٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة، بيّن في هذه الآية أيضاً أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها، وفي إقامة التوراة والإنجيل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود الله فيها، ومن الاقرار باشتمالها في الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وثانيها: إقامة التوراة إقامة أحكامها وحدودها كما يقال: أقام الصلاة إذا قام بحقوقها، ولا يقال لمن لم يوف بشرائطها: أنه أقامها. وثالثها: أقاموها نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودها، وهذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول أحسن. وأما قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } ففيه قولان: الأول: أنه القرآن، والثاني: أنه كتب سائر الأنبياء: مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق، وكتاب دانيال، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام. وأما قوله تعالى: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة، وبلغوا إلى حيث قالوا: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } فالله تعالى بيّن أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة، وفي قوله {لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } وجوه: الأول: أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب، لا أن هناك فوقا وتحتا، والمعنى لأكلوا أكلاً متصلاً كثيراً، وهو كما تقول: فلان في الخير من فرقه إلى قدمه، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده. الثاني: أن الأكل من فوق نزول القطر، ومن تحت الأرجل حصول النبات، كما قال تعالى في سورة الأعراف {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ }تفسير : [الأعراف: 96] الثالث: الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة، والرابع: المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم، والخامس: يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم. ثم قال تعالى: {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير، وأصله القصد، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيراً، تارة يذهب يميناً وأخرى يساراً، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان: أحدهما: أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب: كعبدالله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، فهم على القصد من دينهم، وعلى المنهج المستقيم منه، ولم يميلوا إلى طرفي الافراط والتفريط. والثاني: المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ }تفسير : [آل عمران: 75]. ثم قال تعالى: {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ } وفيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، والمراد: منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ} بإذاعة ما فيهما من نعت محمد عليه الصلاة والسلام والقيام بأحكامها. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ} يعني سائر الكتب المنزلة فإنها من حيث إنهم مكلفون بالإِيمان بها كالمنزل إليهم، أو القرآن {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض، أو يكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار. فيجتنونها من رأس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض بين بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا لقصور الفيض، ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين. {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} عادلة غير غالية ولا مقصرة، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل مقتصدة متوسطة في عداوته. {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} أي بئس ما يعملونه، وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم وهو المعاندة وتحريف الحق والإِعراض عنه والإِفراط في العداوة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ } بالعمل بما فيهما ومنه الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الكتب {مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } بأن يوسع عليهم الرزق ويفيض من كل جهة {مّنْهُمْ أُمَّةٌ } جماعة {مُّقْتَصِدَةٌ } تعمل به وهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاءَ } بئس {مَا } شيئاً {يَعْمَلُونَ } ـه.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} بالعمل بما فيهما من غير تحريف ولا تبديل، أو أقاموهما نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من حكم الله ـ تعالى ـ لم يزلوا. {مِن فَوْقِهِمْ} بالمطر، ومن تحتهم بإنبات الثمر، أو عَبَّر به عن التوسعة كما يقال: فلان من الخير من قَرنه إلى قدمه. {مُّقْتَصِدَةٌ} على أمر الله ـ تعالى ـ أو عادلة.
النسفي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ } من سائر كتب الله لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم. وقيل: هو القرآن. {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } يعني الثمار من فوق رؤوسهم {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } يعني الزروع وهذه عبارة عن التوسعة كقولهم «فلان في النعمة من فرقه إلى قدمه». ودلت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق وهو كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [الأعراف: 96]. {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ }تفسير : [الطلاق: 3]. {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً }تفسير : [نوح: 10] الآيات. {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } [الجن:16] {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ }تفسير : طائفة حالها أُمَمٌ في عداوة رسول الله عليه السلام. وقيل: هي الطائفة المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } فيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم. وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم. {ياأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من رّبِّكَ} جميع ما أنزل إليك، وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه {وإن لّم تفعل} وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك {فما بَلَّغْتَ رسالته} «رسالاته»: مدني وشامي وأبو بكر. أي فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالة ولم تؤد منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ مؤمناً به غير مؤمن. قالت الملحدة لعنهم الله تعالى: هذا كلام لا يفيد وهو كقولك لغلامك: «كل هذا الطعام فإن لم تأكله فإنك ما أكلته»، قلنا: هذا أمر بتبليغ الرسالة في المستقبل أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل فإن لم تفعل أي إن لم تبلغ الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً، أو بلغ ما أنزل إليك من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعدة، فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلاً، أو بلغ ذلك غير خائف أحداً فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً. ثم قال مشجعاً له في التبليغ {واللّهُ يعصمك من النّاسِ} يحفظك منهم قتلاً فلم يقدر عليه وإن شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه. والناس الكفار بدليل قوله {إنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين} لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. {قل ياأهل الكتاب لستم على شيءٍ} على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لبطلانه {حتّى تقيموا التّورٰة والإنجيل ومآ أنزل إليكم مّن رَّبِّكمْ} يعني القرآن {وليزيدنّ كثيراً مّنهم مّآ أنزل إليك من رّبّك طغياناً وكفراً} إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرآن بطريق التسبيب {فلا تأس على القوم الكافرين} فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك. {إنَّ الّذين آمَنُوا} بألسنتهم وهم المنافقون ودل عليه قوله: {أية : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}تفسير : [آل عمران: 76] {والّذين هادوا والصّبئون والنّصارى} قال سيبويه وجميع البصريين: ارتفع «الصابئون» بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز «إن» من اسمها وخبرها كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى {من آمن باللّهِ واليومِ الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} والصابئون كذلك أي من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم فقدم وحذف الخبر كقوله: <table><tr><td> شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب تفسير : أي فإني لغريب وقيار كذلك، ودل اللام على أنه خبر «إن» ولا يرتفع بالعطف على محل «إن» واسمها لأن ذا لا يصح قبل