٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ }. اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في هذا الموضع إشكال وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك، ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه، ونرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده ألبتة، وأيضاً المذهب الذي يحكى عن العقلاء لا بدّ وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل، والقول بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل، لأن قولنا (الله) اسم لموجود قديم، وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة، وإلا فكيف يمكنه مع القدرة الناقصة حفظ العالم وتدبيره. إذا ثبت هذا فنقول: حصل الاشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه الرواية فنقول: عندنا فيه وجوه: الأول: لعلّ القوم إنما قالوا هذا على سبيل الإلزام، فإنهم لما سمعوا قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] قالوا: لو احتاج إلى القرض لكان فقيراً عاجزاً، فلما حكموا بأن الإلۤه الذي يستقرض شيئاً من عباده فقير مغلول اليدين، لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام الثاني: لعلّ القوم لما رأوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: إن إلۤه محمد فقير مغلول اليد، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث: قال المفسرون: اليهود كانوا أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ. الرابع: لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة، وهو أنه تعالى مموجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد، وأنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد. الخامس: قال بعضهم: المراد هو قول اليهود: إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب، وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم. المسألة الثانية: غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل. فقيل للجواد: فياض الكف مبسوط اليد، وبسط البنان تره الأنامل. ويقال للبخيل: كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل. فإن قيل: فلما كان قوله {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } المراد منه البخل وجب أن يكون قوله {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } المراد منه أيضاً البخل لتصح المطابقة، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك؟ قلنا: قوله {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء، ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر، وتارة يكون لأجل العجز، فكذلك قوله {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال. المسألة الثالثة: قوله {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } فيه وجهان: الأول: أنه دعاء عليهم، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاسثناء في قوله {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ } تفسير : [الفتح: 27] وكما علمنا الدعاء عللى المنافقين في قوله {أية : فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } تفسير : [البقرة: 10] وعلى أبي لهب في قوله {أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1] الثاني: أنه إخبار. قال الحسن: غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة، أي شدت إلى أعناقهم جزاءً لهم على هذا القول. فإن قيل: فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاءً لهم على هذا القول، فكان ينبغي أن يقال: فغلت أيديهم. قلنا: حذف العطف وإن كان مضمراً إلا أنه حذف لفائدة، وهي أنه لما حذف كان قوله {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } كالكلام المبتدأ به، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } تفسير : [البقرة: 67] ولم يقل: فقالوا أتتخذنا هزواً. وأما قوله {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } قال الحسن عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار. ثم قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }. واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد. قال تعالى: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] وتارة بإثبات اليدين لله تعالى: منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : [ص: 75] وتارة بإثبات الأيدي. قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } تفسير : [يۤس: 71]. إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى، فقالت المجسمة: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : ألَهُمْ أرجل يمشون بها أم لهم أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 195] وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلۤهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلۤهاً، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضاً اسم اليد موضوع لهذا العضو، فحمله على شيء آخر ترك للغة، وإنه لا يجوز. واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار، وكل ما كان متناهياً في المقدار فهو محدث، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء، وكل ما كان كذلك كان قابلاً للتركيب والانحلال، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه ويؤلفه، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسماً، فيمتنع أن تكون يده عضواً جسمانياً. وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان: الأول: قول من يقول: القرآن لما دلّ على إثبات اليد لله تعالى آمنا به، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة السلف. وأما المتكلمون فقالوا: اليد تذكر في اللغة على وجوه: أحدها: الجارحة وهو معلوم، وثانيها: النعمة، تقول: لفلان عندي يد أشكره عليها، وثالثها: القوة قال تعالى {أية : أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [صۤ: 45] فسروه بذوي القوى والعقول، وحكى سيبويه أنهم قالوا: لا يد لك بهذا، والمعنى سلب كمال القدرة ورابعها: الملك، يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه. قال تعالى: {أية : ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } تفسير : [البقرة: 237] أي يملك ذلك، وخامسها: شدة العناية والاختصاص. قال تعالى: {أية : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : [صۤ: 75] والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات. ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئاً. إذا عرفت هذا فنقول: اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة. وههنا قول آخر، وهو أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال: والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة. فإن قيل: إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل؛ لأن قدرة الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة، وبإثبات الأيدي أخرى، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين، ونعم الله غير محدودة كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] [النحل: 18]. والجواب: إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الاشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } كناية عن البخل، فأجيبوا على وفق كلامهم، فقيل {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل، بل هو جواد على سبيل الكمال. فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الاشكال المذكور من وجهين: الأول: أنه نسبة بحسب الجنس، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها، فقيل: نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء. الثاني: أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة، ألا ترى أن قولهم (لبيك) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك (سعديك) معناه مساعدة بعد مساعدة، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين. فكذلك الآية: المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة. ثم قال تعالى: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } أي يرزق ويخلق كيف يشاء، إن شاء قتر، وإن شاء وسع. وقال {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء } تفسير : [الشورى: 27] وقال {أية : يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ } تفسير : [الرعد: 26] وقال {قل الّلهم مالك الملك} إلى قوله {أية : وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } تفسير : [آل عمران: 26]. واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة، وذلك لأنهم قالوا: يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع، ويجب عليه أن لا يعاقبه، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه، وليس لأحد عليه استحقاق، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [المائدة: 17] فقوله سبحانه: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم. ثم قال تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بالكثير علماء اليهود، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلواً في الانكار، كما يقال: ما زادتك موعظتي إلا شراً. وقيل: إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر. المسألة الثانية: قال أصحابنا: دلّت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفراً وضلالاً، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد، ونظيره قوله {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة: 125]. فإن قالوا: علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها. قلنا: فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات، وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد الكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلاً، وذلك تكذيب لنص القرآن. ثم قال تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }. واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بيّن أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة. ثم إنه تعالى بيّن أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن الله تعالى كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدينا، لأن كل فريق منهم بقي مصراً على مذهبه ومقالته، يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات تعظيماً لنفسه وترويجاً لمذهبه، فصار ذلك سبباً لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم، وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضاً ويغزو بعضهم بعضاً، وفي قوله {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء } قولان: الأول: المراد منه ما بين اليهود والنصارى من العداوة لأنه جرى ذكرهم في قوله {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ } تفسير : [المائدة: 51] وهو قول الحسن ومجاهد. الثاني: أن المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود، فإن بعضهم جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم موحدة، وبعضهم مشبهة، وكذلك بين فرق النصارى: كالملكانية والنسطورية واليعقوبية. فإن قيل: فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين، فكيف يمكن جعله عيباً على اليهود والنصارى؟ قلنا: هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين، أما في ذلك الزمان فلم يك شيء من ذلك حاصلاً، فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ذلك عيباً على اليهود والنصارى. ثم قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ }. وهذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود، وهو أنهم كلما هموا بأمر من الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } تفسير : [آل عمران: 112] قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتم من أذل الناس. ثم قال تعالى: {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً } أي ليس يحصل في أمرهم قوة من العزة والمنعة، إلا أنهم يسعون في الأرض فساداً، وذلك بأن يخدعوا ضعيفاً، ويستخرجوا نوعاً من المكر والكيد على سبيل الخفية. وقيل: إنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلّط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلّط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلّط عليهم المسلمين. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ لا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } وذلك يدل على أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند الله تعالى ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قال عِكْرمة: إنما قال هذا فنْحَاص بن عازُوراء لعنه الله وأصحابه، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قَلّ مالهُم؛ فقالوا: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء؛ فالآية خاصة في بعضهم. وقيل: لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا. وقال الحسن: المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا. وقيل: إنهم لما رأُوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا { أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } تفسير : [البقرة: 245] ورأُوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الدّيات قالوا: إن إله محمد فقير، وربما قالوا: بخيل؛ وهذا معنى قولهم: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} فهو على التمثيل كقوله: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء: 29]. ويقال للبخيل: جَعْدُ الأنامل، ومقبوض الكفّ، وكَزُّ الأصابع، ومغلول اليد؛ قال الشاعر: شعر : كانت خُراسان أرضاً إذْ يَزيدُ بها وكلُّ باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جَعْداً أنامله كأنّما وجهه بالخلِّ منضوح تفسير : واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى: { أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } تفسير : [صۤ: 44] وهذا محال على الله تعالى. وتكون للنعمة؛ تقول العرب: كم يدٌ لي عند فلان، أي كم من نعمة لي قد أسديتها له، وتكون للقوّة؛ قال الله عز وجل { أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ } تفسير : [صۤ: 17] أي ذا القوّة وتكون للملِك والقدرة؛ قال الله تعالى { أية : قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } تفسير : [آل عمران: 73]. وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى: { أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً } تفسير : [يسۤ: 71] أي مما عملنا نحن. وقال: { أية : أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ } تفسير : [البقرة: 237] أي الذي له عقدة النكاح. وتكون بمعنى التأييد والنصرة، ومنه قوله عليه السلام: « حديث : يد الله مع القاضي حتى يقضِي والقاسم حتى يَقسِم » تفسير : . وتكون لإضافة الفعل إلى المخبَر عنه تشريفاً له وتكريماً؛ قال الله تعالى: { أية : يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } تفسير : [صۤ: 75] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة؛ لأن الباري جلّ وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض، ولا على القوّة والمِلك والنعمة والصّلة، لأن الاشتراك يقع حينئذٍ بين وليه آدم وعدوّه إبليس، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه؛ لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن تُحمَل على صفتين تعلّقتا بخلق آدم تشريفاً له دون خلق إبليس تَعلُّق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسَّة؛ ومثله ما روى أنه عز اسمه وتعالى علاه وجده أنه كَتَب التّوراة بيده، وغَرَس دار الكرامة بيده لأهل الجنة، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها. قوله تعالى: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} حُذفت الضّمة من الياء لثقلها؛ أي غُلّت في الآخرة، ويجوز أن يكون دعاء عليهم، وكذا {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} والمقصود تعليمنا كما قال: { أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الفتح: 27]؛ علمنا الاستثناء كما علّمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: { أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1] وقيل: المراد أنهم أبخل الخلق؛ فلا ترى يهودياً غير لئيم. وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو؛ أي قالوا: يد الله مغلولة وغلت أيديهم. واللعن الإبعاد، وقد تقدّم. قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ابتداء وخبر؛ أي بل نعمته مبسوطة؛ فاليد بمعنى النعمة. قال بعضهم: هذا غلط؛ لقوله: «بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ» فنِعَم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان؟ وأُجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد؛ فيكون مثل قوله عليه السلام: « حديث : مَثَلُ المنافِق كالشاة العائرة بين الغنمين » تفسير : . فأحد الجنسين نعمة الدنيا، والثاني نعمة الآخرة. وقيل نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة؛ كما قال: { أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } تفسير : [لقمان: 20]. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه: « حديث : النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك، والباطنة ما سَتَر عليك من سيّء عملك » تفسير : . وقيل: نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما. وقيل: إنّ النعمة للمبالغة؛ كقول العرب: «لبيك وسعديك» وليس يريد الاقتصار على مرتين؛ وقد يقول القائل: مالي بهذا الأمر يد أي قوّة. قال السديّ؛ معنى قوله «يداه» قوتاه بالثواب والعقاب، بخلاف ما قالت اليهود: إن يده مقبوضة عن عذابهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنّ الله تعالى قال لي أَنفِق أُنفِق عليك » تفسير : . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يَمينُ الله مَلأَى لا يَغِيضُها سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ أرأيتم ما أنفق مذ خَلَقَ السمواتِ والأرضَ فإنه لم يَغِض ما في يمينَه ـ قال ـ وعَرشُه على الماء وبِيده الأُخرى القَبْض يرفع ويَخْفِض » تفسير : . السَّح الصَّب الكثير. ويَغيض ينقص؛ ونظير هذا الحديث قوله جل ذِكره: { أية : وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } تفسير : [البقرة: 245]. وأما هذه الآية ففي قراءة ٱبن مسعود «بَلْ يَدَاهُ بُسْطَانِ» حكاه الأخفش، وقال يقال: يد بُسطَةٌ، أي منطلقة منبسطة. {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} أي يرزق كما يريد. ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة؛ أي قدرته شاملة، فإن شاء وسع وإن شاء قتر. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم} لام قسم. {مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أي بالذي أنزِل إليك. {طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ٱزداد كفرهم. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} قال مجاهد: أي بين اليهود والنصارى؛ لأنه قال قبل هذا {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ}. وقيل: أي ألقينا بين طوائف اليهود، كما قال: { أية : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } تفسير : [الحشر: 14] فهم متباغضون غير متفقين؛ فهم أبغض خلق الله إلى الناس. {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} يريد اليهود. و «كلما» ظرف؛ أي كلما جمعوا وأعدّوا شتت الله جمعهم. وقيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله ـ التوراة ـ أرسل الله عليهم بُختنَصَّر، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الروميّ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين؛ فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله؛ فكلما أوقدوا ناراً أي أهاجوا شرّاً، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} وقهرهم ووهّن أمرهم فذِكْر النار مستعار. قال قتادة: أذلهم الله جل وعز؛ فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس، ثم قال جلّ وعزّ: {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يسعون في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد، وٱللَّه أعلم. وقيل: المراد بالنار هنا نار الغضب، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتِدام نار الغضب أطفأها الله حتى يضعفوا؛ وذلك بما جعله من الرّعب نصرة بين يدي نبيّه صلى الله عليه وسلم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - بأنهم وصفوا الله عز وجل وتعالى عن قولهم علواً كبيراً بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل بأن قالوا: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس: {مَغْلُولَةٌ} أي: بخيلة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل، يعني: أمسك ما عنده، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي والضحاك، وقرأ: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً} يعني: أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو زيادة الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : [الإسراء: 29] وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي، عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181] فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له: شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} وقد ردّ الله عز وجل عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} وهكذا وقع لهم، فإن ما عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء:53-54] الآية، وقال تعالى: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} تفسير : [آل عمران: 112] الآية. ثم قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة، فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه قال: وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى الفيض، يرفع ويخفض» تفسير : وقال: «حديث : يقول الله تعالى: أنفق، أنفق عليك» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، البخاري في التوحيد عن علي بن المديني، ومسلم فيه عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به. وقوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} أي: يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقاً، وعملاً صالحاً، وعلماً نافعاً، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغياناً، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفراً، أي: تكذيباً؛ كما قال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44] وقال تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} تفسير : [الإسراء: 82]، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائماً؛ لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك. وقال إبراهيم النخعي: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ}، قال: الخصومات والجدال في الدين، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} أي: كلما عقدوا أسباباً يكيدونك بها، وكلما أبرموا أموراً يحاربونك بها، أبطلها الله، ورد كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيىء بهم {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي: من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته، ثم قال جلّ وعلا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} أي: لأزلنا عنهم المحذور، وأنلناهم المقصود، {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} قال ابن عباس وغيره: هو القرآن، {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق، والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتماً لا محالة. وقوله تعالى: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} يعني بذلك: كثرة الرزق النازل عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} يعني: لأرسل السماء عليهم مدراراً، {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} يعني: يخرج من الأرض بركاتها، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] الآية. وقال تعالى: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الروم: 41] الآية، وقال بعضهم: معناه {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} يعني: من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. وقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه: لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من فرقه إلى قدمه، ثم رد هذا القول؛ لمخالفته أقوال السلف. وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} حديث علقمة عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يوشك أن يرفع العلم» تفسير : فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم، وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: «حديث : ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله؟» تفسير : ثم قرأ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقاً من أول إسناده، مرسلاً في آخره. وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل متصلاً موصولاً، فقال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد: أنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقال: «حديث : وذاك عند ذهاب العلم» تفسير : قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرؤونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: «حديث : ثكلتك أمك يا بن أم لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء»تفسير : ؟ هكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه، هذا إسناد صحيح. وقوله تعالى: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} كقوله: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159] وكقوله عن أتباع عيسى: {أية : فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} تفسير : [الحديد: 27] الآية، فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين؛ كما في قوله عز وجل: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } تفسير : [فاطر:32-33] الآية، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة، وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن عدي، حدثنا أبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة: سبعون منها في النار، وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة: واحدة في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعاً، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار» تفسير : قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «حديث : الجماعات الجماعات»تفسير : . قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا فيه قرآناً، قال: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} إلى قوله تعالى: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} وتلا أيضاً قوله تعالى: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر، ولله الحمد والمنة. قوله تعالى: { يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}. يقول تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، وآمراً له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن إسماعيل، عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه، فقد كذب، الله يقول: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية، هكذا رواه هاهنا مختصراً. وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولاً، وكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها رضي الله عنها، وفي الصحيحين عنها أيضاً أنها قالت: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم، كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية: {أية : وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} تفسير : [الأحزاب: 37]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال له: إن ناساً يأتونا، فيخبروننا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء. وهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته يومئذ: «حديث : أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» تفسير : قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء، وينكسها إليهم، ويقول: «حديث : اللهم هل بلغت، اللهمَّ هل بَلَّغْت» تفسير : ؟ قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا فضيل، يعني: ابن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «حديث : يا أيها الناس أي: يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» تفسير : ثم أعادها مراراً، ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: «حديث : اللهم هل بلغت؟» تفسير : مراراً. قال: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه عز وجل، ثم قال: «حديث : ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» تفسير : وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه. وقوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعني: وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، فما بلغت رسالته، أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك، لم تبلغ رسالته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} قال: «حديث : يا رب، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟» تفسير : فنزلت: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. ورواه ابن جرير من طريق سفيان، وهو الثوري به. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، قبل نزول هذه الآية يحرس؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث: أن عائشة رضي الله عنها كانت تحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: «حديث : ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة» تفسير : قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال: «حديث : من هذا؟» تفسير : فقال: أنا سعد بن مالك، فقال: «حديث : ما جاء بك؟» تفسير : قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم، في نومه، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به، وفي لفظ: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات ليلة مقدمه المدينة، يعني: على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة رضي الله عنها، وكان ذلك في سنة ثنتين منها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد، يعني: أبا قدامة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم، رأسه من القبة، وقال: «حديث : يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله عز وجل» تفسير : وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة الإيادي عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يحرس حتى نزلت هذه الآية، ولم يذكر عائشة. قلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق مرسلاً، وقد روى هذا مرسلاً عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل ابن المختار عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، حتى نزلت {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فترك الحرس. حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس. حدثنا علي بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فذهب ليبعث معه، فقال: «حديث : يا عم، إن الله قد عصمني، لا حاجة لي إلى من تبعث» تفسير : وهذا حديث غريب، وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية، ثم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن النضر، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس، فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت عليه هذه الآية {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: «حديث : إن الله قد عصمني من الجن والإنس»تفسير : ، ورواه الطبراني عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به. وهذا أيضاً حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم، ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها، وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً؛ بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب؛ إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذى يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم، وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء، كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به، وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جداً يطول ذكرها، فمن ذلك ماذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة. فقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا نزل منزلاً، اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي، فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: «حديث : الله عز وجل» تفسير : فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله عز وجل: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حال الله بينك وبين ما تريد»تفسير : ، فأنزل الله عز وجل: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سفر، تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة، وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله يمنعني منك، ضع السيف» تفسير : فوضعه، فأنزل الله عز وجل: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسرائيل، يعني: الجشمي، سمعت جعدة، هو ابن خالد بن الصمة الجشمي رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى رجلاً سميناً، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يومىء إلى بطنه بيده، ويقول: «حديث : لو كان هذا في غير هذا، لكان خيراً لك» تفسير : قال: وأتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : . لم ترع، ولو أردت ذلك، لم يسلطك الله علي»تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: بلغ أنت، والله هو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، كما قال تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272] وقال: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [آل عمران: 20].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ } لما ضيق عليهم بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا أكثر الناس مالاً {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كَنَّوْا به عن البخل- تعالى الله عن ذلك- قال تعالى: {غُلَّتْ } أمسكت {أَيْدِيهِمْ } عن فعل الخيرات دعاء عليهم {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } مبالغة في الوصف بالجود وثنَّى اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطي بيديه {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } من توسيع وتضييق لا اعتراض عليه {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } من القرآن {طُغْيَٰناً وَكُفْراً } لكفرهم به {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ } فكل فرقة منهم تخالف الأخرى {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ } أي لحرب النبي صلى الله عليه وسلم {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } أي كلما أرادوه ردّهم {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً } أي مفسدين بالمعاصي {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } بمعنى أنه يعاقبهم.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } اليد عند العرب تطلق على الجارحة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } تفسير : [صۤ: 44] وعلى النعمة، يقولون كم يد لي عند فلان؛ وعلى القدرة. ومنه قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ }تفسير : [آل عمران: 73] أو على التأييد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يد الله مع القاضي حين يقضي» تفسير : وتطلق على معان أخر. وهذه الآية هي على طريق التمثيل كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء: 29] والعرب تطلق غلّ اليد على البخل، وبسطها على الجود مجازاً، ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكفّ، ومنه قول الشاعر:شعر : كانت خراسان أرضاً إذ يزيد بها وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جعداً أنامله كأنما وجهه بالخل منضوح تفسير : فمراد اليهود هنا عليهم لعائنٍ الله أن الله بخيل، فأجاب سبحانه عليهم بقوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} دعاء عليهم بالبخل، فيكون الجواب عليهم مطابقاً لما أرادوه بقوله: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} ويجوز أن يراد غلّ أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو بالعذاب في الآخر، ويقوّي المعنى الأوّل: أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظلّ للشمس، فلا ترى يهودياً، وإن كان ماله في غاية الكثرة، إلا وهو من أبخل خلق الله، وأيضاً المجاز أوفق بالمقام لمطابقته لما قبله. قوله: {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} معطوف على ما قبله والباء سببية أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، ثم رد سبحانه بقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي بل هو في غاية ما يكون من الجود، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الردّ عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدّرة يقتضيها المقام أي كلا ليس الأمر كذلك: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} وقيل المراد بقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها الباطنة. وقيل: نعمة المطر والنبات. وقيل: الثواب والعقاب. وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ «بل يداه بسيطتان» أي منطلقتان كيف يشاء. قوله: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه أي إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته، فإن شاء وسع، وإن شاء قتر، فهو الباسط القابض؛ فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، فإن خزائن ملكه لا تفنى وموادّ جوده لا تتناهى. قوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم } إلخ، اللام هي لام القسم: أي ليزيدن كثيراً من اليهود والنصارى ما أنزل إليك من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة {طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } أي طغياناً إلى طغيانهم، وكفراً إلى كفرهم. قوله: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ } أي بين اليهود {ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء } أو بين اليهود والنصارى. قوله: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } أي كلما جمعوا للحرب جمعاً وأعدوا له عدّة شتت الله جمعهم، وذهب بريحهم، فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها، ثم يبطل الله ذلك، والآية مشتملة على استعارة بليغة، وأسلوب بديع {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأرْضِ فَسَاداً } أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد، ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله؛ وقيل المراد بالنار هنا الغضب أي كلما أثاروا في أنفسهم غضباً أطفأه الله بما جعله من الرعب في صدورهم، والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم. قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } إن كانت اللام للجنس، فهم داخلون في ذلك دخولاً أوّلياً، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدّة فسادهم، وكونهم لا ينفكون عنه. قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} أي لو أن المتمسكين بالكتاب، وهم اليهود والنصارى، على أن التعريف للجنس {ءامَنُواْ} الإيمان الذي طلبه الله منهم، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم {وَٱتَّقَوْاْ } المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله، والجحود لما جاء به رسول الله {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} التي اقترفوها، وإن كانت كثيرة متنوّعة. وقيل المعنى: لوسعنا عليهم في أرزاقهم، {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ} أي أقاموا ما فيهما من الأحكام التي من جملتها الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ} من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن، فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم، فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها {لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتها، وتعدد أنواعها. قوله: {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون البعض، والمقتصدون منهم هم: المؤمنون كعبد الله بن سلام، ومن تبعه، وطائفة من النصارى {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} وهم المصرّون على الكفر المتمرّدون عن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بما جاء به. وقد أخرج ابن إسحاق، والطبراني في الكبير، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي. وأخرج مثله ابن جرير عن عكرمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} أي بخيلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} قال: حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن، وكفروا بمحمد ودينه، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ } قال: حرب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السديّ في الآية: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله، وأطفأ حدهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } قال: آمنوا بما أنزل على محمد، واتقوا ما حرّم الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ } قال: العمل بهما، وأما {ما أنزل إليهم}، فمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه، وأما {لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } فأرسلت عليهم مطراً، وأما {مِن تَحْتِ أَرْجُلُهُمْ } يقول: أنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم، {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } وهم مسلمة أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } يعني لأرسل عليهم السماء مدراراً {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } قال: تخرج الأرض من بركتها. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس قال: الأمة المقتصدة: الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا. قال: والغلوّ الرغبة، والفسق التقصير عنه. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ {أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } يقول: مؤمنة. وأخرج ابن مردويه قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن عليّ، حدّثنا أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً، قال: ثم حدّثهم النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تفرقت أمة موسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار؛ وتفرّقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، تعلوا أمتي على الفريقين جميعاً ملة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون منها في النار "تفسير : ،قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "حديث : الجماعات الجماعات» تفسير : قال يعقوب بن زيد: كان عليّ بن أبي طالب إذا حدّث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً، قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ } إلى قوله: {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ } وتلا أيضاً: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 181] يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لهذا الحديث ما لفظه: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين، مرويّ من طرق عديدة قد ذكرناها في موضع آخر انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة، فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم إنها: موضوعة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} فيه تأويلان: أحدهما: أي مقبوضة عن العطاء على جهة البخل، قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: مقبوضة عن عذابهم، قاله الحسن. قال الكلبي ومقاتل: القائل لذلك فنحاس وأصحابه من يهود بني قينقاع. {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك إلزاماً لهم البخل على مطابقة الكلام، قاله الزجاج. والثاني: أن معناه غلت أيديهم في جهنم على وجه الحقيقة، قاله الحسن. {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} قال الكلبي: يعني يعذبهم بالجزية. ويحتمل أن يكون لَعْنُهم هو طردهم حين أجلوا من ديارهم. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن اليدين ها هنا النعمة من قولهم لفلان عندي يد أي نعمة، ومعناه بل نعمتاه مبسوطتان، نعمة الدين، ونعمة الدنيا. والثاني: اليد ها هنا القوة كقوله تعالى: {أية : أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} تفسير : [ص: 45] ومعناه بل قوتان بالثواب والعقاب. والثالث: أن اليد ها هنا الملك من قولهم فى مملوك الرجل هو: ملك يمينه، ومعناه ملك الدنيا والآخرة. والرابع: أن التثنية للمبالغة فى صفة النعمة كما تقول العرب لبيك وسعديك، وكقول الأعشى: شعر : يداك يدا مجد فكف مفيدة وكف إذا ما ضنَّ بالزاد تنفق تفسير : {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} يحتمل وجهين: أحدهما: يمعنى أنه يعطي من يشاء من عباده إذا علم أن في إعطائه مصلحة دينه. والثاني: ينعم على من يشاء بما يصلحة في دينه. {ولَيزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} يعني حسدهم إياه وعنادهم له. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ} فيه قولان: أحدهما: أنه عنى اليهود بما حصل منهم من الخلاف. والثاني: أنه أراد بين اليهود والنصارى في تباين قولهم في المسيح، قاله الحسن. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} فيه تأويلان: أحدهما: أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى وأوامره لم يزلوا. والثاني: إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل. ثم قال تعالى: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ} يعني القرآن لأنهم لما خوطبوا به صار منزلاً عليهم. {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} فيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه. والثاني: لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر، ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر. قاله ابن عباس. {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} فيه تأويلان: أحدهما: مقتصدة على أمر الله تعالى، قاله قتادة. الثاني: عادلة، قاله الكلبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَغْلُولَةٌ} عن عذابهم، أو مقبوضة عن العطاء على جهة البخل. {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} الزموا البخل ليتطابق الكلام، أو {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} في النار حقيقة {وَلُعِنُواْ} بتعذيبهم بالجزية قال الكلبي. {يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} نعمة الدنيا ونعمة الدِّين، لفلان عندي يد أي نعمة، أو قوتاه بالثواب والعقاب، واليد القوة {أية : أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَارِ} تفسير : [ص: 45] أو ملك الدنيا والآخرة، واليد الملك، من قولهم عنده ملك يمينه، أو التثنية للمبالغة في صفة النعمة، كلبيك وسعديك، قال: شعر : يداك يدا مجد وكف مفيدة ............................. تفسير : {طُغْيَاناً وَكُفْراً} بحسدهم وعنادهم {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} يريد ما بين اليهود من الخلاف، أو ما بين اليهود والنصارى، لتباين قولهم في المسيح.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} نزلت هذه الآية في فنحاص اليهودي. قال ابن عباس: إن الله قد بسط على اليهود حتى كانوا أكثر الناس أموالاً وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله ومحمداً صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف عنهم ما بسط عليهم من السعة. فعند ذلك قال فنحاص: يد الله مغلولة يعني محبوسة مقبوضة عن الرزق والبذل والعطاء. فنسبوا الله تعالى إلى البخل والقبض تعالى الله عن قولهم علوَّاً كبيراً، ولما قال هذه المقالة الخبيثة فنحاص ولم ينهه بقية اليهود ورضوا بقوله، لا جرم لأن الله تعالى أشركهم معه في هذه المقالة فقال تعالى إخباراً عنهم: وقالت اليهود يد الله مغلولة. يعني نعمته مقبوضة عنا. وقيل: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا بقدر ما يبر به قسمه وذلك قدر ما عبد آباؤنا العجل. والقول الأول أصح، لقوله تعالى: ينفق كيف يشاء. واعلم أن غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود بدليل قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط}تفسير : [الإسراء: 29] والسبب أن اليد آلة لكل الأعمال لا سيما لدفع المال وإنفاقه وإمساكه فأطلقوا اسم السبب على المسبب وأسندوا الجود والبخل إلى اليد مجازاً فقيل للجواد الكريم فياض اليد ومبسوط اليد وقيل للبخيل مقبوض اليد. وقوله تعالى: {غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا} يعني: أمسكت أيديهم عن كل خير وطردوا عن رحمة الله. قال الزجاج: رد الله عليهم فقال: أنا الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسوكة. وقيل: هذا دعاء على اليهود علمنا الله كيف ندعو عليهم؟ فقال: غلت أيديهم أي في نار جهنم. فعلى هذا هو من الغل حقيقة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم وطرحوا في النار جزاء لهم على هذا القول ومعنى لعنوا بما قالوا عذبوا بسبب ما قالوا فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية وفي الآخرة لهم عذاب النار. وقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} يعني أنه تعالى جواد كريم ينفق كيف يشاء وهذا جواب لليهود ورد عليهم ما افتروه واختلقوه على الله تعالى عن قولهم علواً كبيراً وإنما أجيبوا بهذا الجواب على قدر كلامهم. وأما الكلام في اليد فقد اختلف العلماء في معناها على قولين: أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين أن يد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم ونمرها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل قال الله تعالى {أية : لما خلقت بيدي}تفسير : [ص: 75] وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين " تفسير : والقول الثاني: قول جمهور المتكلمين وأهل التأويل، فإنهم قالوا اليد تذكر في اللغة على وجوه، أحدها: الجارحة وهي معلومة. وثانيهما: النعمة. يقال: لفلان عندي يد أشكره عليها. وثالثها: القدرة قال الله تعالى: {أية : أولي الأيدي والأبصار}تفسير : [ص: 45] فسروه بذوي القوى والعقول لا يدلك بهذا الأمر والمعنى سلب كمال القدرة. ورابعها: الملك يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه ومنه قوله تعالى {أية : الذي بيده عقدة النكاح}تفسير : [البقرة: 237] أي يملك ذلك، أما الجارحة فمنتفية في صفة الله عز وجل لأن العقل دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض تعالى الله عن الجسمية والكيفية والتشبيه علواً كبيراً فامتنع بذلك أن تكون يد الله بمعنى الجارحة وأما سائر المعاني، التي فسرت اليد بها فحاصلة، لأن أكثر العلماء من المتكلمين زعموا أن اليد في حق الله عبارة عن القدرة وعن الملك وعن النعمة وها هنا إشكالان: أحدهما: أن اليد إذا فسرت بمعنى القدرة فقدرة الله واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين في قوله تعالى بل يداه مبسوطتان وأجيب عن هذا الإشكال بأن اليهود لما جعلوا قولهم {يد الله مغلولة} كناية عن البخل أجيبوا على وفق كلامهم فقال: بل يداه مبسوطتان. أي ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل بل هو جواد كريم على سبيل الكمال فإن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه. الإشكال الثاني: أن اليد إذا فسرت بالنعمة فنص القرآن ناطق بتثنية اليد ونعم الله غير محصورة ولا معدودة ومنه قوله تعالى: {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}تفسير : [النحل: 18] وأجيب عن هذا الإشكال بأن التثنية بحسب الجنس ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها مثل: نعمة الدنيا ونعمة الدين ونعمة الظاهر ونعمة الباطن ونعمة النفع ونعمة الدفع. فالمراد بالتثنية، المبالغة في وصف النعمة. أجاب أصحاب القول عن هذا بأن قالوا: إن الله تعالى أخبر عن آدم أنه خلقه بيديه ولو كان معنى خلقه لآدم بقدرته أو بنعمته أو بملكه لم يكن لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم لأن جميع خلقه مخلوقون بقدرته وجميعهم في ملكه ومتقلبون في نعمه فلما خص الله آدم عليه السلام بقوله تعالى لما خلقت بيدي دون خلقه علم بذلك اختصاصه وتشريفه على غيره. ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن أبي الحسن الأشعري قولاً: أن اليد صفة قائمة بذات الله وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه على سبيل الكرامة لآدم واصطفائه له فلو كانت اليد عبارة عن القدرة امتنع كون آدم مصطفى بذلك لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء هذا آخر كلامه. وأجيب عن قولهم: إن التثنية بحسب الجنس ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع كثيرة بأن الاسم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجمع ولا يؤدي عن الجنس أيضاً قالوا وخطأ في كلام العرب أن يقال ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس بمعنى ما أكثر الدراهم في أيديهم لأن الدرهم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما ولكن الواحد يؤدي عن جنسه، كما تقول العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس. بمعنى ما أكثر الدراهم في أيديهم، لأن الواحد يؤدي عن الجمع فثبت بهذا البيان قول من قال: إن اليد صفة لله تعالى تليق بجلاله وإنها ليست بجارحة، كما تقول: المجسمة تعالى الله عن قولهم علّواً كبيراً {ينفق كيف يشاء} يعني أنه تعالى يرزق كما يريد ويختار فيوسع على من يشاء ويقتّر على من يشاء لا اعتراض عليه في ملكه ولا فيما يفعله (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : قال الله تبارك وتعالى لما أنفق عليك وقال يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما بيده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يرفع ويخفصتفسير : وهذا الحديث أيضاً أحد أحاديث الصفات فيجب الإيمان به وإمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تكييف. وقوله تعالى: {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} يعني كلما نزلت عليك آية من القرآن كفروا بها فازدادوا شدة في كفرهم وطغياناً مع طغيانهم والمراد بالكثير علماء اليهود وقيل إقامتهم على كفرهم زيادة منهم فيه {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} يعني: ألقينا العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى. وقيل: ألقى ذلك بين طوائف اليهود، فجعلهم مختلفين في دينهم متعادين متباغضين إلى يوم القيامة، فإن بعض اليهود جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم مشبهة وكذلك النصارى فرق كالملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، والمارونية. فإن قلت، فهذا المعنى أيضاً حاصل بين فرق المسلمين فكيف يكون ذلك عيباً على اليهود والنصارى حتى يذموا به. قلت: هذه البدع التي حصلت في المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة والتابعين. أما في الصدر الأول، فلم يكن شيء من ذلك حاصلاً بينهم فحسن جعل ذلك عيباً على اليهود والنصارى في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} يعني كلما أفسد اليهود وخالفوا حكم الله يبعث الله عليهم من يهلكهم. أفسدوا فبعث الله عليهم بختنصر البابلي ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس وهم الفرس ثم أفسدوا. وقالوا: يد الله مغلولة فبعث الله المسلمين فلا تزال اليهود في ذلة أبداً وقال مجاهد: معنى الآية كلما مكروا في حرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأه الله تعالى وقال السدي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء ليفسدوا به أمر محمد صلى الله عليه وسلم فرَّقه الله تعالى وكلما أوقدوا ناراً في حرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأها الله وأخمد نارهم وقذف في قلوبهم الرعب وقهرهم ونصر نبيه ودينه {ويسعون في الأرض فساداً} يعني ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم من كتبهم. وقيل: إنهم يسعون بالمكر والكيد والحيل وليس يقدرون على غير ذلك {والله لا يحب المفسدين} يعني أن الله لا يحب من كانت هذه صفته. قال قتادة: لا نلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس فيها وهم أبغض خلق الله إليه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ...} إلى قوله: {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}: هذه الآيةُ تعديدُ كبيرةٍ في أقوالهم وكُفْرهم، أي: فَمَنْ يقول هذه العظيمةَ، فلا يُسْتنكَرُ نفاقُهُ وسعْيُهُ في رَدِّ أمر اللَّه تعالى. قال ابن عباس وجماعة: معنى قولهم: التبخيلُ؛ وذلك أنهم لحقَتْهم سَنَةٌ وجَهْدٌ، فقالوا هذه المقالة، يعْنُونَ بها؛ أنَّ اللَّه بَخِلَ عليهم بالرِّزْقِ والتوسعَةِ، تعالَى اللَّه عن قَوْلِهِمْ، وهذا المعنَىٰ يشبه ما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء:29] فإن المراد: لا تَبْخَلْ؛ ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ...» تفسير : الحديثَ، وذكر الطبري والنَّقَّاش؛ أن هذه الآية نزلَتْ في فِنْحَاص اليَهُودِيِّ، وأنه قالها. وقوله سبحانه: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}: خبرٌ يحتملُ في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان خبراً عن الدنيا، فالمعنَىٰ: غُلَّت أيديهم عن الخَيْرِ والإنفاقِ في وجوه البِرِّ ونحوه، وإذا كان خبراً عن الآخرة، فالمعنَىٰ: غُلَّتْ في النار، قلْتُ: ويَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ معاً. وقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}: العقيدةُ في هذا المعنَىٰ: نَفْيُ التشبيه عن اللَّه سبحانه، وأنه ليس بِجِسْمٍ، ولا له جارِحَةٌ، ولا يُشَبَّهُ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتحيَّز، ولا تَحُلُّهُ الحوادثُ، تعالَىٰ عما يقول المبطلون عُلُوًّا كبيراً، قال ابن عبَّاس في هذه الآية: {يَدَاهُ}: نعمتاه، ثم ٱختلفَتْ عبارة النَّاس في تَعْيِين النعمتَيْن: فقيل: نعمةُ الدنيا، ونعمةُ الآخرةِ، وقيل: النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنةُ، والظاهر أن قوله سبحانه: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} عبارةٌ عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنها باليدَيْن؛ جرياً على طريقة العرب في قولهم: فُلاَنٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ؛ ومنه قول الأعْشَىٰ: [الطويل] شعر : يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَة وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالمَالِ تُنْفِقُ تفسير : ويؤيِّد أن اليدَيْن هنا بمعنى الإنعامِ ـــ قرينةُ الإنفاق، ثم قال تعالَىٰ لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم}، يعني: اليهودَ {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً}، ثم قال سبحانه: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، العداوة: أخصُّ من البغضاء؛ لأن كلَّ عدوٍّ، فهو يُبْغضُ، وقد يُبْغضُ مَنْ ليس بعدُوٍّ، والبغضاء: قد لا تتجاوَزُ النفوسَ، وقد ألقى اللَّه سبحانه الأمرَيْن علَىٰ بني إسرائيل. قال الفَخْر: وقد أوقع اللَّه بَيْنَ فِرَقِهِمْ الخصومةَ الشَّديدة، وانتهَىٰ أمرهم إلى أنْ يُكَفِّرَ بعضهم بعضاً، وفي قوله: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ...}: قولان: أحدهما: أن المراد ما بَيْن اليهودِ والنصارَىٰ من العداوةِ؛ لأنه جرَىٰ ذكْرُهُمْ في قوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } تفسير : [المائدة:51]، وهذا قول الحسنِ ومُجَاهد. والثاني: ما وقع من العداوة بين فِرَقِ اليهود، فإنَّ بعضهم جبريَّةٌ وبعضهم قَدَرية، وبعضهم مُوَحِّدة، وبعضهم مُشَبِّهة، وكذلك بَيْن فرقِ النصارَىٰ؛ كالمَلْكَانِيَّة، والنُّسْطُورِيَّة، واليَعْقُوبيَّة. انتهى. وقوله سبحانه: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ}: ٱستعارةٌ بليغةٌ، قال مجاهد: معنى الآيةِ: كلَّما أوقدوا ناراً لحَرْبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أطفأها اللَّه، فالآيةُ بشارةٌ لنبيِّنا محمد ـــ عليه السلام ـــ وللمؤمنين، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : في هذه الحكاية قولان: أحدهما: أنه خبر محض، وزعم بعضهم أنه على تقدير همزة استفهام، تقديره: "أيد الله مغلُولة"؟ قالوا ذلك لمَّا قَتَّر عليهم معيشتهم، ولا يحتاج إلى هذا التقدير. قال ابنُ الخطيب: في هذا الموْضِع إشكَالٌ، وهُو أنَّ اللَّه تعالى حكى عن اليَهُودِ أنَّهُمْ قالوا ذَلِك، ولا شَكَّ في أنَّ اللَّهَ تعالى صَادِقٌ في كُلِّ ما أخْبَر عنه، ونرى [اليهُود] مُطبقِين مُتَّفِقِين على أنَّا لا نَقُولُ ذلكَ ولا نعْتَقدهُ، والقولُ: بأنَّ {يَدُ اللَّهِ مغْلُولَةٌ} باطل بِبَديهَةِ العَقْل؛ لأنَّ قَوْلَنَا: اللَّهَ اسمٌ لموْجُودٍ قديم، قادرٍ على خَلقِ العَالم وإيجَادِه وتكوينه، وهذا الموجُود يَمْتَنِعُ أن تكون يدُهُ مَغْلُولة مُقيَّدة قَاصِرَة، وإلاَّ فَكَيْفَ يُمْكِنُه ذلك مع قُدْرته النَّاقِصَة حِفْظ العَالم وتدبيره. إذا ثَبَتَ هذا فقد حَصَل الإشْكال في كَيْفِيَّة تَصْحيح هذا النَّقْل وهذه الرِّواية فَنَقُول فيه وُجُوهٌ: الأوَّل: لَعَلَّ القَوْم إنَّما قالوا هذا القَوْل على سَبِيلِ الالتزام؛ فإنَّهُم لمَّا سَمِعُوا قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245] قالوا: لو احْتَاج إلى القَرْضِ لكَانَ فَقِيراً عاجِزاً [فلما حكموا بأنَّ الذي يسْتَقْرِضُ من عبادهَ شَيْئاً فقيرٌ مُحْتَاج مَغْلُولُ اليديْن، لا جرم حكى اللَّهُ عَنْهُم هذا الكلام]. الثاني: لعَلَّ القوم لمَّا رأوا أصْحَاب الرَّسُول عليه الصلاة والسلام في غَايَةِ الشِّدَّةِ والفَقْرِ والحَاجَةِ، قالُوا ذلك على ذلك سَبيلِ السُخْرِيَةِ والاسْتِهزاء. قالوا: إنَّ إله مُحَمَّدٍ فَقِير مَغْلُولُ اليَدِ، فَلما قالوا ذلك حَكَى اللَّه تعالى عَنْهُمْ هذا الكلام. الثالث: قال المُفَسِّرُون - رحمهم الله -: كانُوا أكثر النَّاسِ مالاً وثَرْوَة، فلما بَعَثَ اللَّهُ محمداً - صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وسلم - فكذبَّوُه ضَيَّقَ اللَّهُ عليهم المَعيشَةَ، فعند ذلك قالت اليَهُود: {يَدُ اللَّه مَغْلُولَةٌ} أي: مَقْبُوضَةٌ من العَطَاءِ على جِهَةِ الصِّفَةِ بالبُخْل، والجاهلُ إذا وقع في البلاءِ والشِّدَّة والمِحْنَة يقول مثل هَذِه الألْفَاظ. الرابع: لعلَّه كان فيهم مِمَّن كان على مَذْهَبِ الفَلْسَفَة، وهو أنَّهُ مُوجِبٌ لذاتِه، وأنَّ حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نَهْجٍ واحدٍ وهو أنَّهُ تعالى غير قادر على إحْداثِ الحوادِثِ على غير الوُجُوه الَّتِي عليها تقع، فَعَبَّرُوا عن عَدَمِ الاقْتِدَار على التَّغْيِير والتبْدِيل بغلِّ اليَد. الخامس: قال بعضهم: المراد منه - هو قَوْلَ اليَهُود أنَّ اللَّه تعالى لا يعذِّبُنَا إلا قدْرَ الأيَّامِ التي عَبدْنَا فيها العِجْلَ - إلاَّ أنهم عبَّروا على كونه تعالى غير مُعَذِّبٍ لهم إلاَّ هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة، واسَتْوجَبُوا اللَّعن بِسَبَبِ فساد العِبَادَة، وعدم رِعَايَة الأدَب، وهذا قول الحسن. قال البغوي بعد أن حَكَى قولَ المُفَسِّرين، ثم بعده قول الحَسَن: والأوَّلُ أوْلَى لمعنى قول المفسرين لِقَوْله تعالى بَعْدَ ذلك: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}. وقوله: {غُلَّتْ أيدِيهِمْ وَلُعِنُوا} يحتمل الخبرَ المَحْضَ، ويحتمل أن يُرادَ به الدعَاءُ عليهم أي: أمْسَكَتْ أيْديهم عن الخَيْرَات، والمعنى: أنَّه - تعالى - يُعَلِّمُنَا الدُّعَاءَ عليهم، كما عَلَّمَنَا الدُّعَاءَ على المُنافقين في قوله تعالى: {أية : فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10] فإن قيل: كان يَنْبَغي أن يُقَال: "فَغُلَّتْ أيديهم". فالجَوَاب: أنَّ حَرْفَ العَطْف وإنْ كان مُضْمَراً إلا أنَّهُ حُذِفَ لفائدة، وهي أنَّه لما حُذِفَ كان قوله "غُلَّتْ أيْدِيهم" كالكلام المبتدأ به ففيه [زيادة] قُوَّة؛ لأنَّ الابْتِدَاء بالشَّيْء يَدلُّ على شِدَّةِ الاهْتِمَام به وقُوَّة الاعْتِنَاء، ونَظِيرُه في الحَذْفِ والتَّعْقِيب قوله تعالى {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} تفسير : [البقرة: 67] ولَمْ يَقُل: فقالوا أتَتَّخِذنَا. وقيل: هو من الغلِّ يوم القِيَامَةِ في النَّار كقوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ} تفسير : [غافر: 71]. "ولُعِنُوا" عُذِّبوا "بما قالوا" فَمِنْ لَعْنِهم - أنَّهُ مَسَخَهُمْ قردة وخَنَازِير، وضُرِبَت عليهمُ الذِّلَّة والمَسْكَنَة في الدُّنْيا، وفي الآخِرَة بالنَّار. قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}. وفي مصحف عبد الله: "بُسُطَانِ" يقال: "يَدٌ بُسُطٌ" على زنة "نَاقَةٌ سُرُحٌ"، و"أحُدٌ" و"مِشْيَةٌ سُجُحٌ"، أي: مبسوطة بالمعروف، وقرأ عبد الله: "بَسِيطَتَانِ"، يقال: يَدٌ بسيطةٌ، أي: مُطْلَقَةٌ بالمَعْرُوف. [وغَلُّ] اليدِ وبَسْطُهَا هنا استعارةٌ للبُخْل والجودِ، وإن كان ليس ثَمَّ يدٌ ولا جارحة، وكلامُ العربِ ملآنُ من ذلك، قالتِ العربُ: "فلانٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ"؛ قال: [الطويل] شعر : 2003- يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ، وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ تفسير : وقال أبو تمام: [الطويل] شعر : 2004- تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتَّى لَوَ أنَّهُ دَعَاهَا لقَبْضٍ لَمْ تُطِعْهُ أنَامِلُهْ تفسير : وقد استعارت العربُ ذلك حيثُ لا يدَ ألبتة، ومنه قولُ لبيدٍ: [الكامل] شعر : 2005-................... إذْ أصْبَحَتَ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمامُهَا تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 2006- جَادَ الحِمَى بَسْطُ اليَدَيْنِ بوابِلٍ شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاعُهُ ووِهَادُهُ تفسير : وقالوا: "بَسَطَ اليأسُ كفَّيْهِ في صَدْرِي"، واليأسُ معنًى، لا عينٌ، وقد جعلوا له كفَّيْنِ مجازاً، قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: لِم ثُنِّيَتِ اليدُ في {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، وهي في {يدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} مفردةٌ؟ قلتُ: ليكونَ ردُّ قولهم وإنكارُه أبْلَغ وأدلَّ على إثبات غايةِ السَّخَاءِ له، ونَفْيِ البُخْلِ عنه، وذلك أنَّ غايةَ ما يبذله السَّخِيُّ مِنْ ماله بنفسِه: أن يعطيَه بيديه جميعاً، فبنى المجازَ على ذلك". فصل اعلم أنه قد وَرَدَ في القرآن آياتٌ كثيرة ناطِقَةٌ بإثْبَات اليد، فتارَةً ذكر اليد من غير بيان عددٍ كقوله تعالى: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الفتح: 10]، وتارةً ذكر اليدين كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى لإبليس عليه اللعنة {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75]، وتارة أثْبَت الأيْدي قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَاماً} تفسير : [يس: 71]، وإذا عرف هذا فَنَقُولُ: اختفت الأمَّةُ في تَفْسِير يد اللَّه تعالى. فقالت المُجَسِّمَةُ: إنَّها عُضْو جُسْمَانيٌّ كما في حقِّ كُلِّ أحدٍ، واحتَجُّوا بقوله تعالى: {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 195] ذكر ذلك قد جاء في إلاهيَّةِ الأصنامِ، لأجل أنَّهُ ليْسَ لَهَا شيءٌ من هذه الأعْضَاء، فلو لم يَحْصُل لِلَّهِ هذه لزمَ القَدْحُ في كونه إلهاً، فلما بَطُل ذلك، وَجَبَ إثْبَات هذه الأعْضَاء له، قالوا: واسمُ اليد موضوع لِهَذا العُضْو، فَحَمْلُه على شيء آخر ترك للُّغَة، وإنَّه لا يجُوزُ. والجوابُ عنه: أنَّه تعالى ليس بِجِسْمٍ؛ لأنَّ الجسم لا ينفَكُّ عن الحَرَكَةِ والسُّكُون وهما مُحْدَثَانِ، وما لا يَنْفَكُّ عن المُحْدَثِ فَهُو مُحْدَثٌ، ولأنَّ كُلَّ جسم فهو مُتَنَاهٍ في المِقْدَار، وكلّ ما كان متناهياً في المقدار فهو محدثٌ، ولأنَّ كلَّ جسم فهو مؤلَّفٌ من الأجزاء، وكلّ ما كان كذلك افتقر إلى ما يؤلِّفُهُ ويُركِّبُهُ، وكلّ ما كان كذلك فهو مُحْدَثٌ، فَثَبت بهذه الوجوه أنَّه يمتنع كونه تعالى جِسْماً، فيمتَنِعُ أنْ يكون عُضْواً جُسْمَانِياً. وأما جمهور المُوَحِّدين فلهُمْ في لَفْظِ اليَدِ قولان: أحدهما: قول من يقول: إنَّ القرآن لمَّا دلَّ على إثْبَات اليد للَّه آمنَّا باللَّه، والعقْل دلَّ على أنَّه يمتنع أن يكون يدُ الله عبارة عن جِسْم مخْصُوصٍ وعضو مُرَكَّب من الأجزاء والأبْعَاض آمنَّا به، فأمَّا أنَّ اليد ما هي وما حَقِيقَتُهَا، فقد فَوَّضْنَا مَعْرِفَتَها إلى الله تعالى، وهذه طَرِيقَةُ السَّلَفِ. [وثانيهما: قَوْلٌ المُتكَلِّمِين فقالوا: اليدُ تذكر في اللُّغَة على وُجُوهٍ: أحدُها: الجَارِحَة]. وثانيها: النِّعْمَةُ: نقول: لفلان يد أشكُرُه عليها. وثالثها: القُوَّةُ: قال تعالى: {أية : أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} تفسير : [ص: 45] فسَّرُوهُ بِذِي القُوَّةِ والعُقُول. وحكى سيَبَويْه أنَّهُم قالوا: "لا يَدَ لَكَ بِهَذا" والمعنى: سلب كمال القُدْرَة. رابعها: المِلْك فقال في هذه الصِّفَة: في يَدِ فُلان، أي: في مِلْكِه قال تعالى: {أية : ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} تفسير : [البقرة: 237] أي: يملِكُ ذلك. وخامسها: شِدَّةُ العِنَايَة والاخْتِصَاص، قال: {أية : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75]، والمراد: تخصيص آدم - عليه الصلاة والسلام - بهذا التَّشْرِيف، فإنَّه تعالى الخالق لجميع المخلوقات، ويُقَال: "يدي رَهْنٌ لك بالوَفَاء" إذا ضمنت له شَيْئاً. وإذا عُرِفَ هذا فَنَقُول: اليد في حقِّ اللَّه تعالى مُمْتَنِعٌ أن تكون الجارِحَة، وأما سائر المعاني فكُلُّهَا حَاصِلَة. وها هنا قَوْلٌ آخر: وهو أنَّ أبا الحسن الأشْعَرِي زعم في بَعْضِ أقواله: أنَّ اليد صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّه تعالى، وهي صِفَةٌ سِوى القُدْرَة، ومنْ شَأنِها التَّكْوِين على سَبِيل الاصْطِفَاءِ. قال: ويدلُّ عليه أنَّه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيده عِلة الكَرَامة لآدم واصْطِفَائه، فلو كانت اليدُ [عبارة] عن القُدْرَةِ لامْتَنَع كونُه - عليه الصلاة والسلام - اصطُفِيَ؛ لأنَّ ذلِكَ في جَميعِ المخْلُوقَات، فلا بُدَّ من إثْبَاتِ صِفَةٍ أخْرى وراءَ القُدْرة يقع بها الخَلْقُ والتَّكْوين على سبيلِ الاصْطِفَاء، وأكْثَرُ العُلَمَاء زَعَمُوا: أنَّ اليد في حقِّ اللَّه تعالى عِبَارَة عنِ القُدْرة وهذا مُشْكِلٌ؛ لأنَّ قُدْرةَ اللَّه واحِدَةٌ، ونصُّ القُرْآن نَاطِقٌ بإثْبَات اليدين تارَةً وبإثْبَاتِ الأيْدي تارةً أخْرَى، وإن فَسَّرْتُمُوها بالنِّعْمة، فَنَصُّ القُرْآن ناطِقٌ بإثبات اليديْن، ونعم الله غير محدُودَةٍ، لقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} تفسير : [النحل: 18]. والجوابُ: إن اخْتَرْنَا تفسير اليد بالقُدْرَة، كان الجوابُ عن الإشْكَال المذكُور: أنَّ القوْم جعلوا قولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} كناية عن البُخْلِ، فأجيبوا على وِفْقِ كلامهم، فقيل: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطتانِ}، أي: ليس الأمْرُ على ما وَصَفْتُمُوه من البُخْلِ، بل هو جوادٌ على سَبيلِ الكمال، وأنَّ من أعْطَى بيده فَقَدْ أعْطَى عطاءً على أكْمَل الوُجُوهِ. وأمَّا إن اخترنَا تفسير اليد بالنِّعْمَةِ، كان الجوابُ عن الإشْكَال المذْكُور من وجهين: الأول: أنَّ التَّثْنِيَةَ بحسَبِ الجِنْسِ يُدخِلُ تحت كُلِّ واحدٍ من الجِنْسَيْنِ أنْوَاع لا نِهَايَة لها، نِعْمَة الدنيا ونعمة الدين، ونعمة الظاهر ونعمة الباطن، ونعمة النفع ونعمة الدفع، ونعمة الشدة ونعمة الرخاء. الثاني: أنَّ المُرادَ بالتَّثْنِيَةِ المُبَالَغَةُ في وَصْفِ النِّعْمة، ألا ترى قولك "لَبَّيْكَ"، معناه: مُساعدةٌ بعد مُسَاعَدة، وليس المراد [منه طاعتين] ولا مُساعدتَيْن، فكذلك الآيَة معناها: أنَّ النِّعْمَة مُتَظَاهِرَةٌ مُتَتَابِعَةٌ، ليْسَت كما ادَّعَى اليَهُودُ أنَّهَا مَقْبُوضَةٌ مُمْتَنِعَةٌ. قوله: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} في هذه الجملة خمسةُ أوجه: أحدها - وهو الظاهر -: أنْ لا محلَّ لها من الإعراب؛ لأنها مستأنفة. والثاني: أنها في محلِّ رفع؛ لأنها خبر ثان لـ "يَدَاهُ". والثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المستكنِّ في "مَبْسُوطَتَانِ"؛ وعلى هذين الوجهين؛ فلا بُدَّ من ضمير مقدَّرٍ عائدٍ على المبتدأ، أو على ذي الحال، أي: ينفقُ بهما، وحذفُ مثل ذلك قليلٌ، وقال أبو البقاء: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} مستأنفٌ، ولا يجوزُ أن يكون حالاً من الهاء - يعني في "يَدَاهُ" -؛ لشيئين: أحدهما: أنَّ الهاءَ مضاف إليها. والثاني: أنَّ الخبر يفْصِل بينهما، ولا يجوز أن تكون حالاً من اليدين؛ إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما. [قال شهاب الدين]: قوله: "أحدهما: أنَّ الهاء مضاف إليها" ليس ذلك بمانع؛ لأن الممنوع إنما هو مجيءُ الحَالِ من المضافِ إليه، إذا لم يكن المضافُ جزءاً من المُضافِ إليه، أو كجزئه أو عاملاً فيه، وهذا من النوع الأول، فلا مانع فيه، وقوله: "والثاني: أن الخبر يفصلُ بينهما" هذا أيضاً ليس بمانعٍ، ومنه: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72] إذا قلنا: إن "شَيْخاً" حالٌ من اسم الإشارة، والعامل فيه التنبيه. وقوله: "إذْ ليسَ فيها ضميرٌ" قد تقدَّم أن العائِدَ يُقَدَّر، أي: ينفق بهما. الرابع: أنها حالٌ من "يدَاهُ" وفيه خلافٌ - أعني مجيءَ الحالِ من المبتدأ - ووجه المنع: أنَّ العامل في الحالِ هو العالمُ في صاحبهَا، والعاملُ في صاحبها أمرٌ مَعْنَوِيٌّ لا لفظيٌّ، وهو الابتداء، وهذا على أحد الأقوال في العاملِ في الابتداء. الخامس: أنها حالٌ من الهاء في "يَدَاهُ"، ولا اعتبارَ بما منعه أبو البقاءِ؛ لما تقدَّم من تَصْحيح ذلك. و"كَيْفَ" في مثل هذا التركيب شرطيةٌ؛ نحو: "كيْفَ تكُونُ أكُونُ" ومفعولُ المشيئة محذوفٌ، وكذلك جوابُ هذا الشرط أيضاً محذوفٌ مدلولٌ عليه بالفعل السابق لـ "كَيْفَ"، والمعنى: يُنْفِقُ كما يشاءُ أنْ يُنْفِقَ يُنْفِقُ، ويبسطُ في السَّماء، كَيْفَ يشاء أنْ يَبْسُطَهُ يَبْسُطُهُ، فحذف مفعول "يَشَاءُ" وهو "أنْ" وما بعدها، وقد تقدَّم أن مفعول "يشَاء" و"يُريد" لا يُذْكران إلا لغرابتهما، وحذفَ أيضاً جواب "كَيْفَ" وهو "يُنْفِقُ" المتأخرُ و "يَبْسُط" المتأخرُ؛ لدلالة "يُنْفِقُ ويَبْسُطُ" الأولين، وهو نظيرُ قولك: "أقومُ إنْ يَقُمْ زَيْدٌ"، ولا جائزٌ أن يكون "يُنْفِق" المتقدمُ عاملاً في "كَيْفَ"، لأنَّ لها صدر الكلامِ، وما له صدرُ الكلام لا يعمل فيه إلا حرفُ الجر أو المضاف. وقال الحوفيُّ: "كَيْفَ" سؤالٌ عن حال، وهي نصبٌ بـ "يَشَاء"، قال أبو حيان: "ولا يُعْقَلُ هنا كونُها سُؤالاً عن حال"، وقد تقدم الكلامُ عليها مشبعاً عِنْدَ قوله: {أية : يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 6]. فصل ومعنى {يُنفِقُ كَيفَ يَشَاءُ} أي: يَرْزُق كيف يُريد وكيف يشاءُ، إن شاء قَتَّر، وإن شاء وَسَّعَ. وقال تعالى: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} تفسير : [الشورى: 27]. وقال تعالى: {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26]. وقال عزَّ وجلَّ: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} تفسير : [آل عمران: 26]، وهذه الآية ردّ على المعتزلة؛ لأنَّهُم قالوا: يَجِبُ على اللَّه إعْطَاء الثَّوَاب للمُطِيع، ويجبُ عليه ألاَّ يُعاقِبَهُ، فَهَذَا المَنْعُ والقَيْدُ يَجْري مُجْرَى الغلّ، فهم في الحقيقة [قائلون بأنَّ يَدَ الله مَغْلُولة]. وأمَّا أهْلُ السُّنَّةِ - رضي الله عنهم - [فهُمُ] القَائِلُونَ: بأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ، وليس لأحدٍ عليه اسْتِحْقَاقٌ ولا اعتِرَاضٌ، كما قال تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 17] فقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} لا يسْتَقِيم إلا على هذا المَذْهَبِ. قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} والمراد بالكثير: علماء اليهود، يعني: ازدَادُوا عند نُزُولِ ما أنْزِل إليك من رَبِّكَ من القرآنِ والحُجَجِ غُلُواً في الكُفْرِ والإنكَار، كما يُقال: "ما زادَتْكَ الموْعِظَةُ إلا شَرّاً"، وهم كُلَّما نزلت آيةٌ كَفَرُوا بها فازْدَادُوا طُغْيَاناً وكُفْراً. وقيل: إقامَتُهُمْ [على الكُفْر] زِيَادَةٌ مِنْهُمْ في الكُفْر. قوله تعالى: "ما أنْزِلَ" "مَا" هنا موصولةٌ اسميَّة في محلِّ رفع؛ لأنها فاعل بقوله: "ليزِيدَنَّ"، ولا يجوزُ أن تكون "مَا" مصدريةً، و"إلَيْكَ" قائمٌ مقام الفاعل لـ "أُنْزِلَ"، ويكون التقديرُ: "وليَزِيدَنَّ كَثِيراً الإنْزَالُ إلَيْكَ"؛ لأنه لم يُعْلَمْ نفسُ المُنَزَّلِ، والذي يزيدهُمْ إنما هو المُنَزَّلُ، لا نفسُ الإنزال، وقوله: "مِنْهُمْ" صفةٌ لـ "كَثِيراً" فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، و"طًغْيَاناً" مفعولٌ ثان لـ "يَزيد". فصل دلّ هذا الكلامُ على أنَّه تعالى لا يُرَاعى مصالح الدِّين والدُّنيا؛ لأنَّه تعالى عَلِمَ أنَّهم يَزْدَادُون عند إنْزالِ تِلْك الآيَاتِ، [كفراً وضلالاً، فلو كانَتْ أفعَالُه مُعَلَّلَة برعاية المصالِحِ للعباد، لامْتَنَع عليه إنْزَال تلك الآيات] فلما أنْزَلَهَا عَلِمْنَا أنَّهُ تعالى ما يُرَاعي مصالح العِبَادِ، ونظيرُه قوله تعالى: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125]، فإن قالوا: عَلِمَ اللَّه تعالى من حَالِهِم سواءً أنْزَلَهَا أو لم يُنْزِلْها، فإنَّهُم يأتون بتلكِ الزِّيَادة من الكُفْرِ، فلهذَا حَسُن منه تعالى إنْزَالُها. قلنا: فَعلى هذا التَّقْدير لم يكن ذلك الازْديَادُ لأجل تِلكَ الآيات، وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدِيَاد الكفر إلى إنْزال تِلْكَ الآياتِ بَاطِلاً، وذلِكَ تكذيبٌ لنَصِّ القُرْآن. قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} الضمير في "بَيْنَهُم" يجوز أن يعود على اليَهُود والنَّصَارى؛ لتقديم ذكرهم، ولاندراج الصِنْفَيْن في قوله تعالى:{يا أهْلَ الكِتَابِ}، ويجُوزُ أن يعُودَ على اليَهُود وحْدَهُم، لأنَّهُم فِرَقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فعلى هذين قال الحسن ومجاهد: يعني بين اليَهُود والنَّصارى، لأنَّ ذكرهم جرى في قوله: {لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى}، وقيل: بين فِرَق اليهُود، فإنَّ بعضهم جَبْرِيَّةٌ، وبعضَهم قَدَرِيَّةٌ، وبعضهم [مُوَحِّدَة] وبعضهم مُشَبِّهَة، وكذلك بين فرقِ النَّصَارى كالمَلْكَانِيَّة والنَّسْطُوريَّةِ واليَعْقُوبِيَّةِ. فإن قيل: فهذا المعنى حَاصِلٌ بين فرقِ المُسْلمين، فكيف يمكن جعلهُ عَيْباً في اليَهُودِ والنَّصَارى؟ فالجواب: أنَّ هذه البدَعَ إنَّما حدثَتْ بعدَ عصر الصَّحَابةِ والتَّابعين، أما في ذلك الزَّمَانِ فلم يكن شَيءٌ من ذَلِك، فلا جَرَمَ حَسُنَ جَعْل ذلك عَيْباً في اليَهُود والنَّصَارى. ووجْهُ اتِّصَال هذا الكلام بما قَبْلَهُ: أنَّه تعالى بيَّن أنَّهُم إنَّما يُنْكِرُون نُبُوَّتَه بعد ظُهُور الدَّلائِلِ على صِحَّتِها لأجل الحَسَدِ، ولأجل حُبِّ الجَاه والمال والسَّعادة، فلمَّا رجَّحُوا الدُّنْيَا على الآخِرَة لا جَرَم حَرَمهم سعادَة الدِّين، فلذلك حَرمَهم سَعَادةَ الدُّنْيَا؛ لأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُم مُصِرٌّ على مذهبه، ومُبَالِغٌ في نصرته، ويَطْعَنُ في كل ما سِوَاه من المذاهِب تَعْظِيماً لِنَفْسِه وتَرْويجاً لمذهَبِهِ، فصار ذلك سَبَباً لوقوع الخُصُومَة الشَّدِيدَة بين فرقِهم، انْتَهى الأمر فيه إلى أنَّ بَعْضَهُم يُكَفِّر بَعْضاً. وقوله تعالى: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} متعلِّقٌ بـ "ألقَيْنَا"، ويجوز أن يتعلَّق بقوله: "والبغْضَاءَ"، أي: إنَّ التباغُضَ بينهم إلى يوم القيامة، ولا يجوزُ أن يتعلَّقَ بالعداوةِ؛ لئلا يَلْزَم الفصْلُ بين المصدَرِ ومعموله بالأجنبيِّ، وهو المعطوفُ؛ وعلى هذا: فلا يجوزُ أن تكون المسألةُ من التنازُع؛ لأن شرطه تسلُّطُ كلٍّ من العاملَيْن، والعاملُ الأولُ هنا لو سُلِّط على المتنازع فيه، لم يَجُزْ للمحذورِ المذكور، وقد نَقَل بعضُهُمْ: أنه يجوز التنازُعُ في فعلي التعجُّبِ مع التزامِ إعمال الثاني؛ لأنه لا يُفْصَل بين فعْلِ التعجُّبِ ومعموله، وهذا مثلُه، أيْ: يُلْتَزَمُ إعمالُ العامل الثاني، وهو خارجٌ عن قياسِ التنازُعِ، وتقدَّم لك نظيره، والفرقُ بين العداوة والبغضاء: أن العداوَةَ كلُّ شيء مشتهرٌ يكون عنه عَمَلٌ وحَرْبٌ، والبغضاءُ لا تتجاوزُ النفُوسَ، قاله ابن عطيَّة وقال أبو حيان: "العداوة أخَصُّ من البغضاء؛ لأنَّ كلَّ عَدُوٍّ مُبْغَضٌ، وقد يُبْغَضُ مَنْ لَيْس بعدُوٍّ". قوله تعالى: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ}، وهذا نوْع آخر من أنْوَاع المِحَنِ في اليهُود، وهو أنَّهُم كلّما همُّوا بأمر من الأمُور جُعِلوا فيه خَاسِرِين خَائِبِين مَقْهُورين مَغْلُوبين. قال المفسرون: يعني اليهود أفسدوا وخَالَفُوا حُكْمَ التَّوْراة، فبعث الله عليْهم بُخْتَنَصَّرَ ثُمَّ أفْسَدُوا فَبَعَثَ عَلَيْهَم طيطوس الرُّومِي، ثم أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عليهمُ المجُوسَ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهمُ المُسْلِمين. وقيل: كُلَّمَا أجْمَعُوا أمْرَهُمْ ليُفْسِدوا أمْرَ محمَّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأوْقَدُوا ناراً لِمُحاربته أطْفَأهَا اللَّهُ، فردَّهم وقَهَرَهُم ونصر دينَهُ ونبيَّهُ، وهذا قول الحَسَن وقال قتادة: هذا عامٌّ في كل حرب طَلَبْتَهُ اليهود، فلا تَلْقَى اليهود في بلد إلا وجَدْتَهُم من أذَلِّ النَّاسِ. قوله تعالى: "لِلْحَرْبِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بـ "أوْقَدُوا"، أي: أوقدوها لأجْلِ الحرب. والثاني: أنه صفة لـ "نَاراً" فيتعلَّق بمحذوف، وهل الإيقادُ حقيقةٌ أو مجازٌ؟ قولان. و"أطْفَأهَا الله" جواب "كُلَّمَا"، وهو أيضاً حقيقةٌ أو مجازٌ؛ على حسب ما تقدَّم، والحربُ مؤنثةٌ في الأصل مصدر وقد تقدَّم الكلام عليها في البقرة، وقوله: "فَسَاداً" قد تقدَّم نظيره [الآية 33 من المائدة]، وأنه يجوز أن يكون مصدراً من المعنى؛ وحينئذ لك اعتباران: أحدهما: ردُّ الفعل لمعنى المصدر، والثاني: ردُّ المصدر لمعنى الفعْلِ، وأن يكون حالاً، أي: يَسْعَوْن سعيَ فسادٍ، أو: يُفْسِدُونَ بسعيهم فَسَاداً، أو: يَسعوْن مُفْسِدين، وأن يكون مفعولاً من أجله، أي: يَسْعَوْنَ لأجْلِ الفساد والألف واللام في "الأرض" يجوزُ أن تكون للجنس وأن تكون للعهد. ثم قال: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}، وهذا يدُلُّ على أنَّ السَّاعي في الأرْضِ بالفَسَاد مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ.
البقاعي
تفسير : ولما لم تزل الدلائل على إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم، وجبوش البراهين تنجد، حتى انتشبت فيهم سهام الكلام أي انتشاب، قال تعالى معجباً من عامتهم بعد تعيين خاصتهم، معلماً بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن المنكر حتى تكلموا بأنكره، مشيراً إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم بأداة التأنيث: {وقالت اليهود} معبرين عن البخل والعجز جرأة وجهلاً بأن قالوا ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة: {يد الله} أي الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال {مغلولة} أي فهو لا يبسط الرزق غاية البسط، وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه على حياله أصلاً، كما قال تعالى: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء: 29] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلاً، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازاً عنه، كأنهما متعقبان على معنى واحد، حتى لو جاد الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، منه الاستواء "وقالت: في السماء" المراد منه - كما قاله العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان، قال في الكشاف: ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به. ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء، فقال معبراً بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليماً لنا كيف ندعو عليهم، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل: {غلت أيديهم} دعاء مقبولاً وخبراً صادقاً، عن كل خير، فلا تكاد تجد فيهم كريماً ولا شجاعاً ولا حاذقاً في فن، وإن كان ذلك لم تظهر له ثمرة {ولعنوا} أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم {بما قالوا} والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها، وسكت عليه الباقون فشاركوه، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق، وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمناً أن الأمر ليس كما قالوا، ترجمة سبحانه بقوله: {بل يداه} وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم {مبسوطتان} مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم. ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال، قال مصرحاً بالمقصود معرفاً أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض: {ينفق} ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقاً للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر، أشار إلى التعجيب من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا الموطن شرط، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد دائماً من تقتير وبسط وغير ذلك. ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كافٍ في تقبيحه بل تقبيح ما هو دونه في الفحش، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح البيان، قال سبحانه عاطفاً على {أية : وترى كثيراً منهم} تفسير : [المائدة: 62] مؤكداً لمضمون ما سبق من قوله {أية : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً}تفسير : [المائدة: 41] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي هم به أعرف منهم بأبنائهم: {وليزيدن كثيراً منهم} أي ممن أراد الله فتنته، ثم ذكر فاعل الزيادة فقال: {ما أنزل إليك} أي على ما له من النور وما يدعو إليه من الخير {من ربك} أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى {طغياناً} أي تجاوزاً عظيماً عن الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ، وذلك بما جره إليهم داء الحسد، لأنهم كلما رأوه سبحانه قد زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك الإحسان، وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم الدليل عليه والبرهان، فيكون أعدى العدوان {وكفراً} أي ستراً لما ظهر لعقولهم من النور, ودعت إليه كتبهم من الخير، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء الصباح، وكلما قوي الضياء زاد أذاه، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم، أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقاً ما وجدوا قوة، فإن ضعفوا فنفاقاً. ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفاً من كيدهم، نفى ذلك بقوله {وألقينا} أي بما لنا من العظمة الباهرة {بينهم} أي اليهود {العداوة} ولما كانت العداوة - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ربما زالت بزوال السبب، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله: {والبغضاء} أي لأمور باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو {إلى يوم القيامة}. ولما كان ذلك مفيداً لوهنهم ترجمه بقوله: {كلما أوقدوا} على سبيل التكرار لأحد من الناس {ناراً للحرب} أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها {أطفأها} أي خيّب قصدهم في ذلك {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، فلا تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر، وأصل استعارة النار لها ما في كل منهما من التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن، مع أن المحارب يوقد النار في موضع عال ليجتمع إليه أنصاره، ولقد قام لعمري دليل المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة، والقبائل الثلاث بالمدينة لم يتناصروا ولم ينصروا، ثم غزوة خيبر وأهل فدك ووادي القرى وهم متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا، هذا فيما في خاصتهم، وأما في غير ذلك فقد ألبّوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا في أمرهم على زعمهم المكايد، ثم أطفأ الله نارهم حساً ومعنى بالريح والملائكة، وألزمهم خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين إليهم، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله: {ويسعون} أي يوجدون مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام {في الأرض} أي كل ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة. ولما كان الإنسان لكونه محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلاً عن أن يمشي فضلاً عن أن يسعى إلا بما يرضي الله، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله لكونه آمراً به خالقاً له، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة على الفساد، صرح به في قوله: {فساداً} أي للفساد أو ذوي فساد {والله} أي والحال أن الذي له الكمال كله {لا يحب المفسدين *} أي لا يفعل معهم فعل المحب، فلا ينصر لهم جيشاً، ولا يعلي لهم كعباً، ولا يصلح لهم شأناً، وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عيهم من عذابه بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك قريباً عما بين أيديهم من التوراة بنصه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس. قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق. فأنزل الله {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {وقالت اليهود يد الله مغلولة} نزلت في فنحاص رأس يهود قينقاع. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {وقالت اليهود يد الله مغلولة...} الآية. قال: نزلت في فنحاص اليهودي. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قال: أي بخيلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثوقة ولكن يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {مغلولة} يقولون: إنه بخيل ليس بجواد. وفي قوله {غلت أيديهم} قال: أمسكت عن النفقة والخير. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً "أن يحيى بن زكريا سأل ربه فقال: يا رب، اجعلني ممن لا يقع الناس فيه. فأوحى الله يا يحيى هذا شيء لم أستخلصه لنفسي كيف أفعله بك؟ اقرأ في المحكم تجد فيه {أية : وقالت اليهود عُزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]. وقالوا {يد الله مغلولة} وقالوا وقالوا...". وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: إذا بلغك عن أخيك شيء يسوءك فلا تغتم، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة أجلت، وإن كانت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها. قال: وقال موسى: يا رب، أسالك أن لا يذكرني أحد إلا بخير. قال "ما فعلت ذلك لنفسي". وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: قال موسى: يا رب، أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير. قال "ما فعلت ذلك لنفسي". وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: حديث : قال موسى: يا رب، احبس عني كلام الناس. فقال الله عزوجل "لو فعلت هذا بأحد لفعلته بي" . تفسير : قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}. أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذرعن ابن مسعود قرأ {بل يداه مبسوطتان}. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سخاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه. قال: وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبض يرفع ويخفض ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} قال: حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه، وهم يجدونه عندهم مكتوباً. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال: قالت العلماء فيما حفظوا وعلموا: أنه ليس على الأرض قوم حكموا بغير ما أنزل الله إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء، وقال: ذلك في اليهود حيث حكموا بغير ما أنزل الله {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} قال: اليهود والنصارى. وفي قوله {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} قال: حرب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} قال: كلما اجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله وأطفأ حدهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} قال: أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس، وهم أبغض خلق الله تعمية وتصغيراً باعمالهم أعمال السوء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وفي قوله عن الحسن {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} قال: كلما اجتمعت السفلة على قتل العرب.
التستري
تفسير : قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}[64] وقال: يعني حكمه وأمره ونهيه نافذ في ملكه.
