٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } أمر الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة الفاسقين ولا يخشى مكروههم فقال {بَلَغَ } أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم، فإن الله يعصمك من كيدهم ويصونك من مكرهم. وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس يكذبوني واليهود والنصارى وقريش يخوفوني، فلما أنزل الله هذه الآية زال الخوف بالكلية» تفسير : وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعز الله الإسلام وأيده بالمؤمنين قال له: { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } أي لا تراقبن أحداً، ولا تترك شيئاً مما أنزل إليك خوفاً من أن ينالك مكروه. ثم قال تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع {رسالاته} في هذه الآية وفي الأنعام {أية : حَيْثُ يَجْعَلُ رسالتَه} تفسير : [الأنعام: 124] على الجمع، وفي الأعراف {أية : بِرِسَـٰلَـٰتِي } تفسير : [الأعراف: 144] على الواحد، وقرأ حفص عن عاصم على الضد، ففي المائدة والأنعام على الواحد، وفي الأعراف على الجمع، وقرأ ابن كثير في الجميع على الواحد، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع. حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع، وأما من أفرد فقال: القرآن كله رسالة واحدة، وأيضاً فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله {أية : وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 14] فوقع الاسم الواحد على الجمع، وكذا ههنا لفظ الرسالة وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن قوله {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته، فأي فائدة في هذا الكلام؟ أجاب جمهور المفسرين بأن المراد: أنك إن لم تبلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً منها، وهذا الجواب عندي ضعيف، لأن من أتى بالبعض وترك البعض لو قيل: إنه ترك الكل لكان كذباً ولو قيل أيضاً: إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضاً محال ممتنع، فسقط هذا الجواب. والأصح عندي أن يقال: إن هذا خرج على قانون قوله: شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه: إنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه، فكذا ههنا: فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ما يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيهاً على غاية التهديد والوعيد والله أعلم. المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود. الثاني: نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين والنبي سكت عنهم، فنزلت هذه الآية. الثالث: لما نزلت آية التخيير، وهو قوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } تفسير : [الأحزاب: 28] فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدينا فنزلت. الرابع: نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش. قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول: { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ } ولو كتم رسول الله شيئاً من الوحي لكتم قوله {أية : وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } تفسير : [الأحزاب: 37] الخامس: نزلت في الجهاد، فإن المنافقين كانوا يكرهونه، فكان يمسك أحياناً عن حثهم على الجهاد. السادس: لما نزل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 108] سكت الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت هذه الآية وقال {بَلَغَ } يعني معايب آلهتهم ولا تخفها عنهم، والله يعصمك منهم. السابع: نزلت في حقوق المسلمين، وذلك لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرائع والمناسك (هل بلغت) قالوا نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الّلهم فاشهد» تفسير : الثامن: روي أنه صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها، فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال «الله» فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله هذه الآية وبين أنه يعصمه من الناس. التاسع: كان يهاب قريشاً واليهود والنصارى، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية. العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: «حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه الّلهم وال من والاه وعاد من عاداه» تفسير : فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئاً لك يا ابن طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي. واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاماً مع اليهود والنصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها. المسألة الرابعة: في قوله {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } سؤال، وهو أنه كيف يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته؟ والجواب من وجيهن: أحدهما: أن المراد يعصمه من القتل، وفيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام! وثانيها: أنها نزلت بعد يوم أحد. واعلم أن المراد من {ٱلنَّاسِ } ههنا الكفار، بدليل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ومعناه أنه تعالى لا يمكنهم مما يريدون، وعن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: «حديث : انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس».
القرطبي
تفسير : فيه مسئلتان: الأولى ـ قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}. قيل: معناه أَظهِر التبليغ؛ لأنه كان في أوّل الإسلام يخفيه خوفاً من المشركين، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية، وأعلمه الله أنه يَعصِمه من الناس. وكان عمر رضي الله عنه أوّل من أظهر إسلامه وقال: لا نَعبد الله سِراً؛ وفي ذلك نزلت: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنفال: 64] فدلت الآية على ردّ قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من أمر الدين تَقِيَّة، وعلى بطلانه، وهم الرَّافضة، ودّلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يُسِرَّ إلى أحد شيئاً من أمر الدِّين؛ لأن المعنى بَلِّغ جميع ما أُنزل إليك ظاهراً، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فائدة. وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. وقيل غير هذا، والصحيح القول بالعموم؛ قال ابن عباس: المعنى بَلِّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمتَ شيئاً منه فما بلَّغتَ رِسالته؛ وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأديب لحملة العِلم من أمته ألاّ يكتموا شيئاً من أمر شريعته، وقد علِم الله تعالى من أمرِ نبيه أنه لا يكتم شيئاً من وَحْيه؛ وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب؛ والله تعالى يقول: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وقبّح الله الروافض حيث قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} دليل على نبوّته؛ لأن الله عزّ وجلّ أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العِصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئاً مما أَمَره الله به. وسبب نزول هذه الآية: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلاً تحت شجرة فجاء أعرابي فاخْتَرَطَ سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني؟ فقال: «الله»؛ فذُعِرت يدُ الأعرابي وسقط السيف من يدِه، وضرب برأسه الشجرة حتى ٱنتثر دِماغهتفسير : ؛ ذكره المهدوي. وذكره القاضي عِياض في كتاب الشّفاء قال: وقد رُوِيت هذه القصة في الصحيح، وأن غَوْرَث بن الحارث صاحب القصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه؛ فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. وقد تقدّم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله: { أية : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } تفسير : [المائدة: 11] مستوفى، وفي «النساء» أيضاً في ذِكر صلاة الخوف. وفي صحيح ومسلم حديث : عن جابر بن عبدالله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قِبلَ نَجْدٍ فأدركَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العِضَاهِ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلَّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يَستظِلُّون بالشجر، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فٱستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صَلْتاً في يده فقال لي: من يمنعك مني ـ قال ـ قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني ـ قال ـ قلت: الله قال: فشام السيفَ فها هو ذا جالس» تفسير : ثم لَمْ يعرِض له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ٱبن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : لمّا بعثني الله برسالته ضِقت بها ذَرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية » تفسير : وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزل: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا عماه إن الله قد عَصَمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يَحرسني » تفسير : قلت: وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة، وأن الآية مكية وليس كذلك، وقد تقدّم أنّ هذه السورة مدنية بإجماع؛ ومما يدل على أنّ هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح حديث : عن عائشة قالت: سهِر رسول الله صلى الله عليه وسلم مَقْدَمه المدينَة ليلةً فقال:«ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خَشْخَشة سِلاح؛ فقال: «من هذا»؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاء بك»؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نامتفسير : . وفي غير الصحيح حديث : قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح؛ فقال: «من هذا»؟ فقالوا: سعد وحُذَيْفة جئنا نحرسك؛ فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعتُ غَطيطهُ ونزلت هذه الآية؛ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قُبَّة أدَمَ وقال: «ٱنصرفوا أيها الناس فقد عَصَمني الله». تفسير : وقرأ أهل المدينة: «رِسَالاَتِهِ» على الجمع. وأبو عمرو وأهل الكوفة: «رِسَالَتَهُ» على التوحيد ـ؛ قال النحاس: والقراءتان حسنتان والجمع أبْيَن؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً ثم يُبيِّنهُ؛ والإفراد يدل على الكثرة؛ فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله: { أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34]. { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ } تفسير : أي لا يرشدهم وقد تقدّم. وقيل: أَبْلغ أنت فأما الهِداية فإلينا. نظيره { أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ } تفسير : [المائدة: 99] والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} جميع ما أنزل إِليك غير مراقب أحداً ولا خائف مكروهاً. {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك. {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فما أديت شيئاً منها، لأن كتمان بعضها يضيع ما أدي منها كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض به، أو فكأنك ما بلغت شيئاً منها كقوله: أية : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً }تفسير : [المائدة: 32] من حيث أن كتمان البعض والكل سواء في الشفاعة واستجلاب العقاب. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر رسالاته بالجمع وكسر التاء. {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} عدة وضمان من الله سبحانه وتعالى بعصمة روحه صلى الله عليه وسلم من تعرض الأعادي وإزاحة لمعاذيره. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} لا يمكنهم مما يريدون بك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً فأوحى الله تعالى إليَّ إن لم تبلغ رسالتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت». وعن أنس رضي الله تعالى عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس. تفسير : وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد به تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإِلهية ما يحرم افشاؤه.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ } جميع {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } ولا تكتم منه شيئاً خوفاً أن تنال بمكروه {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } أي لم تبلغ جميع ما أُنزل إليك {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } بالإفراد والجمع [رسالاته] لأنّ كتمان بعضها ككتمان كلها {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } أن يقتلوك وكان صلى الله عليه وسلم يُحرس حتى نزلت فقال: [حديث : انصرفوا فقد عصمني الله]تفسير : رواه الحاكم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : العموم الكائن في {ما أنزل} يفيد أنه يجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه، لا يكتم منه شيئاً. وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزل الله إليه شيئاً، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب. وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. {فَإِن لَّمْ تَفْعَل} ما أمرت به من تبليغ الجميع، بل كتمت ولو بعضاً من ذلك {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. قرأ أبو عمرو، وأهل الكوفة إلا شعبة: «رسالته» على التوحيد. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام «رسالاته» على الجمع، قال النحاس: والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً، ثم يبينه انتهى. وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في غير موطن: "حديث : هل بلغت؟" تفسير : فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيراً؛ ثم إن الله سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعاً لما يظنّ أنه حامل على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس، وقد كان ذلك بحمد الله، فإنه بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعاً أو كرهاً، وقتل صناديد الشرك وفرّق جموعهم وبدّد شملهم، وكانت كلمة الله هي العليا، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل، حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم: "حديث : ما تظنون أني فاعل بكم؟"تفسير : فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فقال: "حديث : اذهبوا فأنتم الطلقاء".تفسير : وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس، إن قام ببيان حجج الله، وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضادّ الله وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيماناً وصلابة في دين الله وشدّة شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام، ومضطربو القلوب، من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [قۤ: 37]. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة أي إن الله لا يجعل لهم سبيلاً إلى الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت: {بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } قال: "حديث : يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع عليّ الناس"تفسير : ، فنزلت: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس مكذبيّ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزلت: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} "تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك لم تبلغ رسالته. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خمّ، في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس». وأخرج ابن ابن أبي حاتم، عن عنترة، قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إن ناساً يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقال: ألم تعلم أنّ الله قال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } والله ما ورّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ آية أنزلت من السماء أشدّ عليك؟ فقال: "حديث : كنت بمنى أيام موسم الحج، فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل عليّ جبريل"تفسير : فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } الآية، قال: "حديث : فقمت عند العقبة فناديت يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة"تفسير : ، قال: "حديث : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبيّ إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون في وجهي ويقولون: كذب صابىء، فعرض عليّ عارض فقال: يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك"تفسير : ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. قال الأعمش: فبذلك يفتخر بنو العباس ويقولون فيهم نزلت: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] هوى النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } فأخرج رأسه من القبة فقال: "حديث : أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله"تفسير : . قال الحاكم في المستدرك: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه من حديث أبي سعيد. وقد روى في هذا المعنى أحاديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال الوارث من بني النجار: لأقتلنّ محمداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به؛ فأتاه فقال: يا محمد أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حال الله بينك وبين ما تريد"تفسير : ، فأنزل الله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } الآية. قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج ابن حبان في صحيحه، وابن مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصة، ولم يسمّ الرجل. وأخرج ابن جرير من حديث محمد بن كعب القرظي نحوه، وفي الباب روايات. وقصة غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح، وهي معروفة مشهورة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أوجب الله تعالى بهذه الآية على رسوله تبليغ ما أنزل عليه من كتابه سواء كان حكماً، أو حداً، أو قصاصاً، فأما تبليغ غيره من الوحي فتخصيص وجوبه: بما يتعلق بالأحكام دون غيرها. ثم قال تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعني إن كتمت آية مما أنزل عليك فما بلغت رسالته لأنه [يكون]، غير ممتثل لجميع الأمر. ويحتمل وجهين آخرين. أحدهما: أن يكون معناه بلغ ما انزل إليك من ربك فيما وعدك من النصر، فإن لم تفعل فما بلغت حق رسالته فيما كلفك من الأمر، لأن استشعار النصر يبعث على امتثال الأمر. والثاني: أن يكون معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك بلاغاً يوجب الانقياد إليه بالجهاد عليه، وإن لم تفعل ما يقود إليه من الجهاد عليه فما بلغت ما عليك من حق الرسالة إليك. {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} يعني أن ينالوك بسوء من قتل أو غيره. واختلف أهل التفسير في سبب نزول ذلك على قولين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً في سفره واستظل بشجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مَنَ النَّاسِ}، قاله محمد بن كعب القرظي. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهاب قريشاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله ابن جريج. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحْرَس حتى نزلت هذه الآية {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} فيه تأويلان: أحدهما: لا يعينهم على بلوغ غرضهم. الثاني: لا يهديهم إلى الجنة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ} ألزمه أن يبلغ ما أنزل من القرآن أحكامه وجدله، وقصصه، ولا يلزمه تبليغ غيره من الوحي إلا ما تعلق بالأحكام. {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} إن كتمت أية {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. {يَعْصِمُكَ} استظلّ الرسول صلى الله عليه وسلم بشجرة في سفره، فأتاه أعرابي، فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك مني، فقال: الله، فرعدت يده وسقط السيف وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه فنزلت، أو "كان يهاب قريشاً فنزلت، وكان يُحرس فلما نزلت أخرج رأسه من القبة، وقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ـ تعالى" {لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} إلى بلوغ غرضهم، أو إلى الجنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...} الآية: هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالِىٰ لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ بالتبليغِ على الاستيفاءِ والكمالِ؛ لأنه قد كان بَلَّغ صلى الله عليه وسلم، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَلاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ؛ وذلك أنَّ رسالته ـــ عليه السلام ـــ تضمَّنت الطَّعْنَ علَىٰ أنواع الكَفَرة، وبيانَ فسادِ حالِهِم، فكان يَلْقَىٰ منهم صلى الله عليه وسلم عَنَتاً، وربَّما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، أيْ: كاملاً، {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين (رضي اللَّه عنها): «مَنْ زَعَمَ أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، واللَّه تعالى يقولُ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...} الآية»، وقال عبدُ اللَّهِ ابنُ شَقِيقٍ: كان رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، خرَجَ، فقَالَ: «حديث : يَا أَيُّها النَّاسُ، ٱلْحَقُوا بِمَلاَحِقِكُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي»تفسير : ، قلْتُ: وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضاً من طريق عائشة، وكما وجَبَ عليه التبليغُ ـــ عليه السلام ـــ، وجب علَىٰ علماءِ أمته، وقد قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة»تفسير : ، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ (رضي اللَّه عنه) قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : نَضَّرَ اللَّهُ ٱمْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً، فَحَفِظَهُ حَتَّىٰ يُبَلِّغَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلَىٰ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَىٰ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»تفسير : ، رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجة، وابن حِبَّانَ في «صحيحِهِ»، وقال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال: حسنٌ صحيحٌ. انتهى من «السلاح». وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي ٱخْتَرَطَ سيْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ليقتُلَهُ به. قال ابنُ العربيِّ: قوله تعالَىٰ: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك؛ كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ. أصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أنْ شُجَّ وجهه، وكُسِرَتْ ربَاعِيَتُهُ صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحُّ، وقد كان صلى الله عليه وسلم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: {أية : إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ } تفسير : [الحجر:95] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم. انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن. ثم أمر تعالَىٰ نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ؛ أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْء}، أيْ: علَىٰ شيءٍ مستقيمٍ؛ {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ}، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد ـــ عليه السلام ـــ، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ؛ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل. وقوله سبحانه: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبِّكُمْ} الآية: يعني به القرآن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية: ناداه المولى سبحانه بأشْرَفِ الصِّفَات البشرية، وقوله: {بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [وهو قد بَلَّغَ!!] فأجابَ الزمخشريُّ بأن المعنى: جميعَ ما أُنزِلَ إليْكَ، أي: أيَّ شيءٍ أُنْزِلَ غير مُرَاقِبٍ في تبليغِهِ أحَداً، ولا خائفٍ أنْ يَنَالَكَ مَكْرُوهٌ، وأجاب ابن عطية بقريبٍ منه، قال: "أمَر الله رسوله بالتبليغِ على الاسْتِيفَاءِ والكمالِ؛ لأنه كان قَدْ بَلَّغَ"، وأجاب غيرُهما بأنَّ المعنى على الديمومة؛ كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 1] {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء: 136]. وقوله: "مَا" يحتملُ أن تكون اسميةً بمعنى "الَّذِي" ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ لأنه مأمورٌ بتبليغِ الجميعِ كما مَرَّ، والنكرةُ لا تَفِي بذلك؛ فإن تقديرها: "بَلِّغْ شَيْئاً أُنْزِلَ إليْكَ"، وفي "أُنْزِلَ" ضميرٌ مرفوعٌ يعودُ على ما قام مقام الفاعلِ، وتحتملُ على بُعْدٍ أن تكون "مَا" مصدريَّةً؛ وعلى هذا؛ فلا ضمير في "أُنْزِلَ"؛ لأنَّ "مَا" المصدرية حرفٌ على الصَّحيح؛ فلا بُدَّ من شيءٍ يقومُ مقامَ الفاعلِ، وهو الجارُّ بعده؛ وعلى هذا: فيكونُ التقديرُ: بَلِّغِ الإنْزَالَ، ولكنَّ الإنزالَ لا يُبَلَّغُ فإنه معنى، إلا أن يُراد بالمصدر: أنه واقعٌ موقع المفعول به، ويجوز أن يكون المعنى: "اعلم بتبليغ الإنْزَالِ"، فيكونُ مصدراً على بابه. والمعنى أظهر تَبْلِيغَهُ، كقوله تعالى: {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} تفسير : [الحجر: 94]. فصل روي عن مَسْروق [قال]: قالتْ عائِشَةُ - رضي الله عنها -: "من حدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّداً - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - كتَم شَيئاً ممّا أنْزل الله، فقد كذب" وهو سبحانه وتعالى يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية. ورُوِيَ عن الحسن: أنَّ الله لمَّا بَعَثَ رسولَهُ، وعرف أنَّ مِنَ النَّاس من يُكَذِّبُه، فَنَزَلَتْ هذه الآية، وقيل: نَزَلَتْ في عيب من اليَهُود وذلك أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - دَعَاهُم إلى الإسلام، فقالوا: أسْلَمْنَا قَبْلَكَ، وجعلوا يَسْتهْزِئُون بِهِ فَيَقُولُون: تريد أن نَتَّخِذَكَ حَنَاناً كما اتَّخَذَ النَّصَارى عِيسى حَنَاناً، فلمَّا رأى النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ذلك سَكَت، فنزَلَتْ هذه الآية، فأمَرَهُ أنْ يقُولَ لأهْلِ الكِتَاب: {لَسْتُم عَلَى شَيْءٍ} الآية. وقيل: بلِّغ الإنْزَال ما أُنْزِلَ إليك من الرَّجْمِ والقِصَاصِ في قصَّةِ اليهود، وقيل: نَزَلَتْ في أمرِ زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ ونِكَاحها. وقيل: نزلت في الجِهَاد وذلك أنَّ المُنَافِقِين كَرِهُوه، كما قال تعالى: {أية : فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [محمد: 20] فكرهَهُ بَعْضُ المُؤمِنين. قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} تفسير : [النساء: 77] الآية، وكان النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يمسك في بعض الأحَايِين عن الحثِّ عن الجهاد لِمَا يَعْلمُ من كَرَاهَةِ بعضهم فأنزَلُ اللَّهُ تعالى هذه الآية، والمَعْنَى: بَلِّغْ واصْبِر على تَبْلِيغ ما أنْزَلَهُ إلَيْك من كَشْفِ أسْرَارهم وفَضَائحِ أفعالهم، فإنَّ الله تعالى يَعْصِمُك من كَيْدِهِم ومَكْرِهِم، وقيل: نزلتَ في حجَّة الوَدَاع، لمَّا بيَّن الشَّرائِع والمَنَاسِكَ قال: هل بلَّغْتُ؟ قالُوا: نَعَمْ قال: اللَّهُم فاشْهَدْ، وقِيلَ: لمَّا نزلَتْ آيَة التَّخْيِير وهِيَ قوْلُه تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} تفسير : [الأحزاب: 28] فلم يَعْرِضْهَا عليهنَّ خَوْفاً من اختيارِهِنَّ للدُّنْيَا فنزلت. قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، أي: وإنْ لم تفعل التبليغ، فحذف المفعول به، ولم يقل: "وإن لم تبلّغْ فما بلّغتَ" لما تقدَّم في قوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} تفسير : في البقرة [آية: 24]، والجوابُ لا بُدَّ أن يكون مغايراً للشرط؛ لتحصُل الفائدةُ، ومتى اتَّحدَا، اختلَّ الكلامُ، لو قلتَ: "إنْ أتَى زيدٌ، فقدْ جَاءَ"، لم يَجُزْ، وظاهرُ قوله: "وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، فما بَلَّغْتَ" اتحادُ الشرطِ والجزاء، فإن المعنى يَئُولُ ظاهراً إلى قوله: وإن لم تفعل، لم تفعل، وأجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ؛ أسَدُّها: ما قاله الزمخشريُّ، وقد أجاب بجوابَيْنِ: أحدهما: أنه إذا لم يمتثلْ أمر اللَّهِ في تبليغِ الرِّسالاتِ وكتَمَها كُلَّها؛ كأنه لم يُبْعَثْ رَسُولاً - كان أمراً شنيعاً لا خَفَاء بشناعته، فقيل: إنْ لم تُبَلِّغْ أدنَى شيء، وإن كلمةً واحدةً، فكنْتَ كمَنْ رَكِبَ الأمر الشنيعَ الذي هو كتمانُ كُلِّهَا، كما عَظَّمَ قَتْلَ النفْسِ في قوله: {أية : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 32]. والثاني: المراد: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ذلك، فلك ما يُوجِبُ كتْمَانَ الوَحْي كلِّه من العقابِ، فوضَع السَّبَبَ مَوْضِعَ المُسَبِّبِ؛ ويؤيده: "فأوْحَى الله إليَّ: إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رسَالاَتِي، عَذَّبْتُكَ". وأجاب ابن عطية: أي: وإنْ تركْتَ شيئاً، فقد تركْتَ الكلَّ، وصار ما بَلَّغْتَ غيرَ معتدٍّ به، فمعنى "وإنْ لَمْ تَفْعَلْ": "وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ"؛ ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : 2007- سُئِلْتَ فَلَمْ تَبْخَلْ، وَلَمْ تُعْطِ نَائِلاً فَسِيَّان لا حَمْدٌ عَلَيْكَ وَلاَ ذَمُّ تفسير : أي: فلم تُعْطِ ما يُعَدُّ نَائِلاً، وإلاَّ يتكاذَبِ البيتُ، يعني بالتكاذُب أنه قد قال: "فَلَمْ تَبْخَلْ" فيتضمَّن أنه أعطى شيئاً، فقوله بعد ذلك: "ولَمْ تُعْطِ نَائِلاً" لو لم يقدِّر نَائِلاً يُعْتَدُّ به، تكاذَبَ، وفيه نظرٌ؛ فإن قوله "لَمْ تَبْخَلْ وَلَمْ تُعْطِ" لم يتواردا على محلٍّ واحد؛ حتَّى يتكاذَبا، فلا يلزمُ من عدمِ التقدير الذي قدَّره ابن عطية كَذبُ البيت، وبهذا الذي ذكرتُه يتعيَّنُ فسادُ قولِ مَنْ زعَمَ أنَّ هذا البيتَ مِمَّا تنازعَ فيه ثلاثةُ عواملَ: سُئِلْتَ وتَبْخَلْ وتُعْطِ، وذلك لأن قوله: "وَلَمْ تَبْخَلْ" على قولِ هذا القائلِ متسلِّطٌ على طائِل، فكأنه قيل: فلم تَبْخَلْ بطائلٍ، وإذا لم يبخَلْ به، فقد بذله وأعطاه، فيناقضُه قوله بعد ذلك "ولَمْ تُعْطِ نَائِلاً". وقد أفسد ابنُ الخطيب جواب ابنِ عطيَّة فقال: "أجَابَ الجمهُور بـ "إنْ لَمْ تُبَلِّغْ وَاحِداً مِنْهَا، كُنْت كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئاً"، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ مَنْ ترك البعضَ وأتَى بالبعض، فإن قيل: إنه ترك الكلَّ، كان كذباً، ولو قيل: إن مقدار الجُرْمِ في ترك البعْضِ مثلُ الجرم في ترك الكل، فهذا هو المُحالُ الممتنعُ؛ فسقط هذا الجوابُ، والأصحُّ عندي: أن يقال: خرج هذا الجوابُ على قانون قوله: [الرجز] شعر : 2008- أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي تفسير : ومعناه: أنَّ شِعْرِي قد بلغَ في الكمالِ والفصَاحَةِ والمتانَةِ إلى حيْثُ متى قيل: إنه شِعْرِي، فقد انتهى مدحُه إلى الغايَةِ التي لا يُزَادُ عليها، وهذا الكلامُ يفيد المبالغةَ التامَّةَ من هذا الوجهِ، فكذا هنا، كأنه قال: فإن لم تبلِّغْ رسالاتِه، فما بلَّغْتَ رسالاته، يعني: أنه لا يمكنُ أن يوصَفَ ترْكُ التبليغِ بتهديدٍ أعظمَ من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيهاً على غايةِ التهديد والوعيد". قال أبو حيان: "وما ضعَّفَ به جوابَ الجُمْهور لا يُضَعَّفُ به؛ لأنه قال: "فإنْ قيل: إنه تركَ الكُلَّ، كان كذباً"، ولم يقولوا ذلك، إنما قالوا: إنَّ بعضها ليس أوْلَى بالأداء مِن بعضٍ، فإن لم تُؤدِّ بعضها، فكأنَّك أغْفَلْتَ أداءَها جميعَها، كما أن مَنْ لم يؤمِنْ ببعضها كان كَمَنْ لم يؤمنْ بكلِّها؛ لإدلاءِ كلٍّ منها بما يُدْلِي به غيرُها، وكونُها كذلك في حكْمِ شيءٍ واحدٍ، والشيءُ الواحدُ لا يكون مبلَّغاً غير مبلَّغ، مُؤمَناً به غيرَ مؤمنٍ به؛ فصار ذلك التبليغُ للبعضِ غير معتدٍّ به"، قال شهاب الدين: وهذا الكلام الأنِيقُ، أعني: ما وقع به الجواب عن اعتراضِ الرَّازِيِّ كلامُ الزمخشري أخَذَه ونقله إلى هنا، وتمامُ كلام الزمخشريِّ: أن قال بعد قوله: "غَيْرَ مُؤمَنٍ"، وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: "إنْ كَتَمْتَ آيَةً لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالاَتِي"، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : بَعَثَنِي الله بِرِسَالاتِهِ، فَضِقْتُ بِهَا ذَرْعاً، فأوْحَى الله إلَيَّ: إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالاتِي، عَذَّبْتُكَ وضَمِنَ لِي العِصْمَةِ؛ فقَوِيتُ"تفسير : ، قال أبو حيَّان: "وأما ما ذكر من أن مقدار الجُرْمِ في تَرْكِ البعْضِ مثلُ الجُرْم في ترك الكلِّ مُحالٌ ممتنعٌ، فلا استحالة فيه؛ لأن الله تعالى أن يرتِّب على الذنْبِ اليسيرِ العقابَ العظيمَ، وبالعكس، ثم مَثَّلَ بالسارقِ الآخِذِ خفيةً يُقْطَعُ ويُرَدُّ ما أخَذَ، وبالغاصبِ يُؤخَذُ منه ما أخذ دونَ قَطْعٍ". وقال الواحديُّ: أي: إنْ يَتْرُك إبلاغَ البعْضِ، كان كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ؛ لأنَّ تَرْكه البعضَ مُحْبِطٌ لإبلاغِ ما بلَّغَ، وجُرْمَهُ في كتمانِ البعضِ كجُرْمِهِ في كتمان الكلِّ؛ في أنه يستحقُّ العقوبة من ربِّهِ، وحاشا لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أن يكتُمَ شيئاً مِمَّا أوْحَى الله تعالى إليه، وقد قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "مَنْ زَعَمَ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شَيْئاً من الوحْي، فقَدْ أعْظَمَ عَلى الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول: {يا أيُّهَا الرسُولُ بَلِّغْ}، ولو كَتَم رسُول الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً من الوحْيِ، لَكَتَمَ قولَهُ تعالى: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} تفسير : [الأحزاب: 37] الآية"، وهذا قَريبٌ من الأجوبة المتقدِّمة؛ ونظيرُ هذه الآيةِ في السؤالِ المتقدِّم الحديثُ الصحيحُ عن عُمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه -: "حديث : فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتَهُ إلى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورسُولِه"تفسير : : فإنَّ نفس الجواب هو نفسُ الشرطِ، وأجابوا عنه بأنه لا بد من تقديرٍ تحْصُلُ به المغايرةُ، فقالوا: تقدِيرُهُ: فمنْ كانَتْ هجرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ نيَّةً وقصْداً فهجرتُه إلى الله ورسُولِهِ حُكْماً وشَرْعاً، ويمكنُ أن يأتِيَ فيه جوابُ الرَّازِيِّ الذي اختاره. وقرأ نافعٌ وابن عامر وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: "رِسَالاَتِهِ" جَمْعاً، والباقون: "رِسَالَتَهُ" بالتوحيد، ووجهُ الجمْع: أنه عليه السَّلام بُعِثَ بأنْواعٍ شتَّى من الرسالة؛ كأصول التوحيد، والأحكام على اختلاف أنواعها، والإفرادُ واضحٌ؛ لأنَّ اسمَ الجنس المضافَ يَعُمُّ جميعَ ذلك، وقد قال بعض الرسُلِ: {أية : أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} تفسير : [الأعراف: 62]، وبعضُهم قال: {أية : رِسَالَةَ رَبِّي} تفسير : [الأعراف: 79]؛ اعتباراً للمعنيين. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي: يَحْفَظُكَ، ويمنعُكَ من النَّاسِ. "حديث : رُوِيَ أنَّه - عليه الصلاة والسلام - نزل تَحْتَ شَجَرَةٍ في بَعْضِ أسْفَارِه وعلق سَيْفَه عليها، فأتَاه أعْرَابِيٌّ - وهو نَائِمٌ -، فأخذ سَيْفَهُ واخْتَرَطَهُ، وقال: يا مُحَمَّدُ من يَمْنَعُك مِنِّي؟ فقال: "اللَّهُ" فرعدت يَدُ الأعْرَابِيِّ، وسقطَ من يده، وضرب برأسه الشَّجَرة حتى انْتَثَر دِمَاغُهُ"تفسير : ، فأنزل اللَّهُ تعالى {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}. فإن قيل: كيْفَ الجَمْعُ بين هذه الآية وبين ما رُوِيَ أنَّه شُجَّ في وجْهِه يوم أحد وكسرت رَبَاعِيَّتُهُ، وأوذي بِضُرُوبٍ من الأذَى. فالجواب من وجوه: فقيل: يَعْصِمُك من القَتْلِ، فلا يَصِلُوا إلى قَتْلِك. وقيل: نزلَتْ هذه الآية بعدمَا شُجَّ رَأسُهُ يَوْم أُحُدٍ؛ لأنَّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القُرْآن. والمُراد بـ "النَّاس" هاهنا: الكفار لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. وعن أنَسٍ رضي الله عنه: حديث : كان رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يَحْرُسُه سَعْدٌ وحُذَيْفَة حتى نَزَلتْ هذه الآية، فأخْرَجَ رَأسَهُ مِنْ قُبَّةِ أديمٍ فقال: "انْصَرِفُوا أيُّهَا النَّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ ". تفسير : وقيل: المُراد والله يَخُصُّكَ بالعِصْمَة من بين النَّاسِ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - معصُومٌ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزل {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت {بلغ ما أنزل إليك من ربك} قال: يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع ليجتمع عليّ الناس؟، فنزلت {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} أن علياً مولى المؤمنين {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة. أنه قال لعلي هل عندكم شيء لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس؟ فقال: ألم تعلم أن الله قال {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء. أما قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}. أخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال "كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركوا العرب وافناء الناس في الموسم، فنزل عليّ جبريل فقال {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} قال: فقمت عند العقبة، فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، وتنجحوا ولكم الجنة. قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة، ويبصقون في وجهي ويقولون: كذاب صابئ، فعرض عليّ عارض فقال: يا محمد، إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك" تفسير : ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه، قال: الأعمش فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون: فيهم نزلت {أية : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} تفسير : [القصص: 56] هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه عن عائشة قالت: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فأخرج رأسه من القبة فقال: أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت {والله يعصمك من الناس} ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فذهب ليبعث معه فقال: يا عم، إن الله قد عصمني حاجة لي إلى من تبعث". وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجلاً من بني هاشم يحرسونه، فقال: يا عم، إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل، حتى نزلت آية العصمة {والله يعصمك من الناس}". وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال "كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فترك الحرس". وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال غورث بن الحرث: لأقتلن محمداً فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطيني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به. فأتاه فقال: يا محمد، اعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه فرعدت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الآية ". تفسير : وأخرج ابن حبان وابن مردويه حديث : عن أبي هريرة قال"كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله يمنعني منك، ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت {والله يعصمك من الناس}". تفسير : وأخرج أحمد عن جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي قال: "حديث : أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الم ترع؟.. ولو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجت فقال: "حديث : والله لا يدع الله عقبي للناس ما صاحبتهم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: "حديث : لما نزلت {يا أيها الرسول} إلى قوله {والله يعصمك من الناس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني إن ربي قد عصمني ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق قال "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت {والله يعصمك من الناس} فخرج فقال: يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني من الناس ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس يحارسه أصحابه حتى أنزل الله {والله يعصمك من الناس} فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس". وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه اعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه، فأنزل الله {والله يعصمك من الناس} ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً، فأنزل الله {والله يعصمك من الناس} فاستلقى، ثم قال: من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثاً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن الربيع بن أنس قال "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك...} الآية. فخرج إليهم فقال: لا تحرسوني فإن الله قد عصمني من الناس ".