الفراغ من الخبر. لا تقول «إن زيداً وعمرو منطلقان» وإنما يجوز «إن زيداً منطلق وعمرو»، والصابئون مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله «إن الذين آمنوا» إلى آخره، ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها. وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان فما الظن بغيرهم! ومحل «من آمن» الرفع على الابتداء وخبره «فلا خوف عليهم» والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. ثم الجملة كما هي خبر «إن» والراجح إلى اسم «إن» محذوف تقديره: من آمن منهم. {لقد أخذنا ميثاق بني إسرآءِيل} بالتوحيد {وأرسلنا إليهم رسلاً} ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم {كلّما جآءَهُم رسولٌ} جملة شرطية وقعت صفة لـ «رسلاً» والراجع محذوف أي رسول منهم {بما لا تهوى أنفسهم} بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع، وجواب الشرط محذوف دل عليه {فريقاً كذَّبُوا وفريقاً يقتلون} كأنه يقول: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه. وقوله «فريقاً كذبوا» جواب مستأنف لقائل كأنه يقول: كيف فعلوا برسلهم! وقال «يقتلون» بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل، وتنبيهاً على أن القتل من شأنهم، وانتصب «فريقاً» و«فريقاً» على أنه مفعول «كذبوا» و«يقتلون». وقيل: التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى، والقتل مختص باليهود فهم قتلوا زكريا ويحيـى. {وحسبوا ألا تكون} «أن لا تكون»: حمزة وعلي وأبو عمرو على «أن» مخففة من الثقيلة أصله أنه لا تكون فخففت «إن» وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم فلذا دخل فعل الحسبان على «أن» التي هي للتحقيق {فتنةٌ} بلاء وعذاب أي وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل. وسد ما يشتمل عليه صلة «أن» وأن من المسند والمسند إليه مسد مفعولي «حسب» {فَعَمُوا وصَمُّوا} فلم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا، أو فعموا عن الرشد وصموا عن الوعظ {ثمّ تابَ اللَّهُ عليهم} رزقهم التوبة {ثمّ عَمُوا وصَمُّوا كثيرٌ مِّنهم} هو بدل من الضمير أي الواو وهو بدل البعض من الكل، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم {واللّه بصيرٌ بما يعملون} فيجازيهم بحسب أعمالهم. {لقد كفر الّذين قالوآ إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرٰءيل اعبدوا اللّه ربّي وربّكم} لم يفرق عيسى عليه السلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب ليكون حجة على النصارى {إنّه من يشرك باللّه} في عبادته غير الله {فقد حَرَّمَ اللَُّه عليهِ الجنّةَ} التي هي دار الموحدين أي حرمه دخولها ومنعه {ومأوٰه النَّارُ} أي مرجعه {وما للظّالمين} أي الكافرين {من أنصَارٍ} وهو من كلام الله تعالى أو من كلام عيسى عليه السلام. {لقد كفر الّذين قالوآ إنّ اللّه ثَالِثُ ثلاثةٍ} أي ثالث ثلاثة آلهة، والإشكال أنه تعالى قال في الآية الأولى «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» وقال في الثانية «لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة» والجواب أن بعض النصارى كانوا يقولون: كان المسيح بعينه هو الله لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى في ذلك الوقت في شخص عيسى، ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال لا يقدر عليها إلا الله، وبعضهم ذهبوا إلى آلهة ثلاثة: الله ومريم والمسيح وأنه ولد الله من مريم. و «من» في قوله {وما من إلهٍ إلاّ إلهٌ وٰحدٌ} للاستغراق أي وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له. وفي قوله {وإن لّم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الّذين كفروا منهم} للبيان كالتي في {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] ولم يقل «ليمسنهم» لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر، أو للتبعيض أي ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية {عذابٌ أليمٌ} نوع شديد الألم من العذاب. {أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه} ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه وفيه تعجيب من إصرارهم {واللّه غفورٌ رّحيمٌ} يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم. {مّا المسيح ابن مريم إلاّ رسولٌ} فيه نفي الألوهية عنه {قد خلت من قبله الرّسل} صفة لرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلٰهاً بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى، وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى {وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ} أي وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم. ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى: {أية : وصدقت بكلمات ربها وكتبه}تفسير : [التحريم: 12]. ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله {كانا يأكلان الطّعام} لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن إلا جسماً مركباً من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك ما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام {انظر كيف نبيّن لهم الآيات} أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم {ثمّ انظر أنّىٰ يؤفكون} كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان، وهذا تعجيب من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب. {قل أتعبدون من دون اللّه ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعاً} هو عيسى عليه السلام أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، لأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبتخليقه تعالى فكأنه لا يملك منه شيئاً، وهذا دليل قاطع على أن أمره منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً، وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته {واللّه هو السّميعُ العليمُ} متعلق بـ «أتعبدون» أي أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} الغلو مجاوزة الحد، فغلو النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية، وغلو اليهود وضعه عن استحقاق النبوة {غير الحقِّ} صفة لمصدر محذوف أي غلوا غير الحق يعني غلواً باطلاً {ولا تتّبعوآ أهوآءَ قومٍ قد ضلُّوا من قبلُ} أي أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم {وأضلُّوا كثيراً} ممن تابعهم {وضلُّوا} لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم {عن سوآءِ السَّبِيلِ} حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل...} الآية. قال: أما اقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما، وأما {ما أنزل إليهم من ربهم} فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، وأما {لأكلوا من فوقهم} فأرسلت عليه مطراً، وأما {من تحت أرجلهم} يقول: لأنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم {منهم أمة مقتصدة} وهم مسلمة أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لأكلوا من فوقهم} يعني لأرسل عليهم السماء مدراراً {ومن تحت أرجلهم} قال: تخرج الأرض من بركاتها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء، والذي والذي ينبت من الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يقول لأعطتهم السماء بركاتها والأرض نباتها {منهم أمة مقتصدة} على كتاب الله قد آمنوا، ثم ذم أكثر القوم فقال {وكثير منهم ساء ما يعملون}. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: الأمة المقتصدة. الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا. قال: والغلو الرغبة، والفسق التقصير عنه. وأخرج أبو الشيخ عن السدي {أمة مقتصدة} يقول: مؤمنة. وأخرج ابن أبي حاتم حديث : عن جبير بن نفير. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن يرفع العلم. قلت: كيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: ثكلتك أمك يا ابن نفير إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة! أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله، ثم قرأ {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} الآية". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة من طريق ابن أبي الجعد حديث : عن زياد بن لبيد قال "ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: وذلك عند ذهاب أبنائنا يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم، إلى يوم القيامة؟ قال: ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد.! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثاً قال: "ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : تفرَّقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة منها في الجنة. وتفرقت أمة عيسى على اثنين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار. وتعلوا أنتم على الفريقين جميعاً بملة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: الجماعات الجماعاتتفسير : . قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} إلى قوله {ساء ما يعملون} وتلا أيضاً {أية : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : [الأعراف: 181] يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم".
