Verse. 737 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قُلْ يٰۗاَہْلَ الْكِتٰبِ لَسْتُمْ عَلٰي شَيْءٍ حَتّٰي تُقِيْمُوا التَّوْرٰىۃَ وَالْاِنْجِيْلَ وَمَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكُمْ مِّنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۭ وَلَيَزِيْدَنَّ كَثِيْرًا مِّنْہُمْ مَّاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَّكُفْرًا۝۰ۚ فَلَا تَاْسَ عَلَي الْقَوْمِ الْكٰفِرِيْنَ۝۶۸
Qul ya ahla alkitabi lastum AAala shayin hatta tuqeemoo alttawrata waalinjeela wama onzila ilaykum min rabbikum walayazeedanna katheeran minhum ma onzila ilayka min rabbika tughyanan wakufran fala tasa AAala alqawmi alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا أهل الكتاب لستم على شيء» من الدين معتد به «حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم» بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان بي «وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك» من القرآن «طغيانا وكفرا» لكفرهم به «فلا تأس» تحزن «على القوم الكافرين» إن لم يؤمنوا بك أي لا تهتم بهم.

68

Tafseer

الرازي

تفسير : وأعلم أنه تعالى لما أمره بالتبليغ سواء طاب للسامع أو ثقل عليه أمر بأن يقول لأهل الكتاب هذا الكلام وإن كان مما يشق عليهم جداً فقال {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } من اليهود والنصارى {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء } من الدين ولا في أيديكم شيء من الحق والصواب، كما تقول: هذا ليس بشيء إذا أردت تحقيره وتصغير شأنه. وقوله: {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } وهذا مذكور فيما قبل، والتكرير للتأكيد. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وفيه وجهان: الأول: لا تأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ولا إلى المؤمنين. الثاني: لا تتأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم، فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك، روى ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود وقالوا: يا محمد ألست تقر أن التوراة حق من الله تعالى؟ قال بلى، قالوا: فإنا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها، فنزلت هذه الآية.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قال ابن عباس: حديث : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تُقِرّ أنّ التوراة حقّ من عند الله؟ قال: «بلى». فقالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عَدَاها؛ فنزلت الآيةتفسير : ؛ أي لستم على شيء من الدِّين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام، والعمل بما يوجبه ذلك منهما؛ وقال أبو علي: ويجوز أن يكون ذلك قبل النّسخ لهما. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي يكفرون به فيزدادون كفراً على كفرهم. والطغيان تجاوز الحدّ في الظلم والغُلو فيه. وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى { أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } تفسير : [العلق: 6] أي يتجاوز الحدّ في الخروج عن الحق. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم. أَسِيَ يَأَسَى أسىً إذا حزِن. قال: شعر : وَانْحَلبتْ عيناه من فَرْطِ الأَسَى تفسير : وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس بنهي عن الحزن؛ لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التّعرض للحزن. وقد مضى هذا المعنى في آخر «آل عمران» مستوفى.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} أي دين يعتد به ويصح أن يسمى شيئاً لأنه باطل. {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ } ومن إقامتها الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإِذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإِيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإن ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد: {يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ} أي: من الدين، حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}: يعني: القرآن العظيم، وقوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} تقدم تفسيره، {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: فلا تحزن عليهم، ولا يهيدنَّك ذلك منهم، ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} وهم المسلمون، {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} وهم حملة التوراة، {وَٱلصَّـٰبِئُونَ} لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون: طائفة من النصارى و المجوس، ليس لهم دين، قاله مجاهد، وعنه: من اليهود والمجوس، وقال سعيد بن جبير: من اليهود والنصارى، وعن الحسن والحكم: إنهم كالمجوس، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور. وقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفراً، وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: الصابئون: هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوماً، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات، وقيل غير ذلك، وأما النصارى فمعروفون، وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخر، وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملاً صالحاً، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقاً للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ } من الدّين معتدّ به {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ } بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان بي {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } من القرآن {طُغْيَٰناً وَكُفْراً } لكفرهم به {فَلاَ تَأْسَ } تحزن {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ } إن لم يؤمنوا بك أي لا تهتم بهم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {عَلَىٰ شَىْء} فيه تحقير وتقليل لما هم عليه، أي لستم على شيء يعتدّ به حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي تعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ونهيكم عن مخالفته. قال أبو عليّ الفارسي: ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما. قوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ } قيل: هو القرآن، فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته، ويجوز أن يكون المراد ما أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين. قوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } أي كفراً إلى كفرهم وطغياناً إلى طغيانهم، والمراد بالكثير منهم من لم يسلم، واستمرّ على المعاندة؛ وقيل المراد به العلماء منهم، وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها، قوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي دع عنك التأسف على هؤلاء، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم، وفي المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } إلخ، جملة مستأنفة لترغيب من عداهم من المؤمنين. والمراد بالمؤمنين هنا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } أي دخلوا في دين اليهود {والصابئون} مرتفع على الابتداء وخبره محذوف، والتقدير: والصابئون والنصارى كذلك. قال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك، وأنشد سيبويه، قول الشاعر:شعر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق تفسير : أي: وإلا فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، ومثله قول ضابي البرجمي:شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب تفسير : أي: فإني لغريب وقيار كذلك. وقال الكسائي والأخفش: إن {الصابئون} معطوف على المضمر في {هادوا}. قال النحاس: سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول الكسائي والأخفش: هذا خطأ من وجهين: أحدهما أن المضمر المرفوع لا يعطف عليه حتى يؤكد. وثانيهما أن المعطوف شريك المعطوف عليه، فيصير المعنى: إن الصابئين قد دخلوا في اليهودية، وهذا محال. وقال الفراء: إنما جاز الرفع لأن إن ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر، فعلى هذا هو عنده معطوف على محل اسم إنّ، أو على مجموع إنّ واسمها، وقيل إنّ خبر إن مقدر، والجملة الآتية خبر الصابئون والنصارى، كما في قول الشاعر:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقيل: إنّ "إن" هنا بمعنى نعم: فالصابون مرتفع بالابتداء، ومثله قول قيس بن الرقيات:شعر : بكر العـواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنـه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه تفسير : قال الأخفش: إنه بمعنى نعم والهاء للسكت. وقد تقدم الكلام على الصابئين والنصارى في البقرة، وقرىء "الصابيون" صريحة تخفيفاً للهمزة، وقرىء "الصابون" بدون ياء، وهو من صبا يصبو لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى، وقرىء «والصابئين» عطفاً على اسم إن قوله: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } مبتدأ وخبره {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والمبتدأ خبره خبر لأنّ، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والعائد إلى اسم إن محذوف: أي من آمن منهم، ويجوز أن يكون {من آمن} بدلاً من اسم "إن" وما عطف عليه، ويكون خبر "إنّ" {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والمعنى على تقدير كون المراد الذين آمنوا المنافقين كما قدّمنا: أن من آمن من هذه الطوائف إيماناً خالصاً على الوجه المطلوب، وعمل عملاً صالحاً، فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا جميع أهل الإسلام: المخلص والمنافق، فالمراد بمن آمن من اتصف بالإيمان الخالص واستمرّ عليه، ومن أحدث إيماناً خالصاً بعد نفاقه. قوله: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } كلام مبتدأ لبيان بعض أفعالهم الخبيثة. وقد تقدّم في البقرة بيان معنى الميثاق {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً } ليعرّفوهم بالشرائع وينذروهم {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ } جملة شرطية وقعت جواباً لسؤال ناس من الأحبار بإرسال الرسل كأنه قيل: ماذا فعلوا بالرسل؟ وجواب الشرط محذوف أي عصوه. وقوله: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } جملة مستأنفة أيضاً جواب عن سؤال ناس عن الجواب الأوّل كأنه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل فريقاً منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقاً آخر منهم قتلوهم، وإنما قال {وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } لمراعاة رؤوس الآي، فمن كذبوه عيسى وأمثاله من الأنبياء، وممن قتلوه زكريا ويحيـى. قوله: {وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي حسب هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اعتزازاً بقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "تَكُون" بالرفع على أنّ "إن" هي المخففة من الثقيلة، و{حسب} بمعنى علم، لأن "أن" معناها التحقيق. وقرأ الباقون بالنصب على أن "أنّ" ناصبة للفعل، "وحسب" بمعنى الظن، قال النحاس: والرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود، ومثله:شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي تفسير : قوله: {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ } أي عموا عن إبصار الهدى، وصموا عن استماع الحق، وهذه إشارة إلى ما وقع من بني إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام التوراة، وقتل شعيا، ثم تاب الله عليهم حين تابوا، فكشف عنهم القحط {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ } وهذا إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيـى بن زكريا وقصدهم لقتل عيسى، وارتفاع {كَثِيرٍ } على البدل من الضمير في الفعلين. قال الأخفش: كما تقول رأيت قومك ثلاثتهم، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ: أي العمى والصمّ كثير منهم، ويجوز أن يكون كثير مرتفعاً على الفاعلية على لغة من قال: أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر:شعر : ولكن ديافيّ أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه تفسير : وقرىء: "عموا وصموا" بالبناء للمفعول: أي أعماهم الله وأصمهم. قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب، والقائلون بهذه المقالة هم فرقة منهم: يقال لهم اليعقوبية؛ وقيل: هم الملكانية، قالوا: إن الله عز وجل حلّ في ذات عيسى، فردّ الله عليهم بقوله: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِى إِسْرٰءيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } أي والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدّعون الإلٰهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ قوله: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ } الضمير للشأن، وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة، وقيل: هو من قول عيسى {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار. قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } وهذا كلام أيضاً مبتدأ لبيان بعض مخازيهم. والمراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة، ولهذا يضاف إلى ما بعده، ولا يجوز فيه التنوين كما قال الزجاج وغيره، وإنما ينوّن وينصب ما بعده إذا كان ما بعده دونه بمرتبة نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة، والقائل بأنه سبحانه وتعالى ثالث ثلاثة هم النصارى، والمراد بالثلاثة: الله سبحانه، وعيسى، ومريم كما يدل عليه قوله: {أية : أَأَنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن}تفسير : [المائدة: 116] وهذا هو المراد بقولهم ثلاثة أقانيم: إقنيم الأب وإقنيم الابن، وإقنيم روح القدس، وقد تقدّم في سورة النساء كلام في هذا، ثم رد الله سبحانه عليهم هذه الدعوى الباطلة فقال: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أي ليس في الوجود إلا الله سبحانه، وهذه الجملة حالية، والمعنى: قالوا تلك المقالة، والحال أنه لا موجود إلا الله، و"من" في قوله: {مِنْ إِلَـهٍ } لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ } من الكفر، {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } جواب قسم محذوف سادّ مسدّ جواب الشرط، و"من" في {مِنْهُمْ } بيانية أو تبعيضية {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } الفاء للعطف على مقدّر، والهمزة للإنكار. قوله: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } أي هو مقصور على الرسالة، لا يجاوزها كما زعمتم، وجملة {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } صفة لرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، وما وقع منه من المعجزات لا يوجب كونه إلٰهاً، فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن الله أحيا العصا في يد موسى، وخلق آدم من غير أب، فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى، ووجوده من غير أب يوجبان كونه إلٰهاً؟ فإن كان كما تزعمون إلٰهاً لذلك، فمن قبله من الرسل الذين جاؤوا بمثل ما جاء به آلهة، وأنتم لا تقولون بذلك. قوله: {وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } عطف على المسيح، أي وما أمه إلا صدّيقة أي صادقة فيما تقوله أو مصدّقة لما جاء به ولدها من الرسالة، وذلك لا يستلزم الإلٰهية لها، بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء. قوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر، أي من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس بربّ، بل هو عبد مربوب ولدته النساء، فمتى يصلح لأن يكون رباً؟ وأما قولكم إنه كان يأكل الطعام بناسوته لا بلاهوته، فهو كلام باطل يستلزم اختلاط الإلٰه بغير الإلٰه واجتماع الناسوت واللاهوت، ولو جاز اختلاط القديم بالحادث لجاز أن يكون القديم حادثاً، ولو صحّ هذا في حق عيسى لصح في حق غيره من العباد {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ ٱلآيَـٰتِ } أي الدلالات، وفيه تعجيب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلٰهية، ويغفلون عن كونها موجودة في من لا يقولون بأنه إلٰه {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟ يقال أفكه يأفكه إذا صرفه، وكرر الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، وجاء بـ {ثم} لإظهار ما بين العجبين من التفاوت. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: جاء نافع بن حارثة وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله حق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكفرتم منها بما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم"تفسير : ، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا وإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ } إلى قوله: {ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله: {وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } قال: بلاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } قال: النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكذبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: تفرّقت بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة هو الله، وقالت فرقة هو ابن الله، وقالت فرقة هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة وهي مسلمة أهل الكتاب.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فيه تأويلان: أحدهما أن الميثاق آيات مبينة يقررها علم ذلك عندهم. والثاني: أن الميثاق أيمان أخذه أنبياء بني إسرائيل عليهم أن يعملوا بها وأمروا بتصيدق رسله. {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً} يعني بعد أخذ الميثاق. {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ} هوى النفس مقصور، وهواء الجو ممدود، وهما يشتركان في معنى الاسم لأن النفس تستمتع بهواها كما تستمتع بهواء الجو. {فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} يعني أن الأنبياء إذا لم يحلوا لهم ما يَهْوُونَه في الدين كذبوا فريقاً في الدين، كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، وهم قد كذبوا من قتلوه ولكن تقدير الكلام أنهم اقتصروا على تكذيب فريق وتجاوزوا إلى قتل فريق. {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها العقوبة التي تنزل من السماء. والثاني: ما ابتلوا به من قتل الأنبياء وتكذيبهم. والثالث: ما بلوا به من جهة المتغلبين عليهم من الكفار. {فَعَمُواْ وَصَمُّوا} يعني، فعموا عن المرشد وصموا عن الموعظة حتى تسرعوا إلى قتل أنبيائهم حين حسبوا ألا تكون فتنة. {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} يعني أنهم تابوا بعد معاينة الفتنة فقبل الله توبتهم. {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} يعني أنهم عادوا بعد التوبة إلى ما كانوا عليه قبلها، والعود إنما كان من أكثرهم من جيمعهم.

