Verse. 734 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَلَوْ اَنَّ اَہْلَ الْكِتٰبِ اٰمَنُوْا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْہُمْ سَـيِّاٰتِہِمْ وَلَاَدْخَلْنٰہُمْ جَنّٰتِ النَّعِيْمِ۝۶۵
Walaw anna ahla alkitabi amanoo waittaqaw lakaffarna AAanhum sayyiatihim walaadkhalnahum jannati alnnaAAeemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو أن أهل الكتاب آمنوا» بمحمد صلى الله عليه وسلم «واتقوا» الكفر «لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم».

65

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم بين أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا، أما سعادات الآخرة فهي محصورة في نوعين: أحدهما: رفع العقاب، والثاني: إيصال الثواب، أما رفع العقاب فهو المراد بقوله {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئَاتهم} وأما إيصال الثواب فهو المراد بقوله {سَيّئَـٰتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ }. فإن قيل: الإيمان وحده سبب مستقل باقتضاء تكفير السيآت وإعطاء الحسنات، فلم ضم إليه شرط التقوى؟ قلنا: المراد كونه آتياً بالإيمان لغرض التقوى والطاعة، لا لغرض آخر من الأغراض العاجلة مثل ما يفعله المنافقون ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} «أَنَّ» في موضع رفع، وكذا {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ}. {آمَنُواْ} صدّقوا. {وَٱتَّقَوْاْ} أي الشرك والمعاصي. {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ} اللام جواب «لو» وكفّرنا غطّينا، وقد تقدم. وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما؛ وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} أي القرآن. وقيل: كتب أنبيائهم. {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} قال ٱبن عباس وغيره: يعني المطر والنبات: وهذا يدل على أنهم كانوا في جَدْب. وقيل: المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم وأكلوا أكلاً متواصلاً؛ وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا؛ ونظير هذه الآية { أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2-3] { أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً } تفسير : [الجن: 16] { أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 96] فجعل تعالى التُّقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شَكَر فقال: { أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7] ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصداً ـ وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسَلمْان وعبدالله بن سلام ـ اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. وقيل: أراد بالاقتصاد قوماً لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والله أعلم. والاقتصاد الاعتدال في العمل؛ وهو من القصد، والقصد إتيان الشيء؛ تقول: قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى. {سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي بئس شيء عَمِلوه؛ كذبوا الرسل، وحَرّفوا الكتب وأَكَلوا السّحت.

البيضاوي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. {وَٱتَّقَوْاْ} ما عددنا من معاصيهم ونحوه. {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها. {وَلأُدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} وجعلناهم داخلين فيها. وفيه تنبيه على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم، وأن الإِسلام يجب ما قبله، وإن جل وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ } بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَٱتَّقَوْاْ } الكفر {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَٰتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ }.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تحتمل أن يراد بها معاصرو محمد صلى الله عليه وسلم، والأظهر أنه يراد بها الأسلاف والمعاصرون داخلون في هذه الأحوال بالمعنى، والغرض الإخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم لو آمنوا بالله وكتابه واتقوا في امتثال أوامره ونواهيه لكفرت سيئاتهم سترت وأذهبت ولأدخلوا الجنة. {ولو أنهم أقاموا التوراة} أي أظهروا أحكامها فهي كإقامة السوق وإقامة الصلاة، وذلك كله تشبيه بالقائم من الناس، إذ هي أظهر هيئات المرء، وقوله تعالى: {والإنجيل} يقتضي دخول النصارى في لفظ {أهل الكتاب} في هذه الآية، وقوله تعالى: {وما أنزل إليهم من ربهم} معناه من وحي وسنن على ألسنة الأنبياء، واختلف المفسرون في معنى {من فوقهم ومن تحت أرجلهم} فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: المعنى لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها بفضل الله تعالى. وحكى الطبري والزجّاج وغيرهما أن الكلام استعارة ومبالغة في التوسعة كما يقال فلان قد عمه الخير من قرنه إلى قدمه، وذكر النقاش أن المعنى: لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ هو من نبات الأرض. قوله تعالى {منهم أمة مقتصدة} معناه: معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال، قال الطبري: معنى الآية أن من بني إسرائيل من هو مقتصد في عيسى عليه السلام يقولون هو عبد الله ورسول وروح منه، والأكثر منهم غلا فيه فقال بعضهم هو إله وعلى هذا مشى الروم ومن دخل بأخرة في ملة عيسى عليه السلام، وقال بعضهم وهم الأكثر من بني إسرائيل: هو آدمي لغير رشدة، فكفر الطرفان، وقال مجاهد: المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديماً وحديثاً. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا مسلم، وقال ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب، وهذا هو المترجح، وقد ذكر الزجّاج أنه يعني بالمقتصدة الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتهتكين المجاهرين. قال القاضي أبو محمد: وإنما يتوجه أن توصف بالاقتصاد بالإضافة إلى المتمردة كما يقال في أبي البحتري بن هشام إنه مقتصد بالإضافة إلى أبي جهل بن هشام لعنه الله، ثم وصف تعالى الكثير منهم بسوء العمل عموماً، وذهب الطبري إلى أن ذلك في تكذيبهم الأنبياء، وكفر اليهود بعيسى والجميع من أهل الكتابين بمحمد صلى الله عليه وسلم {ساء} في هذه الآية هي المتصرفة كما تقول ساء الأمر يسوء، وقد تستعمل {ساء} استعمال نعم وبئس، كقوله عز وجل: {أية : ساء مثلاً} تفسير : [الأعراف:177] فتلك غير هذه، يحتاج في هذه التي في قوله {ساء مثلاً} من الإضمار والتقدير إلى ما يحتاج في نعم وبئس، وفي هذا نظر. وقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} إلى قوله {على القوم الكافرين} هذه الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم عنتاً وربما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله له {بلغ ما أنزل إليك من ربك} أي كاملاً متمماً، ثم توعده تعالى بقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ، أي إنك إن تركت شيئاً فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتدّ به، فقوله تعالى: {وإن لم تفعل} معناه وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر: شعر : سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلاً فسيان لا ذم عليك ولا حمد تفسير : أي ولم تعط ما يعد نائلاً وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "فما بلغت رسالته" على الإفراد، وقرؤوا في الأنعام {أية : حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] على الجمع، وكذلك في الأعراف {أية : برسالاتي} تفسير : [الأعراف:144]، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع "رسالاته" بالجمع، وكذلك في الأنعام, وأفرد في الأعراف, وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعاً في أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول: {يا أيها الرسول} الآية، وقال عبدالله بن شقيق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت {والله يعصمك من الناس} خرج فقال: يا أيها الناس ألحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني, وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت {والله يعصمك من الناس} بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله به. قال القاضي أبو محمد: هو غورث بن الحارث، والقصة في غزوة ذات الرقاع، وقال ابن جريج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً فلما نزلت هذه الآية إلى قوله {والله يعصمك من الناس} استلقى وقال: من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً، و {يعصمك} معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى: {أية : يعصمني من الماء} تفسير : [هود: 43] ومنه قول الشاعر: شعر : فقلت عليكم مالكاً إن مالكاً سيعصمكم إن كان في الناس عاصم تفسير : وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية، وقوله تعالى: {لا يهدي القوم الكافرين} إما على الخصوص فيمن سبق في علم أنه لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره. ثم أمر تعالى نبيه محمداً عليه السلام أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه {لستم على شيء} أي على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {وما أنزل إليكم من ربكم} يعني به القرآن، قاله ابن عباس وغيره ثم أخبر تعالى نبيه أنه سيطغى كثير منهم بسبب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويزيده نزول القرآن والشرع كفراً وحسداً، ثم سلاه عنهم وحقرهم بقوله {فلا تأس على القوم الكافرين} أي لا تحزن إذ لم يؤمنوا ولا تبال عنهم، والأسى الحزن يقال أسي الرجل يأسى أسىً إذا حزن، ومنه قول الراجز: شعر : وانحلبت عيناه من فرط الأسى تفسير : وأسند الطبري إلى ابن عباس قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن جارية وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وأنك تؤمن بالتوراة وبنبوة موسى وأن جميع ذلك حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم، فقالوا: إنّا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق ولا نصدقك ولا نتبعك، فنزلت الآية بسبب ذلك {قل يا أهل الكتاب} الآية.