التستري
تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}[66] يعني لو علموا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فلو علمت به لبلغت هذه المنزلة كما بلغها من عمل بها، ولو أقبلت على الرازق لكفيت مؤنة الرزق. ثم قال: ولست أكبر من عمرو بن الليث كان يمر وبين يديه ألف راكب وألف غلام، في يد كل غلام عمود من ذهب وفضة، فآل أمره إلى أن حبس في بيت حين حمل إلى الخليفة، ومنع عنه الطعام والشراب، وفتح الباب فوجدوه ميتاً، وفمه مملوء من الجص والآجر من شدة جوعه. ثم قال: إني نصحت لكم، وإني لكم من الناصحين. وقد حكى مالك بن دينار عن حماد بن سلمة وحماد بن يزيد أنهما دخلا على رابعة فذكرا شيئاً من أمر الدنيا فقالت رابعة: لقد أكثرتما ذكر الدنيا، ما أظنكما إلاَّ جياعاً، فإن كنتما جياعاً فاعمدا إلى القدر وذلك الدقيق، فاصنعا لأنفسكما ما وسوس، قال بعض من كان معها: لو كان لنا ثوم. فقال حماد: فرأيت رابعة حركت شفتيها، فما سكتت حتى جاء طير في منقاره رأس ثوم، فرمى به ومضى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. أي لو سلكوا سبيلَ الطاعة لوسَّعنا عليهم أسباب المعيشة وسهَّلنا لهم الحال حتى إن ضربوا بيمينٍ ما لقوا غيرَ اليُمْن، وإِنْ ذهبوا بعسْرةً ما وجدوا إلا اليُسْر. قوله جلّ ذكره: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}. المقتصد الواقف على حدِّ الأمر؛ لا يُقَصِّر فيُنْقِص، ولا يجاوزُ فيزيد. ويقال المقتصدُ الذي تساوى في هِمَّتِه الفقدُ والوجودُ في الحادثات.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} اشار سبحانه الى ان لو قاموا فى عليهم بخطاب الله ولم يترسموا برسم اهل الحظوظ لكوشفت لهم انوار الملكوت فى قيامهم --- قلوبهم وقوة ابدانهم وكوشفت لهم انوار الجبروت فى سجودهم لقوت ارواحهم وقت عقولهم --- فيهم امة مستعدة لقبول هذه الاحوال ومع ذلك اخرج الله سبحانه قوما من مقام التوكل حيث --- العمل بالكتاب كما شرط على اهل التقوى بقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ----- على محل التحقيق فى المعرفة لاكلوا رزق الله بالله من خوان غيبه كاصحاب المن والسلوى والمائدة المساء ويفتح لهم كنوز الارض وهم على ذلك باسقط رؤية الوسائط.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} اى عملوا بما فيهما من التصديق بسيد المرسلين والوفاء لله تعالى بما عاهدوا فيهما واقامة الشىء عبارة عن رعاية حقوقه واحكامه كاقامة الصلاة {وما انزل اليهم من ربهم} من القرآن المجيد المصدق لكتبهم وايراده بهذا العنوان للتصريح ببطلان ما كانوا يدعون من عدم نزوله الى بنى اسرائيل {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} اى لوسع الله عليهم ارزاقهم بان يفيض عليهم بركات السماء والارض بانزال المطر واخراج النبات. وفيه تنبيه على ان ما اصابهم من الضنك والضيق انما هو من شؤم جناياتهم لا لقصور فى فيض الفياض: وفى المثنوى شعر : هين مراقب باش كردل بايدت كزبى هرفعل جيزى زايدت اين بلا از كودنى آيدترا كه نكردى فهم نكته ورمزها تفسير : وكأنه قيل هل كلهم كذلك مصرون على عدم الايمان والتقوى والاقامة فقيل {منهم امة مقتصدة} اى طائفة عادلة غير غالية ولا مقصرة كعبد الله بن سلام واضرابه ممن آمن من اليهود وثمانية واربعين ممن آمن من النصارى. والاقتصاد فى اللغة الاعتدال فى العمل من غير غلو ولا تقصير {وكثير منهم} مقول فى حقهم {ساء ما} كانوا {يعملون} وفيه تعجب بحسب المقام اى ما اسوء عملهم من العناد والمكابرة وتحريف الحق والاعراض عنه. وفى الآية بيان ان التقوى سبب لتوسعة الرزق واستقامة الامر فى الدنيا والآخرة. قال عبد الله القلانسى ركبت سفينة فى بعض اسفارى فبدت ريح شديدة فاشتغل اهل السفينة بالدعاء والنذور واشاروا الىّ بالنذر ايضا فقلت انى مجرد عن الدنيا فالحوا علىّ فقلت ان خلصنى الله لا آكل لحم الفيل فقالوا من يأكل لحم الفيل حتى تكفه عن نفسك فقلت هكذا خطر ببالى فخلصنى الله بجماعة ورمانا الى ساحل البحر فمضى ايام لم نجد ما نأكل فبينا نحن جياع اذ ظهر جرو فيل فقتلوه واكلوا لحمه ولم آكل رعاية لنذرى وعهدى فالحوا علىّ فقالوا انه مقام الاضطرار فلم اقبل قولهم ثم ناموا فجاءت ام الجرو ورأت عظام ولدها وشمت الجماعة فردا فردا فكل من وجدت رائحته اهلكته ثم جاءتنى فلما لم تجد الرائحة وجهت الىّ ظهرها واشارت الىّ بالنزول فنزلت ولقيت وقت السحر جماعة فاخذونى الى البيت واضافونى فاخبرتهم قصتى على لسان ترجمان فقالوا من ذلك الموضع الى هنا مسيرة ثمانية ايام وقد قطعتها فى ليلة واحدة فظهر من هذه الحكاية انه برعاية جانب التقوى والوفاء بالعهد يستقيم امر المرء من جهة الدين والدنيا وان شهوة واحدة من شهوات الدنيا لها حزن طويل وكيد عظيم بل هلاك كما وقع لتلك الجماعة التى اكلوا جرو الفيل [وقتى زنبورى موريرا ديدكه بهزار حيله دانه بخانه ميكشد ودران ربح بسيارمى دبداورا كفت اى مور اين جه رنجست كه برخود نهاده بياكه مطعم ومشرب من بين كه هر طعامكه لطيف ولذيذ ترست تاازمن زياده نيايد بيادشاهان نرسد هرانجاكه خواهم نشينم وآنجه خواهم كزينم وخورم ودرين سخن بودكه بربريد وبدكان قصابى برمسلوخى نشست قصاب كه كارد دردست داشت بران زنبور مغرور زدد وباره كرد برزمين انداخت ومور بيامد وباى كشان اورامى بردو كفت "رب شهوة ساعة اورثت صاحبها حزنا طويلا" زنبور كفت مرابجايى مبركه نخواهم مور كفت هركه از روى حرص وشهوت جايى نشيندكه خواهد بجايى كشندش كه نخواهد]. واعلم ان قوله تعالى {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} اشارة الى ما يحصل بالوهب الرحمانى وما يحصل بالكسب الانسانى فمن عمل بما علم واجتهد فى طريق الحق كل الاجتهاد ينال مراتب الاذواق والمشاهدات فيحصل له جنتان جنة العمل وجنة الفضل وهذا الرزق المعنوى هو المقبول: وفى المثنوى شعر : اين دهان بستى دهانى بازشد كه خورنده لقمهاى رازشد كر زشيرو ديوتن را وابرى درفطام او بسى نعمت خورى تفسير : اللهم امدنا بفيض فضلك واحسانك.
الطوسي
تفسير : قد بينا معنى {لو} فيما مضى وإِنما فتحت {أنهم} بعدها لأن هذا موضع قد خالف الابتداء بأنه بالفعل أولى فصار بمنزلة العامل الذي يختص بالفعل دون الاسم أو الاسم دون الفعل يبين ذلك امتناع اللام من الدخول على الخبر في {لو} وليس كذلك {حتى} و {الا}. ومعنى {أقاموا التوراة والإنجيل} علموا بما فيهما على ما فيهما دون أن يحرفوا شيئاً منهما أو يغيروا أو يبدلوا كما كانوا يفعلون ويحتمل أن يكون معناه بما فيهما بأن أقاموهما نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودهما. وقوله {وما أنزل إليهم من ربهم} يحتمل أمرين: أحدهما - قال ابن عباس وأبو علي وغيرهما: المراد به الفرقان. الثاني - قال قوم: كل ما دل الله عليه من امور الدين. وقوله {لأكلوا من فوقهم} بارسال السماء عليهم مدراراً {ومن تحت أرجلهم} باعطاء الأرض خيرها وبركتها وقال قوم {من فوقهم} ثمار النخل والأشجار {ومن تحت أرجلهم} الزرع. والمعنى لو آمنوا لأقاموا في أوطانهم، وأموالهم وزروعهم، ولم يجلوا عن بلادهم، ففي ذلك التأسيف لهم على ما فاتهم، والاعتداد بسعة ما كانوا فيه من نعمة الله عليهم، وهو جواب التبخيل في قولهم {أية : يد الله مغلولة}. تفسير : الثاني ان المعنى فيه التوسعة، كما يقال: هو في الخير من قرنه الى قدمه أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها. واختار الطبري الوجه الأول. وقد جعل الله التقى من أسباب الرزق فقال {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } تفسير : وقال {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } تفسير : وقال {أية : استغفروا ربكم إِنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } تفسير : وقال {أية : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً }. تفسير : وقوله {منهم أمَّة مقتصدة} يعني من هؤلاء الكفار قوم معتدلون في العمل من غير غلو ولا تقصير. قال أبو علي: وهم الذين أسلموا منهم، وتابعوا النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو المروي في تفسير أهل البيت. وقال قوم: نزلت في النجاشي وأصحابه. وحكى الزجاج عن قوم أنهم قالوا: نزلت في قوم لم يناصبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) مناصبة هؤلاء. والأول أقوى، لأن الله تعالى لا يجوز أن يسمي الناصب مقتصداً بحال. ويحتمل أن يكون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبد الله، ولا يدعي فيه الالهية والبنوة. وقال مجاهد: هم مسلموا أهل الكتاب. وبه قال ابن زيد، والسدي. واشتقاق المقتصدين من القصد، لأنه القاصد الى ما يعرف، فكان خلاف الطالب المتحير في طلبه. والاقتصاد الاستواء في العمل المؤدي الى الغرض. وقوله {وكثير منهم ساء ما يعملون} أخبار منه تعالى أن أكثر هؤلاء اليهود والنصاري. يعملون الاعمال السيئة وهم الذين يقيمون على الكفر والجحود بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقوله {ساء} معناه قبح و {ما يعملون} يحتمل أن تكون {ما} مع ما بعدها بمنزلة المصدر والتقدير: بئس شيئاً عملهم كما قال: {ساء مثلاً القوم الذين كذبوا}. والثاني أن تكون {ما} بمعنى الذي وما بعدها صلة لها والعائد محذوف.