الخازن

تفسير : {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} الآية وقد تقدم معنى إقامة التوراة والإنجيل وإنه يلزمهم العمل بما فيهما وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تفسير ما أنزل إليكم من ربكم {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} وقوله تعالى {فلا تأسَ على القوم الكافرين} يعني فلا تحزن يا محمد على هؤلاء اليهود الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك فإنما يعود ضرر ذلك الكفر عليهم. قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} لما بين الله عز وجل أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا، بين في هذه الآية أن هذا الحكم عام في كل أهل الملل وأنه لا يحصل لأحد منهم فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً يرضاه الله ومن العمل الصالح الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتم الإيمان إلا به وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة. وقوله تعالى: {والصابئون} ظاهر الإعراب يقتضي أن يقال: والصابئين، وكذا قراءة أبي ّ بن كعب وابن مسعود وابن كثير من السبعة. وقرأ الجمهور بالرفع. ومذهب الخليل وسيبويه أنه ارتفع الصابئون بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} والصابئون كذلك فحذف خبره والحكمة في عطف الصابئين على من قبلهم هي أن الصابئين أشد الفرق المذكورة في هذه الآية ضلالاً فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا آمنوا وأتوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون، فإنهم إذا آمنوا كانوا أيضاً كذلك، وإنما سموا صابئين، لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، بمعنى: خرجوا لأنهم صبئوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا ما جاءت به الرسل من عنده الله. فإن قلت: قد قال الله تعالى في أول الآية إن الذين آمنوا ثم قال في آخر الآية فمن آمن فما فائدة هذا التكرار. قلت: فائدته أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار إخراجهم من قبيل المؤمنين فيكون معنى إن الذين آمنوا أي بألسنتهم لا بقلوبهم. ثم قال: من آمن يعني من ثبت على إيمانه ورجع عن نفاقه منهم. وقيل: فيه فائدة أخرى وهي أن الإيمان يدخل تحته أقسام كثيرة وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر ففائدة التكرار التنبيه على أشرف أقسام الإيمان هذان القسمان وفي قوله {من آمن بالله} حذف تقديره من آمن بالله {واليوم الآخر} منهم وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوماً عند السامعين {وعمل صالحاً} يعني وضم إلى إيمانه العمل الصالح وهو الذي يراد به وجه الله تعالى {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} يعني في الآخر. قوله عز وجل: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} يعني أخذنا العهود عليهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التوحيد والعمل بما أمرناهم به والانتهاء عما نهيناهم عنه {وأرسلنا إليهم رسلاً} يعني لبيان الشرائع والأحكام {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم} يعني بما يخالف أهواءهم ويضاد شهواتهم من ميثاق التكليف والعمل بالشرائع {فريقاً كذبوا} يعني من الرسل الذين جاءتهم {وفريقاً يقتلون} يعني من الرسل فكان فيمن كذبوا عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكان فيمن قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام وإنما فعلوا ذلك نقضاً للميثاق وجراءة على الله عز وجل ومخالفة لأمره. قوله تعالى: {وحسبوا} يعني وظنّ هؤلاء الذين كذبوا الرسل وقتلوا الأنبياء {أن لا تكون فتنة} يعني أن لا يعذبهم الله ولا يبتليهم بذلك الفعل الذي فعلوه وإنما حملهم على هذا الظن الفاسد أنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله. فلهذا السبب حسبوا أن لا يكون فعلهم ذلك فتنة يبتلون بها. وقيل: إنما قدموا على ذلك لاعتقادهم أن آباءهم وأسلافهم يدفعون عنهم العذاب في الآخرة {فعموا وصموا} يعني أنهم عموا عن الحق فلم يبصروه وصموا عنه فلم يسمعوه وهذا العمى هو كناية عن عمى البصيرة لا البصر وكذلك الصمم هو كناية عن منع نفوذ الحق إلى قلوبهم وسبب ذلك شدة جهلهم وقوة كفرهم وإعراضهم عن قبول الحق قال بعض المفسرين سبب هذا العمى والصمم عبادتهم العجل في زمن موسى عليه السلام {ثم تاب الله عليهم} يعني أنهم لما تابوا من عبادتهم العجل تاب الله عليهم {ثم عموا وصموا} يعني في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لأنهم كذبوا عيسى وقتلوا زكريا ويحيى وقيل إن العمى والصمم الأول كان بعد موسى ثم تاب الله عليهم يعني ببعثه عيسى عليه السلام ثم عموا وصموا يعني بسبب الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم {كثير منهم} من اليهود لأن بعضهم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه {والله بصير بما يعملون} يعني من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل.

