا رأى العالمُ المنكَر وسكت، فعليه لعنة الله". والذي يظهر أن نهي الربانيين يكون بالهمة والحال، كقضية معروف الكرخي وغيره ونهي الأحبار يكون بالمقال، وقد تقدم هذا. والله تعالى أعلم. ثم ندبهم إلى الإسلام فقال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ}.
الطوسي
تفسير : وصف الله تعالى المنافقين الذين تقدم وصفهم لنبيه (صلى الله عليه وسلم) بأنه {ترى كثيراً منهم يسارعون} أي يبادرون في الاثم والعدوان. قال السدي: الاثم الكفر، وقال غيره وهو يقع على كل معصية وهو الاولى. والفرق بين الاثم والعدوان أن الاثم الجرم كائنا ما كان، والعدوان الظلم، فهم يسارعون في ظلم الناس وفي الجرم الذي يعود عليهم بالوبال والخسران. وقيل - العدوان من عدوهم على الناس بما لا يحل. وقيل - لمجاوزتهم حدود المجاوزتهم حدود الله وتعديتهم اياها. ويقال تأثم اذا تحرج من الاثم. والآثم الفاعل للاثم. والسحت الرشوة في الحكم - في قول الحسن - وأصله استئصال القطع فيكون من هذا لانه يقتضي عذاب الاستئصال ويتكرر لانه يقتضي استئصال المال بالذهاب. وانما قال {يسارعون} بدل قوله {يعجلون} وان كانت العجلة أدل على الذم لامرين: أحدهما - أنهم يبادرون اليه كالمبادرة الى الحق، فأفاد {يسارعون} أنهم يعملونه كأنهم محقون فيه. والآخر - لازالة إِيهام أن الذم من جهة العجلة، وايجابه في الاثم والعدوان. وقوله {لبئس ما كانوا يعملون} يدل على أن الحمد والذم يكونان للافعال، لانه بمنزلة بئس العمل عملهم، وهذا ذم لذلك العمل إِلا انه جرى على طريقة الحقيقة أو طريقة المجاز بدليل آخر يعلم. وقد كثر استعماله حتى قيل الاخلاق المحمودة والاخلاق المذمومة. ونعم ما صنعت وبئس ما صنعت وأصل الذم واللوم واحد إِلا أن الذم كثر في نفس العمل دون اللوم، لانه لا يقال: لمت عمله كما يقال ذممت عمله. و (ما) في قوله {لبئس ما} يحتمل أمرين: أحدهما - ان تكون كافة كما تكون في انما زيد منطلق وليتما عمرو قائم، فلا يكون لها على هذا موضع. الثاني ان تكون نكرة موصوفة كأنه قيل: لبئس شيئاً كانوا يعملون.
الجنابذي
تفسير : {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ} الذّنب الغير المتعدّى الى الغير {وَٱلْعُدْوَانِ} الاساءة الى الغير فان كان المراد اهل الكتاب فالتّعريض بهم {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ذمّ على فعلهم.
اطفيش
تفسير : {وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُم}: من اليهود، أو من المنافقين، أو منهم جميعاً. {يُسَارِعُونَ فِى الإِثمِ}: أى فى الذنب المتعلق بهم مما ليس فيه ظلم لغيرهم. {وَالعُدْوَانِ}: الذنب الذى هو ظلم لغيرهم، كالغيبة والتكذيب والطعن والبهت، وهذا ولو كان فيه التخصيص المحتاج لمخصص، لكن لفظ العدوان أنسب بذلك، فهو كالدليل، والعدوان ولو كان يصح اطلاقه على مطلق الذنب الكبير كن ذكر الاثم قبله يدعو الى الفرق بينهما فيقال كما قلت، أو يفسر الاثم بالذنب المغيب، والعدوان بالكبيرة، والمجاوزة الحد فى المعاصى، أو يفسر الاثم بالكذب، والعدوان بما ذكر، وتخصيص الاثم بالكذب خلاف الأصل الا أنه يدل له قوله: عن قولهم الاثم حيث سلط القول على الاثم، فهو قول والكذب قول، قالوا آمنا وليسو مؤمنين. وقيل: الاثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها والرؤية علمية أو بصرية فانها تصح، ولو فيما لا يرى اذا رويت علامته، وكذلك تصح العلمية فيما يرى، لأنه يدركه القلب بادراك البصر. {وَأَكْلِهِمُ السُّحتَ}:المال الحرام كمال الرشا، خصه بالذكر للمبالغة فى تحريمه. {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُوْن} ما فاعل أو تميز، والفاعل مستتر مفسر بما، وهى على كل حال نكرة موصوفة بالجملة بعدها هذا أولى من جعلها موصولة، والمخصوص بالذم محذوف أى ما ذكر من المسارعة فى الاثم والعدوان وأكلهم السحت.