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} يعنى لو انّ امّة محمّد (ص) اقاموا القرآن لانّه تعريض بهم والمعرّض به والمقصود فى الكلام، واقامة الكتاب بالايتمار بأوامره والانتهاء بنواهيه وحفظ ما نزل فيه {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} قد فسّر فى الخبر بالولاية مناسباً للتّعريض وامّا بالنّسبة الى المعرّض عنهم فالمراد سائر ما وصل اليهم من انبيائهم (ع) الآخرين او ما وصّاهم انبياؤهم او اوصياؤهم من المحافظة على الكتابين وحدودهما {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} من الارزاق السّماويّة الاخرويّة الرّوحيّة {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} من الارزاق الارضيّة الدنّيويّة البدنيّة، او المراد بكليهما اكل الرّوح فانّ المؤمن بالبيعة الولويّة وقبول الولاية يفتح له باب القلب، فاذا انفتح باب القلب فكلّما حصل له من الارزاق النّباتيّة والعلوم الحسيّة والكسبيّة الّتى هى من السّفل وكذا العلوم الحاصلة له بمحض الافاضة الآلهيّة المسمّاة بالعلوم اللّدنيّة تكون غذاء روحه لا غذاء نفسه وشيطانه، لما مرّ سابقاً انّ اسماء الاشياء اسماء لفعليّاتها الاخيرة، ومن اقام التّوارة والانجيل اقرّ بمحمّد (ص) ومن اقرّ بمحمّد (ص) اقرّ بالولاية ومن اقّر بالولاية صار فعليّته الاخيرة فعليّة الولاية، ومن صار فعليّته الاخيرة فعليّة الولاية صار جميع ما حصل له من العلوم والاعمال غذاء لفعليّة الولاية {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} خارجة عن تفريط اليهود وافراط النّصارى وداخلة فى الطّريق المقتصد المحمّدىّ (ص) {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} لخروجهم عن الاقتصار الى احد طرفيه.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ}: باشهار ما فيهما من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسالته الى الناس كافة، وما فيهما من وجوب الايمان به، والعمل بما لم ينسخ منهما، وبما فى كتابه. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيّهِم مِّن رَّبِّهِمْ}: من جملة الكتب، مثل كتاب أشعياء، وكتاب أرمياء، وزبور داود، والقرآن، وقيل: المراد القرآن فانه نزل الى كل من أرسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرجُلِهِم}: من للابتداء، والكلام عبارة عن توسيع الرزق، كأنه قيل لأفيض عليهم الرزق من كل جهة، وجعلوا مغمورين فيه، فان هذا مما يعبر به عن توسيعه، أو من كل ما يمكن من وجوه الرزق، وليس القصد خصوص الفوق والتحت، ونفسهما. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: من فوقهم بانزال المطر، ومن تحتهم باخراج النبات، وقيل: من فوقهم من الأشجار المثمرة، ومن تحتهم من الزروع المغلة، وقيل: من فوقهم من الثمار المتعلقة بالشجر، ومن تحتهم من الثمار الساقطة من الشجر، وان شئت قلت: من فوقهم من الشجر، لأن الثمار متعلقة بها، ومن تحتهم من الأرض سقوطها على الأرض، فهى تحت أرجلهم، والمراد فى الأقوال الثلاثة كلها كثرة الثمار، ثم أن الحيوان يأكل ورق الشجر والنبات، ويشرب فتؤكل ويؤكل منها ويشرب، فهى أيضا من السماء والأرض ومما تحت أرجلهم. {مِّنْهُمْ أُمَةٌ}: جماعة. {مُّقْتَصِدَةٌ}: متوسطة فى الدين لا غلو ولا تفريط، كعبد الله بن سلام وأصحابه، والثمانية والأربعين من النصارى على ما مر فى محله ونحوهم ممن آمن من أهل الكتابين برسول الله صلى الله عليه وسلم كالنجاشى. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ}: بئس. {مَا يَعْمَلُونَ}: من الغلو فى أمر وتفريط فى آخر، ومن غلو تارة وتفريط أخرى، كغلو النصارى فى المسيح، وتفريطهم فى جماع الحائض، وغلو اليهود فى الايمان بموسى، بحيث لا يقرون بالنبوة لغيره، فان فيهم من يقول ذلك، وتفريطهم فى عيسى المسيح، وكلهم فرطوا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أمة متوسطة فى عداوته صلى الله عليه وسلم، وكثير مبالغون فى عداوته صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإِنجيل} آمنوا بهما وعملوا بما فيهما من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والعمل بشرعه والدعاء إِليه بلا كتم ولا تحريف {وَمَا أُنْزِلَ إِليْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} من سائر كتب الله أُنزلت عليهم أَو على غيرهم، لأَنهم كلفوا بها، أَو المراد القرآن لأَنه أَنزل إِليهم كما أُنزل إِلى غيرهم، أَعنى كلفوا به كغيرهم، ومما أُنزل عليهم كتاب دانيال وكتاب شعياءَ وكتاب أَرمياءَ وزبور داود وكتاب حزقيل وكتاب حبقوق بقافين {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ} الشجر العالى عليهم كالنخل وأَنواع ما يعلو {وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} ما سفل عنهم من حرث وما نبت بلا حرث وما سقط من الشجر العالى، وما بين ذلك داخل في الكلام كما يذكر الأَطراف ويترك ذكر الأوساط وهي مرادة، أَو يرزقهم جنة كجنة سبأ بلا عمل يأكلون منها وما تساقط لا يعفن بالسقوط، أَو المراد الكناية عن كثرة الأَرزاق لا خصوص الثمار، ولا خصوص الجهات فتكون لهم بركات السماء والأَرض وكل جهة، وقد قيل لأَعطتهم السماءُ مطرها وبركتها والأَرض نباتها وخيرها كقوله تعالى {أية : لفتحنا عليهم بركات من السماءِ والأَرض}تفسير : [الأعراف: 96] {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} عادلة لا غالية ولا مقتصرة تعمل بالحق، وهم من آمن بالنبى صلى الله عليه وسلم واتبعه كما قال مجاهد كعبد الله بن سلام. قيل ومن اتبع كتب الله قبل بعثته صلى الله عليه وسلم أَو بعدها ولم يبلغه خبره وقيل: عبد الله بن سلام ونحوه وأَربعون من النصارى، وقيل النجاشى وأَصحابه {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} من معاندة وتحريف وإِعراض وإِفراط في عداوة، وهذه الكثرة مقابلة القلة فمن ساءَ عمله ككعب ابن الأَشرف والروم أَكثر ممن اقتصد كما دل له قوله أَمة مقتصدة.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَٰةَ وَٱلإِنْجِيلَ} أي وفوا حقهما بمراعاة ما فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم ومبشرات بعثته، وليس المراد مراعاة جميع ما فيهما من الأحكام منسوخة كانت أو غيرها، فإن ذلك ليس من الإقامة في شيء {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ} من القرآن المجيد المصدق لما بين يديه ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ واختاره الجبائي وغيره، وقيل: المراد بالموصول كتب أنبياء بني إسرائيل ـ ككتاب شعيا وكتاب حزقيل وكتاب حبقوق وكتاب دانيال ـ فإنها مملوءة بالبشائر بمبعثه صلى الله عليه وسلم، واختاره أبو حيان، ويجوز أن يراد به ما يعم ذلك والقرآن العظيم، وإنزال الكتاب إلى أحد مجرد وصوله إليه، وإيجاب العمل به وإن لم يكن الوحي نازلاً عليه، والتعبير عن القرآن بذلك العنوان للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله اليهم وللتصريح ببطلان ما كانوا يدعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل، وتقديم {إِلَيْهِمُ} لما مر آنفاً، وفي إضافة الرب إلى ضميرهم مزيد لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة. / {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها وخيرها، كما قال سبحانه: {أية : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقيل: المراد لانتفعوا بكثرة ثمار الأشجار وغلال الزروع، وقيل: بما يهدل من الثمار من رءوس الأشجار وما يتساقط منها على الأرض، وقيل: بما يأتيهم من كبرائهم وملوكهم وما يعطيه لهم سفلتهم وعوامهم، وقيل: المراد المبالغة في شرح السعة والخصب لا تعيين الجهتين كأنه قيل: لأكلوا من كل جهة، وجعله الطبرسي نظير قولك: فلان في الخير من قرنه إلى قدمه أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها، والمراد بالأكل الانتفاع مطلقاً، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم الانتفاعات ويستتبع سائرها، ومفعول ـ أكلوا ـ محذوف لقصد التعميم أو للقصد إلى نفس الفعل كما في قولك: فلان يعطي ويمنع، و (من) في الموضعين لابتداء الغاية. وسنشير إن شاء الله تعالى في باب الإشارة إلى سر ذكر الأرجل، وفي الشرطية الأولى ترغيب بأمر أخروي، وفي الثانية ترغيب بأمر دنيوي وتنبيه على