القشيري
تفسير : صغَّر سوء قالة الموحِّدين - في اغتياب بعضهم لبعض بعد ما كانوا بالتوحيد قائلين وبالشهادة ناطقين - بالإضافة إلى ما قاله الكفار من سوء القول في الله؛ يعني أنهم وإن أساءوا قولاً فلقد كان أسوأ قولاً منهم مَنْ نَسبَنَا إلى ما نحن عنه مُنَزَّهٌ، وأَطلق في وصفنا ما نحن عنه مُقدَّسٌ. ثم إن الحق - سبحانه قال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} فلا ريح الصدق يشمون، ولا نَفَساً من الحقِّ يجدون. ثم أثنى على نفسه فقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي بل قدرته بالغة ومشيئته نافذة، ونعمته سابغة وإرادته ماضية. ويقال {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي يرفع ويضع، وينفع ويدفع، ولا يخلو أحدٌ عن نِعَمِ النفع وإن خلا عن نعم الدفع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} اشارة الله سبحانه عن التمثيل والتصوير الى يد القدم ويد البقاء --- اطفائية الاولياء والصديقين بمعرفته ومحبته وذلك تقاضاء الارادة القديمة من القدرة القائمة ---- ايجاد الصفوة فتجلى القدرة بالمشية الازلي للعدم فظهرت من العدم بنور القدم ارواح اهل الولاية --- القدرة واتفقت عينها انوار المشاهدة ورتبها برزق القدرة والوصلة حتى ادخلتها الاشباح واوصلتها الى --- قربتها يدا البقاء بقريات الابدية ومداناة السرمدية ففى كل لحظة يتجلى لها القدم الف الف مرة بتجلى البقاء لهم ---- لمحة الف الف مرة بغير نعنت الفترة والانقطاع لانه تعالى لانهاية لجلال قدمه وجمال بقائه وايضا يد لطفه مبسوطة --- الواسطعة الازلية الاهن العناية والسعادة ويد قهره مبسوطة بالعذاب لاهل الشقاوة ترفع قوما بميزان اللطف --- أخر من الميزان القهر قال عليه السلام يد الله ملأ لا تغيضها نفقة سحاء الليل ولانهار رارايتم يخفض ويرفع قال --- بل قدرته بالغة ومشيته نافذة ونعمته سابغة وارادته ماضية.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالت اليهود} قال المفسرون ان الله تعالى قد بسط النعمة على اليهود حتى كانوا من اكثر الناس مالا واخصبهم ناحية فلما عصوا الله فى شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة فعند ذلك قالت اليهود {يد الله مغلولة} اى مقبوضة ممسكة عن العطاء. وغل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد فى ذلك الى اثبات يد وغل او بسط قال الله تعالى {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} تفسير : [الإسراء: 29]. اى لا تمسكها عن الانفاق {غلت ايديهم} دعاء عليهم بالبخل المذموم والمسكة اى امسكت ايديهم عن الانفاق فى الخير وجعلوا بخلاء واليهود ابخل الناس ولا امة ابخل منهم {ولعنوا} اى ابعدوا وطردوا من رحمة الله تعالى {بما قالوا} اى بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء وهذا الدعاء عليهم تعليم للعباد والا فهو اثر العجز تعالى الله عن ذلك علوا كبير {بل يداه مبسوطتان} اى ليس شأنه عز وجل كما وصفتموه بل هو موصوف بغاية الجود ونهاية الفضل والاحسان وهذا المعنى انما يستفاد من تثنية اليد فان غاية ما يبذله السخى من ماله ان يعطيه بيديه جميعا ويد الله من المتشابهات وهى صفة من صفات الله تعالى كالسمع والبصر والوجه ويداه فى الحقيقة عبارة عن صفاته الجمالية والجلالية وفى الحديث "حديث : كلتا يديه يمين". شعر : اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغما جه دشمن جه دوست تفسير : {ينفق كيف يشاء} اى هو مختار فى انفاقه يوسع تارة ويضيق اخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصى ان يضيق عليهم: وفى المثنوى شعر : جونكه بدكردى بترس ايمن مباش زانكه تخسمت وبروياند خداش جند كاهى او بيوشاند كه تا آيدت زان بديشيمان وحيا بارها بوشد بى اظهار فضل باز كيرد ازبى اظهار عدل تاكه اين هر دوصفت ظاهرشود آن مبشر كردد اين منذر شود تفسير : {وليزيدن كثيرا منهم} وهم علماؤهم ورؤساؤهم. قوله كثيرا مفعول اول ليزيدن {ما انزل اليك من ربك} وهو القرآن وما فيه من الاحكام وهو فاعل يزيدن {طغيانا وكفرا} مفعول ثان للزيادة اى ليزيدنهم طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم القديمين اما من حيث الشدة والغلو واما من حيث الكم والكثرة اذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار كما ان الطعام الصالح للاصحاء يزيد المرضى مرضا {والقينا بينهم} اى بين اليهود فان بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة اما الجبرية فهم الذين ينسبون فعل العبد الى الله تعالى ويقولون لا فعل للعبد اصلا ولا اختيار وحركته بمنزلة حركة الجمادات. واما القدرية فهم الذين يزعمون ان كل عبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصى بتقدير الله. واما المرجئة فهم الذين لا يقطعون على اهل الكبائر بشىء من عفو او عقوبة بل يرجعون الحكم فى ذلك اى يؤخرونه الى يوم القيامة واما المشبهة فهم الذين شبهوا الله تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالمحدثات {العداوة والبغضاء} اى جعلناهم مختلفين فى دينهم متباغضين كما قال تعالى {أية : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} تفسير : [الحشر: 14]. [فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق اقوالهم والجملة مبتدأة مسوقة لازاحة ما عسى يتوهم فى ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على امر يؤدى الى الاضرار بالمسلمين. قيل العداوة اخص من البغضاء لان كل عدو مبغض بلا عكس كلى {الى يوم القيمة} متعلق بالقينا {كلما اوقدوا نارا للحرب} اى كلما ارادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم واثارة شر عليه {أطفأها الله} اى ردهم الله وقهرهم بان اوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم: وفى المثنوى خطابا من قبل الله تعالى الى حضرة صاحب الرسالة عليه السلام شعر : هركه درمكر تودارد دل كرو كردنش را من زنم توشاد شو بر سر كوريش كوريهانهم اوشكر بندارد وزهرش دهم جيست خود آلاجق آن تركمان بيش باى نره بيلان جهان آن جراغ اوبه بيش صرصرم خودجه باشد اى مهين بيغمبرم تفسير : {ويسعون فى الأرض فسادا} اى يجتهدون فى الكيد للاسلام واهله واثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بايقاد نار الحرب. وفسادا اما مفعول له او فى موضع المصدر اى يسعون للفساد او يسعون سعى فساد {والله لا يحب المفسدين} ولذلك اطفأ نائرة افسادهم ولا يجازيهم الا شرا. وعلم ان الله تعالى مهما وكل الانسان الى حساسة طبعه وركاكة نظره وعقله فلا يترشح منه الا ما فيه من الاقوال الشنيعة والافعال الرذيلة ولذلك قالت اليهود يد الله مغلولة: ونعم ما قال فى المثنوى شعر : درزمين كرنيشكرورخودنى است ترجمان هر زمين نبت وى است تفسير : واهل الحسد يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ولكن لا يزيدهم الحسد الا الطغيان فكما ان مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك فوائد قوم عند قوم مصائب. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان جماعة السيد البخارى حسدوا لنا حتى قصدوا القتل بالسلاح واشتغلوا بالاسماء القهرية على حسب طريقهم فلم اقاتل دفعا للفتنة ثم رأيت فى موضع قرب جامع السيد البخارى قد اخذ طريقى ماء عظيم فلم يبق الا طريق ضيق فلما قربت منه لم يبق اثر من الماء ثم انه مات كثير من تلك الجماعة ولكن لم اباشر انا فى حقهم شيئاً قال كيف اميل الى مشيختهم وتصرف ثمانية عشر الف عالم بيدى بقدرة الله تعالى فى الباطن وان كنت عاجزا فى الظاهر ـ وحكى ـ ان مولانا جلال الدين اشتغل عند صلاح الدين شركوه بعد المفارقة من شمس الدين التبريزى فلما سمعه بعض اتباع مولانا ارادوا قتله فارسل اليه مولانا ابنه السلطان ولد فقال الشيخ صلاح الدين ان الله تعالى اعطانى قدرة على قلب السماء الى الارض فلو اردت اهلكتهم بقدرة الله تعالى لكن الاولى ان ندعو لاصلاحهم فدعا الشيخ فامن السلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا اللهم بحق اصفيائك خلصنا من رذائل الاوصاف وسفساف الاخلاق انك انت القادر الخلاق.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية عن اليهود انها قالت: إِن {يد الله مغلولة} وقيل في معني {مغلولة} قولان: أحدهما قال ابن عباس وقتادة، والضحاك: إِن المراد بذلك أنها مقبوضة من العطاء على وجه الصفة له بالبخل كما قال تعالى { أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } تفسير : وانما قالوا ذلك لما نزل قوله {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً }تفسير : قالوا: إِن رب محمد فقير يستقرض منا فأنزل الله هذه الآية. الثاني قال الحسن معناه انها مقبوضة عن عذابنا. وقال البلخي يجوز ان يكون اليهود، قالوا قولا واعتقدوا مذهباً معناه يؤدي الى ان الله يبخل في حال ويجود في حال أخرى، فحكى الله تعالى ذلك على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم. ويجوز أن يكون ذلك على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم. ويجوز ان يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم يوسِّع على النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى أصحابه. وليس ينبغي أن يتعجب من قوم يقولون لموسى: {إِجعل لنا إِلهاً كما لهم آلهة} ومن اتخذ العجل إِلهاً، ومن زعم أن ربه أبيض الرأس واللحية جالس على كرسي، كيف يقولون إِن الله يبخل مرة ويجود اخرى. وقال الحسين بن علي المغربي حدثني بعض اليهود الثقات منهم بمصر ان طائفة قديمة من اليهود قالت ذلك بهذا اللفظ. وأما اليد فانها تستعمل على خمسة أوجه: أحدها - الجارحة. والثاني - النعمة. الثالث - القوة. الرابع - الملك. الخامس - تحقيق إِضافة الفعل، قال الله تعالى {أية : أولي الأيدي والأبصار }تفسير : معناه القوى ويقال لفلان على فلان يد أي نعمة وله علي يد أشكرها أي نعمة. وقال الشاعر: شعر : له في ذوي الحاجات أيد كأنها مواقع ماء المزن في البلد القفر تفسير : ومثل ذلك يقولون له عليه صنع حسنة. وقوله {أية : الذي بيده عقدة النكاح } تفسير : معناه من يملك ذلك وقوله {أية : لما خلقت بيدي }تفسير : أي توليت خلقه. وقوله {غلت أيدهم} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الزجاج وغيره معناه الزموا البخل على مطابقة الكلام الأول فهم أبخل الناس. الثاني - قال الحسن وأبو علي {غلت أيديهم} في جهنم. وقوله {ولعنوا بما قالوا} أي أبعدوا من رحمة الله وثوابه. وقوله {بل يداه مبسوطتان} تكذيب منه تعالى لما قالوا وإِخبار أن يديه مبسوطتان أي نعمه مبسوطة. وقيل في وجه تثنية اليد ثلاثة أقوال: أحدها - أنه أراد نعمة الدنيا ونعمة الدين أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. الثاني - قال الحسن معناه قوتاه بالثواب والعقاب والغفران والعذاب بخلاف قول اليهود إِن يده مقبوضة عن عذابنا. الثالث - أن التثنية للمبالغة في صفة النعمة مثل قولهم: لبيك وسعديك، وكما يقول القائل: بسط يديه يعطي يمنة ويسرة ولا يريدون الجارحة وإِنما يريدون كثرة العطية وقال الاعشى: شعر : يداك يدا مجد فكف مفيدة وكف إِذا ما ضن بالزاد تنفق تفسير : وقوله تعالى {ينفق كيف يشاء} معناه يعطي من شاء من عباده ويمنع من شاء منهم، لأنه متفضل بذلك ويفعل حسب ما تقتضيه المصلحة. وقوله {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} أي وسيزدادون عند ذلك طغياناً وكفراً لأن القرآن لا يفعل شيئاً من ذلك، كما يقول القائل: وعظتك فكانت موعظتي وبالاً عليك. وما زادتك إِلا شراً أي انك ازددت عندها شراً. وذلك مشهور في الاستعمال. والطغيان هنا هو الغلو في الكفر. وقوله {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} قيل فيه قولان: أحدهما - إِن المراد بذلك بين اليهود والنصارى على ما قلناه في قوله {أية : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } تفسير : هذا قول الحسن ومجاهد. وقد جرى ذكرهم في قوله {أية : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء}. تفسير : الثاني - ان الكناية راجعة على اليهود خاصة. والمراد ما وقع بينهم من الخلاف بين الاشمعينية والعنانية وغيرهم من طوائف اليهود ذكره الرماني. وبماذا القي بينهم العداوة والبغضاء؟ قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبو علي بتعريف اليهود قبح مذهب النصارى في عبادة المسيح وبتعريف النصارى قبح مذهب اليهود في الكفر بالمسيح. الثاني - قال الرماني بوضع البغضاء عقاباً على الاختلاف بالباطل. وقوله {إلى يوم القيامة} فيه دلالة على أنهم لا يجتمعون على مذهب واحد الى يوم القيامة. ولا بد أن يكون ذلك مختصاً بمن يعلم الله من حالهم انهم لا يؤمنون. وقوله {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد: لحرب محمد (صلى الله عليه وسلم) وفي ذلك دلالة ومعجزة، لأن الله أخبر عن الغيب وكان كما أخبر، لأن اليهود كانت أشد أهل الحجاز بأساً وأمنعهم داراً حتى أن قريشاً كانت تعتضد بهم والأوس والخزرج تستبق الى محالفتهم والتكثر بنصرتهم، فأباد الله حضراءهم واقتلع أصلهم فأجلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بني قينقاع وبني النضير، وقتل بني قريظة وشرد أهل خيبر وغلب على فدك ودان له أهل وادي القرى. فمحي الله آثارهم صاغرين وحقق بخبر نبيه (صلى الله عليه وسلم). وهذه كلمة مستعملة في اللغة في التشاغل بالحرب والاستعداد لها. قال عوف ابن عطية: شعر : إذا ما اجتنينا جنا منهل شببنا لحرب بعلياء نارا تفسير : الثاني - قال قتادة: هو عام. والمعنى إِن الله أذلهم بذاك لا يغزون أبداً وإِنما يطفئ الله بلطفه نار حربهم وما يوقي نبيه (صلى الله عليه وسلم) من نقض ما يبرمون. وما يطلعه عليه من أسرارهم ويمن به عليه من النصر والتأييد، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود {يسعون في الأرض فساداً} يعني بمعصية الله وتكذيب رسله ومخالفة أمره ونهيه، واجتهادهم في دفع الاسلام ومحو ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) من كتبهم، وذلك هو سعيهم بالفساد، ثم قال {والله لا يحب المفسدين} بعني لا يحب من كان عاملاً بمعاصيه في أرضه.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} غلّ اليد كناية عن الامساك والبخل وبسطها كناية عن الجود. اعلم، انّ لليهود مذاهب مختلفة وعقائد متشتتة وآراء مبتدعة فمنها اعتقادهم انّ الله جسم وانّه خلق السّماوات والارض وما فيها من المواليد فى ستّة ايّام، وآخر المخلوقات فى اليوم الآخر كان آدم (ع) وخلق له من ضلعه الايسر حوّاء واسكنه جنّة خلق له فى عدن ومنعه من اكل شجرة، واكلت حوّاء باغواء الشّيطان والحيّة من تلك الشّجرة وحملت آدم (ع) على الاكل وانّ الله ندم من خلق آدم (ع) وبنى آدم، وانّ الله فرغ من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السّبت وهو مستريح فارغ من الامر، فنقل تعالى قولهم الباطل وردّ عليهم ودعا عليهم بقوله {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} واليد كما سبق فى امثالها غير مختصّةٍ بالعضو المخصوص الّذى لذوى الحيوة الحيوانيّة، بل هى اسم لمعنى عامّ له مصاديق كثيرة ومترتّبة بعضها فوق بعضٍ، وهو معنىً ما به التّصرف بالحركة فى الجذب والدّفع والدّخل والخرج، وما به القدرة فى الانفاق والامساك والايجاد والاعدام وغير ذلك من لوازم التّصرّف، وهى فى الحيوان آلة مخصوصة مركّبة من اجسام مختلفة، وفى الانسان الملكىّ آلة اخرى وفى الانسان الملكوتىّ ايضاً آلة محسوسة غير ما للانسان الملكىّ، وفى الجبروتّى ليست آلة محسوسة بل امر معقول مجرّد عن المادّة ولوازم المادّة وعن التّقدّر والتّشكّل، والحقّ تعالى شأنه لمّا كان احدىّ الذّات لا كثرة لذاته بوجه من وجوه الكثرة ولا تركيب فيه بوجه من وجوه التّركيب، بل انيّته وجود صرف محيط بكلّ الكثرات بحيث لا يشذّ عن وجوده شيءٌ منها والا كان محدوداً مركبّاً، فهو بذاته الاحديّة مصداق لجميع الاسماء والصّفات المتقابلة بحيث لا يلزم منه تكثير ولا تركيب ولا تحديد، فانّ من حدّه بشيء فقد عدّه واثبت له ثانياً، ومن عدّه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّاه، ومن جزّاه فقد جهله، فمن وجوب وجوده يستدل على عدم تركّبه، ومنه على عدم تحدّده، ومنه على احاطته فهو بكلّ شيءٍ محيط. وهذا اتم البراهين الّتى اقامها الحكماء على احاطته بل هو اصل للكلّ والكلّ راجعٌ اليه فهو باحديّته مصداق الصّفات الحقيقيّة المحضة ومصداق الصّفات الحقيقيّة ذات الاضافة، ومصداق الاضافات والسّلوب تماماً فهو الحىّ العليم السّميع البصير المدرك القادر المريد المتكلّم الرّحمن الرّحيم الخالق الرّازق المبدء المعيد المتصرّف الهادى المفضل المضلّ المنتقم السّبّوح القدّوس، لكن هذه الاسماء غير ظاهرة فى مرتبته الاحديّة فانّها الغيب الّذى لا اسم له ولا رسم ولا خبر عنه ولا اثر بل هى ظاهرة فى مقام المعروفيّة المسمّاة بنفس الرّحمن والحقيقة المحمديّة والاضافة الاشراقيّة وعرش الرّحمن والولاية المطلقة والمشيّة والحقّ المخلوق به وغير ذلك من اسمائها، سوى الف الف اسم الله تعالى شأنه هى مصداقها فى مقام الظّهور وهى باعتبار نفسها من غير اعتبار حيثيّته وحيثيّة يد الله وباعتبار وجهها الى الله ووجهها الى الخلق، وباعتبار انضيافها الى الملكوت العليا والسّفلى، وباعتبار ظهور اللّطف والقهر فيها يدان لله وكلتا يديه يمين وباسط اليدين بالرّحمة فى هذا المقام، وباعتبار انضيافها الى المهيّات والاعيان الثّابتات تظهر فيها الاسماء المتقابلات من اللّطيف والقاهر والرّحيم والمنتقم ولكلّ صنف من اسمائه تعالى عالم هو محلّ ظهور فعالم الارواح والاشباح النّوريّة الّتى هى عالم المثال والفلكيّات تماماً مظاهر اسمائه اللّطيفة. والعالم السفلىّ الّذى هو عالم الشّياطين والجنّة ومقرّ الارواح الخبيثة وفيه الجحيم ونيرانها مظاهر اسمائه القهريّة، وعالم العناصر بمواليدها مظاهر اللّطف والقهر تماماً فأسماءه تعالى اللّطفيّة والقهريّة يداه تعالى وبهذا الاعتبار ايضاً كلتا يديه يمين ومظاهر الاسماء اللّطفيّة من عالم الارواح والسّماوات يمينه، {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67] والطّاوى والمطوىّ باعتبار الظّاهر والمظهر، والاّ فالسّماوات يمين والظّاهر فيه ايضاً يمين والظّاهر السّفلىّ شمال واصحاب اليمين اصحاب الشّمال اشارة الى اهل هذين العالمين، لكن كونهما يميناً وشمالاً باعتبارهما فى انفسهما لا بالاضافة اليه تعالى فانّ كّلاً منهما بالاضافة اليه تعالى يمين، ولذلك لم يرد فى كلامه تعالى شمال الله، بل اصحاب الشّمال واصحاب المشئمة بدون الاضافة، ولم يقل تعالى والارض جميعاً فى شماله مع انّ المناسب فى مقابل {وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} ان يقول والارض مقبوضة بشماله بل قال قبضته لا باسم اليمين ولا باسم الشّمال فباضافة العالمين اليه كلتا يديه يمين ايضاً، واذا اريد بالرّحمة، الرّحمة الرّحمانيّة فهو باسط اليدين بالرّحمة فى هذين العالمين ايضاً، واذا اريد اظهار الاضافة اللازمة لليمين والشّمال يقال يمين العالم وشمال العالم. اذا علمت ذلك فاعلم، انّه تعالى قيّوم ومعنى قيّوميّته انّ به تحصّل الاشياء وبقاءها ومعنى به بقاؤها ان لا بقاء لها فى انفسها الاّ بمبقيها {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} تفسير : [فاطر:15]، مثالها فى بقائها بمبقيها وفنائها فى انفسها، مثال ضوء الشّمس المنبسط على السّطوح فانّه من حيث اضافته الى السّطوح آناً فاناً فى الفناء بحيث لا يبقى ضوء على سطحٍ آنين، اذا اردت معرفة ذلك من طريق الحسّ فانظر الى ضوء منبسط على سطح من كوّة يكون بينها وبين ذلك السّطح مسافة بعيدة، فاذا انسدّ تلك الكوّة فنى ذلك الضوء من السّطح من غير تراخ ولولا فناؤه فى نفسه وبقاؤه بمبقيه الّذى هو الشّمس لبقى آناً ما بعد سدّ الكوّة، واذا كان حال الاشياء بالنّسبة الى الله تعالى حال الضّوء بالنّسبة الى الشّمس فلو لم يجد بافاضة الضّوء الحقيقىّ على سطوح المهيّات آناً، لفنت الاشياء فهو تعالى ابداً فى الافاضة والخلق والابداء، فيداه بمعانيهما الّتى عرفت مبسوطتان بالانفاق وكيفيّة انفاقه منوطة بمشيّته فمن قال قد فرغ من الامر جهل الامر وكذب على الله ولعن من باب معرفته وغلّت يداه العلمىّ والعملىّ الى عنقه. هذا فى العالم الكبير وكلّ ما فى العالم الكبير فهو بعينه فى العالم الصّغير من غير تفاوتٍ الاّ بالكبر والصّغر ما دام الصّغير صغيراً فالنّفس الامّارة كالعالم السّفلىّ واللّوامة وبدنه كعالم العناصر والمطمئنّة كالسّموات والقلب كالانسان واقع بين السّفلىّ والعلوىّ والرّوح والعقل كعالم الارواح؛ قلب المؤمن بين اصبعى الرّحمن، اشارة الى السّفل والعلو كاليدين فى الكبير ولكونه صغيراً عبّر عنهما بالاصبعين {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} اللاّم موطّئة ويزيدنّ جواب القسم، والسّرّ فيه انّهم لمّا تمكّنوا فى الكفر فكلّما قرع الحقّ سمعهم ازدادوا تنفرّاً واشمئزازاً منك ومن الحقّ لعدم السنخيّة فازدادوا حنقاً وكفراً {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ} فى القلوب {وَٱلْبَغْضَآءَ} فى الافعال لانّ ما به الاتّفاق والمحبّة هو الايمان والتّوجّه الى عالم الوفاق والوداد وهم بريئون منه {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} لعدم وفاقهم فأجسادهم عظيمة مجتمعة وقلوبهم ضعيفة شتّى {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} مفعول مطلق من غير لفظ الفعل ان كان السّعاية بمعنى الافساد والاّ فمفعول له، وافسادهم فى ارض عالمهم الصّغير بترك اصلاح اهله وصدّهم عن طريق القلب وفى الكبير بصدّ اهله عن طريق الايمان قيل: بافسادهم سلّط الله عليهم بُخت نصّر فاستأصلهم ثمّ فطرس الرّومىّ ثمّ المجوس ثمّ المسلمين {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} فلا قدر لهم عنده.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ}. قال بعضهم: قالوا: بخيل غير جواد، لِمَ يستقرضنا؟ قال الكلبي: كانوا من أخصب الناس وأكثرهم خيراً، فلما عصوا الله وبدّلوا نعمة الله كفراً كَفَّ الله عنهم بعض الذي كان بسط لهم، فعند ذلك قالت اليهود: كفّ الله يده عنا، فهي مغلولة. ولم يقولوا: مغلولة إلى عنقه، ولكن قالوا عن قول الله للنبي عليه السلام: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} أي فلا تنفق شيئاً (أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ) تفسير : [الإِسراء:29]، وذلك أن ينفق في معصية الله. قال الكلبي: وكذلك قالت اليهود: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} فلا يبسطها علينا بشيء. وقال مجاهد: قالوا: لقد تحمّدنا الله بقوله: يا بني إسرائيل، حتى جعل يده إلى نحره وكذبوا. قوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} قال الحسن: غلّت أيديهم في النار. قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} أي جواد، مبسوطتان، أي: بالنفقة ينفق كيف يشاء، وهو مثل قوله: (أية : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) تفسير : [الرعد:26]. قوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} وهم اليهود من بعد ما تبيّن لهم فكفروا به. وقال بعضهم: حملهم حسد محمد والعرب على أن كفروا به وهم يجدونه مكتوباً عندهم. قال: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} يعني اليهود والنصارى. {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} قال الحسن ومجاهد: {لِّلْحَرْبِ} يعني حرب محمد. قال الحسن: فأذلَّهم الله ونصره عليهم. قال الكلبي: كلما مكروا مكراً أطفأ الله نار مكرهم. وقال بعضهم: أولئك اليهود، فلم تجد اليهود ببلد إلا وجدتهم أذلَّ أهله. لقد جاء الإِسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس، أبغض خلق الله إليه، نقمة وتصغيراً لهم بأعمالهم، أعمال السوء. قال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} يعني يدعون فيها إلى خلاف دين الله وهم يعلمون ذلك. ثم قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقُوْا}. قال بعضهم: لو آمنوا بما أنزل الله واتقوا ما حرّم الله {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} قال بعضهم: إذاً لأعطتهم السماء قطرها، أو قال: بركتها، والأرض نباتها. وقال الحسن: لأوسعنا لهم في الرزق بهذا المطر. وهو قوله: (أية : وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ، [أي على الإيمان]، لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً) تفسير : [الجن:16] أي رَوَاء. وكقوله: (أية : فَقُلْتُ استْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) تفسير : [نوح: 10-11]. وإقامتهم التوراة والإِنجيل أن يؤمنوا بمحمد وما جاء به، لأنهم قد أمروا بذلك في كتابهم. قوله: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} أي متَّبعة، يعني من آمن من أهل الكتاب برسول الله وبما جاء به. قال: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} يعني من ثبت منهم على اليهودية والنصرانية.