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه فيما جاء به {واتقوا} يعني اليهودية والنصرانية {لكفرنا عنهم سيئاتهم} يعني: لمحونا عنهم ذنوبهم التي عملوها قبل الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله {ولأدخلناهم جنات النعيم} يعني مع المسلمين يوم القيامة {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} يعني أقاموا أحكامهما بحدودهما وعملوا بما فيهما من الوفاء بالعهود والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن نعته وصفته موجودان فيهما. فإن قلت: كيف يأمر أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل مع أنهما نُسخا وبدلا. قلت: إنما أمرهم الله تعالى بإقامة ما فيهما من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته وهذا غير منسوخ لأنه موافق لما في القرآن. وقوله تعالى: {وما أنزل إليهم من ربهم} فيه قولان أحدهما أن المراد به كتب أنبيائهم القديمة مثل كتاب شعياء وكتاب أرمياء وزبور داود وفي هذه الكتب أيضاً ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فيكون المراد بإقامة هذه الكتب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. والقول الثاني: أن المراد بما أنزل من ربهم هو القرآن لأنهم مأمورون بالإيمان به فكأنه نزل إليهم من ربهم {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد وثبتوا على كفرهم ويهوديتهم أصابهم الله بالقحط والشدة حتى بلغوا إلى حيث قالوا {أية : يد الله مغلولة}تفسير : [المائدة: 64] فأخبر الله أنهم لو تركوا اليهودية والكفر الذي هم عليه لانقلبت تلك الشدة بالخصب والسعة وهو قوله تعالى: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قال ابن عباس: معناه لأنزلت عليهم المطر وأخرجت لهم النبات والمراد من ذلك توسعة الرزق عليهم {منهم أمة مقتصدة} أي عادلة. والاقتصاد: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. أصله من القصد، لأن من عرف مقصوداً طلبه من غير اعوجاج عنه. والمراد بالأمة المقتصدة: من آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي وأصحابه الذين أسلموا {وكثير منهم} يعني من أهل الكتاب الذين أقاموا على كفرهم مثل كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود {ساء ما يعملون} يعني بئس ما يعملون من إقامتهم على كفرهم قال ابن عباس: عملوا بالقبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الآية روي عن الحسن أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاق ذرعاً وعرف أن من الناس من يكذبه، فأنزل هذه الآية. وقيل: نزلت في عيب اليهود وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به ويقولون: تريد أن نتخذك حناناً كما اتخذت النصارى عيسى حناناً، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم، سكت، فأنزل الله هذه الآية وأمره بأن يقول لهم: {أية : يا أهل الكتاب لستم على شيء}تفسير : [المائدة: 68] الآية. وقيل: نزلت هذه الآية في أمر الجهاد وذلك أن المنافقين كرهوا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما علم من كراهية بعضهم له فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في قصة الرجم والقصاص وما سأل عنه اليهود ومعنى الآية يا أيها الرسول بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهراً به ولا تراقبن أحداً ولا نترك شيئاً مما أنزل إليك من ربك وإن أخفيت شيئاً من ذلك في وقت من الأوقات فلما بلغت رسالته وهو قوله تعالى {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} وقرئ رسالاته قال ابن عباس: يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالتي يعني أنه صلى الله عليه وسلم لو ترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ شيئاً مما أنزل الله إليه وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئاً مما أوحي إليه. روى مسروق عن عائشة قالت من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أنزل إليه فقد كذب؟ ثم قرأت {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} أخرجاه في الصحيحين بزيادة فيه. وقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} يعني يحفظك يا محمد ويمنعك منهم والمراد بالناس هنا الكفار فإن قلت أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد وقد أوذي بضروب من الأذى فكيف يجمع بين ذلك وبين قوله والله يعصمك من الناس. قلت: المراد منه أنه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل ويدل على صحة ذلك ما روي حديث : عن جابر أنه غزى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه ونمنا معه نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: "إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً. فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثاً ولم يعاقبه وجلس" . تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : قال جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة فاخترطه فقال تخافني؟. فقال: لا. فقال من يمنعك مني؟ قال: الله فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"تفسير : أخرجاه في الصحيحين وزاد البخاري في رواية له: أن اسم ذلك الرجل غورث بن الحارث (ق). عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة قال: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح فقال من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص: فقال له رسول الله ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام"تفسير : وعن عائشة قالت "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلاً حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فأخرج رسول الله من القبة فقال لهم أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله"تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وقيل في الجواب عن هذا: إن هذه الآية نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً وقوله {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} قال ابن عباس: معناه لا يرشد من كذبك وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطبري: معناه إن الله لا يوفق للرشد من حاد عن سبيل الحق وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئت به من عند الله ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه. قوله تعالى: {أية : قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} تفسير : [المائدة: 68] يعني: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى لستم على شيء من الدين الحق المرتضى عند الله ولستم على شيء مما تدعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى عليه السلام يا معشر اليهود ولا مما جاءكم به عيسى يا معشر النصارى فإنكم أحدثتم وغيرّتم. قال ابن عباس: "حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف وراتع بن حرملة. قالوا يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيه ما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس فأنا برئ من إحداثكم"تفسير : قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن لك ولا نتبعك فأنزل الله:.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُواْ...} الآية: هذه الآية تحتملُ أنْ يراد بها معاصروا النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتحتملُ أنْ يراد بها الأسلافُ، والمعاصِرُونَ. وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ}، أي: أظهروا أحْكَامها، فهي كإقامةِ السُّوق، وإقامةِ الصَّلاةِ. وقوله سبحانه: {وَٱلإِنجِيلَ}: يقتضي دخُولَ النصارَىٰ في لفظُ أهْلِ الكتابِ؛ في هذه الآية، قلْتُ: وقال مكِّيٌّ: معنى: {أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ}: أيْ: عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبنبوَّته. انتهى من «الهداية». وقوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ}: معناه: مِنْ وحْيٍ وسُنَنٍ على ألْسِنَةِ الأنبياء ـــ عليهم السلام ـــ، واختُلِفَ في معنَىٰ: {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}، فقال ابن عباس وغيره: المعنَىٰ: لأعطتهم السماءُ مطَرها، والأرض نباتَهَا بفَضْلِ اللَّه تعالَىٰ، وقال الطبريُّ وغيره: إن الكلام ٱستعارةٌ ومبالغةٌ في التوسِعَةِ؛ كما يقالِ: فُلاَنٌ قد عمَّهُ الخَيْرُ مِنْ قَرْنِهِ إلَىٰ قَدَمِهِ. وقوله سبحانه: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}: معناه: معتدِلَةٌ، والقَصْد والاقتصادُ: الاعتدالُ والرفْقُ والتوسُّط الحَسَن في الأقوال والأفعال، قال ابنُ زَيْد: وهؤلاءِ هُمْ أهْل طاعَةِ اللَّه من أهْل الكتاب. قال * ع *: وهذا هو الراجِحُ.