ابن عادل

تفسير : لمَّا أمره الله بالتَّبْلِيغ فقال: قل يا أهْلَ الكِتَابِ من اليَهُود والنَّصَارى لَسْتُمْ على شَيْءٍ من الدِّين، ولا في أيْدِيكم شَيْءٌ من الحقِّ والصَّوَاب، كما تقول: هذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذا أرَدْتَ تَحْقِيره. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً}، وقد تقدَّم الكلام على نظيرِه، والتَّكْريرُ للتَّأكيد. وقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: لا تأسَفْ عليهم بسبب طغيانهم وكُفْرِهم، فإنَّ ضرر ذلك راجعٌ إليهم، لا إلَيْكَ ولا إلى المُؤمنين. والثاني: لا تأسَفْ بسبب نُزُولِ اللَّعْن والعذابِ عليهم فإنَّهُمْ من الكَافِرِين المُسْتَحِقِّين لِذَلك. وروى ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما - "حديث : أنَّ جماعَةً مِنَ اليَهُود قالوا: يا مُحَمَّد ألَسْتَ تُقِرُّ أنَّ التَّوْرَاة حَقٌّ مِنْ عند اللَّهِ تَعَالى؟ قال: بلى، قالُوا: فإنَّا مُؤمِنُون بها، ولا نُؤمِن بِغَيْرها"تفسير : ، فنَزَلَتْ هذه الآية.

البقاعي

تفسير : ولما أمر سبحانه بالتبليغ العام، أمره بنوع منه على وجه يؤكد ما ختمت به آية التبليغ من عدم الهداية لمن حتم بكفره، ويبطل - مع تأكيده - هذه الدعوى: قولهم: نحن أبناء الله وأحباءه، فقال مرهباً لهم بعد ما تقدم من الترغيب في إقامته: {قل يا أهل الكتاب} أي من اليهود والنصارى {لستم على شيء} أي سارّ أو يعتد به من دنيا ولا آخرة، لأنه لعدم نفعه لبطلانه لا يسمى شيئاً أصلاً {حتى تقيموا} أي بالعمل بالقلب والقالب {التوراة والإنجيل} وما فيهما من الإيمان بعيسى ثم بمحمد عليهما الصلاة والسلام بالإشارة إلى كل منهما بالخصوص بنحو ما تقدم في الإشراق من ساعير والظهور ممن فاران، وبالإشارة بالعموم إلى تصديق كل من أتى بالمعجز، وصدق ما قبله من منهاج الرسل {وما أنزل}. ولما كان ما عندهم إنما أوتي إليهم بواسطة الأنبياء، عداه بحرف الغاية فقال: {إليكم من ربكم} أي المحسن إليكم بإنزاله على ألسنة أنبيائكم من البشارة بهما، وعلى لسان هذا النبي العربي الكريم مما يصدق ما قبله، فإنهم يعلمون ذلك ولكنهم يجحدونه. ولما كان السياق لأن أكثرهم هالك، صرح به دالاً بالعطف على غير معطوف عليه أن التقدير: فليؤمنن به من أراد الله منهم، فقال: {وليزيدن كثيراً منهم} أي ما عندهم من الكفر بما في كتابهم {مآ أنزل إليك من ربك} المحسن إليك بإنزاله {طغياناً} تجاوزاً شديداً للحد {وكفراً} أي ستراً لما دل عليه العقل. ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة على خلق الله، سلاّه في ذلك بقوله: {فلا} أي فتسبب عن إعلام الله لك بذلك قبل وقوعه ثم عن وقوعه كما أخبر أن تعلم أنه بإرادته وقدرته، فقال لك: لا {تأس} أي تحزن {على القوم الكافرين} أي على فوات العريقين في الكفر لأنهم لم يضروا إلاّ أنفسهم لأن ربك العليم القدير لو علم فيهم خيراً لأقبل بهم إليك، والحاصل أنه ختم هذه الآية بمعلول الآية التي قبلها، فكأنه قبل: بلغ، فإن الله هو الهادي المضل، فلا تحزن على من أدبر. ولما كان ما مضى في هذه السورة غالباً في فضائح أهل الكتاب لا سيما اليهود وبيان أنهم عضوا على الكفر، ومردوا على الجحد، وتمرنوا على البهت، وعتوا عن أوامر الله، كان ذلك موجباً لأنه ربما حدث في الخاطر أنه إن آمن منهم أحد ما يقبل، أو لأن يقولوا هم: ليس في دعائنا حينئذ فائدة فلا تدعنا، أخبر أن الباب مفتوح لهم ولغيرهم من جميع أهل الملل، وأنه ليس بين الإنسان وبين أن يكون من أهله إلا عدم الإخلاص، فإذا أخلص أذن في دخوله ونودي بقبوله، أو يقال - وهو أحسن: لما أخبر عن كثير منهم بالزيادة في الكفر، رغب القسم الآخر على وجه يعم غيرهم، أو يقال: إنه لما طال الكلام معهم. كان ربما ظن أن الأمر ترغيباً وترهيباً وأمراً ونهياً خاص بهم، فوقع الإعلام بأنهم وغيرهم من جميع الفرق في ذلك سواء، تشريفاً لمقدار هذا النبي الكريم بعموم الدعوة وإحاطة الرسالة فقال سبحانه: {إن الذين آمنوا} أي قالوا: آمنا {والذين هادوا} أي اليهود {والصابئون} أي القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية {والنصارى} أي الذين يدعون اتباع المسيح عليه السلام. ولما كان اليهود قد عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم في استنزال الروحانيات انهماكاً في السحر الذي جاء نبيهم موسى عليهم السلام بإبطاله، وكان ذلك هو معنى دين الصابئة، وفرّق بين فريقي بني إسرائيل بهم مكتفياً بهم عن ذكر بقية المشركين لما مضى في البقرة، ولما سبق في هذه السورة من ذم اليهود بالنقض للميثاق والكفر واللعن والقسوة وتكرر الخيانة وإخفاء الكتاب والمسارعة في الكفر والنفاق والتخصيص بالكفر والظلم والفسق وغير ذلك من الطامات ما يسد الأسماع، كان قبول توبتهم جديراً بالإنكار، وكانوا هم ينكرون عناداً فلاح العرب من آمن منهم ومن لم يؤمن، فاقتضى الحال كون الفريقين في حيز التأكيد، ولم يتقدم للصابئة ذكر هنا فأخرجوا منه تنبيهاً على أن المقام لا يقتضيه لهم، فابتدىء بذكرهم اعتراضاً ودل على الخبر عنهم بخبر "إن"، أو أنه لما كان المقام للترغيب في التوبة، وجعل هؤلاء مع شناعة حالهم بظهور ضلالهم كمن لا إنكار لقبول توبته، كان غيرهم أولى بذلك، ولما كان حال النصارى مشتبهاً، جعلوا في حيز الاحتمال للعطف على اليهود لما تقدم من ذمهم، وعلى الصابئة لخفة حالهم بأنهم مع أن أصل دينهم صحيح لم يبلغ ذمهم السابق في هذه السورة مبلغ ذم اليهود {من آمن} أي منهم مخلصاً من قلبه، ولعله ترك الجار إعراقاً في التعميم {بالله} أي الذي له جميع الجلال والإكرام {واليوم الآخر} أي الذي يبعث فيه العباد بأرواحهم وأشباحهم، ويبعث من ذكره على الزهادة وألحد في العبادة، وبالإيمان به يحصل كمال المعرفة بالله تعالى باعتقاد كمال قدرته {وعمل صالحاً} أي صدق إيمانه القلبي بالعمل بما أمر به، ليجمع بين فضيلتي العلم والعمل، ويتطابق الجنان مع الأركان {فلا خوف عليهم} يعتد به في دنيا ولا في آخرة {ولا هم} أي خاصة {يحزنون *} أي على شيء فات، لأنه لا يفوتهم شيء يؤسف عليه أصلاً، وأما غيرهم فهم في الحزن أبداً، وفي الآية تكذيب لهم في قولهم {أية : ليس علينا في الأميين سبيل} تفسير : [آل عمران: 75] المشار إليه في هذه السورة بنسبتهم إلى أكل السحت في غير موضع، وفي نصوص التوراة الموجودة بين أظهرهم الآن أعظم ناصح لهم في ذلك كما سبق في أوائل البقرة، وقال في السفر الرابع منها عند ذكر التيه ووصاياهم إذ أدخلهم الأرض المقدسة، ومكنهم فيها بأشياء منها القربان: وإن سكن بينكم رجل غريب يقبل إليّ أو بين أولادكم لأحقابكم ويقرب قرباناً لريح قتار الذبيحة للرب يفعل كما فعلتم أنتم، ولتكن السنة واحدة لكم وللذين يقبلون إليّ ويسكنون بينكم سنة جارية لأحقابكم إلى الأبد، والذين يقبلون إليّ من الغرباء يكونون أمام الرب مثلكم، ولتكن لكم سنة واحدة وحكومة واحدة لكم وللذين يقبلون إليّ ويسكنون معكم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ ‏حديث : جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، قالوا‏:‏ يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من حق الله‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "‏بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من أحداثكم‏. قالوا‏:‏ فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم ‏{‏قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏القوم الكافرين‏}" ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} مخاطِباً الفريقين {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء} أيْ دينٍ يُعتدّ به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بُطلانه ووضوح فساده، وفي هذا التعبـير من التحقير والتصغير ما لا غايةَ وراءه {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ} أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشواهدُ نبوته، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك، وأما مراعاة أحكامهما المنسوخةِ فليست من إقامتهما في شيء، بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما، لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادةٌ بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما، وأن أحكامهما ما قرره النبـي الذي بشَّرَ فيهما ببعثه، وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه، فإذن إقامتُهما بـيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة من الأحكام كما يُفصح عنه قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ} أي القرآن المجيد بالإيمان به، فإن إقامة الجميع لا تتأتَّى بغير ذلك، وتقديمُ إقامةِ الكتابـين على إقامته مع أنها المقصودةُ بالذات لرعاية حقِّ الشهادة واستنزالِهم عن رتبة الشِّقاق، وإيرادُه بعنوان الإنزال إليهم لما مرّ من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعُمون من اختصاصه بالعرب، وفي إضافة الربِّ إلى ضميرهم ما أشير إليه من اللطف في الدعوة، وقيل: المراد بما أُنزل إليهم كتبُ أنبـياءِ بني إسرائيلَ كما مر، وقيل: الكتبُ الإلٰهيةُ فإنها بأسرها آمرةٌ بالإيمان لمن صدَّقَتْه المعجزةُ ناطقةٌ بوجوب الطاعة له. رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جماعةً من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تقرأ أن التوراة حقٌّ من عند الله تعالى؟ فقال عليه السلام: «بلى»، فقالوا: فإنا مؤمنون بها ولا نؤمنُ بغيرها فنزلت، قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} جملة مستأنَفةٌ مبـيِّنةٌ لشدة شكيمَتِهم وغُلوِّهم في المكابرة والعناد وعدمِ إفادة التبليغ نفعاً، وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولِها، والمرادُ بالكثير المذكور علماؤهم ورؤساؤهم، ونسبةُ الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخِهم عن تلك النسبة {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي لا تتأسف ولا تحزن عليهم لإفراطهم في الطغيان والكفر بما تُبلّغه إليهم، فإن غائلتَه آيلةٌ إليهم وتبِعَتَه حائقةٌ لا تتخطاهم، وفي المؤمنين مندوحةٌ لك عنهم، ووضعُ المُظْهر موضعَ المُضمَرِ للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} [الآية: 68]. قال الواسطى رحمة الله عليه: هم الذين تولى الله إضلالهم وصرف قلوبهم عن إدراك حقائق الحكمة.

القشيري

تفسير : أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قَدْركم في الدنيا والعُقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهي، والمحافظةِ على أحكام الشرع.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} ان خطاب الله سبحانه ذو صفتين صفة القهر وصفة اللطف فمن تلجى القران بقلبه بصفة اللطف يزيد نور بصارته بلطائف حكمته وحقائق اسراره ودقائق بيانه ويزيد بذلك نور ايمانه وتوحيده ويعرف بذلك ظاهر الخطاب وباطنه ومن يتجلى لقلبه بصفة القهر يزيد ظلمة طغيانه وقلة عرفانه بحيث لا يدرك ---- ويزيد لحظة ظلمة قلبه لان القرأن صفة الله وصفته لانها اية له اما بروية اللطف --- القهر قال تعالى {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} قال الواسطى هم الذين تولى الله اضلالهم وصرف --- درك حقائق الحكمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد مخاطبا ليهود والنصارى {يا أهل الكتاب لستم على شىء} اى دين يعتد به ويليق بان يسمى شيئاً لظهور بطلانه ووضوح فساده {حتى تقيموا التوراة والإنجيل} ومن اقامتهما الايمان بمحمد والاذعان لحكمه فان الكتب الالٰهية باسرها آمرة بالايمان بما صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد اقامة اصولهما وما لم ينسخ من فروعهما {وما انزل اليكم من ربكم} اى القرآن المجيد بالايمان به ونسب الانزال اليهم لانهم كانوا يدعون عدم نزوله الى نبى اسرائيل {وليزيدن كثيرا منهم} وهم علماؤهم ورؤساؤهم {ما أنزل إليك من ربك} اى القرآن {طغيانا وكفراً} على طغيانهم وكفرهم القديمين وهو مفعول ثان ليزيدن {فلا تأس على القوم الكافرين} اى فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه اليهم فان ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفى المؤمنين مندوحة لك عنهم. وفى الآية اشارة الى ان حقيقة الدين انما هى احكام ظاهرة وباطنة والتزين بالاعمال ظاهرا وبالاحوال باطنا وهذا لا يتصور الا بمقدمتين ونتائج اربع فاما المقدمتان فاولاهما الجذبة الآلهية وثانيتهما التربية الشيخية واما النتائج فاولاها الاعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها وثانيتها التوجه الى الحق بصدق الطلب وهما من نتائج الجذبة ثم تزكية النفس عن الاخلاق الذميمة وتحلية القلب بالاخلاق الآلهية وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوة والقوم الكافرون هم اهل الانكار يتعلقون بظاهر الدين ولا يعرفون وراءه غاية وليس الامر كذلك فان لكل ظاهر باطنا: وفى المثنوى شعر : فائده هرظاهرى خود باطنست همجو نفع اندر دواها كامنست هيج خطاطى نويسد خط بفن بهر عبن خط نه بهر خواندن كند بينش مى نبيند غير اين عقل اوبى سيرجون نبت زمين نبت راجه خوانده جاه ناخوانده هست باى اوبكل درمانده كرسرش جنبد بسير بادرو توبسر جنبانيش غره مشو آن سرش كويد سمعنا اى صبا باى او كويد عصينا خلنا تفسير : والحامل على الانكار هو الحسد كما كان لطائفة اليهود والنصارى فلا بد من تزكية النفس من مثل هذا القبيح ـ حكى ـ ان تلميذا للفضيل بن عياض حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه وقرأ سورة يس فقال يا استاذ لا تقرأ هذه ثم سكت ثم لقنه فقال لا اله الا الله فقال لا اقولها لانى بريىء منها ومات على ذلك فدخل الفضيل منزله وجعل يبكى اربعين يوما لم يخرج من البيت ثم رآه فى النوم وهو يسحب الى جهنم فقال بأى شىء نزع الله المعرفة عنك وكنت اعلم تلاميذى فقال بثلاثة. اولها بالنميمة فانى قلت لاصحابى بخلاف ما قلت لك. والثانى بالحسد حسدت اصحابى. والثالث كان لى علة فجئت الى الطبيب وسألته عهنا فقال تشرب فى كل سنة قدحا من الشراب فان لم تفعل بقيت بك العلة فكنت اشربه نعوذ بالله من سخطه الذى لا طاقة لنا به كذا فى منهاج العابدين.