ابو السعود
تفسير : {يأيها الرسول} نودي عليه السلام بعنوان الرسالة تشريفاً له وإيذاناً بأنها من موجبات الإتيان بما أُمر به من تبليغ ما أُوحِيَ إليه {بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي جميع ما أنزل إليك من الأحكام وما يتعلق بها كائناً ما كان، وفي قوله تعالى: {مِن رَبّكَ} أي مالِكِ أمورِك ومبلِّغِك إلى كمالك اللائقِ بك، عِدَةٌ ضِمْنية بحفظه عليه السلام وكَلاءته، أي بلِّغْه غيرَ مراقِبٍ في ذلك أحداً ولا خائف أن ينالك مكروهٌ أبداً {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} ما أُمرت به من تبليغ الجميع بالمعنى المذكور كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فإن ما لا تتعلق به الأحكامُ أصلاً من الأسرار الخفية ليست مما يُقصَدُ تبليغه إلى الناس، أي فما بلغت شيئاً من رسالته وانسلخْتَ مما شَرُفتَ به من عنوان الرسالة بالمرة، لِما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤدِّ بعضها فكأنك أغفلتَ أداءَها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كلٍّ منها بما يُدليه غيرها، وكونُها لذلك في حكم شيءٍ واحد، ولا ريب في أن الواحد لا يكونُ مُبلَّغاً غيرَ مبلَّغٍ مؤمَناً به غيرَ مؤمَنٍ به، ولأن كتمان بعضها إضاعةٌ لما أُدِّيَ منها كترك بعض أركان الصلاة فإن عرضَ الدعوة ينتقض بذلك، وقيل: فكأنك ما بلغت شيئاً منها كقوله تعالى: {أية : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً }تفسير : [المائدة، الآية 32] من حيث أن كتمان البعض والكل سواءٌ في الشناعة واستجلاب العقاب، وقرىء (فما بلغت رسالاتي) وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن كتمتَ آيةً لم تبلِّغْ رسالاتي، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثني الله برسالاته فضِقْتُ بها ذرعاً فأوحَى الله إلي إنْ لم تبلِّغْ رسالاتي عذبتُك وضمِن لي العصمة فقوِيْتُ» تفسير : وذلك قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فإنه كما ترى عِدَةٌ كريمةٌ بعصمته من لُحوق ضررهم بروحه العزيزِ باعثةٌ له عليه السلام على الجِدّ في تحقيق ما أمر به من التبليغ غيرَ مكترثٍ بعداوتهم وكيدهم. وعن أنس رضي الله عنه أنه عليه السلام كان يُحرَسُ حتى نزلت فأخرج رأسَه من قُبّةٍ أَدَم فقال: «حديث : انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس»تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تعليل لعصمته تعالى له عليه السلام أي لا يمكنهم مما يريدون بك من الإضرار، وإيرادُ الآية الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل الكتاب لِما أن الكل قوارعُ يسوء الكفارَ سماعُها، ويشُقّ على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهتُهم بها، وخصوصاً ما يتلوها من النصِّ الناعي عليهم كمالَ ضلالتهم ولذلك أعيد الأمر فقيل:
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}[67] قيل: ما هذه العصمة؟ فقال: إن الله تعالى وعده أن لا يبتليه كما ابتلى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إبراهيم بالنار، وإسماعيل بالذبح، وغيرهما، إذ كان لا يشعر بما يفعل به، كما قال: {أية : وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}تفسير : [الأحقاف:9] فأعلمه الله تعالى أنه يعصمه من الناس.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الآية: 67]. قال الواسطى: حقائق الرسالة لو وضعت على الجبال لزالت، إلا أنهم يظهرون للعالم على مقادير طاقتهم، ألا ترى إلى قوله تعالى {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} ولم يقل ما تعرفنا به إليك. وقال بعضهم: الرسول هو المبتدى والنبى هو المقتدى، قال الله تعالى فى صفة الأنبياء {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]. وقال بعضهم فى قوله: {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} معناه: بلغ ما أنزل إليك من ربك ودع ما تعرفنا به إليك، الأول: الشريعة والثانى: ما أنزل من الأنوار على سر محمد صلى الله عليه وسلم لا يطيقها بسر. وقال بعضهم: بلغ ما أنزل إليك من ربك ولا تبلغ ما خصصناك به من محل الكشف والمشاهدة فإنهم لا يطيقون سماع ما أطقت حمله من مشاهدات اللذات والتجلى بالصفات. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}. قيل يعصمك منهم أن يكون منك إليهم التفات، أو يكون لك بهم اشتغال. وقيل: يعصمك من أن ترى لنفسك فيها شيئاً بل ترى الكل منه وبه. وقال بعضهم: لصون سرك عن الاشتغال بهم والنظر إليهم، لأنك معصوم السر عن مولد الشكوك ونزغات الشيطان وفلتات النفس.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ}. لا تكتم شيئاً مما أوحينا إليك مُلاَحَظَةً لِغَيْرٍ، إذ لا غير - في التحقيق - إلا رسوم موضعة، وأحكام القدرة عليها جارية. ويقال بَيِّنْ للكافة أنك سيِّدُ ولد آدم، وأنَّ آدم دون لوائك. ويقال بلِّغْ ما أُنْزِلَ إليك أنِّي أغفر للعصاة ولا أبالي، وأردُّ مِنَ المطيعين مَنْ شِئْتُ ولا أُبالي. قوله جلّ ذكره: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. يحفظ ظاهرك من أن يَمَسَّكَ أذاهم، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوٌّ، أو يصون سِرَّك عنهم حتى لا يقع احتشامٌ منهم. ويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق في بحر التوهم؛ بل تشاهدهم كما هُمْ؛ وجوداً بين طرفي العَدَم.
البقلي
تفسير : {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ} ان الله سبحانه خوف نبيه عليه الصلاة والسلام من نفسه حتى لا يبقى فيه غير الله ويسقط عن عينه الخلق ولا يقرع فى وصف ومداواة معايبهم وحثة على تبليغ ما اخبر الله اليهم فان الله تعالى اراه مالهم بين يديه بقوله وان لم تفعل فما بلغت رسالته ومع ذلك امره بابلاغ ما انزل اليه من الذى يتعلق باحكام العبودية ولم يامر بانه يعرفهم اسررا ما بينه وبين الله وما بين الله وبين اوليائه فان ذرة من اسرارها لم يحتملها السموات والارضون والا الحدثان باسرها لانها وصف خاصية الصفات وكشوف انوار الذات ومحل الانس والجمال بنعت الانبساط والاتصاف والاتاد ودعوى الانانية والازلية والسرمدية وذلك ما ابهم الله على قلوب الخلائق من العرش الى الثرى من السر ما بينه وما بين قلب نبيه فى محل الدنو ودنو الدنو لقوله {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} تفسير : لا يطيق اهل الكون ان يحتمل ذرة من ذلك الوحى وكيف يحتمل الحدثان كشف قدم الرحمن كان عليه السلام حمله به لا بنفسه لان الحدث متلاش فى الازل ويبق انه فى عصمته من كيد نفوسهم وشر معاصيهم بقوله والله يعصمك من الناس اى يعصمك من ان يوقعك احد فى التمويه والغلط والخيال فى طريقك الى وهذا الكونه مختارا بالرسالة وحقائق الرسالة فى الرسول ظهور انوار الربوبية فى قلبه وبيان احكام العبودية فى سره قال الواسطى حقائق الرسالة لو وضعت على الجبال لذابت الا انه تظهرون العالم على مقادير طاقتهم الا ترى الى قوله بلغ ما انزل اليه من ربك ولم يقل ما تعرفنا به اليك قال بعضهم معناه ابلغ ما انزل ودع ما تعرفنا اليك الاول الشريعة والثانى ما انزل من الانوار على سر محمد صلى الله عليه وسلم وأله وسمل لا يطيقها بشر قال بعضهم بلغ ما انزل اليك ولا يبلغ ما خصصناك به من محل الكشف والمشاهدة فانهم لا يطيقون سماع ما اطقت حمله من مشاهدة الذات والتجلى بالصفات وقال بعضهم الرسول هو المبتدى والنبى هو المقتدى قال الله فى صفة الانبياء اولئك الذين هدى الله فبهدهم اقتده قيل فى قوله والله يعصمك من الناس اى يعصمك منهم ان يكون مك اليهم التفات ويكون لك بهم اشتغال قيل يعصمك من ان ترى لنفسك فيهم شييئا بل ترى لكل منه وبه وقال الاستاد فى قوله بلغ ما انزل اليك من ربك اى بين للكافة انك سيد ولد أدم وان ادم دون لوائك ويقال بلغ ما انزل اليك انى اغفر العصاة ولا ابالى وارد المطيعين من شئت ولا ابالى ويقال فى قوله والله يعصمك من الناس الا حتى لا يغرق فى بحر التوهم بل تشاهدهم كما هم وجودا بين طرفى العدم
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الرسول بلغ} جميع {ما انزل اليك من ربك} مما يتعلق بمصالح العباد فلا يرد ان بعض الاسرار الالٰهية يحرم افشاؤه. قال ابو هريرة حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين من العلم فاما احدهما فقد بثثته واما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم والتحقيق ان ما يتعلق بالشريعة عام تبليغه وما يتعلق بالمعرفة والحقيقة خاص ولكل منهما اهل فهو كالامانة عند المبلغ يلزم دفعها الى اربابها {وان لم تفعل} اى ان لم تبلغ جميعه خوفا من ان ينالك مكروه {فما بلغت رسالته} لان كتمان بعضها ككتمان الكل والرسالة لا سبيل لها ان يبلغها الا باللسان فلذلك لم يرخص له فى تركها وان خاف فهذا دليل لقولنا فى المكره على الطلاق والعتاق اذا تكلم به وقع لان تعلق ذلك باللسان لا بالقلب والاكراه لا يمنع فعل اللسان فلا يمنع النفاذ كذا فى التيسير {والله يعصمك من الناس} امان من الله تعالى للنبى عليه السلام كيلا يخاف ولا يحذر كما روى فى الخبر ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل المدينة قالت اليهود يا محمد انا ذووا عدد وبأس فان لم ترجع قتلناك وان رجعت ذودناك واكرمناك فكان عليه السلام يحرسه مائة من المهاجرين والانصار يبيتون عنده ويخرجون معه خوفا من اليهود "حديث : فلما نزل قوله تعالى {والله يعصمك من الناس} علم ان الله يحفظه من كيد اليهود وغيرهم فقال للمهاجرين والانصار "انصرفوا الى رحالكم فان الله قد عصمنى من اليهود"" تفسير : فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يخرج وحده فى اول الليل وعند السحر الى اودية المدينة وحيث ما شاء يعصمه الله مع كثيرة اعدائه وقلة اعوانه وكان الشج والرباعية قبل ذلك او لان المراد العصمة من القتل وقد حفظه من ذلك واما سائر البلايا والمحن فذلك مما كان يجرى على سائر الانبياء والاولياء. قال الكرمانى ما وقع من الابتلاء والسقم فى الانبياء عليهم السلام لنيل جزيل الاجر وليعلم انهم بشر تصيبهم محن الدنيا وما يطرأ على الاجسام وانهم مخلوقون فلا يفتتن بما ظهر على ايديهم من المعجزات انتهى {ان الله لا يهدى القوم الكافرين} تعليل لعصمته عليه السلام اى لا يمكنهم مما يريدون لك من الاضرار. وفيه اشارة الى ان من سنة الله تعالى ان لا يهدى الى حضرته قوما جحدوا نبوة الانبياء وماقبلوا رسالة الرسل ليبلغوا اليهم من ربهم او انكروا على الاولياء وما استمسكوا بعروة ولايتهم ليوصلوهم الى الله تعالى سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وفى الآية ايضا اشارة الى ان من امتثل لامر الخالق يعصمه من مضرة المخلوق كما عصم النبى عليه السلام وابو بكر الصديق رضى الله عنه فى الغار حين الهجرة فاذا عصم الله من امتثل لامره يعصم ايضا من يستشفع برسوله عليه السلام ويهديه الى سواء الصراط ـ حكى ـ ان سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخطأ الجيش بارض الروم واسر فانطلق هاربا يلتمس الجيش فاذا بالاسد فقال يا ابا الحارث انا سفينة مولى رسول الله فكان مرادى كيت وكيت فاقبل الاسد يتبصبص حتى قام الى جنبه كما سمع صوتا اهوى اليه فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش ثم رجع الاسد: قال السعدى فى البستان شعر : يكى ديدم از عرصه رودبار كه بيش آمدم بريلنكى سوار جنان هول ازان حال برمن نشست كه ترسيدنم باى رفتن ببست تبسم كنان دست برلب كرفت كه سعدى مدار انجه آيد شكفت توهم كردن از حكم داور مييج كه كردن نبيجد زحكم توهيج محالست جون دوست داردترا كه دردست دشمن كذارد ترا تفسير : وعن جابر رضى الله عنه قال "حديث : كان النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض الغزوات فنزل مع قومه فى واد فتفرق الناس يستظلون بالاشجار وينامون واستظل عليه السلام بشجرة معلقا سيفه بغصنها فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فلما حضرنا رأينا اعرابيا فقال عليه السلام ان هذا اخترط على سيفى وانا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتا فقال يمنعك منى فقلت الله " .تفسير : (يعنى يمنعنى الله منك) "حديث : فسقط السيف من يده فاخذته فقلت من يمنعك منى فقال كن خير آخذ" قال الراوى قال له النبى عليه السلام أتشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله قال لا ولكن اعاهدك على ان لا اقاتلك ولا اكون مع قوم يقاتلونك فخلى عليه السلام سبيله" تفسير : وفى الحديث كمال توكل النبى عليه السلام وتصديق قوله {والله يعصمك من الناس} واستحباب مقابلة السيئة بالحسنة كذا فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: { يا أيها الرسول بلغ} جميع {ما أنزل إليك من ربك} غير مراقب أحدًا ولا خائف مكروهًا، {وإن لم تفعل}؛ بأن لم تبلغ جميع ما أمرتك وكتمت شيئًا منه، {فما بلغت رسالته} أي: كأنك ما بلغت شيئًا من رسالة ربك؛ لأن كتمان بعضها يُخل بجميعها، كترك بعض أركان الصلاة. وأيضًا كتمان البعض يُخل بالأمانة الواجبة في حق الرسل، فتنتقض الدعوة للإخلال بالأمانة، وذلك محال. ولا يمنعك أيها الرسول عن التبليغ خوف الإذاية فإن {الله يعصمك من الناس} بضمان الله وحفظه، {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي: لا يمكنهم مما يريدونه منك. وقد قصده قوم بالقتل مرارًا، فمنعهم الله من ذلك كما في السير عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَعَثَني اللهُ بِرِسَالَتِه، فَضِقتُ بها ذَرعًا، فأوحَى اللهُ لي: إن لم تُبلِّغ رِسَالَتِي عَذَّبتُكَ، وَضَمِنَ لِيَ العِصمَةَ فَقَوِيتُ ". تفسير : وعن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبة أدم، فقال: "حديث : انصرفوا يا أيها الناس؛ فقد عصمني الله من الناس " تفسير : . وظاهر الآية يوجب تبليغ جميع ما أنزل الله. ولعل المراد تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه، فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه. قاله البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: أمره بإبلاغ ما أنزل إليه من الذي يتعلق بأحكام العبودية، ولم يأمرهم بأنه يعرفهم أسرار ما بينه وبين الله، وما بين الله وبين أنبيائه وأوليائه. ثم قال: {والله يعصمك} أي: يعصمك أن يوقعك أحد في التمويه والغلط والحيل في طريقك إليَّ، وهذا لكونه مختارًا بالرسالة، وحقائق الرسالة في الرسول: ظهور أنوار الربوبية في قلبه، وبيان أحكام العبودية في سرّه. وقال الأستاذ، يعني القشيري: يقال في قوله: {والله يعصمك من الناس} أي: حتى لا تغرق في بحر التوهم، بل تشاهدهم كما هُم؛ وجودًا بين طرفي العَدَم. انتهى نقل الورتجبي. وقال القشيري أيضًا: لا تكتم شيئًا مما أوحينا إليك مُلاحظةً غير، إذ لا غيرَ في التحقيقَ إلا رسومًا موضوعة، أحكام القدرة عليها جارية. ثم قال: {والله يعصمك} أي: يعصم ظاهرك من أن يَمَسَّك من أذاهم شيء، فلم يتسلط عليه بعد هذا عدو، أي: وما وقع له من الشج وغيره كان قبل ذلك، وقيل: المراد عصمته من القتل، ثم قال: ونصون سِرَّك عنهم، حتى لا يقع على إحساسهم. وقال شيخنا السلمي: قيل: يعصمك منهم أن يكون منك إليهم التفات، أو يكون لك بهم اشتغال. انتهى. قلت: صدق الباطن، لا ينفك عنه من أول الأمر؛ لأنه من ضروريات كونه رسول الله بالله، وهذا قد يتحقق للمأذون من أتباعه، فضلاً عنه، والظاهر ما صدر به من عصمة ظاهره، أو أن يقع خلل في طريقه؛ بتمويه أو غلط أو حيلة، كما أشار إليه الورتجبي. فللَّه دره. قاله المحشي الفاسي. والله تعالى أعلم. ثم أبطل دين من حاد عن رسالة نبيه، فقال: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ}.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر "رسالاته" على الجمع. الباقون "رسالته" على التوحيد. من قرأ على الجمع ذهب الى أن الأنبياء يبعثون بضروب الرسائل واختلاف العبادات. ومن وحد، فلأنه يدل على الكثرة. قيل في سبب نزول هذه الاية أربعة أقوال: أحدها - قال محمد بن كعب القرطي، وغيره: إِن اعرابياً هم بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) فسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه شجرة حتى انتثر دماغه. الثاني - أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يهاب قريشاً فأزال الله - عز وجل - بالآية تلك الهيبة. وقيل كان للنبي (صلى الله عليه وسلم) حراس بين أصحابه، فلما نزلت الآية قال الحقوا بملاحقكم، فان الله عصمني من الناس. الثالث - قالت عائشة إِن المراد بذلك إِزالة التوهم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كتم شيئاً من الوحي للتقية. الرابع - قال أبو جعفر وأبو عبد الله (عليهما السلام) إِن الله تعالى: لما أوحى الى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يستخلف علياً كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره بادائه. والآية فيها خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وإِيجاب عليه تبليغ ما أنزل اليه من ربه وتهديد له إِن لم يفعل وانه يجري مجرى إِن لم يفعل ولم يبلغ رسالته. فان قيل كيف يجوز ذلك؟ ولا يجوز أن يقول: إِن لم تبلغ رسالته فما بلغتها لأن ذلك معلوم لا فائدة فيه! قلنا: قال ابن عباس: معناه إِن كتمت آية مما أنزل اليك فما بلغت رسالته والمعنى ان جريمته كجريمته لو لم يبلغ شيئاً مما أنزل اليه في انه يستحق به العقوبة من ربه. وقوله {والله يعصمك من الناس} معناه يمنعك أن ينالوك بسوء من فعل أو شر أو قهر. وأصله عصام القربة، وهو وكاؤها الذي يشد به من سير أو خيط. قال الشاعر: شعر : وقلت عليكم مالكاً إِن مالكاً سيعصمكم إِن كان في الناس عاصم تفسير : أي سيمنعكم. وقوله تعالى {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} قيل في معناه قولان: قال الجبائي: إِن الله لا يهدي الى الثواب والجنة الكافرين. وقال الرماني: معنى الهداية ها هنا المعونة بالتوفيق والألطاف الى الكفر بل إِنما يهديهم الى الايمان والثواب، لأن من هداه الى غرضه فقد أعانه على بلوغه، ولا يجوز أن يكون المراد به أنه لا يهديهم الى الايمان، لأنه تعالى هداهم اليه بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من خلافه. وفي الآية دلالة على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) من وجهين: أحدهما أنه لا يقدم على الاخبار بذلك محققاً إِلا من يأمن أن يكون مخبره على ما هو به، لأنه لا داعي له الى ذلك غير الصدق. والثاني - أنه لما وقع مخبره على ما أخبر به فيه وفي نظائره دل على أنه من عند علام الغيوب. وحكى البلخي أن بعد قوله تعالى {والله يعصمك من الناس} لم يكن الكفار قادرين على قتل النبي ولا منهيون عن قتله، لأن مع المنع لا يصح النهي عنه، قال وإِنما هم منهيون عن أسباب القتل التي تقتل غالباً، لأنهم كانوا قادرين عليها. قال ووجه آخر أنهم كانوا قادرين لكن علم أنهم لا يقتلونه. وأنه يحول بينهم وبين القتل. والأول لا يصح، لأن القدرة على بعض الاجناس قدرة على كل جنس تتعلق القدرة بها.
الجنابذي
تفسير : {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} عنهم (ع) كان هناك: فى علىّ؛ فأسقطوه {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} خوفاً من افتتان امّتك وفتنتك بهم {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} لانّ الولاية غاية الرّسالة فان لم تحصل كانت الرّسالة كأن لم تحصل {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فلا يكن خوف فتنتك منهم مانعاً من التّبليغ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} الى مرادهم من السّوء بك يعنى لا يخلّى بينهم وبين مرادهم. هذه الآية وآية {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قد روى من طريق الخاصّة بطرقٍ كثيرة انّهما فى ولاية علىّ (ع) ونزولهما كان فى حجّة الوداع قبل منصرفه (ص) او بعده (ص) الى غدير خمّ، وهذه السّورة بتمام آيها آخر ما نزلت ولم ينزل بعدها شيء من القرآن، والخطب الّتى خطب النّبىّ (ص) بها فى مكّة ومسجد الخيف وغدير خمّ مذكورة من طريقهم فى المفصّلات من التّفاسير وغيرها، ومتأخّرو مفسّرى العامّة اكتفوا فى تفسير هذه الآية بظاهر اللّفظ وفسّروها هكذا يا ايّها الرّسول بلّغ جميع ما انزل اليك من ربّك وان لم تفعل اى تبليغ الجميع فما بلّغت شيئاً من رسالته على قراءة رسالته بالافراد او ما بلّغت جميع رسالاته على قراءة رسالاته بالجمع، ونزول الآية لو كان فى اوّل التّبليغ كان لهذا التّفسير وجه، ولمّا كان نزول الآية فى آخر التّبليغ كما عليه الشّيعة او بعد الهجرة كما عليه الكلّ لم يكن لهذا التّفسير موقع، لانّه قبل نزول الآية كان قد بلّغ اكثر التّكاليف وبقى بعضها فان كان الباقى مثل ما بلّغ سابقاً من احكام القالب لم يكن يخاف من التّبليغ ولا يتأمّل فيه حتّى يصير معاتباً بتركه، لانّه كان قد بلّغ اكثر الاحكام حين الانغمار وغلبة المشركين ولم يخف منهم فكيف يخاف حين ظهور سلطانه وقبول احكامه، فينبغى ان يكون خوفه من امّته وافتتان اتباعه ولا يكون الاّ اذا كان الامر المأمور هو بتبليغه امراً عظيماً ثقيلاً على اسماع الامّة، حتّى يخاف (ص) من عدم قبولهم وارتدادهم ويخاف على نفسه ايضاً من الاذى والقتل، ويتأمّل فى التّبليغ ويتردّد فيه فيصحّ من الله مجيء العزيمة والامر البتّى فيه والعتاب والتّهديد على تركه ووعد العصمة من النّاس فى تبليغه، ومن انصف من نفسه علم انّ هذا الامر لا يكون من جنس الصّوم والصّلوة ولا الحجّ والزّكوة ولا الخمس والجهاد ولا سائر العقود والمعاملات بل امراً خارجاً من جنس تلك الاحكام ولا يتصوّر الاّ ان يكون ذلك الامر نصب شخص للامارة عليهم بعده وادخالهم تحت حكمه مع كونه مبغوضاً لهم، وما ادّعى هذا لاحدٍ الاّ لعلىّ (ع) وقد قال (ص) باتّفاق الفريقين: "حديث : من كنت مولاه فعلىّ مولاه"تفسير : ، وتأويلهم هذا بالمحبّ كما أوّلوه بعيد عن الانصاف غاية البعد، وكلامنا مع المنصف لامع المتعصّب المنحرف فانّه لا كلام لنا معه ولا كتاب والله المتفضّل بالتّوفيق والصّواب. هذا مع قطع النّظر عمّا ثبت وورد بطريق الخاصّة والعامّة فى حقّه (ع) ممّا يدلّ على استحقاقه (ع) خلافة النّبىّ (ص) دون غيره من كونه لم يشرك بالله طرفة عينٍ ولم يعبد وثناً بخلاف غيره ومن دعاء الرّسول (ص) له الى الاسلام وتكليفه (ص) البيعة معه واجابته (ع) له (ص) حين كونه (ع) ابن تسع سنين، فانّه ان كان فى ذلك الزّمان مستعدّاً لتعلّق التّكليف به ومستحقّاً لدعوة الرّسول وقابلاً للتّوبة على يده والبيعة معه، كفى به شرفاً لانّه لا خلاف فى انّه اوّل من بايع الرّسول (ص) وانّه كان حين بايع ابن تسع سنين، وان لم يكن اهلاً للدّعوة والبيعة ومع ذلك دعاه محمّد (ص) وبايعه كان مرتكباً للّغو وهو بحكمته الكاملة اجلّ من ان يفعل اللّغو. ومن مبيته على فراش الرّسول (ص) وفداءه بنفسه ليلة المبيت، ومن استخلافه له بمكّة فى اهله، وفى ردّ امانات النّاس، ومن حمله الفواطم ومنهنّ فاطمة بنت رسول الله (ص) بعده الى المدينة، ومن كونه بمنزلة نفسه (ص) كما سبق فى آية المباهلة، ونقلنا هناك اتّفاق الخاصّة والعامّة على انّه لم يكن معه (ص) حين الخروج الى المباهلة احد من الصّحابة سوى الحسنين وفاطمة وعلىّ (ع) ونقلنا هناك عن بعض مفسّريهم ورواتهم انّه قال: لم يكن معه غير هؤلاء، وهو يدلّ على انّه لم يكن اعزّ عليه من هؤلاء؛ والفضل ما شهدت به الاعداء. ومن كونه قتّال ابطال العرب لحماية الدّين ولطاعة سيّد المرسلين (ص) وكفى به فضلاً وشرفاً، حيث بذل نفسه واهلك انانيّته لامر ربّه واقدم على ما لم يقدم عليه أحد من اقرانه الّذين ارادوا بالدّين وبالبيعة مع سيّد المرسلين (ص) ابقاء انانيّاتهم وجذب الخير لانفسهم، ومن قوله (ص) فى حقّه (ع) "حديث : لاعطين الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله"تفسير : ، ومن قوله (ص): "حديث : انّى تارك فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتى اهل بيتى وانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض"تفسير : ، ولم يدّع احد من مدّعى الخلافة كونه من اهل بيته ومن عترته، ومن قوله (ص): انا مدينة العلم وعلىٌّ بابها، ومن كونه اعلم الصّحابة وأقضاهم واشجعهم واغزاهم، ومن رجوع الخلفاء اليه فى معضلاتهم وقولهم: قضيّةٌ ولا باحسنٍ لها، صار مثلاً بينهم وقد تيمنّت بما ذكرت والاّ فمناقبه المشهورة المذكورة بين العامّة والخاصّة قد بلغت من الوضوح مبلغ الشّمس فى رابعة النّهار غنيّة عن الوصف والاظهار، ومن الكثرة بحيث ملأت الخافقين لا يمكن احصاؤها مع انّ اعداءه كتموها حسداً وبغياً واحبّاؤه ضنّةً وخوفاً: وقد اغنى ابن ابى الحديد الشّيعة عن ذكر مناقبه بما ذكر فى شرحه لنهج البلاغة، وان كان مع اطرائه لم يبلغ قطرة من بحار مناقبه وقد ذكر صريحاً وتلويحاً مثالبهم فى ضمن اوصافهم، وكان ابن ابى الحديد من مشايخهم وعلمائهم وذكر فى شرح نهج البلاغة ما مضمونه: انّ رجلاً من اهل البصرة كان يوم الغدير بمشهد علىّ (ع) وسمع من الرّفضة رفض الخلفاء وبعض الصّحابة وسبّهم ومثالبهم، فرجع الى البصرة ودخل على قاضيها وقال للقاضى رأيت العجب فى مشهد علىٍّ قال: ما رأيت؟ - قال: رأيت الشّيعة يسبّون الخلفاء، قال القاضى: هذا ما علّمهم صاحب القبر، قال: فما لنا نحبّه ونحبّهم؟! فقام القاضى وخرج من الباب الّذى يلى داره وقال: لعن الله الفاعل ابن الفاعلة ان كان يعلم جواب هذى المسئلة، فان كان علىٌّ باقرارهم علّم شيعته سبّ الخلفاء كان مبغضاً لهم فان كنت محبّا له فاقتضاء محبّته ان تبغض الخلفاء وان كنت محبّاً لهم فاقتضاء محبتّهم ان تبغض عليّاً فما لك تحبّه وتحبّهم، فاخرج عن عصبيتّك وانظر الى آثار كبار ملّتك وخذ من دنياك لآخرتك. وللتيمّن بقوله (ص) فى خلافة خليفته (ع) نذكر شطراً من الخطب الّتى خطب بها فى حجّة الوداع، فنقول: نسب الى ابن عبّاس والثّعلبىّ وغيرهما من العامّة انّهم قالوا: انّ الله امر نبيّه ان ينصب عليّاً علماً للنّاس ويخبرهم بولايته، فتخوّف ان يقولوا حابى ابن عمّه وان يشقّ ذلك على جماعة من اصحابه، فنزلت هذه الآية فأخذ بيده يوم غدير خمّ وقال: "حديث : من كنت مولاه فعلىٌّ مولاه"تفسير : ، وقرأ الآية، ونسب الى الباقر (ع) انّه قال: قد حجّ رسول الله (ص) من المدينة وقد بلّغ جميع الشّرائع قومه غير الحجّ والولاية، فأتاه جبرئيل فقال له يا محمّد انّ الله عزّ وجلّ يقرئك السّلام ويقول لك: انّى لم اقبض نبيّاً من انبيائى ولا رسولاً من رسلى الا بعد اكمال دينى وتأكيد حجّتى، وقد بقى عليك من ذلك فريضتان ممّا يحتاج ان تبلّغهما قومك فريضة الحجّ وفريضة الولاية والخلافة من بعدك، فانّى لم اُخل ارضى من حجّتى ولن اخليها ابداً، فانّ الله يأمرك ان تبلّغ قومك الحجّ، تحجّ ويحجّ معك كلّ من استطاع اليه سبيلاً من اهل الحضر والاطراف والاعراب وتعلّمهم من حجّتهم مثل ما علّمتهم من صلوتهم وزكوتهم وصيامهم، وتوقّفهم من ذلك على مثال الّذى اوقفتهم عليه من جميع ما بلّغتهم من الشّرائع، فنادى منادى رسول الله (ص) فى النّاس الا انّ رسول الله (ص) يريد الحجّ وان يعلّمكم من ذلك مثل الّذى علّمكم من شرائع دينكم ويوقفكم من ذلك على ما اوقفكم عليه من غيره، فخرج رسول الله (ص) وخرج معه الناّس واصغوا اليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله، فحجّ بهم وبلغ من حجّ مع رسول الله (ص) من اهل المدنية واهل الاطراف والاعراب سبيعن الف انسانٍ او يزيدون، على نحو عدد اصحاب موسى (ع) سبعين الفاً الّذين اخذ عليهم بيعة هارون (ع) فنكثوا واتّبعوا العجل والسّامرىّ، وكذلك رسول الله (ص) اخذ البيعة لعلىّ بن أبى طالب (ع) بالخلافة على عدد اصحاب موسى (ع) فنكثوا البيعة واتّبعوا العجل سنّة بسنّة ومثلاً بمثل، واتّصلت التلبية ما بين مكّة والمدينة فلمّا وقف بالموقف اتاه جبرئيل عن الله تعالى فقال: يا محمّد، انّ الله تعالى يقرئك السّلام ويقول لك: انّه قد دنا اجلك ومدّتك، وانا مستقدمك على ما لا بدّ منه ولا عنه محيص فاعهد عهدك وقدّم وصيّتك واعمد الى ما عندك من العلم وميراث علوم الانبياء من قبلك، والسّلاح والتّابوت وجميع ما عندك من آيات الانبياء، فسلّمها الى وصيّك وخليفتك من بعدك حجّتى البالغة على خلقى علىّ بن أبى طالب، فأقمه للنّاس علماً وجدّد عهده وميثاقه وبيعته وذكّرهم ما اخذت عليهم من بيعتى وميثاقى الّذى واثقتهم به وعهدى الّذى عهدت اليهم من ولاية وليىّ ومولاهم ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ علىّ بن أبى طالبٍ. فانّى لم اقبض نبيّاً من الانبياء الاّ من بعد اكمال دنيى واتمام نعمتى بولاية اوليائى ومعاداة اعدائى، وذلك كمال توحيدى ودينى واتمام نعمتى على خلقى باتّباع وليىّ وطاعته، وذلك انّى لا أترك ارضى بغير قيّمٍ ليكون حجّة لى على خلقى، فاليوم اكلمت لكم دينكم (الآية) بولاية وليّى ومولى كلّ مؤمن ومؤمنةٍ علىٍّ عبدى ووصىّ نبيىّ والخليفة من بعده وحجّتى البالغة على خلقى مقرون طاعته بطاعة محمّد نبيىّ ومقرون طاعته مع طاعة محمّد بطاعتى، من أطاعه فقد اطاعنى ومن عصاه فقد عصانى، جعلته علماً بينى وبين خلقى من عرفة كان مؤمناً ومن انكره كان كافراً، ومن أشرك ببيعته كان مشركاً، ومن لقينى بولايته دخل الجنّة، ومن لقينى بعداوته دخل النّار؛ فأقم يا محمّد عليّاً علماً وخذ عليهم البيعة وجدّد عليهم عهدى وميثاقى لهم الّذى واثقتهم عليه، فانّى قابضك الىّ ومستقدمك علىّ. فخشى رسول الله (ص) قومه واهل النّفاق والشّقاق ان يتفرّقوا ويرجعوا جاهليّة لما عرف من عداوتهم، ولما ينطوى عليه انفسهم لعلىٍّ من البغضة، وسأل جبرئيل، ان يسأل ربه العصمة من النّاس وانتظر ان يأتيه (ص) جبرئيل بالعصمة من النّاس من الله جلّ اسمه فأخّر ذلك الى ان بلغ مسجد الخيف، فأتاه جبرئيل فى مسجد الخيف فأمره ان يعهد عهده ويقيم عليّاً (ع) للنّاس ولم يأته بالعصمة من الله جلّ جلاله الّذى اراد، حتّى اتى كراع الغميم بين مكّة والمدينة فأتاه جبرئيل وأمره بالّذى اتاه من قبل ولم يأته بالعصمة، فقال (ص): يا جبرئيل انّى اخشى قومى ان يكذّبونى ولا يقبلوا قولى فى علىٍّ، فرحل فلمّا بلغ غدير خمّ قبل الجحفة بثلاثة اميالٍ اتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النّهار بالزّجر والانتهار والعصمة من النّاس، يا محمّد، انّ الله تعالى يقرئك السّلام ويقول لك: (يا ايّها الرّسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك في عليّ وان لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النّاس)، وكان اوائلهم قربت من الجحفة فأمره بان يردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخّر عنهم فى ذلك المكان ليقيم عليّاً للنّاس ويبلّغهم ما انزل الله تعالى فى علىٍّ وأخبره بانّ الله عزّ وجلّ قد عصمه من النّاس، فأمر رسول الله عند ما جاءته العصمة منادياً ينادى فى النّاس بالصّلوة جامعةً، ويردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخّر فتنحّى عن يمين الطّريق الى جنب مسجد الغدير امره بذلك جبرئيل عن الله عزّ وجلّ، وفى الموضع سلمان فأمر رسول الله (ص) ان يقمّ ما تحتهنّ وينصب له احجار كهيئة المنبر ليشرف على النّاس، فتراجع النّاس واحتبس اواخرهم فى ذلك المكان لا يزالون فقام رسول الله (ص) فوق تلك الاحجار، ثمّ حمد الله تعالى وأثنى عليه بما أثنى (الى أن قال) واومن به وبملائكته وكتبه ورسله، اسمع أمره وأطيع وابادر الى كلّ ما يرضاه واستسلم لقضائه رغبةً فى طاعته وخوفاً من عقوبته، اقرّ له على نفسى بالعبوديّة واشهد له بالرّبوبيّة وأودّى ما أوحى الىّ حذراً من ان لا افعل فتحلّ بى منه قارعة لا يدفعها عنّى احدٌ وان عظمت حيلته، لا آله الاّ هو لانّه قد أعلمنى انّى ان لم ابلّغ ما أنزل الىّ فما بلّغت رسالته، فقد ضمن لى تبارك وتعالى العصمة وهو الله الكافى الكريم، فأوحى الىّ بسم الله الرّحمن الرّحيم {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} فى علىٍّ وان لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النّاس؛ معاشر النّاس، ما قصّرت فى تبليغ ما انزله وانا مبيّن لكم سبب هذه الآية انّ جبرئيل هبط الىّ مراراً ثلاثاً يأمرنى عن السّلام وربّى وهو السّلام ان اقوم فى هذا المشهد، فأعلم كلّ أبيض وأسود انّ علىٍّ بن أبي طالبٍ اخى ووصيىّ وخليفتى والامام من بعدى الّذى محلّه منّى محلّ هارون من موسى الا انّه لا نبىّ بعدى وهو وليّكم بعد الله ورسوله وقد أنزل الله تعالى علىّ بذلك آيةً من كتابه انّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصّلوة ويؤتون الزّكوة وهم راكعون، وعلىّ بن أبى طالب أقام الصّلوة وآتى الزّكوة وهو راكع يريد الله عزّ وجلّ فى كلّ حال وسألت جبرئيل ان يستعفينى عن تبليغ ذلك اليكم ايّها النّاس، لعلمى بقلّة المتّقين وكثرة المنافقين وادغال الآثمين وحيل المستهزئين بالاسلام، الّذين وصفهم الله فى كتابه، بأنّهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم ويحسبونه هيّناً هو عند الله عظيم، وكثرة اذاهم لى غير مرّةٍ حتّى سمّونى اذناً وزعموا انّى كذلك لكثرة ملازمته ايّاى واقبالى عليه، حتّى انزل الله عزّ وجلّ فى ذلك: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}تفسير : [التوبة: 61] قل اذن على الّذين يزعمون أنّه اذن خير لكم (الآية) ولو شئت ان اسمىّ بأسمائهم لسمّيت وان اومى اليهم بأعيانهم لا ومأت وان ادلّ عليهم لدللّت، ولكنّى والله فى امورهم قد تكرّمت وكلّ ذلك لا يرضى الله منّى الا ان ابلّغ ما انزل الىّ ثمّ تلا: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، فاعلموا، معاشر النّاس، انّ الله قد نصبه لكم وليّاً واماماً مفترضاً طاعته على المهاجرين والانصار وعلى التّابعين لهم باحسان وعلى البادى والحاضر وعلى الاعجمىّ والعربىّ والحرّ والمملوك والصّغير والكبير وعلى الابيض والاسود وعلى كلّ موجودٍ ماض حكمه جائز قوله نافذٍ امره، ملعونٌ من خالفه مرحومٌ من تبعه، ومن صدّقه فقد غفر الله له ولمن سمع منه واطاع له، معاشر النّاس أنّه آخر مقامٍ اقومه فى هذا المشهد، فاسمعوا واطيعوا وانقادوا لامر ربّكم، فانّ الله عزّ وجلّ هو ربّكم ووليّكم وآلهكم، ثمّ من دونه رسوله محمّد وليّكم القائم المخاطب لكم، ثمّ من بعدى عليٌّ وليّكم وامامكم بأمر الله ربّكم، ثمّ الامامة فى ذرّيّتى من ولده الى يوم القيامة يوم يلقون الله ورسوله، لا حلال الاّ ما أحلّه الله ولا حرام الاّ ما حرّمه الله، عرّفنى الحلال والحرام وانا افضيت بما علّمنى ربّى من كتابه وحلاله وحرامه اليه. معاشر النّاس، ما من علمٍ الاّ وقد أحصاه الله فىّ وكلّ علمٍ عُلّمته فقد أحصيته فى علىٍّ امام المتّقين ما من علم الاّ وقد علّمته وهو الامام المبين، معاشر النّاس، لا تضلّوا عنه ولا تنفروا منه ولا تستنكفوا من ولايته فهو الّذى يهدى الى الحقّ ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولا تأخذه فى الله لومة لائم، انّه اوّل من آمن بالله ورسوله، والّذى فدى رسول الله بنفسه، والّذى كان مع رسول الله ولا احد يعبد الله مع رسوله من الرّجال غيره، معاشر النّاس، فضّلوه فقد فضّله الله واقبلوه فقد نصبه الله، معاشر النّاس، انّه امام من الله ولن يتوب الله على احدٍ انكر ولايته ولن يغفر الله له حتماً على الله ان يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه وان يعّذبه عذاباً نكراً ابد الاباد ودهر الدّهور، فاحذروا ان تخالفوه فتصلوا ناراً وقودها النّاس والحجارة أعّدت للكافرين، ايّها النّاس، بى والله بشّر الاوّلون من النّبيّين والمرسلين وانا خاتم الانبياء والمرسلين والحجّة على جميع - المخلوقين من اهل السّماوات والارضين، فمن شكّ فى ذلك فهو كافر كفر الجاهليّة الاولى ومن شكّ فى شيءٍ من قولى هذا فقد شكّ فى الكلّ منه والشّاكّ فى الكلّ فله النّار، معاشر النّاس، حبانى الله بهذه الفضيلة منّاً منه علىّ واحساناً منه الىّ، ولا اله الاّ هو له الحمد منّى ابد الآبدين ودهر الدّاهرين على كلّ حالٍ، معاشر النّاس، فضّلوا عليّاً فانّه افضل النّاس بعدى من ذكرٍ وأنثى، بنا انزل الله الرّزق وبقى الخلق، ملعونٌ معلونٌ مغضوبٌ مغضوبٌ من ردّ قولى هذا وان لم يوافقه، الا انّ جبرئيل خبّرنى عن الله تعالى بذلك ويقول: من عادى عليّاً ولم يتولّه فعليه لعنتى وغضبى، فلتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ واتّقوا الله ان تخالفوه فتزلّ قدم بعد ثبوتها انّ الله خبير بما تعملون، معاشر النّاس، انّه جنب الله نزل فى كتابه: {أية : يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر:56] معاشر النّاس، تدبّروا القرآن وافهموا آياته وانظروا الى محكماته ولا تتّبعوا متشابهه فوالله لن يبيّن لكم زواجره ولا يوضح لكم تفسيره الاّ الّذى انا آخذٌ بيده ومصعده الىّ وشائل بعضده، ومعلّمكم انّ من كنت مولاه فهذا علىٌّ مولاه وهو علىّ بن أبى طالبٍ، اخى ووصيىّ، وموالاته من الله عزّ وجلّ انزلها علىّ، معاشر الناس، انّ عليّاً والطّيّبين من ولدى هم الثّقل الاصغر والقرآن هو الثّقل الاكبر فكلّ واحد منبئٌ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، امناء الله فى خلقه وحكّامه فى ارضه الا وقد اديّت، الا وقد بلّغت، الا وقد أسمعت، الا وقد أوضحت، الا وانّ الله عزّ وجلّ قال وانا قلته عن الله عزّ وجلّ، الا انّه ليس امير المؤمنين غير اخى هذا ولا تحلّ امرة المؤمنين بعدى لأحدٍ غيره. ثمّ ضرب بيده الى عضده فرفعه وكان منذ اوّل ما صعد رسول الله شال عليّاً حتّى صار رجله مع ركبة رسول الله ثمّ قال: معاشر النّاس، هذا علىٌّ اخى ووصيىّ وواعى علمى وخليفتى على امّتى وعلىّ تفسير كتاب الله والدّاعى اليه، والعامل بما يرضيه، والمحارب لاعدائه، والموالى على طاعته والنّاهى عن معصيته خليفة رسول الله وامير المؤمنين والامام الهادى وقاتل النّاكثين والقاسطين والمارقين، بأمر الله اقول ما يبدّل القول لدىّ، بأمر الله ربّى اقول: اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، والعن من أنكره واغضب على من جحد حقّه، اللّهم انّك انزلت علىّ انّ الامامة لعلىٍّ وليّك عند تبيانى ذلك ونصبى ايّاه، بما اكملت لعبادك من دينهم واتمم عليهم نعمتك ورضيت لهم الاسلام ديناً. فقلت: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران:85] اللّهمّ انّى اشهدك انّى قد بلّغت، معاشر النّاس، انّما الله عزّ وجلّ أكمل دينكم بامامته فمن لم يأتمّ به وبمن يقوم مقامه من ولدى من صلبه الى يوم القيامة، والعرض على الله عزّ وجلّ فاولئك الّذين حبطت اعمالهم وفى النّار هم خالدون لا يخفّف الله عنهم العذاب ولا هم ينظرون، معاشر النّاس، هذا علىٌّ انصركم لى، واحقّكم بى، وأقربكم الىّ وأعزّكم علىّ والله عزّ وجلّ وانا عنه راضيان وما نزلت آية رضى الاّ فيه، وما خاطب الله الّذين آمنوا الاّ بدء به، ولا نزلت آية مدحٍ فى القرآن الاّ فيه، ولا شهد الله بالجنة فى {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} تفسير : [الإنسان:1] الاّ وله ولا انزلها فى سواه ولا مدح بها غيره، معاشر النّاس، هو ناصر دين الله، والمجادل عن رسول الله، والتّقىّ النّقىّ الهادى المهدىّ نبيّكم خير نبىّ ووصيّكم خير وصىٍّ، وبنوه خير الاوصياء، معاشر النّاس، ذرّيّة كلّ نبيٍّ من صلبه وذرّيّتى من صل علىٍّ، معاشر النّاس، انّ ابليس أخرج آدم من الجنّة بالحسد فلا تحسدوه فتحبط اعمالكم وتزلّ اقدامكم؛ فانّ آدم اهبط الى الارض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله عزّ وجلّ فكيف بكم وأنتم أنتم ومنكم أعداء الله، الا انّه لا يبغض عليّاً الاّ شقىٌّ ولا يتولّى عليّاً الاّ تقىّ ولا يؤمن به الاّ مؤمن مخلص، وفى علىٍّ والله انزل سورة العصر بسم الله الرحمن الرّحيم {أية : وَٱلْعَصْرِ} تفسير : [العصر:1] الى آخره، معاشر النّاس قد استشهدت الله وبلّغتكم رسالتى {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}، معاشر النّاس، اتّقوا الله حقّ تقاته فلا تموتنّ الا وانتم مسلمون، معاشر النّاس، آمنوا بالله ورسوله والنّور الّذى انزل معه من قبل ان نطمس وجوهاً فنردّها على ادبارها، معاشر النّاس، النّور من الله عزّ وجلّ فىّ، ثمّ مسلوك فى علىّ، ثمّ فى النّسل منه الى القائم المهدىّ يأخذ بحقّ الله وبكلّ حقّ، هو لنا لانّ الله عزّ وجلّ قد جعلنا حجّة على المقصّرين والمعاندين والمخالفين والخائبين والآثمين والظّالمين من جميع العالمين. معاشر النّاس، انّى انذركم انّى رسول الله اليكم قد خلت من قبلى الرّسول افان متّ او قتلت انقلبتم على أعقابكم {أية : وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران:144]، الا وانّ عليّاً الموصوف بالصّبر والشّكر ثمّ من بعده ولدى من صلبه، معاشر النّاس، لا تمنّو على الله اسلامكم فيسخط عليكم ويصيبكم بعذابٍ من عنده انّه لبالمرصاد، معاشر النّاس، سيكون من بعدى ائمّة يدعون الى النّار ويوم القيامة لا ينصرون، معاشر النّاس، انّ الله وانا بريئان منهم، معاشر النّاس، انّهم واشياعهم واتباعهم وانصارهم فى الدّرك الاسفل من النّار ولبئس مثوى المتكبّرين، الا انّهم اصحاب الصّحيفة فينظر أحدكم فى صحيفته (قال: فذهب على النّاس الاّ شرذمة امر الصّحيفة) معاشر النّاس، انّى ادعها امامة ووراثة فى عقبى الى يوم القيامة، وقد بلّغت ما أمرت بتبليغه حجّة على كلّ حاضر وغائب وعلى كلّ احد ممّن شهد او لم يشهد ولد او لم يولد، فليبلغ الحاضر الغائب والوالد والولد الى يوم القيامة وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً، الا لعن الله الغاصبين والمغتصبين وعندها {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن:31] {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} تفسير : [الرحمن:35]، معاشر النّاس، انّ الله عزّ وجلّ لم يكن يذركم على ما انتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطّيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب، معاشر النّاس، انّه ما من قريةٍ الاّ والله مهلكها بتكذيبها وكذلك يهلك القرى وهى ظالمة كما ذكر الله تعالى، وهذا امامكم ووليّكم وهو مواعيد الله والله يصدق ما وعده، معاشر النّاس، قد ضلّ قبلكم اكثر الاوّلين والله لقد اهلك الاوّلين وهو مهلك الآخرين، معاشر النّاس، انّ الله قد أمرنى ونهانى وقد أمرت عليّاً ونهيته فعلم الامر والنّهى من ربّه عزّ وجلّ فاسمعوا لأمره تسلموا، وأطيعوه تهتدوا، وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا الى مراده ولا يتفرّق بكم السّبيل عن سبيله، انا صراط الله المستقيم الّذى امركم باتّباعه ثمّ علىٌّ من بعدى ثمّ ولدى من صلبه ائمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. ثمّ قرأ (ص) الحمد لله رب العالمين (الى آخرها) وقال، فىّ نزلت وفيهم نزلت ولهم عمّت وايّاهم خصّت، اولئك {أية : أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [يونس:62] {أية : أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [المجادلة:22]، الا انّ اعداء علىٍّ هم اهل الشّقاق العادون، واخوان الشّياطين الّذين يوحى بعضهم الى بعضٍ زخرف القول غروراً، الا انّ اولياء الله هم المؤمنون الّذين ذكرهم الله فى كتابه فقال عزّ وجلّ: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المجادلة:22] (الى آخر الآية) الا انّ اولياء الله هم الّّذين وصفهم الله عزّ وجلّ فقال: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الأنعام:82]، الا انّ اولياء الله هم الّّذين يدخلون الجنّة آمنين وتتلقّاهم الملائكة بالتّسليم ان طبتم فادخلوها خالدين، الا انّ اولياء الله هم الّذين قال الله عزّ وجلّ {أية : يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [غافر:40] الا انّ اعداءهم الّذين يصلون سعيراً، الا انّ اعداءهم الّذين يسمعون لجهنّم شهيقاً وهى تفور ولها زفير {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف:138] (الآية)، الا انّ اعداءهم الّّذين قال الله عزّ وجل {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ} تفسير : [الملك:8] (الآية)، الا انّ اولياء الله هم الّذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة واجر كبيرٌ، معاشر النّاس، شتّان ما بين السّعير والجنّة، عدوّنا من ذمّه الله ولعنه ووليّنا من أحبّه الله ومدحه، الا وانّى منذرٌ وعلىٌّ هادٍ، معاشر النّاس، انّى نبىّ وعلىٌّ وصيىّ الا وانّ خاتم الائمّة منّا القائم المهدىّ، الا انّه الظّاهر على الدّين، الا انّه المنتقم من الظّالمين، الا انّه فاتح الحصون وهادمها، الا انّه قاتل كلّ قبيلة من اهل الشّرك، الا انّه مدرك كلّ ثأرٍ لاولياء الله عزّ وجلّ، الا انّه ناصر دين الله عزّ وجلّ، الا انّه الغرّاف من بحرٍ عميقٍ، الا انّه يسمّ كلّ ذى فضل بفضله وكلّ ذى جهل بجهله، الا انّه خيرة الله ومختاره، الا انّه وارث كلّ علمٍ والمحيط به، الا انّه المخبر عن ربّه عزّ وجلّ المنبّه بأمر ايمانه، الا انّه الرّشيد السّديد، الا انّه المفوّض اليه، الا انّه قد بشّر به من سلف بين يديه، الا انّه الباقى حجّة ولا حجّة بعده ولا حقّ الاّ معه ولا نور الاّ عنده، الا انّه لا غالب له ولا منصور عليه، الا انّه ولىّ الله فى ارضه، وحكمه فى خلقه، وامينه فى سرّه وعلانيته، معاشر النّاس، قد بيّنت لكم وأفهمتكم وهذا علىٌّ يفهمكم بعدى، الا وانّ عند انقضاء خطبتى ادعوكم الى مصافقتى على بيعته والاقرار به ثمّ مصافقته من بعدى، الا وانّى قد بايعت الله وعلىٌّ قد بايعنى وانا آخذكم بالبيعة له عن الله عزّ وجلّ، ومن نكث فانّما ينكث على نفسه (الآية). معاشر النّاس، انّ الحجّ والصّفا والمروة والعمرة من شعائر الله فمن حجّ البيت او اعتمر (الآية)، معاشر النّاس، حجّوا البيت فما ورده اهل بيت الاّ استغنوا ولا تخلّفوا عنه الاّ افتقروا، معاشر النّاس، ما وقف بالموقف مؤمن الاّ غفر الله له ما سلف من ذنبه الى وقته ذلك، فاذا انقضت حجّته استأنف عمله، معاشر النّاس، الحجّاج معانون ونفقاتهم مخلّفة والله لا يضيع اجر المحسنين، معاشر النّاس، حجّوا البيت بكمال الدّين والتّفقه ولا تنصرفوا عن المشاهد الاّ بتوبةٍ واقلاعٍ، معاشر النّاس، اقيموا الصّلوة وآتوا الزّكوة كما أمركم الله عزّ وجلّ لئن طال عليكم الامد فقصّرتم او نيستم فعلىٌّ وليّكم ومبيّن لكم، الّذى نصبه الله عزّ وجلّ بعدى من خلّفه الله منّى ومنه يخبركم بما تسألون منه ويبيّن لكم ما لا تعلمون، الا انّ الحلال والحرام اكثر من أحصيهما واعرّفهما، فآمر بالحلال وأنهى عن الحرام فى مقامٍ واحدٍ فأمرت ان أخذ البيعة عليكم والصّفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عزّ وجلّ فى علىٍّ امير المؤمنين، والائمّة من بعده الّذين هم منّى ومنه امّة قائمة ومنه امّة قائمة ومنهم المهدىّ الى يوم القيامة الّذى يقضى بالحقّ، معاشر النّاس، وكلّ حلالٍ دللتكم عليه وكلّ حرامٍ نهيتكم عنه فانّى لم ارجع عن ذلك ولم - ابدّل، الا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولا تبدّلوه ولا تغيّروه، الا وانّى اجدّد القول، الا فأقيموا الصّلوة وآتوا الزّكوة وامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، الا وانّ رأس الامر بالمعروف ان تنتهوا الى قولى وتبلّغوه من لم يحضره وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته فانّه امر من الله عزّ وجلّ ومنّى، ولا امر بمعروف ولا نهى عن منكر الاّ مع امام، معاشر النّاس، القرآن يعرّفكم انّ الائمّة من بعده ولده وعرّفتكم انّهم منّى ومنه حيث يقول الله {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} تفسير : [الزخرف:28] وقلت: لن تضلّوا ما ان تمسّكتم بهما، معاشر النّاس، والتّقوى التّقوى احذروا السّاعة كما قال الله تعالى، {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحج:1]، اذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدى ربّ العالمين، والثّواب والعقاب فمن جاء بالحسنة اثيب، ومن جاء بالسّيئة فليس له فى الجنان نصيب، معاشر النّاس، انّكم اكثر من ان تصافقونى بكفّ واحدةٍ وامرنى الله عزّ وجلّ ان اخذ من السنتكم الاقرار بما عقدت لعلىٍّ من امرة المؤمنين ومن جاء بعده من الائمّة منّى ومنه على ما أعلمتكم انّ درّيّتى من صلبه فقولوا بأجمعكم انّا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلّغت عن ربّنا وربّك فى امر علىٍّ وامر ولده من صلبه من الائمة نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحيى ونموت ونبعث ولا نغيّر ولا نبدّل ولا نشكّ ولا نرتاب ولا نرجع عن عهدٍ ولا ننقض الميثاق ونطيع الله ونطيعك وعليّاً امير المؤمنين وولده الائمّة الّذين ذكرتهم من ذرّيّتك من صلبه بعد الحسن والحسين، الّذين قد عرّفتكم مكانهما منّى ومحلّهما عندى ومنزلتهما من ربّى عزّ وجلّ، فقد ادّيت ذلك اليكم وانّهما سيّدا شباب اهل الجنّة وانّهما الامامان بعد ابيهما علىٌّ وانا ابوهما قبله وقولوا اطعنا الله بذلك واياك وعليّاً والحسن والحسين والائمّة الّّذين ذكرت عهداً وميثاقاً مأخوذاً لامير المؤمنين من قلوبنا وانفسنا والسنتنا ومصافقة أيدينا من ادركهما واقرّ بهما بلسانه لا نبتغى بذلك بدلاً ولا نرى من انفسنا عنه حولاً ابداً، أشهدنا الله وكفى به شهيداً وانت علينا به شهيد، وكلّ من اطاع ممّن ظهرو استتر وملائكة الله وجنوده وعبيده والله اكبر من كلّ شهيدٍ. معاشر النّاس، ما تقولون فانّ الله يعلم كلّ صوت وخافية كلّ نفس فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فانّما يضلّ عليها ومن بايع فانّما يبايع الله عزّ وجلّ، يد الله فوق ايديهم، معاشر النّاس، فاتّقوا الله وبايعوا عليّاً امير المؤمنين والحسن والحسين والائمّة كلمة باقية يهلك الله من غدر ويرحم الله من وفى، ومن نكث فانّما ينكث على نفسه، الآية، معاشر النّاس، قولوا الّذى قلت لكم وسلّموا على علىٍّ بامرة المؤمنين وقولوا{أية : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة:285] وقولوا: الحمد لله الّذى هدانا لهذا وما كنّا لنهتدى لولا ان هدانا الله، معاشر النّاس، انّ فضائل علىّ بن أبى طالبٍ عند الله عزّ وجلّ وقد انزلها علىٌّ فى القرآن اكثر من ان احصيها فى مكانٍ واحدٍ فمن أنبأكم بها وعرّفها فصدّقوه، معاشر النّاس، من يطع الله ورسوله وعليّاً والائمّة الّذين ذكرتهم فقد فاز فوزاً مبيناً، معاشر النّاس، السّابقون الى مبايعته وموالاته والتّسليم عليه بامرة المؤمنين اولئك هم الفائزون فى جنّات النّعيم، معاشر النّاس، قولوا ما يرضى الله به عنكم من القول فان تكفروا انتم ومن فى الارض جيمعاً فلن يضرّ الله شيئاً، اللّهمّ اغفر للؤمنين والمؤمنات واغضب على الكافرين والكافرات والحمد لله ربّ العالمين. فناداه القوم، نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا والسنتنا وأيدينا وتداكّوا على رسول الله (ص) وعلى علىّ (ع) وصافقوا بأيديهم فكان اوّل من صافق رسول الله (ص) الاوّل والثّانى والثّالث والرّابع والخامس وباقى المهاجرين والانصار وباقى النّاس على طبقاتهم وقدر منازلهم الى ان صلّيت العشاء والعتمة فى وقتٍ واحدٍ، وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً ورسول الله يقول كلّما بايع قوم: الحمد لله الّذى فضّلنا على جميع العالمين وصارت المصافقة سنّة ورسماً يستعملها من ليس له حقّ فيها.
الحبري
تفسير : وفي قَوْلِهِ: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أُمِرَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وآلِهِ] أَنْ يُبَلِّغَ فِيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وآلِهِ] بِيَدِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ، "حديث : مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، أَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَاداهُ ".
فرات الكوفي
تفسير : {يا أيُّها الرَسولُ بَلِّغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ67} فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد [ب: بيد] علي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. أ، ر. في يوم غدير خم. ب] ثم [ب: و] رفعها وقال: حديث : اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه [وانصر من نصره واخذل من خذله. ر] تفسير : فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [قال: حدثنا سعيد بن عثمان عن أبي مريم.ح]. عن عبد الله بن عطاء قال: كنت جالساً مع أبي جعفر عليه السلام [فرأيت ابناً لعبدالله بن سلام جالساً في ناحية فقلت لأبي جعفر: زعموا أن أبا هذا الذي عنده علم من الكتاب. قال: لا ذلك علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وأوحى.ح] قال: أوحى إلى رسول الله [ر. النبي] صلى الله عليه وآله وسلم: قل للناس من كنت مولاه فعلي مولاه، فما بلغ ذلك وخاف الناس فأوحى إليه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} فأخذ بيد علي [بن أبي طالب. ر، أ] عليه السلام [يوم غدير خم. ن] وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. فرات قال: حدثتا جعفر بن أحمد بن يوسف معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اإليك من ربك} إلى آخر الآية فخرج رسول الله [أ، ب: النبي] حين أتته عزمة من [الله في. ر، ب] يوم شديد الحرّ فنودي في الناس فاجتمعوا وأمر بشجرات فقم ما تحتهن من الشوك ثم قال: حديث : يا أيها الناس من وليكم [ر، ب: واليكم] [و. أ، ب] أولى بكم من أنفسكم؟. قالوا: الله ورسوله. فقال: من كنت مولاه فعلي [ر: فهذا علي] مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله - ثلاث مرات - . تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد [ب: محمد] معنعناً: عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي [ر: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم يتحارسه أصحابه فأنزل الله تعالى [إليه. ر]: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} قال: فترك الحرس حين أخبره الله تعالى أنّه يعصمه من الناس لقوله {والله يعصمك من الناس}. فرات قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم معنعناً: عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحارسه أصحابه فأنزل الله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} فترك الحرس حين أخبره الله أنه يعصمه من الناس. [وبالاسناد المتقدم في الحديث 142 من رواية الحبري عن ابن عباس]: وفي قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين.ح]} نزل [ح: نزلت] في علي [عليه السلام.ح]، أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم. ب] أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله [صلى الله عليه. ب، ح. وآله وسلم.ب] بيد علي [عليه السلام.ح] فقال: حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه .
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. ذكروا عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً نقص شيئاً من الوحي لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. قوله: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي فلا يصلون إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} وقال في سورة بني إسرائيل: (أية : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) تفسير : [الإسراء:60] أي فلا يصلون إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة. وقال الحسن: حديث : إن رسول الله شكا إلى ربه ما يلقى من قومه فقال:يا رب إن قومي خَوَّفوني فأعطني من قبلك آية أعلم أني لا مخافة علي. فأوحى إليه أن يأتي وادي كذا وكذا فيه شجرة، فليدع غصناً منها يأته. فانطلق إلى الوادي فدعا غصناً منها فجاء يخط في الأرض خطاً حتى انتصب بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال له: ارجع كما جئت، فرجع. فقال رسول الله: علمت يا رب ألا مخافة علي .