ابن عادل

تفسير : وقد تقدَّم الكلام على نَظِير قوله: "وَلَوْ أنَّ". واعلم أنَّهُ تعالى لما بالغَ في ذَمِّهِمْ وتهجين طريقهِم، بيَّن أنهم لو آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - واتقَوْا لكفَّرنَّا عنهم سَيِّئَاتِهِمْ، ولأدْخلْنَاهُمْ جَنَاتِ النَّعِيم. فإن قيل: الإيمانُ وحدهُ سبب مسْتَقِلٌّ [باقتضاء تكفير] السَّيِّئَاتِ، وإعْطَاء الحَسَناتِ، فلم ضمَّ إلَيْه شَرْطٌ آخر وهُو التَّقْوَى. فالجوابُ: أنَّ المُراد كَوْنه آتياً الإيمان لِغَرَض التَّقْوى، والطَّاعة لا لغرضٍ آخر من الأغْرَاض العَاجِلَة كما يفعله المُنَافِقُون. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} الآية لما بيَّن تعالى في الآية الأولى أنَّهُم لو آمَنُوا لفَازُوا بسَعَادة الآخِرة، بيَّن في هذه الآية أيْضاً، أنَّهُمْ لو آمَنُوا لفَازُوا بسَعَادةِ الدُّنْيَا ووجدُوا طَيِّبَاتِهَا وخَيْرَاتِها، وفي إقَامَةِ التَّوْرَاةِ والإنْجِيل ثلاثةُ أوْجُه: أحدها: أن يعملوا بما فيهما من الوَفَاءِ بالعُهُودِ، ومن الإقْرَار باشْتِمَالهما على الدَّلائل الدَّالَّة على بَعْثَةِ محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -. وثانيها: أنَّ المراد إقامَةُ أحْكَامِهِمَا وحُدُودِهمَا، كما يُقَال: أقامَ الصَّلاة إذا قام بِحُدُودِهَا وحُقوقِهَا، ولا يُقَال لمن لم يُوَفِّ بشَرَائِطها أنَّهُ أقَامها. وثالثها: [أنَّ المراد] جعلوهما نصْبَ أعيُنِهِم، لئلاَّ يَزِلُّوا في شَيْء من حدُودِهِمَا. وقوله تعالى: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} يعني: القُرْآن وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيلَ مثل كُتُبِ شُعَيْبٍ، وكتاب حَيقُوق، وكتاب دَانْيَال، فإنَّ هذه الكتب مملوءة من البشَارَة بِمَبْعَثِ محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -. قوله تعالى: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ}: مفعولُ الأكْلِ هنا محذوفٌ اقتصاراً، أيْ: لوُجِدَ منهم هذا الفعلُ، و"منْ فوقِهِمْ" متعلِّقٌ به، أي: لأكَلُوا من الجهَتَيْنِ، وقال أبو البقاء: "إنَّ "مِنْ فوْقِهِمْ" صفةٌ لمفعول محذوفٍ، أي: لأكَلُوا رِزْقاً كَائِناً مِنْ فَوْقِهِمْ". فصل اعلم أنَّ اليهود لما أصَرُّوا على تَكْذِيب سيِّدنا محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - أصابَهُمُ القَحْطُ والشِّدَّةُ، وبلغُوا إلى حيث قالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، فبيَّن اللَّه لَهُمْ أنَّهُم لو تركوا ذَلِك الكُفْر لانْقَلَب [الأمر] وحصل الخَصْبُ والسَّعَة. قوله تعالى: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. قيل: المراد منه المُبالغُة في شرْحِ السَّعَةِ والخَصْب، والمعنى: لأكلوا أكلاً مُتَّصِلاً كثيراً، كما يُقال: "فلان في الخَيْرِ مِنْ فَوْقِهِ إلى قَدَمِهِ" يريدُ كَثْرَةَ الْخَيْرِ عنده؛ قالَهُ الفَرَّاءُ. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المراد {مِنْ فَوْقِهِمْ} نُزُول المَطَرِ، و{وَمِنْ تَحتِ أرْجُلِهِمْ} خرُوج النَّبَات كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96]، وقيل: الأكل من فَوْقٍ كَثْرَة الأشْجَار المُثْمِرة، ومن تَحْتِ الأرْجُل الزُّروع المغلة، وقيل: يَرْزُقُهم الله تعالى الجِنَانَ البَالِغَةَ الثِّمَار ما يَنْزِلُ مِنْهَا من رُؤوس الشَّجر، ويلتقطون ما تساقَطَ على الأرض مِنْ تَحْت أرجلهم، وهذا إشارة إلى ما جَرَى على اليَهُود من بَني قُرَيْظَة وبني النَّضِير، من قطع نَخِيلهِمِ، وإفساد زُرُوعهم وقوله تعالى: "مِنْهُمْ" خبر مقدَّم، و"أمَّةٌ" مبتدأ، و "مُقْتَصِدَةٌ" صفتُها، وعلى رأي الأخفشِ يجوز أن تكون "أمَّة" فاعلاً بالجار، وقوله: {مِنْهُمْ أمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ} تنويعٌ في التفصيل، فأخبر في الجملة الأولى، بالجارِّ والمجرور، ووصف المبتدأ بالاقتصادِ، ووصف المبتدأ في الجملة الثانية بـ "مِنْهُمْ"، وأخبر عنه بجملة قوله: "سَاءَ ما يَعْمَلُون"، وذلك لأنَّ الطائفة الأولى ممدوحةٌ، فوُصفوا بالاقتصاد، وأخبر عنهم بأنَّهم من جملة أهل الكتاب؛ فإنَّ الوصف ألزمُ من الخبر؛ فإنهم إذا أسلموا، زالَ عنهم هذا الاسمُ، وأما الطائفة الثانية، فإنهم وصفوا بكونهم من أهْلِ الكتاب؛ فإنَّ الوصفَ ألزمُ، وهم كفَّار فهم منهم، وأخبر عنهم بالجملة الذَّمِّيَّة، فإنَّ الخبر ليس بلازمٍ، وقد يُسْلِمُ منهم ناسٌ، فيزول عنهم الإخبارُ بذلك. فصل المُراد بالأمَّة المُقْتَصِدَة: مؤمِنُو أهْلِ الكِتَاب، كعَبْدِ اللَّهِ بنْ سلام من اليَهُود والنَّجَاشِيِّ من النَّصَارى، "مُقْتَصِدَة" أي: عادِلَةٌ غير غَالِية ولا مقصِّرة، والاقتصادُ في اللُّغَة: الاعتِدَال في العمل من غير غُلُوِّ ولا تَقْصِير. وقيل: المُرَاد بالأمَّةِ المقْتَصِدَةِ: كُفَّارُ أهل الكتاب الذين يكنون عُدُولاً في دينهِم، ولا يكون فيهم عِنَادٌ شديدٌ ولا غِلْظَةٌ، كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} تفسير : [آل عمران: 75]. قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}، وفيه معنى التعجُّبِ، كأنَّه قيل [كثير] منهم ما أسْوَأ عَمَلَهم. والمراد بهم: الأجْلاف المُبْغِضُون، مثل كَعْبِ بن الأشْرفِ وأصحابه و"سَاءَ" هذه يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن تكون تعجباً؛ كأنه قيل: ما أسوأ عملهُمْ، ولم يذكُرِ الزمخشريُّ غيره، ولكن النحاة لمَّا ذكروا صيغَ التعجُّبِ لم يَعُدُّوا فيها "سَاءَ"، فإن أراد من جهةِ المعنى، لا من جهة التعجُّب المبوبِ له في النحوِ فقريبٌ. الثاني: أنها بمعنى "بِئْسَ" فتدلُّ على الذَّمِّ؛ كقوله تعالى: {أية : سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} تفسير : [الأعراف: 177]. وقال البَغَوِي: بئس ما يَعْمَلُون، بِئْس شَيْئاً عملهم. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: عملوا بالقَبِيحِ مع التَّكْذِيب بالنَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -. وعلى هذين القولين فـ "سَاء" غيرُ متصرِّفة، لأن التعجُّب وباب المدح والذمِّ لا تتصرَّفُ أفعالُهما. الثالث: أن تكون "سَاء" المتصرِّفة؛ نحو: سَاءَ يَسُوءُ، ومنه: {أية : لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7] {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [تبارك: 27]، والمتصرِّفةُ متعديةٌ؛ قال تعالى: {أية : لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7] فإن قيل فأيْنَ مفعولُ هذه؟ قيل: هو محذوفٌ، تقديرُه: ساء عَملُهُم المؤمنين، والَّتِي بمعنى "بِئْسَ" لا بدَّ لها من مميِّز، وهو هنا محذوفٌ، تقديره: سَاءَ عَمَلاً الذي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت بقوله {وليزيدن} أنهم كانوا كفرة قبل إتيان هذا الرسول عليه السلام، وكرر ما أعده لهم من الخزي الدائم على نحو ما أخبرهم به كتابهم، وعظهم ورجّاهم سبحانه استعطافاً لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة منه في رحمته لعباده ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفاً على ما تقديره: فلو أنهم كفوا عن هذه الجرائم العظائم لاضمحلت صغائرهم فلم تكن لهم سيئات: {ولو أن} ولما كان الضلال من العالم أقبح، قال: {أهل الكتاب} أي الفريقين منهم. ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال، قدمه إعلاماً بأنه لا نجاة لأحد إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية بهم لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلى الله عليه وسلم فقال: {آمنوا} أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى {واتقوا} أي ما هددوا به في كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في قصة إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليه السلام في آخر كتابهم التصريح بنبوته عليه السلام والإشارة إلى أن اتباعه أحق من اتباعه فقا: جاء ربنا من سيناء؛ وشرق من ساعير، وتبدّى من جبال فاران، فأضاف الرب إليهم، وجعل الإتيان من جبال فاران - التي هي مكة، لا نزاع لهم في ذلك - تبدياً وظهوراً أي لاخفاء به بوجه، ولا ظهور أتم منه {لكفّرنا} وأشار إلى عظيم جرأتهم بمظهر العظمة {عنهم سيئاتهم} أي التي ارتكبوها قبل مجيئه وهي مما يسوء، أي يشتد تنكر النفس له أو تكرّهها، وأشار إلى سعة رحمته وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر العظمة فقال: {ولأدخلناهم} أي بعد الموت {جنات النعيم *} أي بدل ما هم فيه من هذا الشقاء الذي لا يدانيه شقاء. ولما كان المعنى: ما فعلوا ذلك، فألزمناهم الخزي في الدنيا والعذاب الدائم في الآخرة، وكان هذا إجمالاً لحالتهم الدنيوية والأخروية، وكان محط نظرهم الأمر الدنيوي، رجع - بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة الأخروية لأنها أهم في نفسها - إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء والداهية القبيحة الصلعاء، وهو تقتير الرزق عليهم، وبين أن السبب إنما هو من أنفسهم فقال: {ولو أنهم أقاموا التوراة} أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها {والإنجيل} أي بعد إنزاله كذلك، وفي إقامته إقامة التوراة الداعية إليه {وما أنزل إليهم من ربهم} أي المحسن إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن القرآن بعد إنزاله، وفي إقامته إقامة جميع ذلك، لأنه مبشر به وداع إليه {لأكلوا} أي لتيسر لهم الرزق، وعبّر بـ "من" لأن المراد بيان جهة المأكول لا الأكل {من فوقهم}. ولما كان ذلك كناية عن عظم التوسعة، قال موضحاً له معبراً بالأحسن ليفهم غيره بطريق الأولى: {ومن تحت أرجلهم} أي تيسراً واسعاً جداً متصلاً لا