أن ما أصاب أولئك الفجرة من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا لقصور في فيض الفياض، وتقديم الترغيب بالأمر الأخروي لأنه أهم إذ به النجاة السرمدية والنعيم المقيم، وخولف بين العبارتين، فقيل: أولاً: {أية : ءَىمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} تفسير : [المائدة: 65] وثانياً: {أَقَامُواْ} ذا وذا سلوكاً لطريق البلاغة قيل: ويشبه أن يكون {مَا} في الشرطية الثانية إشارة إلى ما جرى على بني قريظة. وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم، فكأنه قيل في حقهم: لو أنهم أقاموا لأقاموا في ديارهم وانتفعوا بنخيلهم وزروعهم لكنهم تعدوا عن الإقامة فحرموا وتاهوا في مهامه الضنك إذ ظلموا، وفرق بعضهم بين الشرطيتين بأن الأولى متحققة اللزوم في أهل الكتاب إلى يوم القيامة إذ لا شبهة في أنه إذا آمن كتابـي واتقى كَفَّرَ الله تعالى عنه سيئاته وأدخله جل شأنه في رحمته سواء في ذلك معاصر النبـي صلى الله عليه وسلم وغيره، ولا كذلك الشرطية الثانية فإن الظاهر اختصاص تحقق اللزوم في المعاصر إذ نرى كثيراً من أهل الكتاب اليوم بمعزل عن الإقامة المذكورة قد وسع عليه أكثر مما وسع على كثير ممن أقام، ونرى الكثير أيضاً منهم يقيم التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ويؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق وهو في ضنك من العيش قبل ولا يتغير حاله، وربما كان في رفاهية حتى إذا أقام وقفت به سفينة العيش فوقع في حيص بيص، وجعلها كالشرطية الأولى، وحمل التوسعة على ما هو أعم من التوسعة الصورية الظاهرة والتوسعة المعنوية الباطنية ـ كأن يرزقهم سبحانه القناعة والرضا بما في أيديهم فيكون عندهم كالكثير وإن كان قليلاً ـ لا أظنه يأخذ محلاً من فؤادك ولا أحسبه حاسماً لما يقال، والقول ـ بأنها كالأولى إلا أن الملازمة بين إقامتهم بأسرهم ما تقدم وانتفاعهم كذلك أي لو أنهم كلهم أقاموا التوراة الخ لأكلوا كلهم من فوقهم الخ لا لو أقام بعضهم ـ لا أراه إلا منكراً من القول وزوراً. وذكر بعض المحققين أن بعضاً فسر قوله سبحانه: {لأَكَلُواْ} الخ بقوله: لوسع عليهم الرزق، وفسر التوسعة بأوجه ذكرها، ولم يجعله شاملاً لرزق الدارين، ولو حمل على الترقي، وتفصيل ما أجمل في الأول شرطاً وجزاءاً لكان وجهاً انتهى، وبهذا الوجه أقول وإليه أتوجه، وإني أراه كالمتعين إلا أن الشرطيتين عليه ليستا سواء، والإشكال فيه باق من وجه ولا مخلص عنه على ما أرى إلا بالذهاب إلى اختلاف الشرطيتين، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ما يتعلق بهذا المقام فتدبر {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} أي طائفة عادلة غير غالية ولا مقصرة / ـ كما روي عن الربيع ـ وهم الذين أسلموا منهم وتابعوا النبـي صلى الله عليه وسلم ـ كما قال مجاهد والسدي وابن زيد ـ واختاره الجبائي، وأولئك ـ كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود ـ وثمانية وأربعون من النصارى، وقيل: المراد بهم النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، والجملة مستأنفة مبنية على سؤال نشأ من مضمون الشرطيتين المصدرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء الإيمان والإتقاء والإقامة المذكورات كأنه قيل: هل كلهم مصرُّون على عدم الإيمان وأخويه؟ فقيل: {مِنْهُمْ} الخ، وتفسير الاقتصاد بالتوسط في العداوة بعيد، {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ} وهم الأجلاف المتعصبون ـ ككعب بن الأشرف وأشباهه والروم ـ. {سَاء مَا يَعْمَلُونَ} من العناد والمكابرة وتحريف الحق والإعراض عنه. وقيل: من الإفراط في العداوة {وَكَثِيرٌ} مبتدأ، و {مِنْهُمْ} صفته، و {سَاء} كبئس للذم. وعن بعض النحاة أن فيها معنى التعجب ـ كقضو زيد ـ أي ما أقضاه، فالمعنى هنا ما أسوأ عملهم، وبعضهم يقول: هي لمجرد الذم والتعجب مأخوذ من المقام، وتمييزها محذوف، و {مَا} موصولة فاعل لها أي ساء عملاً الذي يعملونه، ويجوز أن تكون {مَا} نكرة في موضع التمييز، والجملة الإنشائية خبر للمبتدأ، والكلام في ذلك شهير. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ} أي صلاة الشهود والحضور الذاتي {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـٰوةَ} أي زكاة وجودهم {أية : وَهُمْ رَاكِعُونَ} تفسير : [المائدة: 55] أي خاضعون في البقاء بالله. والآية عند معظم المحدثين نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه، والإمامية ـ كما علمت ـ يستدلون بها على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل، وقد علمت منا ردّهم ـ والحمد لله سبحانه ـ ردّ كلام، وكثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم يشير إلى القول بخلافته كرّم الله تعالى وجهه بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بلا فصل أيضاً إلا أن تلك الخلافة عندهم هي الخلافة الباطنة التي هي خلافة الإرشاد والتربية والإمداد والتصرف الروحاني لا الخلافة الصورية التي هي عبارة عن إقامة الحدود الظاهرة وتجهيز الجيوش والذب عن بيضة الإسلام ومحاربة أعدائه بالسيف والسنان، فإن تلك عندهم على الترتيب الذي وقع كما هو مذهب أهل السنة، والفرق عندهم بين الخلافتين كالفرق بين القشر واللب، فالخلافة الباطنة لب الخلافة الظاهرة، وبها يذب عن حقيقة الإسلام، وبالظاهرة يذب عن صورته، وهي مرتبة القطب في كل عصر، وقد تجتمع مع الخلافة الظاهرة كما اجتمعت في علي كرم الله تعالى وجهه أيام أمارته، وكما تجتمع في المهدي أيام ظهوره، وهي والنبوة رضيعا ثدي، وإلى ذلك الإشارة بما يروونه عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: «حديث : خلقت أنا وعلي من نور واحد»تفسير : وكانت هذه الخلافة فيه كرم الله تعالى وجهه على الوجه الأتم. ومن هنا كانت سلاسل أهل الله عز وجل منتهية إليه إلا ما هو أعز من بيض الأنوق، فإنه ينتهي إلى الصديق رضي الله تعالى عنه كسلسلة ساداتنا النقشبندية نفعنا الله تعالى بعلومهم، ومع هذا ترد عليه كرم الله تعالى وجهه أيضاً، وبتقسيم الخلافة إلى هذين القسمين جمع بعض العارفين بين الأحاديث المشعرة أو المصرحة بخلافة الأئمة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الترتيب المعلوم، وبين الأحاديث المشعرة أو المصرحة بخلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعده عليه الصلاة والسلام بلا فصل، فحمل الأحاديث الواردة في خلافة الخلفاء / الثلاثة على الخلافة الظاهرة، والأحاديث الواردة في خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلافة الباطنة ولم يعطل شيئاً من الأخبار، وقال بحقيقة خلافة الأربع رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأنت تعلم أن هذا مشعر بأفضلية الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلفاء الثلاثة، وبعضهم يصرح بذلك، ويقول: بجواز خلافة المفضول خلافة صورية مع وجود الفاضل لكن قد قدمنا عن الشيخ الأكبر قدس الله تعالى سره أنه قال: ليس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه رجل، وليس مقصوده سوى بيان المرتبة في الفضل فافهم {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} فإنه من حزب الله تعالى أي أهل خاصته القائمين معه على شرائط الاستقامة {أية : فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [المائدة: 56] على أعدائهم الأنفسية والأفاقية، وقد صح «حديث : لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله سبحانه لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك»تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ} أي حالكم الذي أنتم عليه في السير والسلوك {هُزُواً وَلَعِباً} فطعنوا فيه {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} وهم المقتصرون على الظاهر فقط ـ كاليهود ـ أو على الباطن فقط ـ كالنصارى ـ {وَٱلْكُفَّارَ} الذين حجبوا بأنفسهم عن الحق {أَوْلِيَاء} للمباينة في الأحوال {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 57] به عز شأنه {وَإِذَا نَـٰدَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَٰوةِ} أي الحضور في حضرة الرب {أية : ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} تفسير : [المائدة: 58] الأسرار ولم يفهموا ما في الصلاة من بلوغ الأوطار، فقد صح «حديث : حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ} وتنكرون {أية : مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ} تفسير : [المائدة: 59] فجمعنا بين الظاهر والباطن وطرنا بهذين الجناحين إلى الحضرة القدسية {وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} أي بدلنا صفاتهم بصفات هاتيك الحيوانات من الحيل والحرص والشهوة وقلة الغيرة {وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ} وهو كل ما يطغى مما سوى الله تعالى أي أنهم انقادوا إليه وخضعوا له، ومن أولئك من هو عابد الدرهم والدينار {أية : أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} تفسير : [المائدة: 60] لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري وضلوا ضلالاً بعيداً {أية : وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} تفسير : [المائدة: 62] أي يقدمون بسرعة على جميع الرذائل لاعتيادهم لها وتدربهم فيها وكونها ملكات لنفوسهم، فالإثم رذيلة القوة النطقية والعدوان رذيلة القوى الغضبية، وأكل السحت رذيلة القوى الشهوية {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} لحرمانهم من الأسرار التي لا يطلع عليها أهل الظاهر {يَدُ ٱللَّهِ} تعالى عما يقولون {مَغْلُولَةً} فلا يفيض غير ما نحن فيه من العلوم الظاهرة {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} وحرموا إلى يوم القيامة عن تناول ثمار أشجار الأسرار {وَلُعِنُواْ} أي أبعدوا عن الحضرة الإلۤهية {بِمَا قَالُواْ} من تلك الكلمة العظيمة {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ} بهما {أية : كَيْفَ يَشَاء} تفسير : [المائدة: 64] فيفيض حسب الحكمة من أنواع العلوم الظاهرة والباطنة على من وجده أهلاً لذلك، وإلى الظاهر والباطن أشار صلى الله عليه وسلم «بالليل والنهار» فيما أخرجه البخاري وغيره «حديث : يد الله تعالى ملآى لا يغيضها سخاء الليل والنهار»تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ} الإيمان الحقيقي {وَٱتَّقَوْاْ} شرك أفعالهم وصفاتهم وذواتهم، ولو أنهم آمنوا بالعلوم الظاهرة {وَٱتَّقَوْاْ} الإنكار والاعتراض على من روي من العلوم الباطنة وسلموا لهم أحوالهم كما قيل:شعر : وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار تفسير : {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} التي ارتكبوها {أية : وَلأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [المائدة: 65] في مقابلة إيمانهم واتقائهم {وَلَوْ أَنَّهُمْ / أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} بتحقق علوم الظاهر والقيام بحقوق تجليات الأفعال والمحافظة على أحكامها في المعاملات {وَٱلإِنجِيلَ} بتحقق علوم الباطن والقيام بحقوق تجليات الصفات والمحافظة على أحكامها في المكاشفات {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ} من علم المبدأ والمعاد وتوحيد الملك والملكوت من عالم الربوبية الذي هو عالم الأسماء {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} أي لرزقوا من العالم الروحاني العلوم الإلٰهية والحقائق العقلية والمعارف الحقانية {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي من العالم السفلي الجسماني العلوم الطبيعية والإدراكات الحسية، وبالأول: يهتدون إلى معرفة الله تعالى ومعرفة الملك والجبروت، وبالثاني: يهتدون إلى معرفة عالم الملك، فيعرفون الله تعالى إذا تم لهم الأمران باسمه الباطن والظاهر بل بجميع الأسماء والصفات، وللطيبـي هنا كلام طيب يصلح لهذا الباب، فإنه قال بعد أن حكى عن البعض أنه قال في {لأَكَلُواْ} الخ: أي لوسع عليهم خير الدارين، وقلت: هذا في حق من عدد سيآتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا مجرد حدود التوراة والإنجيل، فما ظنك بالعارف السالك إذا قمع هوى النفس وانكمش من هذا العالم إلى معالم القدس معتصماً بحبل الله تعالى وسنة حبيبه صلى الله عليه وسلم فإنه تعالى يفيض على قلبه سجال فضائله وسحائب بركاته، فكمن فيه كمون الأمطار في الأرض، فتظهر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. وفي تعليق الأكل من فوق ومن تحت الأرجل على الإقامة بما ذكر، واختصاص {مِنْ} الابتدائية ما يلوح إلى معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم»تفسير : لأنهم إذا أقاموا العمل بكتاب الله سبحانه استنزل ذلك من فوقهم البركات، فإذا استجدوا العمل لتلك البركات المنزلة وقاموا عليها بثبات أقدامهم الراسخة استنزل ذلك لهم من الله عز وجل بركات هي أزكى من الأولى، فلا يزال العلم والعمل يتناوبان إلى أن ينتهي السالك إلى مقام القرب ومنازل العارفين، وفي ذكر الأرجل إشارة إلى حصول ثبات القدم ورسوخ العلم، وفي اقترانها مع تحت دلالة على مزيد الثبات وأنهم من الراسخين المقتبسين علومهم من مشكاة النبوة دون المتزلزلين الذين أخذوا علومهم من الأوهام، ولذا كتب بعض العارفين بهذه الآية إلى الإمام إرشاداً له إلى معرفة طريق أهل الله عز شأنه انتهى. وقد وجه بعض أهل العبارة ممن هو مني في موضع التاج من الرأس لا زال باقياً ذكر الأرجل هنا بأنه للإشارة إلى أن المراد بقوله سبحانه: {مِن تَحْتِ أَرْجُلِِهِمْ} الأمور السفلية الحاصلة بالسعي والاكتساب كما أن المراد بقوله تعالى: {مّن فَوْقِهِمْ} الأمور الحاصلة بمجرد الفيض، وحينئذٍ يقوى الطباق بين المتعاطفين. ولعلك تستنبط مما ذكره الطيبـي غير هذا الوجه مما يوافق أيضاً مشرب أهل الظاهر، فتدبر {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}، قيل: عادلة واصلة إلى توحيد الأسماء والصفات {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] وهم المحجوبون بالكلية الذين لن يصلوا إلى توحيد الأفعال بعد فضلاً عن توحيد الصفات، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ابن عاشور
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. إقامة الشيء جعْله قائماً، كما تقدّم في أول سورة البقرة. واستعيرت الإقامة لعدم الإضاعة لأنّ الشيء المضاع يكون مُلْقى، ولذلك يقال له: شَيْء لَقًى، ولأنّ الإنسان يكون في حال قيامه أقْدَر على الأشياء، فلذا قالوا: قامتْ السوق. فيجوز أن يكون معنى إقامة التّوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غَضَبه فلأغْدَق عليهم نعمَه، فاليهود آمنوا بالتَّوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدّم آنفاً، وكفروا بالإنجيل ورفضوه، وذلك أشدّ في عدم إقامَته، وبالقرآننِ. وقد أوْمأت الآية إلى أنّ سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التّوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن، أي فتحتّمت عليهم النقمة بعد نزول القرآن. ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي بالاعتراف بما في التّوراة والإنجيل من التبْشير ببعثة محمّد صلى الله عليه وسلم حتّى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة. ويؤيّده ما روي في سبب نزول قوله تعالى: {أية : وقالت اليهود يد الله مغلولة}تفسير : [المائدة: 64] كما تقدّم. ومعنى {لأكلوا مِن فوقهم ومن تحت أرجلهم} تعميم جهات الرزق، أي لرُزقوا من كلّ سبيل، فأكلوا بمعنى رزقوا، كقوله: {أية : وتأكلون التراث أكْلاً لَمَّا}تفسير : [الفجر: 19]. وقيل: المراد بالمأكول من فوق ثمارُ الشجر، ومن تحت الحُبوبُ والمقاثي، فيكون الأكل على حقيقته، أي لاستمرّ الخصب فيهم. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بَركَات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} تفسير : في سورة الأعراف (96). واللام في قوله: {لأكلوا من فوقهم} إلخ مثل اللام في الآية قبلها. {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}. إنصاف لفريق منهم بعد أن جرت تلك المذامّ على أكثرهم. والمقتصد يطلق على المطيع، أي غيرُ مسرف بارتكاب الذنوب، واقف عند حدود كتابهم، لأنّه يقتصد في سَرف نفسه، ودليل ذلك مقابلته بقوله في الشقّ الآخر {ساء ما يعملون}. وقد علم من اصطلاح القرآن التعبير بالإسراف عن الاسترسال في الذنوب، قال تعالى: {أية : قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}تفسير : [الزمر: 53]، ولذلك يقابل بالاقتصاد، أي الحذر من الذنوب، واختير المقتصد لأنّ المطيعين منهم قبل الإسلام كانوا غير بالغين غاية الطاعة، كقوله تعالى: {أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مُقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}تفسير : [فاطر: 32]. فالمراد هنا تقسيم أهل الكتاب قبل الإسلام لأنّهم بعد الإسلام قسمان سيّء العمل، وهو من لم يسلم؛ وسابق في الخيرات، وهم الّذين أسلموا مثل عبد الله بن سَلاَم ومخيريق. وقيل: المراد بالمقتصد غير المُفْرطين في بغض المسلمين، وهم الّذين لا آمنوا معهم ولا آذوْهم، وضدّهم هم المسيئون بأعمالهم للمسلمين مثل كعب بن الأشرف. فالأوّلون بغضهم قلبي، والآخرون بغضهم بالقلب والعمل السيّء. ويطلق المقتصد على المعتدل في الأمر، لأنّه مشتقّ من القصد، وهو الاعتدال وعدم الإفراط. والمعنى مقتصدة في المخالفة والتنكّر للمسلمين المأخوذ من قوله: {أية : وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً}تفسير : [المائدة: 68]. والأظهر أن يكون قوله: {ساء} فعلاً بمعنى كان سيّئاً، و{ما يعملون} فاعله، كما قدّره ابن عطية. وجعله في «الكشاف» بمعنى بِئْس، فقدّر قولاً محذوفاً ليصحّ الإخبار به عن قوله: {وكثير منهم}، بناء على التزام عدم صحّة عطف الإنشاء على الإخبار، وهو محلّ جدال، ويكون {ما يعملون} مخصوصاً