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}: كله ولا تخف، ولا تراقب أحداً، قالت عائشة رضى الله عنها: من زعم أن محمداً نقص شيئاً من الوحى لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله تبارك وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية، والمراد ما أمر بتبليغه، أو من شأنه لاما هو سر بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. {وَإن لَّمْ تَفْعَلْ}: بل بلغت بعضاً فقط. {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}: فما بلغت شيئاً منها، فان كتمان بعض ككتمان الكل، فيضيع تبليغ البعض بكتمان البعض الآخر، لأنه ينتقض به غرض الدعوة، فتبليغ جميع ما أنزل اليه ولو كان أشياء مفعولة بأزمنة وفروضاً متعددة، هو كالصلاة فى كون ترك البعض كترك الكل، بل الفرائض كلها ولو اختلفت ترك واحدة كترك الكل، فانه فرض عليه تبليغ الكل عما فرضت الركعات الأربع كلها، ومن ترك بعضاً من الصلاة لم يصح أن يقال قد أدى ما صلى منها، ألا ترى أنه لا يجزيه أن يقتصر على أن يزيد عليه ما لم يصل فقط. ودلت الآية أن الكفر بحرف من كتاب من كتب الله كفر بكتب الله كلها وأنبيائه كلهم، وبعكسه قال ابن عباس: ان كتمت آية واحدة لم تبلغ رسالتى، ويجوز أن يكون المعنى فكأنك لم تبلغ شيئاً، وعلى كل حال فالجواب غير متحد مع الشرط، بل خالفه، وليس كقولك، فان تفعل فما فعلت، بل يجوز اتحادهما أيضاً بطريق يؤدى الى عدم الاتحاد، مثل أن يراد فان لم تفعل التبليغ كله فما فعلت التبليغ كله، فيكون {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاتَهُ} تهديداً ووعيداً، كأنه قيل: فقد علمت جزاء من لم يبلغ، وقرأ غير نافع وابن عامر وأبى بجر رسالته بالافراد وفتح التاء. {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}: لا يصلون الى قتلك أو ضربك، فلا عذر لك فى الكتم والخوف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثنى الله برسالاته فضقت بها ذرعاً فأوحى الله تعالى الى أن لم تبلغ رسالاتى عذبتك وضمن لى العصمة فقويت " تفسير : ، وعن الحسنحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا الى ربه ما يلقى من قومه فقال: "يا رب ان قومى خوفونى فأعطنى من قبلك آية أعلم أنى لا مخافة على" فأوحى الله تعالى اليه أن يأتى وداى كذا وكذا فيه شجرة، فليدع غصناً منها يأتيه، فانطلق الى الوادى فدعى غصناً منها فجاء يخط الأرض حتى انتصب بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال له: "ارجع كما جئت" فرجع فقال: علمت يا رب أن لا خوف على . تفسير : وهذا من باب ليطمئن قلبى، أو لم يعلم مما يمنع أمن الضرب أو القتل أو كليهما أو فى كم، فطلب العلامة لذلك كله، فعلم بها، وكان المهاجرون والأنصار يحرسونه مداولة بالليل، وكان فى حراسته ليلة سعد بن أبى وقاص، وحذيفة رضى الله عنهما، فنزلت الآية حديث : فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: "انصرفوا أيها الناس فقد عصمنى الله من الناس"تفسير : وفى لفظ آخر: "حديث : يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فان الله قد عصمنى ". تفسير : وعن الحسن: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاق، وعرف أن الناس يكذبونه، فنزلت الآية، وفيه اشكال، لأن المائدة مدنية، والبعث مكى، اللهم الا أن يتكلف له أن الآية مكية، وليس كذلك لتضافر الروايات أن ذلك بالمدينة بعد أن كان يحرس فيها، وقيل: سبب الآية قصة الرجم والقصاص، وما سأل عنه اليهود، أمره الله أن يفتى بالحق ولا يخاف أحداً، وقيل: بلغ رسالة الجهاد، وكان يحث عليه ورأى الكراهة من المنافقين، فربما أمسك عن بعض الحث فنزلت، وقيل: دعى اليهود للاسلام فقالوا: نريد أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى رباً وهزءوا، فسكت فنزلت. ولا يرد على هذه العصمة أنه صلى الله عليه وسلم شج يوم أحد، وكسرت رباعيته، لأن هذه الآية بعد أحد، لأن المائدة من آخر القرآن نزولا، وقيل: المراد العصمة من القتل، فلا يشكل بالشجة وكسر الرباعية، عن عائشة: حديث : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حين قدم المدينة فقال: ليت رجلا صالحاً من أصحابى يحرسنى الليلة، فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح فقال: من هذا؟ فقال: سعد بن أبى وقاص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ فقال: وقع فى نفسى خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نامتفسير : ، وأوتى صلى الله عليه وسلم بعض العصمة فى مكة مثل قوله تعالى: {أية : انا كفيناك المستهزئين }تفسير : ، {أية : واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا }تفسير : ، {أية : أليس الله بكاف عبده }تفسير : على تأويل عبده برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكملت له العصمة بالمدينة من كل مكروه، على الصحيح وقيل: من القتل كما مر، وذلك بعد أحد. ومن ذلك عصمة الله له من الأعرابى الذى استل عليه سيفه المبارك فى غزوة بجهة نجد، حين نام تحت شجرة وعلقه فيها على روايات تقدمت، وقيل أيضا: لما نزل: {أية : اذكروا نعمة الله عليكم إِذ هم قوم أن يبسطوا }تفسير : الآية استلقى فقال: "حديث : من شاء فليخذلنى يخذلنى " تفسير : ومن عصمته فى مكة أن حمالة الحطب توقد الغضاة جمراً فتلقيه حيث يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعود له رملا أهيل، ولما نزلت: {أية : تبت يدا أبى لهب }تفسير : جاءت بفهر تضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم به ولم تره، وهو مع أبى بكر فقالت: أين صاحبك والله لو وجدته لضربته بهذا الفهر. قال الحكم بن أبى العاص:حديث : تواعدنا على النبى صلى الله عليه وسلم حتى أذا رأيناه سمعنا صوتاً خلفنا ما ظننا أنه بقى بتهامة أحد، فغشى علينا حتى قضى صلاته ورجع، وتواعدنا ليلة أخرى وجئنا حتى رأيناه، فجاءت الصفا والمروة فحالتا بيننا وبينهتفسير : ، وكذا نجاه الله من الذين رصدوه على بابه، فألقى على رءوسهم التراب عند الهجرة، ونجاه فى الغار، ونجاه من سراقة اذ تبعه ليقتله حين هاجر، وحمل أبو جهل فى مكة صخرة يطرحها عليه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، وقريش ينظرون، ولصقت بيده ويبست يده الى عنقه فما زالت حتى رجع القهقرى، أو سأله أن يدعو له بزوال ذلك. حديث : وجاء أبو جهل يوماً ليطأ برجله رقبته ويعفر وجهه اذا سجد وأناس ينظرون، فما فجأهم الا أن نكص على عقبيه واتقى بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: ان بينى وبينه لخندقاً من نار وهولا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنى منى لاختطفته الملائكة عضواً عضوا. واشترى أبو جهل من أراشى كان بمكة ابلا فمطله بثمنها، فاستجار بقريش فى ناديهم فقالوا له استهزاء: اذهب الى محمد بن عبد الله يأخذ لك منه الحق، فقصده الأراشى فمضى معه صلى الله عليه وسلم فدق الباب على أبى جهل، فخرج مسلوب العقل، فقال: أهلاً بأبى القاسم، فقال: أعط هذا حقه، قال: نعم، فأعطاه من فوره، فلامته قريش على ذلك فقال لهم: انى رأيت ما لم تروه، والله ما هو الا أن ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعباً، ثم خرجت فرأيت والله على رأسه فحلا فاتحاً فاه لو أبيت لالتقمنى . تفسير : وأتاه رجل من بنى المغيرة ليقتله، فطمس الله بصره، فلم ير النبى صلى الله عليه وسلم وسمع قوله، ورجع الى أصحابه ولم يرهم حتى نادوه. ونجاه الله حين رفع القرظى صخرة يلقيها عليه من فوق البيت، فلصقت بيده، وجاءه الوحى بذلك كما مر، وأدركه شيبة الجمحى يوم حنين، وجاءه من خلفه حين اختلط الناس، وقال: اليوم أدرك ثأرى من محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قتل حمزة أباه وعمه، وكاد يضربه فارتفع اليه شواظ من نار أسرع من البرق، فولى هارباً وأحس به النبى صلى الله عليه وسلم فدعاه، ووضع يده على صدرى وهو أبغض الخلق الى فما رفعها الا وهو أحب الخلق الى فقال له: ادن فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفى وأقيه بنفسى، ولو لقيت أبى فى تلك الساعة لأوقعت به. وفى رواية بادرت برسول الله صلى الله عليه وسلم لأقتله، فأقبل شىء حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع منى، وفى رواية حال بينى وبينه خندق من نار وسور من حديد، فالتفت صلى الله عليه وسلم الى وتبسم وعرف الذى أردت فمسح صدرى وذهب عنى الشيطان، حديث : وأراد فضالة بن عيسى عمير بن الملوح قتل النبى صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، ولما دنا منه قال صلى الله عليه وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شىء كنت أذكر الله، فضحك النبى صلى الله عليه سلم ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدرى فسكن قلبى، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من شىء أحب الى منه . تفسير : ونجاه الله من أربد وعامر بن الطفيل، اذ جاء عامر من يشغله صلى الله عليه وسلم من وجهه، وأربد يريد أن يضربه من خلفه فلم يفعل، فقال له عامر فى ذلك فقال: والله ما هممت أن أضربه الا وجدتك بينى وبينه أفأضربك، وأهلكهما الله كما يأتى فى محله ان شاء الله. ونجاه الله من عمير بن وهب حديث : اذ جاء ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيف قد شحذه وسمه، فقال له صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم يعنى ابنه، فأحسنوا فيه، وقال صلى الله عليه وسلم: فما بال السيف فى عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئاً، قال: اصدقنى ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت الا لذاك، قال: بل قعدت أنت وصفوان ابن أمية فى الحجر، فذكرت أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى، والله بينك وبينى فى ذلك، قال عمير: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنا يا رسول الله نكذبك فيما تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره الا أنا وصفوان، فوالله انى لأعلم ما أتاك به الا الله، فالحمد لله الذى هدانى للاسلام، وساقنى هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحقتفسير : والمراد بالناس الكفار لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَهْدِى القَوْمَ الكَافِرِينَ}: ولأنه لا يقصد ايذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الا المشركون قال ابن عباس: معناه لا يرشد من كذبك، وأعرض عنك، والأنسب بما قبله أن يقال: معناه لا يمكن الكافرين مما يريدون من المكر بك.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} لا تخف لومة لائم ولا مكروهاً ولا تراقب أَحداً، والمراد ما أَنزل للتبليغ لمصالح الناس دينا ودنيا لا ما يحرم إِفشاؤه أَو مالا خير فيه، فعن جعفر الصادق في قوله تعالى: {أية : فأَوحى إِلى عبده ما أَوحى} تفسير : [النجم: 10]. إِنه أَوحى إِليه في قلبه بلا واسطة ولا يعلم به أَحد إِلا حين يعطيه الشفاعة، وقبح الله الشيعة إذ قالوا: كتم البعض تقية، ويرده: {والله يعصمك من الناس}، وقد قال الله تعالى {أية : تبيانا لكل شيء}تفسير : [النحل: 89] وقال ما فرطنا إلخ، فقول ما فى السنة أَخذه النبى صلى الله عليه وسلم من القرآن إِذا لم ينزل به وحى أَو هو فيه ولو نزل به وحى على حدة، ويحتمل قلته قول عائشة رضى الله عنها أَنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا إِحلال ولا إِحرام إِلا ما فى القرآن"تفسير : ، قال ابن مسعود: ذكر لنا في القرآن كل شى إِلا أَن علمنا يقصر. والمراد أَن القرآن محل الاستنباط، وقد خرج بعضهم عمره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة من قوله تعالى: ولن يؤخر الله نفسا إلخ في سورة هى رأَس ثلاث وستين سورة. {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ} بل تركت بعضا {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} لأَن تارك بعض كتارك كل فكأَنك لم تبلغ شيئا لارتباط بعض ببعض إِذ كانت كشئ واحد أَمر بتبليغها كلها فترك بعض كترك ركن من أَركان الصلاة، أَو إِن لم تفعل التبليغ بأَن تركت ما تركت عوقبت لأَنك لم تبلغ رسالته فنابت العلة مناب الجواب، وهو فى صورة تهديد، كأَنه قيل تهيأَ لشأْن ما اقترفت من عدم التبليغ، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إِن الله بعثنى برسالته فضقت بها ذرعاً فأَوحى الله إِلى إِن لم تبلغ رسالتى عذبتك فضمن لى العصمة فقويت" تفسير : عن ابن عباس: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَى آية أَنزلت من السماءِ أَشد عليك؟ فقال حديث : كنت بمنى أَيام موسم فنزل على يا أَيها الرسول بلغ ما أَنزل الآية فناديت عند العقبة أَيها الناس من ينصرني على أَن أبلغ رسالات ربى ولكم الجنة، أَيها الناس قولوا لا إله إِلا الله وأَنا رسول الله إِليكم تفلحوا ولكم الجنة، فما بقى رجل ولا امرأَة ولا أَمة ولا صبى إِلا رمونى بالتراب والحجارة ويقولون كذاب صابئ فعرض على عارض فقال: يا محمد إِن كنت رسول الله فقد آن لك أَن تدعو عليهم كنوح، فقلت: اللهم اهد قومى فإِنهم لا يعلمون، وانصرنى عليهم أَن يجيبونى إِلى طاعتك فجاءَ العباس فطردهم وأَنقذني منهم تفسير : {وَاللهُ يعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} لا يصلك منهم ضرب ولا قتل ولا سحر ولا ما يمنعك من التبليغ وهذا بعد ما سحر فى مشط ومشاطة وأَطعم لحما مسموما وشج يوم أُحد وكسرت رباعيته. وسورة المائدة من آخر ما أُنزل فهو يبلغ ما نزل بعد هذا ويكرر تبليغ ما بلغ من قبل لمن بلغه ولمن لم يبلغه، وإِن كانت الآية قبل أُحد والسحر والسم وجعلت في هذه السورة فالمراد عصمته من القتل وما يمنعه من التبليغ، وكان صلى الله عيه وسلم يحرسه سعد وحذيفة كما قال أَنس أَنه صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية، فأَخرج رأسه من قبة أَدم أَى كان فيها حال النزول فقال: حديث : انصرفوا أَيها الناس فقد عصمنى الله من الناس تفسير : {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدى القَوْمَ الكَافِرِينَ} لا يمكنهم مما أَرادوه من قتلك وقتل أَصحابك ومن تعطيل التبليغ، أَولا يوفق من سبقت شقاوته عند الله إِلى التوبة، والأول أَنسب لما فى صحيح مسلم عن عائشة: حديث : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أَصحابى يحرسني الليلة، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح قال من هذا قال سعد بن أَبى وقاص، فقال له صلى الله عليه وسلم ما جاءَ بك قال: وقع في نفسى خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أَحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام، وروى أنها قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح فقال من هذا قال سعد وحذيفة جئنا نحرسك فنام عليه الصلاة والسلام حتى سمعت غطيطه، ونزلت هذه الآية فأَخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال: انصرفوا أَيها الناس فقد عصمنى الله من الناستفسير : . وزعم بعض أَن المعنى يعصمك من الذنوب من بين الناس وهو تفسير لم يعصم صاحبه من الخطأ، وكذا من قال لا يهدى القوم الكافرين إِلى الكفر بل إِلى الإِيمان والهدى إِرشاد.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} إلى الثقلين كافة وهو نداء تشريف لأن الرسالة منة الله تعالى العظمى وكرامته الكبرى، وفي هذا العنوان إيذان أيضاً بما يوجب الإتيان بما أمر به صلى الله عليه وسلم من تبليغ ما أوحي إليه. {بَلَغَ} أي أوصل الخلق {مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي «جميع ما أنزل كائناً ما كان {مِن رَبّكَ} أي مالك أمرك ومبلغك إلى كمالك اللائق بك، وفيه عدة ضمنية بحفظه عليه الصلاة والسلام وكلاءته أي بلغه غير مراقب في ذلك أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه أبداً {وَإن لَّمْ تَفْعَلْ} أي ما أمرت به من تبليغ الجميع. / {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي فما أديت شيئاً من رسالته لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها كذلك في حكم شيء واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ، مؤمناً به غير مؤمن به»، ولأن كتمان بعضها يضيع ما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة فإن غرض الدعوة ينتقض به، واعترض القول بنفي أولوية بعضها من بعض بالأداء بأن الأولوية ثابتة باعتبار الوجوب قطعاً وظناً وجلاءاً وخفاءاً أصلاً وفرعاً، وأجاب في «الكشف» بأنه نفي الأولوية نظراً إلى أصل الوجوب، وأيضاً إن ذلك راجع إلى المبلغ، والكلام في التبليغ وهو غير مختلف الوجوب لأنه شيء واحد نظراً إلى ذاته، ثم كتمان البعض يدل على أنه لم ينظر إلى أنه مأمور بالتبليغ بل إلى ما في المبلغ من المصلحة، فكأنه لم يمتثل هذا الأمر أصلاً فلم يبلغ، وإن أعلم الناس لم ينفعه لأنه مخبر إذ ذاك لا مبلغ، ونوقش في التعليل الثاني بأن الصلاة اعتبرها الشارع أمراً واحداً بخلاف التبليغ، وهي مناقشة غير واردة لأنه تعالى ألزمه عليه الصلاة والسلام تبليغ الجميع، فقد جعلها كالصلاة بلا ريب. ومما ذكرنا في تفسير الشرطية يعلم أن لا اتحاد بين الشرط والجزاء، ومن ادّعاه بناءاً على أن المآل «إن لم تبلغ الرسالة لم تبلغ الرسالة ـ جعله نظير:شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : حيث جعل فيه الخبر عين المبتدأ بلا مزيد في اللفظ، وأراد ـ وشعري شعري ـ المشهور بلاغته والمستفيض فصاحته، ولكنه أخبر بالسكوت عن هذه الصفات التي بها تحصل الفائدة أنها من لوازم شعره في أفهام الناس السامعين لاشتهاره بها، وأنه غني عن ذكرها لشهرتها وذياعها، وكذلك ـ كما قال ابن المنير ـ أريد في الآية لأن عدم تبليغ الرسالة أمر معلوم عند الناس مستقر في الأفهام أنه عظيم شنيع ينقم على مرتكبه، ألا ترى أن عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع فكيف كتمان الرسالة من الرسول؟! فاستغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء للصوقها بالجزاء في الأفهام، وأن كل من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاماً حيث قال سبحانه: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} ولم يقل: وإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة ليتغايرا لفظاً وإن اتحدا معنى، وهذا أحسن رونقاً وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذه الذروة انحط عنها أبو النجم بذكر المبتدأ بلفظ الخبر، وحق له أن تتضاءل فصاحته عند فصاحة المعجز، فلا معاب عليه في ذلك، وقيل: إن المراد فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله، فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» من حديث أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأخرجه أبو الشيخ وابن حبان في تفسيره من مرسل الحسن أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعاً، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت»تفسير : . وقيل: إن المراد إن تركت تبليغ ما أنزل إليك حكم عليك بأنك لم تبلغ أصلاً، وقيل ـ وليته ما قيل ـ المراد بما أنزل القرآن، وبما في الجواب بقية المعجزات، وقيل: غير ذلك. واستدل بالآية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئاً من الوحي، ونسب إلى الشيعة أنهم يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام كتم البعض تقية. وعن بعض الصوفية أن المراد تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد من الأحكام، وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه، وأمّا ما خص به من الغيب ولم يتعلق به مصالح أمته فله بل عليه كتمانه، وروى السلمي عن جعفر رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] قال: أوحى بلا واسطة فيما بينه وبينه سراً إلى قلبه، ولا يعلم به أحد سواه إلا في العقبـى حين يعطيه الشفاعة لأمته، وقال الواسطي ـ ألقى إلى عبده ما ألقى ـ ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه سبحانه به صلى الله عليه وسلم، وما كان مخصوصاً به عليه الصلاة والسلام كان مستوراً، وما بعثه الله تعالى به إلى الخلق كان ظاهراً، قال الطيبـي: وإلى هذا ينظر معنى ما روينا في «صحيح البخاري» عن سعيد المقبري عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم ـ أراد عنقه ـ وأصل معناه مجرى الطعام، وبذلك فسره البخاري، ويسمون ذلك علم الأسرار الإلۤهية وعلم الحقيقة، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين حيث قال:شعر : إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين، وأوصى قبله الحسنا فرب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسناً تفسير : ومن ذلك علم وحدة الوجود، وقد نصوا على أنه طور ما وراء طور العقل، وقالوا: إنه مما تعلمه الروح بدون واسطة العقل، ومن هنا قالوا بالعلم الباطن على معنى أنه باطن بالنسبة إلى أرباب الأفكار، وذوي العقول المنغمسين في أوحال العوائق والعلائق لا المتجردين العارجين إلى حضائر القدس ورياض الأنوار. وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني روح الله تعالى روحه في كتابه «الدرر المنثورة في بيان زبد العلوم المشهورة» ما نصه: وأما زبدة علم التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة، فمن عمل بما علم تكلم كما تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده، لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام حتى قال بعضهم لشيخه: إن كلام أخي فلان يدق على فهمي، فقال: لأن لك قميصين وله قميص واحد فهو أعلى مرتبة منك، وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطن إذ الباطن إنما هو علم الله تعالى، وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق، فاعلم ذلك انتهى. وقد فهم بعضهم كون المراد تبليغ الأحكام وما يتعلق بها من المصالح دون ما يشمل علم الأسرار من قوله سبحانه: {مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} دون ما تعرفنا به إليك، وذكر أن علم الأسرار لم يكن منزلاً بالوحي بل بطريق الإلهام والمكاشفة، وقيل: يفهم ذلك من لفظ الرسالة، فإن الرسالة ما يرسل إلى الغير، وقد أطال بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم الكلام في هذا المقام، والتحقيق عندي أن جميع ما عند النبـي صلى الله عليه وسلم من الأسرار الإلٰهية وغيرها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآن المنزل فقد قال سبحانه: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء} تفسير : [النحل: 89] وقال تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء} تفسير : [الأنعام: 38]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي وغيره: «حديث : ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما فيكم»تفسير : ، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن مسعود قال: أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: جميع ما حكم به النبـي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث / عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لا أحل إلا ما أحل الله تعالى في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله تعالى في كتابه»تفسير : ، وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوّعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه. وقال بعضهم: ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى حتى أن البعض استنبط عمر النبـي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة من قوله سبحانه في سورة المنافقين [11] {أية : وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا}تفسير : فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها ـ بالتغابن ـ ليظهر التغابن في فقده بنفس ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان، فإذا ثبت أن جميع ذلك في القرآن كان تبليغ القرآن تبليغاً له، غاية ما في الباب أن التوقيف على تفصيل ذلك سراً سراً وحكماً حكماً لم يثبت بصريح العبارة لكل أحد، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة ولم تبينهما العبارة، ومن زعم أن هناك أسراراً خارجة عن كتاب الله تعالى تلقاها الصوفية من ربهم بأي وجه كان، فقد أعظم الفرية وجاء بالضلال ابن السبهلل بلا مرية. وقول بعضهم: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت ونحن أخذناه عن الحي الذي لا يموت، لا يدل على ذلك الزعم لجواز أن يكون ذلك الأخذ من القرآن بواسطة فهم قدسي أعطاه الله تعالى لذلك الآخذ، ويؤيد هذا ما صح عن أبـي جحيفة، قال: قلت لعلي كرم الله تعالى وجهه: هل عندكم كتاب خصكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا إلا كتاب الله تعالى أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ـ وكانت متعلقة بقبضة سيفه ـ قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر. «ويفهم منه ـ كما قال القسطلاني ـ جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولاً عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة»، وما عند الصوفية ـ على ما أقول ـ كله من هذا القبيل إلا أن بعض كلماتهم مخالف ظاهرها لما جاءت به الشريعة الغراء، لكنها مبنية على اصطلاحات فيما بينهم إذا علم المراد منها يرتفع الغبار، وكونهم ملامين على تلك الاصطلاحات لقول علي كرم الله تعالى وجهه كما في «صحيح البخاري» ـ «حديث : حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم »تفسير : ـ أو غير ملامين لوجود داع لهم إلى ذلك على ما يقتضيه حسن الظن بهم بحث آخر لسنا بصدده. وقريب من خبر أبـي جحيفة ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن عنترة قال كنت عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فجاءه رجل فقال: إن ناساً يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقال: ألم تعلم أن الله تعالى قال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ}؟ والله ما ورّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء، وحمل ـ وعاء أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي لم يبثه على علم الأسرار ـ غير متعين لجواز أن يكون المراد منه إخبار الفتن وأشراط الساعة وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من فساد الدين على أيدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت، / أو المراد الأحاديث التي فيها تعيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وقد كان رضي الله تعالى عنه يكني عن بعض ذلك ولا يصرح خوفاً على نفسه منهم بقوله: «أعوذ بالله سبحانه من رأس الستين وإمارة الصبيان»، يشير إلى خلافة يزيد الطريد لعنه الله تعالى على رغم أنف أوليائه لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه فمات قبلها بسنة، وأيضاً قال القسطلاني: لو كان كذلك لما وسع أبـي هريرة كتمانه مع ما أخرج عنه البخاري أنه قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثاً ثم يتلو {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ}تفسير : إلى قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [البقرة: 159، 160] إلى آخر ما قال، فإن ما تلاه دال على ذم كتمان العلم لا سيما العلم الذي يسمونه علم الأسرار؛ فإن الكثير منهم يدعي أنه لب ثمرة العلم، وأيضاً إن أبا هريرة نفى بث ذلك الوعاء على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك، وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم؟ فمن أين علم أن الذي علمه هو هذا؟! ومن ادعى فعليه البيان، ودونه قطع الأعناق. فالاستدلال بالخبر لطريق القوم فيه ما فيه، ومثله ما روي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه، نعم للقوم متمسك غير هذا مبين في موضعه لكن لا يسلم لأحد كائناً من كان أن ما هم عليه مما خلا عنه كتاب الله تعالى الجليل، أو أنه أمر وراء الشريعة، ومن برهن على ذلك بزعمه فقد ضل ضلالاً بعيداً، فقد قال الشعراني قدس سره في «الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية»: سمعت سيدي علياً المرصفي يقول: لا يكمل الرجل في مقام المعرفة والعلم حتى يرى الحقيقة مؤيدة للشريعة، وأن التصوف ليس بأمر زائد على السنة المحمدية، وإنما هو عينها. وسمعت سيدي علياً الخواص يقول مراراً: من ظن أن الحقيقة تخالف الشريعة أو عكسه فقد جهل لأنه ليس عند المحققين شريعة تخالف حقيقة أبداً حتى قالوا: شريعة بلا حقيقة عاطلة وحقيقة بلا شريعة باطلة، خلاف ما عليه القاصرون من الفقهاء والفقراء، وقد يستند من زعم المخالفة بين الحقيقة والشريعة إلى قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك على وجه لا يستطيع المخالف معه على فتح شفة. ومما نقلنا عن القسطلاني في خبر أبـي جحيفة يعلم الجواب عما قيل في الاعتراض على الصوفية: من أن ما عندهم إن كان موافقاً للكتاب والسنة فهما بين أيدينا، وإن كان مخالفاً لهما فهو ردّ عليهم، وما بعد الحق إلا الضلال، والجواب باختيار الشق الأول وكون الكتاب والسنة بين أيدينا لا يستدعي عدم إمكان استنباط شيء منهما بعد، ولا يقتضي انحصار ما فيهما فيما علمه العلماء قبل، فيجوز أن يعطي الله تعالى لبعض خواص عباده فهماً يدرك به منهما ما لم يقف عليه أحد من المفسرين والفقهاء المجتهدين في الدين، وكم ترك الأول للآخر، وحيث سلم للأئمة الأربعة مثلاً اجتهادهم واستنباطهم من الآيات والأحاديث مع مخالفة بعضهم بعضاً، فما المانع من أن يسلم للقوم ما فتح لهم من معاني كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإن خالف ما عليه بعض الأئمة، لكن لم يخالف ما انعقد عليه الإجماع الصريح من الأمة المعصومة، وأرى التفرقة بين الفريقين مع ثبوت علم كل في القبول والرد تحكماً بحتاً كما لا يخفى على المنصف. وزعمت الشيعة أن المراد: بِـ {مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} خلافة علي كرم الله تعالى وجهه، فقد رووا بأسانيدهم عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستخلف علياً كرم الله تعالى وجهه، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعاً له عليه الصلاة والسلام بما أمره بأدائه. / وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي كرم الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم، وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأخرج الجلال السيوطي في «الدر المنثور» عن أبـي حاتم وابن مردويه وابن عساكر راوين عن أبـي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} إن علياً ولي المؤمنين {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وخبر الغدير عمدة أدلتهم على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه، وقد زادوا فيه إتماماً لغرضهم زيادات منكرة، ووضعوا في خلاله كلمات مزورة ونظموا في ذلك الأشعار وطعنوا على الصحابة رضي الله تعالى عنهم بزعمهم أنهم خالفوا نص النبـي المختار صلى الله عليه وسلم، فقال إسماعيل بن محمد الحميري ـ عامله الله تعالى بعدله ـ من قصيدة طويلة:شعر : عجبت من قوم أتوا أحمدا بخطة ليس لها موضع قالوا له: لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع إذا توفيت وفارقتنا وفيهم في الملك من يطمع؟ فقال: لو أعلمتكم مفزعا كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا كصنع أهل العجل إذ فارقوا هرون فالترك له أورع ثم أتته بعده عزمة من ربه ليس لها مدفع أبلغ وإلا لم تكن مبلغا والله منهم عاصم يمنع فعندها قام النبـي الذي كان بما يأمره يصدع يخطب مأموراً وفي كفه كف علي نورها يلمع رافعها، أكرم بكف الذي يرفع، والكف التي ترفع من كنت مولاه فهذا له مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا وظل قوم غاظهم قوله كأنما آنافهم تجدع حتى إذا واروه في لحده وانصرفوا عن دفنه ضيعوا ما قال بالأمس وأوصى به واشتروا الضر بما ينفع وقطعوا أرحامهم بعده فسوف يجزون بما قطعوا وأزمعوا مكراً بمولاهم تباً لما كانوا به أزمعوا لا هم عليه يردوا حوضه غداً، ولا هو لهم يشفع تفسير : إلى آخر ما قال لا غفر الله تعالى له عثرته ولا أقال، وأنت تعلم أن أخبار الغدير التي فيها الأمر بالاستخلاف غير صحيحة عند أهل السنة ولا مسلمة لديهم أصلاً، ولنبين ما وقع هناك أتم تبيين ولنوضح الغث منه والسمين، ثم نعود على استدلال الشيعة بالإبطال ومن الله سبحانه الاستمداد وعليه الاتكال، / فنقول: «إن النبـي صلى الله عليه وسلم خطب في مكان بين مكة والمدينة عند مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة يقال له: غدير خم، فبين فيها فضل علي كرم الله تعالى وجهه وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه [إليهم] من المعدلة التي ظنها بعضهم جوراً وتضييقاً وبخلاً، والحق مع علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك، وكانت يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة تحت شجرة هناك... فروى محمد بن إسحق عن يحيـى بن عبد الله عن يزيد بن طلحة قال: لما أقبل علي كرم الله تعالى وجهه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل حلة من البز الذي كان مع علي كرم الله تعالى وجهه، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انتزع قبل أن ننتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فانتزع الحلل من الناس فردها في البز [قال] وأظهر الجيش شكواه لما صنع لهم. وأخرج عن زينب بنت كعب ـ وكانت عند أبـي سعيد الخدري ـ عن أبـي سعيد قال: اشتكى الناس علياً كرم الله تعالى وجهه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً فسمعته يقول: حديث : أيها الناس لا تشكوا علياً فوالله إنه لأخشن في ذات الله تعالى ـ أو في سبيل الله تعالى، تفسير : ورواه الإمام أحمد، وروى أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن بريدة الأسلمي قال: حديث : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً كرم الله تعالى وجهه [فتنقصته]، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تغير، فقال [يا] بريدة: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، تفسير : وكذا رواه النسائي بإسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات، وروي بإسناد آخر تفرد به، وقال الذهبـي: إنه صحيح عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فغممن، ثم قال: «حديث : كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، الله تعالى مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي كرم الله تعالى وجهه فقال: من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»تفسير : ، فما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. وروى ابن جرير عن علي بن زيد وأبـي هارون العبيدي وموسى بن عثمان عن البراء قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلما أتينا على غدير خم كشح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين ونودي في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً كرم الله تعالى وجهه وأخذ بيده وأقامه عن يمينه، فقال: ألست أولى بكل امرىء من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فلقيه عمر بن الخطاب فقال رضي الله تعالى عنه: هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ـ وهذا ضعيف ـ فقد نصوا أن علي بن زيد وأبا هارون وموسى ضعفاء لا يعتمد على روايتهم»، وفي السند أيضاً ـ أبو إسحق ـ وهو شيعي مردود الرواية. وروى ضمرة بإسناده عن أبـي هريرة قال: لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يد علي كرم الله تعالى وجهه قال: من كنت مولاه، فأنزل الله تعالى {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة: 3] ثم قال أبو هريرة: / وهو يوم غدير خم، ومن صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب الله تعالى له صيام ستين شهراً، وهو حديث منكر جداً، ونص في «البداية والنهاية» على أنه موضوع «وقد اعتنى بحديث الغدير أبو جعفر بن جرير الطبري فجمع فيه مجلدين أورد فيهما سائر طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم على ما جرت به عادة كثير من المحدثين، فإنهم يوردون ما وقع لهم في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة»، والمعول عليه فيها ما أشرنا إليه، ونحوه مما ليس فيه خبر الاستخلاف كما يزعمه الشيعة، وعن الذهبـي أن «من كنت مولاه فعلي مولاه» متواتر يتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، وأما اللهم وال من والاه، فزيادة قوية الإسناد، وأما صيام ثماني عشرة ذي الحجة فليس بصحيح ـ ولا والله نزلت تلك الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام. والشيخان لم يرويا خبر الغدير في «صحيحيهما» لعدم وجدانهما له على شرطهما، وزعمت الشيعة أن ذلك لقصور وعصبية فيهما وحاشاهما من ذلك، ووجه استدلال الشيعة بخبر ـ من كنت مولاه فعلي مولاه ـ أن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وأولوية التصرف عين الإمامة، ولا يخفى أن أول الغلط في هذا الاستدلال جعلهم المولى بمعنى الأولى، وقد أنكر ذلك أهل العربية قاطبة بل قالوا: لم يجىء مفعل بمعنى أفعل أصلاً، ولم يجوز ذلك إلا أبو زيد اللغوي متمسكاً بقول أبـي عبيدة في تفسير قوله تعالى: {أية : هِىَ مَوْلَـٰكُمْ} تفسير : [الحديد: 15] أي أولى بكم. وردّ بأنه يلزم عليه صحة فلان مولى من فلان كما يصح فلان أولى من فلان، واللازم باطل إجماعاً فالملزوم مثله، وتفسير أبـي عبيدة بيان لحاصل المعنى، يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم، وليس نصاً في أن لفظ المولى ثمة بمعنى الأولى، والثاني أنا لو سلمنا أن المولى بمعنى الأولى لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف، بل يحتمل أن يكون المراد أولى بالمحبة وأولى بالتعظيم ونحو ذلك، وكم قد جاء الأولى في كلام لا يصح معه تقدير التصرف كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} تفسير : [آل عمران: 68] على أن لنا قرينتين على أن المراد من الولاية من لفظ المولى أو الأَوْلَى: المحبة، إحداهما ما رويناه عن محمد بن إسحق في شكوى الذين كانوا مع الأمير كرم الله تعالى وجهه في اليمن ـ كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما ـ ولم يمنع صلى الله عليه وسلم الشاكين بخصوصهم مبالغة في طلب موالاته وتلطفاً في الدعوة إليها كما هو الغالب في شأنه صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك، وللتلطف المذكور افتتح الخطبة صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»تفسير : ، وثانيهما قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات: «حديث : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»تفسير : ، فإنه لو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور أو الأولى بالتصرف لقال عليه الصلاة والسلام: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك، فحيث ذكر صلى الله عليه وسلم المحبة والعداوة فقد نبه على أن المقصود إيجاب محبته كرم الله تعالى وجهه والتحذير عن عداوته وبغضه لا التصرف وعدمه، ولو كان المراد الخلافة لصرح صلى الله عليه وسلم بها. ويدل لذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط رضي الله تعالى عنهما أنهم سألوه عن هذا الخبر، هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه؟ فقال: لو كان النبـي صلى الله عليه وسلم أراد خلافته لقال: أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا وأطيعوا، ثم قال الحسن: أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (لو آثرا) علياً لأجل هذا الأمر ـ ولم يقدم / علي كرم الله تعالى وجهه عليه ـ لكان أعظم الناس خطأ، وأيضاً ربما يستدل على أن المراد بالولاية المحبة بأنه لم يقع التقييد بلفظ بعدي، والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في زمان واحد، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف بخلاف ما إذا كان المراد المحبة. وتمسك الشيعة في إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع في صدر الخبر على إحدى الروايات، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»تفسير : ونحن نقول: المراد من هذا أيضاً الأولى بالمحبة يعني ألست أولى: بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة، بل قد يقال: الأولى ههنا مشتق من الولاية بمعنى المحبة، والمعنى ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم؟ ليحصل تلاؤم أجزاء الكلام ويحسن الانتظام، ويكون حاصل المعنى هكذا: يا معشر المؤمنين إنكم تحبوني أكثر من أنفسكم، فمن يحبني يحب علياً اللهم أحب من أحبه وعاد من عاداه، ويرشد إلى أنه ليس المراد بالأولى ـ في تلك الجملة ـ الأولى بالتصرف أنها مأخوذة من قوله تعالى: {أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 6] وهو مسوق لنفي نسب الأدعياء ممن يتبنونهم، وبيانه أن زيد بن حارثة لا ينبغي أن يقال: إنه ابن محمد صلى الله عليه وسلم لأن نسبة النبـي صلى الله عليه وسلم إلى جميع المؤمنين كالأب الشفيق بل أزيد، وأزواجه عليه والسلام أمهاتهم، والأقرباء في النسب أحق وأولى من غيرهم، وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد لكن مدار النسب على القرابة وهي مفقودة في الأدعياء لا على الشفقة والتعظيم، وهذا ما في كتاب الله تعالى أي في حكمه، ولا دخل لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود أصلاً، فالمراد فيما نحن فيه هو المعنى الذي أريد في المأخوذ منه، ولو فرضنا كون الأولى في صدر الخبر بمعنى الأولى بالتصرف فيحتمل أن يكون ذلك لتنبيه المخاطبين بذلك الخطاب ليتوجهوا إلى سماع كلامه صلى الله عليه وسلم كمال التوجه ويلتفتوا إليه غاية الإلتفات، فيقرر ما فيه من الإرشاد أتم تقرر، وذلك كما يقول الرجل لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم؟ وإذا اعترفوا بذلك يأمرهم بما قصده منهم ليقبلوا بحكم الأبوة والبنوة ويعملوا على طبقهما، فقوله عليه الصلاة والسلام في هذا المقام: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» مثل «ألست رسول الله تعالى إليكم؟» أو «ألست نبيكم»، ولا يمكن إجراء مثل ذلك فيما بعده تحصيلاً للمناسبة، ومن الشيعة من أورد دليلاً على نفي معنى المحبة، وهو أن محبة الأمير كرم الله تعالى وجهه أمر ثابت في ضمن آية {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71] فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضاً كان لغواً ولا يخفى فساده، ومنشؤه أن المستدل لم يفهم أن إيجاب محبة أحد في ضمن العموم شيء، وإيجاب محبته بالخصوص شيء آخر، والفرق بينهما مثل الشمس ظاهر، ومما يزيد ذلك ظهوراً أنه لو آمن شخص بجميع أنبياء الله تعالى، ورسله عليهم الصلاة والسلام، ولم يتعرض لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصوصه بالذكر لم يكن إيمانه معتبراً، وأيضاً لو فرضنا اتحاد مضمون الآية والخبر لا يلزم اللغو، بل غاية ما يلزم التقرير والتأكيد، وذلك وظيفة النبـي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يؤكد مضامين القرآن ويقررها، بل القرآن نفسه قد تكررت فيه المضامين لذلك، ولم يقل أحد إن ذلك من اللغو ـ والعياذ بالله تعالى ـ وأيضاً التنصيص على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه تكرر مراراً عند الشيعة، فيلزم على تقدير صحة ذلك القول اللغوي، ويجل كلام الشارع عنه، ثم إن ما أشار إليه الحميري في قصيدته التي أسرف فيها من أن الصحابة / رضي الله تعالى عنهم بهذه الهيئة الاجتماعية جاءوا النبـي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه تعيين الإمام بعده مما لم يذكره المؤرخون وأهل السير من الفريقين فيما أعلم، بل هو محض زور وبهتان نعوذ بالله تعالى منه. ومن وقف على تلك القصيدة الشنيعة بأسرها وما يرويه الشيعة فيها، وكان له أدنى خبرة رأى العجب العجاب وتحقق أن قعاقع القوم كصرير باب أو كطنين ذباب، ثم إن الأخبار الواردة من طريق أهل السنة الدالة على أن هذه الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه ـ على تقدير صحتها وكونها بمرتبة يستدل بها ـ ليس فيها أكثر من الدلالة على فضله كرم الله تعالى وجهه وأنه ولي المؤمنين بالمعنى الذي قررناه، ونحن لا ننكر ذلك وملعون من ينكره، وكذا ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من ذلك، والتنصيص عليه كرم الله تعالى وجهه بالذكر لما قدمنا، وقال بعض أصحابنا على سبيل التنزيل: إن الآية على خبر ابن مسعود وكذا خبر الغدير ـ على الرواية المشهورة ـ على تقدير دلالتهما على أن المراد الأولى بالتصرف لا بد أن يقيدا بما يدل على ذلك في المآل، وحينئذ فمرحباً بالوفاق لأن أهل السنة قائلون بذلك حين إمامته، ووجهه تخصيص الأمير كرم الله تعالى وجهه حينئذ بالذكر ما علمه عليه الصلاة والسلام بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته، وإنكار بعض الناس لإمامته الحقة، وكون ذلك بعد الوفاة من غير فصل مما لا دليل عليه، والخبر المصدر ـ بكأني قد دعيت فأجبت ـ ليس نصاً في المقصود كما لا يخفى، ومما يبعد دعوى الشيعة من أن الآية نزلت في خصوص خلافة علي كرم الله تعالى وجهه، وأن الموصول فيها خاص. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فإن الناس فيه وإن كان عاماً إلا أن المراد بهم الكفار، ويهديك إليه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فإنه في موضع التعليل لعصمته عليه الصلاة والسلام، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لأن الله تعالى لا يهديهم إلى أمنيتهم فيك، ومتى كان المراد بهم الكفار بعد إرادة الخلافة، بل لو قيل: لم تصح لم يبعد لأن التخوف الذي تزعمه الشيعة منه صلى الله عليه وسلم ـ وحاشاه في تبليغ أمر الخلافة ـ إنما هو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حيث إن فيهم ـ معاذ الله تعالى ـ من يطمع فيها لنفسه، ومتى رأى حرمانه منها لم يبعد منه قصد الإضرار برسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزام القول ـ والعياذ بالله عز وجل ـ بكفر من عرضوا بنسبة الطمع في الخلافة إليه مما يلزمه محاذير كلية أهونها تفسيق الأمير كرم الله تعالى وجهه وهو هو، أو نسبة الجبن إليه ـ وهو أسد الله تعالى الغالب ـ أو الحكم عليه بالتقية ـ وهو الذي لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم ولا يخشى إلا الله سبحانه ـ أو نسبة فعل الرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الأمر الإلٰهي إلى العبث والكل كما ترى، لا يقال: إن عندنا أمرين يدلان على أن المراد بالموصول الخلافة، أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بأبلغ عبارة بتبليغ الأحكام الشرعية التي يؤمر بها حيث قال سبحانه مخاطباً له عليه الصلاة والسلام: {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الحجر: 94] فلو لم يكن المراد هنا فرد هو أهم الأفراد وأعظمها شأناً ـ وليس ذلك إلا الخلافة إذ بها ينتظم أمر الدين والدنيا ـ لخلا الكلام عن الفائدة، وثانيهما: أن ابن إسحق ذكر في «سيرته» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «حديث : أيها الناس اسمعوا قولي فإن لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألنكم عن أعمالكم، وقد بلغت، ثم أوصى / صلى الله عليه وسلم بالنساء، ثم قال عليه الصلاة والسلام: فاعقلوا قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن قال: بأبـي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ـ اللهم هل بلغت؟ قال ابن إسحق: فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد»تفسير : انتهى. فإن هذه الرواية ظاهرة في أن الخطبة كانت يوم عرفة يوم الحج الأكبر ـ كما في رواية يحيـى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ـ ويوم الغدير كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بعد أن فرغ صلى الله عليه وسلم من شأن المناسك وتوجه إلى المدينة المنورة، وحينئذ يكون المأمور بتبليغه أمراً آخر غير ما بلغه صلى الله عليه وسلم قبل، وشهد الناس على تبليغه، وأشهد الله تعالى على ذلك، وليس هذا إلا الخلافة الكبرى والإمامة العظمى، فكأنه سبحانه يقول: يا أيها الرسول بلغ كون علي كرم الله تعالى وجهه خليفتك وقائماً مقامك بعدك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وإن قال لك الناس حين قلت: اللهم هل بلغت؟ اللهم نعم، لأنا نقول: إن الشرطية في الأمر الأول ـ بعد غمض العين عما فيه ـ ممنوعة لجواز أن يراد بالموصول في الآيتين الأحكام الشرعية المتعلقة بمصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ولا يلزم الخلو عن الفائدة إذ كم آية تكررت في القرآن، وأمر ونهى ذكر مراراً للتأكيد والتقرير، على أن بعضهم ذكر أن فائدة الأمر هنا إزالة توهم أن النبـي صلى الله عليه وسلم ترك أو يترك تبليغ شيء من الوحي تقية، ويرد على الأمر الثاني أمران: الأول: أن كون يوم الغدير بعد يوم عرفة مسلم، لكن لا نسلم أن الآية نزلت فيه ليكون المأمور بتبليغه أمراً آخر، بل الذي يقتضيه ظاهر الخطبة وقول النبـي صلى الله عليه وسلم فيها ـ اللهم هل بلغت ـ أن الآية نزلت قبل يومي الغدير وعرفة، وما ورد في غير ما أثر ـ من أن سورة المائدة نزلت بين مكة. والمدينة في حجة الوداع لا يصلح دليلاً للبعدية ولا للقبلية إذ ليس فيه ذكر الإياب ولا الذهاب، وظاهر حاله صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة ـ من إراءة المناسك ووضع الربا ودماء الجاهلية وغير ذلك مما يطول ذكره، وقد ذكره أهل السير ـ يرشد إلى أن النزول كان في الذهاب، والثاني: أنا لو سلمنا كون النزول يوم الغدير، فلا نسلم أن المأمور بتبليغه أمر آخر، وغاية ما يلزم حينئذ لزوم التكرار، وقد علمت فائدته وكثرة وقوعه، سلمنا أن المأمور بتبليغه أمر آخر لكنا لا نسلم أنه ليس إلا الخلافة، وكم قد بلغ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك غير ذلك من الآيات المنزلة عليه عليه الصلاة والسلام، والذي يفهم من بعض الروايات أن هذه الآية قبل حجة الوداع، فقد أخرج ابن مردويه والضياء في «مختاره» عن ابن عباس قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال: «كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم فأنزل علي جبريل عليه السلام فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} الآية، قال: فقمت عند العقبة فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربـي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: فما بقي رجل ولا امرأة ولا أمة ولا صبـي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة، ويقولون: كذاب صابىء، فعرض على عارض فقال: يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه» تفسير : / قال الأعمش: فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون فيهم نزلت {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء} تفسير : [القصص: 56] هوى النبـي صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله تعالى عباس بن عبد المطلب، وأصرح من هذا ما أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم في «الدلائل» وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : كان النبـي صلى الله عليه وسلم يحرس وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: يا عم إن الله عز وجل قد عصمني»تفسير : فإن أبا طالب مات قبل الهجرة، وحجة الوداع بعدها بكثير، والظاهر اتصال الآية، وعن بعضهم أن الآية نزلت ليلاً بناءاً على ما أخرج عبد بن حميد والترمذي والبيهقي وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبـي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فأخرج رأسه من القبة فقال: «حديث : أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى» تفسير : ولا يخفى أنه ليس بنص في المقصود، والذي أميل إليه جمعاً بين الأخبار أن هذه الآية مما تكرر نزوله، والله تعالى أعلم، والمراد بالعصمة من الناس حفظ روحه عليه الصلاة والسلام من القتل والإهلاك، فلا يرد أنه صلى الله عليه وسلم شج وجهه الشريف وكسرت رباعيته يوم أحد، ومنهم من ذهب إلى العموم وادعى أن الآية إنما نزلت بعد أحد، واستشكل الأمران بأن اليهود سموه عليه الصلاة والسلام حتى قال: «حديث : لا زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري»تفسير : وأجيب بأنه سبحانه وتعالى ضمن له العصمة من القتل ونحوه بسبب تبليغ الوحي، وأما ما فعل به صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فللذب عن الأموال والبلاد والأنفس، ولا يخفى بعده. وقال الراغب: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حفظهم بما خصوا به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الأخلاق والفضائل، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق، وقيل: المراد بالعصمة الحفظ من صدور الذنب، والمعنى: بلغ والله تعالى يمنحك الحفظ من صدور الذنب من بين الناس أي يعصمك بسبب ذلك دونهم، ولا يخفى أن هذا توجيه لم يصدر إلا ممن لم يعصمه الله تعالى من الخطأ، ومثله ما نقل عن علي بن عيسى في قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} حيث قال لا يهديهم بالمعونة والتوفيق والألطاف إلى الكفر بل إنما يهديهم إلى الإيمان، وزعم أن الذي دعاه إلى هذا التفسير أن الله تعالى هدى الكفار إلى الإيمان بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من خلافه، وأنت قد علمت المراد بالآية على أن في كلامه ما لا يخفى من النظر، وقال الجبائي: المراد لا يهديهم إلى الجنة والثواب، وفيه غفلة عن كون الجملة في موضع التعليل، وزعم بعضهم أن المراد إن عليك البلاغ لا الهداية، فمن قضيت عليه بالكفر والوفاة عليه لا يهتدي أبداً ـ وهو كما ترى ـ فليفهم جميع ما ذكرناه في هذه الآية وليحفظ فإني لا أظن أنك تجده في كتاب. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ـ رسالاته ـ على الجمع.
سيد قطب
تفسير : يمضي هذا الدرس في بيان حال أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - وكشف الانحراف فيما يعتقدون، وكشف السوء فيما يصنعون؛ في تاريخهم كله - وبخاصة اليهود - كما يمضي في تقرير نوع العلاقة بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة؛ وواجب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعامله معهم وواجب المسلمين.. ذلك إلى تقرير حقائق أساسية ضخمة في أصول التصور الاعتقادي؛ وفي أصول النشاط الحركي للجماعة المسلمة، تجاه المعتقدات المنحرفة وتجاه المنحرفين. لقد نادى الله - سبحانه - الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكلفه تبليغ ما أنزل إليه من ربه.. كل ما أنزل إليه.. لا يستبقي منه شيئاً، ولا يؤخر منه شيئاً مراعاة للظروف والملابسات، أو تجنباً للاصطدام بأهواء الناس. وواقع المجتمع.. وإن لم يفعل فما يكون قد بلغ.. ومن هذا الذي كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبليغه أن يجابه أهل الكتاب بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم.. هكذا قاطعة جازمة صريحة جاهرة.. وأن يعلن كذلك كفر اليهود بنقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء، وكفر النصارى بقولهم: إن الله هو المسيح عيسى بن مريم، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. كما يعلن أن المسيح - عليه السلام - أنذر بني إسرائيل عاقبة الشرك، وتحريم الله الجنة على المشركين.. وأن بني إسرائيل لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم بعصيانهم وعدوانهم. وينتهي الدرس بكشف موقف أهل الكتاب من مظاهرة المشركين على المسلمين. وإعلان أن هذا ناشئ من عدم إيمانهم بالله والنبي. وأنهم مدعوون إلى الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وإلا فما هم بالمؤمنين.. ونأخذ بعد هذا الإجمال في مواجهة النصوص بالتفصيل: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين.. قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، فلا تأس على القوم الكافرين. إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى.. من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملاً، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حساباً وهو يصدع بكلمة الحق.. هذا، وإلا فما بلغ وما أدّى وما قام بواجب الرسالة.. والله يتولى حمايته وعصمته من الناس، ومن كان الله له عاصماً فماذا يملك له العباد المهازيل! إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء؛ ولا تراعي مواقع الرغبات؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ.. وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى.. وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة! {إن الله لا يهدي القوم الكافرين}.. وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة.. والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق! إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة، لا يعني الخشونة والفظاظة؛ فقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق. فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول.. ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة، فكان مأموراً أن يقول: {أية : يا أيها الكافرون: لا أعبد ما تعبدون..} تفسير : فيصفهم بصفتهم؛ ويفاصلهم في الأمر، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه، ولا يدهن فيدهنون، كما يودون! ولا يقول لهم: إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه، بل يقول لهم: إنهم على الباطل المحض، وإنه على الحق الكامل.. فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة.. وهذا النداء، وهذا التكليف، في هذه السورة: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس.. إن الله لا يهدي القوم الكافرين}.. يبدو من السياق - قبل هذا النداء وبعده - أن المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هم عليه، وبحقيقة صفتهم التي يستحقونها بما هم عليه.. ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء.. ليسوا على شيء من الدين ولا العقيدة ولا الإيمان.. ذلك أنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم. ومن ثم فلا شيء مما يدعونه لأنفسهم من أنهم أهل كتاب وأصحاب عقيدة وأتباع دين: {قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم..}. وحينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان.. بل ليسوا على شيء أصلاً يرتكن عليه! حينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة، كانوا يتلون كتبهم؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية؛ وكانوا يقولون: إنهم مؤمنون.. ولكن التبليغ الذي كلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم به، لم يعترف لهم بشيء أصلاً الا مما كانوا يزعمون لأنفسهم، لأن "الدين"، ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتباً تقرأ وترتل؛ وليس صفة تورث وتدعى. إنما الدين منهج حياة. منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير، والعبادة الممثلة في الشعائر، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج.. ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه، فقد كلف "الرسول" - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلاً من هذا القبيل! وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، مقتضاها الأول الدخول في دين الله الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه وينصروه. وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر الله وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم: (سواء كان المقصود بقوله: {أية : وما أنزل إليهم من ربهم} تفسير : هو القرآن - كما يقول بعض المفسرين - أو هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود).. نقول إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين الجديد، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه.. فهم ليسوا على شيء - بشهادة الله سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الاخير.. والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم؛ وأن يبلغهم حقيقة صفتهم وموقفهم؛ وإلا فما بلغ رسالة ربه.. ويا له من تهديد! وكان الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة، وبهذه الكلمة الفاصلة، ستؤدي إلى أن تزيد كثيراً منهم طغياناً وكفراً، وعناداً ولجاجاً.. ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والظلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق. فيهتدي من يهتدي عن بينة، ويضل من يضل عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة: {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، فلا تأس على القوم الكافرين}.. وكان الله - سبحانه - يرسم للداعية بهذه التوجيهات منهج الدعوة؛ ويطلعه على حكمة الله في هذا المنهج؛ ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون، إذا هاجتهم كلمة الحق فازدادوا طغياناً وكفراً؛ فهم يستحقون هذا المصير البائس؛ لأن قلوبهم لا تطيق كلمة الحق؛ ولا خير في أعماقها ولا صدق. فمن حكمة الله أن تواجه بكلمة الحق؛ ليظهر ما كمن فيها وما بطن؛ ولتجهر بالطغيان والكفر؛ ولتستحق جزاء الطغاة والكافرين! ونعود إلى قضية الولاء والتناصر والتعاون بين المسلمين وأهل الكتاب - على ضوء هذا التبليغ الذي كلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ضوء نتائجه التي قدر الله أن تكون في زيادة الكثيرين منهم طغياناً وكفراً.. فماذا نجد..؟ نجد أن الله - سبحانه - يقرر أن أهل الكتاب ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم.. وحتى يدخلوا في الدين الأخير تبعاً لهذه الإقامة كما هو بديهي من دعوتهم إلى الإيمان بالله والنبي. في المواضع الأخرى المتعددة.. فهم إذن لم يعودوا على "دين الله" ولم يعودوا أهل "دين" يقبله الله. ونجد أن مواجهتهم بهذه الحقيقة قد علم الله أنها ستزيد الكثيرين منهم طغياناً وكفراً.. ومع هذا فقد أمر رسوله أن يواجههم بها دون مواربة. ودون أسى على ما سيصيب الكثيرين منها! فإذا نحن اعتبرنا كلمة الله في هذه القضية هي كلمة الفصل - كما هو الحق والواقع - لم يبق هنالك موضع لاعتبار أهل الكتاب.. أهل دين.. يستطيع "المسلم" أن يتناصر معهم فيه للوقوف في وجه الإلحاد والملحدين؛ كما ينادي بعض المخدوعين وبعض الخادعين! فأهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم؛ حتى يعتبرهم المسلم "على شيء" وليس للمسلم أن يقرر غير ما قرره الله: {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}تفسير : وكلمة الله باقية لا تغيرها الملابسات والظروف! وإذا نحن اعتبرنا كلمة الله هي كلمة الفصل - كما هو الحق والواقع - لم يكن لنا أن نحسب حساباً لأثر المواجهة لأهل الكتاب بهذه الحقيقة، في هياجهم علينا، وفي اشتداد حربهم لنا، ولم يكن لنا أن نحاول كسب مودتهم بالاعتراف لهم بأنهم على دين نرضاه منهم ونقرهم عليه، ونتناصر نحن وإياهم لدفع الإلحاد عنه - كما ندفع الإلحاد عن ديننا الذي هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس.. إن الله - سبحانه - لا يوجهنا هذا التوجيه. ولا يقبل منا هذا الاعتراف. ولا يغفر لنا هذا التناصر، ولا التصور الذي ينبعث التناصر منه. لأننا حينئذ نقرر لأنفسنا غير ما يقرر؛ ونختار في أمرنا غير ما يختار؛ ونعترف بعقائد محرفة أنها "دين" إلهي، يجتمع معنا في آصرة الدين الإلهي.. والله يقول: إنهم ليسوا على شيء، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم.. وهم لا يفعلون! والذين يقولون: إنهم مسلمون - ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم - هم كأهل الكتاب هؤلاء، ليسوا على شيء كذلك. فهذه كلمة الله عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي حياتهم سواء. والذي يريد أن يكون مسلماً يجب عليه - بعد إقامة كتاب الله في نفسه وفي حياته - أن يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه. وأن دعواهم أنهم على دين، يردها عليهم رب الدين. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة؛ ودعوتهم إلى "الإسلام" من جديد هي واجب "المسلم" الذي أقام كتاب الله في نفسه وفي حياته. فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاماً، ولا تحقق إيماناً، ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين الله، في أي ملة، وفي أي زمان! وبعد أن يستجيب هؤلاء أو أولئك؛ ويقيموا كتاب الله في حياتهم؛ يملك "المسلم" أن يتناصر معهم في دفع غائلة الإلحاد والملحدين، عن "الدين" وعن "المتدينين".. فأما قبل ذلك فهو عبث؛ وهو تمييع، يقوم به خادع أو مخدوع! إن دين الله ليس راية ولا شعاراً ولا وراثة! إن دين الله حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء. تتمثل في عقيدة تعمر القلب، وشعائر تقام للتعبد، ونظام يصرف الحياة.. ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل؛ ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم.. وكل اعتبار غير هذا الاعتبار تمييع للعقيدة، وخداع للضمير؛ لا يقدم عليه "مسلم" نظيف الضمير! وعلى "المسلم" أن يجهر بهذه الحقيقة؛ ويفاصل الناس كلهم على أساسها؛ ولا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة. والله هو العاصم. والله لا يهدي القوم الكافرين.. وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله؛ ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس، إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة؛ ووصف لهم ما هم عليه كما هو في حقيقته، بلا مجاملة ولا مداهنة.. فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شيء، وأن ما هم عليه باطل كله من أساسه، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماماً غير ما هم عليه.. يدعوهم إلى نقلة بعيدة، ورحلة طويلة، وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم وفي أخلاقهم.. فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه.. {أية : ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة }.. تفسير : وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق، وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم.. حين يفعل صاحب الدعوة هذا - مراعاة للظروف والملابسات، وحذراً من مواجهة واقع الناس الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم - فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم، لأنه لم يعرّفهم حقيقة المطلوب منهم كله، وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه الله تبليغه! إن التلطف في دعوة الناس إلى الله، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها.. إن الحقيقة يجب إن تبلغ إليهم كاملة. أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة.. ولقد ينظر بعضنا اليوم - مثلاً - فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب القوة المادية. وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض، وهم أصحاب كلمة مسموعة، في الشئون الدولية. وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية أصحاب أعداد ضخمة وأصحاب قوة مدمرة. وينظر فيرى الذين يقولون: إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنزل إليهم.. فيتعاظمه الأمر، ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء! وأن يبين لهم "الدين" الحق! وليس هذا هو الطريق.. إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض جميعاً - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق، وواجب صاحب الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلاَّل؛ ولا ضخامة الباطل.. فالباطل ركام.. وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة: أنهم ليسوا على شيء.. كذلك ينبغي أن تستأنف.. وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وناداه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين. قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}. وينتهي هذا المقطع بالبيان الأخير عن "الدين" الذي يقبله الله من الناس، أياً كان وصفهم وعنوانهم وما كانوا عليه قبل بعثة النبي الأخير؛ والذي يلتقي عليه المتفرقون في الملل والنحل فيما غبر من التاريخ: {إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون، والنصارى.. من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً.. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. والذين آمنوا هم المسلمون. والذين هادوا هم اليهود. والصابئون هم في الغالب تلك الفئة التي تركت عبادة الأوثان قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعبدت الله وحده على غير نحلة معينة، ومنهم من العرب أفراد معدودون. والنصارى هم أتباع المسيح - عليه السلام. والآية تقرر أنه أياً كانت النحلة، فإن من آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً - ومفهوم ضمنا في هذا الموضع، وتصريحاً في مواضع أخرى أنهم فعلوا ذلك على حسب ما جاء به الرسول الأخير - فقد نجوا: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. ولا عليهم مما كانوا فيه قبل ذلك؛ ولا مما يحملون من أسماء وعنوانات.. فالمهم هو العنوان الأخير.. وهذا الذي نقرر أنه مفهوم من الآية ضمناً يعتبر من "المعلوم من الدين بالضرورة". فمن بديهيات هذه العقيدة أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم النبيين، وأنه أرسل إلى البشر كافة، وأن الناس جميعاً - على اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم واعتقاداتهم وأجناسهم وأوطانهم - مدعوون إلى الإيمان بما جاء به، وفق ما جاء به؛ في عمومه وفي تفصيلاته. وأن من لا يؤمن به رسولاً، ولا يؤمن بما جاء به إجمالاً وتفصيلاً، فهو ضال لا يقبل الله منه ما كان عليه من دين قبل هذا الدين، ولا يدخل في مضمون قوله تعالى: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وهذه هي الحقيقة الأساسية "المعلومة من الدين بالضرورة" التي لا يجوز للمسلم الحق أن يجمجم فيها أو يتمتم؛ أمام ضخامة الواقع الجاهلي الذي تعيش فيه البشرية. والتي لا يجوز للمسلم أن يغفلها في إقامة علاقاته بأهل الأرض قاطبة؛ من أصحاب الملل والنحل. فلا يحمله ضغط الواقع الجاهلي على اعتبار أحد من أصحاب هذه الملل والنحل على "دين" يرضاه الله؛ ويصلح أن يتناصر معه فيه ويتولاه! إنما الله هو الولي {أية : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}تفسير : مهما تكن ظواهر الأمور.. ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً - على أساس هذا الدين الذي هو وحده الدين - فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. لا خوف عليهم في الدنيا ولا في الآخرة.. لا خوف عليهم من قوى الباطل والجاهلية المتراكمة. ولا خوف عليهم من أنفسهم المؤمنة العاملة الصالحة.. ولا هم يحزنون.. بعد ذلك يأخذ السياق في عرض طرف من تاريخ بني إسرائيل - اليهود - يتجلى فيه كيف أنهم ليسوا على شيء؛ ويتبين معه ضرورة تبليغهم الدعوة، ومخاطبتهم بالإسلام، ليأووا منه إلى دين الله. ثم لتتبين حقيقتهم التي لم تتغير؛ وتنكشف للمسلمين هذه الحقيقة، فتسقط في أعينهم قيمة يهود، وتنفر قلوبهم من الولاء لهم والتناصر معهم، وهم على مثل هذه الحال في أمر الحق والدين: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وأرسلنا إليهم رسلاً. كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم: فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون. وحسبوا ألا تكون فتنة. فعموا وصموا، ثم تاب الله عليهم، ثم عموا وصموا - كثير منهم - والله بصير بما يعملون}.. إنه تاريخ قديم! فليس موقفهم من رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - بالأول ولا بالأخير! إنهم مردوا على العصيان والإعراض؛ ومردوا على النكول عن ميثاق الله؛ ومردوا على اتخاذ هواهم إلههم لا دين الله، ولا هدى الرسل؛ ومردوا على الإثم والعدوان على دعاة الحق وحملة دعوة الله: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً. كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون}.. وسجل بني إسرائيل مع أنبيائهم حافل بالتكذيب والإعراض؛ حافل بالقتل والاعتداء! حافل بتحكيم الشهوات والأهواء. ولعله من أجل ذلك قص الله تاريخ بني إسرائيل على الأمة المسلمة في تفصيل وتطويل.. لعلها تتقي أن تكون كبني إسرائيل؛ ولعلها تحذر مزالق الطريق، أو لعل الواعين منها الموصولين بالله يدركون هذه المزالق؛ أو يتأسون بأنبياء بني إسرائيل حين يصادفون ما صادفوا وأجيال من ذراري المسلمين تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل، حين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ فتحكم الهوى؛ وترفض الهدى، وتكذب فريقاً من الدعاة إلى الحق، وتقتل فريقاً؛ كما صنع بغاة بني إسرائيل، في تاريخهم الطويل! لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها؛ وهم يحسبون أن الله لن يفتنهم بالبلاء، ولن يأخذهم بالعقاب. حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة الله؛ وغروراً منهم بأنهم "شعب الله المختار"! {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا}.. طمس الله على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئاً؛ وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئاً.. {ثم تاب الله عليهم}.. وأدركهم برحمته.. فلم يرعووا ولم ينتفعوا: {ثم عموا وصموا. كثير منهم..} {والله بصير بما يعملون}.. وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم.. وما هم بمفلتين.. ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود، وهذا الواقع الجديد؛ لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم، كما نفر قلب عبادة بن الصامت؛ فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبدالله بن أبي بن سلول! ذلك شأن اليهود من أهل الكتاب.. فأما شأن النصارى فيبينه السياق القرآني في حسم وتوكيد يتمشيان مع طبيعة السورة؛ وطبيعة الموقف الذي تعالجه.. ولقد سبق في سياق السورة وصف الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم بالكفر. فالآن يكرر هذا الوصف، سواء لمن قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. مع ذكر شهادة عيسى - عليه السلام - عليهم بالكفر، وتحذيره لهم من وصف أحد بالألوهية إلا الله - سبحانه - واعترافه بأن الله هو ربه وربهم على السواء. ثم تحذير الله لهم في النهاية من المضي فيما هم عليه من الكفر بسبب هذه المقولات التي لا يقول بها المؤمنون بالله وبدينه الصحيح: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار.. لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد. وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه؟ والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون. قل: أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً؟ والله هو السميع العليم؟ قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل}.. ولقد سبق أن بينا - باختصار - كيف ومتى تسربت هذه المقولات المنحرفة من المجامع إلى العقيدة النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام رسولاً من عند الله؛ كإخوانه الرسل؛ الذين جاءوا بكلمة التوحيد خالصة؛ لا يشوبها ظل من الشرك؛ لأن الرسالات كلها، جاءت لتقرير كلمة التوحيد في الأرض وإبطال كلمة الشرك. فالآن نذكر - باختصار كذلك - ما إنتهت إليه تلك المجامع من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك، على النحو الذي أسلفناه.. "جاء في كتاب "سوسنة سليمان" لنوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني: أن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس، وهي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوي هي الإيمان بإله واحد: آب واحد، ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الآب قبل الدهور من نور الله. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، والذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خطايانا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه. والإيمان بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الابن يسجد له، ويمجده، الناطق بالأنبياء" "وقال الدكتور "بوست" في تاريخ الكتاب المقدس: طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس. فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن. وإلى الابن الفداء. وإلى الروح القدس التطهير". ونظراً لصعوبة تصور الأقانيم الثلاثة في واحد، وصعوبة الجمع بين التوحيد والتثليث، فإن الكتاب النصارى عن اللاهوت حاولوا تأجيل النظر العقلي في هذه القضية، التي يرفضها العقل ابتداء. ومن ذلك ما كتبه القس "بوطر" في رسالة "الأصول والفروع" حيث يقول: "قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا. ونرجو ان نفهمه فهماً أكثر جلاء في المستقبل حين يكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض. وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية". والله - سبحانه - يقول: إن هذه المقولات كلها كفر. وهي تتضمن - كما رأينا - القول بألوهية المسيح عليه السلام؛ والقول بأن الله ثالث ثلاثة.. وليس بعد قول الله - سبحانه - قول. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار}.. وهكذا حذرهم المسيح عليه السلام فلم يحذروا، ووقعوا بعد وفاته عنهم فيما حذرهم من الوقوع فيه، وما أنذرهم عليه الحرمان من الجنة والانتهاء إلى النار.. ونسوا قول المسيح - عليه السلام -: {يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم}.. حيث أعلن لهم أنه هو وهم في العبودية سواء، لربوبية الله الواحد الذي ليس له من شركاء. ويستوفي القرآن الحكم على سائر مقولاتهم الكافرة: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة}.. ويقرر الحقيقة التي تقوم عليها كل عقيدة جاء بها رسول من عند الله: {وما من إله إلا إله واحد}.. ويهددهم عاقبة الكفر الذي ينطقون به ويعتقدونه: {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم}.. والكافرون هم الذين لا ينتهون عن هذه المقولات التي حكم عليها الله بالكفر الصراح. ثم أردف التهديد والوعيد بالتحضيض والترغيب: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم}.. ليبقي لهم باب التوبة مفتوحاً؛ وليطمعهم في مغفرة الله ورحمته، قبل فوات الآوان.. ثم واجههم بالمنطق الواقعي القويم، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم. مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات. ثم انظر أنى يؤفكون..} وأكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح - عليه السلام - وأمه الصديقة. وهي خصيصة من خصائص الأحياء الحادثين، ودليل على بشرية المسيح وأمه - أو على ناسوته بتعبيرهم اللاهوتي - فأكل الطعام تلبية لحاجة جسدية لا مراء فيها. ولا يكون إلهاً من يحتاج إلى الطعام ليعيش. فالله حي بذاته، قائم بذاته، باق بذاته، لا يحتاج، ولا يدخل إلى ذاته - سبحانه - أو يخرج منها شيء حادث كالطعام.. ونظراً لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل، فإنه يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق البين: {انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون}.. ولقد كانت هذه الحياة البشرية الواقعية للمسيح عليه السلام، مصدر تعب لمن أرادوا تأليهه - على الرغم من تعاليمه - فقد احتاجوا إلى كثير من الجدل والخلاف حول لاهوتية المسيح عليه السلام وناسوتيته - كما ذكرنا ذلك من قبل باختصار. واستطراداً في ذلك المنطق القرآني المبين من زاوية اخرى يجيء هذا الاستنكار: {قل: أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً؛ والله هو السميع العليم}؟.. ويختار التعبير بكلمة "بما" بدل كلمة "من" في هذا الموضع قصداً. ليدرج "المخلوقات" التي تعبد كلها - بما فيها من العقلاء - في سلك واحد. لأنه يشير إلى ماهيتها المخلوقة الحادثة البعيدة عن حقيقة الألوهية. فيدخل عيسى، ويدخل روح القدس، وتدخل مريم، كلهم في "ما" لأنهم بماهيتهم من خلق الله. ويلقي هذا التعبير ظله كذلك في هذا المقام؛ فيبعد أن يكون أحد من خلق الله مستحقاً للعبادة؛ وهو لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً: {والله هو السميع العليم}.. الذي يسمع ويعلم؛ ومن ثم يضر وينفع. كما أنه هو الذي يسمع دعاء عبيده وعبادتهم إياه، ويعلم ما تكنه صدورهم وما يكمن وراء الدعاء والعبادة.. فأما ما سواه فلا يسمع ولا يعلم ولا يستجيب الدعاء.. وينهي هذا كله بدعوة جامعة، يكلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوجهها إلى أهل الكتاب: {قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً. وضلوا عن سواء السبيل}. فمن الغلو في تعظيم عيسى - عليه السلام - جاءت كل الانحرافات. ومن أهواء الحكام الرومان الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم، ومن أهواء المجامع المتناحرة كذلك دخلت كل تلك المقولات على دين الله الذي أرسل به المسيح، فبلغه بأمانة الرسول، وهو يقول لهم: {يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار}.. وهذا النداء الجديد هو دعوة الإنقاذ الأخيرة لأهل الكتاب؛ ليخرجوا بها من خضم الانحرافات والاختلافات والأهواء والشهوات الذي خاض فيه أولئك الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل.. ونقف من هذا المقطع الذي انتهى بهذا النداء أمام ثلاث حقائق كبيرة، يحسن الإلمام بها في إجمال: الحقيقة الأولى: هي حقيقة هذا الجهد الكبير، الذي يبذله المنهج الإسلامي، لتصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على قاعدة التوحيد المطلقة؛ وتنقيته من شوائب الوثنية والشرك التي أفسدت عقائد أهل الكتاب، وتعريف الناس بحقيقة الألوهية؛ وإفراد الله - سبحانه - بخصائصها، وتجريد البشر وسائر الخلائق من هذه الخصائص.. وهذا الاهتمام البالغ بتصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على قاعدة التوحيد الكامل الحاسم، يدل على أهمية هذا التصحيح. وأهمية التصور الاعتقادي في بناء الحياة الإنسانية وفي صلاحها، كما يدل على اعتبار الإسلام للعقيدة بوصفها القاعدة والمحور لكل نشاط إنساني، ولكل ارتباط إنساني كذلك. والحقيقة الثانية: هي تصريح القرآن الكريم بكفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم؛ أو قالوا: إن الله ثالث ثلاثة: فلم يعد لمسلم - بعد قول الله سبحانه - قول. ولم يعد يحق لمسلم أن يعتبر أن هؤلاء على دين الله. والله سبحانه يقول: إنهم كفروا بسبب هذه المقولات. وإذا كان الإسلام - كما قلنا - لايكره أحداً على ترك ما هو عليه مما يعتقده لاعتناق الإسلام، فهو في الوقت ذاته لا يسمي ما عليه غير المسلمين ديناً يرضاه الله. بل يصرح هنا بأنه كفر ولن يكون الكفر ديناً يرضاه الله. والحقيقية الثالثة: المترتبة على هاتين الحقيقتين، أنه لا يمكن قيام ولاء وتناصر بين أحد من أهل الكتاب هؤلاء وبين المسلم الذي يدين بوحدانية الله كما جاء بها الإسلام، ويعتقد بأن الإسلام في صورته التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم هو وحده "الدين" عند الله.. ومن ثم يصبح الكلام عن التناصر بين أهل "الأديان" أمام الإلحاد كلاماً لا مفهوم له في اعتبار الإسلام! فمتى اختلفت المعتقدات على هذا النحو الفاصل، لم يعد هناك مجال للالتقاء على ما سواها. فكل شيء في الحياة يقوم أولاً على أساس العقيدة.. في اعتبار الإسلام.. وفي النهاية يجيء ذلك التقرير الشامل عن موقف أنبياء بني إسرائيل من كفار بني إسرائيل، على مدى التاريخ؛ ممثلاً في موقف داود وموقف عيسى - عليهما السلام - وكلاهما لعن كفار بني إسرائيل، واستجاب الله له. بسبب عصيانهم وعدوانهم، وبسبب انحلالهم الاجتماعي، وسكوتهم على المنكر يفشو فيهم فلا يتناهون عنه؛ وبسبب توليهم الكافرين؛ فباءوا بالسخط واللعنة، وكتب عليهم الخلود في العذاب. {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبئس ما كانوا يفعلون! ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا. لبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما انزل إليه ما اتخذوهم أولياء. ولكن كثيراً منهم فاسقون}.. وهكذا يبدو أن تاريخ بني إسرائيل في الكفر والمعصية واللعنة عريق. وأن أنبياءهم الذين أرسلوا لهدايتهم وإنقاذهم، هم في النهاية الذين تولوا لعنتهم وطردهم من هداية الله؛ فسمع الله دعاءهم وكتب السخط واللعنة على بني إسرائيل. والذين كفروا من بني إسرائيل هم الذين حرفوا كتبهم المنزلة؛ وهم الذين لم يتحاكموا إلى شريعة الله - كما مر في المواضع القرآنية المتعددة في هذه السورة وفي السور غيرها - وهم الذين نقضوا عهد الله معهم لينصرنّ كل رسول ويعزرونه ويتبعونه: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.. فهي المعصية والاعتداء؛ يتمثلان في كل صورهما الاعتقادية والسلوكية على السواء. وقد حفل تاريخ بني إسرائيل بالمعصية والاعتداء.. كما فصل الله في كتابه الكريم. ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالاً فردية في مجتمع بني إسرائيل. ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها؛ وأن يسكت عنها المجتمع. ولا يقابلها بالتناهي والنكير: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون!}.. إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين. فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفاً مصطلحاً عليه؛ وأن يصبحا سهلاً يجترئ عليه كل من يهم به.. وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشرك رادعاً وجماعياً تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه.. عندئذ ينزوي الشر، وتنحسر دوافعه. وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه. وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة؛ وعندئذ لا تشيع الفاحشة. ولا تصبح هي الطابع العام! والمنهج الإسلامي - بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي - في صورة الكراهية والتنديد، يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب؛ يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية، قبل أن تصبح ظاهرة عامة؛ ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلباً في الحق، وحساساً تجاه الاعتداء عليه؛ ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء.. ولا يخافوا لومة لائم. سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم؛ أو الأغنياء المتسلطين بالمال؛ أو الأشرار المتسلطين بالأذى؛ أو الجماهير المتسلطة بالهوى. فمنهج الله هو منهج الله، والخارجون عليه علو أم سفلوا سواء. والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة؛ فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع فيها من شر إذا هي سكتت عليه؛ ويجعل الأمانة في عنق كل فرد، بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة. روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله بعضهم ببعض. ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم.. {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} وكان الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - متكئاً فجلس، فقال: ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً ". تفسير : وروى أبو داود - بإسناده - عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم" إلى قوله {فاسقون} ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً - أو تقصرنه على الحق قصراً - " تفسير : . فليس هو مجرد الإمر والنهي، ثم تنتهي المسأله، إنما هو الإصرار، والمقاطعه، والكف بالقوة عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء. وروى مسلم - بإسناده - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.. وذلك أضعف الإيمان ". تفسير : وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة قال - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم - وهم قادرون على أن ينكروه - فلا ينكرونه. فإذا فعلوا عذب الله العامة والخاصة ". تفسير : وروى أبو داود والترمذي - بإسناده - عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر ". تفسير : وتتوارد النصوص القرآنية والنبوية تترى في هذا المعنى؛ لأن هذا التماسك في كيان الجماعة بحيث لا يقول أحد - فيها وهو يرى المنكر يقع من غيره -: وأنا مالي؟! وهذه الحمية ضد الفساد في المجتمع، بحيث لا يقول أحد - وهو يرى الفساد يسري ويشيع - وماذا أصنع والتعرض للفساد يلحق بي الأذى؟! وهذه الغيرة على حرمات الله، والشعور بالتكليف المباشر بصيانتها والدفع عنها للنجاة من الله.. هذا كله هو قوام الجماعة المسلمة الذي لا قيام لها إلا به.. وهذا كله في حاجة إلى الإيمان الصحيح بالله؛ ومعرفة تكاليف هذا الإيمان. وإلى الإدراك الصحيح لمنهج الله؛ ومعرفة أنه يشمل كل جوانب الحياة. وإلى الجد في أخذ العقيدة بقوة، والجهد لإقامة المنهج الذي ينبثق منها في حياة المجتمع كله.. فالمجتمع المسلم الذي يستمد قانونه من شريعة الله؛ ويقيم حياته كلها على منهجه؛ هو المجتمع الذي يسمح للمسلم أن يزاول حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بحيث لا يصبح هذا عملاً فردياً ضائعاً في الخضم؛ أو يجعله غير ممكن أصلاً في كثير من الأحيان! كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية القائمة اليوم في أرجاء الأرض؛ والتي تقيم حياتها على تقاليد ومصطلحات اجتماعية تسترذل تدخل أحد في شأن أحد؛ وتعتبر الفسق والفجور والمعصية "مسائل شخصية"! ليس لأحد أن يتدخل في شأنها.. كما تجعل من الظلم والبطش والاعتداء والجور سيفاً مصلتاً من الإرهاب يلجم الأفواه، ويعقد الألسنة، وينكل بمن يقول كلمة حق أو معروف في وجه الطغيان.. إن الجهد الأصيل، والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولاً إلى إقامة المجتمع الخير.. والمجتمع الخير هو الذي يقوم على منهج الله.. قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية، شخصية وفردية؛ عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنه لا جدوى من المحاولات الجزئية حين يفسد المجتمع كله؛ وحين تطغى الجاهلية، وحين يقوم المجتمع على غير منهج الله؛ وحيت يتخذ له شريعة غير شريعة الله. فينبغي عندئذ أن تبدأ المحاولة من الأساس، وأن تنبت من الجذور؛ وأن يكون الجهد والجهاد لتقرير سلطان الله في الأرض.. وحين يستقر هذا السلطان يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئاً يرتكن إلى أساس. وهذا يحتاج إلى إيمان. وإلى إدراك لحقيقة هذا الإيمان ومجاله في نظام الحياة. فالإيمان على هذا المستوى هو الذي يجعل الاعتماد كله على الله؛ والثقة كلها بنصرته للخير - مهما طال الطريق - واحتساب الأجر عنده، فلا ينتظر من ينهض لهذه المهمة جزاء في هذه الأرض، ولا تقديراً من المجتمع الضال، ولا نصرة من أهل الجاهلية في أي مكان! إن كل النصوص القرآنية والنبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم. مجتمع يعترف ابتداء بسلطان الله، ويتحاكم إلى شريعته، مهما وجد فيه من طغيان الحكم، في بعض الأحيان، ومن شيوع الإثم في بعض الأحيان.. وهكذا نجد في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر" تفسير : .. فهو "إمام" ولا يكون إماماً حتى يعترف ابتداء بسلطان الله؛ وبتحكيم شريعته. فالذي لا يحكم شريعة الله لا يقال له: "إمام" إنما يقول عنه الله - سبحانه - {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } تفسير : فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله، فالمنكر الأكبر فيها والأهم، هو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات.. هو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة.. وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار، قبل الدخول في المنكرات الجزئية، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر، وفرع عنه، وعرض له.. إنه لا جدوى من ضياع الجهد.. جهد الخيرين الصالحين من الناس.. في مقاومة المنكرات الجزئية، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول.. منكر الجرأة على الله وادعاء خصائص الألوهية، ورفض ألوهية الله، برفض شريعته للحياة.. لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال. على أنه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات؟ بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم: إن هذا منكر فاجتنبوه؟ أنت تقول: إن هذا منكر؛ فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون لك: كلا! ليس هذا منكراً. لقد كان منكراً في الزمان الخالي! والدنيا "تتطور"، والمجتمع "يتقدم" وتختلف الاعتبارات! فلا بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالأعمال، ولا بد من قيم معترف بها نقيس إليها المعروف والمنكر. فمن أين نستمد هذه القيم؟ ومن أين نأتي بهذا الميزان؟ من تقديرات الناس وعرفهم وأهوائهم وشهواتهم - وهي متقلبة لا تثبت على حال؟ إننا ننتهي إذن إلى متاهة لا دليل فيها، وإلى خضم لا معالم فيه! فلا بد ابتداء من إقامة الميزان.. ولا بد أن يكون هذا الميزان ثابتاً لا يتأرجح مع الأهواء.. هذا الميزان الثابت هو ميزان الله.. فماذا إذا كان المجتمع لا يعترف - ابتداء - بسلطان الله؟ ماذا إذا كان لا يتحاكم إلى شريعة الله؟ بل ماذا إذا كان يسخر ويهزأ ويستنكر وينكل بمن يدعوه إلى منهج الله؟ ألا يكون جهداً ضائعاً، وعبثاً هازلاً، أن تقوم في مثل هذا المجتمع لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، في جزئيات وجانبيات من شئون الحياة، تختلف عليها الموازين والقيم، وتتعارض فيها الآراء والأهواء؟! إنه لا بد من الاتفاق مبدئياً على حكم، وعلى ميزان، وعلى سلطان، وعلى جهة يرجع إليها المختلفون في الآراء والأهواء.. لا بد من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة. والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة.. وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان! فلتوفر الجهود المبعثرة إذن، ولتحشد كلها في جبهة واحدة، لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان! وإن الإنسان ليرثي أحياناً ويعجب لأناس طيبين، ينفقون جهدهم في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في الفروع؛ بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم؛ ويقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقطوع! فما غناء أن تنهى الناس عن أكل الحرام مثلاً في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا؛ فيستحيل ماله كله حراماً؛ ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال.. لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة الله. لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة؟! وما غناء أن تنهى الناس عن الفسق مثلاً في مجتمع قانونه لا يعتبر الزنا جريمة - إلا في حالة الإكراه - ولا يعاقب حتى في حالة الإكراه بشريعة الله.. لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة؟! وما غناء أن تنهى الناس عن السكر في مجتمع قانونه يبيح تداول وشرب الخمر، ولا يعاقب إلا على حالة السكر البين في الطريق العام. وحتى هذه لا يعاقب فيها بحد الله. لأنه لا يعترف ابتداء بحاكمية الله؟! وما غناء أن تنهى الناس عن سب الدين؛ في مجتمع لا يعترف بسلطان الله؛ ولا يعبد فيه الله. إنما هو يتخذ أرباباً من دونه؛ ينزلون له شريعته وقانونه؛ ونظامه وأوضاعه، وقيمه وموازينه. والساب والمسبوب كلاهما ليس في دين الله. إنما هما وأهل مجتمعهما طراً في دين من ينزلون لهم الشرائع والقوانين؛ ويضعون لهم القيم والموازين؟! ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال؟ ما غناء النهي عن هذه الكبائر - فضلاً عن أن يكون النهي عن الصغائر - والكبيرة الكبرى لا نهي عنها.. كبيرة الكفر بالله؛ برفض منهجه للحياة؟! إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق، مما ينفق فيه هؤلاء "الطيبون" جهدهم وطاقتهم واهتمامهم.. إنه - في هذه المرحلة - ليس أمر تتبع الفرعيات - مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله. فحدود الله تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه. فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة؛ تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع؛ واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة.. فكل جهد في الفروع ضائع؛ وكل محاولة في الفروع عبث.. والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات.. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان ".. تفسير : وقد يجيء على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم؛ ولا يستطيعون فيه تغيير المنكر بألسنتهم؛ فيبقى أضعف الإيمان؛ وهو تغييره بقلوبهم؛ وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه، إن هم كانوا حقاً على الإسلام! وليس هذا موقفاً سلبياً من المنكر - كما يلوح في بادئ الأمر - وتعبير الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته. فإنكار المنكر بالقلب، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر.. إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به.. وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة الوضع "المعروف" في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة.. وهذا كله عمل إيجابي في التغيير.. وهو على كل حال أضعف الإيمان. فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان! أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع ولأن له ضغطاً - قد يكون ساحقاً - فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان! هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبئس ما كانوا يفعلون!}.. ثم يمضي السياق إلى نهاية هذا المقطع في الحديث عن بني إسرائيل، وهو نهاية هذا الجزء. فيصف حالهم على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي حالهم في كل زمان وفي كل مكان، فهم يتولون الذين كفروا، ويتناصرون معهم ضد الجماعة المسلمة. وعلة ذلك - مع أنهم أهل كتاب - أنهم لم يؤمنوا بالله والنبي وأنهم لم يدخلوا في دين الله الأخير.. فهم غير مؤمنين. ولو كانوا مؤمنين ما تولوا الكافرين: {ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا. لبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. ولكن كثيراً منهم فاسقون}.. وهذا التقرير كما ينطبق على حال اليهود - على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينطبق على حالهم اليوم وغداً، وفي كل حين. كذلك ينطبق على الفريق الآخر من أهل الكتاب في معظم أرجاء الأرض اليوم.. مما يدعو إلى التدبر العميق في أسرار هذا القرآن، وفي عجائبه المدخرة للجماعة المسلمة في كل آن.. لقد كان اليهود هم الذين يتولون المشركين؛ ويؤلبونهم على المسلمين، {أية : ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}تفسير : كما حكى عنهم القرآن الكريم. وقد تجلى هذا كله على أتمه في غزوة الأحزاب، ومن قبلها ومن بعدها كذلك؛ إلى اللحظة الحاضرة.. وما قامت إسرائيل في أرض فلسطين أخيراً إلا بالولاء والتعاون مع الكافرين الجدد من الماديين الملحدين! فأما الفريق الآخر من أهل الكتاب، فهو يتعاون مع المادية الإلحادية كلما كان الأمر أمر المسلمين! وهم يتعاونون مع الوثنية المشركة كذلك، كلما كانت المعركة مع المسلمين! حتى و "المسلمون" لا يمثلون الإسلام في شيء. إلا في أنهم من ذراري قوم كانوا مسلمين! ولكنها الإحنة التي لا تهدأ على هذا الدين؛ ومن ينتمون إليه، ولو كانوا في انتمائهم مدعين! وصدق الله العظيم: {ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا}.. {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون}.. فهذه هي الحصيلة التي قدمتها لهم أنفسهم.. إنها سخط الله عليهم. وخلودهم في العذاب. فما أبأسها من حصيلة! وما أبأسها من تقدمة تقدمها لهم أنفسهم؛ ويا لها من ثمرة مرة. ثمرة توليهم للكافرين! فمن منا يسمع قول الله سبحانه عن القوم؟ فلا يتخذ من عند نفسه مقررات لم يأذن بها الله: في الولاء والتناصر بين أهل هذا الدين؛ وأعدائه الذين يتولون الكافرين! وما الدافع؟ ما دافع القوم لتولي الذين كفروا؟ إنه عدم الإيمان بالله والنبي: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. ولكن كثيراً منهم فاسقون}.. هذه هي العلة.. إنهم لم يؤمنوا بالله والنبي.. إن كثرتهم فاسقة.. إنهم يتجانسون - إذن - مع الذين كفروا في الشعور والوجهة؛ فلا جرم يتولون الذين كفروا ولا يتولون المؤمنين.. وتبرز لنا من هذا التعقيب القرآني ثلاث حقائق بارزة: الحقيقة الأولى: أن أهل الكتاب جميعاً - إلا القلة التي آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم - غير مؤمنين بالله. لأنهم لم يؤمنوا برسوله الأخير. ولم ينف القرآن الكريم عنهم الإيمان بالنبي وحده. بل نفى عنهم الإيمان بالله كذلك. {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} وهو تقرير من الله - سبحانه - لا يقبل التأويل. مهما تكن دعواهم في الإيمان بالله.. وبخاصة إذا اعتبرنا ما هم عليه من انحراف التصور للحقيقة الإلهية كما سلف في آيات هذا الدرس وفي غيرها من آيات القرآن الكريم. والحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب جميعاً مدعوون إلى الدخول في دين الله، على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن استجابوا فقد أمنوا، وأصبحوا على دين الله. وإن تولوا فهم كما وصفهم الله. والحقيقة الثالثة: أنه لا ولاء ولا تناصر بينهم وبين المسلمين، في شأن من الشئون. لأن كل شأن من شئون الحياة عند المسلم خاضع لأمر الدين. ويبقى أن الإسلام يأمر أهله بالإحسان إلى أهل الكتاب في العشرة والسلوك؛ وبحماية أرواحهم وأموالهم وأعراضهم في دار الإسلام؛ وبتركهم إلى ما هم فيه من عقائدهم كائنة ما تكون؛ وإلى دعوتهم بالحسنى إلى الإسلام ومجادلتهم بالحسنى كذلك. والوفاء لهم - ما وفوا - بعهدهم ومسالمتهم للمسلمين.. وهم - في أية حال - لا يكرهون على شيء في أمر الدين.. هذا هو الإسلام.. في وضوحه ونصاعته. وفي بره وسماحته.. والله يقول الحق. وهو يهدي السبيل.
ابن عاشور
تفسير : إنّ موضع هذه الآية في هذه السورة معضل، فإنّ سورة المائدة من آخر السور نزولاً إن لم تكن آخرها نزولاً، وقد بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريعة وجميعَ ما أنزل إليه إلى يوم نزولها، فلو أنّ هذه الآية نزلت في أوّل مدّة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه، كما أنزل قوله تعالى: {أية : فاصْدَعْ بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنّا كفيناك المستهزئين}تفسير : [الحجرات: 94، 95] وقوله: {أية : إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} تفسير : [المزمل: 5] إلى قوله {أية : واصبِر على ما يقولون}تفسير : [المزمل: 10] الآيات، فأمّا وهذه السورة من آخر السور نزولاً وقد أدّى رسول الله الرسالة وأُكْمِل الدّينُ فليس في الحال ما يقتضي أن يؤمر بتبليغ، فنحن إذنْ بين احتمالين: أحدهما: أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاصّ اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء ممّا يثقل عليه تبليغه. وثانيهما: أن تكون هذه الآية نزلت من قبللِ نزول هذه السورة، وهو الّذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها. فأمّا هذا الاحتمال الثّاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها، وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول الّتي تَذْكُر حوادث كلَّها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة. وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك، وذكر الطبري خبرين آخرين، فصارت اثني عشر قولاً. وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال: إنّ هذه الروايات وإن كثرت فإنّ الأوْلى حمل الآية على أنّ الله آمنَه مكر اليهود والنّصارى، لأنّ ما قبلها وما بعدها كان كلاماً مع اليهود والنّصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكونُ أجنبية عمّا قبلها وما بعدها اهـــ. وأمّا ما ورد في الصّحيح أنّ رسول الله كان يُحرَس حتّى نزل {والله يعصمك من النّاس}فلا يدلّ على أنّ جميع هذه الآية نزلت يومئذٍ، بل اقتصر الراوي على جزء منها، وهو قوله: {والله يعصمك من النّاس} فلعلّ الّذي حدّثت به عائشة أنّ الله أخبر رسوله بأنّه عصمه من النّاس فلمّا حكاه الراوي حكاه باللّفظ الواقع في هذه الآية. فتعيّن التعويل على الاحتمال الأوّل: فإمّا أن يكون سبب نزولها قضية ممّا جرى ذكره في هذه السورة، فهي على وتيرة قوله تعالى: {أية : يا أيّها الرسول لا يحزنك الّذي يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] وقوله: {أية : ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}تفسير : [المائدة: 49] فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليتْ بهذه الآية لوصف حال أهل الكتاب. والفريقان متظاهران على الرسول صلى الله عليه وسلم فريق مجاهر، وفريق متستر، فعاد الخطاب للرسول ثانية بتثبيت قلبه وشرْح صدره بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل الكتاب والكفّار، إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدّة النّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّ الله دائم على عصمته من أعدائه وهم الّذين هوّن أمرهم في قوله: {أية : يا أيّها الرسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] فهم المعنيّون من {الناس} في هذه الآية، فالمأمور بتبليغه بعض خاصّ من القرآن. وقد علم من خُلق النّبيء صلى الله عليه وسلم أنّه يحبّ الرفق في الأمور ويقول: إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه (كما جاء في حديث عائشة حين سلَّم اليهود عليه فقالوا: السامُ عليكم، وقالت عائشة لهم: السامُ عليكم واللّعنة)، فلمّا أمره الله أن يقول لأهل الكتاب {أية : وأنّ أكثركَم فاسقون قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله مَن لعنه الله وغضب عليه}تفسير : [المائدة: 59، 60] الآية، وكان ذلك القول مجاهرة لها م بسوءٍ أعلمه الله بأنّ هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالّتي هي أحسن، فتكون هذه الآية مخصّصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الّذي في قوله تعالى: {أية : لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم}تفسير : [النساء: 148]. ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعِر بمنتهى شرفه، إذ كان واسطة بين الله وخلقه، والمذكِّر له بالإعراض عمّن سوى من أرسله. ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثّاني موقع زائد على موقعه في الخطَاب الأول، وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده، وهو قوله: {وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته}، كما قال تعالى: {أية : ما على الرسول إلاّ البلاغ}تفسير : [المائدة: 99]. فكما ثبّت جَنَانُه بالخطاب الأوّل أن لا يهتمّ بمكائد أعدائه، حُذّر بالخطاب الثّاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم، إذ لعلّه يزيدهم عناداً وكفراً، كما دلّ عليه قوله في آخر هذه الآية {أية : وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين}تفسير : [المائدة: 68]. ثم عُقّب ذلك أيضاً بتثبيت جنانه بأن لا يهتمّ بكيدهم بقوله: {والله يعصمك من النّاس} وأنّ كيدهم مصروف عنه بقوله: {إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين}. فحصل بآخر هذا الخطاب ردّ العجز على الصدر في الخطاب الأوّل الّتي تضمّنه قوله: {أية : لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] فإنّهم هم القوم الكافرون والّذين يسارعون في الكفر. فالتّبليغ المأمور به على هذا الوجه تبليغُ ما أنزل من القرآن في تقريع أهل الكتاب. وما صدق {ما أنزل إليك من ربّك} شيء معهود من آي القرآن، وهي الآي المتقدّمة على هذه الآية. وما صدقُ {ما أنزل إليك من ربّك} هو كلّ ما نزل من القرآن قبل ذلك اليوم. والتّبليغ جعل الشيء بالغاً. والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله، وهو هنا مجاز في حكاية الرّسالة للمرسل بها إليه من قولهم: بَلَغ الخبر وبلغَت الحاجة. والأمر بالتّبليغ مستعمل في طلب الدّوام، كقوله تعالى: {أية : يا أيّها الّذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. ولمّا كان نزول الشريعة مقصوداً به عمل الأمّة بها (سواء كان النّازل متعلّقاً بعمل أم كان بغير عمل، كالّذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في القصص ونحوها، لأنّ ذلك كلّه إنّما نزل لفوائد يتعيّن العلم بها لحصول الأغراض الّتي نزلت لأجلها، على أنّ للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز، وأنّه متعبَّد بتلاوته، فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة بقطع النّظر عمّا يحويه من الأحكام وما به من مواعظ وعبر)، كان معنى الرّسالة إبلاغ ما أنزل إلى مَن يراد علمه به وهو الأمّة كلّها، ولأجل هذا حذف متعلِّق {بلِّغ} لقصد العموم، أي بلّغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته، وهو جميع الأمّة، إذ لا يُدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمّة إلى بعض الأحكام، على أنّ كثيراً من الأحكام يحتاجها جميع الأمّة. والتّبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكممٍ تَمكُّنَه من معرفته في وقت الحاجة أو قبله، لذلك كان الرسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ يقرأ القرآن على النّاس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها، ويأمر النّاس بقراءته وبالاستماع إليه. وقد أرسل مصعباً بن عُمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلّم الأنصار القرآن. وكان أيضاً يأمر السامع مقالتَه بإبلاغها مَن لم يسمعها، ممّا يكفل ببلوغ الشّريعة كلّها للأجيال من الأمّة. ومن أجل ذلك كان الخلفاء مِن بعدِه يعطون النّاس العطاءَ على قدر ما معهم من القرآن. ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصّحابة، وأكمل تلك المزيّة عثمان بن عفّان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام، وقد كان رسول الله عيَّن لأهل الصّفَّة الانقطاع لحفظ القرآن. والّذي ظهر من تتبّع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله، فإذا نزل عليه ليلاً أخبر به عند صلاة الصّبح. وفي حديث عمر، قال رسول الله: «حديث : لقد أنزِلت عليّ اللّيلة سورة لَهِي أحبّ إليّ ممّا طلعتْ عليه الشّمس»تفسير : ثمّ قرأ: {أية : إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً}تفسير : [الفتح: 1]. وفي حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك «فأنزل الله توبتنا على نبيّه حين بقي الثلثُ الآخر من اللّيل ورسُولُ الله عند أمّ سلمة، فقال: يأمّ سلمة تِيب على كعب بن مالك، قالت: أفَلا أرْسِلُ إليه فأبشِّرَهُ، قال: «إذاً يَحطمُكم النّاسُ فيمنعونَكم النّومَ سائر اللَّيلة. حتّى إذا صلّى رسول الله صلاة الفجر آذَنَ بتوبة الله علينا». وفي حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكّة ودعا رسول الله الكتَّاب فكتبوها من ليلتهم. وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله: {إليك من ربّك} إيماء عظيم إلى تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بمرتبة الوساطة بين الله والنّاس، إذ جَعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم، كما قال في آية [آل عمران: 199] {أية : وإنّ من أهل الكتاب لَمَنْ يؤمن بالله وما أنزل إليكم}، تفسير : وقوله: {أية : لتُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم}تفسير : [النحل: 44]. وفي تعليق الإنزال بأنّه من الرّب تشريف للمنزّل. والإتيان بلفظ الرّب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنّه ربّه من معنى كرامته، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة والحثّ على تناوله والعمل بما فيه. وعلى جميع الوجوه المتقدّمة دلّت الآية على أنّ الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه كلِّه، بحيث لا يتوهّم أحد أنّ رسول الله قد أبقى شيئاً من الوحي لم يبلِّغه. لأنّه لو ترك شيئاً منه لم يبلّغه لكان ذلك ممّا أنزل إليه ولم يَقَع تبليغه، وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نَزَل من القرآن علمنا أنّ من أهمّ مقاصدها أنّ الله أراد قطْع تخرّص من قد يزعمون أنّ الرسول قد استبقى شيئاً لم يبلِّغه، أو أنّه قد خصّ بعض النّاس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلِّغه للنّاس عامّة. فهي أقطع آية لإبطال قول الرافضة بأنّ القرآن آكثرُ ممّا هو في المصحف الّذي جمَعه أبو بكر ونسخَه عثمان، وأنّ رسول الله اختصّ بكثير من القرآن عليّاً بن أبي طالب وأنّه أورثه أبناءه وأنّه يبلُغ وقرَ بعير، وأنّه اليوم مختزن عند الإمام المعصوم الّذي يلقّبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصيّ. وكانت هذه الأوهام ألَمَّتْ بأنفس بعض المتشيّعين إلى عليّ ـــ رضي الله عنه ـــ في مدّة حياته، فدعا ذلك بعض النّاس إلى سؤاله عن ذلك. روى البخاري أنّ أبا جُحَيْفة سأل عليّاً: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند النّاس، فقال: «لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن إلاّ فهما يُعطَى رجل في كتاب الله وما في الصحيفة، قلت: وما في الصّحيفة، قال: العقل، وفَكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر». وحديث مسروق عن عائشة الّذي سنذكره ينبىءُ بأنّ هذا الهاجس قد ظهر بين العامّة في زمانها. وقد يخُصّ الرّسولُ بعض النّاس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزّل إليه لحاجة دعت إلى تخصيصه، كما كَتب إلى عليّ ببيان العَقْل، وفَكَاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر، لأنّه كان يومئذٍ قاضياً باليمن، وكما كتب إلى عمرو بن حزم كتاب نصاب الزّكاة لأنّه كان بعثه لذلك، فذلك لا ينافي الأمر بالتّبليغ لأنّ ذلك بيان لما أنزل وليس عين ما أنزل، ولأنّه لم يقصد منه تخصيصه بعلمه، بل قد يخبر به من تدعو الحاجة إلى علمه به، ولأنّه لمّا أمَرَ مَنْ سَمِع مقالته بأن يَعيها ويؤيّديها كمَا سمعها، وأمَر أن يبلِّغ الشّاهدُ الغائبَ، حصل المقصود من التّبليغ؛ فأمّا أن يدع شيئاً من الوحي خاصّاً بأحد وأن يكتمه المودع عنده عن النّاس فمعاذَ الله من ذلك. وقد يَخُصّ أحداً بعلم ليس ممّا يرجع إلى أمور التّشريع، من سرّ يلقيه إلى بعض أصحابه، كما أسرّ إلى فاطمة ـــ رضي الله عنْها ـــ بأنّه يموت يومئذٍ وبأنّها أوّلُ أهله لحاقاً به. وأسرّ إلى أبي بكر ـــ رضي الله عنه ـــ بأنّ الله أذِنَ له في الهجرة. وأسرّ إلى حذيفة خبر فتنة الخارجين على عثمان، كما حدّث حذيفةُ بذلك عمرَ بن الخطّاب. وما روي عن أبي هريرة أنّه قال: حَفِظت من رسول الله وِعائيْن، أمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع منّي هذا البلعوم. ومن أجل ذلك جزمنا بأن الكتاب الّذي هَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته للنّاس، وهو في مرض وفاته، ثمّ أعرض عنه، لم يكن فيما يرجع إلى التشريع لأنّه لو كان كذلك لمَا أعرض عنه والله يقول له: {بَلّغْ ما أنزِل إليك من ربّك}. روى البخاري عن عائشة ـــ رضي الله عنها ـــ أنّها قالت لمَسْروق: «ثلاث من حدّثك بهن فقد كذبَ، من حدّثك أنّ محمّداً كتم شيئاً ممّا أنزل عليه فقد كذَب، والله يقول: {يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فمّا بلغت رسالاته} الحديث. وقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته} جاء الشّرط بإنْ الّتي شأنها في كلام العرب عدم اليقين بوقوع الشرط، لأنّ عدم التّبليغ غيرُ مظنون بمحمدّ صلى الله عليه وسلم وإنّما فُرض هذا الشّرط ليبني عليه الجوابُ، وهو قوله: {فمَا بَلَّغْتَ رسالاته}، ليستفيق الّذين يرجون أن يسكت رسول الله عن قراءة القرآن النّازل بفضائحهم من اليهود والمنافقين، وليبكت من علم الله أنّهم سيفترون، فيزعمون أنّ قُرآناً كثيراً لم يبلّغه رسول الله الأمَّةَ. ومعنى {لم تفعل} لم تفعل ذلك، وهو تبليغ ما أنزل إليك. وهذا حذف شائع في كلامهم، فيقولون: فإن فعلت، أو فإن لم تَفعل. قال تعالى: {أية : ولا تَدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فَعَلْتَ فإنّك إذاً من الظّالمين}تفسير : [يونس: 106] أي إن دعوتَ ما لا ينفعك، يَحذفون مفعول فعلتَ ولم تَفْعَل لدلالة ما تقدّم عليه، وقال تعالى: {أية : فإن لم تَفْعَلوا ولن تفعلوا} تفسير : في سورة [البقرة: 24]. وهذا ممّا جرى مجرى المثل فلا يتصرّف فيه إلاّ قليلاً ولم يتعرّض له أيمّة الاستعمال. ومعنى تَرَتّب هذا الجواب على هذا الشّرط أنّك إنْ لم تُبلّغ جميع ما أنزل إليك فتركت بعضه كنت لم تبلّغ الرّسالة، لأنّ كتم البعض مثل كتمان الجميع في الاتّصاف بعدم التّبليغ، ولأنّ المكتوم لا يدري أن يكون في كتمانه ذهاب بعض فوائد ما وقع تبليغه، وقد ظهر التّغاير بين الشّرط وجوابه بما يدفع الاحتياج إلى تأويل بناء الجواب على الشّرط، إذ تقدير الشّرط: إنْ لم تبلّغ مَا أنزل، والجزاءُ، لم تُبلّغ الرّسالة، وذلك كافٍ في صحّة بناءِ الجواب على الشرط بدون حاجة إلى ما تأوّلوه ممّا في الكشاف وغيره. ثمّ يعلم من هذا الشّرط أنّ تلك منزلة لا تليق بالرسل، فينتج ذلك أنّ الرسول لا يكتم شيئاً ممّا أرسل به. وتظهر فائدة افتتاح الخطاب بــ {يا أيّها الرسول} للإيماء إلى وجه بناء الخبر الآتي بعده، وفائدة اختتامه بقوله: {فما بلّغتَ رسالته}. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر، وأبو جعفر {رسَالاته} ـــ بصيغة الجمع. وقرأه الباقون {رِسالته} بالإفراد. والمقصود الجنس فهو في سياق النّفي سواء مفرده وجمعهُ. ولا صحّة لقول بعض علماء المعاني استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، وأنّ نحو: لا رجال في الدار، صادق بما إذا كان فيها رجلان أو رجل واحد، بخلاف نحو لا رجُلَ في الدّار. ويظهر أنّ قراءة الجمع أصرح لأنّ لفظ الجمع المضاف من صيغ العموم لا يحتمل العهد بخلاف المفرد المضاف فإنّه يحتمل الجنس والعهد، ولا شكّ أن نفي اللّفظ الّذي لا يحتمل العهد أنصّ في عموم النّفي لكن القرينة بيّنت المراد. وقوله: {والله يعصمك من النّاس} افتتح باسم الجلالة للاهتمام به لأنّ المخاطب والسّامعين يترقّبون عقب الأمر بتبليغ كلّ ما أنزل إليه، أن يلاقي عنتاً وتكالباً عليه من أعدائه فافتتح تطمينه بذكر اسم الله، لأنّ المعنى أنّ هذا ما عليك. فأمّا ما علينا فالله يعصمك، فموقع تقديم اسم الجلالة هنا مغن عن الإتيان بأمَّا. على أنّ الشيخ عبد القاهر قد ذكر في أبواب التّقديم من «دلائل الإعجاز» أنّ ممَّا يحسن فيه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ويكثرُ؛ الوعدُ والضّمانُ، لأنّ ذلك ينفي أن يشكّ من يُوعَد في تمام الوعد والوفاءِ به فهو من أحوج النّاس إلى التّأكيد، كقول الرّجل: أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر آهـــ. ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف {أية : وأنَا به زعيم}تفسير : [يوسف: 72]. فقوله: {والله يعصمك من النّاس} فيه هذا المعنى أيضاً. والعصمة هنا الحفظ والوقاية من كيد أعدائه. {والنّاس} في الآية مراد به الكفّار من اليهود والمنافقين والمشركين، لأنّ العصمة بمعنى الوقاية تؤذن بخوف عليه، وإنّما يَخاف عليه أعداءَه لا أحبّاءه، وليس في المؤمنين عدوّ لرسوله. فالمراد العصمة من اغتيال المشركين، لأنّ ذلك هو الّذي كان يهمّ النّبيء صلى الله عليه وسلم إذ لو حصل ذلك لتعطّل الهدي الّذي كان يحبّه النّبيء للنّاس، إذ كان حريصاً على هدايتهم، ولذلك كان رسول الله، لمّا عرض نفسه على القبائل في أوّل بعثته، يقول لهم «حديث : أنْ تمنعوني حتّى أبيّنَ عنِ الله ما بعثني به ـــ أو ـــ حتّى أبلِّغ رسالات ربّي»تفسير : . فأمّا ما دون ذلك من أذى وإضرار فذلك ممّا نال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون ممّن أوذي في الله: فقد رماه المشركون بالحجارة حتّى أدْموه وقد شُجّ وجهه. وهذه العصمة الّتي وُعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكرّر وعدُه بها في القرآن كقوله: {أية : فسيكفيكهم الله}تفسير : [البقرة: 137]. وفي غير القرآن، فقد جاء في بعض الآثار أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر وهو بمكّة أنّ الله عَصمه من المشركين. وجاء في الصّحيح عن عائشة أنّ رسول الله كان يُحرس في المدينة، وأنّه حَرَسه ذَاتَ ليلة سعدُ بن أبي وقّاص وحذيفة وأنّ رسول الله أخرَج رأسهُ من قُبّة وقال لهم: «حديث : الحَقُوا بملاحقكم فإنّ الله عصمني»تفسير : ، وأنّه قال في غزوة ذات الرقاع سنة ستّ للأعرابي غَوْرَثٍ بننِ الحارث الّذي وجد رسول الله نائماً في ظلّ شجرة ووجد سيفَه معلّقاً فاخترطه وقال للرسول: مَن يمنعك منّي، فقال: اللّهُ، فسقَط السيف من يد الأعرابي. وكلّ ذلك كان قبل زمن نزول هذه الآية. والَّذين جعلوا بعض ذلك سبباً لنزول هذه الآية قد خلطوا. فهذه الآية تثبيت للوعد وإدامة له وأنّه لا يتغيّر مع تغيّر صنوف الأعداء. ثمّ أعقبه بقوله: {إنّ الله لا يهدي القوْمَ الكافرين} ليتبيّن أنّ المراد بالنّاس كفّارهم، وليؤمي إلى أنّ سبب عدم هدايتهم هو كفرهم. والمراد بالهداية هنا تسديد أعمالهم وإتمام مرادهم، فهو وعد لرسوله بأنّ أعداءه لا يزالون مخذولين لا يهتدون سبيلاً لكيدِ الرّسول والمؤمنين لطفاً منه تعالى، وليس المراد الهداية في الدّين لأنّ السياق غير صالح له.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية. أمر تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما أُنزل إليه، وشهد له بالامتثال في آيات متعدِّدة كقوله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} تفسير : [المائدة: 3]، وقوله: {أية : وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغ} تفسير : [النور: 54]، وقوله: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُوم} تفسير : [الذاريات: 54]، ولو كان يُمكن أن يكتم شيئاً، لكتم قوله تعالى: {أية : وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاه} تفسير : [الأحزاب: 37]، فمن زعم أنه صلى الله عليه وسلم، كتَم حرفاً مما أُنزل عليه، فقد أعظم الافتراء، على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الرسول: ذكر من بني آدم أوحي إليه شرع وأمر بتبليغه وهو هنا محمد صلى الله عليه وسلم. بلغ ما أنزل إليك: من التوحيد والشرائع والأحكام. يعصمك: يحفظك حفظاً لا يصل إليك معه أحد بسوء. فلا تأس: لا تأسف ولا تحزن. هادوا: اليهود. الصابئون: جمع صابىء وهم فرقة من أهل الكتاب. معنى الآيات: في الآية الأولى [67] ينادي الرب تبارك وتعالى رسوله معظماً له بقوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} المبجل ليأمره بإبلاغ ما أوحاه إليه من العقائد والشرائع والأحكام فيقول {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}. ويقول له: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} أي إن قصرت في شيء لم تبلغه لأي اعتبار من الاعتبارات {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي فكأنك لم تبلغ شيئاً، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي يمنعك من أن يمسوك بشيء من الأذى، ولذا فلا عذر لك في ترك إبلاغ أي شيء سواء كان مما يتعلق بأهل الكتاب أو بغيرهم ولذا فلم يكتم رسول الله شيئاً مما أمر بإِبلاغه البتة. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تقرير لوعده تعالى بعصمة رسوله صلى الله عليه وسلم إذ هو تعالى لا يوفق الكافرين لما يريدون ويرغبون فيه من أذية رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لاتحرسوني فإن الله قد عصمني" تفسير : هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الثانية [68] وهي قوله تعالى: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} لقد تقدم هذا السياق وأعيد هنا تقريراً له وتأكيداً وهو إعلام من الله تعالى أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء من الدين الحق ولا من ولاية الله تعالى حتى يقيموا ما أمروا به وما نُهوا عنه وما انتدبوا إليه من الخيرات والصالحات مما جاء في التوراة والإِنجيل والقرآن أيضاً. وقوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} هذا إخبار من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن كثيراً من اليهود والنصارى يزيدهم ما يوحي الله تعالى إلى رسوله وما ينزله عليه في كتابه من أخبار أهل الكتاب مما هو بيان لذنوبهم وضلالهم. ومما هو أمر لهم بالإِيمان بالنبي الأمي واتباعه على الدين الحق الذي أرسل به يزيدهم ذلك طغياناً أي علوا وعتواً وكفراً فوق كفرهم. ولذا فلا تأس أي لا تحزن على عدم إيمانهم بك وبما جئت به لأنهم قوم كافرون. أما الآية الثالثة [69] وهي قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ} فالذين آمنوا هم المسلمون واليهود والنصارى والصابئون وهم فرقة منهم هم أهل الكتاب فجميع هذه الطوائف من آمن منهم الإِيمان الحق بالله وباليوم الآخر وأتى بلازم الإِيمان وهو التقوى وهي ترك الشرك والمعاصي أفعالاً وتروكاً فلا خوف عليه في الدنيا ولا في البرزخ ولا يوم القيامة ولا حزن يلحقه في الحيوات الثلاث وعد الله حقاً ومن أصدق من الله حديثاً! هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب البلاغ على الرسل ونهوض رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الواجب على أكمل وجه وأتمه. 2- عصمة الرسول المطلقة. 3- كفر أهل الكتاب إلا من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء به من الدين الحق. 4- أهل العناد والمكابرة لا تزيدهم الأدلة والبراهين إلا عتواً ونفوراً وطغياناً وكفراً. 5- العبرة بالإِيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي لا بالانتساب إلى دين من الأديان.
القطان
تفسير : عصمه الله: حفِظه ووقاه ومنعه من السوء. يا أيها الرسول، بلّغْ الناس جميعاً بكل ما أوحي الله اليك، ولا تخشَ في ذلك أحداً, ولا تخفْ مكروهاً، فإن لم تقم بالتبليغ تكن قد خالفت أمر ربك. ان الله يحفظك من مكائد الناس ويمنعك من أذاهم وفتكهم. وهذه الآية مكيَّة نزلت في مكة، ولكنها وضعت في السورة المدنية لحكمة دوام التبليغ. فقد روى الترمذي وابو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن عدد من الصحابة. "حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُحرَس في مكة قبل نزول هذه الآية، وكان العبّاس ممن يحرسه، فلمّا نزلت ترك رسول الله الحرس ". "حديث : وروى أن أبا طالب كان يبعث مع رسول الله من يحرسه إذا خرج حتى نزل قوله تعالى {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فذهب ليبعث معه، فقال الرسول: يا عم، ان الله حفظني، لا حاجةَ بي الى من تبعث ". تفسير : وقد صدَعَ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام بالأمر وبلّغ الرسالة جميعها، وبيّن للناس كلّ شيء ولم يخصَّ أحداً بشيء من علم الدّين، فلا مجال لرأي بعض الفرق الإسلامية بصدد ذلك. قال ابن أبي حاتم ان هارون بن عنترة الشيباني أخبره أن أباه قال: كنت عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: ان ناساً يأتوننا فيخبروننا أن عندكم شيئاً لم يُبدِه رسولُ الله للناس. فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} واللهِ ما ورّثنا رسولُ الله سوداء في بيضاء. وفي صحيح البخاري عن ابي جحيفة قال: قلت لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فَلَق الحبّة وبَرأَ النَّسمة، إلاّ فَهْماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العَقْلُ، وفكاكُ الأسير، وان لا يقتَل مُسلم بكافر. هذا كما ثبت في صحيح مسلم "حديث : عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال في خطبة الوداع "أيها الناس، إنكم مسئولون عَنّي، فما انتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فجعل يرفع اصبعه الى السماء وينكسها اليهم ويقول: اللهم هل بلّغت" ". تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} ان الله تعالى لا يهدي الكافرين الذي هم بصدد إيذائك يا محمد بل سيظلون خائبين، وتتم كلماتُ الله تعالى حتى يكمُل بها الدين. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وابو بكر "رسالاته" بالجمع، والباقون "رسالته".
د. أسعد حومد
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا} {ٱلْكَافِرِينَ} (67) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم بِأنْ يُبَلِّغَ النَّاسَ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ لَيُبَلِّغَهُمْ إيْاهُ، وَقَدِ امْتَثَلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأمْرِ رَبِّهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: فَإذَا لَمْ تَقُمْ بِمَا أمِرْتَ بِهِ لاَ تَكُونُ قَدْ بَلَّغَتَ رِسَالَةَ رَبِّكَ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِرَسُولِهِ: لاَ تَخَفْ مِنْ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِأَذًى، فَأَنْتَ فِي حِفْظِ اللهِ وَرِعَايَتِهِ، وَهُوَ يَمْنَعُكَ مِنْهُمْ، وَيَحْفَظُكَ وَيُؤَيِّدُكَ بِنَصْرِهِ. وَاللهُ هُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ إلَى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ. (وَعَنْ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا أنَّهَا قَالَتْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم كَاتِماً شَيْئاً مِنَ القًُرْآنِ لَكَتَمَ الآيَةَ {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}). يَعْصِمُكَ - يَمْنَعُكَ وَيَحْمِيكَ.
الثعلبي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}. إختلفوا في تنزيل هذه الآية وتأويلها فروى محمد بن كعب القرضي عن أبي هريرة قال: حديث : كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فينزل تحتها ويقيل، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه عليها فأتاه إعرابي وأخذ السيف من الشجرة وأخترطه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال: اللّه. فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه وضرب برأسه الشجرة حتى إنفرد ساعة فأنزل اللّه الآية . تفسير : وقال أنس: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس، قال: وقالت عائشة: فكنت ذات ليلة إلى جنبه فسهر تلك الليلة، فقلت: يا رسول اللّه ما شأنك؟ فقال: "ليت رجل صالح حرسني الليلة" قالت: فبينما نحن في ذلك حتى سمعت صوت السلاح. فقال: من هذا؟ قال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه فنزلت الآية فأخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أديم وقال: "إنصرفوا أيها الناس فقد عصمني اللّه عز وجل" . تفسير : وروى الحسن مرسلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لمّا بعثني الله برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت إن من الناس من يكذبني" وكان عتابه قريشاً واليهود والنصارى فأنزل اللّه الآيةتفسير : ، قلت: ولما نزل قوله {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 108] سكت النبي (عليه السلام) عن عيب الهتهم فأنزل اللّه تعالى {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67] يعني معايب آلهتهم. وقيل: حديث : نزلت فى عيب اليهود وذلك إنه (عليه السلام) دعا اليهود إلى الإسلام وقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به ويقولون: تريد أن نتّخذك عياناً كما اتخذت النصارى عياناً عيسى، فلما رأى النبي (عليه السلام) ذلك سكت فحرضه اللّه على دعائهم إلى الإسلام وأمره أن يقول لهم. {ٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} الآية . تفسير : قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنه ليس بين قوله بلّغ ما أنزل إليك وبين قوله لستم على شيء فصل. فلما نزلت الآية قال (عليه السلام): "حديث : لا يأتي من عندي ومن نصرني ". تفسير : وقيل: نزلت في قصة عيينة بن حصين وفقراء أهل الصفة وقيل: بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص ومرّ في قصة.وقيل: بلغ ما أنزل إليك من أمر نسائك. وذلك أن رسول اللّه لما نزلت آية التخيير لم يكن يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا فأنزل اللّه، وقيل: بلغ ما أنزل إليك في أمر زينب بنت جحش، وقيل: نزلت في الجهاد، وذلك إن المنافقين كرهوه، قال اللّه {أية : فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} تفسير : [محمد: 20] الآية وكرهه أيضاً بعض المؤمنين قال اللّه {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} تفسير : [النساء: 77] الآية، وكان (عليه السلام) يمسك في بعض المسلمين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة القوم فأنزل اللّه الآية. وقال أبو جعفر محمد بن علي: معناه: بلّغ ما أنزل إليك في فضل علي بن أبي طالب، فلما نزلت الآية حديث : أخذ (عليه السلام) بيد علي، فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه ". تفسير : أبو القاسم يعقوب بن أحمد السري، أبو بكر بن محمد بن عبد اللّه بن محمد، أبو مسلم إبراهيم ابن عبد اللّه الكعبي، الحجاج بن منهال، حماد عن علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء قال: حديث : لما نزلنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كنّا بغدير خم فنادى إن الصلاة جامعة وكسح رسول اللّه عليه الصلاة والسلام تحت شجرتين وأخذ بيد علي، فقال: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: "ألست أولى بكل مؤمن من نفسه"؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: "هذا مولى من أنا مولاه اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه". قال: فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . تفسير : روى أبو محمد عبداللّه بن محمد القايني نا أبو الحسن محمد بن عثمان النصيبي نا: أبو بكر محمد ابن الحسن السبيعي نا علي بن محمد الدّهان، والحسين بن إبراهيم الجصاص قالانا الحسن بن الحكم نا الحسن بن الحسين بن حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ} قال: حديث : نزلت في علي (رضي الله عنه) أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ فيه فأخذ (عليه السلام) بيد علي، وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه". وبلغ ما أنزل إليك في حقوق المسلمين فلما نزلت الآية خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أي يوم هذا الحديث في خطبة الوداع، ثم قال: هل بلّغت ؟ تفسير : {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} قرأ ابن محيصن وابن قفال وأبو عمرو والأعمش وشبل: رسالته، على واحدة، وهي قراءة أصحاب عبد اللّه. الباقون جمع. فإن قيل: فأي فائدة في قوله: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ولا يقال: كل من هذا الطعام وإن لم تأكل فما أكلته. الجواب فيه ما سمعت فيه أبا القاسم بن جندب سمعت علي بن مهدي الطبري يقول: أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تبليغ ما أنزل إليك في الوقت والإتيان فيه. حتى تكثر الشركة والعدة وإن لم يفعل على كل ما أوصى اللّه إليه واحكم اللّه أن حرّم بعضها لأنه كمن لم يبلغ لأن تركه إبلاغ البعض محيط لإبلاغ ما بلغ. كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ} تفسير : [النساء: 150] الآية. فاعلم أن إيمانهم بالبعض إلى بعضهم وأن كفرهم بالبعض يحيط الإيمان بالبعض. وحاشى لرسول اللّه أن يكتم شيئاً مما أوحى اللّه. قالت العلماء: الدعوة بقراءة الصلاة إذ البعض ركن من أركانها. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن (الأخدش) يحكي عن الحسن ابن الفضل أنّه قال: معنى الآية بلغ ما أنزل إليك في الوقت حتى تكثر الشوكة والعدّة، ومن لم يفعل هذا كتب كمن لم يبلغ، وقيل: بلغ مجاهداً محتسباً صابراً غير خائف، وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك إلى جميع الناس [ولا تخاف]. وهذه من الحدود التي يدل مقام القطع عليه. {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ} يحفظك ويمنعك {مِنَ ٱلنَّاسِ} ووجه هذه الآية، وقد شجّ جبينه وكسُرت رباعيته وأوذي في عدة مواطن بضروب من الأذى، فالجواب أن معناها واللّه يعصمك منهم فلا يصلون إلى مثلك، وقيل: نزلت هذه الآية بعد ما شجّ جبينه وكسرت رباعيته لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقيل: معناه واللّه يعصمك يخصك بالعصمة من بين الناس لأنه كان نبي الوقت والنبي معصوم. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} عن عبد اللّه الحسين بن محمد [الديلمي]، محمد ابن إسحاق السبتي، أبو عروة، عمرو بن هشام، محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن أبي عبد الملك عن القاسم عن أبي أُمامة قال: حديث : كان رجل من بني هاشم يقال له ركانة وكان من أفتك الناس وأشدهم بأساً وكان مشركاً وكان يرعى غنماً له ويقال له أقسم فخرج نبي اللّه صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة ذات يوم متوجهاً قِبَل ذلك الوادي فلقيه ركانة وليس مع نبي اللّه أحد فقام إليه ركانه وقال: يا محمد أنت الذي تشتم الهتنا اللات والعزى وتدعو إلى إلهك العزيز الحكيم؟ ولو لا رحم بيني وبينك ما كلمتك حتى أقتلك ولكن أدع الهك العزيز الحكيم يخلصك مني اليوم وسأعرض عليك أمراً هل لك أن أصارعك وتدعو إلهك العزيز الحكيم يعينك عليّ وأنا أدعو اللات والعزى فإن أنت صرعتني فلك عشرة من غنمي وتختارها فقال (عليه السلام): قم إن شئت واتخذ العهد ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلهه العزيز الحكيم أن يعينه على ركانة، ودعا ركانة إلهه [اللات والعزى] - أن أعنّي اليوم على محمد فأخذه النبي (عليه السلام) فصرعه وجلس على صدره. فقال ركانة: يا محمد قم فلست الذي فعلت هذا بي إنما إلهك العزيز الحكيم وخذله اللات والعزى وما وضع أحد جنبي قبلك، فقال ركانة: عد فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى ومن خيارها. فقام النبي (عليه السلام) ودعا كل واحد منهما إلهه كما فعلا أول مرّة فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم وجلس على كبده، فقال له ركانة: فلست أنت الذي فعلت فيّ هذا إنما فعله إلهك العزيز الحكيم وخذله اللات والعزى وما وضع جنبي أحد قبلك، فقال له ركانة: عد فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى تختارها فأخذ مني اللّه ودعا كل واحد منهما إلهه فصرعه نبي اللّه الثالثة، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا إنما فعله إلهك العزيز الحكيم وخذله اللات والعزى فدونك ثلاثين شاة من غنمي فأخسرها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا أريد ذلك ولكن أدعوك إلى الإسلام وأركانه وأنفس بك أن تصير إلى النار، إنك إن تُسلم تسلم فقال له ركانة: ألا تريني آية، فقال له نبي اللّه (عليه السلام) اللّه شهيد عليك لئن أنا دعوت ربي عز وجل لهذا لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟ قال: نعم، وقريب منهما شجرة ذات فروع وقضبان فأشار نبي اللّه (عليه السلام)، فقال لها: أقبلي بإذن اللّه فانشقت إثنتين وأتت على نصف شقها وقضبانها وفروعها حتى كانت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبين ركانة فقال له ركانة: أريتني عظيماً، فمرها فلترجع، فقال (عليه السلام) اللّه شهيد عليك لئن أنا دعوت ربي عز وجل فأمرها فرجعت لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟ قال: نعم، فأمرها النبي (عليه السلام) فرجعت بقضبانها وفروعها حتى إلتأمت فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم أسلم تسلم، فقال له ركانة: فما لي ألاّ أكون أما أنا فقد رأيت عظيماً، ولكني أكره أن يتحدث فينا أهل المدينة وفتيانهم فيّ إنما أجيبك لرعب دخل قلبي منك، ولكن قد علمت في أهل المدينة وصبيانهم إنه لم يوضع جنبي قط ولم يدخل قلبي رعب ساعة قط ليلاً ولا نهاراً فلك دونك فاختر غنمك، فقال (عليه السلام): ليس في حاجة إلى غنمك إذ أبيت أن تسلم، فانطلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم راجعاً فأقبل أبو بكر وعمر يسألانه في بيت عائشة فأخبرتهما إنه قد توجه قِبَل وادي أضم وقد عرفا إنه وادي ركانة لا يخطيه، فخرجا في طلبه وأشفقا أن يلقاه ركانة فيقتله، فجعلا يصعدان على كل شرفة ونظرا فإذا هما كذلك إذ نظر نبي اللّه (عليه السلام) مقبلاً، فقالا: يا نبي اللّه كيف تخرج إلى هذا الوادي وحدك وقد عرفت إنه جهة ركانة وإنه من أفتك الناس وأشدهم تكذيباً لك، فضحك إليهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "اليس اللّه يقول: {رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} إنه لم يكن يصل إليّ واللّه معي" وأنشأ يحدثهما حديث ركانة والذي فعله به والذي أراه فعجبا من ذلك وقالا: يا رسول اللّه عرفت ركانة فلا والذي بعثك بالحق ما نعلم إنه وضع جنبيه إنسان قط، فقال (عليه السلام): "إني دعوت ربي عز وجل فأعانني عليه، وإن ربي قال خذ عشرة لك وبقوة عشرة ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تبدأ الآية بخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن عظمة رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام وعلو مكانته عند من اصطفاه خاتماً لرسالاته في الأرض أن الله ذكر الرسل في خطابه لهم بنداء أسمائهم فقط كقوله الحق: {أية : يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 33]. أو قوله الحق: {أية : يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [القصص: 30]. أو قوله الحق: {أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 116]. أو قوله الحق: {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ} تفسير : [هود: 48]. فسبحانه ينادي كل رسول له بالاسم المشخص للذات بصرف النظر عن أي صفة، لكن رسول الله لم يُناد باسمه أبداً بل ناداه الحق بالمشخص للوصف: "يا أيها الرسول". أو قوله الحق: "يا أيها النبي". فكأنك يا رسول الله قد اجتمعت فيك كل مسائل الرسالة لأنك صاحب الدين الذي سينتهي العالم عنده ولا يكون بعد ذلك لله في الأرض رسالة إلا فهم يؤتيه الله لأحد في كتاب الله. ومن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أقسم بحياته، على الرغم من أن الحق لا يقسم بحياة أحد من البشر إلا رسوله، فقد أقسم بحياته. وهو سبحانه يقسم بما يشاء على ما يشاء، أقسم بالريح والضحى والليل والملائكة، لكنه ما حلف بحياة بشر أبداً إلا حياة محمد صلى الله عليه وسلم. {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الحجر: 72]. أي وحياتك يا محمد هم في سكرتهم يعمهون أي يترددون حيارى. ويقول الحق هنا مخاطباً الرسول: "يا أيها الرسول". وما دام محمد هو الرسول الخاتم الذي جاء مصدقاً لما بين أيديهم من الكتب، فمعنى هذا أن كل خير في أي كتاب سبق القرآن موجود في القرآن وفيه أيضاً زيادة مما تتطلبه مصالح الحياة المستجدة. وما دام الخطاب للرسول فهذا يعني أنه رسول مرسل من قبل الله بمنهج لخلقه ليبلغه لهم: {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}. وكيف يقول الحق لرسوله: "بلِّغ" وهو أن يعلم أن مهمة الرسول هي البلاغ؟ لقد أراد سبحانه بذلك إخبار الناس أنه إن أبلغهم بما يكره بعضهم فهو يبلغ التزاماً بأمر الله، فهو لا يقول من عنده، ذلك أن الرسول عليه البلاغ، فإن أبلغ أحداً ما يكدره فليس له مصلحة في ذلك. ويورد سبحانه ذلك حتى إذا بَلَّغ الرسول حكماً من الأحكام فعليهم أن يستقبلوا الحكم على أساس أنه قادم من الله وسبحانه يعلم أن رسوله لا يكتم البلاغ ولكن ليجعل لرسوله العذر عند البشر، فهو سبحانه حين يخاطبهم بشيء قد يكرهونه، فهو بلاغ من الله: {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. أي أنه إن لم يفعل ولو في جزئية يسيرة من المنهج فهذا معناه أن البلاغ ناقص والله يريد أن يكون البلاغ كاملاً بالدين المتكامل. إن التركيبة الإيمانية تقتضي أن يأتي القول بهذه الطريقة حتى ينسجم البلاغ بشكل كامل؛ فقد نزل المنهج بكليته، ويجب أن يُطبق بكليته من أجل أن ينصلح الكون وحتى لا تفسد حركة الإنسان في الكون، فقد أنزل سبحانه المنهج وأحكمه ليسير العالم على حسب تصميمه له دون أن يختل. ولذلك يقول الحق: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. وبذلك يعطي الحق رسوله المناعة الكاملة. فلم يأت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لخير الناس. لقد سبق أنَ خلق الله آدم وأعطاه المنهج. وكان على آدم أن يبلغ المنهج إلى الذرية وقد فعل، لكنَّ بعضاً من أجيال بني آدم غفلت عن المنهج؛ فيبعث الحق الرسل لتذكر بالمنهج. ولا يأتي رسول إلا بعد أن يكون الفساد قد فشا وانتشر بين الناس. وقد جعل الله في النفس الإنسانية نفساً لوامة، ونفساً تأمر بالسوء، ونفساً مطمئنة. إن مهمة النفس اللوامة هي أن ترد على كل ما توسوس به النفس الأمارة بالسوء. لكن إن لم تلم النفس اللوامة، فالنفس الآمرة بالسوء تتمادى ولا يردعها رادع. أما النفس المطمئنة فهي النفس التي تطمئن إلى منهج الله. ومثال ذلك الإنسان الذي تلح عليه شهوته لارتكاب معصية ما فيرتكبها، ومن بعد ذلك يندم ويلوم نفسه، ويتوب عن المعصية، هذا الإنسان يردع نفسه ذاتياً. لكن إن سيطرت النفس الأمارة بالسوء فلا رادع. وماذا إذا ساد الفساد بين عموم الناس؟ وماذا لو لم يتناهَوْا عن المنكر الذي يفعلونه؟ هنا لا بد أن يرسل الحق رسولاً بمعجزة جديدة ليأخذ العالم إلى منطق الرشاد ومنهج الحق. ولا يختار الحق الرسول إلا إذا علم الرسول أنه مبلغ عن الله. وسبحانه في الآية التي نحن بصددها يعطي رسوله المعذرة إن بلغ قومه شيئاً يسؤوهم، فما على الرسول إلا البلاغ في قوله: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. ونعرف أن الرسالة تقتضي: المرسِل وهو الله، والمرِسَلَ إليهم وهم الخلق، ومرسَلاً وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمرسَل به وهو ما نزل على الرسول ليبلغه. وفي كل أمر مثل هذا نجد أن كلمة "أرسل" تتعدى إلى مفعولين؛ المرسَل: مثال ذلك أرسلت فلاناً إلى فلان، والمرسل إليه: وهو فلان. إذن فهنا مفعولان اثنان، أولهما تعدى الفعل إليه بذاته والآخر تعدى إليه الفعل بحرف الجر. وحرف الجر هنا هو: "إلى". وبطبيعة الحال يعرف الرسول أنه مرسَل إلى الناس من الله رعاية لمصالحهم؛ فليس في أمر الرسالة شيء لصالح الله. وإن رأيت تعدياً بـ "إلى" فهو لتحديد الغاية المرسل إليها، مثل قوله الحق: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [آل عمران: 49]. وهذا يوضح أن عيسى - عليه السلام - جاء مبعوثاً بمنهج إلى بني إسرائيل لصالح بني إسرائيل. ومثلما يقول الحق: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً}. أي لصالح الناس. و "اللام" هنا تفيد المعنيين؛ النفعية والغاية. {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي أنه صلى الله عليه وسلم إن لم يبلغ الرسالة كاملة فمعنى ذلك أن البلاغ يكون ناقصاً. ومعاذ الله أن يكون بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنقص شيئاً، فمنهج الله كل متكامل. وقد يقول قائل: ولكن الناس قد لا تؤدي فروض الله في مواعيدها، والمثال على ذلك هو الصلاة. ونقول: إن هذا عجز في إدارة الناس لحياتهم حسب منهج الله. ومن واجب المجتمعات أن تنظم حركة الناس اليومية من بعد صلاة الفجر إلى الظهر. وفي ذلك قدر هائل من الحيوية والنشاط، وينتهي العمل عند الظهر، فلا تتصادم حركة الناس مع منهج الله، ولا توجد عرقلة ولا نشاز في حركتهم. ثم يقول الحق: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}. وكان لا بد أن يأتي هذا القول الحكيم؛ لأننا نعرف أن الرسول لا يجيء إلا بعد أن يعم الشر ويسود الفساد، ذلك أنه لو لم يسد الفساد، ولم يعم الشر لا كتفى الله بالمجتمع ليردع بعضه بعضاً، أو يكتفي الحق بأن تردع النفسُ اللوّامةُ النفسَ الأمارةَ بالسوء لتستوي النفس المطمئنة على عرش السلوك البشري. لكن عندما يعم الفساد الكونَ. فالسماء ترسل الرسول بمنهج يصلح حال البشرية. وبطبيعة الحال لن يترك المجتمعُ الشريرُ الرسولَ لحاله بل يقاومه؛ لأن مثل هذا المجتمع يريد أن تكون كفة الكون غير متوازنة؛ لأن هناك منتفعين بالفساد والشر، وهم المدافعون عن الفساد، فإن جاء من ينصف الضعفاء والمظلومين فلا بد أن يتعرض للمتاعب التي تأتيه من قبل الأقوياء المفسدين. إن هذه المتاعب تبدأ أول ما تبدأ في النفس؛ ولأن الرسول مخاطب من الله فيمكنه أن يتحملها لأن الحق قد أعده لهذه المهمة، ومثل تلك المتاعب تأتي أيضاً للأتباع، لذلك يمدهم الله بالمدد الذي يجعلهم يتحملونها. والحق يحفظ للرسول ذاته على الرغم من كل ما يحدث: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}. فكأن الحق يقول لرسوله: اطمئن يا محمد؛ لأن من أرسلك هداية للناس لن يخلي بينك وبين الناس. ولن يجرؤ أحد أن ينهي حياتك. ولكني سأمكنك من الحياة إلى أن تكمل رسالتك. وإياك أن يدخل في رُوعك أن الناس يقدرون عليك، صحيح أنك قد تتألم، وقد تعاني من أعراض التعب في أثناء الدعوة، ولكن هناك حماية إلهية لك. ونحن نعلم قدر المتاعب التي تعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم. ألم تكسر رباعيته صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد؟ ألم يشج وجهه؟ ألم تدم أصبعه فيقول: "حديث : إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ". تفسير : لكن قول الحق سبحانه لرسوله: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} لم يكن المقصود هو منع الجهاد في سبيل الله والمعاناة في سبيل نشر الدعوة. ولكن الحق يبين لرسوله: إن أحداً غير قادر على أن يأخذ حياتك. ولم يمنع سبحانه المتاعب عن رسوله الكريم حتى لا يكون هناك أحد الداعين إلى الله لا يتحمل من الآلام أكثر مما تحمل رسوله صلى الله عليه وسلم، ولننظر ونستمع جيداً إلى حديث : ما ترويه عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - حول هذه الآية إنها قالت: سهر رسول الله ذات ليلة وأنا إلى جنبه، فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟ قال: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة)، فقالت: وبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت سلاح فقال صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقالوا: سعد وحذيفة جئنا نحرسك. فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قُبّة أدَم وقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ". تفسير : وهناك باحثة بلجيكية عكفت على دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصلت إلى هذه النقطة، فتوقفت عندها لتقول: لو كان هذا الرجل يخدع الناس جميعاً ما خدع نفسه في حياته، ولو لم يكن واثقاً من أن الله يحرسه لما فعل ذلك كتجربة واقعية تدل على ثقته في خالقه. وأضافت الباحثة البلجيكية: ولذلك أنا أقول بملء اليقين: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". لقد أسلمت المرأة لمجرد وقوفها عند لمحة واحدة من لمحات حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. ونعرف أن الهداية تعني الدلالة الموصلة إلى الغاية، وهي أيضاً المعونة التي توصل طالب الهداية إلى الغاية. وكان الكفار الذين يبيتون للرسول وينهكون أنفسهم في المكر والتفكير والتبييت، فيقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم كل سبيل، وينصره عليهم، ويأتي التطبيق العملي لنصر الله للمؤمنين في بدر: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 249]. لقد بيتوا، ولكن عند المواجهة لم يقدروا على محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ولم يستطعوا إيذاءه، برغم المكر والتبييت؛ لأن الحق قطع عليهم كل سبيل لإيذاء محمد، ولن توجد وسيلة من وسائل اللؤم والخبث قادرة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تمثل ذلك يوم خرج رسول الله مهاجراً وغطى الله أبصار فتيان القبائل الذين حملوا سيوفهم ليقتلوا محمداً وليفرق دمُه بين القبائل فلم يبصروه لأن الله جعل على أبصارهم غشاوة. إذن فكلما فكروا في طريقة سد الله عليهم منافذ تنفيذ فكرتهم. وكأنه يقول لهم: لن تستطيعوا مصادمة محمد في منهجه لا بالعلن ولا بالدس ولا بالخفية، بل أنتم - أيها الكفار - تخدمون الدعوة من حيث تريدون هدمها، فقيامكم ضد محمد في بداية الدعوة كان لإثبات أن الحق جل وعلا أراد أن يشتد عود الدعوة بكفر أهل قريش. وعندما أردتم قتل محمد وأن يتفرق دمه بين القبائل خرج محمد سالماً وأغشى الله أبصار الذين أرادوا القتل. وهاجر صلى الله عليه وسلم. وفي الطريق إلى الهجرة يكون دليله من الكفار وهو عبدالله بن أريقط. كان ذلك لنعلم أن الكفر كان وسيلة الهداية إلى طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. عبدالله بن أريقط وهو كافر لا تغريه المكافأة أن يشى ويسعى بالرسول لدى مشركي مكة. ولكنهم لم يتخذوا من كل ذلك عبرة. وكذلك الغنم تُعفَّى الأثر، والأرض تشد قوائم فرس سراقة لتغوص وتسوخ فيها. إذن فكل جنود الله في صف محمد بن عبدالله. وهكذا رأينا كيف لم يهد الحق القوم الكافرين إلى الغاية التي أرادوها وهي التمكن من محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لا يهديهم الله إلى الإيمان. ويقول الحق من بعد ذلك: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو أَبي سلمة، عن أَبي هريرة قال: حديث : كنا إِذا صحبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سفر تركنا له أَعظم شجرة وأَظلها، فينزل تحتها. فنزل ذات يوم تحت شجرة، وعلق سيفه فيها، فجاءَ رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "الله يمنعني منك، ضع السيف". فوضعه. فأَنزل الله، عز وجل: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 67] . تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [الآية: 73]. قال: هم النصارى. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [الآية: 77]. قال: هم اليهود.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا حذر تعالى المؤمنين من موالاة الكافرين، وكانت رسالته صلى الله عليه وسلم تتضمن الطعن في أحوال الكفرة والمخالفين، وهذا يستدعي مناصبتهم العداء له ولأتباعه أمره تعالى في هذه الآيات بتبليغ الدعوة، ووعده بالحفظ والنصرة، ثم ذكر تعالى طرفاً من عقائد أهل الكتاب الفاسدة وبخاصة النصارى الذين يعتقدون بألوهية عيسى وأنه ثالث ثلاثة، وردّ عليهم بالدليل القاطع والبرهان الساطع. اللغَة: {يَعْصِمُكَ} العصمة: الحفظ والحماية {طُغْيَاناً} الطغيان: تجاوز الحد في الظلم والغلوُّ فيه {تَأْسَ} تحزن يقال: أَسِيَ يَأْسى، والأسى: الحزن قال: شعر : وانحلبتْ عيناه من فرط الأسَى تفسير : {خَلَتْ} مضت {صِدِّيقَةٌ} الصدِّيق: المبالغ في الصدق وفِعِّيل من أبنية المبالغة كما يقال رجل سِكِّيت أي مبالغ في السكوت وسِكِّير أي كثير السكر {يُؤْفَكُونَ} يُصرفون عن الحق يقال: أَفَكه إِذا صرفه ومنه {أية : أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} تفسير : [الأحقاف: 22] {تَغْلُواْ} الغلو: التجاوز في الحد والتشدد في الأمر يقال: غلا في دينه غلواً تشدّد فيه حتى جاوز الحد. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لمّا بعثني الله برسالته ضقتُ بها ذرعاً وعرفتُ أن من الناس من يكذبني فأنزل الله {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية ". تفسير : ب - وعن ابن عباس قال: حديث : جاء جماعة من اليهود إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألستَ تُقرُّ أن التوراة حقٌّ من عند الله؟ قال: بلى فقالوا: فإِنّا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها فأنزل الله {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ..} تفسير : الآية. التفسِير: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} هذا نداءُ تشريفٍ وتعظيمٍ ناداه تعالى بأشرف الأوصاف بالرسالة الربانية أي بلّغْ رسالة ربك غير مراقب أحداً ولا خائفٍ أن ينالك مكروه {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} قال ابن عباس: المعنى بلّغْ جميع ما أُنزل إِليك من ربك فإِن كتمتَ شيئاً منه فما بلّغت رسالته، وهذا تأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئاً من أمر شريعته {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي يمنعك من أن ينالوك بسوء قال الزمخشري: هذا وعدٌ من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى: والله يضمن لك العصمة من أعدائك فما عذرك في مراقبتهم؟ حديث : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدَم وقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله عز وجل تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} أي إِنما عليك البلاغ والله هو الذي يهدي من يشاء فمن قُضي له بالكفر لا يهتدي أبداً {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} أي قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى لستم على شيء من الدين أصلاً حتى تعملوا بما في التوراة والإِنجيل وتقيموا أحكامهما على الوجه الأكمل، ومن إِقامتهما الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} قال ابن عباس: يعني القرآن العظيم {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} اللام للقسم أي وأقسم ليزيدنَّ هذا القرآن المنزل عليك يا محمد الكثير منهم غلواً في التكذيب وجحوداً لنبوتك وإِصراراً على الكفر والضلال {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم فإِن تكذيب الأنبياء عادتُهم ودأبهم، وهذه تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وليس بنهي عن الحزن ثم قال تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا الله ورسوله وهم المسلمون {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} وهم اليهود {وَٱلصَّابِئُونَ} وهم طائفة من النصارى عبدوا الكواكب {وَٱلنَّصَارَىٰ} وهم أتباع عيسى {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً} أي مَنْ آمن من هؤلاء المذكورين إِيماناً صحيحاً خالصاً لا يشوبه ارتيابٌ بالله وباليوم الآخر وعمل صالحاً يقربه من الله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي فلا خوفٌ عليهم فيما قدموا عليه من أهوال يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما خلّفوا وراءهم من الدنيا بعد معاينتهم جزيل ثواب الله قال ابن كثير: والمقصود أن كلَّ فرقةٍ آمنت بالله واليوم الآخر وعملت عملاً صالحاً - ولا يكون ذلك كذلك حتى يوافق الشريعة المحمدية بعد إِرسال صاحبها المبعوث إِلى جميع الثقلين - فمن اتصف بذلك فلا خوفٌ عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما تركوه وراء ظهورهم {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي أخذنا من اليهود العهد المؤكد على الإِيمان بالله ورسله قال في البحر: هذا إِخبار بما صدر من أسلاف اليهود من نقض الميثاق الذي أخذه تعالى عليهم وما اجترحوه من الجرائم العظام من تكذيب الأنبياء وقتل بعضهم، وهؤلاء أخلاف أولئك فغير بدعٍ ما يصدر منهم للرسول من الأذى والعصيان إِذ ذاك شِنْشِنةٌ من أسلافهم {وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً} أي أرسلنا لهم الرسل ليرشدوهم ويبينوا لهم أمر الدين {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ} أي كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما يخالف أهواءهم وشهواتهم {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} أي كذبوا طائفةً من الرسل يقتلون طائفة أخرى منهم قال البيضاوي: وإِنما جيء بـ "وقتلوا" موضع "قتلوا" على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها واستفظاعاً للقتل وتنبيهاً على أن ذلك من ديدنهم ماضياً ومستقبلاً ومحافظةً على رءوس الآي {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي وظنَّ بنو إِسرائيل أن لا يصيبهم بلاءٌ وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل اغتراراً بإِمهال الله عزّ وجلّ لهم {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} أي تمادوا في الغيّ والفساد فعَمُوا عن الهدى وصمّوا عن سماع الحق وهذا على التشبيه بالأعمى والأصمّ لأنه لا يهتدي إِلى طريق الرشد في الدين لإِعراضه عن النظر {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} قال القرطبي: في الكلام إِضمارٌ أي أُوقعت بهم الفتنةُ فتابوا فتاب الله عليهم {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي عميَ كثير منهم وصمَّ بعد تبيّن الحق له {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي عليم بما عملوا وهذا وعيدٌ لهم وتهديد، ثم ذكر تعالى عقائد النصارى الضالة في المسيح فقال {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} قال أبو السعود: هذا شروعٌ في تفصيل قبائح النصارى وإِبطال أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود وهؤلاء الذين قالوا إِن مريم ولدت إِلهاً هم "اليعقوبية" زعموا أن الله تعالى حلَّ في ذات عيسى واتحد به، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أي أنا عبدٌ مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم الذي يذلّ له كل شيء ويخضع له كل موجود قال ابن كثير: كان أول كلمة نطق بها وهو صغير أن قال {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} تفسير : [مريم: 30] ولم يقل: إِني أنا الله، ولا ابن الله بل قال {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 30] وقال القرطبي: ردَّ الله عليهم ذلك بحجةٍ قاطعةٍ مما يُقرّون به فقال {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} فإِذا كان المسيح يقول: يا رب، ويا ألله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} أي من يعتقد بألوهية غير الله فلن يدخل الجنة أبداً لأنها دار الموحّدين {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} أي مصيره نار جهنم {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أي فلا ناصر ولا منقذ له من عذاب الله {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} أي أحد ثلاثة آلهة وهذا قول فرقةٍ من النصارى يسمون "النُّسطورية والملكانية" القائلين بالتثليث وهم يقولون: إِن الإِلهيّة مشتركة بين الله، وعيسى، ومريم وكل واحدٍ من هؤلاء إِله ولهذا اشتهر قولهم "الأب والإِبن وروح القدس" {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي والحال أنه ليس في الوجود إِلا إِله واحدٌ موصوفٌ بالوحدانية متعالٍ عن المثيل والنظير {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ} أي وإِن لم يكفّوا عن القول بالتثليث {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} الاستفهام للتوبيخ أي أفلا ينتهون عن تلك العقائد الزائفة والأقاويل الباطلة ويستغفرون الله مما نسبوه إِليه من الاتحاد والحلول؟ {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يغفر لهم ويرحمهم إن تابوا قال البيضاوي: وفي هذا الاستفهام {أَفَلاَ يَتُوبُونَ} تعجيبٌ من إِصرارهم على الكفر {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} أي ما المسيح إِلا رسولٌ كالرسل الخالية الذين تقدموه خصّه الله تعالى ببعض الآيات الباهرات إِظهاراً لصدقه كما خصّ بعض الرسل، فإِن أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا في يد موسى. وجعلت حية تسعى وهو أعجب، وإن خُلق من غير أب فقد خلق آدم من غير أبٍ ولا أم وهو أغرب، وكلُّ ذلك من جنابه عز وجل وإِنما موسى وعيسى مظاهر شئونه وأفعاله {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} أي مبالغة في الصّدق {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} أي أنه مخلوق كسائر المخلوقين مركبٌ من عظمٍ ولحمٍ وعروقٍ وأعصاب وفيه إِشارة لطيفة إِلى أن من يأكل الطعام لا بدّ أن يكون في حاجة إِلى إخراجه ومن يكن هذا حاله فكيف يُعْبد، أو كيف يُتوهم أنه إِله؟ {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ} تعجيبٌ من حال الذين يدَّعون ألوهيّته هو وأمه أي أنظر كيف نوضّح لهم الآيات الباهرة على بطلان ما اعتقدوه {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يُصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان مع أنه أوضح من الشمس في رابعة النّهار {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي قل يا محمد أتوجهون عبادتكم الى من لا يقدر لكم على النفع والضر؟ {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لأقوالكم العليم بأحوالكم وتضمنت الآية الإِنكار عليهم حيث عبدوا من هو متصفٌ بالعجز عن دفع ضرّ أو جلب نفع {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي يا معشر اليهود والنصارى لا تتجاوزوا الحد في دينكم وتُفرطوا كما أفرط أسلافكم فتقولوا عن عيسى إِنه إِلهٌ أو ابن إِله قال القرطبي: وغلو اليهود قولهم في عيسى إِنه ليس ولد رِشْدة - أي هو ابن زنا - وغلوُّ النصارى قولهم إِنه إِله {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} أي لا تتبعوا أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} أي أضلوا كثيراً من الخلق بإِغوائهم لهم {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} أي ضلوا عن الطريق الواضح المستقيم قال القرطبي: وتكرير ضلوا للإِشارة إِلى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد، والمرادُ الأسلافُ الذين سنُّوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي لعنهم الله عز وجل في الزبور، والإِنجيل قال ابن عباس: لُعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإِنجيل وعلى عهد محمد في القرآن قال المفسرون: إِن اليهود لمّا اعتدوا في السبت دعا عليهم داود فمسخهم الله قردة، وأصحاب المائدة لمّا كفروا بعيسى دعا عليهم عيسى فمُسخوا خنازير {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم، ثمَّ بيَّن تعالى حالهم الشنيع فقال {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} أي لا ينهى بعضُهم بعضاً عن قبيحٍ فعلوه {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي بئس شيئاً فعلوه قال الزمخشري: تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم فيا حسرتا على المسلمين في إِعراضهم عن التناهي عن المنكر كأنه ليس من الإِسلام في شيء مع ما يتلون من كتاب الله من المبالغات في هذا الباب وقال في البحر: وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر، والتجاهر به، وعدم النهي عنه، والمعصيةُ إذا فُعلت ينبغي أن يُستتر بها لحديث "حديث : من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر" تفسير : فإِذا فُعلت جهاراً وتواطأ الناس على عدم الإِنكار كان ذلك تحريضاً على فعلها وسبباً مثيراً لإِفشائها وكثرتها {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ترى كثيراً من اليهود يوالون المشركين بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمراد "كعب بن الأشرف" وأصحابه {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وهذا هو المخصوص بالذم أي بئس ما قدموه لآخرتهم سخطُ الله وغضبُه عليهم {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} أي وفي عذاب جهنم مخلّدون أبد الآبدين {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ} أي لو كان هؤلاء اليهود يصدّقون بالله ونبيّهم وما جاءهم من الكتاب ما اتخذوا المشركين أولياء {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي ولكنَّ أكثرهم خارجون عن الإِيمان وطاعة الله عز وجل. البَلاَغَة: 1- {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} في هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه. 2- {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} أضاف الاسم الجليل إِليهم تلطفاً معهم في الدعوة. 3- {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَْ} لم يقل عليهم وإِنما وضع الظاهر مكان الضمير للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر. 4- {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} صيغة المضارع بدل الماضي {بما عملوا} لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة ومراعاةً لرءوس الآيات. 5- {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} إِظهار الاسم الجليل في موضع الإِضمار لتهويل الأمر وتربية المهابة. 6- الاستعارة {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} استعار العمى والصمم للإِعراض عن الهداية والإِيمان. 7- {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ} {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} قال أبو السعود: تكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ولفظ "ثمَّ" لإِظهار ما بين العجبين من التفاوت أي إن بياننا للآيات أمرٌ بديع بالغٌ أقصى الغايات من الوضوح والتحقيق وإِعراضهم عنها أعجبُ وأبدع. 8- {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تقبيحٌ لسوء أعمالهم وتعجيبٌ منه بالتوكيد مع القسم. الفوَائِد: قال بعض المحققين في قوله تعالى {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} إِذا كان هذا في حق عيسى النبي فما ظنك بوليّ من الأولياء هل يملك لهم نفعاً أو ضراً؟! تنبيه: قال ابن كثير: دلت الآية {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} على أن مريم بنبيَّة كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إِلى نبوة "سارة" ونبوة "أم موسى" استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبياً إِلا من الرجال {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [يوسف: 109] وحكى الأشعري الإِجماع على ذلك.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: هَذهِ لِعلي بن أَبي طَالِب - صلواتُ الله عليهِ - خَاصةً والله يَعصِمُكَ مَن النَّاسِ: أَي يَمنعُكَ مِنهُم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة بقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقاً بقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها. ثم أكد الأمر بقوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول داعياً إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هادياً إلى صراط مستقيم إلى الله وسراجاً منيراً يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم إلى الله تعالى، فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ". تفسير : واعلم أن للحق أيضاً مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ} تفسير : [الأنعام: 124]، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} [المائدة: 67]؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته قوماً جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبغلوا إليهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم إلى الله تعالى سنة الله {أية : ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الفتح: 23]. ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [المائدة: 68]، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} [المائدة: 68]، من حقيقة الدين بمجرد تعلم العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة الدين {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} [المائدة: 68]؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير إليها ظاهرياً وباطنها وهذا احتمالاً بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوية {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ} [المائدة: 68]؛ يعني: من العلماء التوبة {مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 68]، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية {طُغْيَاناً وَكُفْراً} [المائدة: 68]، إنكاراً وحسداً {فَلاَ تَأْسَ} [المائدة: 68]، يا أهل التحقيق {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [المائدة: 68]، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار الموصل إلى دركات النار. ثم أخبر عن إيمان أهل الإتقان بقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ} [المائدة: 69]، إشارة أن من ادعى الإيمان وأظهر من الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون {وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ} [المائدة: 69]، من هؤلاء {بِٱللَّهِ} [المائدة: 69] بهداية الله ونوره ولا بالتقليد والنفاق بالعادة المعتادة بين قومه وأهل بلده {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [المائدة: 69]؛ أي: شاهد بنور الله الذي حقيقة الإيمان يوم الآخرة وحقيقة الجنة والنار كما قال حارثة رضي الله عنه وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعادون {وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 69]، فيما لا يكون على شيء فإنهم يقيمون بأنك كنز التوراة والإنجيل والقرآن عملاً بالظاهر والباطن {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69]، على ما يقاسون من شدلئد الرياضيات والمجاهدات من مخالفات النفس في ترك الدنيا، وقمع الهوى ولا على ما أصابهم من البلاء والمحن والمعيبات والآفات، وهذا حال خواص الأولياء كما قال تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [يونس: 62]. ثم أخبر عن أهل الهوى بقوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 70]، الإشارة إنا لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ يعني: يوم الميثاق مع ذريات بني آدم؛ إذ أخرجهم من ظهر آدم في التوحيد والمعرفة في غيبة الأجساد، ثم {وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً} [المائدة: 70]، في حضورهم بالأجساد في عالم الشهادة من الإلهامات الربانية والواردات الروحانية والرسل الحسدانية {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ} [المائدة: 70]، من هؤلاء {بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ} [المائدة: 70]؛ أي: على خلاف هوى نفوسهم وكانوا مغلوبي الهوى يحجبهم الهوى عن استماع الحق ورؤية الشواهد ومعرفة الرسل {فَرِيقاً كَذَّبُواْ} [المائدة: 70]، من الإلهامات والواردات {وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] من الرسل ظاهراً فعبدوا الهوى، واتخذوا إلههم أهولئهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم الأوامر وأجلها، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه صلى الله عليه وسلم من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية. فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين. { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } أي: لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } أي: فما امتثلت أمره. { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ، ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله وقد تكفل بعصمتك، فأنت إنما عليك البلاغ المبين، فمن اهتدى فلنفسه، وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم ولا يوفقهم للخير، بسبب كفرهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 256 : 25 : 15 - سفين عن رجل عن مجاهد {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} قال، يا رب، إنما أنا وحدي وأخاف أن يجتمع عليّ الناسُ. فنزلت {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. [الآية 67].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ} [67] 167- أخبرني إبراهيم بن يعقوب، نا جعفر بن عون، أنا سعيد ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم عن مسروق، عن عائشة قالت: ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على الله الفِرْية، من زعم أنه يعلم ما في غد، والله يقول: {أية : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً}تفسير : [لقمان: 34] ومن زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي، والله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفِرْية، والله يقول: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الأنعام: 103] {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}تفسير : [الشورى: 51] فقلت: يا أمَّ المؤمنين، ألم يقل: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 13] {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [التكوير: 23] فقالت: سألنا عن ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : رأيت جبريل ينزل من الأفق على خَلْقه، وهيئته أو على خلقه وصورته سادًّا ما بينهما ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):