اطفيش
تفسير : {وَتَرَى} تعلم أَو تشاهد وهو أَنسب لظهور حالهم {كَثِيراً مِنْهُمْ} من المنافقين أَو اليهود {يُسَارِعُونَ} أَصله المسارعة في الخير ففيه المبالغة بأَنهم رغبوا في الشر كأَنه خير يتسابق إِليه {في الإِثمِ} الذنب ويقال الكذب لقوله {عن قولهم الإِثم} وقيل الإِثم الحرام وقيل الكذب بقولهم آمنا إِخبارا كان أَو إِنشاء إِلا أنه إِن كان إِنشاء فالكذب باعتبار تضمنه الإِخبار بحصول صفة الإِيمان وقيل الإِثم الكفر مطلقا {والعُدْوَانِ} الذنب بينهم وبين الخلق أَو خصوص الذنب المجاوز للحد {وَأَكْلِهُمُ السُّحْتَ} الحرام كالرشا وما يؤكل على الدين وعلى إِفساده، والربا وعطفه تخصيص بعد تعميم {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلونَ} هو المسارعة في الإِثم والعدوان وأَكل السحت.. {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ} تحضيض على النهى {الرَّبَّانيوُّنَ} العباد {والأَحْبَارُ} العلماء، ومر كلام فيهما وهما من اليهود لأَن الكلام فيهم، وقيل الربانيون علماءِ النصارى والأَحبار علماء اليهود ولا مانع من أَن يؤمر نصراني بنهى اليهود {عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ} نصب المفرد بالقول اعتباراً لمعنى الذكر أَى عن ذكرهم الإِثم أَو لكونه بمعنى الجملة أَى عن قولهم: القرآن غير حق، أَو محمد غير رسول، أَو ليس في التوراة كذا وهو فيها، أَو معناه كذا وليس كذلك، أَو فيها كذا وليس فيها، وليس بمعنى المقول وإِلا لم ينصب المفرد مفعولا {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ} والله لبئس أَو اللام للابتداء لشبه الفعل بالاسم لجموده {مَا كَانُوا} أَى الربانيون والأَحبار {يَصْنَعُونَ} من ترك النهى عن المنكر وترك النهى منهم عن المنكر أَشد من أَكل السحت وقول الإِثم، ولذلك قال يصنعون وهناك يعملون لأَن الصنعة ما كان من تدبير وتفكر وإِبرام فهو راسخ فبرسوخ ترك النهى زاد تركهم إِياه قبحا على قول الإِثم وأَكل السحت وأَيضاً بعلمهم بالله وكتبه يشتد النهى في حقهم عن المنكر فبتركه يشتد القبح، ويؤخذ من الآية الوعيد الشديد على من ترك النهى من علماء هذه الأُمة كما قال ابن عباس والضحاك: ما فى فى القرآن أَشد على العلماء من هذه الآية، وأيضاً المعصية لذة للعاصى ولا لذة في ترك النهى فكيف يترك فتاركه أَقبح. وأيضاً يجترئ الناس على تلك المعصية وغيرها إِذا ترك النهى فيزداد ذنب تارك النهى، ولما كذب اليهود صلى الله عليه وسلم كف عنهم ما كان مبسوطاً عندهم من النعم، وكانوا قبل ذلك أَكثر الناس مالا ونعمة فقال فنحاص بن عازوراءَ رأس يهود قينقاع أَو النباش بن قيس روايتان عن ابن عباس {يد الله مغلولة} ورضى بقوله اليهود ولم ينهوه، فكلهم قالوا فنزل قوله تعالى: {وقالت الَيهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} مقبوضة عن توسيع الرزق قبضها وهو كناية عن البخل أَو عن مطلق المنع أَو مجاز استعارى، والكناية لا يلزم تحقق كلماتها بل لازمها ولو لم تتحقق كلماتها، أَو عن الفقر تعالى الله عنه كقوله تعالى: {أية : لقد سمع الله قول الذين قالوا إِن الله فقير ونحن أغنياء} تفسير : [آل عمران: 181]، وذلك أَن الله جل جلاله لا يتصف باليد، وقد قيل أَنها بمعنى النعمة، لكن اليهود الزائغون مجسمون فلا يبعد أَنهم أَثبتوا اليد لله عز وجل، ومن التجسيم قولهم إِن ربهم أَبيض الرأس واللحية قاعد على كرسى فرغ من خلق السماوات والأَرض يوم الجمعة واستلقى على ظهره واضعاً إِحدى رجليه على الأَرض وإِحدى يديه على صدره ليستريح من التعب تعالى الله عن ذلك، وقالوا لموسى عليه السلام: {أية : اجعل لنا إِلهاً كما لهم آلهة} تفسير : [الأعراف: 138] وقد عبدوا العجل وقيل قالوا استهزاءاً بالنبى صلى الله عليه وسلم إِذ لم يوسع عليه وعلى أَصحابه، وقيل يده ممنوعة من عذابنا إِلا قدر أَيام عبادة العجل، واليد القدرة أَو على ظاهره {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} إِخبار بأَن أَيديهم ستغل في النار أَو تغل عند السحب إِلى النار أَو تغل بالأَسر، أَو تزداد فقرا بحيث لا تعطى ولا تأخذ، فالمعنى ستغل غلا لا بد منه وكأنه حاضر ومتحقق الآن، أَو غلت عن الإِنفاق الموجب لإِدرار الرزق عليهم وإخبار ببخلهم فلا ترى أَبخل منهم ولا أَفقر ولو كانوا ذوى مال؛ لأَن الغنى غنى القلب، أَو أَمسكت عن فعل الخير فالمراد كلهم لا أَيديهم فقط لا دعاء بفقر أَو قبض لأَن الله لا يدعو لأَنه إِنما يدعو المحتاج العاجز والله جل وعلا لا يحتاج ولا أَحد مثله أَو فوقه يستجلب منه إلا أَن يقال صورة دعاء بطريق الكناية بأَن يراد لازمها وهو كونهم بحال خسيسة بحيث يستحقون الدعاءَ عليهم بسوءٍ {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} من أَن يد الله مغلولة، أَو به وبسائر بهاتينهم أَى أَبعدوا عن الرحمة بالمسخ قردة وخنازير والذل والجلاء وإِدخال النار، والعطف على غلت أَيديهم وهو مثله في أَنه إِخبار أَو دعاء، وناقض قولهم باثبات البسط له وبكونه يعطى بيديه معاً في قوله {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} عطف على محذوف أَى ليس الأَمر كما قالوا بل يداه مبسوطتان، والمعنى أَنه جواد باسط النعمة، وهكذا المراد لا إِثبات الجارحتين ولكن ثنى اليد إِعلاماً بأَنه في غاية الجود، وكناية يراد لازمها وحده تارة وهو هنا كثرة العطاء لا معناها الحقيقى فهو هنا الجارحتان ولازمها ومعناها معاً تارة، أَو اليدان النعمتان نعمة الدنيا ونعمة الآخرة أَو نعمة إِعطاء الخير ونعمة صرف الضر، أَو نعمة الدين أَو نعمة الظاهر ونعمة الباطن وما يعطى إِكراماً وما يعطى إِهانة واستدراجاً. وقيل التثنية للثواب والعقاب وقيل للتكثير ككرتين ولبيك ومرة بعد أخرى وزعم جمهور الأَشاعرة أَن اليد في حق الله واليدين والأَيدى صفة ذات يؤمن بها بلا تكييف وهو خطأ وجمهور المتكلمين على ما نحن عليه من تفسير ذلك بالنعمة والقدرة ونحو ذلك وهو البسط المذكور فى الآية مقيد بقوله {يُنْفِقُ} الخلق أَو يصرف النعم {كَيْفَ يَشَاءُ} من تضييق وبسط على مقتضى الحكمة، وقوله{أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأَرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء}تفسير : [الشورى: 27] وقوله{أية : يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}تفسير : [سبأ: 36] فكأَنه قيل بل يداه مبسوطتان متى شاءَ ولمن شاءَ فهو مطلقاً جواد يبسط الخير الكثير مفرقاً بحسب مشيئته {وَلَيزِيدَنَّ} أَى والله ليزيدن {كثيراً مِنْهُمْ} من اليهود {مَا أُنْزِلَ إِلْيَك} من القرآن وغيره {مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكَفْراً} على طغيانهم وكفرهم السابقين كلما نزل من الله شئ كفروا به، أَو سعوا في إطفائه بالتحريف للفظة ومعناه ما أَمكن، كالمريض كلما أَكل غذاءً صالحاً للأَصحاء ازداد مرضاً {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} كل فرقة من اليهود تخالف الأُخرى قلباً وقولا، وقيل: الضمير للنصارى واليهود لذكرهم في{أية : لا تتخذوا اليهود والنصارى}، تفسير : [المائدة: 51] وفى لفظ أَهل الكتاب، فمنهم مجبرة ومنهم قدرية ومشبهة ومجسمة ومرجئة كما أَن النصارى ملكانية ونسطورية وماردانية وهم على ذلك حتى فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن، وزادت النصارى أنهم على ذلك حتى فى عهد نزول الإِنجيل بخلاف فرق هذه الأمة فإِنها لم توجد في زمان نزول القرآن بل بعد رسول الله صلى الله عليهوسلم، والبغضاء في القلب والعداوة أَثرها على الجوارح من شتم وضرب ونحو ذلك فكلما كانت العداوة فالبغضاء موجودة، وليس كلما كانت البغضاء فالعداوة موجودة، فالعداوة أَخص من البغضاء وكل عدو مبغض وقد تبغض من ليس عدوا، ومن تلك العداوة بين اليهود والنصارى لا يرى جند يهوديون ونصرانيون مجتمعين على قتال المسلمين {كلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً للحْربِ} كلما شددوا شرا من جوع وأَموال ومكر وحيل وشجاعة يلقون به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين {أَطْفَأَهَا} أَبطلها كما تطفأ النار بالماء.. {اللهُ} بإلقاء البأْس بينهم وتفرق الناس عنهم، وكذلك قبل النبي صلى الله عليه وسلم لما خالفوا التوراة وقتلوا الأَنبياءَ سلط الله عليهم بخت نصر من بابل قتل كبارهم وسبى صغارهم وأَحرق التوراة وأَخرب بيت المقدس، وذلك حين حبسوا أَرمياءَ وقتلوا يحيى وقيل شعيا، ثم أَفسدوا بقتل يحيى أَو أشعياءَ على ما مر فسلط الله عليهم قطرس الرومى، ثم أَفسدوا بقصد قتل عيسى فسلط عليهم المجوس ثم أَفسدوا فسلط عليهم الروم إِذ ردت لهم الغلبة على المجوس ثم سلط الله المسلمين عليهم وعلى الروم فقتلوا قريظة وأَجلوا النضير وبنى قينقاع، وأسر أَهل خيبر وزاد لهم أَهل وادى القرى، وضرب على أَهل الذمة الجزية، وقيل: جاء الإِسلام وهم تحت المجوس، ووجهة أن حيث غلبت الروم الفرس وهم مجوس كانوا تحت المجوس كما كانوا من قبل حتى تغلب المسلمون على الفرس مع أَن من كان منهم في أرض الروم فهو تحت الروم، وقيل الآية على العموم لا يقاتل اليهود قوماً إِلا غلبهم القوم كفاراً أَو مسلمين، وأَشار إِلى تلك الإِفسادات وغيرها بقوله {وَيَسْعُونَ فِى الأَرضِ} أَى أَرض كانوا أَو فى أَرضهم {فَسَاداً} مفعول يسعون لتضمنه معنى يكسبون ففيه مبالغة بأَنهم راغبون فى الفساد كالرغبة في جمع المال، أَو يسعون سعى فساد أَو اسم مصدر أَى لأَجل الإِفساد أَو ذوى إِفساد، وذلك أَنهم يجتهدون في الكيد على المسلمين وإِثارة الحروب وهتك الحرم، أَو يسعون بمعنى يفسدون أَى يفسدون فسادا أَى إِفسادا {واللهُ لاَ يحِبُ المفْسِدينَ} أَى يجازيهم شرا عموماً فيدخل هؤلاء بالأولى، أَو المراد من عهد أَظهر لهم ليصفهم بالإِفساد فيدخل غيرهم بالإِلحاق لعلة الإِفساد.
الالوسي
تفسير : {وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ} أي من أولئك اليهود ـ كما روي عن ابن زيد ـ والخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب، والرؤية بصرية، وقيل: قلبية، وقوله تعالى: {يُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} في موضع الحال من / {كَثِيراً} الموصوف بالجار والمجرور، وقيل: مفعول ثان ـ لترى ـ والمسارعة مبادرة الشيء بسرعة، وإيثار {فِي} على إلى للإشارة إلى تمكنهم فيما يسارعون إليه تمكن المظروف في ظرفه وإحاطته بأعمالهم، وقد مرت الإشارة إلى ذلك. والمراد بالإثم الحرام، وقيل: الكذب مطلقاً، وقيل: الكذب بقولهم: {أية : ءَامنَّا} تفسير : [المائدة: 61] لأنه إما إخبار أو إنشاء متضمن الإخبار بحصول صفة الإيمان لهم، واستدل على التخصيص بقوله تعالى الآتي: {أية : عَن قَوْلِهِمُ ٱلإثْمَ} تفسير : [المائدة: 63]، وأنت تعلم أنه لا يقتضيه، وقيل: المراد به الكفر، وروي ذلك عن السدي، ولعل الداعي لتخصيصه به كونه الفرد الكامل، والمراد من العدوان: الظلم أو مجاوزة الحد في المعاصي، وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم، والكلام مسوق لوصفهم بسوء الأعمال بعد وصفهم لسوء الاعتقاد {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} أي الحرام مطلقاً، وقال الحسن: الرشوة في الحكم والتنصيص على ذلك بالذكر مع اندراجه في المتقدم للمبالغة في التقبيح. {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لبئس شيئاً يعملونه هذه الأمور ـ فما ـ نكرة موصوفة وقعت تمييزاً لضمير الفاعل المستتر في ـ بئس ـ والمخصوص بالذم محذوف كما أشرنا إليه، وجوز جعل {مَا} موصولة فاعل ـ بئس ـ والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار.