ابن عجيبة

تفسير : {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ... } يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {يا أهل الكتاب}، اليهود والنصارى، {لستم على شيء} أي: لستم على دين يعتد به، {حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم} على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها، أمرت بالإيمان والإذعان، لمن صدقته المعجزة، وهي ناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد بإقامة الكتابين: إقامة أصولهما وما لم ينسخ من فروعهما، لا جميعهما. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما قيل لأهل الكتاب يقال لهذه الأمة المحمدية على طريق الإشارة، فيقال لهم: لستم على شيء، يُعبَأ به من أعمالكم وأحوالكم، حتى تقيموا كتابكم القرآن، فتحلوا حلاله، وتحرموا حرامه، وتقفوا عند حدوده، وتمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه، وتقيموا ـ أيضًا ـ سنة نبيّكم؛ فتقتدوا بأفعاله، وتتأدبوا بآدابه، وتتخلقوا بأخلاقه، على جهد الاستطاعة، ولذلك قال بعض السلف: ليس عليّ في القرآن أشد من هذه الآية: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} الآية. كما في البخاري. ثم ذكر عتوّ اليهود وطغيانهم، فقال: {... وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} يقول الحقّ جلّ جلاله: {وليزيدن كثيرًا} من اليهود {ما أنزل إليك} من القرآن والوحي {طغيانًا وكفرًا} على ما عندهم، فلا تحزن عليهم بزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإن ضرر ذلك لاحق بهم، لا يتخطاهم، قال ابن عباس: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسلام بن مشكم وملك بن الصيف ورافع بن حريملة في جماعة من اليهود، فقالوا: "يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم، وأنك مؤمن بالتوراة وبنبوة موسى، وأن جميع ذلك حق؟ قال: "حديث : بلى، ولكنكم أحدثتم وكتمتم وغيرتم "تفسير : . فقالوا: إنا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق، ولا نصدقك ولا نتبعك، فنزلت فيهم هذه الآية. الإشارة: من شأن أهل المحبة والاعتقاد، الذين سبقت لهم من الله العناية والوداد، إذا ازداد على أشياخهم فيض علوم وأنوار وأسرار؛ زادهم ذلك يقينًا وإيمانًا وعرفانًا، يجدون حلاوة ذلك في قلوبهم وأسرارهم؛ فيزدادون قربًا وشهودًا، وأهل العناد الذين سبق لهم من الله الطرد والبعاد؛ إذا سمعوا بزيادة علوم وأنوار على أولياء الله، زادهم ذلك طغيانًا وبُعدًا، فلا ينبغي الالتفات إليهم، ولا الاحتفال بشأنهم، فإن الله كاف شرهم، وبالله التوفيق. ثم رغب أهل المِلَل في الإسلام، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ}.

الطوسي

تفسير : سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود، فقالوا: يا محمد ألست تقول: إِن التوراة من عند الله؟ قال بلى. قالوا فانا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها فنزلت الآية. ومعناها أنه تعالى أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لأهل الكتاب {لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل}. وقيل في معناه قولان: أحدهما - حتى تقيموهما بالتصديق بما فيهما من البشارة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) والعمل بما يوجب ذلك فيهما. الثاني - قال أبو علي يجوز أن يكون الأمر باقامة التوراة والانجيل وما فيهما إِنما كان قبل النسخ لهما. وقوله {وما أنزل إليكم من ربكم} يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد به القرآن الذي أنزله على جميع الخلق. الثاني - أن يريد جميع ما نصبه الله من الأدلة الدالة على توحيده وصفاته وصدق نبيه (صلى الله عليه وسلم). وقوله: {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} والمراد أنهم يزدادون عند نزوله طغياناً وكفراً، لأن القرآن المنزل لا يزيد شيئاً طغياناً. فان قيل هذا هو المفسدة بعينه، لأنهم إِذا فسدوا عنده ولولاه لما فسدوا كان ذلك مفسدة.!!! قيل ليس في الآية أنه لو لم ينزل القرآن لم يكونوا يفعلون الكفر بل لا يمتنع أنه لو لم ينزل القرآن لفعلوا من الكفر ما هو أعظم، فصار إِنزال القرآن لطفاً في استنقاص الكفر وتقليل المفسدة، فالمفسدة زائلة واللطف حاصل، على أنه لا يمنع أن يكونوا يفعلون الكفر بعينه لو لم ينزل القرآن فحقيقة المفسدة اذاً ليست بحاصلة، لأن حد المفسدة ما وقع عنده الفساد ولولاه لم يقع من غير أن يكون تمكيناً. والطغيان ههنا تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه وأصله تجاوز الحد. ومنه قوله تعالى: {أية : إنا لما طغى الماء } تفسير : وقوله: { أية : إن الإنسان ليطغى} تفسير : أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق. وقوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} معناه لا تحزن تقول أسى يأسى أساً إِذا حزن. قال الشاعر: شعر : وانحلبت عيناه من فرط الأسى تفسير : وهذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وليس بنهي عن الحزن، لأنه لا يقدر عليه لكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن. قال البلخي ذلك يدل على بطلان ما روي من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا للكفار بالهداية، لأنه نهاه عن الحزن وأمره بلعنهم ولا يجتمع قول اللهم العنهم، واهدهم واغفر لهم.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} من الدّين يعتنى به ويسمّى شيئاً امّ تعريض بالامّة او خطاب على سبيل العموم ولاهل الكتاب والمقصود خطاب الامّة باقامتهم ما انزل اليهم فى الولاية {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} باقامة اوامرهما ونواهيهما {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} من القرآن باقامة حدوده ومن جملة حدوده الامر بالولاية وهى العمدة، او ما انزل اليكم من ربّكم فى الولاية كما فى أخبارنا على وجه التّعريض، ويمكن ان يقال: وما أنزل اليكم من ربّكم على السنة انبيائكم واوصيائهم من اخذ الميثاق وانتظار الفرج بمحمّد (ص) {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} فى علىٍّ او مطلقاً لكن يكون المقصود ما انزل فى الولاية بنحو التّعريض {طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} فانّهم لانحرافهم عن باب الولاية لم يبق فيهم ما يتأسّف به عليهم ولا يضرّونك ولا عليّاً (ع) ايضاً بانحرافهم حتّى تتأسّف على ذلك.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ} وفي إقامة التوراة والإِنجيل الدخول في دين محمد وحكمه وشريعته لأن ذلك في كتبهم. قال: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} وقد فسَّرنا ذلك في الآية الأولى. قال: {فَلاَ تَأْسَ} أي فلا تحزن {عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم إذا لم يؤمنوا وقد أقمتَ عليهم الحجة. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} أي تهوّدوا {وَالصَّابِئُونَ} وقد فسّرنا أمرهم في سورة البقرة {وَالنَّصَارَى} أي: والذين تنصروا {مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} يعني من آمن منهم بمحمد ودخل دينه وشريعته وحكمه. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. قوله: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} قد فسَّرنا أمر الميثاق في سورة آل عمران. {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} يعني أوليهم. هو مثل قوله: (أية : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ)تفسير : [البقرة:61]. قوله: {وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال الحسن: حسبوا ألا يكون بلاء. وتفسير عمرو عن الحسن: وحسبوا ألاَّ يُبتلوا في الدين، أي يجاهدون فيه وتفرض عليهم الطاعة فيه لمحمد. قال: {فَعَمُوا وَصَمُّوا} يعني الذين حسبوا ألا تكون فتنة، {عَمُوا وَصَمُّوا} أي عن الهدى. {ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ} أي جعل لهم متاباً فاستنقذهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} يعني من كفر منهم. ذكر بعضهم قال: {فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا} قال: كلَّما عرض بلاء وابتلوا هلكوا فيه. قال: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ}: اليهود والنصارى، والكتاب التوراة والانجيل. {لَسْتُم عَلَى شَىءٍ}: مما أنزل على موسى وعيسى، لأنكم غيرتم وبدلتم وحرفتم وكتمتم، ودل ذلك أن من ترك بعض الواجبات لم ينتفع بما فعل منها، فانه قد فعلوا بعض ما فى التوراة، وبعض ما فى الانجيل، ومع ذلك قال جل وعلا: {لَسْتُم عَلَى شَىءٍ} مما فيهما، ويحتمل أن المعنى لستم على نافع اذ لم تأتوا بجميع ما فرض. قال ابن عباس رضى الله عنه: حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة، وسلام من مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة وقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة ابراهيم ودينه، وتؤمن بالتوراة، وتشهد أنها حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس، فأنا برىء من احداثكم، قالوا: فانا نأخذ بما فى أيدينا، فانا على الحق والهدى، ولا نؤمن لك ولا نتبعكتفسير : ، فأنزل الله جل وعلا: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُم عَلَى شَىءٍ}. {حَتَى تٌقِيمُوا التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم}: ومن ذلك الايمان بمحمد، والقرآن والعمل به. {وَلَيَزِيدَنَ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفرًا فَلا تَأْسَ}: تحزن. {عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ}: وهم أهل الكتاب الجاحدون لرسالتك، فوبال كفرهم عليهم، وكان يتأسف على أن يؤمنوا، ويحب ايمانهم، وقال الله جل وعلا: {أية : ولا تحزن عليهم } تفسير : ففى المؤمنين غنى عنهم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَئٍْ} من الدين الحق أَو على شئ نافع أَو على شئ معتد به {حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإِنجيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} القرآن أَو كتب رسل بنى إِسرائيل أَو كتب الله كلها {وَلَيَزِيدنَّ كَثيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِليْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} مر مثله، وإِن الإِيمان به صلى الله عليه وسلم واتباعه داخلان في ذلك، نزلت في رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حرملة، إِذ قالوا: يا محمد تزعم أَنك على ملة إِبراهيم وتؤمن بالتوراة، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : نعم لكن أَحدثتم وكتمتم ما أَمرتم بتبيينهتفسير : ، قالوا فإِنا نأخذ بما عندنا ولا نتبعك، وقيل المراد بأَهل الكتاب اليهود والنصارى {فَلاَ تَأْسَ} لا تحزن {عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} أَيا ما كانوا، وعلى هؤلاءِ فلا تأس عليهم بسبب كفرهم ووضع الظاهر موضع المضمر ليذكر أَنه من اتصف بكفر لا يستحق أَن يحزن عليه.