بالذمّ، والّذي دعاه إلى ذلك أنّه رأى حمله على معنى إنشاء الذمّ أبلغ في ذمّهم، أي يقول فيهم ذلك كل قائل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب لو أطاعوا الله، وأقاموا كتابهم باتباعه، والعمل بما فيه، ليسّر الله لهم الأرزاق وأرسل عليهم المطر، وأخرج لهم ثمرات الأرض. وبين في مواضع أُخَر أن ذلك ليس خاصّاً بهم، كقوله عن نوح وقومه {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارا} تفسير : [نوح: 10-12] وقوله عن هود وقومه: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُم} تفسير : [هود: 52] الآية وقوله عن نبينا عليه الصلاة والسلام وقومه {أية : وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [هود: 3] وقوله تعالى {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] الآية. على أحد الأقوال وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْض} تفسير : [الأعراف: 96] الآية. وقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب} تفسير : [الطلاق: 2-3] وقوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 132] ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى، سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاس}تفسير : [الروم: 41] الآية، ونحوها من الآيات. قوله تعالى: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة، أن أهل الكتاب قسمان: طائفة منهم مُقتصدة في عملها، وكثير مِنهم سيئ العمل، وقسّم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام في قوله: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [فاطر: 32] ووعد الجميع بالجنة بقوله: {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} تفسير : [فاطر: 33]. وذكر القسم الرابع: وهو الكفّار منها بقوله {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ}تفسير : [فاطر: 36] الآية. وأظهر الأقوال في المقتصِد، والسابِق، والظالم، أن المقتصد هو من امتثل الأمر، واجتنب النهي، ولم يزِد على ذلك، وأن السابق بالخيرات هو من فعل ذلك، وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورُّع عن بعض الجائزات، خوفاً من أن يكون سبباً لغيره، وأن الظالم هو المذكور في قوله: {أية : خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 102] الآية، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلتَّوْرَاةَ} (66) - وَلَوْ أنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي الكِتَابِ الذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، دُونَ تَحْرِيفٍ وَلاَ تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، لأنَّ كُلاً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ بَشَّرَ بِنَبِيٍّ يَكُونُ مِنْ أوْلاد إِسْمَاعِيلَ. وَلَوْ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الحَقَّ، وَآمَنُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ الذِي بَشَّرَ بِهِ كِتَابُهُمْ، لَوَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمْ، وَلأغْدَقتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مَطَرَها وَبَرَكَاتِهَا، وَلأخْرَجَتْ لَهُمْ خَيْراتِها. وَلَكِنَّ قِلَّةً مِنْهُمْ مُؤْمِنَةٌ مُلْتَزِمَةٌ بِأحْكَامِ مَا شَرَعَ اللهُ لَهُمْ، وَأكْثَرُهُمْ طُغَاةٌ مُجَاوِزُونَ لأَوَامِرِ اللهِ، وَسَاءَ عَمَلُهُمْ. مُقْتَصِدَةٌ - مُعْتَدِلَةٌ وَهُمْ مَنْ أسْلَمَ مِنْهُمْ. أقَامُوا التَّوْرَاةَ - عَمِلُوا بِأحْكَامِها تَمَاماً كَمَا أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أنهم لو طبقوا التوارة والإنجيل دون تحريف، وآمنوا بالقرآن الكريم لكان خيراً لهم. والتوارة كتاب اليهود. والإنجيل كتاب عيسى عليه السلام، وقد أنزل الله بعد ذلك الكتاب الجامع المانع وهو القرآن الكريم، وأراد لهم الحق بالإيمان بما جاء في التوارة والإنجيل من بشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان بالتوارة والإنجيل - من قبل تحريفهما - إنما يقود إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزله الله إليه. واليهود - كما عرفنا - هم الذين توعدوا العرب بمجيء رسول الله، لكن العرب سبقوهم إلى الإيمان بمحمد بن عبد الله {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}. لقد كانوا - أهل الكتاب - يملكون المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن وهو الإيمان بالتوارة الصحيحة والإنجيل الصحيح؛ لأن فيهما نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان سيدنا عبدالله بن سلام وكان من أحبار اليهود يقول: "لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد". وحينما يعد الحق أهل الكتاب إن آمنوا واتقوا بأن يكفر عنهم سيئاتهم ويقيهم من عذاب النار فحسب، ولكن سيمحو هذه السيئات ويدخلهم الجنة. وسبحانه هو الأعلم بهم، ويعلم أن منهم الماديين المرتبطين بالدنيا لذلك جاء لهم بخير الإيمان في الدنيا فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} فسبحانه يمد لهم أيضاً يد الأسباب في الدنيا، والمؤمن هو من يرتقي في الأخذ بالأسباب فيأخذ نعيم الدنيا والآخرة، أما الكافر فيأخذ الأسباب دون أن يشكر الخالق عليها. لقد أراد الحق لأهل الكتاب أن يحسنوا الإيمان أولاً بصحيح التوارة وبصحيح الإنجيل حتى يكون ذلك هو المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن، فهذا هو السبيل إلى تكفير السيئات بألا يدخلوا النار بل ويدخلون الجنة في الآخرة. وهم بالإيمان لا يأخذون خير الآخرة فقط بل يأخذون خير الدنيا أيضاً؛ لأن الحق لا يضن على مجتهد في الأسباب، وهو القائل: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. فمن بقي منهم على الكفر يأخذ من أسباب الدنيا ولكنه لا يأخذ أبداً من عطاء الآخرة: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وبذلك يوضح الحق مصير أهل الكفر في الآخرة أولاً، ويوضح من بعد ذلك مصيرهم في عاجل الدنيا، فإن أخذوا بالأسباب أعطاهم الله نتائج الأسباب، وهو سبحانه الذي يحتفظ بطلاقة القدرة، فقد يعطل الأسباب ويسلب الأشياء خواصها، فالمزارع قد يأخذ بكل الأسباب من حرث للأرض وتسميد لها وانتقاء لسلالة البذور، ولكنَّ إعصاراً قد يهب فيقتلع كل شيء أو فيضاناً يغرق الزرع، أو حشرة فتاكة كدودة القطن تأكل المحصول. إذن، فالأسباب وراءها مُسبِّب له طلاقة القدرة، وسبحانه هو الذي وضع القوانين الكونية، وهو - أيضاً - الذي يسلبها خواصها. فأنت أيها الإنسان سيد الكون بإرادة الله ومقهور في كثير من الأقضية لقهرية الجبار. صحيح أن لك بعض الاختيارات في بعض الأشياء، ولكن هناك قهريات في أمور لا دخل لك فيها، فالمرض قد يقتل، والحادث المفاجئ قد يقتل، وتلك أشياء من قهريات الله التي تخرج الإنسان عن الأسباب. إن الحق سبحانه يرينا أن بلاداً كانت دائمة المطر ثم أصابها الجفاف، لماذا؟ لأن الناس تغتر من رتابة النعمة، ولذلك يمسك الحق الكون بيده، وهو سبحانه لا يسلمه لأحد أبداً. لذلك يأتي في بعض الأحاديين ويقبض أسبابه حتى لا يفتن الإنسان بالأسباب ورتابتها. وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة، نرى المزارع الذي يملك عشرات الأفدنة فتهاجمها الدودة فتأتي على الأخضر واليابس، بينما جاره الذي لا يملك إلا قطعة يسيرة وقليلة من الأرض تطرح الخير كله لصاحبها؛ لأنه دفع ما يسميه أهل الريف "غفرة الأرض" أي زكاتها. والدودة في هذه الحالة تكون هي من جنود الحق فتأكل المال الباطل ولا تلمس المال الحلال. {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31]. ولذلك يقدم الحق أسبابه لمن يسعى فيها، ويزيد للمؤمن. ويقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} والرزق - كما علمنا - قسمان: قسم مباشر وقسم يأتي بالرزق المباشر، والرزق المباشر هو ما ننتفع به على الفور، كطعام نأكله أو ماء نشربه، أما الرزق الآخر فهو المال الذي قد نشتري به الرزق المباشر. وجاء سبحانه بأمور الحياة الواقعية حتى نفهم أن المنهج إنما نزل لينظم حركة الإنسان في هذه الحياة، والآخرة هي الجزاء على حسن العمل في الدنيا. وبعد أن وعدهم - سبحانه - بالجنة جزاءً للإيمان يمد لهم الأسباب في الدنيا رخاءً وسعة وترفاً وسعادة. ونجد من يسأل: وكيف يأكلون من فوقهم؟ ونقول: إن الأكل هو المظهر الأساسي لحياة الإنسان؛ لأن كل حركة يصنعها الإنسان هي فرع عن وجود حياته. ووجود حياة الإنسان يتوقف على ثلاثة عناصر مهمة هي الأكل والشرب والتنفس. فإذا ما أردنا استبقاء الحياة والتناسل فلا بد من توفير لهذه المصادر الثلاثة. إننا عندما ننظر إلى ترتيب الثلاثة في الأهمية نجد أن الإنسان قد يصبر على الطعام شهراً. وقد يصبر على الماء مدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام، أما التنفس فلا يطيق الإنسان ألا يجد الهواء لمدة دقائق. ومن رأفة الحق بالخلق أن جعل الحيازة لهذه الأنواع المقومة لاستبقاء الحياة تترتب حسب أهميتها. لذلك نرى من يملك على إنسان آخر طعامه ويتحكم فيه، لكن الحق يجعل في جسد الإنسان ما قد يقيته شهراً. ونرى أن الحيازة في الماء أقل من الحيازة في الطعام؛ لذلك لم يُمَلِّكْهَا الحق إلا نادراً؛ ذلك أن الإنسان لا يطيق الصبر على العطش إلا لمدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام. وأما الهواء فلم يجعله الحق ملكاً لأحد على الإطلاق؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يستغني عنه إلا بمقدار الشهيق والزفير، ولا يستطيع الإنسان أن يدخره في حجم رئتيه؛ لذلك لم يأمن الحق أحداً من الخلق على ملكية الهواء. وقوله الحق: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} مقصود به أن الاستقامة في تطبيق منهج الله تُخْضِعُ الأسباب الكونية لهم، أما إذا ما تمرد الإنسان على منهج الله فقد يعطيه الله زهرة الحياة الدنيا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فالنواميس الكونية لم تنعزل عن يد الحق. لذلك يخاطب - سبحانه - الخلق خطاباً، فإن انفعلوا للخطاب، يسرَّ لهم كل ما سخره لهم في الكون. وإن لم ينفعلوا فهو ممسك الأسباب ويمكنه أن يخرق قوانينها، فلا الأرض ولا الهواء ولا أي شيء خرج عن طاعة الله، فإذا ما تمردت جماعة على نعم الله أو على الله فسبحانه يجعلهم نكالاً لغيرهم ويقبض عنهم الأسباب. والإنسان سيد هذه الكائنات في هذا الكون، وهو منفعل - أيضاً - بقدرة ربه وقد يمرض، وقد يموت، وقد ينكسر، وقد يغرق، فإذا كان الإنسان وهو المنفعل بـ "كن" من ربع فكيف حال الأشياء الأدنى منه؟ إنها أيضاً منصاعة بـ "كن". والحق قادر أن يقول للأرض: كوني جدباً، وهو القادر على أن يوقف المطر لأنه هو سبحانه الذي يجعل الأشياء تسير سيراً رتيباً. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في خطابه لكل خلقه عن الأرض: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}. فإذا كان الحق قد أوحى للأرض لتبرز الكنوز أو تحدث الزلازل، فما بالنا بكل شيء آخر؟. إن كل شيء إنما يسير بأمر الله، ذلك أن كل شيء يسبح بحمد الله، ولكن الإنسان لا يفقه لغات غيره من الكائنات: {لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمًْ}. وخطاب الله لكل خلقه يفهمه المنفعل له من أي جنس من أجناس الوجود، ولو علمك الله هذا الانفعال، لسمعت لغة الكائنات الأخرى. مثال ذلك سيدنا سليمان عليه السلام الذي سمع قول نملة لبقية النمل: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} تفسير : [النمل: 18]. وماذا قال سليمان بعد ذلك؟. قال سليمان: {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} تفسير : [النمل: 19]. وهو سبحانه القائل: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ} تفسير : [الأنبياء: 79]. والهدهد قال في القرآن: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 25]. إذن فكل كائن في الوجود يعرف قضية الإيمان وقضية التوحيد. وكل من في الوجود ينفعل لربه. وهكذا كل الأشياء التي تحفظ للإنسان حياته أو نوعه. فماذا عن حال من يتمرد على الله؟. إنه سبحانه قد يقول للأسباب: انقبضي عنه. ونرى ذلك في حال بعض البلاد على ألوان مختلفة، فالبلاد التي تقع في منطقة يعرف عنها أنها دائمة المطر، يخرق الله طبيعة البيئة فتصير إلى جفاف، وغيرها التي تستطيع أن تصل إلى الفضاء الخارجي. لا تقدر على مواجهة إعصار، وذلك ليتأكد لنا أن يد المكوّن - سبحانه - فوق أسباب الكون. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي أن يأتي الخير من كل ناحية. فإذا كان يراد بالأكل المباشر، فالمطر هو الذي ينزل من أعلى يروي الأرض فيخرج الزرع، وكذلك النخل يعلونا ويأتينا بالتمر، وكذلك أشجار الفاكهة من برتقال وتفاح وغير ذلك. أما ما تحت الأقدام فهي الخضراوات، والفواكه التي تنمو دون أن يكون لأي منها ساق على الأرض كالبطيخ والشمام وغير ذلك. ولنا في سقوط الفاكهة من على أشجارها العالية بعد تمام النضج الحكمة البالغة، فالرزق الذي طاب وإن لم تسع إليه يأت إليك تحت قدمك. وإن توسعنا في فهم قوله الحق: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. فلله أسرار فوق الأسرار، وله فيما تحت الأرض أسرار. ألا نأخذ كل شيء يعيننا على الحياة من طبيعة الأرض سواء أكان حديداً أم نحاساً أم بترولاً؟. وهكذا نجد أن كل شيء في الوجود يخدم بقاء نوع الإنسان أو استبقاء حياته هو من عطاء الله. إذن فلو أن أهل الكتاب أقاموا التوارة والإنجيل والقرآن وساروا على المنهج لوهبهم الله كل خير. ويؤكدالحق هذا المعنى في آية أخرى فيقول: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}. ونرى أن الحق قد أفاء على بعض الناس من النعمة الشيء الواسع والكثير ومن بعد ذلك يطغى أهلها بالنعمة فيمهلهم ربنا إلى أن يعلو أمرهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وحياتنا المعاصرة خير شاهد على ذلك؟ فكل بلد أخذت نعمة الله لتحاج بها الله وتكون ضد منهج الله نجدها تبوء بالفساد. ويأتي بأس أهلها فيما بينهم شديداً ويخربون بيوتهم بأيديهم. وكم من بلاد كانت متعة الناس أن يذهبوا إليها للترف أو الانفلات ثم يأتي بأس أهلها بينهم وتخرب بأيدي أبنائها. وفي واقع الكون ما يؤيد صدق ذلك، وكأن الحق يقول لنا: اعتبروا يا أولي الأبصار. ويقول سبحانه: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 112]. والمراد بالقرية ليس قرية الريف التي نتعارف عليها اليوم؛ لأن القرية في عرف العربي القديم هي المكان الذي يقابل العاصمة. وكانت البيئة العربية قديماً بيئة "التبدّي" أي أنهم يقيمون في البادية وينتقلون من مكان إلى مكان، ولم يكونوا متوطنين في مكان واحد. وكانت عاصمة البدو هي القرية التي تتكون من عدد صغير من البيوت. ولذلك يسمي القرآن الكريم "مكة" بأم القرى. ويضرب الله مثلاً بالقرية الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها واسعا من كل مكان، أي أن خيرها ليس ذاتياً ولا نابعاً منها ولكن يأتيها من كل مكان. وفي العصر الذي نعيشه نجد أن خير الدنيا يصب في قلب بعض القرى، وما أن يكفر أهل القرية بأنعم الله فما الذي يحدث؟ {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} تفسير : [النحل: 112]. وهذا واقع نراه في كثير من البلاد التي أخذت نعمة الله فبدلتها كفراً فأحلوا قومهم دار البوار. ويرينا سبحانه القرى التي يلبسها الحق لباس الجوع والخوف. وعندما ننظر إلى قول الحق: "لباس" نرى أن الجوع له لذعة، واللباس له شمول ويلفهم الجوع كما يلفهم الثوب، وكذلك الخوف فتصير كل جارحة فيهم خائفة: أي أن الحق سلط عليهم الجوع فلا يجدون موادّ الاقتيات. وكذلك الخوف يأتيهم فإما أن يكون الخوف بسبب بأسهم فيما بينهم لأن عداوة بعضهم بعضاً شديدة، وإما أن يكون الخوف من عدو خارج عنهم. وهذا واقع معاصر. وكيف يكون الكفر بنعم الله؟ الكفر بنعم الله إما أن يكون بمعنى ستر النعمة. واستعمالها في معاصي الله، ومثله مثل الكفر بالله أي ستر وجود الله، وقد يكون الكفر بنعمة الله بالتكاسل عن استنباط النعمة من مظانها. وفساد العالم الآن يأتي من أناس كُسالى عن استنباط نعم الله المطمورة في كونه، وأناس يجدّون في استنباط نعم ويحبسونها لأنفسهم ولا يعطون منها الضعاف، ويستخدمون النعمة في المعاصي. إذن فقوله الحق: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [الأعراف: 96]. وقوله الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}. هم حكم عام؛ فهل وُجِدَ من يؤديه؟. نعم؛ هناك أناس منهم عرفوا ذلك وساروا إلى السبيل المستقيم، وعن هؤلاء يقول سبحانه: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}. أي منهم أمة تسير إلى أغراضها وإلى غايتها على الطريق المستقيم. وهذه إشارة إلى أن بعضاً من أهل الكتاب يفعل ذلك، والبعض الآخر لا يفعل، وهذا القول أشار أيضاً إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يُخلى وجوده وكونه من خلية خير فيه، وقد تكون خلية الخير هذه من أضعف الناس الذين لا شوكة لهم في الدنيا ولا جاه ولا قوة. ولولا هؤلاء الناس لهدَّ الله الأرض ومن عليها. ويوضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله: حديث : لولا عباد لله رُّكع، وصبية رضع، وبهائم رُتّع لصُبّ عليكم العذاب صبا ثم رُصَّ رَصّا ". تفسير : كأننا مكرمون في هذا العالم من أجل الضعاف فينا. وكأن الحق لا يحجب الخير عن كونه، بل يجعل في الكون ذرات استبقاء للخير. ولذلك نجد من يقول: إذا بالغ الناس في الإلحاد زاد الله في المد. وقد تجد بلداً كلها من الملاحدة، وتجد فيها عبداً واحداً متبتلاً لربه، ويكون هذا الرجل هو الذي يستبقي الله من أجله هواء تلك البلدة وماءها. ولذلك قال سبحانه: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}. ويقول الحق من بعد ذلك: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ} معناهُ جَمَاعةٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):