يحصر، أو يكون كناية عن بركات السماء والأرض، فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة إلا تصديقاً لما تقدم إليهم به في التوراة، قال مترجمها في السفر الخامس - الدعاء والبركات: وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم وعملتم بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم، يصيركم الرب فوق جميع الشعوب، فتصيرون إلى هذا الدعاء، يبارك لكل امرىء منكم في القرية والحقل، يبارك في أولادكم وأرضكم، يبارك لكم في بهائمكم وما يضع في أقطاع بقركم وأحزاب غنمكم، ويبارك فيكم إذا دخلتم ويبارك فيكم إذا خرجتم، ويدفع إليكم الله أعداءكم أسارى، يخرجون إليكم في طريق واحد ويهربون منكم في سبعة طرق، يأمر الله ببركاته في أهرائكم وفي جميع الأشياء التي تمدون أيديكم إليها، وينظر إليكم جميع شعوب الأرض ويعلمون أن اسم الرب عليكم وقد وسمتم به فيخافونكم، ويزيدكم الرب خيراً ويبارك في ثمار أرضكم، يفتح الله ربكم أهراء السماء ويهبط المطر على أهله في زمانه، وتتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلط عليكم أحد، ويصيركم الرب رأساً ولا يصيركم ذنباً، وتصيرون فوق ولا تصيرون أسفل إذا عملتم بجميع وصايا الله ربكم ولم تروغوا عنها يمنة ولا يسرة، ولا تتبعوا الشعوب ولا تعبدوا آلهتها، وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونون ملعونين في القرية - إلى آخر اللعن الذي تقدم قريباً، وقال في الثالث: إذا سلكتم بسنتي وحفظتم وصاياي وعملتم بها، أديم أمطاركم في وقتها، وتبذل الأرض لكم غلاتها، وتبذل لكم الشجر ثمارها، ويدرك الدراس القطاف، والقطاف يدرك الزرع، وتأكلون خبزاً وتشبعون وتسكنون أرضكم مطمئنين، ولا يكون من يخرجكم، وأصرف عن أرضكم السباع الضارية، وتطردون أعداءكم، الخمسة منكم يهزمون مائة، والمائة منكم يهزمون عشرة آلاف، وتقع أعداؤكم قتلى بين أيديكم في الحرب، وأقبل إليكم وأكثركم وأديم مقدسي بينكم ولا أدبر عنكم، بل أكون معكم وأسير بينكم، وإن لم تطيعوني وتسمعوا قولي ولم تعملوا بهذه الوصايا وأبطلتم عهودي، أنا أيضاً أصنع بكم مثل صنيعكم، وآمر بكم البلايا والبرص والبهق المقشر الذي لا يبرأ، والسل الذي يطفىء البصر ويهلك النفس، ويكون تعبكم في الزرع باطلاً، وذلك لأن أعداءكم يأكلون ما تزرعون، وأنزل بكم غضبي، ويهزمكم أعداؤكم، ويتسلط عليكم شنّاؤكم، وتنهزمون من غير أن يهزمكم أحد، وأصيّر السماء فوقكم مثل الحديد، والأرض تحتكم مثل النحاس، ولا تغل لكم أرضكم غلاتها، ولا تثمر الشجر ثمارها، وأرسل عليكم السباع الضارية فتلهككم وتهلك بهائمكم، ويستوحش الطرق منكم، وأسلط عليكم الموت وأدفعكم إلى أعدائكم، وتأكلون ولا تشبعون، وتصيروا إلى ضيق حتى تأكلوا لحوم بناتكم، وأخرب منازلكم، وأفرقكم بين الأمم، وتخرب قراكم، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها، وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة لا تسبتون، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة، ويطردهم صوت ورقة تحرك، ويهربون من صوت الورقة كما يهربون من السيف، ويعنفون بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف. ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم، قال مستأنفاً جواباً لمن يسأل عن ذلك: {منهم} أي أهل الكتاب {أمة} أي جماعة هي جديرة بأن تقصد {مقتصدة} أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير، وهم الذين هداهم الله للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم {وكثير منهم} أي بني إسرائيل {سآء ما يعملون *} أي ما أسوأ فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده، ففيه معنى التعجيب، والتعبيرُ بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله. ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلاً، ومن أقام ما أنزل عليه سعد، ومن كفر بشيء منه شقي، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ، قرن بقوله تعالى {أية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] قولَه حاثاً على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلاً، وكذا إبلاغ جميع من عداهم: {يا أيها الرسول} أي الذي موضوع أمره البلاغ {بلغ} أي أوصل إلى من أرسلت إليهم {ما أنزل إليك} أي كله {من ربك} أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحداً، ولا خائف شيئاً، لتعلم ما لم تكن تعلم، ويهدي على يدك من أراد الله هدايته، فيكون لك مثل أجره. ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها، بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال: {وإن لم تفعل} أي وإن لم تبلغ جميع ذلك، أو إن لم تعمل به {فما بلغت رسالته} لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض، فمن أغفل شيئاً منها فكأنه أغفل الكل، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر، فكانت لذلك في حكم شيء واحد، والمعنى: فلنجازينك، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالاً له صلى الله عليه وسلم وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء. ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب، ويسعون في إيقاع أشد الكروب، وكان ذلك - وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد قتل ناس وجراح آخرين، وكان كأنه قيل: إذا بلغ ذلك وهو ينقّص أديانهم خيف عليه، قال: {والله} أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك الأعلى الذي لا كفوء له {يعصمك} أي يمنعك منعاً تاماً {من الناس} أي من أن يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور الدين، فلا مانع من إبلاغ شيء منها لأحد من الناس كائناً من كان. ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغ فهو لا يؤمن، فلا يزال يبغي الغوائل. أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان بقوله: {إن الله} أي الذي لا أمر لغيره {لا يهدي القوم الكافرين} أي المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله {أية : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً}تفسير : [المائدة: 41] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في قوله {ويغفر لمن يشاء} والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن لترك البلاغ سببين: أحدهما خوف فوات النفس، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء، فنفي الأول بضمان العصمة، والثاني بختام الآية، أي ليس عليك إلاّ البلاغ، فلا يحزنك من لا يقبل، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك، بل لقصور إدراكه وحظه لأن الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه، والله لا يهدي مثله، وتلخيصه: بلغ، فمن أجابك ممن أشير إليه - فيما سلف من غير الكثير الذين يزيدهم ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم - فهو حظه في الدنيا والآخرة، ومن أبى فلا يحزنك أمره، لأن الله هو الذي أراد ضلاله. فالتقدير: بلغ، فليس عليك إلاّ البلاغ، وإلى الله الهدى والضلال، إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين، أو فإذا بلغت هدى بك ربُك من أراد إيمانه، ليكتب لك مثل أجرهم، وأضل من شاء كفرانه، ولا يكون عليك شيء من وزرهم، إن الله لا يهدي القوم الكافرين، والمعنى كما تقدم: يعصمك من أن ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر على الدين كله كما وعدتك، وعلى مثل هذا دل كلام إمامنا الشافعي رحمه الله، قال في الجزء الثالث من الأم: ويقال - والله أعلم: إن أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق} تفسير : [العلق: 1] ثم أنزل عليه بعدها ما لم يؤمر فيه بأن يدعو إليه المشركين، فمرت لذلك مدة، ثم يقال: أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان. فكبر ذلك عليه وخاف التكذيب وأن يُتَناول، فنزل عليه {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67]: من قبلهم أن يقتلوك حتى تبلغ ما أنزل إليك - انتهى. ولقد وفى سبحانه بما ضمن ومن أوفى منه وعداً وأصدق قيلاً! فلما أتم الدين وأرغم أنوف المشركين، أنفذ فيه السم الذي تناوله بخيبر قبل سنين فتوفاه شهيداً كما أحياه سعيداً؛ روى الشيخان: البخاري في الهبة، ومسلم في الطب، وأبو داود في الديات عن أنس بن مالك رضي الله عنه "حديث : أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال: عليّ - فقالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم" تفسير : قال أبو داود: هي أخت مرحب اليهودي, قال الحافظ عبد العظيم المنذري في مختصر سنن أبو داود: وذكره غيره أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت الحارث، وذكر الزهري أنها أسلمت، ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن أبي سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية فتناول منها، وتناول منها بشر بن البراء، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء رضي الله عنه، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: إن كنت نبياً لم يضرك شيء، وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك، قال أبو داود: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت. زاد الدارمي: فقال في مرضه: ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري" وهذا مرسل. قال البيهقي: ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال البيهقي: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر أمر بقتلها. وقصة هذه الشاة عن أبي هريرة رواها البخاري في الجزية والمغازي والطب، والدارمي في أول المسند بغير هذا السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى {أية : وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80] وقد مضى في أول هذه السورة عند قوله {أية : فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين}تفسير : [المائدة: 13] شيء منه. ولأبي داود والدارمي عن ابن شهاب قال: "حديث : كان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا أيديكم، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية من أخبرك؟ قال: أخبرتني هذه في يدي - للذراع، قالت: نعم، قال: فما أردت؟ قالت: قلت: إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار" تفسير : قال الدارمي: وهو من بني ثمامة - وهم حي من الأنصار، قال المنذري: وهذا منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، وفي غزوة خيبر من تهذيب السيرة لابن هشام: "حديث : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارثة امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعاها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بْشر من أكلته التي أكل" تفسير : وذكر موسى بن عقبة أن بشراً رضي الله عنه لم يسغ لقمته حتى أساغ النبي صلى الله عليه وسلم لقمته وقال بعد أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: والذي أكرمك! لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلاّ أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك. ونقلتُ من خط شيخنا حافظ عصره أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني الشافعي ما نصه: وأخرج الحافظ أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور، وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في معجمه الكبير من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت له بخيبر". قال شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي: رجاله ثقات، قلت: وذكر محمد بن إسحاق في السيرة الكبرى وكذلك الواقدي في المغازي - انتهى. وقال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر! إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر" تفسير : ، قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة. ولابن ماجه في الطب عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لا يزال، يصيبك في كل عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت، قال: ما أصابني شيء منها إلاّ وهو مكتوب عليَّ وآدم في طينته" وللبخاري في آخر المغازي عن عائشة رضي الله عنها "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" تفسير : قال ابن فارس في المجمل: الأبهر عرق مستبطن الصلب، والقلب متصل به، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : هذا أوان قطعت أبهري"تفسير : وعبارة المحكم: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وبعضهم يجعله عرقاً مستبطن الصلب وقال ثابت بن عبد العزيز في كتاب خلق الإنسان: وفي الصلب الوتين، وهو عرق أبيض غليظ كأنه قصبة، وفي الصلب الأبهر والأبيض وهما عرقان، وقال الزبيدي في مختصر العين: والأبهران عرقان مكتنفاً الصلب، وقيل: هما الأكحلان. وقال الفيروزآبادي في قاموسه: والأبهر: الظهر وعرق فيه ووريد العنق والأكحل والكلية، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. وقال ابن الفرات في الوفاة من السيرة من تاريخه: قال الحربي: العرق في الظهر يسمى الأبهر، وفي اليد الأكحل، وفي العنق الوريد، وفي الفخذ النسا، وفي الساق الأبجل، وفي العين الشأن، وهو عرق واحد، كله يسمى الجدول. وقال ابن كيسان أيضاً: هو الوتين في القلب والصافن. وقال الإمام أبو غالب بن التياني الأندلسي في كتابه الموعب: إسماعيل بو حاتم: الأبهر عرق في الظهر، وقال: هو الوريد في العنق، ثم يقال: والأبهر عرق مستبطن المتن؛ الأصمعي: وفي الصلب الأبهر وهو عرق؛ صاحب العين: الأبهران الأكحلان، ويقال: هما عرقان مكتنفا الصلب من جانبيه. وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : ما زالت أكلة خيبر تعادّني كل عام فالآن حين قطعت أبهري" تفسير : يعني عرقي، ويقال: الأبهر عرق مستبطن الصلب، وإذا انقطع فلا حياة بعده. وهذا اللفظ الذي ذكره رواه البخاري والطبراني عن عائشة رضي الله عنها. ومعنى تعادّني: تناظرني وتخالفني، ومن العديد بمعنى الند الذي هو المثل المضاد والمنافر، أي إني كلما زدت في جسمي صحة، نقصته بما لها من الضر والأذى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا‏} ‏ قال‏:‏ آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرم الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مالك بن دينار قال ‏ {‏جنات النعيم‏} ‏ بين جنات الفردوس وجنات عدن، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة‏.‏ قيل فمن سكنها‏؟‏ قال‏:‏ الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمة الله جل جلاله راقبوه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي اليهود والنصارى، على أن المراد بالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل، وإنما ذكروا بذلك العنوان تأكيداً للتشنيع، فإنّ أهليةَ الكتاب توجب إيمانهم به، وإقامتَهم له لا محالة، فكفرُهم به وعدمُ إقامتهم له وهم أهلُه أقبحُ من كل قبـيح وأشنعُ من كل شنيع، فمفعول قوله تعالى: {ءامَنُواْ} محذوف ثقةً بظهوره مما سبَقَ من قوله تعالى: {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ } تفسير : [المائدة، الآية 59] وما لَحِقَ من قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} الخ، أي لو أنهم مع صدور ما صدَرَ عنهم من فنون الجنايات قولاً وفعلاً آمنوا بما نُفِيَ عنهم الإيمانُ به فيندرج فيه فرضُ إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما إرادةُ إيمانهم به عليه السلام خاصة فيأباها المقام، لأن ما ذُكر فيما سبَقَ وما لَحِق من كفرهم به عليه السلام إنما ذُكر مشفوعاً بكفرهم بكتابِهم أيضاً قصداً إلى الإلزام والتبكيت ببـيان أن الكفرَ به عليه الصلاة والسلام مستلزمٌ للكفر بكتابهم، فحملُ الإيمانِ هٰهنا على الإيمان به عليه السلام خاصة مُخِلٌّ بتجاوُب أطرافِ النظم الكريم. {وَٱتَّقَوْاْ} ما عدَدْنا من معاصيهم التي من جملتها مخالفةُ كتابهم {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} التي اقترفوها وإن كانت في غاية العِظَم ونهايةِ الكثرة ولم نؤاخِذْهم بها {وَلأُدْخَلْنَـٰهُمْ} مع ذلك {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} وتكريرُ الام لتأكيدِ الوعد، وفيه تنبـيه على كمال عِظَم ذنوبهم وكثرةِ معاصيهم وأن الإسلام يجبُّ ما قبله من السيئات وإن جلَّتْ وجاوزت كلَّ حدَ معهود. {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ} بمراعاة ما فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهدُ نبوةِ النبـي صلى الله عليه وسلم ومبشراتُ بِعثتِه، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك لا بمراعاة جميع ما فيهما من الأحكام لانتساخِ بعضِها بنزول القرآن فليست مراعاةُ الكلِّ من إقامتهما في شيء {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ} من القرآن المجيد المصدِّق لكتبهم، وإيرادُه بهذا العنوان للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله إليهم، وللتصريح ببطلان ما كانوا يدّعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل، وتقديمُ (إليهم) لما مر من قبل، وفي إضافة الرب إلى ضمير (هم) مزيدُ لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة، وقيل: المراد بما أنزل إليهم كتبُ أنبـياءِ بني إسرائيل مثلُ كتاب (شعياء) وكتاب (حبقوق) وكتاب (دانيال) فإنها مملوءة بالبشارة بمبعثه صلى الله عليه وسلم {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي لوسَّع عليهم أرزاقَهم بأن يُفيض عليهم بركاتِ السماء والأرض، أو بأن يكثر ثمراتِ الأشجار وغلالَ الزروع أو بأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنوا ما تهدّل منها من رؤوس الأشجار ويلتقطوا ما تساقط منها على الأرض، وقيل: المراد المبالغة في شرح السَّعَة والخِصْب لا تعيـينُ الجهتين، كأنه قيل: لأكلوا من كل جهة، ومفعول (أكلوا) محذوف بقصد التعميم، أو للقصد إلى نفس الفعل كما في قوله: فلان يعطي ويمنع، و(مِنْ) في الموضعين لابتداء الغاية وفي هاتين الشرطيتين ـ من حثِّهم على ما ذكر من الإيمان والتقوى والإقامةِ بالوعد بنيل سعادة الدارين وزجرِهم عن الإخلال به بما ذُكر ببـيان إفضائِه إلى الحِرْمان عنها وتنبـيههم على أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا لقصورٍ في فيض الفياض ـ ما لا يخفى. {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} جملة مستأنَفةٌ مبنيّةٌ على سؤال نشأ من مضمون الجملتين المصدّرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء الإيمان والاتقاءِ وإقامةِ الكتب المُنْزلة من أهل الكتاب، كأنه قيل: هل كلُّهم كذلك مصرّون على عدم الإيمان؟ الخ، فقيل: (منهم أمة مقتصدة) إما على أن(منهم) مبتدأ باعتبار مضمونه أي بعضهم أمة، وإما بتقدير الموصوف أي بعضٌ كائنٌ منهم كما مر في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ} الآية، أي طائفة معتدلة وهم المؤمنون منهم كعبد اللَّه بنِ سلام وأضرابِه، وثمانيةٌ وأربعون من النصارى، وقيل: طائفة حالُهم أَممٌ في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ} مبتدأ لتخصُّصِه بالصفة خبرُه {سَاء مَا يَعْمَلُونَ} أي مقولٌ في حقهم هذا القولُ، أي بئسما يعملون وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملَهم من العِناد والمكابرةِ وتحريفِ الحق والإعراض عنه، والإفراطِ في العداوة، وهم الأجلافُ المتعصِّبون ككعبِ بن الأشرف وأشباهه والروم.

القشيري

تفسير : إنما وعدهم الغفرانَ بشرط التقوى. ودليل الخطاب يقتضي أنه لا يغفر لمن لا يتق منهم. وقال لظالمي هذه الأمة: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}تفسير : [فاطر: 32] ثم قال في آخر الآية: {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}تفسير : [فاطر: 33] أي أهل التقوى لأنه أهل المغفرة، فإِنْ تركتم التقوى فهو أهلٌ لأن يغفر. ويقال لو أنهم راعوا أمرنا أصلحنا لهم أمرهم، ولكنهم وَقَفُوا فوُقِفُوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو ان اهل الكتاب} اى اليهود والنصارى {آمنوا} بما يجب به الايمان {واتقوا} من المعاصى مثل الكذب واكل السحت ونحو ذلك {لكفرنا عنهم سيآتهم} اى لعفونا عنهم وسترنا عليهم ذنوبهم وهو الخلاص من العذاب {ولادخلناهم جنات النعيم} اى ولجعلناهم خالدين فيها وهو الظفر بالثواب. وفيه تنبيه على ان الاسلام يجب ما قبله وان جل وان الكتابى لا يدخل الجنة ما لم يسلم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو أن أهل الكتاب}؛ اليهود والنصارى، {آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، {واتقوا} ما ذكرنا من معاصيهم ومساويهم، {لكفّرنا عنهم سيئاتهم} المتقدمة، ولم نؤاخذهم بها، {ولأدخلناهم جنات النعيم} مع المؤمنين، وفيه تنبيه على أن الإسلام يجُب ما قبله ولو عظم، وأن الكتابي لا يدخل الجنة إلا أن يسلم. {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} بالإيمان بما فيهما، وإذاعة علمهما، والقيام بأحكامهما، من غير تفريق بينهما، وآمنوا بما {أُنزل إليهم من ربهم}، يعني بسائر الكتب المنزلة، ومن جملتها القرآن العظيم، فإنهم لما كلفوا بالإيمان بها صارت كأنها منزلة عليهم، فلو فعلوا ذلك {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي: لوسعنا عليهم أرزاقهم، وبسطنا عليهم النعم؛ بأن يفيض عليهم بركاتٍ من السماء والأرض، أو: لأكلوا من فوقهم بكثرة ثمرة الأشجار، ومن تحت أرجلهم بكثرة الزروع، أو من فوقهم ما يجنون من ثمار أشجارهم، ومن تحت أرجلهم ما يتساقط منها، والمراد: بيان علة قبض الرزق عنهم، وأن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، لا لقصور القدرة عن ذلك. ولو أنهم أقاموا ما ذكرنا لوسعنا عليهم، ولحصل لهم خير الدارين، {منهم أمة مقتصدة} أي: جماعة عادلة غير غالية ولا مقصرة، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وكثير منهم ساء ما يعملون} أي: قبح عملهم، وفيه معنى التعجب، أي: ما أسوأ عملهم!، وهو المعاندة وتحريف الحق والإعراض عنه، والإفراط في العداوة. قاله البيضاوي. قال في الحاشية: وفي الآية شاهد لما ورد من افتراق أهل الكتابين على فرق، كما أن شاهد افتراق هذه الأمة آية: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ }تفسير : [الأعرَاف:181]، وهذه هي الناجية من هذه الأمة. هـ. يعني التي تهدي بالحق إلى الحق، وتعدل به في جميع الأمور. الإشارة: كل من حقّق الإيمان الكامل والتقوى الكاملة، وسع الله عليه من أرزاق العلوم، وفتحت له مخازن الفهوم، ودخل جنة المعارف، فلم يشتق إلى جنة الزخارف، وقال الورتجبي: لو كانوا على محل التحقيق في المعرفة لأكلوا أرزاق الله بالله من خزائن غيبه، كأصحاب المن والسلوى والمائدة من السماء، ويفتح لهم كنوز الأرض وهم على ذلك، بإسقاط رؤية الوسائط. هـ. وقال القشيري: لو سلكوا سبيل الطاعات لوسعنا عليهم أسباب المعيشة، وسهلنا لهم الحال، إن ضربوا يُمنة، لا يلقون غير اليُمن، وإن ضرَبوا يُسرةَ، لا يجدون إلا اليسر. هـ. ثم أمر رسوله بالتبليغ من غير مبالاة بأهل التشغيب، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}.

الطوسي

تفسير : قد بينا أن معنى (لو) امتناع الشئ لامتناع غيره. وقال الرماني معناه وجوب المعنى الثاني، بالأول على جهة التقدير بطريقة لو كان كذا لكان كذا، فان قطع الأول قطع الثاني بطريقة كقولك وقد كان كذا وكذا، وقد كان كذا وما كان كذا، فما كان كذا فنحوه. وما كفَّرنا عنهم سيئاتهم فما آمنوا واتقوا. والفرق بين (لو) و (إِن) - مع أن كل واحدة منهما تعلق المعنى الأول - أن "لو" للماضي و "ان" للمستقبل كقولك: ان أتيتني أكرمتك. ولو اتيتني لاكرمتك، فيقدر الاكرام بالاتيان في الماضي. وفي "إِن" وعد وليس في "لو" ذلك. أخبر الله تعالى أن هؤلاء اليهود والكفار لو آمنوا واتقوا معاصيه لكفر عنهم سيئاتهم أي غطاها عليهم وأزال عقابها عنهم وأثابهم على إِيمانهم وتقواهم. {ولأدخلناهم جنات النعيم} اللام لام القسم وأصل التكفير التغطية. ومنه يكفر في السلاح قال الشاعر: شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : وقوله {ولأدخلناهم جنات النعيم} وان كان على لفظ الماضي فالمراد به الاستقبال وإِنما كان كذلك، لانه قدر تقدير الماضي كما قال {ولو ردوا لعادوا} وذلك يدل على أن "لو" أوسع من "ان.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ } بنبيّهم وكتابهم {وَٱتَّقَوْاْ} مخالفة كتابهم ومخالفة ما فيه من الاحكام ومن وصف محمّدٍ (ص) حتّى يؤمنوا به وهذا وان كان لاهل الكتاب من اليهود والنّصارى لكنّ التّعريض باهل الكتاب من امّة محمّد (ص) {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} الّتى لزمت نفوسهم حاصلة من افعال جوارحهم والّتى صارت سبباً لافعال جوارحهم {وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} لانّ الايمان يعدّ لدخول الجنّة والتّقوى لازالة السّيئّات.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به وقرنوا ايمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإِيمان {لكفرنا عنهم سيئاتهم} ولم نؤاخذهم {ولأدخلناهم جنات النعيم} {ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل} الآية، أقاموا أحكامها وحددوهما وما فيهما من بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، {وما أنزل اليهم} من سائر الكتب من الله تعالى لأنهم مكلفون بالايمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم، وقيل: هو القرآن {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي تفيض عليهم بركات من السماء وبركات من الأرض، وان تكثروا الأشجار والثمرة والزروع المغلة، وأن يرزقهم الجنات، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم {منهم أمة مقتصدة} مستقيمة على طريقة مؤمنة بعيسى وبمحمد (عليهم السلام) كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود، وقيل: المقتصدة العادلة {وكثير منهم ساء ما يعملون} قيل: هو كعب بن الأشرف وأصحابه والروم {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} قال جار الله: جميع ما أنزل الله اليك، وقيل: نزلت في عبد اليهود قال في الثعلبي: يعني بلغ في فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولما نزلت الآية أخذ بيد علي (عليه السلام) وقال: "حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه" تفسير : وروي في الحاكم أنها نزلت في علي (عليه السلام)، قال في الثعلبي: "حديث : لما نزلت أخذ بيد علي (عليه السلام) فقال: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟" قالوا: بلى، قال: "هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" قال: فاستقبله عمر بن الخطاب فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة"تفسير : ، قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} أي يضمن العصمة من أعدائك يعني يمنعك من أعدائك أن ينالوك بسوء، فإن قيل: فما وجه هذه الآية وقد شج جبينه وكسرت رباعيته وأوذي عن عدة مواطن؟ فالجواب: أن معناها: {والله يعصمك من الناس}: من القتل ولا يصلون إلى قتلك، وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج جبينه وكسرت رباعيته، وقيل: نزلت في صلة الرحم، وقيل: بلغ سائر الأحكام وما يوحي إليك {والله يعصمك من الناس} يعني يمنعك لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} يعني لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك، وعن أنس قال: حديث : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرس حين نزلت هذه الآية فقال: "انصرفوا أيها الناس قد عصمني الله من الناس" تفسير : {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} من الدين ما لم تقرؤا بالكتاب وبالقرآن {وما أنزل إليكم} من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا}: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. {وَاتَّقَوْا}: تلك المعاصى التى ذكرها الله عز وجل عنهم وغيرها. {لَكَفَّرْنَا عَنهُمْ سَيِّئَاتِهِم}: الكبائر والصغائر محوناها عنهم، ولم نعاقبهم بها. {وَلأَدْخَلنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}: دلت الآية أن أهل الكتاب مشركون اذ كان يكفر عنهم سيئاتهم بالايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما هم عيه، ودلت أن الاسلام يجب ما قبله، وأن أهل الكتاب لو عملوا ما عملوا من الصالحات، لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مبعوث الى الناس كلهم، كما قال الله تعالى: {أية : ليكون للعالمين نذيراً }. تفسير : وقيل: المراد بأهل الكتاب من كان منهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن المراد آمنوا بالله وبكتبهم ورسلهم، وبما فى كتبهم من رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه، وانما بشرط التقوى، لأنه من آمن وفى قلبه أن يصر على المعاصى التى كان يفعلها فى الشرك، لم يدخل الجنة، ولم تكفر سيئاته، ومن آمن وفى قلبه أن ينقطع عن ذلك فله الجنة، ولو مات قبل أن يعمل عملا صالحاً بأن مات قبل أن يجىء وقت الفرض، وان ترك فرضاً، أو بعد ذنب وأصر عليه هلك. روى أن الحسن البصرى اجتمع فى جنازة مع الفرزدق وهو من الشعراء، فقال له الحسن: ما أعددت لهذا اليوم، أو قال: لهذا المقام، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وكذا وكذا سنة يظن أن كلمة الشهادة تغنى وحدها، فقال له الحسن البصرى: هذا العمود وأين الاطباب، أى لا ينتفع بها وحدها من دون باقى الاسلام، كما لا ينتفع بعمود الخيمة دون اطنابها، وقد صدق.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ} التوراة والإِنجيل فالمتبادر أَن أَهل الكتاب اليهود والنصارى، ويحتمل اليهود لأَن الكلام فيهم وهم مخاطبون بالإِنجيل كالتوراة {آمَنُوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ به وهو يتضمن الإِيمان بالأَنبياء والكتب كلها، فأَهل الكتاب مشركون إِذا لم يؤمنوا به، فلا يدخلون الجنة. أَو ولو أَن أَهل الكتاب آمنوا بجميع الرسل والكتب {وَاتَّقَوْا} إِيقاد الحرب والسعى فساداً والإِلحاد فى صفات الله وأَفعاله وأَكل السحت وغير ذلك مما هو معصية فعلا أَو تركا {لَكَفَّرنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} نسقطها عنهم فلا نؤاخذهم بها فهذه تحلية وهى طرح المضرة {وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} هذه تحلية أُخرى على ما هو الأَصل ولا شك أَن التوحيد مكفر لما قبله حال الشرك، والآية لم تخرج عن ذلك، أَما من حيى بعد إِسلامه حتى وقع عليه تكليف بفعل أَو ترك ففعل الواجب وترك المحرم فقد اتقى، ومن أَسلم ومات قبل ذلك فقد اتقى بمعنى أَنه انتفى عنه فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به فلفظ اتقوا شامل لهما على أَنه من عموم المجاز أَو المراد فى الآية من حيى فيعلم غيره كذلك إِلحاقاً، بل من مات بعد التوحيد وقبل ذلك فقد آمن واتقى الشرك فشملته الآية بلا عموم مجاز إِذ قد فعل ما كلف به فى الحال، ولا يكتفى بذلك فيمن حيى إِلى ذلك لأَدلة وجوب العمل الصالح والتقوى مع الإِيمان فيمن أَسلم من شرك وفيمن إِسلامه أَصيل. قال مالك بن دينار رحمه الله: جنات الفردوس وجنات عدن جنتان عظيمتان بينهما جنة النعيم أَفضل منهما فيها جوار خلقن من ورد الجنة، قيل: فمن يسكنها؟ قال: الذين إِذا هموا بالمعاصى ذكروا عظمة الله سبحانه وتعالى فتركوا المعاصي، ماتت النوار زوج الفرزدق فصلى عليها الحسن ووقف الناس فقال: ما تنتظرون؟ فقال الفرزدق: ينتظرون شر الناس، يعنى نفسه، وخير الناس -يعنى الحسن- فقال الحسن لستَ بشرهم ولستُ بخيرهم ولكن ما أَعددت لهذا اليوم فقال شهادة أَن لا إِله إلا الله سبعين سنة، توهم أَن التوحيد يكفى، فقال الحسن: هذا العمود فأَين الأَطناب يعنى التوحيد كعمود الخيمة لا ينتفع به دون العمل والتقوى كما لا ينتفع بالخيمة دون الأَطناب.

الالوسي

تفسير : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي اليهود والنصارى على أن المراد بالكتاب الجنس الشامل للتوراة والإنجيل ويمكن أن يراد بهم اليهود فقط، وذكر الإنجيل ليس نصاً في اقتضاء العموم إلا أن الذي عليه عامة المفسرين العموم، وذكروا بذلك العنوان تأكيداً للتشنيع عليهم، والمراد بهم معاصرو رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولو أنهم مع صدور ما صدر منهم من فنون الجنايات / قولاً وفعلاً {ءامَنُواْ} بما نفى عنهم الإيمان، فيندرج فيه فرض إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذف المتعلق ثقة بظهوره مما سبق من قوله تعالى: {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 59] الخ، وما لحق من قوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَٰةَ} تفسير : [المائدة: 66] الخ. وتخصيص المفعول بالإيمان به عليه الصلاة والسلام يأباه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ المقام لأن ما ذكر فيما سبق وما لحق من كفرهم به عليه الصلاة والسلام إنما ذكر مشفوعاً بكفرهم بكتابهم أيضاً قصداً إلى الإلزام والتبكيت ببيان أن الكفر به صلى الله عليه وسلم مستلزم للكفر بكتابهم، فحمل الإيمان ههنا على الإيمان به عليه الصلاة والسلام مخل بتجاوب النظم الكريم، وقدر قتادة فيما أخرجه عن ابن حميد وغيره المتعلق بـِ {أية : مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 49]، وهو ميل إلى التعميم، وكذا عمم في قوله تعالى: {وَٱتَّقَوْاْ} فقال: أي ما حرم الله تعالى. وقال شيخ الإسلام: ما عددنا من معاصيهم التي من جملتها مخالفة كتابهم {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهم} التي اقترفوها وسارعوا فيها وإن كانت في غاية العظمة ولم نؤاخذهم بها، وجمعها جمع قلة إما باعتبار الأنواع وإما باعتبار أنها وإن كثرت قليلة بالنسبة إلى كرم الله تعالى، وقد أشرنا فيما تقدم أن جمع القلة قد يقوم مقام جمع الكثرة إذا اقتضاه المقام {وَلأَدْخَلْنٰهُمْ} مع ذلك {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ}، وجعل أبو حيان تكفير السيئآت في مقابلة الإيمان، وإدخال جنات النعيم في مقابلة التقوى، وفسرها بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالآية من باب التوزيع والظاهر عدمه، وتكرير اللام لتأكيد الوعد، وفيه تنبيه على كمال عظم ذنوبهم وكثرة معاصيهم، وأن الإسلام يجبّ ما قبله وإن جل وجاوز الحد، وفي إضافة الجنات إلى النعيم تنبيه على ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مالك بن دينار أنه قال: {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} بين جنات الفردوس وجنات عدن، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة، قيل: فمن يسكنها؟ قال: الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمة الله تعالى شأنه راقبوه، ولا يخفى أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، والذي يقتضيه الظاهر أن يقال لسائر الجنات: جنات النعيم وإن اختلفت مراتب النعيم فيها.

ابن عاشور

تفسير : عَقَّب نهيهم وذمّهم بدعوتهم للخير بطريقة التّعريض إذ جاء بحرف الإمتناع فقال: {وَلَوْ أنّ أهل الكتاب آمنوا واتَّقوا}، والمراد اليهود. والمراد بقوله: {آمَنوا} الإيمان بمحمّد صلى الله عليه وسلم وفي الحديث: «حديث : اثنان يُؤتَوْن أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثُمّ آمن بي (أي عندما بلغته الدّعوة المحمّديّة) فله أجران، ورجل كانت له جارية فأدّبها فأحْسَن تأديبها وعلَّمها ثمّ أعْتَقَها فتزوّجها فله أجران"تفسير : . واللام في قوله: {لكفّرنا عنهم} ـــ وقوله ـــ {ولأدخلناها} لام تأكيد يكثر وقوعها في جواب (لَو) إذا كان فعلاً ماضياً مثبتاً لتأكيد تحقيق التلازم بين شرط (لو) وجوابها، ويكثر أن يجرّد جواب ـــ لو ـــ عن اللام، كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : لو نشاء جعلناه أجاجاً} تفسير : في سورة الواقعة (70).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {آمَنُواْ} {وَلأَدْخَلْنَاهُمْ} {جَنَّاتِ} (65) - وَلَوْ أنَّ هَؤُلاَءِ اليَهُودَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَاتَّقَوْا مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنَ المَحَارِمِ وَالمَآثِمِ، لَكَفَّرَ اللهُ عَنْهُمُ السَّيِّئَاتِ التِي اقْتَرَفُوهَا، وَلَغَفَرَ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَلأدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ فِي الآخِرَةِ. كَفَّرْنَا - غَفَرْنَا لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا القول يدل على أن أهل الكتاب جميعاً في غير حظيرة الإيمان، والحق يوضح لهم: إن فسادهم كان سابقاً على ظهور الإسلام، ولهذا جاء الإسلام ليخرج الناس من فسادكم أنتم. لقد كان لكم منهج من الله ولكنكم حرّفتموه، وإن لكم رسلاً أرسلهم الله إليكم ولكنكم أسأتم إليهم، وطقوساً دينية ابتدعتموها. وجاء الإسلام لا ليهدي الملاحدة فقط، ولكن ليهدي أيضاً الذين أضلهم أرباب أهل الكتاب. وكانوا من بعد الإسلام يحاربون الإسلام بالاستشراق، وكانوا يؤلفون الكتب ليطعنوا الإسلام. لكنهم وجدوا أن الناس تنصرف عنهم؛ لذلك جاءوا بمن يمدح الإسلام ويدس في أثناء المديح ما يفسد عقيدة المسلمين. إننا نجد بعضاً من المؤلفات تتحدث عن عظمة الإسلام تأتي من الغرب، ولكنهم يحاولون الطعن من باب خلفي كأن يقولوا: إن محمداً عبقري نادر في تاريخ البشرية ويبنون كل القول على أساس أن ما جاء به محمد هو من باب العبقرية البشرية، لا من باب الرسالة والنبوة. ونجد مثالاً على ذلك رجلاً أوروبياً يؤلف كتاباً عن مائة عظيم في العالم ويضع محمداً صلى الله عليه وسلم على رأسهم جميعاً. ونقول له: شكراً: ولكن لماذا لم تؤمن أنت برسالة محمد بن عبد الله؟ إن شهادتهم لنا لا تهمنا في كثير أو في قليل. لقد هاجمونا من قبل بشكل علني. ويحاولون الآن الهجوم علينا بشكل مستتر. وهم أخذوا بعضاً من أبناء البلاد الإسلامية ليربوهم في مدارس الغرب وجامعاته من أجل أن يجعلوا من هؤلاء الشباب دعاة لقضاياهم في إفساد المسلمين، ولم ينجحوا إلا مع القليل؛ لذلك نقول لشبابنا: احذروا أن تكونوا المفسدين وتدعوا أنكم المصلحون، فلا تأخذوا المسألة بالطلاء الخارجي ولكن انظروا إلى عمق القضايا، وتذكروا قول الحق: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104]. علينا أن نرقب كل فساد في الكون، وسنجد أن لأصابع أعداء الإسلام أثراً واضحاً. لقد كان من اجتراء الصهيونية إلى حد الوقاحة أن تقول: ليطمئن شعب الله المختار، فثمانون في المائة من وسائل الإعلام في العالم خاضعة لإرادتنا ولا يمكن أن يُعلم فيها إلا ما نحب أن يُعْلَم. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [المائدة: 65]. فسبحانه وتعالى بهذه الآية يقدم الفرصة لهؤلاء الناس حتى يدخلوا إلى حظيرة الإيمان ويستغفروا الله عن خطاياهم الماضية وليبدأوا حياة جيدة على نقاء وصفاء بدلاً من التحريف والتضليل. وليعرفوا معرفة حقة قوله تعالى في رسوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. هذا القول يجب أن يتهافت إليه غير المسلمين مع المسلمين ليأخذوا من ينبوع الرحمة، وفي ذلك تصفية عقدية شاملة لكل إنسان أن يبدأ طريق إصلاح نفسه. وقوله الحق: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} إنما يدعوهم إلى الإيمان والتقوى. والإيمان محله القلب، أي أن يستقر في القلب الاعتقادُ بوجود إله أعلى، ونؤمن بالبلاغ عن الإله الأعلى بواسطة الرسل، وأن نؤمن بالرسل وبالمناهج التي جاءوا بها، وأن نتبع هذه المناهج، وأن نؤمن بأن المرجع إلى الله، هذا الإيمان ينعكس على الحركة الإيمانية في الأرض، ويحقق الإيمانُ مع التقوى اتجاهَ الإنسان إلى الصالح من العمل. وأن يبتعد عن غير الصالح من العمل اتباعاً لقول الحق: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3]. ولذلك نجد قولاً لأحد العلماء الصالحين من العرب هو: إن الإيمان كالْعُمُد والأعمال كالأطناب. وعرف أن كل بيت له أساس من الأعمدة، وله أوتاد تثبته. والخيمة العربية هي بيت من القماش السميك على عمود من الخشب وتشد الخيمة إلى الأوتاد بحبال، وهذه الحبال هي الأطناب ولا تقوم الخيمة إلا إذا ربطت بأحبال وشدت إلى أوتاد. وكان العربي يفك هذه الخيمة، ويحملها على ظهر بعيره لينصبها في أي مكان. وكان العربي يختار القماش الذي إن نزل عليه المطر، يمتص الماء ويمنع سقوطه داخل الخيمة. إذن فالإيمان عمود، والأعمال أطناب، وهكذا تكون دعوة الحق لأهل الكتاب حتى يؤمنوا ويتقوا الله حتى يكفر عنهم سئياتهم، والكفر - كما نعرف - هو الستر والتغطية والعفو هو محو الأثر، كأن الحق سيغطي على سيئاتهم ثم يمحو أثرها وذلك بأن يعفو عنها؛ لأن الإسلام إنما جاء رحمة يجب أن تستغل ليكفر الحق عن سيئاتهم التي ضللوا بها شعوبهم. لقد كان من الواجب عليهم أن يعرفوا أن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فرصة للتراجع عن الكفر والبهتان. وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليقيم تصفية عقدية في الكون، فالملحد يجب عليه أن يتعرف على خالق الوجود ويؤمن به، والمبدل لمنهج الله ينبغي أن يعود إلى منهج الله. وتلك هي التصفية العقدية الشاملة. ويقول الحق بعد ذلك: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ...}

الجيلاني

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ} بك وبكتابك {وَٱتَّقَوْاْ} عمَّا اجترؤوا عليه في حق الله، وفي حقك {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ} أي: محنا عن ديوان أعمالهم بالمرة {سَيِّئَاتِهِمْ} التي كانوا عليها {وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ} تفضلاً وامتناناً {جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ} [المائدة: 65] منتزهات العلم والعين والحق، إن أخلصوا في إيمانهم. {وَلَوْ أَنَّهُمْ} أي: أهل الكتاب {أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} وامتثلوا بأوامرها، وأظهروا ما فيها من الأحكام والعبر والتذكيرات، سيما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونعته {وَ} أقاموا أيضاً {ٱلإِنْجِيلَ} وعملوا بمقتضى ما فيه {وَ} كذا جميع {مَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} لوسع عليهم الرزق الصوري والمعنوي إلى حيث {لأَكَلُواْ} الرزق {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} - ذكر الجهتين يغني عن الجهات كلها - لو كوشفوا بوحدة الله من جميع الجوانب والجهات، ولا يرون غير الله في مظاهره ومجاليه {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} معتدلة، لا من أهل التفريط، ولا من أهل الإفراط، يرجى إيمانهم، وكشفهم {وَ} إن كان {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] أي: ساء عملهم في الإفراط والتفريط عن جادة الاعتدال والتوحيد. {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} المبعوث إلى كافة الخلق بالرسالة العامة، والدعوة إلى توحيد الذات {بَلِّغْ} وأوصل جميع {مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} لتبيين طريق توحيده الذاتي على جميع من كلف به {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} ولم تبلغ؛ إمهالاً وخوفاً {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} التي كلفك سبحانه بتبليغها، وبالجملة: اعتصم بالله، وتوكل عليه في أدائها {وَٱللَّهُ} المراقب لجميع أحوالك {يَعْصِمُكَ} ويحفظك {مِنَ} شرور {ٱلنَّاسِ} القاصدين مقتك ومساءتك يكفيك مؤنة شرورهم، ويكف عك أذاهم بحوله وقوته {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] القاصدين مقتك، ولا يوصلهم إلى ما يريدون بك من المضرة والمساءة.