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ}: لما كان الانسان الذى غلت يده ولا يناول بها لغيره شيئاً، كانوا لعنهم الله بذلك، عن كونه تعالى ممسكا لا يعطى، كما يستعمل بسط اليدين كناية عن الجواد، والله تعالى منزه عن اليد وغلها وسائر الجوارح والجسيمة، أو كان اليهود القائلين لذلك مجسمة مثبتة للجوارح، فتكون الكناية فى لفظ مغلولة وحده، ومثله: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك }تفسير : وقيل معناه أنه فقير كقوله تعالى: {أية : لقد كفر الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء }تفسير : لحقتهم سنة وجهد لكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا أغنى الناس فقالوا: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} فكفروا باثبات اليد وبنسبته للبخل أو الفقر، أو باثبات الذل أو الفقر ولو نفوا اليد وذلك أنه لا يجوز لأحد أن يصف الله بما ينقص فى الظاهر ولو لم يرد معناه، فالكفر لازم لهم. ولو أرادوا بغل اليد عدم التوسعة عليهم بالرزق، وقائل ذلك فنحاص، ورضى غيره فنسب اليهم، وقيل: المعنى مغلولة عن عذابنا لا يعذبنا نحن أبناء الله وأحباؤه. {غُلَّتْ أَيدِيهِمْ}: فى جهنم الى أعناقهم، أخبار بأنها ستغل فيها، ولتحقق الوقوع بعد جعل غلها كأنه قد وقع، ويجوز أن يكون دعاء مصروفاً الينا، أى ادعوا أيها المؤمنون عليهم أن تغل أيديهم فى النار، جزاء على قولهم هذا، كذا ظهر لى، ثم رأيت بعض العلماء المتقدمين والحمد لله، وعبارة بعض أمر بالدعاء عليهم بأن تغل ويطرحوا فى النار. وقيل: المعنى أمسكت أيديهم عن كل خير، وطردوا عن رحمة الله، وهو اخبار، وقال الزجاج: انه اخبار عنهم بأنهم البخلاء وأنا الجواد الكريم، وقيل: أمرنا الله أن ندعو عليهم بغل الأيدى فى الدنيا بالأسر، وفى الآخرة باغلال النار أو بالبخل والنكد، فكانت اليهود أبخل الناس وأنكدهم، وعندنا يجوز مثل هذا الدعاء على الكافر، وقيل: لا يجوز فلا تفسر به الآية عند قائله الا ان أريد الدعاء بالخذلان المسبب للبخل والنكد، أو الدعاء بلازم البخل والنكد، وهو لصوق العار والتحدث عنهم بما يخزيهم ويمزق أعراضهم. وحاصله أنه وهو الزمخشرى منع الدعاء ولو على المشرك بما هو معصية. {وَلُعِنُوا بَمَا قَالُوا}: أبعدوا عن الجنة، أو عذبوا بالقتل والجزية، اخبار عما يقع ولا بد، أو أمر بالدعاء عليهم باللعنة بسبب ما قالوه، اخبار عما يقع ولا بد، أو أمر بالدعاء عليهم باللعنة بسبب ما قالوه، ويجوز أن تكون ما مصدرية، ويجوز أن يتنازعا: غلت ولعنوا فى قولهم بما قالوا، وقرىء باسكان عين لعنوا تخفيفاً من الكسر. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}: كناية عن سعة الانفاق فى الجملة، ولو ضيق عليهم فى وقت ولا اثبات فيه لليد الجارحة سواء أرادها اليهود فى قولهم: يد الله، أو أراد الكناية عن تضييق الرزق، وذلك أن غاية ما يعطى السخى بمناولة أن يعطى بكلتا يديه، تقول العرب: فلانا يعطى بكلتا يديه، وتريد التوسيع فى العطاء لا خصوص الكفين، فذلك هو بسبب التثنية، ولولا ذلك لقال: بل يده مبسوطة وكفى، اذ ليس موصوفاً باليد الجارجة فتثنى. ويجوز أن يكون المراد باليدين النعمتين كل واحدة منهما عامة فى جنسها احداهما نعمة الدنيا، والأخرى نعمة الآخرة، ودخل فيهما النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل: الأولى النعمة الظاهرة والأخرى النعمة الباطنة، ودخلت فيهما نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. وعن ابن عباس: يداه نعمتان، ففسره بعض بنعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وبعض الظاهرة والباطنة كما رأيت، فهذا نص من ابن عباس أنه يجوز أن يراد بالتثنية جنسين، كما يراد بالمفرد جنس، وبالجمع أجناس، لا كما قيل: التثنية لا يراد بها الاثنان معينان، تقول: أعجبنى الدرهمان، وتريد جنس الدرهم الذى هو سكة فلان، وجنس الدرهم الذى هو سكة فلان الآخر. ويجوز أن يكون المراد باليدين الملكين، ملك الدنيا وملك الآخرة، يقال: هذا الجنان فى يد فلان، وهذه البلاد فى يد فلان، أى فى ملكه قال الله تعالى: {أية : الذى بيده عقدة النكاح }. تفسير : ويجوز تفسير اليدين بالقدرتين، وقدرة الله ولو كانت لا تثنى لكن بحسب المقدور عليه، يجوز أن تثنى مثل أن يعتبر أنه قادر فى الدنيا والآخرة، كما تجمع القدر على أقدار، والأنسب فى التفسير الوجوه السابقة، والأولان أنسب، لأن المقام ذكر بسط النعمة، وما ساغ تفسير القدرة هنا الا لشمولها القدرة على البسط، واذا فسر يد الله مغلولة بأنه لا يعذب اليهود فى زعمهم، فسر {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} بمعنى أنه لا مانع له من تعذيبهم، وأنه متمكن منه، فثنى مبالغة فى القدرة، أو باعتبار عذاب الدنيا والآخرة. والحق هذه التأويلات أعنى الدخول فى التأويل والله أعلم، بأيها الصواب لا ما قالت أسلاف الأشعرية من الجمود على الايمان، بأن لله يدين لا يشبه بهما الخلق، ولا كيف لهما. وزعم الفخر عن أبى الحسن الأشعرى أن اليد صفة قائمة بالذات، وهى صفة سوى القدرة من شأنها التكوين وذلك خطأ، وأما ما قيل: انها لو كانت بمعنى القدرة لم يخص آدم بكونه مخلوقاً بيده، لأن قدرته فى خلق آدم وفى خلق غيره، فالجواب أنه خلق آدم بقدرة بلا واسطة آب وأم. {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}: يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء، ويوسع متى شاء، ويضيق متى شاء، بحسب قضائه وحكمته، والجملة مستأنفة أو خبر ثان ليداه، والعائد محذوف أى ينفق بهما كيف يشاء، وهذا العائد داخل فى التأويل السابق لا حال من يداه الا على قول من أجاز الحال من المبتدأ مطلقاً، وفصل بالخير كما فصل فى قوله تعالى: {أية : وهذا بعلى شيخاً }. تفسير : وأما مجىء الحال من المضاف اليه كالهاء هنا فجائز مطلقاً عند بعض، وبشرط أن يصلح المضاف لعمل الرفع والنصب، أو كونه جزء المضاف اليه، أو مثل جزئه عند بعض، والله منزه عن الجزء والكل معنى، وأما باعتبار اللفظ تعالى الله، فاللفظ من قبل كونه جزءاً تعالى الله عن ذلك، وعلى الحالية من المبتدأ، فالرابط محذوف أى يتفق بهما، وعلى الحالية من الهاء فالعائد ضمير ينفق، ويجوز كونها حالا من المستتر فى مبسوطتان، فالرابط محذوف كذلك وكيف حال من المستتر فى يشاء، ويشاء حال من المستتر فى ينفق. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم}: من اليهود متعلق بمحذوف نعت كثيراً، وكثيراً مفعول أول، وطغياناً مفعول ثانى، وما فاعل يزيد. {مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}: وهو القرآن وسائر الوحى. {طُغْيَانًا وَكُفْرًا}: قد كانوا من قبلهم طغاة كفرة، ومعنى الزيادة أنه كلما نزلت آية أو وحى، وبلغهم ذلك أنكروه وطعنوا، فالمؤمن يزداد بما نزل ايماناً، والموفق يدخل به فى الدين، وهؤلاء يزدادون به كفراً وطغياناً لاستحكام الكفر والعناد فيهم، كالغذاء الصالح ينفع الصحيح، ومن أراد الله من المرضى ويزداد به بعض المرضى مرضاً، وطغيان ظلم المؤمنين بما قدروا عليه من الطعن، وافساد المال وغير ذلك، والكفر كفرهم بالله ورسوله حملهم على ذلك حب الرئاسة والحسد للعرب. {وأَلقَيْنَا بَيْنَهُمُ}: بين اليهود. {العَدَاوَةَ وَالبَغْضَآءَ}: كل عدو مبغض، وبغض المبغض عدو. {إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ}: فكان بعضهم يكفر بعضاً، ويشبه الى ما هو شرك، فبعضهم جبرية، وبعض قدرية، وبعض موحدة، وبعض مشبهة، وبعض مجسمة، والتجسيم أيضاً تشبيه، فهم متعادون متخاصمون أشد الخصام الى يوم القيامة، وقال الحسن ومجاهد: {أَلقَيْنَا بَيْنَهُمُ} ألقينا بين اليهود والنصارى، فالنصارى أعداء لليهود أبداً، وقد جرى ذكرهم فى قوله تعالى: {أية : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء }تفسير : ، وعاب الله عليهم ولم يذكر معاداة الموحدين من هذه الأمة بعض لبعض، لاختلاف فرقهم، لأنه وجدت فرقهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء المتعادون المختلفون من اليهود والنصارى كان افتراقهم موجوداً فى زمانه صلى الله عليه وسلم، ولم تجترىء فرقة أن تقول: من أهل القبلة فلان إله أو ابن الله، ومن أثبت ما هو شرك فما وجوده الا كوجود اليهود والنصارى، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتتبعن سنة من قبلكم " تفسير : فمن سننهم التفرق، وقد افترقت الأمة أكثر مما افترقوا، وصح الحديث أنها كلها هالكة الا واحدة ولم يصح عسكه. {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلحَرْبِ}: لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللحرب متعلق بأوقدوا، والمحذوف نعت لنار، أو ايقاد النار كناية عن اثارة الشر هكذا، أى ما هو مكروه طبعاً، ثم بين أنهم يثيرونها للحرب، حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يتكرر قوله للحرب مع {أَوْقَدُوا نَارًا}. {أَطْفَأَهَا اللهُ}: أبطل فتنتهم التى يثيرونها بايقاع التنازع بينهم فيفشلون، كما تبطل النار بالماء، والظاهر أن قوله: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} استعارة مركبة شبه مجموع قصدهم لاثارة الشر، واثارته وقصد المضرة به مع ابطال الله ذلك بالقصد الى النار بالقلب، والى ايقادها بالجوارح، وقصد الحراق بها، ثم ابطالها بنحو الماء، وكل ظرف زمان متعلق بأطفأها، وما مصدرية، والمصدر ناب عن الزمان، فتحصلت لكل الظرفية باضافتها اليه. وقيل: المراد بالحرب كل حرب أرادوها فانهم من حين خالفوا التوراة لم ينصروا، أفسدوا فسلط الله عليهم بخت نصر، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومى، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين، وهم فى حكم المجوس حين سلط الله المسلمين عليهم، قال قتادة: لا تجدهم فى بلد الا أذل الناس، وما تقدم من أن الحرب حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قول الحسن ومجاهد. {وَيَسْعَونَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا}: يجتهدون فى المكر واثارة الحروب والفتن، وفى كل ما يبطلون به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَاللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ}: فيعاقبهم اليهود، لأنهم من جملة المفسدين المستوجبين للعقاب.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة والضحاك قالوا: إن الله تعالى قد بسط لليهود الرزق فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم / كف عنهم ما كان بسط لهم، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء رأس يهود قينقاع، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما النباش بن قيس {يَدُ ٱللَّهِ} عز وجل {مَغْلُولَةً} وحيث لم ينكر على القائل الآخرون ورضوا به نسبت تلك العظيمة إلى الكل، ولذلك نظائر تقدم كثير منها، وأرادوا بذلك ـ لعنهم الله تعالى ـ أنه سبحانه ممسك ما عنده بخيل به تعالى عما يقولون علواً كبيراً فإن كلاً من غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، أو كناية عن ذلك، وقد استعمل حيث لا تصح يد كقوله:شعر : جاد الحمى بسط (اليدين) بوابل شكرت نداه تلاعه ووهاده تفسير : ولقد جعلوا للشمال يداً كما في قوله:شعر : أضل صواره وتضيفته نطوف أمرها بيد (الشمال) تفسير : وقول لبيد:شعر : وغداة ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها تفسير : ويقال: بسط اليأس كفيه في صدر فلان، فيجعل لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان، قال الشاعر:شعر : وقد رابني وهن المنى وانقباضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري تفسير : وقيل: معناه إنه سبحانه فقير، كقوله تعالى: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} تفسير : [آل عمران: 181]، وقيل: اليد هنا بمعنى النعمة أي إن نعمته مقبوضة عنا، وعن الحسن أن المعنى أن يد الله تعالى مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل، وكأنه حمل اليد على القدرة، والغل على عدم التعلق. وقيل: لا يبعد أن يقصدوا اليد الجارحة فإنهم مجسمة، وقد حكي عنهم أنهم زعموا أن ربهم أبيض الرأس واللحية قاعد على كرسي، وأنه فرغ من خلق السموات والأرض يوم الجمعة واستلقى على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وإحدى يديه على صدره للاستراحة مما عراه من النصب في خلق ذلك تعالى الله سبحانه عما يقولون علواً كبيراً. والأقوال كلها كما ترى، وكل العجب من الحسن رضي الله تعالى عنه من قول ذلك وليته لم يقل غير الحسن، ولعل نسبته إليه غير صحيحة، والذي تقتضيه البلاغة ويشهد له مساق الكلام القول الأول، ولا يبعد من قوم قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام ـ {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] وعبدوا العجل ـ أن يعتقدوا اتصاف الله عز وجل بالبخل ويقولوا ما قالوا، وقال أبو القاسم البلخي: يجوز أن يكون اليهود قالوا قولاً واعتقدوا مذهباً يؤدي معناه إلى أن الله تعالى عز شأنه يبخل في حال ويجود في حال آخر، فحكى عنهم على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم. وقال آخر: إنهم قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم يوسع سبحانه على النبـي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أصحابه؛ ولا يخفى أن ما روي في سبب النزول لا يساعد ذلك، وقيل: إنهم قالوا ذلك على سبيل الاستفهام والاستغراب، والمراد يد الله سبحانه مغلولة عنا حيث قتر المعيشة علينا، ولا يخفي بعده. {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} دعاء عليهم بالبخل المذموم ـ كما قال الزجاج ـ ودعاؤه بذلك عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، ولا استحالة في ذلك على مذهب أهل الحق، ويجوز أن يكون دعاء عليهم بالفقر والمسكنة، وقيل: تغل الأيدي حقيقة، يغلون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث / اللفظ فقط فيكون تجنيساً، وقيل: هي من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول: سبني سب الله تعالى دابره، أي قطعه لأن السب أصله القطع، وإلى هذا ذهب الزمخشري، واستطيبه الطيبي، وقال: إن هذه مشاكلة لطيفة بخلاف قوله:شعر : قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا تفسير : واختار أبو علي الجبائي أن ذلك إخبار عن حالهم يوم القيامة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم في جهنم جزاء هذه الكلمة العظيمة، وحكاه الطبرسي عن الحسن، ثم قال: «فعلى هذا يكون الكلام بتقدير الفاء أو الواو، فقد تم كلامهم واستؤنف بعده كلام آخر، ومن عادتهم أن يحذفوا فيما يجري هذا المجرى، ومن ذلك قوله: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} تفسير : [البقرة: 67]»، وأنت تعلم أن مثل هذا على الاستئناف البياني، ولا حاجة فيه إلى تجشم مؤونة التقدير، على أن كلام الحسن ـ فيما نرى ـ ليس نصاً في كون الجملة إخبارية إذ قصارى ما قال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} في جهنم وهو محتمل لأن يكون دعاء عليهم بذلك. {وَلُعِنُواْ} أي أبعدوا عن رحمة الله تعالى وثوابه {بِمَا قَالُواْ} أي بسبب قولهم، أو بالذي قالوه من ذلك القول الشنيع، وهذا دعاء ثان معطوف على الدعاء الأول، والقائل بخبريته قائل بخيريته، وقرىء {وَلُعِنُواْ} بسكون العين. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس الشأن كما زعموا بل في غاية ما يكون من الجود، وإليه ـ كما قيل ـ أشير بتثنية اليد، فإن أقصى ما تنتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا بكلتا يديهم، وقيل: اليد هنا أيضاً بمعنى النعمة، وأريد بالتثنية نعم الدنيا ونعم الآخرة، أو النعم الظاهرة والنعم الباطنة أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام، وقيل: وروي عن الحسن أنها بمعنى القدرة كاليد الأولى، وتثنيتها باعتبار تعلقها بالثواب وتعلقها بالعقاب، وقيل: المراد من التثنية: التكثير كما في {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } تفسير : [الملك: 4] والمراد من التكثير: مجرد المبالغة في كمال القدرة وسعتها لا أنها متعددة، ونظير ذلك قول الشاعر:شعر : فسرت أسرة طرتيه فغورت في الخصر منه وأنجدت في نجده تفسير : فإنه لم يرد أن لذلك الرشا طرتين إذ ليس للإنسان إلا طرة واحدة وإنما أراد المبالغة. وقال سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم: إن هذا من المتشابه، وتفويض تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم، وقد صح عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه أثبت لله عز وجل يدين، وقال: «حديث : وكلتا يديه يمين»تفسير : ولم يرو عن أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه أول ذلك بالنعمة، أو بالقدرة بل أبقوها كما وردت وسكتوا، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب لا سيما في مثل هذه المواطن، وفي مصحف عبد الله ـ بل يداه بسطان ـ يقال: يد بسط بالمعروف، ونحوه مشية سجح وناقة سرح. {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه لما فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من (كيف) وفيها تنبيه على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على كلمة ملأ الفضاء قبحها، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم الدقيقة التي عليها تدور أفلاك المعاش والمعاد، وقد اقتضت الحكمة ـ إذ كفروا بآيات الله تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ـ أن يضيق عليهم، و {كَيْفَ} ظرف ـ ليشاء ـ والجملة في موضع نصب على الحالية من ضمير {يُنفِقُ} أي ينفق كائنا / على أي حال يشاء أي على مشيئته أي مريداً، وقيل: إن جملة {يُنفِقُ} في موضع الحال من الضمير المجرور في {يَدَاهُ} واعترض بأن فيه الفصل بالخبر وبأنه مضاف إليه، والحال لا يجيء منه، وردّ بأن الفصل بين الحال وذيها ليس بممتنع كما في قوله تعالى حكاية: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا} تفسير : [هود: 72] إذ قيل: إن شيخاً حال من اسم الإشارة، والعامل فيه التنبيه، وأن الممنوع مجيء الحال من المضاف إليه إذا لم يكن جزءاً أو كجزء أو عاملاً، وههنا المضاف جزء من المضاف إليه، أو كجزء فليس بممتنع، وجوّز أن تكون في موضع الحال من اليدين أو من ضميرهما، ورد بأنه لاضمير لهما فيها، وأجيب بأنه لا مانع من تقدير ضمير لهما أن ينفق بهما، ومن هنا قيل: بجواز كونها خبراً ثانياً للمبتدأ، نعم التقدير خلاف الأصل والظاهر، وهو إنما يقتضي المرجوحية لا الامتناع، وترك سبحانه ذكر ما ينفقه لقصد التعميم. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم} وهم علماؤهم ورؤساؤهم، أو المقيمون على الكفر منهم مطلقاً {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن المشتمل على هذه الآيات، وتقديم المفعول للاعتناء به {مِن رَبّكَ} متعلق ـ بأنزل ـ كما أن إليك كذلك، وتأخيره عنه مع أن حق المبتدأ أن يقدم على المنتهي لاقتضاء المقام ـ كما قال شيخ الإسلام ـ الاهتمام ببيان المنتهى لأن مدار الزيادة هو النزول إليه صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف، والموصول فاعل ـ ليزيدنّ ـ والاسناد مجازي، و {كَثِيراً} مفعوله الأول، و {مِنْهُمْ} صفته. وقوله تعالى: {طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} مفعوله الثاني أي ليزيدنهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين، لأن الزيادة تقتضي وجود المزيد عليه قبلها، وهذه الزيادة إما من حيث الشدة والغلو، وإما من حيث الكم والكثرة إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار، وهذا كما أن الطعام الصالح للأصحاء يزيد المرض مرضاً، ويحتمل أن يراد ـ بما أنزل ـ النعم التي منحها الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أي أنهم كفروا وتمادوا على الكفر وقالوا ما قالوا حيث ضيق الله تعالى عليهم وكف عنهم ما بسط لهم، فمتى رأوا مع ذلك بسط نعمائه وتواتر آلائه على نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو أعدى أعدائهم ازدادوا غيظاً وحنقاً على ربهم سبحانه، فضموا إلى طغيانهم الأول طغياناً وإلى كفرهم كفراً وحينئذ تلائم الآية ما قبلها أشد ملائمة إلا أن ذلك لا يخلو عن بعد، ولم أر من ذكره. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ } أي اليهود. وقال في «البحر»: «الضمير لليهود والنصارى لأنه قد جرى ذكرهم في قوله سبحانه: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} تفسير : [المائدة: 51] ولشمول قوله عز وجل: {أية : يا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [المائدة: 59] للفريقين، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد». {ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء} فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتحد كلمتهم، فمن اليهود جبرية ومنهم قدرية ومنهم مرجئة ومنهم مشبهة، و العداوة والبغضاء بين فرقة وفرقة قائمتان على ساق، وكذا من النصارى الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وحالهم حالهم في ذلك، وحال اليهود مع النصارى أظهر من أن تخفى، ورجح عود الضمير إلى اليهود بأن الكلام فيهم، وفائدة هذا الإخبار هنا إزاحة ما عسى أن يتوهم من ذكر طغيانهن وكفرهم من الاجتماع على أمر يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين، وقال أبو حيان [في «البحر» 3/ 525] بعد أن أرجع الضمير للطائفتين: «إن المعنى لا يزال اليهود والنصارى متباغضين متعادين قلما توافق إحدى الطائفتين الأخرى، ولا تجتمعان على قتالك وحربك، وفي ذلك إخبار بالغيب فإنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ سل سيف الإسلام». / وفرق السمين بين العداوة والبعضاء بأن العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} متعلق ـ بألقينا ـ وجوز أن يتعلق بالبغضاء أي إن التباغض بينهم مستمر ما داموا، وليست حقيقة الغاية مرادة، ولم يجوز أن يتعلق ـ بالعداوة ـ لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي. {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه إلى المسلمين، والمراد كلما أرادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ورتبوا مباديها ردّهم الله تعالى وقهرهم بتفرق آرائهم وحل عزائمهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب، وقد كانت العرب إذا تواعدت للقتال جعلوا علامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة ويسمونها نار الحرب، وهي إحدى نيران مشهورة عندهم، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم، وحكى في «البحر» قولين في الآية: «فعن قوم أن الإيقاد حقيقة، وكذا الإطفاء أي أنهم كلما أوقدوا ناراً للمحاربة ألقى عليهم الرعب فتقاعدوا وأطفأوها، وإضافة الإطفاء إليه تعالى إضافة المسبب إلى السبب الأصلي. وعن الجمهور إن الكلام مخرّج مخرج الاستعارة، والمراد من إيقاد النار: إظهار الكيد بالمؤمنين الشبيه بالنار في الإضرار، ومن إطفائها صرف ذلك عن المؤمنين، ولعل القول بالكناية ألطف منهما، وكون المراد من الحرب محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم هو المروي عن الحسن ومجاهد، وقيل: هو أعم من ذلك أي كلما أرادوا حرب أحد غلبوا، فإن اليهود لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط سبحانه عليهم فطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط جل شأنه عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام»، فأباد خضراءهم. واستأصل شأفتهم وفرق جمعهم وأذلهم فأجلى بني النضير وبني قينقاع، وقتل بني قريظة وأسر أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان له أهل وادي القرى، وضرب على أهل الذمة الجزية وأبقاهم الله تعالى في ذل لا يعزون بعده أبداً، وإطفاء النار ـ على هذا ـ عبارة عن الغلبة عليهم قاتلهم الله تعالى، و {لّلْحَرْبِ} متعلق ـ بأوقدوا ـ واللام للتعليل، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لنار، وهو الأوفق بالتسمية. {وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بإيقاد نار الحرب؛ كتغيير صفة النبـي صلى الله عليه وسلم وإدخال الشبه على ضعفاء المسلمين والمشي بالنميمة مع الافتراء ونحو ذلك، و {فَسَاداً} إما مفعول له، وعليه اقتصر أبو البقاء، أو في موضع المصدر، أو حال من ضمير {يَسْعَوْنَ} أي يسعون للفساد، أو سعي فساد أو مفسدين. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} بل يبغضهم، ولذلك أطفأ (نائرة فسادهم)، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، وإما للعهد، ووضع المظهر موضع ضميرهم للتعليل وبيان كونهم راسخين في الإفساد. والجملة ابتدائية مسوقة لإزاحة ما عسى أن يتوهم من تأثير اجتهادهم شيئاً من الضرر، وجعلها بعضهم في موضع الحال، وفائدتها مزيد تقبيح حالهم وتفظيع شأنهم.
ابن عاشور
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}. عطف على جملة {أية : وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا}تفسير : [المائدة: 61]، فإنّه لمّا كان أولئك من اليهود والمنافقين انتقل إلى سوء معتقدهم وخبث طويتهم ليظهر فرط التنافي بين معتقدهم ومعتقد أهل الإسلام، وهذا قول اليهود الصرحاء غير المنافقين فلذلك أسند إلى اسم (اليهود). ومعنى {يد الله مغلولة} الوصف بالبخل في العطاء لأنّ العرب يجعلون العطاء معبَّراً عنه باليد، ويجعلون بَسْط اليد استعارة للبذل والكرم، ويجعلون ضدّ البسط استعارة للبخل فيقولون: أمسك يدَه وقبَض يده، ولم نسمع منهم: غَلّ يدَه، إلاّ في القرآن كما هنا، وقوله: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عُنقك} تفسير : في سورة الإسراء (29)، وهي استعارة قويّة لأنّ مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقلّ الأزمان، فلا جرم أن تكون استعارة لأشدّ البخل والشحّ. واليهودُ أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذمّ. فقولهم هذا: إمّا أن يكون جرى مجرى التهكّم بالمسلمين إلزاماً لهذا القول الفاسد لهم، كما روي أنّهم قالوا ذلك لمّا كان المسلمون في أوّل زمن الهجرة في شدّة، وفَرَض الرسول عليهم الصدقات، وربّما استعان باليهود في الديات. وكما روي أنّهم قالوه لمّا نزل قوله تعالى: {أية : من ذا الّذي يُقرض الله قرضاً حسناً}تفسير : [البقرة: 245] فقالوا: إنّ ربّ محمّد فقير وبخيل. وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى: {أية : لقد سمع الله قول الّذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء}تفسير : [البقرة: 181]. ويؤيّد هذا قوله عقبهُ {وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً}. وإمّا أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس؛ فقد روي في سبب نزولها أنّ اليهود نزلت بهم شدّة وأصابتهم مجاعة وجَهد، فقال فنحاص بن عَازُورا هذه المقالة، فإمّا تلقَّفُوها منه على عادة جهل العامّة، وإمّا نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنّهم يقلّدونه ويقتدون به. وقد ذمّهم الله تعالى على كلا التقديرين، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضاً، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات، ولو كانت على نيّة إلزام الخصم، والثّاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفّف من تصرّف الله، فقابل الله قولهم بالدّعاء عليهم. وذلك ذمّ على طريقة العَرب. وجملة {غُلَّت أيديهم} معترضة بين جملة {وقالت اليهود} وبين جملة {بل يداه مبسوطتان}. وهي إنشاء سبّ لهم. وأخذ لهم من الغُلّ المجازي مُقابِلُه الغلّ الحقيقي في الدعاء على طريقة العرب في انتزاع الدعاء من لفظ سببه أو نحوه، كقول النّبيء صلى الله عليه وسلم «حديث : عُصَيَّةُ عَصت الله ورسوله، وأسلم سَلَّمها الله، وغِفَار غَفر الله لها»تفسير : . وجملة {ولعنوا بما قالوا} يجوز أن تكون إنشاء دعاء عليهم، ويجوز أن تكون إخباراً بأنّ الله لعنهم لأجل قولهم هذا، نظير ما في قوله تعالى: {أية : وإن يَدْعون إلاّ شيطاناً مريداً لعنه الله } تفسير : في سورة النّساء (117، 118). وقوله: {بل يداه مبسوطتان} نقض لكلامهم وإثبات سعة فضله تعالى. وبسط اليدين تمثيل للعطاء، وهو يتضمّن تشبيه الإنعام بأشياء تعطى باليدين. وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجُود، وإلاّ فاليَدُ في حال الاستعارة للجود أو للبُخل لا يقصد منها مفرد ولا عدد، فالتثنية مستعملة في مطلق التّكرير، كقوله تعالى: {أية : ثُم ارجع البصر كرّتين}تفسير : [الملك: 4]، وقولهم: «لبّيك وسعديك». وقال الشّاعر (أنشده في «الكشاف» ولم يعْزه هو ولا شارحوه):شعر : جَادَ الْحِمَى بَسِطُ اليدَيْن بوابلٍ شكرَتْ نَدَاه تلاعُه ووهَاده تفسير : وجملة {ينفق كيف يشاء} بيان لاستعارة {يداه مبسوطتان}. و{كيف} اسم دالّ على الحالة وهو مبني في محلّ نصب على الحال. وفي قوله: {كيف يشاء} زيادة إشارة إلى أن تقتيره الرزق على بعض عبيده لمصلحة، مثل العقاب على كفران النعمة، قال تعالى: {أية : ولو بَسط الله الرزق لعباده لبَغَوا في الأرض}تفسير : [الشورى: 27]. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً}. عطف على جملة {وقالت اليهود يد الله مغلولة}. وقع معترضاً بين الردّ عليهم بجملة {بل يداه مبسوطتان} وبين جملة {وألقيْنا بينهم العداوة والبغضاء}، وهذا بيان للسبب الّذي بعثهم على تلك المقالة الشنيعة، أي أعماهم الحسد فزادهم طغياناً وكفراً، وفي هذا إعداد للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ لأخذ الحذر منهم، وتسلية له بأنّ فَرط حنقهم هو الّذي أنطقهم بذلك القول الفظيع. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ}. عطف على جملة {ولعنوا بما قالوا} عطفَ الخبر على الإنشاء على أحد الوجهين فيه. وفي هذا الخبر الإيماء إلى أنّ الله عاقبهم في الدّنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقَى البغضاء بين بعضهم وبعض، فهو جزاء من جنس العمل، وهو تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمّه أمر عداوتهم له، فإنّ البغضاء سجيتهم حتّى بين أقوامهم وأنّ هذا الوصف دائم لهم شأنَ الأوصاف الّتي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلّق الحسن. وتقدّم القول في نظيره آنفاً. {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}. تركيب {أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله} تمثيل، شُبّه به حال التهيّؤ للحرب والاستعداد لها والحَزَامةِ في أمرها، بحال من يُوقد النّار لحاجة بها فتنطفىء، فإنّه شاعت استعارات معاني التسعير والحَمْي والنّار ونحوها للحرب، ومنه حَمِيَ الوَطيس، وفلان مِسْعَرُ حرب، ومِحَشّ حرب، فقوله: {أوقدوا ناراً للحرب} كذلك، ولا نارَ في الحقيقة، إذ لم يُؤْثر عن العرب أنّ لهم ناراً تختصّ بالحرب تُعَدّ في نِيرَان العرب الّتي يُوقِدُونها لأغراض. وقد وهم من ظنّها حقيقة، ونبَّه المحقّقون على وهمه. وشبّه حال انحلال عزمهم أو انهزامُهم وسرعةُ ارتدادهم عنها، وإحجامُهم عن مصابحة أعدائهم، بحال من انطفأت ناره الّتي أوقدها. ومن بداعة هذا التمثيل أنّه صالحٌ لأن يعتبر فيه جَمْعُه وتفريقه، بأن يُجعل تمثيلاً واحداً لِحالة مجموعة أو تمثيلين لحالتين، وقبول التمثيل للتفريق أتمّ بلاغة. والمعنى أنّهم لا يلتئم لهم أمر حرب ولا يستطيعون نكاية عدوّ، ولو حاربوا أو حُوربوا انهزموا، فيكون معنى الآية على هذا كقوله: {أية : ضُرِبت عليهم الذلّة أينَما ثُقِفوا}تفسير : [آل عمران: 112]. وأمّا ما يروى أنّ مَعَدّا كلّها لمّا حاربوا مذبح يوم (خَزَازَى)، وسيادتُهم لِتغلب وقائدُهم كُليب، أمر كليب أن يوقدوا ناراً على جبل خَزَازَى ليهتدي بها الجيش لكثرته، وجعلوا العلامة بينهم أنّهم إذا دهمتهم جيوش مذحج أوقدوا نارين على (خَزَازَى)، فلمّا دهمتهم مَذحج أوقدوا النّار فتجمّعت مَعدّ كلّها إلى ساحة القتال وانهزمت مَذحج. وهذا الّذي أشار إليه عمرو بن كلثوم بقوله:شعر : وَنَحْنُ غداة أوقِدَ في خَزازَى رَفَدْنَا فَوْقَ رفْد الرافِدِينَا تفسير : فتلك شعار خاصّ تواضعوا عليه يومئذٍ فلا يعدّ عادة في جميع الحروب. وحيث لا تعْرف نار للحرب تعيّن الحَمْل على التمثيل، ولذلك أجمع عليه المفسّرون في هذه الآية فليس الكلامُ بحقيقة ولا كناية. وقوله: {ويسعون في الأرض فساداً} القولُ فيه كالقول في نظيره المتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً}تفسير : [المائدة: 33].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 64- وقالت اليهود: يد الله مقبوضة لا تنبسط بالعطاء. قبض الله أيديهم وأبعدهم من رحمته، فالله غنى كريم ينفق كما يشاء. وإن كثيراً من هؤلاء - لإمعانهم فى الضلال - ليزيدهم ما أنزل إليك من الله ظلماً وكفراً لما فيهم من حقد وحسد، وأثرنا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وكلما أشعلوا ناراً لحرب الرسول والمؤمنين أطفأها الله بهزيمتهم وانتصار نبيه وأتباعه، وأنهم يجتهدون فى نشر الفساد فى الأرض بالكيد والفتن وإثارة الحروب، والله لا يحب المفسدين. 65- ولو أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا بالإسلام ونبيه، واجتنبوا الآثام التى ذكرناها، لمحونا عنهم سيئاتهم، وأدخلناهم فى جنات النعيم يتمتعون بها. 66- ولو أنهم حفظوا التوراة والإنجيل كما نزلا، وعملوا بما فيهما. وآمنوا بما أنزل إليهم من ربهم، وهو القرآن، لوسَّع الله عليهم الرزق يأتيهم من كل جهة يلتمسونه منها. وهم ليسوا سواء فى الضلال، ومن هؤلاء جماعة عادلة عاقلة، وهم الذين آمنوا بمحمد وبالقرآن، وكثير منهم لبئس ما يعملونه ويقولونه معرضين عن الحق. 67- يا أيها المرسل من الله، أخبر الناس بكل ما أوحى إليك من ربك. وادعهم إليه، ولا تخش الأذى من أحد، وإن لم تفعل فما بلغت رسالة الله، لأنك قد كُلِّفْت تبليغ الجميع، والله يحفظك من أذى الكفار إذ جرت سننه ألا ينصر الباطل على الحق، إن الله لا يهدى الكافرين إلى الطريق السوى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يد الله مغلولة: يريدون أنه تعالى ضيق عليهم الرزق ولم يوسع عليهم. غلت أيديهم: دعاء عليهم بأن يحرموا الإِنفاق في الخير وفيما ينفعهم. لعنوا بما قالوا: طردوا من رحمة الله بسبب وصفهم الرب تعالى بالبخل. بل يداه مبسوطتان: لا كما قالوا لعنهم الله: يد الله مغلولة أي ممسكة عن الإِنفاق. طغياناً: تجاوزاً لحد الإعتدال في قولهم الكاذب وعملهم الفاسد. وألقينا بينهم: أي بين اليهود والنصارى. أوقدوا ناراً: أي نار الفتنة والتحريش والإِغراء والعداوات للحرب. ولو أن أهل الكتاب: اليهود والنصارى. من فوقهم ومن تحت أرجلهم: كناية عن بسط الرزق عليهم. أمة مقتصدة: معتدلة لا غالية مفرطة، ولا جافية مفرطة. معنى الآيات: يخبر تعالى عن كفر اليهود وجرأتهم على الله تعالى بباطل القول وسيء العمل فيقول: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} يريدون أنه تعالى أمسك عنهم الرزق وضيقه عليهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} وهو دعاء عليهم بأن لا يوفقوا للإِنفاق فيما ينفعهم {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ}. ولعنهم تعالى ولعنهم كل صالح في الأرض والسماء بسبب قولهم الخبيث الفاسد. وأكذبهم تعالى في قولهم {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} فقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} كما قال عنه رسوله في الصحيح "حديث : يمين الله سَحَّاء تنفق الليل والنهار" تفسير : ثم أخبر تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ليسليه ويخفف عنه ما يجد في نفسه من جراء كفر اليهود وخبثهم فقال: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم} أي من اليهود {مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} من الآيات التي تبين خبثهم وتكشف النقاب عن سوء أفعالهم المخزية لهم. {طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي إبعاداً في الظلم والشر وكفراً بتكذيبك وتكذيب ما أنزل إليك وذلك دفعاً للحق ليبرروا باطلهم وما هم عليه من الاعتقاد الفاسد والعمل السيء، ثم أخبر تعالى رسوله بتدبيره فيهم انتقاماً منهم فقال عز من قائل: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي أن العداوة بين اليهود والنصارى لا تنتهي إلى يوم القيامة، ثم أخبر عن اليهود أنهم {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} وذلك بالتحريش بين الأفراد والجماعات وحتى الشعوب والأمم، وبالإِغراء، وقالة السوء، {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تعالى فلم يفلحوا فيما أرادوه وقد أذلهم الله على يد رسوله والمؤمنين وأخزاهم وعن دار الإِيمان أجلاهم وأخبر تعالى أنهم يسعون دائماً وأبداً في الأرض بالفساد فلذا أبغضهم الله وغضب عليهم، لأنه تعالى لا يحب المفسدين، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [64] أما الآية الثانية [65] وهي قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ} من يهود ونصارى {ءَامَنُواْ} بالله ورسوله وبما جاء من الدين الحق وعملوا به، {وَٱتَّقَوْاْ} الكفر والشرك وكبائر الذنوب الفواحش، لكفر الله عنهم سيئآتهم فلم يؤاخذهم ولم يفضحهم بها ولأدخلهم جنات النعيم. وهذا وعد الله تعالى لليهود والنصارى فلو أنهم آمنوا واتقوا لأنجزه لهم قطعاً. وهو لا يخلف الميعاد. أما الآية الأخيرة [66] في هذا السياق فهي تتضمن وعداً إلهياً آخر وهو أن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك القرآن الكريم، ومعنى أقاموا ذلك آمنوا بالعقائد الصحيحة الواردة في تلك الكتب وعملوا بالشرائع السليمة والآداب الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تضمنتها تلك الكتب لو فعلوا ذلك لبسط الله تعالى عليه الرزق وأسبغ عليهم النعم ولأصبحوا في خيرات وبركات تحوطهم من كل جانب هذا ما وعدهم الله به. ثم أخبر تعالى عن واقعهم المرير فقال: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} لم تغل ولم تحف فلم تقل في عيسى أنه ابن الله ولا هو ابن زنى، ولكن قالت عبد الله ورسوله ولذا لما جاء النبي الأمي بشارة عيسى عليه السلام آمنوا به وصدقوا بما جاء به من الهدى والدين الحق وهم عبد الله بن سلام وبعض اليهود، والنجاشي من النصارى وخلق كثير لا يحصون عداً. وكثير من أهل الكتاب ساء أي قبح ما يعملون من أعمال الكفر والشرك والشر والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قبح وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وكماله. 2- ثبوت صفة اليدين لله تعالى ووجوب الإِيمان بها على مراد الله تعالى، وعلى ما يليق بجلاله وكماله. 3- تقرير ما هو موجود بين اليهود والنصارى من عداوة وبغضاء وهو من تدبير الله تعالى. 4- سعي اليهود الدائم في الفساد في الأرض فقد ضربوا البشرية بالمذهب المادي الإِلحادي الشيوعي، وضربوها أيضاً بالإِباحية ومكائد الماسونية. 5- وعد الله لأهل الكتاب على ما كانوا عليه لو آمنوا واتقوا لأدخلهم الجنة. 6- وعده تعالى لأهل الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم أي لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإِنجيل من دعوتهم إلى الإِيمان بالنبي الأمي والدخول في الإِسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة. وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً.
القطان
تفسير : لليد عدة معان، منها اليد الجارحةُ المعروفة، والنعمة، اذ يقال: لفلان عندي يد أشكره عليها. والقدرةُ والمُلك، كما في قوله تعالى {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ}. والمقصود هنا اليد الحقيقة كما يقصدون بذَلك. غُلَّت أيديهم: أمسكت و انقبضت عن العطاء، وهو دعاء عليهم بالبخل. يداه مبسوطتان: يعني هو كثير العطاء. الحرب: ضد السلم، فهي كل ما يهيج الفتن والقلاقل، ولو بغير قتل. اقامة التوراة والانجيل: العملُ بما فيهما على أتمّ الوجوه. لأكَلوا من فوقِهم ومن تحت أرجُلهم: أي لوسَّع الله عليهم موارد الرزق. مقتصدة: معتدلة في أمر الدين. بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة بعض مخازيهم الّتي أدت الى اختلال نظُم مجتمعهم ذكر هنا أفظع مخازيهم وأقبحَها، وهي جرأتُهم على ربهم، ووصفُهم إياه بما ليس من صفته، وإنكار نعمته عليهم. والذي يطالع التلمود ويقرأ ما فيه من جُرأة على الله ومن كلام تقشعرّ له الأبدان ـ يعلم خُبثهم وقباحتهم. وقالت اليهود اللهُ بخيل لا تنبسط يده بالعطاء، بل كذبوا إنهم هم البخلاء، لعنهم الله وأبعدهم من رحمته. ان الله غني سخيّ ينفق كما يشاء، فهو الجواد المتصرف وفق حكمته. أما تقتير الرزق على بعض العباد فإنه لا ينافي سعة الجود، فهو سبحانه له الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق. ان كثيرا من هؤلاء المنكرين سوف يزدادون إمعاناً في الضلال، حسداً لك يا محمد، ونقمة على ما أنزله إليك ربّك من كلامه في القرآن. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} والعداوة ملموسة فيما بينهم وبين النصارى وفيما بينهم أنفسهم. وإن المقام ليضيق عن سَرْد أقوال علماء النصارى وقادتِهم ورؤسائهم في شتم اليهود وإبراز مساوئهم. لذا تجدني أكتفي بذكر بعض هذه الأقوال: يقول بنيامين فرانكلين في خطابه في المؤتمر الدستوري التأسيسي المنعقد في فيلادلفيا (الولايات المتحدة) سنة 1787م. "في كل بلد استوطنه اليهود. انحطّت القيم الأخلاقيّة الى الدَّرْك الاسفل وشاعت الفوضى واللامسئولية والاحتيالُ في معاملات أبنائه التجارية. هذا بينما ينعزل اليهود متقوقعين على أنفسهم في كتَلٍ وعصابات، لم نتمكّن من القضاء عليها ولا دمجها في مجتمعنا,. لقد هزىء اليهودُ من قِيم ديانتنا المسيحية التي تقوم دولتنا عليها وتعيش بها، متجاهلين كلَّ أنظمِتنا ومحظوراتِنا، فمكّنهم ذلك من إقامة دولة لهم داخل دولتنا" إلى أن يقول: "إنكم إن لم تطردوهم عن ديارنا فلن يمضي أكثرُ من مائتي سنة حتى يصبح أحفادُنا خَدَماً في حقولهم يمدّونهم بثروات بلادنا... ان اليهود يشكّلون خطراً عظيماً على هذه البلاد، وإنني أؤكد على ضرورة طردِهم منها ومنعِهم من الدخول إليها أو الإقامة فيها، بموجب نصوص دستورية صريحة". وقد تحققت نبوءته، فاليهود هم حكّام الولايات المتحدة الأمريكية دون جدال، وبأصواتهم في الانتخابات على الأقلّ. هذا سيرينغ، السفير البريطاني في امريكا، يقول في تقريره المؤرخ في 13 تشرين الثاني سنة 1914من كتاب ادمونسون "أنا أشهد" ص 193ما يأتي: "يعتبر بول م. واربورغ الألمانيُّ المولد، اليهودي الأصل، المسيِّر الوحيدَ لسياسة الولايات المتحدة الاقتصادية والمالية، إبّان عهد الرئيس ويلسون. ومنذ وفاة ج. ب. مورغن الأب، قفز أصحاب المصارف اليهودُ في أمريكا الى أرفع المراكز في السلطة وأعلى مقامات النفوذ؟. ويقول ويليام دادلي بالي، في الصفحة 9 من كتاب "الامبراطورية الخفية" ما يأتي "كان للرئيس فرانكلين روزفلت 72 مستشاراً، منهم 52 من اليهود المهاجرين الى الولايات المتحدة. والأَهمُّ من ذلك، ان الإحصاءات الرسمية تدل على ان اليهود يملكون 80 بالمائة من عقارات الولايات المتحدة وأبنيتها ومواردها الطبيعية. كما يشكّل اليهود نسبة 86 بالمائة من مجموع الموظفين في واشنطن". هذا إلى كتب كثيرة أُلّفت في هذا الموضوع، لكن الأمريكان مخدَّرون تحت وطأة رشوة اليهود للمسئولين في البلاد والضغط عليهم بشتّى الوسائل المغرية. أما الأوربيّون فإنهم تكلّموا عن اليهود وحذّروا منهم كثيراً وانتقدوهم. فهل هناك إلا قَبْضَ الريح من أمل لبعض الحكام، لا الشعوب العربية، في أمريكا! لكن كل ذلك ذهب ادراج الرياح. {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} كلّما همّوا بالكيْد للرسول وللمؤمنين خذلهم الله، ونصر رسوله والمؤمنين عليهم. وقد كان اليهود يُغرون المشركين بمحاربة النبيّ والمؤمنين، بل إن منهم من سعى لتحريض الروم على مهاجمتهم. ومنهم من كان يؤوي أعداء المسلمين ويساعدهم مثل كعب بن الأشرف أحد كبار زعمائهم. وكان هذا عربياً من نبهان من طيّ، أُمه يهودية، فاتّخذ اليهودية ديناً له. وكان شاعراً، فآذى النبيَّ عليه السلام والمسلمين كثيرا الى ان قُتل. وما سببُ هذا الكيد وإثارة الفتن الا الحَسد والعصبيّة من قِبل اليهود، وخوف الأحبار ان يزيل الإسلام امتيازاتهم العلميّة والدينية التي كانوا يعيشون عن طريق استغلالها في الارتشاء والدجَل على صغار العقول. {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً}. ان ما يأتونه من عداوة الرسول الكريم والمؤمنين، بنشْر الفساد في الأرض وإثارة الحروب ليس الا الفساد بعينه. فهم يخافون اجتماع كلمة العرب، حيث تقوى شوكتهم. وبذلك يذهب نفوذ اليهود الذي يتمتّعون به، {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} بل يبغضهم ومن ثم لن ينجح سعيهم، أو يصلُح عملُهم. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}. ولو أن اليهودَ والنصارى آمنوا بالإسلام ونبيّه، واجتنبوا الآثام التي ذكرناها ـ لمحونا عنهم سيئاتِهم التي اقترفوها وغفرنا لهم ذنوبهم، ولأدخلناهم في جنات النعيم في الآخرة. {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ...} لو أنهم عملوا بالتوراة والإنجيل، وحفظوهما من التحريف، وآمنوا بما أَنزل إليهم ربهم، وهو القرآن الكريم ـ لأعطتهم السماءُ مطرها وبركتها، والأرضُ نباتها وخيراتها. وهذا معنى: لأكلوا من فوقِهم ومن تحتِ أرجلهم. وكما قال تعالى {أية : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف:95] ثم بيّن الله تعالى أنهم ليسوا سواءً في أفعالهم وأقوالهم، فهناك فيهم جماعة معتدلة في أمر دينها، وهم الذين آمنوا بمحمّد والقرآن. بيد أن الكثير من جمهورهم متعصّبون مغرورون ساء ما يعملون. أخرج الإمام أحمد وابنُ ماجه عن زياد بن لبيد، وهو أحد الصحابة الكرام ممن شهد بدراً قال: "حديث : ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقال: وذلك عند ذهاب العِلم. قلنا: يا رسول الله: وكيف يذهب العِلم ونحن نقرأ القرآن ونُقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم الى يوم القيامة؟ قال: ثكلتْك أمك يا ابن أُم لبيد، إن كنتُ لأراك من أفقهِ رجل في المدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ". تفسير : ومغزى هذا أن العبرة في الأديان هو العمل بها، فإذا لم نعمل نحن بالقرآن الكريم، بل اكتفينا بلوْك الألسن فقط، فإن مصيرنا معروف نسأله تعالى أن يلهمنا الصواب.
د. أسعد حومد
تفسير : {طُغْيَاناً} {ٱلْعَدَاوَةَ} {ٱلْقِيَامَةِ} (64) - أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ وَصَفُوهُ تَعَالَى ذِكرُهُ بِأنَّهُ بَخِيلٌ (يَدُهُ مَغْلُولَةٌ)، كَمَا وَصَفُوهُ بِأنَّهُ فَقِيرٌ، وَهُمُ الأَغْنِيَاءُ، فَلَعَنَهُمُ اللهُ عَلَى قَولِهِمْ هَذَا، وَدَعَا عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، وَبِانْقِبَاضِ أَيْدِيهِمْ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ الخَيْرِ. (وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ هُنا هُو َأنَّ اللهَ تَعَالَى دَعَا عَلَيْهِمْ بَأنْ تُغَلَّ أَيْدِيهِمْ بِالقُيُودِ وَالأغْلاَلِ، وَتُرْبَطَ إلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الدُّنْيا وَهُمْ أُسَارَى، وَفِي الآخِرَةِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ). وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ كَرَماً وَجُوداً، وَهُوَ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ مَا أنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أمُورِ هَؤُلاَءِ اليَهُودِ المُعَاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، وَمِنْ أحْوَالِ أسْلاَفِهِمْ، وَشُؤُونِ كُتُبِهِمْ، وَحَقَائِقِ تَارِيِخِهِمْ ... هُوَ مِنْ أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وَصِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَكَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أنْ يَدْفَعَهُمْ هَذا إلى الإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ وَتَصْدِيقِهِ، وَلَكِنَّهُمْ لِطُغْيَانِهِمْ وَتَجَاوُزِهِمُ الحُدُودَ فِي الكُفْرِ وَالحَسَدِ للمسلِمينَ لَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ إلَى الإيمَانِ إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ، وَلَنْ يَزِيدَ أَكْثَرُهُمْ إلاّ طُغْيَاناً فِي بُغْضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَدَاوَتِهِ، وَكُفْراً بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ أَلْقَى بَيْنَ هَؤُلاَءِ الكَفَرَةِ الحَاسِدِينَ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ، وَسَتَسْتَمِرَّانِ بَيْنَهُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلاَ تَجْتَمِعُ قُلُوبُهُمْ عَلَى كَلِمَةِ حَقٍّ، وَسَتَشْغَلُهُمْ عَدَاوَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَنِ الاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ المُؤْمِنِينَ، وَأنَّهُمْ كُلَّما شَرَعُوا فِي إيقادِ نَارِ الحَرْبِ وَالفِتْنَةِ أطْفَأَهَا اللهُ، وَرَدَّ كَيْدَهُمْ إلى نُحُورِهِمْ، وَحَاقَ بِهِمْ مَكْرُهُمُ السَّيِّىءُ، لأنَّهُمْ يَسْعَونَ إلى الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَاللهُ لاَ يُحِبُّ أهْلَ الفَسَادِ. يَدُهُ مَغْلُولَةٌ - يَدُهُ مَشْدُودَةٌ بِالقَيْدِ إلَى عُنُقِهِ وَالتَّعْبِيرُ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ الكِنَايَةُ عَنِ البُخْلِ. أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ - أعَدُّوا العُدَّةَ لِشَنِّ الحَرْبِ. يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ - مُنْبَسِطَةٌ وَيُرَادُ بِهَا هُنَا التَّعْبِيرُ عَنِ الكَرَمِ.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قال ابن عباس وعكرمة والضحّاك وقتادة: إن اللّه كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية فلما عصوا اللّه في محمد (عليه السلام) وكذبوا به كفى اللّه عنهم ما بسط عليهم من السعة فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يد اللّه مغلولة لم يريدوا إلى عنقه ولكنهم أرادوا إنها مقبوضة بمعنى منه ممسكة عن الرزق فنسبوه إلى البخل. وقال أهل المعاني: إنما قال هذه المقالة فنحاص فلم ينهوا الآخرون ورضوا بقوله فأشركهم اللّه فيها وأرادوا باليد العطاء لأن عطاء الناس بذل معروفهم في الغالب بأيديهم واستعمل الناس اليد في وصف الإنسان بالرد والبخل. قال الشاعر: شعر : يداك يدا مجد فكف مفيد وكف إذا ما ضن بالمال ينفق تفسير : ويقال للبخيل: جعد الأنامل، مقبوض الكف، كز الأصابع، مغلول اليدين، قال اللّه {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : الآية [الإسراء: 29]. قال الشاعر: شعر : كانت خراسان أرضاً إذ يزيد بها وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جعداً أنامله كأنما وجهه يأكل منضوج تفسير : وقال الحسن: معناه يد اللّه مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلاّ بما [يقرّبه] قيمة قدر ما عبد آباؤنا العجل. وهو سبعة أيّام. وقال مجاهد والسدّي: هو أن اليهود قالوا إن اللّه لما نزع ملكنا منا وضع يده على صدره يحمد إلينا ويقول: يا بني إسرائيل، يا بني أحباري لا أبسطها حتى أرد عليكم الملك. والقول الأول أولى بالصواب لقوله {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} وقيل: هو استفهام تقديره: أيد اللّه مغلولة عنا؟ حيث قتّر المعيشة علينا قال اللّه {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} أي مسكت أيديهم عن الخيرات وقبضت عن الانبساط بالعطيات. وقال يمان بن رئاب: شدد وثقل عليهم الشرائع، بيانه قوله {أية : وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الأعراف: 157] وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة كقوله {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} تفسير : [غافر: 71] {وَلُعِنُواْ} عذبوا {بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} إختلفوا في معنى يد اللّه سبحانه، فقال قوم: إن له يداً لا كالأيدي وأشاروا باليد إلى الجارحة ثم قصدوا نفي التشبيه بقوله لا كالأيدي وهذا غير مرضي من القول وفساده لا يخفى. وقال الآخرون: يده قدرته لقوله {أية : أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ}تفسير : [ص 45]. وقيل: هو ملكه كما يقال لمملوك الرجل، هو ملك يمينه. قال اللّه تعالى {أية : أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} تفسير : [البقرة: 237] أي إنه يملك ذلك، وعلى هذين القولين يكون لفظه مشبه ومعناه واحد لقوله {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46] أراد به جنة واحدة. قاله الفرّاء: وأنشدني في بعضهم: شعر : ومنهم يدين قدمين مرتين قطعة بالألم لا بالسمينين تفسير : أراد منهما واحداً وسمنة واحدة. قال وأنشد في آخر: شعر : يمشي مكبداً ولهزمين قد جعل الأرطا جنتين تفسير : أراد لهزماً وجنة. وقيل: أراد بذلك نعمتاه. كما يقال: لفلان عندي يداً نعمة، وعلى هذا القول يكون بعضه تشبيه ومعناه جمع كقوله {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34]. والعرب تضع الواحد موضع الجمع كقوله {أية : وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً}تفسير : [الفرقان: 55]. {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}تفسير : [البلد: 4] و{أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 2] ونحوها، ويقول العرب: ما أكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، ويضع التشبيه أيضاً موضع الجمع كقوله {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [ق: 24] فأراد الجمع. قال امرؤ القيس: شعر : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل تفسير : يدل عليه: شعر : وقوفاً بها صحبي على مطيّهم تفسير : يقول بأنه أخذ الجمع. قال محمد بن مقاتل الرازي: أراد نعمتان مبسوطتان نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة، وهذه تأويلات مدخولة لأن اللّه عز وجل ذكر له خلق آدم بيده على طريق التخصيص والتفضيل لآدم على إبليس، ولو كان تأويل اليد ما ذكروا لما كان لهذا التخصيص والتفضيل لآدم معنى لأن إبليس أيضاً مخلوق بقدرة اللّه وفي ملك اللّه ونعمته. وقال أهل الحق: إنه صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، قال الحسن: إن اللّه سبحانه يداه لا توصف، دليل هذا التأويل إن اللّه ذكر اليد مرّة بلفظ اليد فقال عز من قائل {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 73] {أية : بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ}تفسير : [آل عمران: 26] {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10] {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} تفسير : [الملك: 1]. وقال (عليه السلام): "حديث : يمين اللّه ملأن [لا يعيضن] نفقة فترد به" تفسير : وقال عز وجل مرّة وقال {أية : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75] {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}. وقال (عز وجل): (وكلتا يديه يمين) وجمعه مرّة فقال {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} تفسير : [يس: 71] قوله {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} بإنكارهم ومخالفتهم وتركهم الإيمان {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} يعني من اليهود والنصارى {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} يعني اليهود والنصارى أفسدوا وخالفوا حكم التوراة فغضب اللّه عز وجل فبعث عليهم بخّت نصّر ثم أفسدوا فبعث اللّه عليهم وطرس الرومي ثم أفسدوا فسلّط اللّه عليهم المجوس ثمّ أفسدوا فسلّط الله عليهم المسلمين وكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم اللّه تعالى وكلما جمعوا أمرهم على حرب رسول اللّه وأوقدوا ناراً للحرب {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} وقهرهم ونصر نبيه ودينه {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} الآية {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ} الآية {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} يعني أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} أي القرآن. وقيل: كُتب بني إسرائيل {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} يعني المطر {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} يعني النبات. وقال الفرّاء: إنما أراد به التوسعة كما يقال: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، نظيره {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأعراف: 96] {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} يعني مؤمني أهل الكتاب. ابن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون رجلاً من النصارى وهم النجاشي وبحيرا وسلمان الفارسي وخير مولى قريش وأصحابهم. قال ابن عباس: هم العاملة غير العالية ولا الحافية {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ} كعب بن الأشرف وأصحابه، وأهل الروم. {سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن اليد جارحة حرة الحركة تنفعل يميناً وتنفعل شِمالاً وتنفعل إلى أسفل وإلى أعلى، ولها من الأصابع ما جعل الله لكل أصبع مع زميله مهمة. وليلاحظ كل منا أصابعه في أثناء أي عمل، سيجدها تتباعد وتتقارب بحركة إرادية منسجمة لتؤدي المهمة. وخلقة الأصابع بالمفاصل والعُقل وحجم كل عقلة يختلف عن الأخرى؛ لتؤدي المهمة بانسجام. وساعة تعوّق هذه الجارحة عن أداء مهمتها فأنت بذلك تكون قد غللتها، أي ربطتها عن التصرف المطلوب منها. ومعنى قوله: "يد الله مغلولة" أي أن يد الله - والعياذ بالله - مشلولة الحركة. وقد قالوا ذلك قبل ظهور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل زحف الإسلام عليهم لينقض باطلهم. وحدث أن تفرغوا لصناعة آلات الحرب وبناء الحصون والزراعة، وانشغلوا عن الزراعة فخابت محاصيلهم وجاء وقت الحصاد فلم يجدوا، فقال "فنحاص" وهو واحد من اليهود: لماذا قبض الله يده عنا؟ إن يد الله مغلولة. ونلحظ أن الذي قال ذلك هو شخص واحد، ولكن الحق يقول هنا: "وقالت اليهود يد الله مغلولة". ومعنى ذلك أن "فنحاص" عندما قال ذلك سمعوه وسرّهم ما قال، ووافقوه عليها. أو أنهم حينما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة وقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت تمر على المسلمين الليالي دون طعام فيراهم اليهود فيتندرون على تلك الحال ويقولون: إن يد الله مغلولة عن محمد وآله. أو أنهم قالوا: إن يد الله مغلولة في الآخرة عن عقابنا؛ لأنه سيعقابنا أياماً معدودة. والذي يبيح لنفسه أن يجعل الله منفعلاً لأحداث خلقه إنما يكفر بالله؛ لأنه يُنزلُ الله من مكانته. فإذا كانت يد الله مغلولة، فهذا الرباط والغَلُّ والمنع يكون من خَلْق الله. وكيف يقدر خلقٌ من خلق الله أن يربط يد الله؟. لقد اجترأوا على مقام الأولوهية وهذا من سوء الأدب، تماماً كما قالوا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]. وحينما قالوا: "يد الله مغلولة" وردّ الحق عليهم: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} وقال قبلها: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} فهل يدعو الحق عليهم؟ طبعاً لا؛ لأنه هو المصدر الذي يتجه إليه الخلق بالدعاء وهو القادر على كل الخلق. ولكن الحق حين روى ما قالوه إنما ينبه الذهن الإيماني الذي يستقبل كلامه أنه ساعة يجد وصفاً لا يناسب الله فعليه أن يدفع هذا الكلام حتى قبل أن يرى الرد عليهم. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} وهذا يعلمنا أننا إذا سمعنا وصفاً لا يليق فلا بد أن ندحضه؛ لأن الحق لا يدعو على عبيده؛ لأن الدعاء هو أن يرفع عاجز طلبه إلى قادر لينفذ المطلوب له. إذن فإن قالها الحق فهي إما أن تكون خبراً، وإما تعليماً لنا، فإذا كانت خبراً نلحظ أن الله كتب عليهم البخل ساعة قالوا هذا ومنذ لحظة هذا القول، وإن كان القصد هو تعليمنا، فنحن نتعلم الأدب الإيماني، ونرد أي وصف لا يليق بجلال الله. وهذه المسألة لها نظير، فعندما علم الحق سبحانه وتعالى تشوّق رسوله والمؤمنين أن يذهبوا إلى المسجد الحرام؛ قال لرسوله: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الفتح: 27]. وهل هذا إخبار من الله، أو هو تعليم لنا؟. إنه تعليم لنا أن نفعل ذلك عندما نشتاق إلى فعل. وكذلك هنا: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} لذلك يعلمنا سبحانه أن نقول: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} مثلما علمنا أن نقول: {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} حتى ننسب كل قدر لله. وقد حاول الفلاسفة أن ينسونا تقدير المشيئة، فقالوا: إن الله خلق النواميس والأكوان وجعل لها قوانين تعمل في الكون. وهل زاول الحق سلطانه ساعة خلق النواميس ثم ترك الأمور لذاتها؟ لا؛ لذلك جاء سبحانه بمعجزات تخرق النواميس ليدلنا على أن النواميس لم تأخذ هي الكلمة للتصرف بل إن يد الله ما زالت في كونه، فالنار - على سبيل المثال - التي تحرق يأتيها الأمر: {أية : كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً} تفسير : [الأنبياء: 69]. والماء الذي يُغرق يأتيه الأمر: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63]. وقال: {أية : فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 77-78]. والعصا التي خلقت من غصن شجر جاف، تتحول إلى أفعى، أي نقلها كلها إلى جنس آخر، من نباتية إلى حيوانية. هذا هو خرق النواميس. ويقول الحق عن هؤلاء الذين ادعوا أن يد الله مغلولة: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} أي أنهم طردوا من رحمة الله، لأنهم هم الذين بشروا على أنفسهم وقالوا إن يد الله مغلولة، وسبحانه قادر أن يمنع عطاءه عنهم. ويتابع سبحانه: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}، وهو يعطي من يريد، وكلمة "اليد" في اللغة تُطلق على الجارحة وتطلق على النعمة، فيقول الرجل: إن لفلان علي يداً لا أنساها؛ أي أنه قدم جميلاً لا يُنسى. واستعملت اليد بهذا المعنى لأن جميع التناولات تكون باليد. وتُطلق اليد ويراد بها الملكية فيقول سبحانه: {أية : أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} تفسير : [البقرة: 237]. أي الذي يملك أن يُنكح المرأة، هو الذي يعفو. وفي القتال نجد القول الحكيم: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14]. أو تطلق اليد على من له ولاية في عمل من الأعمال، لذلك نجد الحق قد قال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75]. وآدم هو الخلق الأول وكلنا من بعده مخلوقون بالتناسل من الزوجية. وقد كرّم الله الإنسان بأنه خلقه بيديه، وخلق كل شيء بـ "كن". إذن: كلمة "اليد" تطلق على معانٍ متعددة. والرسول يقول: "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ". تفسير : أي عندما تجتمع الأيدي تكون هي اليد القادرة. وعندما نقرأ كلمة "يد الله" فهل نحصرها في نعمته أو ملكه؟ {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الملك: 1]. والله سبحانه وتعالى أعلم بذاته فنقف عند الوصف، نعم له يد، وله يدان، وإياك أن تتصور أن كل ما يتعلق بالله مثل ما يتعلق بك؛ لأن الأصل أن لك وجوداً الآن، ولله وجود، لكن وجودك غير وجود الله، وكذلك يده ليست كيدك. حتى لا نشبه ونقول: إن له يداً مثل أيدينا، فلنقل إن المراد باليد هو القدرة أو النعمة، والهدف الراقي هو تنزيه الحق. وهناك من يقول: إن لله يداً ولكن ليست كأيدينا لأننا نأخذ كل ما يأتي وصفاً لله على أنه "ليس كمثله شيء" والتأويل ممكن. مثلما بيّن الحق: انه قد صنع موسى على عينيه. وتأخذ أي مسألة تتعلق بوصف الله إما كما جاءت، بأنه له يداً ولكن ليست كالأيدي، وله وجود لا كالوجود البشرى، وله عين ليست كالأعين، ولكن كل وصف لله نأخذه في إطار "ليس كمثله شيء". وإما أن نأخذ الوصف بالتأويل، ويراد بها النعمة ويراد بها القدرة. ويقول الحق: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} والمراد هما هو "النعمة". ولم يكتف سبحانه بأن يرد بأن له يداً واحدة تعطي. لا، بل يرد بما هو أقوى مما يمكن، فهو يعطي بيديه الاثنتين، وهو القائل: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} تفسير : [لقمان: 20]. أنه يُعطي الظاهر ويُعطي الباطن. وإياك أن تقول تلك اليد اليمنى وتلك اليد اليسرى؛ لأن كلتا يدي الله يمين: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} أي أنه سبحانه لا يمكن. أن يكون بخيلاً، حتى وإن منع الحق فذلك منح وعطاء وإنفاق؛ لأن الذي يطغى بنعمة، قد يذهب به الطغيان إلى بلاء وسوء مصير؛ لذلك يقبض سبحانه عنه النعمة ليعطيه الأمن من أن ينحرف بالنعمة. ولذلك نجد القول الحق في سورة الفجر: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. ورد الحق بعد ذلك بقوله: {كلا}. فلا الإعطاء هنا للإكرام، ولا المنع للإهانة. فكيف يكون الإعطاء دليل الإكرام وقد يعطيك الله ولا تؤدي حق النعمة؟ وكيف يكون المنع دليل الإهانة وهو قد منعك من وسيلة انحراف؟ إذن فهو قد أعطاك بالمنع - في بعض الأحيان - أنه قد أعطاك الأبقى وهو الهداية. إذن فمنعه أيضاً عطاء. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} والناس تنظر دائماً إلى عطاء الله بعطاء الإيجاب، ولا تنظر عطاء السلب أي المنع، وهو أن يصرف عنك الحق مصرف سوء، وسبق أن ضربت المثل بالرجل الذي تحرى الحلال في مصدر ماله ويتقي الله في عمله ويأخذ دخله ويدير حركة حياته في إطار هذا الدخل، وقد يعود هذا الرجل إلى منزله فيجد حرارة الابن مرتفعة قليلاً، ولأن ماله حلال وذرات جسمه تعرف أن ماله حلال؛ لذلك يستقبل الأمر بهدوء ويعرض الابن على طبيب في مستوصف خيري بقروش قليلة، فيصف الطبيب دواء بقروش قليلة ويتم شفاء الابن. هذا الرجل يختلف حاله عن حال رجل آخر أتى بماله من السحت، وساعة يرى حرارة ابنه قد ارتفعت نجد باله يدور بين ألف خاطر سوء، ويدور الرجل بابنه على الأطباء ولا يصدق طبيباً واحداً. الرجل الأول رزقه الله الاطمئنان بمنع هواجس الحدَّة من قلبه وخواطره، أما الرجل الثاني فهو ينفق أضعاف ما أكله من سحت. إذن {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي أن هناك عطاء السلب. والعطاء الذي يحبه الإنسان هو عطاء السلب. والعطاء الذي يحبه الإنسان هو عطاء المال وهو عطاء المال وهو عطاء يذهب إلى الفانية. أما المنع فهو يمنع الإنسان من ارتكاب آثام. وبعد ذلك يأخذ الإنسان نعيمه في الآخرة. ونحن نجد كثيراً من الناس تدعو، ولكنهم لا يعلمون أن الله قد أعطى بالمنع. يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. لذلك يعطي الحق أحياناً أشياء يكون العبد قد ألح عليها، وبعد ذلك يتبين الإنسان أنها شر، كأن الحق ساعة منع الإنسان لفترة كان ذلك صيانة له. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} إذن فكله إنفاق. وسبحانه ينفق كيف يشاء، فلا يبخل أبداً حتى وإن منع، فالمنع في موضعه الصحيح هو عين الإنفاق، وهكذا يكون عطاء الله عطاء النعمة ظاهرة كانت أو باطنة. فإن أردت بـ "اليد" القدرة فيدا الله مبسوطتان بالثواب لقوم وبالعقاب لقوم آخرين. وهو سبحانه وتعالى يعطي لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم المناعة الإيمانية ضد كل متمرد عليه، أو ضد كل متأبٍ ومستكبر من الكافرين أو من أهل الكتاب. فكأنه سبحانه وتعالى يوضح: وطَّنْ نفسك يا محمد ولتوطن أمتك نفسها على أن هؤلاء الكفرة لن يكتفوا بالقدر اليسير والقليل من الكراهية لك، بل كلما جاءت لك نعمة بزيادة الهدى من الله سيحسدونك، وسيبغضونك، وسيزداد تمردهم وحقدهم عليك، فوطن نفسك على ذلك. وفي هذا ما يعطي مناعة إيمانية، يسد كل منافذ وسوسة النفس ويجعل النفس على استعداد لاستقبال ما يحدث حتى ولو كان من المكاره. ولنقرب هذا الأمر من الذهن. لا تشبيهاً ولكن لمجرد تقريب الأمر من الذهن - والله المثل الأعلى - لننظر إلى ما حدث في أوروبا في أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت انجلترا تخوض الحرب ضد النازية، وكانت الأهوال تتساقط من الطائرات على المدن الإنجليزية. وجاء تشرشل ليقود الحرب فقال للإنجليز. إن الهول والصعاب هي التي تتنظركم فوطنوا أنفسكم على مواجهة الشدائد. وإذا كان هذا قد حدث في حرب بين شعبين، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وهو يعلم ضرورة التمحيص لأمته التي تحمل راية المنهج الكامل للهداية. كان لا بد إذن من أن يوطن نفس رسوله ونفوس المؤمنين معه على مواجهة الحسد والبغض والحقد والمكر والتبييت. ويقول الحق: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. ولا يأتي قول الحق: "بينهم" إلا إذا كان هناك طائفتان، والمقصود إما الطوائف اليهودية فيما بينها، وإما طوائف النصرانية فيما بينها، أو بين اليهودية والنصرانية، خصوصاً أن هذه الآيات مستهلة بقوله الحق: { يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ}. فإذا كانت لليهود فالعداوة والبغضاء قائمة بين طوائفهم بعضها مع بعضها الآخر. وإذا كانت للنصارى فالعداوة والبغضاء حاصلان فيما بين طوائفهم، وإن كانت بين اليهود كقسم وبين النصارى كقسم فهي مسألة ممكنة. وهذه العداوة والبغضاء لا تنتهي أبداً بل هي قائمة بينهم إلى يوم القيامة. ويقول الحق: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} وهذا خبر عما وقع في حضن الإسلام، ومثال ذلك خروج "بني قينقاع" على العهد بعد أن جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق بني قينقاع وقال لهم: "حديث : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً ". تفسير : فرفضوا وقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا. فنزل فيهم قول الحق: {أية : قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} تفسير : [آل عمران: 12]. فكان "بنو قينقاع" أول اليهود الذين نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين موقعتي بدر وأحد. وكان سبب ذلك أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها - بضاعة - لتبيعها في سوق "بني قينقاع"، فجلست إلى صائغ يهودي بالسوق، وحاول اليهود إجبارها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، وهي لا تشعر به، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت المرأة. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، وحدثت بذلك الفتنة، لكن الله أطفأ الفتنة وأجلى "بني قينقاع"، ثم "بني النضير" وكان لهم - قبل ذلك - التجمع القوي في المدينة بالثراء والعلم. وقاتل المسلمون "بني قريظة" وأجلوا أهل خيبر، وتملك واستولى المسلمون على وادي القرى. حدث هذا في حضن الإسلام فماذا حدث في غير حضن الإسلام؟ لقد رأيناهم أيام المجوس وقد أهلكهم بختنصر، وكذلك تيتوس الروماني، ورأيناهم مقطعين في الأرض في كل زمان ومكان، وقد يقول قائل: إذا كان الحق قد قال: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} فلماذا لا تنطفىء الحرب الحالية بيننا وبينهم؟ ونقول: إن الذي يطفئ نيران الحرب لا بد أن يكون من جنود الله. وعندما نصبح جنوداً لله فلسوف تنطفئ هذه الحرب. والمثال القريب منا هو انتصارنا في العاشر من رمضان. لقد كان انتصارنا بالعمل تحت راية "الله أكبر" وقد جزى الله بالخير الضباط والجنود الذين كانوا يعلمون أن العتاد في جانب العدو كان أكبر من عتادنا، لكن النتيجة كانت في صالحنا لأننا دخلناها تحت ظل "الله أكبر". أما الذين ادعوا أنه انتصار حضاري فنقول: عن أي حضارة تتحدثون؟ والإسلام هو نبع الحضارة المتوازنة، وليس الادعاء بالحضارة هو الخروج عن منهج الله. إننا إن ثبتنا على مبدأ "الله أكبر" لا كشعار ولكن كتطبيق لأطفأ الله نيران أي حرب. ويترك سبحانه في كونه السنن التي تعطي التجارب الواقعية لمن يتشكك في الإيمان. ومثال ذلك ما حدث من مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض المقاتلين في غزوة أحد فكادت الهزيمة تلحق بهم. وفي غزوة حنين قالوا: لن نُغلب اليوم من قلة ولذلك يقول سبحانه: {أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25]. وقد ترك الله هذه السنن الكونية ليلفت أي غافل عن الدين أن الخصم ينال منه؛ فالغفلة تؤدي إلى الانحراف، والانحراف لا يمكن أن يؤدي إلى النصر. هكذا يحذر الحق معسكر الإيمان. أما معسكر الكفر فالحق يريد له الذلة، فيعطيه في بعض اللحظات نصراً على المؤمنين في أوقات غفلتهم، وما أن يُفيق المؤمنون من الغفلة حتى تأتي ضربتهم لمعسكر الكفر. وتأتي الضربة وقت أن يكون معسكر الكفر في علو وغلو. ولنا في المثل الريفي الإيضاح. يقول المثل: لا يقع مؤمن من على حصيرة، والمقصود أن التواضع يحمي الإنسان من وهم العلو والكبر؛ لأن الذي يقع هو الذي يتخيل أنه علا في الأرض ولذلك يعميه الله عن الحرص، ويأتي قوله: {أية : وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} تفسير : [الإسراء: 7]. أي أن يتم العصف بكل شيء. وأهل السياسة عندما يريدون أن ينزلوا بخصومهم العقاب يرفعون خصومهم ويمدون لهم في حبال الصبر والإمهال حتى يعلو الخصم كثيراً ثم ينكشف ويظهر سوء سلوكه فيقع أمام الناس. ولذلك نجد القرآن صريحاً مطلق الصراحة في هذا المجال: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44]. فسبحانه يمد ويملي لهم ليأخذوا وليبنوا وليترفوا، وليفرحوا بما أخذوا، ومن بعد ذلك يفتح الله عليهم أبواب كل شيء. وأمثلة ذلك في الحياة كثيرة. لقد رأينا الدول القوية تساعد خصومنا، واتفق المعكسر الشرقي والمعسكر الغربي لسنوات على مساعدة الخصم، وقلنا لهم: أنتم الآن في مقام: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} وأنتم أيها الخصوم قد تنتقلون إلى مقام: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ}. وسوف تنتقلون من بعد ذلك إلى مقام: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}. وقد حدث أن سقط الاتحاد السوفيتي بأكمله، وأخذهم الله بغتة بأيدي أناس منهم، وكثيراً ما تحدث الكوارث لمن يضطهد أهل الإيمان. إذن: فلا داعي لأن يغتر أحد بما وصل إليه. ويقول الحق: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]. وهم مكبوتون دائماً. فالحق لا يُمَكّنهم من كل أهوائهم. لذلك يبغون في الأرض فساداً بأساليب الاختفاء. ومن يقرأ "بروتوكلات صهيون" يجد اعترافاتهم بأنهم أصحاب النظريات التي تقود إلى الأفكار الخاطئة كالماركسية والوجودية والداروينية وهي أمور مرتبة من قبل ليظهر أثرها الضار في الشعوب غير اليهودية. أما اليهود فقد حصنوهم ضد هذه المبادئ الفاسدة، هكذا أرادوا التبييت ضد العالم، وهكذا يكون سعيهم بالفساد بين الناس. وإذا نظرنا إلى الانحراف الحالي في الكون فإننا نجدهم وراءه. فالرأسمالية الشرسة من اليهود. والشيوعية الشرسة من اليهود. وهؤلاء الذين يدعون أنهم أنبياء من بعد رسول الله إنما يحدث لهم ذلك بفعل اليهود، وكذلك الجمعيات التي تتخفي وراء أسماء "الماسونية والروتاري والليونز"، كلها من اليهود. ومع ذلك نتلفت إلى قوم يقولون إنهم متحضرون ويفخرون بأنهم أعضاء في الروتاري، ونسألهم: ماذا تفعلون في تلك الأندية؟ يقولون: نقوم بالأعمال الخيرية والخدمات. ونقول لهم: لماذا لا تفعلون أعمال الخير باسم الإسلام؟. وهل تظنون أن هناك خيراً يأتي من خارج الإسلام؟! ويكتشف الكون كل فترة من الزمن أن الفساد الذي فيه إنما هو بسبب هؤلاء الناس وبسبب مكائدهم؛ لذلك يصيبهم الحق بالكوارث كل فترة من الزمن؛ لأنهم يسعون في الأرض فساداً. وهذا السعي في الأرض بالفساد إنما يأخذ صوراً متعددة، مرة يأخذ شكل النظريات العلمية، ومرة يأخذ شكل التطرف في الأنظمة السياسية من رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة، وكل ذلك تخريب لحياة الناس. والناس حين تجرب نظاماً فهي تقيس نجاحه أو فشله بمقدار ما يعود عليها من خير أو من شر. لقد كانت روسيا - على سبيل المثال - تمد العالم بالقمح من سيبيريا. ولكنها الآن تشكو قلة الزراعة وتنتظر من يبيع لها القمح. وعلى الجانب الآخر نجد الرأسمالية الشرسة تطحن أبناء تلك البلدان في الحياة غير المسئولة باسم الحرية. وقد شهدت ألمانيا - مثلاً - قسمة عاصمتها القديمة "برلين" إلى قسمين، ولكل قسم حياة، وشهدت إعادة التوحيد لأرض ألمانيا بما يصاحبه من مشكلات جمة. وقد تذهب بعض المجتمعات إلى أيدي أناس لهم شراسة أشد كالحزب الحاكم في كل دولة لا تتبع منهاجاً متوازناً، ونجد رجال هذا الحزب كهيئة تأخذ الدعوة ونقيض الدعوة حتى لا يتمرد عليهم أحد، فعَرق العامل في أيديهم ومصنع الرأسمالي في أيديهم وهم يعيشون حياة الأمراء ولا يجرؤ أحد على أن يسألهم. ومثال ذلك أيضاً نظرية الوجودية التي تدعو كل إنسان ليثبت وجوده، وصاحبتها موجة من الانحلال اللا مسئول، ذلك أنهم لم يفهموا إثبات الوجود على أساس أنه مسئولية العمل الصالح في الكون، ولكن فهموا الأمر على أنه انطلاق غرائز على الرغم من أن المفترض في كل إنسان إذا أراد أن يمد يده، فعلى يده أن تتوقف حيث يوجد أنف إنسان آخر. لكن هؤلاء الناس عاملوا الناس كأطفال، تماماً كما يأتي الأب لابنه بلعبة يلعب بها ولتكن آلة تليفون، يقدمها الأب لابنه ليستغل طاقته قبل أن يكون مكلفاً، ولكن الأب لا يسمح للابن أن يعلب بآلة التليفون الحقيقية، وهؤلاء الناس يأخذون الكبار إلى اللعب واللهو حتى لا يتدخل الكبار في أمور الجد. ومثال ذلك لعبة كرة القدم، إنهم ينفخون فيها بالبطولة وينقلون قوانين الجد إلى اللعب. وقبل المبارة بثلاث ساعات تجد قوات الأمن قد سدّت الطرق إلى الملعب الذي يشهد المباراة. ولو أخطأ الحكم خطأ تافهاً فإنّ الجهور يثور ويهيج. ولكن عندما يخطئ الحكام والحكومات ألف خطأ فلا أحد يتكلم، لماذا؟. لأنكم نقلتم قوانين الجد إلى اللعب واللهو وتركتم الجِد بلا قوانين. مثال آخر: نجد كل فاكهة أو محصول أو صناعة في الوجود يقيمون لها الاحتفالات ويتوجون عليها ملكة، ملكة الكروم، ملكة القمح، ملكة الأزياء، وكل ذلك من أجل إبراز مفاتن النساء، ولا يوجد تكريم للعقول التي تنتج. وعلى سبيل المثال نجد ملابس الشباب الرياضية تغطي جسد الشباب من الذكور، لكنهم لا يفعلون ذلك بالنسبة للإناث، لماذا لا يغطون أجساد البنات أيضاً أثناء ممارسة الرياضة؟ والغرض - بطبيعة الحال - هو دغدغة أعصاب الناس، وكل ذلك إفساد في الأرض. {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} ومن العجيب أن سعيهم للفساد يلبسونه ثوب الحق وثوب الارتقاء وثوب الحضارة. ويأتي أناس من المسلمين ويشجعون مثل هذا الفساد، وينسون الحقيقة البديهية وهي: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} فسبحانه وتعالى قد خلق الكون على هيئة الصلاح، فإذا استقبلت خير الله بصلاح الوجود الذي طرأت أنت عليه فأنت تحسن حياتك وعملك، أما إن لم ترد صلاح الكون فعليك ألا تأتي بفساد. والحق خلق الكون على نظام دقيق، ونرى ذلك في الأشياء التي لا دخل للإنسان فيها، ونجدها في منتهى الدقة والاستقامة، الشمس والكواكب والفصول والرياح، لكن الفساد يأتي عندما تدخلت يد البشر بغير منهج الله. إذن فالفساد هو الذي يصرف الناس عن منهج الله. ونجد بعضاً من الناس يركبون رءوسهم ويظنون أن ما يفعلونه هو الصلاح، فينطبق عليهم قول الحق: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [البقرة: 11-12]. هذا هو حكم الحق فيهم .. إنهم يدّعون الصلاح، ولكن يجب عليهم أن يرتدعوا فلا يفسدوا. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} معناهُ هُوَ يُحِبُ أَنْ يُمسِكَ خَيرَهُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} معناهُ جَعَلْنَاهَا. تفسير : وقوله تعالى: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} معناهُ نَصَبُوا لِلحَربِ.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} الآية نزلت في فنحاص وابن صوريا وعازر بن أبي عازر قالوا ذلك ونسب ذلك إلى اليهود لأن هؤلاء علماؤهم وهم أتباعهم في ذلك واليد حقيقة في الجارحة، وفي غيرها مجاز فيراد بها النعمة والقوة والملك والقدرة، وظاهر قول اليهود ان لله تعالى يدا فإِن كانوا أرادوا الجارحة فهو يناسب مذهبهم إذ هم مجسمة، وظاهر مساق الآية يدل على أنهم أرادوا بغل اليد وبسطها المجاز عن البخل والجود ومنه لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط. {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} خبر وإيعاد واقع بهم في جهنم لا محالة، قاله الحسن. أو خبر عنهم في الدنيا جعلهم الله أبخل قوم، قال الزجاج. ويظهر أن قولهم: يد الله مغلولة، استعارة من الامساك من الإِحسان الصادر من المقهور على الإِمساك ولذلك جاؤوا بلفظ مغلولة ولا يغل إلا المقهور، فجاء قوله: غلت أيديهم، دعاء عليهم بغل الأيدي فهم في كل بلد مع كل أمة مقهورون مغلوبون لا يستطيع أحد منهم أن يستطيل ولا يستعلي فهي استعارة عن ذلهم وقهرهم وان أيديهم لا تبسط لدفع ضر نزل بهم وذلك مقابلة عما تضمنه قولهم: يد الله مغلولة، وليست هذه المقالة بدعاء منهم. فقد قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء. {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} يحتمل أن يكون خيراً وأن يكون دعاء وبما قالوا يحتمل أن يكون يراد به مقالتهم هذه ويحتمل أن يكون عاماً فيما نسبوه إلى الله تعالى مما لا يجوز نسبته إليه فتندرج هذه المقالة في عموم ما قالوا. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} معتقد أهل الحق أن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم ولا جارحة له ولا يشبهه شيء من خلقه ولا يكيّف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث، وأدلة هذا مقررة في علم أصول الدين، والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ وأضاف ذلك إلى اليدين جرياً على طريقة العرب في قولهم: فلأن ينفق بكلتا يديه، ومنه قول الشاعر: شعر : يداك يدا مجدا فكف مفيدة وكف إذا ما ضن بالمال تنفق تفسير : ويؤيدان اليدين هنا بمعنى الانعام قرينة الإِنفاق ومن نظر في كلام العرب أدنى نظر عرف يقيناً أن بسط اليد وقبضها استعارة للجود والبخل. {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} هذا تأكيد للوصف بالسخاء وإنه لا ينفق إلا على ما تقتضيه مشيئته. ولا موضع لقوله: ينفق، من الإِعراب إذ هي جملة مستأنفة. قال الحوفي: كيف سؤال عن حال وهي نصب بيشاء. "انتهى". ولا يعقل هنا كونها سؤالاً عن حال بل هي بمعنى الشرط كما تقول كيف يكون أكون وفعول يشاء محذوف وجواب كيف محذوف يدل عليه ينفق المتقدم كما يدل في قولك: أقوم ان قام زيد، على جواب الشرط والتقدير ينفق كيف يشاء أن ينفق كما تقول: كيف أضربك أضربك ولا يجوز أن يعمل في كيف ينفق لأن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله إلا إن كان جاراً فقد يعمل في بعض أسماء الشرط ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ}تفسير : [الروم: 48]. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً} ذكر كثيراً لأن منهم من آمن كعبد الله بن سلام. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} الآية، قيل: الضمير في بينهم عائد على اليهود والنصارى لأنه جرى ذكرهم في قوله: لا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ولشمول قوله: قل يا أهل الكتاب، للفريقين، وهذا قول الحسن وغيره. وقيل: هو عائد على اليهود إذ فيهم جبرية وقدرية وموحدة ومشبهه وكذلك فرق النصارى كالملكانية واليعقوبية والنسطورية والذي يظهر أن المعنى لا يزالون متباغضين متعادين فلا يمكن اجتماع كلمتهم على قتالك ولا يقدرون على حربك ولا يصلون إليك ولا إلى أتباعك لأن الطائفتين لا توادّ بينهما فيجتمعان على حربك وفي ذلك اخبار بالمغيب وهو أنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ كان الإِسلام وإلى هذا الوقت. {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} الآية قال الجمهور: هي استعارة. وإيقاد النار عبارة عن إظهار الحقد والكيد والمكر بالمؤمنين والاغتيال والقتال وإطفاؤها صرف الله عنهم ذلك وتفرق آرائهم وحل عزائمهم وتفريق كلمتهم وإلقاء الرعب في قلوبهم فهم لا يرون محاربة أحد إلا غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد. {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} الظاهر أنه يراد به العمل والفعل، أي يجتهدون في الكيد للإِسلام ومحو ذكر الرسول من كتبهم، والأرض يجوز أن يراد بها الجنس أو أرض الحجاز فتكون آلْ فيه للعهد. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} قيل المراد أسلافهم ودخل فيها المعاصرون بالمعنى والغرض الاخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم والذي يظهر أنهم معاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ترغيب لهم في الدخول في الإِسلام وذكر شيئين وهما الإِيمان والتقوى، ورتب عليهما شيئين وهما قابل الإِيمان بتكفير السيئات إذ الإِسلام يجب ما قبله، ورتّب على التقوى وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي دخول جنة النعيم وأضاف الجنة إلى النعيم تنبيهاً على ما كانوا يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا. وإن في قوله: ولو أنهم، حرف مصدري ينسبك منه ما بعده مصدر. فقيل: يرتفع على الفاعلية التقدير لو ثبت إيمانهم وتقواهم لكفرنا عنهم. وقيل: هو مبتدأ والخبر محذوف التقدير لو أن إيمانهم وتقواهم موجودان لكفرنا. {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} الآية هذا استدعاء لإِيمانهم وتنبيه لهم على اتباع ما في كتبهم وترغيب لهم في عاجل الدنيا وبسط الرزق عليهم فيها إذ أكثر ما في التوراة من الموعود به على الطاعات هو الإِحسان إليهم في الدنيا ولما رغبهم في الآية قبل في موعود الآخرة من تكفير السيئات وإدخالهم الجنة رغبهم في هذه الآية في موعود الدنيا ليجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، وكان تقديم موعود الآخرة أهمّ لأنه هو الدائم الباقي والذي به النجاة السرمدية والنعيم الذي لا ينقضي. ومعنى إقامة التوراة والإِنجيل إظهار ما انطوت عليه من الأحكام والتبشير بالرسول والأمر باتباعه فهو كقولهم: أقاموا السوق، أي حركوها وأظهروها وذلك تشبيه بالقائم من الناس إذ هي أظهر هيئاته وفي قوله: والانجيل، دليل على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب. وظاهر قوله: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} العموم في الكتب الإِلهية مثل كتاب أشعياء وكتاب دانيال فإِنها مملوءة من البشارة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: ما أنزل إليهم من ربهم هو القرآن. وظاهر قوله: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} انه استعارة عن سبوغ النعم عليهم وتوسعة الرزق، كما يقال: قد عمّه الرزق من فوقه إلى قدمه، ولا فوق ولا تحت. وقال ابن عباس وغيره: لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها، كقوله تعالى: {أية : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 96]. {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} الضمير في منهم يعود على أهل الكتاب. والأمة هنا يراد بها الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله وكثير منهم. والاقتصاد: من القصد وهو الاعتدال، وهو افتعل بمعنى اعتمل واكتسب أي كانت أولاً جائرة ثم اقتصدت. وقيل: هم مؤمنوا الفريقين كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى واقتصادهم هو الإِيمان بالله تعالى. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} هذا تنويع في التفصيل فالجملة الأولى جاءت منهم أمة مقتصدة، جاء الخبر الجار والمجرور ومقتصدة وصف. والجملة الثانية جاء فيها الوصف الجار والمجرور. والخبر الجملة من قوله: ساءياً يعملون، وبين التركيبين تفاوت غريب من حيث المعنى وذلك أن الاقتصاد جعل وصفاً والوصف ألزم للموصوف من الخبر فأتى بالطائفة الممدوحة بالوصف اللازم وأخبر عنها بقوله: منهم، والخبر ليس من شأنه اللزوم ولا سيما هنا فأخبر عنهم بأنهم من أهل الكتاب في الأصل ثم قد تزول هذه النسبة بالاسلام فيكون التعبير عنهم والإِخبار بأنهم منهم باعتبار الحالة الماضية. وأما في الجملة الثانية فإِنهم منهم حقيقة لأنهم كفار فجاء الوصف بالإِلزم ولم يجعل خبراً أو جعل خبر الجملة التي هي "ساء ما يعملون" لأن الخبر ليس من شأنه اللزوم فهم بصدد أن يسلم ناس منهم فيزول عنهم الإِخبار بمضمون هذه الجملة واختيار الزمخشري في ساء أن تكون التي لا تتصرف قال: فيه التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسؤا عملهم، ولم يذكر غير هذا الوجه. واختار ابن عطية أن تكون المتصرفة تقول: ساء الأمر يسوء. وأجاز أن تكون غير المتصرفة فتستعمل استعمال نعم وبئس، كقوله تعالى: {سَآءَ}، مثلاً فالمتصرفة تحتاج إلى تقدير مفعول أي ساء ما كانوا يعملون المؤمنين، وغير المتصرفة تحتاج إلى تقدير تمييز أي ساء عملاً ما كانوا يعملون. "انتهى". فإِذا كانت ساء للتعجب كان وزنها فعل كما تقول: قضُوا لرجل، أي ما أقضاه. وكذلك يكون وزنها فعل إذا كانت من باب نعم وبئس وإذا كانت متصرفة متعدية كان وزنها فعل بفتح العين ويجوز في ما أيضاً أن تكون مصدرية أي ساء عملهم وأن تكون موصولة بمعنى الذي ويكون التقدير ما يعملونه وحذف الضمير العائد على الموصول. {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} الآية، هذا نداء بالصفة الشريفة التي هي أشرف أوصاف الجنس الانساني وأمر بتبليغ ما أنزل الله إليه وهو عليه السلام قد بلغ ما أنزل إليه فهو أمر بالديمومة. {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} تبليغ ما أنزل إليك. وظاهر هذا الجواب لا ينافي الشرط إذ صار المعنى وإن لم تفعل لم تفعل فالجواب لا بد أن يغاير الشرط حتى يترتب عليه. وقال الزمخشري: المراد وإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب، فوضع السبب موضع المسبّب ويعضده قوله عليه السلام: فأوحى الله إلي ان لم تبلغ رسالاتي لأعذبنك. "انتهى". وقال ابن عطية: أي ان تركت شيئاً فكأنك قد تركت الكل وصار ما بلغت غير معتدّ به، فمعنى وإن لم تفعل، وإن لم تستوف. {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} قال محمد بن كعب: نزلت بسبب الإِعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله. "انتهى". وهو غورث بن الحارث وذلك في غزوة ذات الرقاع. حديث : وهذه الآية نزلت بالمدينة والرسول مقيم بها سهر ليلة وحرسه سعد وحذيفة. فنام حتى غط فنزلت فأخرج إليهما رأسه من قبة آدم وقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله لا أبالي من نصرني ومن خذلنيتفسير : . وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي} الآية أي من قضي عليه بالكفر والموافاة عليه لا يهديه الله أبداً فليس لفظ الكافرين على عمومه لأنه قد وجد كفار وقد هداهم الله. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الآية حديث : قال رافع بن حارثة وغيره: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وأنك تؤمن بالتوراة ونبوة موسى وأن ذلك حق. قال: بلى ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم. فقالوا: انا نأخذ بما في أيدينا فإِنه الحق ولا نصدقك ولا نتبعك تفسير : فنزلت. وتقدم الكلام على إقامة التوراة والإِنجيل وما أنزل فأغنى عن إعادته ونفي أن يكونوا على شيء جعل ما هم عليه عدماً صرفاً لفساده وبطنه فنفاه من أصله أو لاحظ فيه صفة محذوفة أي على شيء يعتد به فنتوجه النفي إلى الصفة دون الموصوف. والضمير في تقيموا عائد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وقيل: جمع الضمير والمقصود التفصيل أي حتى يقيم أهل التوراة التوراة ويقيم أهل الإِنجيل الإِنجيل ولا يحتاج إلى ذلك أن أريد ما في الكتابين من التوحيد فإِن الشرائع فيه متساوية. {فَلاَ تَأْسَ} أي لا تحزن عليهم فأقام الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على العلة الموجبة لعدم لتأسف وهي الفسق، أو هو عام فيندرجون فيه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية تقدم الكلام على نظيرها. وقرأ أبيّ وعثمان وغيرهما والصابئين منصوباً عطفاً على اسم إن وما بعدها. قال الزمخشري: وبها قرأ ابن كثير. "انتهى". وليس ذلك مشهوراً عن ابن كثير. وقرأ القراء السبعة والصابئون بالرفع ووجه ذلك على وجوه منها مذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة انه مرفوع بالابتداء وهو منوي به التأخير ونظيره أن زيداً وعمرو قائم، التقدير أن زيداً قائم وعمرو قائم فحذف خبر عمرو لدلالة خبر ان عليه. والنية بقوله: وعمرو، التأخير ويكون وعمرو قائم بحبره هذا المقدر معطوفاً على الجملة من آل زيداً قائم وكلاهما لا موضع له من الإعراب. الوجه الثاني أنه معطوف على موضع اسم إن لأنه قبل دخول ان كان في موضع رفع فروعي هذا الموضع، وهذا مذهب الكائن والفراء. ودلائل هذه المسألة مقررة في علم النحو.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن بعض موجبات اللعنة لأهل الغفلة بقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، إشارة أن الله تعالى مهما وكل الإنسان إلى خصائص نفسه وحساسة طبعه وركاكة نظره وعقله بالخذلان يترشح بما في إنانه من صفاته الظلومتية والجهولية التي جبل عليها حتى يظن السوء، ويقول على الله ما لا يعلم، كما قالت اليهود: يد الله مغلولة؛ أي: من إصابة الخير ومهما أدركته العناية الربانية وأيده بالتأييد الإلهي فما ينطق عن الهوى إلا بما يُلهم أو يوحي كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ يَمِينَ الله مَلأَى لاَ يَغِيضُهَ نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" تفسير : ثم أصابهم الحق، وقال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} [المائدة: 64]؛ أي: أيديهم عن إصابة الخير مغلولة، وشأنهم عن تنسيم روائح الصدق مزكوة، وإنهم عن أبواب الحق مطرودون إلى خصائص النفس مردودون ثم أثنى على نفسه فقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]؛ أي: يد اللطف ويد القهر {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} [المائدة: 64]، من خزائن اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإيمان، والإحسان على الكافرين من الضلالة والغواية والكفران وعذاب النيران؛ فيرفع قوة للدرجات العلى ويضع آخرين الدركات السفلى، ويدفع عن قوم الشر والبلاء ويمنع عن قوم الخير والنعماء بل يعم نعم الدفع أو يخص نعم النفع {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} [المائدة: 64]، فيه إشارة إلى أهل الحسد فإنهم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله، وينكرون ذوي الفضل فلا يزيدهم الحسد إلا الطغيان فكما أن مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك قوم عند قوم مصائب، ثم أدرك الحسد خذلان الحق وجعل بأسهم بينهم كما قال تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [المائدة: 64]، فلا يوجد ذو جلالاً بينه وبين صاحبه في الحسد عداوة وبغض، والحقد إلى أن يتوارثوا بطناً عن بطن فلا يكون بينهم موافقة في الحقيقة {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} [المائدة: 64] أي: يجتمعون لإثارة الفتنة على أهل الحقيقة ويتعفون على إظهار الباطل {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} [المائدة: 64]، نار مكرهم وشتت عليهم أمرهم {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} [المائدة: 64]، بإظهار الإنكار والغيبة والبهتان وتقبح أحوال أهل الحق عند العوام؛ لكسر قلوبهم في نظر الخلق ليحقروا بعد وقرُوا {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، الذين يفسدون اعتقاد الخلق في أرباب الصدق وأهل الحق. ثم أخبر عن إصلاح حال من يقبل الصلاح بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [المائدة: 65]، الإشارة ولو أن أهل الكتاب؛ يعني: أهل العوام الظاهر وآمنوا بالعلوم الباطنة وأقروا وصدقوا أهلها فيما يخبرون عنها، واتقوا الإنكار والاعتراض والحسد عليهم لكفر عنهم سيئاتهم، وهي الغفلة عنها والجهل بها والإنكار عليها، والحسنات التي تصدر عن الأبرار بالعكوف على الأعمال البدنية دون القلبية ولزوم العلوم الظاهرة بالإعراض عن العلوم الباطنة، فإنها سيئات المقربين {وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ} [المائدة: 65]؛ أي: لأنزلناهم مع المقربين منازل الأولياء والصديقين ودرجات الشهداء والصالحين {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} [المائدة: 66]، في القرآن المجيد والكتب المنزلة والصحف الأولى؛ يعني: لو علموا بمقتضياتها ولزموا مستحسناتها، وهي تزكية النفس عن خصائصها الذميمة وتحليتها بدوام الذكر ومراقبة السر لحصول الأخلاق الكريمة ومخالفة الهوى وإيثار الآخرة على الأولى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 14] إلى آخر السورة. {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} [المائدة: 66]؛ يعني: رزقوا من الواردات الروحانية والمشاهدات الربانية {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66]؛ أي: تسخر النفس بالهمم العلية بأن ينهوها ويجعلوا مرادتها تحت أقدامهم ليصلوا إلى مقامتهم كقوله تعالى: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات: 40-41]، {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} [المائدة: 66]؛ أي: علماء السوء {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66]، فيما يحسدون أهل الحق وينكرون عليهم ويؤذونهم بالكذب والافتراء والتخطية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة، وعقيدتهم الفظيعة، فقال: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } أي: عن الخير والإحسان والبر. { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا } وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم. فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي. ولهذا قال: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم. فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارا، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا ويعطي فقيرا عائلا ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده. وقبَّح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى، يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم. وقوله { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا } وهذا أعظم العقوبات على العبد، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة، وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها، والاستسلام لله بها، وشكرا لله عليها، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة. { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ } ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم { أَطْفَأَهَا اللَّهُ } بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم. { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا } أي: يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام. { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك. [ثم قال تعالى]: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } وهذا من كرمه وجوده، حيث ذكر قبائح أهل الكتاب ومعايبهم وأقوالهم الباطلة، دعاهم إلى التوبة، وأنهم لو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، وجميع رسله، واتقوا المعاصي، لكفر عنهم سيئاتهم ولو كانت ما كانت، ولأدخلهم جنات النعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِن رََّبِّهِمْ } أي: قاموا بأوامرهما ونواهيهما، كما ندبهم الله وحثهم. ومن إقامتهما الإيمان بما دعيا إليه، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم { لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } أي: لأدر الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } . تفسير : { مِنْهُمْ } أي: من أهل الكتاب { أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } أي: عاملة بالتوراة والإنجيل، عملا غير قوي ولا نشيط، { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } أي: والمسيء منهم الكثير. وأما السابقون منهم فقليل ما هم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 255 : 24 : 30 - سفين قال، {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قالوا، لا ينفق شيا. [الآية 64].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):