الالوسي

تفسير : وإيراد الآية في تضاعيف الآية الواردة في أهل الكتاب لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها ويشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهتهم بها، وخصوصاً ما يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالهم، ولذلك أعيد الأمر فقال سبحانه: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ}، والمراد بهم: اليهود والنصارى ـ كما قال بعض المفسرين ـ وقال آخرون: المراد بهم اليهود، فقد أخرج ابن إسحق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : جاء رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على / ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله تعالى حق؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس فبرئت من إحداثكم. قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك»تفسير : فأنزل الله تعالى فيهم {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ}. {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْء} أي دين يعتد به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بطلانه ووضوح فساده، وفي هذا التعبير ما لا يخفى من التحقير، ومن أمثالهم أقل من لا شيء {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَٰةَ وَٱلإنجِيلَ} أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما، من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة النبـي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته، فإن إقامتهما وتوفية حقوقهما إنما تكون بذلك لا بالعمل بجميع ما فيهما منسوخاً كان أو غيره، فإن مراعاة المنسوخ تعطيل لهما ورَدّ لشهادتهما {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ} أي القرآن المجيد، وإقامته بالإيمان به، وقدمت إقامة الكتابين على إقامته ـ مع أنها المقصودة بالذات ـ رعاية لحق الشهادة واستنزالاً لهم عن رتبة الشقاق. وقيل: المراد بالموصول كتب أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام، وقيل: الكتب الإلٰهية، فإنها كلها ناطقة بوجوب الإيمان بمن ادعى النبوة وأظهر المعجزة ووجوب طاعة من بعث إليهم له، وقد مر تمام الكلام على مثل هذا النظم الكريم وكذا على قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} والجملة مستأنفة ـ كما قال شيخ الإسلام ـ مبينة لشدة شكيمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعاً، وتصديرها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيقه، ونسبة الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ مع نسبته فيما مر إليهم ـ للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة، وإذا أريد بالموصول النعم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم فأمر النسبة ظاهر جداً. {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي لا تأسف ولا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن غائلة ذلك موصولة بهم وتبعته عائدة إليهم، وفي المؤمنين غنى لك عنهم، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر، وقيل: المراد لا تحزن على هلاكهم وعذابهم، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنبيه على العلة الموجبة لعدم الأسى، ولا يخلو عن بعد.

ابن عاشور

تفسير : هذا الّذي أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لأهل الكتاب هو من جملة ما ثبّته الله على تبليغه بقوله: {بلّغ ما أنزل إليك من ربّك}، فقد كان رسول الله يحبّ تألّف أهل الكتاب وربّما كان يثقل عليه أن يجابههم بمثل هذا ولكن الله يقول الحقّ. فيجوز أن تكون جملة {قل يا أهل الكتاب} بياناً لجملة {أية : بَلِّغ ما أنزل إليك من ربّك}تفسير : [المائدة: 67]، ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً بمناسبة قوله: {أية : يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك}تفسير : [المائدة: 67]. والمقصود بأهل الكتاب اليهودُ والنّصارى جميعاً؛ فأمّا اليهود فلأنّهم مأمورون بإقامة الأحكام الّتي لم تنسخ من التوراة، وبالإيمان بالإنجيل إلى زمن البعثة المحمّديّة، وبإقامة أحكام القرآن المهيمن على الكتاب كلّه؛ وأمّا النّصارى فلأنّهم أعرضوا عن بشارات الإنجيل بمجيء الرسول من بعد عيسى ـــ عليهما السّلام ـــ. ومعنى {لستم على شيء} نفي أن يكونوا متّصفين بشيءٍ من التّدين والتّقوى لأنّ خَوض الرّسول لا يكون إلاّ في أمر الدّين والهُدى والتَّقوى، فوقع هنا حذف صفة {شيء} يدلّ عليها المقام على نحو ما في قوله تعالى: {أية : فأردتُ أن أعيبَها وكان وراءَهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة غصباً}تفسير : [الكهف: 79]، أي كلّ سفينة صالحة، أو غير معيبة. والشيء اسم لكلّ موجود، فهو اسم متوغّل في التنكير صادق بالقليل والكثير، ويبيّنه السّياق أو القرائن. فالمراد هنا شيء من أمور الكتاب، ولمّا وقع في سياق النّفي في هذه الآية استفيد نفي أن يكون لهم أقلّ حظّ من الدّين والتَّقوى ما داموا لم يبلُغوا الغاية الّتي ذكرتْ، وهي أن يقيموا التّوراة والإنجيل والقرآن. والمقصود نفي أن يكون لهم حظّ معتدّ به عند الله، ومثل هذا النّفي على تقدير الإعتداد شائع في الكلام، قال عبّاس بن مرداس:شعر : وقد كنتُ في الحرب ذا تُدْرَإٍ فلم أعْطَ شيئاً ولم أمْنَع تفسير : أي لم أعط شيئاً كافياً، بقرينة قوله: ولم أمنع. ويقولون: هذا ليس بشيء، مع أنّه شيء لا محالة ومشار إليه ولكنّهم يريدون أنّه غير معتدّ به. ومنه ما وقع في الحديث الصّحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الكُهَّان، فقال: «حديث : ليْسُوا بشيء»تفسير : . وقد شاكل هذا النَّفيُ على معنى الاعتداد النَّفيَ المتقدّم في قوله: {وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}، أي فما بلّغت تبليغاً معتدّاً به عند الله. والمقصود من الآية إنما هو إقامة التّوراة والإنجيل عند مجيء القرآن بالاعتراف بما في التّوراة والإنجيل من التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم حتّى يؤمنوا به وبما أنزل عليه. وقد أوْمَأتْ هذه الآية إلى توغّل اليهود في مجانبة الهدى لأنّهم قد عطّلوا إقامة التّوراة منذ عصور قبل عيسى، وعطّلوا إقامة الإنجيل إذ أنكروه، وأنكروا مَن جاء به، ثُمّ أنكروا نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فلم يقيموا ما أنزل إليهم من ربّهم. والكلام على إقامة التّوراة والإنجيل مضى عند قوله آنفاً: {أية : ولو أنّهم أقاموا التّوراة والإنجيل}تفسير : [المائدة: 66] الخ. وقد فنّدت هذه الآية مزاعم اليهود أنّهم على التمسّك بالتّوراة، وكانوا يزعمون أنّهم على هدى ما تمسّكوا بالتّوراة ولا يتمسّكون بغيرها. وعن ابن عبّاس أنّهم جاءوا للنّبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تقرّ أنّ التّوراة حقّ، قال: «بلى»، قالوا: فإنّا نؤمن بها ولا نؤمن بما عَداها. فنزلت هذه الآية. وليس له سند قوي. وقد قال بعض النّصارى للرّسول صلى الله عليه وسلم في شأن تمسّكهم بالإنجيل مثلَ قول بعض اليهود، كما في قصة إسلام عدي بن حاتم، وكما في مجادلة بعض وفد نجران. وقوله: {وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً}، أي من أهل الكتاب، وذلك إمّا بباعث الحسد على مجيء هذا الدّين ونزول القرآن ناسخاً لدينهم، وإمَّا بما في بعض آيات القرآن من قوارعهم وتفنيد مزاعمهم. ولم يزل الكثير منهم إذا ذكروا الإسلام حتّى في المباحث التّاريخيّة والمدنيّة يحتدّون على مدنيّة الإسلام ويقلبون الحقائق ويتميّزون غيظاً ومكابرة حتّى ترى العالِم المشهود له منهم يتصاغر ويتسفّل إلى دركات التبالُه والتّجاهل، إلاّ قليلاً ممّن اتّخذ الإنصاف شعاراً، وتباعد عن أن يُرمى بسوءالفهم تجنّباً وحِذاراً. وقد سمّى الله ما يعترضهم من الشجا في حلوقهم بهذا الدّين {طُغياناً} لأنّ الطغيان هو الغلوّ في الظلم واقتحام المكابرة مع عدم الاكتراث بلوم اللاّئمين من أهل اليقين. وسلَّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {فلا تأس على القوم الكافرين}؛ فالفاء للفصيحة لتتمّ التّسلية، لأنّ رحمة الرسول بالخَلْق تحزنه ممَّا بلغ منهم من زيادة الطّغيان والكفر، فنبّهتْ فاء الفصيحة على أنّهم ما بَلغوا ما بَلغوه إلاّ من جرّاء الحسد للرسول فحقيق أن لا يحزن لهم. والأسى الحزن والأسف، وفعله كفَرِح. وذُكر لفظ {القوم} وأتبع بوصف {الكافرين} ليدلّ على أنّ المراد بالكافرين هم الّذين صار الكفر لهم سجيّة وصفة تتقوّم بها قوميتهم. ولو لم يذكر القوم وقال: (فلا تأس على الكافرين) لكان بمنزلة اللّقب لهم فلا يُشعر بالتّوصيف، فكان صادقاً بِمَنْ كان الكفر غير راسخ فيه بل هو في حيرة وتردّد، فذلك مرجّو إيمانه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 68- يا أيها الرسول، قل لأهل الكتاب: إنكم لا تكونون على أى دين صحيح، إلا إذا أعلنتم جميع الأحكام التى أنزلت فى التوراة والإنجيل وعملتم بها، وآمنتم بالقرآن الموحى به من الله إلى رسوله لهداية الناس، ولتتيقن - أيها الرسول - أن معظم أهل الكتاب سيزدادون بالقرآن - الموحى به إليك - ظلماً وكفراً وعناداً، لحسدهم وحقدهم، فلا تحزن على الذين طبعوا على الجحود. 69- إن المصدِّقين بالله، وأتباع موسى من اليهود، والخارجين عن الأديان، وأتباع عيسى من النصارى، كل أولئك إذا أخلصوا فى الإيمان بالله، وصدقوا بالبعث والجزاء، وأتوا بالأعمال الصالحة التى جاء بها الإسلام، فهم فى مأمن من العذاب وفى سرور بالنعيم يوم القيامة. 70- إننا عاهدنا اليهود - من بنى إسرائيل - عهداً مؤكداً فى التوراة على اتباع أحكامها، وبعثنا إليهم أنبياء كثيرين ليبينوها لهم، ويؤكدوا عهدنا، ولكنهم نقضوا العهد، فكانوا كلما أتاهم رسول بما يخالف أهواءهم، كذبوا البعض وقتلوا البعض. 71- وظن بنو إسرائيل أنه لا تنزل بهم شدائد تبين الثابتين من غير الثابتين، ولذلك لم يصبروا فى الشدائد، ضل كثيرون منهم، وصاروا كالعميان الصم، وأعرضوا عن الحق، فسلط الله عليهم من أذاقهم الذل. وبعد حين رجعوا إلى الله تائبين، فتقبل توبتهم، وأعاد إليهم عزمهم، ولكنهم من بعد ذلك ضلوا مرة أخرى، وصاروا كالعمى الصم، والله مطلع عليهم، مشاهد لأعمالهم، ومجازيهم عليها.