الواحدي
تفسير : {وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان} يجترئون على الخطأ والظُّلم، ويبادرون إليه {وأكلهم السُّحت} ما كانوا يأخذونه من الرَّشا على كتمان الحقِّ، ثمَّ ذمَّ فعلهم بقوله: {لبئس ما كانوا يعملون}. {لولا} [هلاَّ] {ينهاهم} عن قبح فعلهم {الربانيون والأحبار} علماؤهم وفقهاؤهم {لبئس ما كانوا يصنعون} حين تركوا النَّكير عليهم. {وقالت اليهود يد الله مغلولة} مقبوضةٌ عن العطاء وإسباغ النِّعم علينا. قالوا هذا حين كفَّ الله تعالى عنهم بكفرهم بمحمَّد عليه السَّلام ما كان يسلِّط عليهم من الخِصب والنِّعمة، فقالوا - لعنهم الله على جهة الوصف بالبخل -: {يد الله مغلولة} وقوله: {غلت أيديهم} أَيْ: جعلوا بخلاء وأُلزموا البخل، فهم أبخل قوم {ولعنوا بما قالوا} عُذِّبوا في الدُّنيا بالجِزية [والذلَّة والصَّغار، والقحط والجلاء]، وفي الآخرة بالنَّار {بل يداه مبسوطتان} قيل: معناه: الوصف بالمبالغة في الجود والإِنعام. وقيل: معناه: نِعمُه مبسوطةٌ، ودلَّت التَّثنية على الكثرة، كقولهم: [لبيك وسعديك]. وقيل: نعمتاه، أَيْ: نعمة الدُّنيا، ونعمة الآخرة {مبسوطتان ينفق كيف يشاء} يرزق كما يريد؛ إن شاء قتَّر، وإنْ شاء وسَّع {وليزيدَّن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} كلَّما أنزل عليك شيءٌ من القرآن كفروا به، فيزيد كفرهم {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} بين طوائف اليهود، وجعلهم الله مختلفين متباغضين، كما قال: {أية : تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتَّى} تفسير : {كلما أَوْقَدُوا ناراً للحرب أطفأها الله} كلَّما أرادوا محاربتك ردَّهم الله، وألزمهم الخوف {ويسعون في الأرض فساداً} يعني: يجتهدون في دفع الإِسلام، ومحو ذكر النبيِّ صلى الله عليه وسلم من كتبهم. {ولو أنَّ أهل الكتاب آمنوا} بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {واتقوا} اليهوديَّة والنصرانيَّة {لكفَّرنا عنهم سيئاتهم} كلَّ ما صنعوا قبل أن تأتيهم. {ولو أنهم أقاموا التوراة والإِنجيل} عملوا بما فيهما من التَّصديق بك {وما أنزل إليهم} من كتب أنبيائهم {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} لأنزلتُ عليهم القطر، وأخرجتُ لهم من نبات الأرض كلَّما أرادوا {منهم أمة مقتصدة} مؤمنةٌ. {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك} أَيْ: لا تراقبنَّ أحداً، ولا تتركنَّ شيئاً ممَّا أُنزل إليك تخوُّفاً مِنْ أَنْ ينالك مكروهٌ. بلِّغ الجميع مجاهراً به {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} إنْ كتمت آية ممَّا أنزلتُ إليك لم تبلِّغ رسالتي. يعني: إنَّه إنْ ترك بلاغ البعض كان كمَنْ لم يُبلِّغ {والله يعصمك من الناس} أن ينالوك بسوء. قال المفسرون: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفَّار، وكان لا يُجاهرهم بعيب دينهم وسبِّ آلهتهم، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك} فقال: يا ربِّ، كيف أصنع وأنا واحدٌ أخاف أن يجتمعوا عليَّ؟ فأنزل الله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إنَّ الله لا يهدي القوم الكافرين} لا يرشد مَنْ كذَّبك. {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} من الدِّين {حتى تُقيموا} حتى تعملوا بما في الكتابين من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته، وباقي الآية مضى تفسيره إلى قوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} يقول: لا تحزن على أهل الكتاب إنْ كذَّبوك. {إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا} سبق تفسيره في سورة البقرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُسَارِعُونَ} {وَٱلْعُدْوَانِ} (62) - وَتَرَى كَثِيراً مِنْ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ وَأهْلِ الكِتَابِ يُبَادِرُونَ إلَى ارْتِكَابِ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ المَآثِمِ وَالمَحَارِمِ، بِالاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأكْلِ أمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ (أكْلِهِم السُحْتَ)، وَلَبِئْسَ العَمَلُ عَمَلُهُمْ، وَبِئْسَ الاعْتِدَاءُ اعْتَدَاؤُهُمْ، وَلَبِئْسَ مَا كَانُوا يَكْتُمُونَ مِنْ أَنَّ مَجِيئَهُمْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا هُوَ لِتَسَقُّطِ الأَخْبَارِ، وَالتَّوَسُّلِ إلَى ذَلِكَ باِلنِّفَاقِ وَالخِدَاعِ. يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ - يُبَادِرُونَ إلى ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ. أَكْلِهِمُ السُّحْتَ - أكْلِ المَالِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ كَالقِمَارِ وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَالغِشِّ وَالرّشْوَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمسارعة في الإثم تعني أنهم من بداية الأمر في الإثم، ويسارعون فيه، أي أنهم كانوا على أولية الإثم ويجرون إلى آخرية الإثم، فَضَلاَلُهم واضح من البداية، وكأن خلقهم الكفر يفضحهم، برغم محاولتهم كتمان ذلك. ويجدون أنفسهم مسارعين إلى فعل الإثم، أي أن عملهم ينزع إلى الكفر، ويجعلهم الحق يغفلون عن الكتمان، فتبدو منهم أشياء هي أكثر فضيحة من القول، ذلك أن الإثم مراحل: مرحلة قول، ومرحلة فعل. والفعل أكثر فضحاً من القول. {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} ويقول الحق: {كَثِيراً مِّنْهُمْ} صيانة لاحتمال أن يوجد الإيمان في قلب القليل منهم، وذلك لتبرئة أي إنسان يفكر في الإيمان. وهم أيضاً يسارعون في العدوان، فإذا كان الإثم هو الجُّرم على أي لون كان، فالعدوان هو إثم يأخذ به إنسان حقاً لغيره، مثال ذلك الإنسان الذي يحقد، إثمه لنفسه ولذلك يعاني من تضارب الملكات حتى يبدو وكأنه يأكل بعضه بعضاً. إن الحقد - كما نعلم - جريمة نفسية لم تتعد الحد. ويقال عن الحقد: إنه الجريمة التي تسبقها عقوبتها، عكس أي جريمة أخرى، فأي جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحقد والحسد، فتنال عقوبة الحقد صاحبها من قبل أن يحقد؛ لأن الحاقد لا يحقد إلا لأن قلبه ومشاعره تتمزق عندما يرى المحقود عليه في خير. ولذلك يقال في الأثر: "حسبك من الحاسد أنه يغْتّم وقت سرورك". إذن من يرتكب إثماً في نفسه لا يتعدى أثر إثمه إلى غيره، أما الذي يرتكب العدوان فهو ينقل حق إنسان إلى غيره. وهو قسمان؛ هناك من يعتدي ليعطي حقا لغير ذي حق. وهناك من يعتدي بالسكوت على الظالم، فالظالم تتملكه شهوة الظلم، لكن من يرى الظالم ويسكت ولا ينهاه فهذا عدوان أيضاً؛ لأن الظالم عنده وفي نفسه ما يدفعه إلى أن يظلم، أما الشاهد الذي يصمت فليس عنده في نفسه ما يدفعه إلى أن يُسكته. فمن - إذن - الأكثر شراً؟ إنه الذي يصمت عن تنبيه الظالم إلى أنه يظلم. {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} نلحظ أن كلمة "سارع" مثلها مثل كلمة "نافس" تدل على أن هناك أناساً في سباق؛ كأنهم يتسابقون على الإثم والعدوان، كأن الأثم والعدوان غاية منصوبة في أذهانهم، ومتفقة مع قلوبهم. {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} والسحت هو كل مال مصدره حرام، سواء أكان رشوة أمْ ربا أم سرقة أم اختلاساً أم خطفاً أم اغتصاباً، كل تلك الألوان وما ماثلها من السحت إنها أخذ لحق الغير. وأخذ حق الغير له صور متعددة، فإن أخذه أحد خفية فتلك هي السرقة. وإن سارع إنسان لخطف شيء من بضاعة إنسان آخر فهذا هو الخطف. وإذا لحق به صاحب البضاعة وتجاذبا وتشادَّا فهذه المجاذبة تخرج بالخطف إلى دائرة الغضب. وإن كان الإنسان أميناً على شيء وأخذه فهذا هو الاختلاس، وكل ذلك أكل مال بالسحت. وبئس هذا اللون من العمل. ويقول الحق بعد ذلك: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ...}
همام الصنعاني
تفسير : 712- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ}: [الآية: 62]، قال: الرشَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):