القطان

تفسير : الطغيان: مجاوزة الحد المقبول، والظلم والاسراف والتجبر. {أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات:37-39]. لا تأس: لا تحزن. بيّن الله تعالى هنا أن الانتساب الى الأديان لا ينفع أهلها إلا اذا عملوا بها، فقلْ أيها الرسول لليهود والنصارى: إنكم لن تكونوا على دين صحيح، الا اذا أعلنتم جميع الأحكام التي أنزلت في التوراة والانجيل وعملتم بها وآمنتم بما بشَّر به الكتابان من بعثةِ نبيٍّ يجيء من وَلَدِ إسماعيل الذي سمّاه المسيحُ روح الحق والبارقليط. وأُقسم بأن الكثيرين من أهل الكتاب لا يزيده القرآن الا غلواً في تكذيبهم وكفراً على كفرهم، فلا تحزن عليهم. ويجب أن نأخذ نحن من هذه عبرا، ونتمسك بالقرآن الكريم وسنة رسوله حتى لا نكون مثل السابقين من أهل الكتاب. وقد سبق تفسير باقي الآية الكريمة من قبلُ.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} {ٱلتَّوْرَاةَ} {طُغْيَاناً} {ٱلْكَافِرِينَ} (68) - قُلْ لأهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا تُبَلِّغُهُمْ إيّاهُ عَنْ رَبِّهِمْ: لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أمْرِ الدِّينِ وَالهُدَى حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، وَمِنْهَا الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ، وَالأمْرُ بِاتِّبَاعِهِ، وَالإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ، وَالاقْتِدَاءُ بِشَرِيعَتِهِ، وَسَيُثيرُ مَا أنْزَلنا عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ، مِنَ القُرْآنِ وَالهُدَى، كَثيراً مِنَ الحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالطُّغْيَانِ وَالكُفْرِ فِي نُفُوسِ الكَثِيرِينَ مِنْ هَؤُلاَءِ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْتَمَّ بِذَلِكَ، أوْ تَحْزَنَ لَهُ. لاَ تَأْسَ - لاَ تَحْزَنْ وَلاَ تَأسَفْ. يَزِيدُهُمْ طُغْيَاناً - يَزِيدُهُمْ إمْعَاناً فِي الحَسَدِ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} من الدين {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يا محمد {مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} حيث أمرهم بالقرآن مع قيام الدلالة والحجة عليهم {فَلاَ تَأْسَ} فلا تحزن {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ} كان حقه والصابئين وإنما رفعه عطفاً على الذين قبل دخول أنّ فلا يحدث معنى كما تقول: زيد قائم، وأن زيداً قائم معناها واحد، وقرأ الحسن إن اللّه وملائكته برفع التاء {وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً} الآية. {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} في التوحيد والنبوّة {وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً} إلى قوله {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} وظنوا أن لا يكون ابتلاء واختبار. ورفع نونه بعض قرّاء العراق فمن نصب فعلى ترك المبالاة بلا ومن رفع فعلى معنى لا يكون {فَعَمُواْ}، عن الحسن: فلم يبصروه {وَصَمُّواْ} عنه فلم يسمعونه وكان ذلك عقوبتهم {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} بعد ذلك بخذلانهم أياً منهم في قتال {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} وهم كفار أهل الكتاب {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} يعني الملكانية {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الآية. {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} هي النسطورية وذلك إنهم قالوا أباً وإبناً وروحاً قدسياً {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} إلى قوله {لَيَمَسَّنَّ} لتصيبن { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} خص الكفر لعلمه أن بعضهم [لهم] {عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلاَ يَتُوبُونَ} الآية. {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} إلى قوله {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} الآية، تصدق، وقال مقاتل: إنما سميت صديقة لأنها لما أتاها جبرئيل، وهي في منجم وقال لها: إنما أنا رسول ربك صدّقته {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} في هذا المعنى هذا عبارة عن الحدث ومن أكل وأحدث لا يستحق أن يكون إلهاً {ٱنْظُرْ} يا محمد {كَيْفَ نُبَيِّنُ} إلى قوله {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [يرتدون] عن الحق {قُلْ أَتَعْبُدُونَ} الآية {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} يعني النصارى {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} لا تجاوزوا الحق إلى غيره {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ} الآية.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"قل" - كما نعرف - هي خطاب له صلى الله عليه وسلم، وما يلي ذلك بلاغ من الله لأهل الكتاب إنهم بلا منهج لأنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل بل حرفوهما، ولم يؤمنوا بالقرآن، وهو المنهج الكامل المنزل على محمد بن عبدالله. وحين يقول الحق: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} فكلمة "شيء" تقال لأدنى فرد من أي جنس، فالقشة شيء، وورقة الشجرة شيء، وما يطلق عليه شيء - إذن - هو الأقل. وقوله الحق: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} أي إياكم أن تظنوا أنكم حين تقومون بتنفيذ جزء من تعاليم التوارة والإنجيل وتخفون الباقي وتهملونه تكونون قد أخذتم شيئاً من الهداية، لا؛ فأنتم لستم على شيء حتى تقيموا التوارة والإنجيل وتؤمنوا بالكتاب الذي أنزل على محمد، والمنهج ليس عرضة لأن تأخذوا منه ما يعجبكم وأن تتركوا ما لا يعبجكم. وعندما يقال: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ}. ونعرف أن الشيء هو أقل مرتبة في الوجود، ولذلك نقول: شيء خير من لا شيء. ويقال بالعامية: هاش خير من لاش و"هاش" هو الهالك من ثياب المنزل الممزقة، أي أن الذي يملك ملابس ممزقة أفضل ممن لا يملك شيئاً على الإطلاق. وقوله الحق: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} هو إيضاح لهم أنهم في المرتبة الأدنى من الكائنات لأنهم بلا منهج. ويضيف: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي أنهم لن يظلوا على درجة واحدة ثابتة من الطغيان والكفر، بل كلما أنزل الحق إليك آية يا محمد، وكلما نصرك الله في أمر ازدادوا هم طيغاناً وكفراً. وكان من المفروض أن زيادة نزول الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم تكون إضعافاً لتشددهم وترقيقا لقلوبهم، لكنه سبحانه أراد أن تشتد شراستهم ووحقدهم في أمر الاعتراف بالإسلام. وقد حدث من خالد بن الوليد وكان فارس الجاهلية ضد الإسلام أن قال لعمرو ابن العاص: لقد استقر الأمر لمحمد. واتجه الاثنان إلى الإسلام على الرغم من أن كلا منهما يعرف قوته ومكانته بين قومه. وبعد أن رأى خالد وعمرو أن الخيبة هي نصيب الواقف ضد محمد مهما علا شأنه. ذهبا إلى الإسلام، وهذا هو موقف المتدبر للأمر دون حقد ولَدَد. أما الذي يزدحم بالمعاناة حقداً ولدداً فتزيده آيات الله لنصرة منهجه حقداً ولدداً وطيغاناً؛ لأن الله شاء ألا يهديهم. ولذلك تصير كل آية في صف الإيمان والمؤمنين مصدرَ إثارةٍ وغيظ ومرارة في نفوس أهل الكفر. وهكذا يوطن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره تجاه هؤلاء الكفار. إنك يا رسول الله لا تواجه طاقة محدودة ولكنك تواجه طاقة من الشر النامي. وكل آية إنما تهدي الذي في أعماقه بذرة من خير، أما الذي ينتفي الخير من داخله فالمسألة تزيده سراشة في قلبه. إن الشرير يُصَعِّد الشر ويزداد جُرمه وإثمه، أما الخير فينزل من قِمّةِ الجرم إلى أقل درجة. ولنا المثل في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، فالحق يقول على لسان أخوة يوسف: {أية : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يوسف: 8]. ومن بعد ذلك قالوا لأبيهم: {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ}. ثم أخذوا في التبييت والتدبير وقالوا: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}. وكان أول التدبير لهم هو ما قاله الحق حكاية عنهم: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ}. ومعنى القتل هو إزهاق الروح. وهذه أعلى درجات الشر، لكنهم يتراجعون عنها ويقولون: {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً}. فهم لم يرغبوا في قتله، واكتفوا بأن يتركوه في مكان بعيد، وتصوروا أن بعض السيارة قد يلتقطه فيبعدون يوسف عن أبيه. إذن هم بدأوا التدبير قتلاً، ثم انتهوا بالتفكير لنجاة يوسف: {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} تفسير : [يوسف: 9]. والمرحلة الثالثة قولهم: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} والجب فيه مياه، وهناك أناس كثيرون يذهبون إلى مصادر المياه. هكذا يورد الحق لنا كيفية نمو الخير من بطن الكيد. إذن، فقوله الحق: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي أن الكثير منهم سيواصل رحلة التصعيد في الشر، فوطن نفسك يا محمد على ذلك. ونلحظ أن الحق قد وضع صيانة لاحتمال أن تفكر قلة منهم في الإيمان، لذلك لم يشملهم كلهم بالحكم، ولكن الحكم شمل الكثرة من هؤلاء الكافرين. ولذلك يقول الحق لرسوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم يا رسول الله. فعلى الرغم من عداوة وشراسة من صادموا دعوته صلى الله عليه وسلم ومحاولتهم كل تلك المحاولات، كان لا يكف عن الدعاء لهم: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". وكان لا يكف عن القول: "لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله". وقد تم ذلك بالفعل. وكان الصحابة بعد الغزوات الأولى يقول كل منهم للآخر: أنا حزين لأن عمراً أفلت مني ولم أقتله. فيقول الآخر: وأنا حزين لأن عكرمة أفلت مني. ويقول الثالث: وأنا لا أدري كيف أفلت منا خالد بن الوليد. ولم يمكن الحق الصحابة الأوائل من هؤلاء المقاتلين الأشاوس لأنه يدخرهم للإسلام ليحملوا السيف للإسلام مدافعين وناشرين لدعوته. وها هوذا عكرمة بن أبي جهل يتلقى الطعنة الأخيرة في حياته فيضع رأسه على فخذ خالد بن الوليد ويسأله: أهذه ميتة ترضى عني رسول الله؟ إذن فقد أراد الله من عدم تمكين المسلمين منهم في أوائل الغزوات أن يكونوا جنداً للإسلام بقدراتهم القتالية فاستبقاهم أحياء ليخدموا الدعوة. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} معناهُ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ تَأْسَ} فلا تَحزن.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} من أمر الدين والإيمان والإطاعة والانقياد {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَ} جميع {مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} وتمتثلوا بأحكامها، وتتصفوا بما فيها من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم المرضية عند الله، وتتحققوا بحقائقها ومعارفها المودعة فيها {وَ} الله {لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ} حين سمعوا منك أمثال هذا، ناشئاً من {مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} لتأييدك ونصرك {طُغْيَاناً وَكُفْراً} من غاية غيظهم، وبغضهم معك، ومع من تبعك من المؤمنين {فَلاَ تَأْسَ} ولا تحزن {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [المائدة: 68] الساترين طريق الحق بأهويتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة الفاسدة. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أسلموا، وانقادوا، وامتثلوا بأوامر كتابك واجتنبوا عن نواهيه، وآمنوا أيضاً بجميع الكتب والرسل، وجميع الأنبياء وذوي الأديان وغيرها؛ لتمكنهم في مقر التوحيد البحث، الخالص عن شوب الكثرة {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} من الممتثلين جميع ما أمر في التوراة، ونُهي عنه إلى أن وصلوا إلى مرتبة التوحيد، المسقط للاختلافات الصوري والمعنوي {وَٱلصَّابِئُونَ} الذين يتوسلون بالملائكة في عبادة الله، لا الصابئون الطبيعيون الذين هم يعبدون الكواكب من صور نظرهم، وكثافة حجابهم {وَٱلنَّصَارَىٰ} الذين يعلمون على مقتضى الإنجيل بلا فوت شيء من أوامره ونواهيه. {مَنْ آمَنَ} منهم {بِٱللَّهِ} المتوحد بذاته، المستغني عن الأشياء والأنداد مطلقاً ووصل بمتابعة كتبه المنزلة، ورسله المبينين لكتبه إلى توحيده {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعدّ للكشف والوصول {وعَمِلَ} عملاً {صَالِحاً} بطريق توحيده {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في سلوكهم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69] بعدما وصلوا؛ إذ كل ما جاء من عند الله إنما هو بمقتضى توحيده، مبيّن له، وإن كانت الطرق متعددة بتعدد الأوصاف والأسماء الإلهية لكن كل منها موصلة إليه سبحانه؛ إذ ليس وراء الله مرمى ومنتهى، لذلك قيل: التوحيد إسقاط الإضافات رأساً حتى يتحقق الفناء فيه والبقاء به، بل لا فناء ولا بقاء في مرتبة العماء أصلاً، حارت في ملكوتك عميقات مذاهب التفكر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لأهل الكتاب، مناديا على ضلالهم، ومعلنا بباطلهم: { لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ } من الأمور الدينية، فإنكم لا بالقرآن ومحمد آمنتم، ولا بنبيكم وكتابكم صدقتم، ولا بحق تمسكتم، ولا على أصل اعتمدتم { حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ } أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان بهما واتباعهما، والتمسك بكل ما يدعوان إليه. { و } تقيموا { ما أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ } الذي رباكم، وأنعم عليكم، وجعل أجلَّ إنعامه إنزالَ الكتب إليكم. فالواجب عليكم، أن تقوموا بشكر الله، وتلتزموا أحكام الله، وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده.